علم اجتماع الشباب

 

تأليف: الأستاذ الدكتور معن خليل العمر

 الاهداء 

الى مهماز التغيير الشعبي ورواده وفاعليه في القرن الألفي – الثالث – شباب العصر الالكتروني وثورة المعلومات… شباب اليوم

أهدي مؤلفي هذا لهم

المقدمة

ينطوي هذا الحقل السوسيولوجي على توضيح وشرح وتحليل الشريحة العمرية الاجتماعية الوسطى في الهرم السكاني في كل مجتمع، وهذا المؤلف لا يرمي الى تجزئة المجتمع الى شرائحه العمرية بل يرنو الى تسليط الضياء على طليعة التغيير الاجتماعي ورواد كل جديد ومهماز (محرك) كل حراك اجتماعي صاعد ولأن أدبيات علم الاجتماع التقليدي دأبت على التركيز حول ابراز سلوكيات الشباب المنحرفة والجانحة عن الضوابط الاجتماعية العرفية والوضعية مثل: الجريمة والجنوح، والتمرد والطيش وأهملت دورهم في التغيير الاجتماعي المعاصر وأغفلت ابراز وعيهم بطغيان النظام السياسي والبطريقي (سلطة عليَّة القوم وكبار السن) على حراكهم الجماهيري المتنامي في الالفية الثالثة فأضحى شأني وسبيلي في هذا المنتج العلمي هو تخصيص فصول حول ما قاموا به من انتفاضات ضد الظلم الواقع عليهم من قبل القابعين على قمة الهرم الاجتماعي وفسادهم الذي انتشر في المجتمع فاضحوا “ضحية ” مسحوقة. وازاء هذا الطحن السياسي والبطريقي عليهم تحولوا الى (قرابين) بشرية رافضة لتغيبهم من المسرح الوطني والثقافي والسياسي ليلعبوا دورًا فعالًا وطليعيًا ورائدًا في حصولهم على التحرر من الاستعمار المجتمعي ليعيشوا احرارًا في مجتمعهم وبلدهم. عندها بدأ بعض علماء الاجتماع المعاصرين إعطاء اهتمامًا متميزًا لهذه الشريحة العمرية المهمشة والمستبعدة من مساهمتها القيادية في مواجهة تحديات العصر لا سيما وإن التطورات التقنية والمنظمات الدولية المتفتحة على المستقبل في منحهم الثقة بالنفس والدفاع عن حقوقهم الوطنية والإنسانية والثقافية والانفتاح المعرفي على حقوق الإنسان الحديث. كل ذلك دفعنا الى ان نجعل هذا المنتج العلمي أن يكون مرآة ناصعة عاكسة لحراك هذه الطليعة والرائدة في التغيير الاجتماعي والثقافي الحديث انتشر في المجتمعات المفتوحة والتواقة للتجديد والتحديث بذات الوقت نكشف الغطاء الكثيف الذي غطى على تهميشهم واستبعادهم في تغير التدرج الاجتماعي والطبقي والموقعي وعدم اسهامهم في عملية اتخاذ القرارات الرئيسية والجوهرية في قمة الهرم المجتمعي هذه هي مرامي وغايات.

مؤلفي هذا الذي ضمَّ عشرة فصول وهي: الفصل الأول تخصص بمدخل العلم الخاص بالشباب، بينما الفصل الثاني تناول الأصناف الاجتماعية لجيل الشباب، في حين أوضح الفصل الثالث ثقافة الشباب، والرابع ذهب بطرح الشباب والحركات الاجتماعية. اما الفصل الخامس فقد تخصص في طرح خماسية مشاكل الشباب المعاصر، بينما الفصل السادس أوضح طموح الشباب لكن الفصل السابع تناول حرية الشباب والفصل الثامن تضمن رياضة الشباب والتاسع أوضح طيش الشباب والعاشر اختص بجنوح الشباب. جاء الان امتناني وشكري الجزيل لرفيقة عمري وشريكة حياتي (جيهان الطائي) التي قامت بطبع مسودة هذا الكتاب مع ابداء ملاحظاتها القيمة حول ما جاء به هذا المؤلف لأنها هي ايضًا متخصصة بعلم الاجتماع وقامت بتدريسه في المدراس الإعدادية.

اخيرًا اسأل الحق الذي منح كل الحق ان يسدد خطانا وان يتوج بالنجاح مسعانا وان يوفقنا الى المعرفة التي هي غايتنا الأولى والأخيرة في كل ما نزاوله وبالله العون ومنه التوفيق.

الأستاذ الدكتور

معن خليل العمر

سدني / استراليا

2020

قائمة المحتويات

 

المقدمة

الفصل الأول

المدخل

أ – لماذا الدعوة الى علم اجتماع الشباب؟

ب – المفاضلة الاجتماعية لمراحل الفرد العمرية.

ت – مفهوم الشباب ودوره في المجتمع.

ث – نماذج الشباب.

ج – الشباب صناع التغيير الإيجابي بالمجتمع.

ح – نمط الشباب القديم.

خ – هل الشباب أقلية اجتماعية؟

الفصل الثاني

الأصناف الاجتماعية لجيل الشباب

أ – السمات الشخصية لشباب الالفية.

ب – أنواع الأصناف الاجتماعية لجيل الشباب.

ت – نظريات علم اجتماع الأجيال.

– نظرية كارل مانهايم

– سوسيولوجيا الأجيال

– نظرية تعاقب الأجيال

ث – فجوة الأجيال

ج – صراع الأجيال

ح – المشاكل الاجتماعية لشباب الالفية

الفصل الثالث

ثقافة الشباب

أ – الثقافة الفرعية للشباب

ب – جيل البيت (جيل الإيقاع)

ت – حركة الهيبيز

ث – ثقافة الانترنت عند الشباب

ج – ثقافة الشباب وتحديات الانترنت… من يؤثر على من؟

الفصل الرابع

الشباب والحركات الاجتماعية

أ – المفاهيم

– الشباب

– الحركات الاجتماعية

ب – جدلية علاقة الشباب بالحركات الاجتماعية

ت – التأطير والتوظيف النظري لانتفاضة الشباب العربي

ث – نماذج من الانتفاضات الشبابية المعبرة عن جدلية العلاقة بين الشباب والحركة

– انتفاضة الشباب العراقي

– انتفاضة الشباب اللبناني

– انتفاضة الشباب الجزائري

– انتفاضة الشباب السوداني

– انتفاضة الشباب في تشيلي

– انتفاضة الشباب اللاتيني

– انتفاضة شباب هونك كونك

– انتفاضة الشباب الإيراني

تعليق

الفصل الخامس

خماسية مشاكل الشباب المعاصر

أ – البطالة

ب – الهجرة الداخلية

ت – الإدمان على المخدرات

ث – العنف

ج – الانتحار

تعليق

الفصل السادس

طموح الشباب

أ – الشباب بين الطموح والجروح

ب – طموح الشباب وتجاربهم

ت – الشباب العربي بين مطرقة الواقع وسندان الطموح

ث – طموح الشباب بين الأمل والألم

ج – كلام عن الامل والطموح

الفصل السابع

الشباب والحرية

أ – الحرية الشخصية عند الشباب

ب – الحرية من منظور شباب الربيع العربي

ت – الشباب يناشد بالانفتاح والعيش امام الأبواب المفتوحة.

الفصل الثامن

الشباب والرياضة

أ – الشباب والرياضة في العصور الغابرة

ب – الشباب والرياضة في العصر الحالي

ت – الشباب والرياضة الالكترونية

الخلاصة والتعليق

الفصل التاسع

طيش الشباب

أ – التأويل الاجتماعي لطيش الشباب وهو في مقتبل عمره

ب – نماذج من طيش الشباب

– انجلينا جولي: طيشها قبل رشدها

– اعترافات طائشة

– طيش الشباب في تحرشهم الجنسي الكترونيًا

– التهور لا يعني المغامرة

الفصل العاشر

جنوح الاحداث

أ – أسباب جنوح الاحداث

– الميل للجنوح

– الفشل وعلاقته بالميل الجانح

– التسرب المدرسي

– ضعف البنية التعليمية

– العنف المنزلي

– العنف في البيئة المحيطة

– ضغط الاقران

– العوامل الاجتماعية والاقتصادية

– تعاطي المخدرات

ب – أنماط جنوح الاحداث

ت – النظريات التي فسرت جنوح الاحداث

– نظرية روبرت مرتون

– نظرية الثقافة الفرعية

– نظرية الاغتراب

– نظرية الاتراب (أصحاب المنحرف)

المراجع العربية

المراجع الإنجليزية

المراجع الالكترونية

 

الفصل الأول

المدخل

 

أ – لماذا الدعوة الى علم اجتماع الشباب؟

ب – المفاضلة الاجتماعية لمراحل الفرد العمرية.

ت – مفهوم الشباب ودوره في المجتمع.

ث – نماذج الشباب.

ج – الشباب صناع التغيير الإيجابي بالمجتمع.

ح – نمط الشباب القديم.

خ – هل الشباب أقلية اجتماعية؟

الفصل الأول

المدخل

 

أ – لماذا الدعوة الى علم اجتماع الشباب؟

أليس هم جزءً من المجتمع؟ أليس هم شريحة عمرية مستكنه في الهرم السكاني (الديموغرافي)؟ الجواب، نعم هم موجودين منذ نشوء المجتمعات لكنهم لم يكونوا حاضنين للمشكلات الاجتماعية كما هم الان، ولم يكن الشباب في العصور القديمة يعانوا من مشكلات مادية أو ثقافية أو اجتماعية لأن الأسرة الممتدة كانت حاضنة وتمدهم بكل احتياجاتهم فضلًا عن هيمنة النظام القبلي والقرابي والسلطة البطريقية (الذكورية – الأبوية) على أفراد المجتمع ومعاملة الشباب على انهم أولاد يجب اطاعتهم للكبار وخنوعهم للتقاليد الموروثة مع وجود فرصة العمل موجودة داخل أسرهم. لكن بعد انتشار التعليم والصناعة والتجارة بشكل واسع ومع تأثير الوسائل الإعلامية المتنوعة ظهر عندهم الوعي فتعرفوا على مجريات الحياة خارج حدود أسرهم ومجتمعهم المحلي فزادت اعدادهم في كافة ارجاء المعمورة ممن تتراوح أعمارهم بين 14-25 عامًا فشكلوا حسب إحصاءات اليونسكو مليار ومائتي مليون شاب أي ما يعادل 18% من سكان العالم الذين وصلوا الى 6 بلايين نسمة بينهم حوالي 84% من بلدان العالم الثالث وهذه النسبة سترتفع في عام 2025 الى 89% وهذا التعداد يمثل أكبر جيل من الشباب في تاريخ البشرية. بينما تتناقص أعداد الشباب في البلدان ذات الدخل المرتفع. أي ما يعرف بالدول المتقدمة مع تزايد اعداد هؤلاء بصورة كبيرة في الدول النامية حيث يمثل الشباب والأطفال ما يزيد عن 50% من عدد السكان وهذه النسبة تشمل الدول العربية. [http://islam4u.com]

وإزاء ذلك أمرت اليونسكو في عام 1996 ما يلي: يمثل الشباب أولوية مطلقة في برنامجها وفي عام 1998 شكلت اليونسكو لجنة استشارية لرعاية الشباب. إذن هذا سبب دولي صادر من أكبر وأرقى منظمة دولية حول حجم الشريحة الشبابية في الهيكل السكاني في العالم ولما كان هذا الحجم الكبير لهم فإن ذلك يعني انهم يمثلون: –

– رأسمال حقيقي.

– احتياط استراتيجي في كل بلد.

– قوة إنتاجية إيجابية وفاعلة في تأثيرها.

– قوة بشرية دينامية في كل مجتمع.

– طليعة التغير في كل مجتمع.

– شركاء أساسيين في بناء كل بلد.

لكن ماذا حصل لهم من قبل الأنظمة السياسية ما يلي: –

– اهدار واقصاء طاقات شبابية.

– ابعادهم عن دوائر القرارات.

– تعطيل متعمد لطاقاتهم.

– استخدامهم كخزين انتخابي فقط لتلميع الصورة الديمقراطية.

– حجرهم وتدجينهم ووضع الوصاية عليهم.

– اعتبارهم جيل متهور ومائع.

– هذا التعامل الاستعلائي والاستقوائي على الوسط السكاني الكبير في الهرم الديمغرافي جعلهم يستخدموا السلطة البطريقية – الأبوية في اجبارهم على الخنوع والانصياع للسلطة التقليدية الموروثة التي تمجد وتحمد كبار السن وأصحاب المواقع المتسلطة في السلطة.

– استخدام السلطة السياسية هذه السلطة البطريقية بجانب السلطة القمعية في تهميشهم واستبعادهم عن السلطة واتخاذ القرارات العامة وجعلهم: –

أ – يشعروا بغربتهم وهم في بلدهم ومجتمعهم وثقافتهم.

ب – بحثهم عن هويتهم الشبابية المسلوبة منهم من قبل الكبار والثقافة التقليدية الموروثة.

ت – بحثهم عن قيم جديدة تخدم طموحهم لا تقمعهم.

ث – ادمانهم على المخدرات والمسكرات.

ج – انحرافهم سلوكيًا.

ح – عنفهم سلوكيًا.

خ – تسربهم مدرسيًا.

د – اقدامهم على الانتحار.

ذ – اندفاعهم للهجرة غير الشرعية واللجوء.

ر – تعلقهم والتصاقهم بتقنيات السوشيل ميديا والمبتكرات الالكترونية الحديثة التي قربت البعيد عنهم وابعدت القريب منهم، وجعلتهم متحررين من قيود السلطة المستبدة والطاغية واكتساب مفاهيم الحرية الشخصية والفكرية دون الرجوع الى المعمرين ورموز السلطة الفاسدة والمتحيزة.

ز – لجوئهم الى التظاهرات والاعتصامات والانتفاضات المعبرة عن تجردهم الحزبي المقيت والطائفية الدينية البغيضة لأنه سر وجود الفساد في مجتمعهم الذي لم يجدوا فيه كرامتهم وحقوقهم الوطنية ولا وجودهم الاجتماعي.

س – معنى ذلك ان جيل الكبار ورموز المجتمع هم الذين استولدوا الفجوة الجيلية بينهم وبين الشباب الذي يمثل الطاقة القادمة لقيادة المجتمع.

من الأمثلة التاريخية الحديثة عن انفجارات الشباب في مجتمعات غربية سبب خنقها من قبل الأنظمة الماحقة، نشير اليها من أعماق المدارس: –

أ – انتفاضة الطلبة والشباب الفرنسي في مايس من عام 1968 التي اندلعت من أعماق المدراس ضد أنماط التعليم الأرثودوكس رافضًا السياسة الرأسمالية المتسيدة لإرادة الشباب في فرنسا، فخرج الطلاب محتجين على النظام التعليمي العتيق.

ب – وفي الولايات المتحدة الامريكية خرجت احتجاجات شبابية على المشاركة في حرب فيتنام.

ت – ثم دول شرق أوروبا سابقًا واجهوا الشباب الناقم على الأنظمة الدكتاتورية وعلى خذلان الاشتراكية.

وبرزت حركات شبابية غير عنفيه في أوروبا وامريكا تمردًا على تسلط الكبار وثقافتهم التقليدية – البطريقية مثل: حركة الهيبيز وذوي العباءات السوداء وجماعة الخنافس ضد تحكم الكبار المتحكمين في موازين القوى. جميع هذه الأسباب والنتائج تجعلنا الى استحداث حقل في ميدان علم الاجتماع وبالذات في المجتمع العربي لأنه مازال يُحكم من قبل حكام طغاة دكتاتوريين وفرديين باسم العائلة أو القبيلة أو الطائفة الدينية أو الحزب الحاكم الأوحد يرزح تحت حكمهم طاقة شبابية حرموها من ابسط أنواع الحرية ولم يقدموا لهم فرص عمل فسادت البطالة عندهم فعاشوا عالة على أسرهم الفقيرة المال مما دفعهم الى المشاركة في حركات اجتماعية وشبابية ليحققوا هويتهم ومنهم من هاجر الى خارج الوطن وطلب اللجوء. فضلًا عن المشكلات الأخرى كالإدمان على المخدرات والعنف السلوكي والعنوسة والانخراط في الزمر الاجرامية والمليشيات الحزبية الطائفية وحركات سياسية متطرفة مثل القاعدة وداعش. ثم هناك انخراطهم في عمليات إجرامية كالسرقة والتحرش الجنسي واللواط والبغاء والاتجار بالأعضاء الجسدية والأطفال. إذن المشكلة ليست سببها الشباب بل الطبقة الحاكمة في البلاد هي التي أوصلت الشباب الى الانخراط في هذه المشاكل العويصة فاستبدال سياسة الطبقة الحاكمة اولًا بعدها تحصل معالجة مشاكل الشباب. ولأن الحكومات العربية ضعيفة وذليلة للحكومات الأجنبية العظمى مثل أمريكا وللمنظمات الدولية والعولمة والبنك الدولي والتجارة العالمية الحرة، وليس لها قاعدة شعبية في بلدانها ومتخلفة في سياستها وطاغية في حكمها ذهلت لهذه الانتفاضة الشبابية العربية ضد فسادها (ليس ضد افرادها) بل ضد نظامها الجائر والمستبد والمستبعد للشباب الذي لم يلتفت اليه في بناء البلد بل مشغولًا في سرقة المال العام فقامت الحكومات العربية بقطع النت عنها لكي لا تتصل بالعالم الخارجي وقمعت تظاهراتها واعتقلت ناشطيها لأنها لا تعترف بحقوق الشباب ومطالبته في حقوقهم الوطنية والمساهمة في بناء بلدهم فحصلت فجوات بينهم وبين الشباب مثل فجوة جيلية متعارضة عن عقليتهما، وفجوة وطنية، الأولى(الحكومة) متخلية عنها والثانية متمسكة بها (الشباب) حرة مستقلة واستشرافية، ثم فجوة بنائية الأولى مخربة للاقتصاد والسياسة والإدارة والأخرى تريد البناء في ظل التحولات والتطورات الجديدة التي تلائم التطور التقني والوطني. وما سينجم عن هذه الانتفاضات لشباب الالفيين ما يلي: –

أ – صعودهم الى مواقع قيادية والمشاركة في اتخاذ القرارات العامة.

ب – عزل المتأسلمين سياسيًا عن السلطة ومنعهم الاتجار بالطائفية.

ت – طرد جميع أصحاب المواقع الذين لا يملكون مؤهلات واختصاصات مواقعهم التي يشغلوها.

ث – عدم السماح لممارسة السلطة البطريقية (الأبوية) في الحياة العامة.

ج – حماية المال العام ومعاقبة سراقه ومفسديه.

ح – منع التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية.

جدير بذكره فيما يخص تعامل الحكومات العربية القديمة والحالية أنها تتعامل مع شريحة الشباب وكأنها فئة عمرية طفولية لا قيمة لها ولا وزن لها عندهم، استمرارًا للسلطة الأبوية السائدة في المجتمع العربي وكأنها مُلكًا لهم يتحكمون فيها كيفما يشاؤون وإن لا يعترضوا بل يطيعوا أولياء أمرهم (الحكومة) لذلك يجبروا على واجباتهم ولا يمنحوهم حقوقهم، يتحكموا فيهم كما يشاؤون وإذا اعترضوا عليهم فيكون السجن والضرب والقتل والتهجير مصيرهم. واستمرت هذه العلاقة بين الشباب العربي والسلطة الحاكمة لعقود من الزمن. أي علاقة استعبادية صرفه. لكن هذه السلطة نست أو أهملت تعليم الشباب واطلاعهم على الثقافات الأجنبية المتقدمة وتأثير الوسائل الإعلامية المقروءة والمسموعة والمرئية عليهم. فقامت (الحكومة) بفرض قيود مانعة على السفر الى الخارج ومراقبة المطبوعات ومشاهدة وقراءة الوسائل الإعلامية عليهم لكي تجعلهم اشبه بالعجينة بأيديها لا يقرأوا إلا ما تريده الحكومة ولا يعرفون إلا ما تقدمه لهم الحكومة. يعني يصبح الشباب عبيد عند سيدهم (الحكومة) مسترقين وخنوعين ومطيعين. لكن جاءت موجة الالفية الثالثة وما حملته من تطورات تقنية تخدم الأفراد في اتصالاتهم ومعارفهم ومعلوماتهم التي اخترقت الحواجز والحدود التي فرضتها الحكومات التقليدية والاقطاعية والشمولية والدكتاتورية مما جعلتهم غير قادرين على مواجهتها أو منعها فنفذت المعارف والمعلومات المعاصرة للشباب العربي مما جعلتهم ينتفضون وينهضون ويتمردون على السلطة البطريقيه (الأبوية) المتسلطة عليهم المدعومة تقليديًا وتراثيًا فانتبهوا الى استغلالهم وابتزازهم وحرمانهم وافقارهم وتجهيلهم عندها قامت الحكومات العربية بسجنهم أو قتلهم والإساءة اليهم ووصمهم بالعملاء للأجنبي لأنهم خرجوا عن سلطانهم القاهر ففقدوا السيطرة عليهم فخرجوا للشوارع والميادين بكل قوتهم الشبابية يتمردوا على تسلط وقمع حكامهم الطغاة والجائرين الذين لم يعاملوهم كمواطنين وأبناء بلد.

ب – المفاضلة الاجتماعية لمراحل الفرد العمرية

نعني بها عدم المساواة في الرعاية والاهتمام والعناية بالفرد على مختلف الفئات العمرية التي لا تستثني منه أي فئة عمرية، بل جميعها تتعرض للإهمال والاستغلال والايذاء. ففي المجتمع الأمريكي – على سبيل المثال لا الحصر – لديه تصنيف فئوي للمراحل العمرية لأفراده، تبدأ من الوليد وتمر بالطفولة والمراهقة والصبا والشباب الراشد والراشد المتقدم وصولًا الى الشيخوخة. هذه الفئات العمرية يهتم بدراستها علماء الاجتماع ويقيسون فيها الأوجه البيولوجية والنفسية والاجتماعية. نبدأها بمرحلة الطفولة childhood فالطفل الرضيع infant (يبدأ من ولادته لغاية عمر العامين). أما الطفل الذي عمره (من ثلاث سنوات لغاية الثانية عشر) فيقع تحت صنف فئة الطفل وهي الأكثر عددًا في المجتمع الأمريكي. ففي السابق كان الأفراد والمجتمع يعتبرون الطفل يمثل مُلكية خاصة بالوالدين يتعاملون معه كيفما يشاؤون في تربيته لأنه ملكا لهم لا يتدخل في تعاملهم معه أي جهة حكومة أو مدنية. بينما الان فقد خضع الطفال للعديد من المؤثرات الأسرية المؤذية لهم مسببة عندهم قلة الرعاية وضعف في الاهتمام ونقص في العناية مثل عدم الاستقرار العائلي أو الفقر أو سوء معاملة الأبوين وعنفهم لهم. لتوضيح ما جئنا به نقدم البيانات التالية:

أ – 1/6 يعيشون بمستوى الفقر.

ب – 1/8 يعيشون بدون تأمين صحي.

ت – 3/2 ممن هم بعمر 6 سنوات تتم رعايتهم من غير أبوين.

ث – 3 ملايين طفل يتم التحرش بهم واهمالهم.

ج – من 8 الى 10 أطفال يتم قتلهم يوميًا بالرصاص. [kandall. 2020. P. 93]

حريًّ بنا ان نشير الى ان مصطلح ومفهوم المراهقة لم يكن متداولًا ومستعملًا بين الناس قبل القرن العشرين، لكن بعد ان ترعرع الأطفال وكبروا قاموا بممارسة اعمالًا يقوم بها الكبار من الشباب في أداء مسؤوليات اسرية من أجل كسب المال لإعالة أسرهم. بتعبير أخر انتقل الأطفال من عمر الطفولة الى عمر الصبية ودخولهم سوق العمل الذي يعمل فيه الكبار وكسبهم المال لإعالة أهلهم عند ذلك تم استخدام مصطلح المراهقة على الرغم من أن بعض الباحثين يروا ان سنين المراهقة تتراوح ما بين 13 و19 عامًا وأخرين يروها تتراوح بين 15 و24 عامًا. جدير بذكره في هذا السياق ان مرحلة المراهقة Adolescence في المجتمعات الصناعية المعاصرة تمثل مرحلة واقعة بين مرحلتين مختلفتين تحول دون تصادمهما Buffer (أي بين الطفولة والبلوغ) لا تتضمن طقوس أو احتفال يُعبّر عن مرور أو عبور لمرحلة المراهقة. لكن يتطلب من المراهقين ان يبحثوا عن هويتهم وهواياتهم الذاتية وهم في حالة عاطفية غامرة واضطراب اجتماعي لا يستطيعون تجاوزه لدرجة انهم يتقاطعون مع والديهم أو معلميهم وكل من يمتلك سلطة أو تحكم في تقييد حريتهم. أعود مرة ثانية لتوضيح المرحلة الشبابية التي يطلق عليها بمرحلة البلوغ Adulthood التي تلي مرحلة المراهقة وتسبق مرحلة الرشد. أقول تبدأ مع نهاية المراهقة وتنتهي بسن الثلاثين، فهي إذن فئة عمرية لها نشاطها وفاعليتها في بناء المجتمع الحديث وهي ايضًا مرحلة وسطية تتوسط في دورة حياة الإنسان تقع بين الطفولة والرشد، يكتسب الفرد فيها صقل مواهبه في ظل عدم خضوعه لضغوط الحياة الاقتصادية والاجتماعية. مآلنا في ذلك توضيح مرحلة البلوغ Adulthood بإنها تختلف في تنشئتها عن تنشئة الطفل في درجة حرية الاختيار لأنها تمثل تنشئة الراشد الذي يكون قادرًا بالاعتماد على نفسه ونجدتها بحيث يستطيع ان يكتسب قدرة تجعله يختار ما يريد حول حياته الشخصية في سبيل تحقيق هدفه وإيجاد فرصة عمله تتناسب مع مؤهلاته وإقامة علاقات صداقيه مع الأخرين وممارسة هواياته وإنجاز منجزاته الشخصية ويفضلها على غيرها. لكن هذا لا يعني انه يستغني عن نصائح وتوجيه وارشاد الأخرين أمثال والديه أو معلميه أو اترابه من الأقران بل يكون محتاجًا لاكتساب مواقف جديدة وسلوك حديث وبالذات في اختيار شريك الحياة او تربية الأبناء أو ممارسة أدوار جديدة أو انتقاء أزياء تتناسب مع ذوقه في الاناقة والاستمتاع بفنون الغناء والرسم ومشاهدة المسلسلات التلفازية. ثم هناك نوع ومكان العمل ايضًا يساهم في تنشئة الشاب وبالذات تعلم أصول العمل وتقنياته وبالذات عند بداية عمله بعد تخرجه من المعهد أو الكلية. سبيلي في هذا الطرح هو حصول تحول أخر في التعامل معهم حيث لا يتم التعامل معهم كأطفال ولا كاملي البلوغ والرشد. وعلى الرغم من ذلك فإن التعامل معهم مازال يشوبه الحذر مثل عدّهم صغار السن في سياقة السيارة أو شرب الكحول أو البقاء خارج المنزل لوقت متأخر أو منعهم من القيام بأعمال خاصة بالراشدين. وعادةً ما تعزز هذه المحاذير من قبل وسائل الاعلام المرئية (التلفاز والسينما) وإزاء هذا التشوش وعدم الوضوح في التعامل مع هذه المرحلة العمرية الانتقالية يواجه الشباب أزمة هوية تتطلب الوضوح والحزم في اتخاذ القرار والرؤية فيما إذا يريد كان يريد ان يصبح معتمداً على نفسه وتكَّوين علاقات مع أبناء جنسه أو مع غير جنسه. ثم هناك المراهقة الحامل والأبوين المراهقين مثل هذه الأزمات الحادة يواجهها المراهقين مما تؤثر على استقرارهم وراحتهم واستواء رؤاهم ورشد افكراهم. إذن يواجه العديد من الشباب المراهقين في المجتمعات الصناعية الحديثة احتياجات متضاربة غير منسجمة مثل احتياجهم للنقود والزامهم بالحضور المدرسي حيث المدراس الحكومية تُلزم الصبية من أعمارهم تتراوح بين 6 – 18 عامًا بالتسجيل في المدارس إذ ان قسمًا منهم لا يعرف أي من المدارس تستطيع ان تهيئهم للحصول على فرصة عمل؟ فضلًا عن أن الكثير منهم كانوا منحرين من أوساط فقيرة ويعيشوا مع أسرهم الفقيرة مما يضطروا للعمل من أجل إعالة أسرهم. علاوة على ذلك فإن هناك مخاطر العمل التي تعرض الصبية الى إعاقات صحية مقابل أجور زهيدة وقليلة، يصل عملهم في المزارع لمدة 14 ساعة في اليوم لجني ثمار المزارع التي تستخدم مبيدات كيميائية تعرضهم لإصابات غير سليمة، ثم هناك الصبية الذين يعملون في المطاعم الخاصة بالوجبات السريعة ويتعرض أحدهم الى قطع أحد أصابعه بالسكين الكهربائية أو الذين يعملون في الفرن المخبزي إذ قد يتعرض للحرق أو لقطع أحد أصابع يديه بأجهزة الفرن. مع ذلك هناك بطالة عندهم وبالذات عند الصبية من ذوي أصول أفريقية الذين يعملون بأعمال خدمية وتدفع لهم أجور لا تتجاوز ثلاث دولارات في الساعة وإزاء هذه الظروف التعيسة والمجحفة ينخرط الشباب بأنشطة إجرامية ضد الملكية وبالذات من قبل الذين أعمارهم تتراوح ما بين 15 – 24 عامًا. [Kendall. 2012. Pp. 94 – 100]

وعلى ما هدى ما سبق نقول ان الفرد في مرحلة المراهقة وما بعدها (مرحلة الفتوة) يعمل الفرد فيهما على إعادة صياغة مفاهيم وقواعد وقيم وأفكار اجتماعية جديدة خاصة به لكي يكتشف علاقته بالعالم الخارجي دون الحاجة الى الاعتماد على الأكبر سنًا منه أو مرجع اجتماعي خاص لكي يحقق هويته المكتسبة بجهوده وكفاحه وليس عن طريق الوراثة من والديه، فالعمر هنا يكون عامل مهم في التنشئة الاجتماعية لكن ليس في كافة المجتمعات. أي ليس جميع المجتمعات تعتمد على العمر كعامل يفصل بين المراحل التطورية لحياة الفرد. ففي المجتمع التقليدي هناك طقوس ومراسيم يمارسها المجتمع عندما يتحول الفرد من مرحلة المراهقة الى مرحلة البلوغ. بينما المجتمع الصناعي الحديث لا يملك هذه الطقوس بسبب وجود نظام تقسيم العمل الذي يطلب من الفرد ان يفتش عن طريقة خاصة لكي يندمج في مجتمعه وهو في مرحلة عمرية جديدة يكون متمرد على سلطة والديه والأكبر منه عمرًا وموقفًا وتكون مرحلة المراهقة في المجتمع الصناعي مرحلة اعدادية تمهد المراهق لمرحلة البلوغ.

ت – مفهوم الشباب ودوره في المجتمع

رغم عدم وجود تعريف دولي متفق عليه عالميًا للفئة العمرية للشباب، الا ان الأمم المتحدة – ولأغراض إحصائية ودون المساس بأي تعاريف أخرى تضعها الدول الأعضاء – تعرّف “الشباب” على انهم الأشخاص ممن تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاما. نشأ هذا التعريف في سياق الأعمال التحضيرية للسنة الدولية للشباب (1985)، وأقرته الجمعية العامة في قرارها 36/28 لعام 1981. وتستند جميع إحصاءات الأمم المتحدة بشأن الشباب إلى هذا التعريف، كما توضح الحولية السنوية للإحصاءات التي تنشرها منظومة الأمم المتحدة حول الديموغرافيا والتعليم والعمل والصحة. ويستلزم هذا التعريف الموجه إحصائياً للشباب، بدوره، اعتبار الأشخاص دون سن الرابعة عشرة اطفالا. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن المادة (1) من اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل تعرّف الأشخاص حتى سن 18 كـ”أطفال”. وكان من المأمول أن توفر الاتفاقية الحماية والحقوق لأكبر فئة عمرية قدر الإمكان في ذلك الوقت، خاصةً لعدم وجود وثيقة مماثلة بشأن حقوق الشباب.

وتقوم العديد من الدول أيضًا بوضع معايير لتعريف الشباب فيما يتعلق بالعمر الذي يتم فيه معاملة الشخص على قدم المساواة مع البالغين بموجب القانون – وهذا ما يشار إليه غالبًا باسم “سن الرشد”. ويعتد بهذا العمر، وهو عادة 18 عامًا، في العديد من البلدان، ولا يعتبر الشخص بالغاً الى ان يدرك هذا العمر. ومع ذلك، فإن التعريف المتعارف عليه والفروق الدقيقة لمصطلح “الشباب” يختلف من بلد إلى آخر، وهذا يتوقف على تناسب بعض العوامل الاجتماعية  والثقافية والمؤسسية والاقتصادية والسياسية لكل مجتمع.

حالة شباب العالم: يوجد هناك 1.2 مليار شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، يمثلون 16 في المائة من سكان العالم. ومن المتوقع أن يرتفع عدد الشباب بنسبة 7 في المائة بحلول عام 2030 – الموعد المرتجى لتحقيق أهداف التنمية المستدامة – ليصل إلى حوالي 1.3 مليار شاب وشابة. ومع تزايد مطالبة الشباب بفرص أكثر إنصافًا في مجتمعاتهم، أصبحت مواجهة التحديات المتعددة التي يواجهها الشباب (مثل فرص الحصول على التعليم والصحة والتوظيف والمساواة بين الجنسين) أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. ويمكن للشباب ان يشكلوا قوة إيجابية لدفع عجلة التنمية عند تزويدهم بالمعرفة والفرص التي يحتاجون إليها. وعلى وجه الخصوص، يجب أن يكتسب الشباب التعليم والمهارات اللازمة للمساهمة في اقتصاد منتج، وهم بحاجة إلى الوصول إلى سوق العمل الذي يمكن ان يستوعب قدراتهم في قوى العمل. ويسترشد برنامج الشباب التابع للأمم المتحدة ببرنامج العمل العالمي للشباب. ويغطي برنامج العمل خمسة عشر مجالًا من مجالات أولوية الشباب ويتضمن مقترحات للعمل في كل مجال من هذه المجالات. يوفر هذا البرنامج، الذي اعتمدته الجمعية العامة في عام 1995، إطارًا للسياسات ومبادئ توجيهية عملية لتوفير الدعم على مستوى الدول ولتحسين وضع الشباب في جميع أنحاء العالم. [https://www.un.org]

مفهوم الشباب: تختلف وجهه النظر العلمية للعلماء في التوصل الى تعريف محدد للشباب نظرا لاختلاف وجهات النظر الايدولوجية بين الباحثين عليه: لا يوجد تعريف محدد للشباب، وهناك صعوبة في إيجاد تحديد واضح لهذا المفهوم، وعدم الاتفاق على تعريف موحد شامل، يعود لأسباب كثيرة أهمها اختلاف الأهداف المنشودة من وضع التعريف وتباين المفاهيم، والأفكار العامة التي يقوم عليها التحليل السيكولوجي والاجتماعي الذي يخدم تلك الأهداف. لذلك فان مفهوم الشباب يتسع للعديد من الاتجاهات التالية:

أ – الاتجاه البيولوجي: وهذا الاتجاه يقوم اساس على الحتمية البيولوجية باعتبارها مرحلة عمريه أو طور من أطوار نمو الإنسان، الذي فيه يكتمل نضجه العضوي، وكذلك نضجه العقلي والنفسي والذي يبدأ من سن15-25، وهناك من يحددها من 13-30.

ب – الاتجاه السيكولوجي: يرى هذا الاتجاه أن الشباب حالة عمريه تخضع لنمو بيولوجي من جهة ولثقافة المجتمع من جهة أخرى. بدءا من سن البلوغ وانتهاء بدخول الفرد إلى عالم الراشدين الكبار، حيث تكون قد اكتملت عمليات التطبيع الاجتماعي. وهذا التعريف يحاول الدمج بين الاشتراطات العمرية والثقافة المكتسبة من المجتمع .

ت – الاتجاه الاجتماعي: ينظر هذا الاتجاه للشباب باعتباره حقيقة اجتماعية وليس ظاهرة بيولوجية فقط، بمعنى أن هناك مجموعة من السمات والخصائص إذا توافرت في فئة من السكان كانت هذه الفئة شبابًا. هذا وقد رأى “احمد فؤاد الشربيني” ان فترة الشباب هي ” تلك الفترة من النمو والتطور الانساني التي تتسم بسمة خاصة تبرزها وتعطيها صورتها المميزة ” وتنقسم هذه الفترة في نظرة الى اربع مراحل هي: –

مرحل المراهقة وهى التي تمتد من 12 – 15 سنة

مرحلة اليفاع وهى تمتد من 15 – 18 سنة

مرحلة الشباب المبكر وهى تمتد من 18 – 21 سنة

مرحلة الشباب البالغ وهى تمتد من 21 – 25 سنة

هذا وقد تطرق بعض العلماء الى تصنيف الشباب على أساس المهنة أو العمل ويمكننا توضيحه كالتالي:-

أ – فئة الطلاب وتشمل هذه الفئة طلاب الثانوية، والمعاهد المتوسطة، والعليا، وطلاب الجامعات، وهذه الفئة واسعة بحكم موقعها وامتلاكها الثقافة والتعليم.
ب – فئة العمال وهذه الفئة تعتبر من الفئات الواسعة في المجتمع، ويمكنها أن تلعب دورا في حال تنظيم فعلها وتأطيره من خلال النقابات والمؤسسات المهنية
ت – فئة الموظفين وهي فئة غير متجانسة من حيث الاهتمامات ومستوى المعيشة ومستوى التعليم.

ث – فئة العاطلين عن العمل غالبيتهم من خريجي الجامعات والعمال، وهذه الفئة تصنف بأنها الأسوأ من حيث الواقع المعيشي، والاستقرار النفسي وخياراتها، واهتماماتها بسبب وضعها الاقتصادي غير المستقر.

كما عرفت فئة الشباب “بأنها فتره العمر التي تتميز بالقابلية للنمو يمر فيها الإنسان بمراحل حيوية تتميز بالقابلية للنمو الذهني، والنفسي والاجتماعي والبدني والعاطفي”. هذا ويختلف مفهوم الشباب من المنظور الاجتماعي عن المفهوم البيولوجي من حيث الاقتصار على جوانب النضج الجسمي ، كما يختلف عن المفهوم السيكولوجي من حيث الاقتصار على جوانب النضج النفسي. ومن هذا المنطلق يرى علماء الاجتماع أن الشباب “مرحلة عمرية تبدأ حينما يحاول المجتمع إعداد الشخص وتأهيله لكي يحتل مكانة اجتماعية ويؤدي دوراً أو أدواراً في بنائه وتنتهي حينما يتمكن الشخص من أن يتبوأ مكانته ويؤدي دوره في السياق الاجتماعي”. عليه نلاحظ ان التعريف الاجتماعي يأخذ  في اعتبار الوجود الاجتماعي للشباب في المجتمع باعتبارهم جزء لا يتجزأ من البناء الاجتماعي العام.

دور الشباب في تنمية المجتمع: الدور يعني مجموعة الاساليب المعتادة في عمل اشياء معينة او انجاز وظائف محددة في موقف ما ومن هنا فان دور الشباب في البناء الوطني يتحدد في حمله الهم الوطني المتشعب بسبب مشكلات  المجتمع وقضاياه السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية لأنه الطليعة التي تحمل بشائر التفاؤل  والامل بغد مشرق من خلال مجموعة من المحددات يمكن تلخيصها فيما يلي :

أ – المشاركة في تحديد احتياجات المجتمع المختلفة واعداد الخطط اللازمة تبعا لقدراته وفق التجمع في تجمعات شبابية وتنظيمات وروابط واندية.

ب – المشاركة الفعلية في بناء أمن المجتمع واستقراره من خلال  الاندماج  في المؤسسات  الاجتماعية المختلفة .

ت – اسهام الشباب في الخدمات الاجتماعية والتطوعية  مثل المشاركة في الحملات التحسييه  والتشجير وغيرها.

ث – المشاركة الفاعلة في البرامج التعليمية التربوية مثل: محو الامية، ودورات التثقيف والتوعية حول المخاطر التي تهدد الشباب.

ج – الاسهام في ترسيخ الحضارة والتراث الشعبي والوطني

ح – توصيل ونقل خبرات وعلوم ومعارف وثقافات الشعوب الاخرى وانتقاء الافضل والصالح لخدمة المجتمع  دون المحاكاة والاغتراب

خ – المشاركة في تعزيز السيادة الوطنية والمحافظة على المرتكزات والاعلام الوطنية.

يبد أن كلما  سبق  يبقي مرهونا  بالأهمية الممنوحة لهذه الفئة من طرف الحكومة والمجتمع ووكالات التنشئة الاجتماعية  باعتبار أن الشباب يشكل نصف المجتمع اضافة للطاقات الكامنة والمتجددة  التي تظهر في حالة منح الرعاية  الكاملة لهذه الفئة المهمشة  وهو ما سيؤدي في هذه الحالة  الى اطلاق قوة فاعلة في البناء الاجتماعي  لموريتانيا المستقبل التي هي في مرحلة هامة وحساسة. بالرغم من     المحبطات والمعوقات وكما قال “جيرامشي”: “إن تشاؤم العقل لا يقاومه إلا تفاؤل الإرادة”.  [http://www.birmogreine.net]

ث – نماذج الشباب

كثيرًا ما يتناول علم الاجتماع دراسة المشكلات الاجتماعية وبالذات تلك التي تصدر من الشريحة الشبابية لكونها قليلة الخبرة في شؤون الحياة ولم تنضج عندها الضوابط الاجتماعية العرفية ولم تنتهي تنشئتهم الاجتماعية (الأسرية والمدرسية والصداقيه) وميلهم الجارف للتقليد والاقتداء بكل شيء جديد، ونزعتهم للخروج عن كل شيء مألوف ومقيد وتأثرهم بالمؤثرات التقنية الحديثة وسواها وهنا نطرح السؤال التالي: هل هم مصدر المشاكل الاجتماعية التي تسود في كل مرحلة تطورية في المجتمع؟ وهل لديهم ثقافة فرعية خاصة بهم؟ وهل المجتمع الحديث يحتوي على ثقافات فرعية؟ وما أهمية وقيمة هذه الثقافة الفرعية بالنسبة له؟ وهل جميع الشباب من صنف واحد لأنهم من شريحة عمرية واحدة؟ وهل المجتمع يتعامل معهم بصيغة واحدم أم مختلفة؟ وها مشاكل شباب الطبقة الفقيرة نفسها عند شباب الطبقة الغنية؟ وها مشاكل شباب ثقافة الأغلبية نفسها عند شباب ثقافة الأقلية في مجتمع متعدد الأعراق والديان؟ سوف نجيب على هذه الأسئلة من خلال أصناف الشباب الذي يعتمده علم الاجتماع الحديث وعلاقتهم بالثقافة الفرعية.

يوضح عالم الاجتماع الحديث “د. ماتزا D. Matza” 1962 مفهوم الشباب من خلال وصفه لهم بإنهم متميزين بالتمرد الثائر والعاصي Rebelliousness وهم على ثلاث أصناف رئيسية وهي: –

– الجانحين delinquency أي المنتهكين للقانون.

– المتطرفين radicalism أي النازعين نحو إحداث تغيرات متطرفة في الفكر والعادات السائدة أو في المؤسسات القائمة.

– البوهيميين Bohemianism أي المتشردين والمرتحلين لا يقيمون وزنًا للأعراف والقواعد الاجتماعية. [Brake. 1993. P. 22]

لا جرم من القول بإن الدراسات الاجتماعية للشباب يمكن تقسيمها بشكل رئيسي الى أربع أنواع وهي ما يلي:

أ – الشباب المهذب respectable youth: الذي يعني المحترمين والمعتبرين في تصرفهم المتزن وتفكيرهم المعتدل، فلا كونوا متطرفين أو متمردين متجاوزين مرحلة المراهقة دون معاناة ولا انزلاقات في ثقافات المراهقين أو مهاوي الجنوح والانحراف، إلا انهم مغرمون بتقليد الأزياء والأناقة والتجمل لم يصل توقهم للتعلق بطرز العيش. هذا النوع من الشباب يطلق عليه أصحاب الثقافة الفرعية المنحرفة بالشباب السلبي بسبب كونه ملتزم ومعتدل في سلوكه الشبابي.

ب – الشباب الجانح delinquent youth: هذا النوع من الشباب يكون من نوع المراهقين المنحدرين من طبقة ابائهم، لذا يكونوا بعيدين نفسيًا عن عالم المراهقة. معظم أفراد هذه الجماعة الشبابية الجانحة يكونوا من أبناء الطبقة العمالية وبالذات بين ذكورها المنخرطين في السلوكيات غير القانونية مثل النشل والسرقة والعنف والتخريب. أما اناث هذه الطبقة العمالية فيكون سلوكها الجنسي خارج عن الضوابط الاجتماعية. أعني يسيئوا التصرف الجنسي لذا تعج سجلات المحاكم بسوء تصرفاتهم الجنسية.

ت – ثقافة المتمردين cultural rebels: هذه الجماعة الشبابية تكون منخرطة في ثقافة فرعية تعيش على هامش الحياة الأدبية والفنية، يعني من اتباع الفنانين وليسوا هم بفنانين فعلين، يميلوا للطبقة الوسطى ومنخرطين في مستوى تعليمي خاص بالطبقة الوسطى.

ث – الشباب المناضل سياسيًا politically militant youth: تقليديًا تكون هذه الجماعة الشبابية لا خلفية سياسية واسعة النطاق تشمل الاحداث السياسية المحلية والعالمية، يمثلوا فصائل سياسية مثل جماعة الفهود السود وجماعة أنصار السلام وجماعة الحقوق المدنية وجماعة ضد حرب فيتنام وجماعة حماية البيئة وغالبًا ما تكون متداخلة بعضها مع البعض. أنها تعبر عن الجنوح الجمعي (في المجتمع الأمريكي).

اخيرًا نقول إن للشباب ثقافة فرعية تعبر عن معاييرهم وقواعدهم ولهجتهم وتسليتهم وهواياتهم وطموحاتهم المختلفة عن الثقافات الفرعية الأخرى في المجتمع الواحد. وقبل أن ننصرف عن هذا الموضوع ومن أجل تمحيص ما تقدم حريًّ بنا أن نلخص إيجابيات الثقافة الفرعية للشباب وهي ما يلي: –

أ – أنها تقدم حلولًا سحرية لبعض المشكلات البنيوية التي تبلورها التناقضات الحاصلة داخل البناء الاجتماعي مثل تناقضات النسق الاقتصادي مع النسق الاجتماعي ذات الصفة الطبقية التي يواجهها الفرد. لذا فهي (أي الثقافة الفرعية) مفيدة ونافعة في هذا الضرب الطبقي.

ب – تساعد الفرد على تغذيته بقيم ونمط عيش وعقائد يستطيع استخدامها في تنمية هويته المكتسبة في العمل والمدرسة خارج وبعيداً عن هويته الموروثة.

ت – تمنحه خبرة طبقية جديدة عبر وسائل الاعلام والجيرة.

ث – تمنحه وسائل تعبيرية عن مفردات الحياة اليومية.

ج – تساعده على حل المعضلات السائدة في مجتمعه لكي تعزز نمط عيشه كشاب في بناء هويته خارج محيط العمل والمدرسة وبالذات عند الشباب اليافع الذي يركز على الرجولة التي تهتم بها الثقافة الفرعية للطبقة العاملة.

ج – الشباب صُنّاع التغيير الإيجابي بالمجتمع

الشباب هو محرك الحياة في المجتمع وقلبها النابض ومجددها ومطورها، فالشباب هم طليعة المجتمع وعموده الفقري وقوته النشطة والفعالة والقادرة على قهر التحدي وتذليل الصعوبات وتجاوز العقبات فدورها الاساسي واضح في المجتمع اكثر من غيرها ولديه الاجتهاد بما تملكه من قدرات بشرية ومادية للحفاظ على الابناء وتأهيلهم لتحمل المسؤولية وتمكينهم وحمايتهم من الفراغ الايديولوجي القاتل ، لذا فإن أي مجتمع يجب أن يفتخر بشبابه لانهم الرئة النقية التي يتنفس منها، الشباب المؤهل بالعلم والمعرفة، الطموح القادر على الاخذ بزمام المبادرة، المثقف الواعي الحريص على قضايا امته، المحصن بتقوى الله، الجريء في قول الحق بلا افراط او تفريط، صاحب العزيمة، المحافظ على مكتسبات الوطن المادية والمعنوية، يتمثل قول الله تعالى “إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ” المنتمي لدينه ووطنه وامته، لا يتردد ابدا في ان ينخرط في الخدمة العامة بارتياح واطمئنان، يسهم في رسم الخطط لأحداث التغيير الايجابي الجذري بدون كلل لأنه يؤمن بقوله تعالى “إنَّ اللهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ” ينظر الى أمته بعين المحبة، يخلص في اداء واجبه لأنه عبادة يتقرب بها الى ربه عز وجل، لقد أودع الله في الشباب طاقات يجب ان تستغل في العطاء الخير الذي يعود على ابناء الامة بالسعادة والرضا والامان المادي والمعنوي، والشباب قادر على تخطي العقبات التي تعترض مساره بالحكمة للوصول الى الهدف المنشود، كما انه صادق في تحمله الاعباء، لأنه يتعامل مع قضايا الوطن بطرق علمية حضارية قائمة على العلم والاحاطة للتحديات الحاضرة والمستقبلية التي تجابه الامة. إن الشباب هم عنصر الحيوية والعطاء في المجتمع، فإن هذه الخصائص ترشحهم ليكونوا طليعة التغيير ورواد كل جديد، ذلك أنه “يغلب على عنصر الشباب الميل للتغيير وعدم الرضا بالقديم، والبحث عن الجديد، ومن هنا فإن وقود التغيير يعتمد أساساً على حماسة الشباب وصلابة إرادتهم “، ويعتبر الشباب وقوداً لحركات التغيير في كل المجتمعات، لما يتمتعون به من حماسة القلب، وذكاء العقل، وحب المغامرة والتجديد، والتطلع دائماً إلى كل جديد، والثورة على التبعية والتقاليد، إلا ما كان ديناً قويماً، أو تراثاً صحيحاً. ويجب على جميع أفراد المجتمع أن يدركوا بأن الشباب يتمتع بالنظرة الثاقبة في معالجته للمشاكل، ويأنف أن يكون إمعة، انه صاحب قرار عنده من الشفافية والصدق والحس الايماني والوطني ما يبعده عن الاساءة لنفسه ولغيره، لقد رسم الشباب الذي يحمل هم المجتمع معالم شخصيته، وحدد موقعه كرقم له اهميته في فهم قضاياه مع السعي لعلاجها بعد أن اخذ بالأسباب وتوكل على الله، واعد لكل قضية ما يلزمها، نريد ان يمتزج رأي الشباب بالحكمة والحماس، لقد اخذ الرسول الكريم في معركة أحد برأي الشباب عندما خرج للقاء العدو الذي يهدد امن وعقيدة وسلامة الأمة، هذه الفئة الخيرة يعول الوطن عليها ويعقد الآمال، لأنها تضطلع بالمسؤولية لتحصين الوطن الغالي من غائلة الاخطار، ولأنها تربت في أسرة علمته الاعتماد على النفس، ودربته على الحوار والتواصل مع غيره بإيجابية وثقة، احترمت عقله وآدميته فجعلته محط اهتمامها ورعايتها، فكان لهذا الاثر الواضح في تفاعله وحركته النشطة، وانطلق بحرية مسؤولة، ليكون رسول خير لامته بفكره الناضج، وعطائه المتميز، وايمانه العالي. إنهم يمتلكون القوة بأبعادها المختلفة العقلية والجسدية والنفسية، فهم الأقدر على الإنتاج والإبداع والتغيير، فهم الذين تسير بهم العملية التعليمية والمصانع والمزارع والتكنولوجيا الحديثة، “فأوساهير” الشاب الياباني هو الذي أدخل المحرك الأوروبي في الصناعة اليابانية، مما جعل اليابان تضع قدمها على طريق التقدم الصناعي. ادرك بأن أحد أسباب تخلف بعض البلدان هو عدم توظيف طاقات الشباب واهمالهم، وفي بلدان أخرى نجد عدم منح الشباب مكانتهم الحقيقية في المجتمع وإعطائهم أدواراً هامشية لا تساهم في بناء البلد، كما ان هناك تخلفاً يحصل لدى بلدان أخرى تجاه الشباب وهو اعطائهم مسؤوليات كبيرة لم يؤهلوا لاستلامها، إذ لم تكن هناك برامج تمهيدية، كأن تلقى على عاتق الشباب مسؤولية كبيرة جدّاً لا يدري كيف ينجزها وذلك بسبب قصور المربين في توجيهه وتأهيله لها، لذا فالضرورة تقتضي أن يدير الشباب الكثير من المواقع الحساسة والمهمة في المجتمع ويشترط بذلك عدة أمور منها مثلاً الاحاطة بمعرفة قدراتهم وقابلياتهم الحالية منها والمستقبلية، وكذلك اعدادهم وتأهيلهم لاستلام المناصب الحساسة، وتوفير فرص العمل لهم، وفتح المجالات المختلفة أمامهم وتسهيلها ومحاولة تقديم المساعدة لهم من قبل الجميع..

لقد أصبح الشباب في واقعنا المعاصر يعانون من مشاكل كثيرة بسبب البطالة “مشكلة الباحثين عن عمل” وهدر طاقاتهم وعدم الاهتمام بهم بالشكل المطلوب، إضافة إلى ارتفاع مستوى المعيشة وغلاء الكثير من المواد المهمة المستخدمة في حياتهم اليومية، وقد سبب ذلك انطوائهم وعزوفهم عن الزواج وتهربهم من المجتمع بطرق ملتوية وانخراطهم في تناول المخدرات.. وهنا يأتي دور الإعلام كوسيلة مهمة لتوجيه الشباب بالوجهة الصحيحة وترسيخ القيم والأخلاق الفاضلة فيه من خلال الدور المهم الذي يطلع به الإعلام.. فالإعلام هو في حقيقته قوة حضارية أو عملية ثقافية تجري في بيئة معيّنة مؤثرة فيها ومتأثرة بها، وهناك تفاعل مستمر بين وسائل الإعلام والمجتمع، فهذه الوسائل لا تؤثر على المجتمع بنظمه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فحسب، بل انّ هذه النظم قد تؤثر فيه أيضاً…

فمن هنا نجد انّ المنطلق الأساسي الذي يدور حول حقيقة جوهرية مؤثرة هو انّ الإعلام يبث القيم والأخلاق الفاضلة في المجتمع إن كان ذلك الإعلام، إعلاماً صادقاً نابعاً من صميم الأُمّة الإسلامية والمجتمع المسلم الأصيل… فيجب تعليم الشباب ضرورة التطلع إلى المستقبل والسعي وراء تحقيق مستوى أفضل والاستعداد للعمل من أجل تحقيق ذلك، فواجبهم كمواطنين يملي عليهم التطلع إلى التقدم وتحقيق القوة والعظمة لاُمّتهم وذلك من خلال التحديث ونشر الأفكار والمعلومات الجديدة التي تحفز الشباب على في تعبئة طاقاتهم ومقدرتهم على تخطيط وبرمجة المستقبل… وقد يصاب الشاب بالإحباط نتيجة عدم تحقيق طموحاته ورغبته في التطور ومسايرة العلم والتكنولوجيا وذلك بسبب عدم توفر الفرص والامكانيات اللازمة لذلك… فيشعر الكثير من الشباب بعدم الرضا لأن ما يحصلون عليه أقل بكثير مما يتطلعون إليه… وكلما ازدادت سرعة تغير وتطور العلم ازدادت حاجة الشاب إلى معلومات يعالجها من أجل اتخاذ قرارات سليمة وفعالة ولكن هناك قيوداً وحدوداً ثابتة لمقدرة الإنسان على معالجة المعلومات وصياغتها بشكل متلائم مع قدرته وامكانيته، لذلك تقتضي السياسة السليمة وجود قدر من التوافق بين ما يحفز الشباب على تحقيق ما يرغبون فيه وما يمكنهم أن يحصلوا عليه، ولكننا نود ان نؤكد هنا انّه لا يمكن تحقيق التنمية مالم نبدأ أوّلاً في رفع مستوى طموحات الشباب وتشجيعهم على السعي وراء النمو القومي والحياة الأفضل، فمتى سنكون واقعيين في تناول قضايا الشباب والاهتمام بها ومعالجتها والاستفادة من تجارب الشعوب في الماضي والحاضر لتوجيه شبابنا بالأمور الثقافية والفنية والاقتصادية وعدم هدر طاقاتهم ومواجهة الانحرافات والمآزق ونمنحهم الثقة بالنفس لمواجهة مشاكل الحياة لمسايرة العصر والتقدم والعلم وتحقيق أهدافهم النبيلة وتطلعاتهم نحو بناء مستقبل مشرق ومنير. لا يخفى على الشباب بأن النظرة الحالية لهم بأنهم طائشون وغير مسؤولون ولا يستطيعون تحمل الصعاب فهذه النظرة الخاطئة كفيلة بكسر وتحطم القدرات الجبارة عند الشباب وتساعد في هروبهم وارتمائهم في احضان من يريد بهم وبأمتهم ومستقبلهم سوءاً لذا فلا يمكن الاستغناء عن الشباب وبالعكس يجب ان يكونوا اصحاب القرار وانا شخصياً لست من دعاة ان يرمى الحمل كله على الشباب ولكن ما اردت توضيحه بانه لا يمكن الاستغناء ايضاً على الشباب فهم قادرون على المشاركة ليست فقط على دفع العجلة ولكن ايضا في توجيهها وعليه لابد من اشراكهم وليس فقط للدعم والدفع في عملية صناعة القرار وتفعيله الا ان الشباب يجب ايضاً ان يفرضوا انفسهم على صناع القرار من خلال الحضور والتفاعل في آلية صنع واتخاذ القرار. [https://www.makalcloud.com]

ح – نمط الشباب القديم

المقصود بهذا النمط الطراز الأول لمرحلة الشباب أو الفتيان أو الصبا في المجتمعات القديمة وقد بدأنا في هذا الباب لأن الشباب أو مرحلته العمرية لا تقتصر فقط على التحديد الزمني – العمري لها على الرغم من كونها ظاهرة بيولوجية إلا انها تخضع للتحديد الثقافي في تحديدها. انها مرحلة يمر من خلالها كل فرد لا يستطيع تجاوزها يتم فيها استخدام طاقته البيولوجية والذهنية والعلائقية تترجم حيويته وطموحه وتطلعاته ومعاييره وقيمه التي تختلف عن مرحلة الطفولة أو الشيخوخة انها تتوسط بينهما (بين الطفولة والشيخوخة). غني عن البيان ان مفهوم الشباب يخضع لنظام تقسيم العمل في المجتمع وما يترتب عليه من إشغال مكانات ومواقع اجتماعية وممارسة أدوارها من قبل شاغلها. ومما لا شك فيه ايضًا وجود أدوار معينة تمارسها شريحة عمرية محددة لا تستطيع ان تمارسها شريحة أخرى مثل دور الشباب المتزوج لا يستطيع ان يمارسه الشاب الأعزب، أو دور الجندي العسكري الذي لا يمارسه سوى الشباب وليس المتقدم بالسن أو الطفل لأن العسكرية مخصصة للشباب ومحددة لهم هذا من جانب، ومن جانب أخر فإن للشباب مقومات مكونة لهويتهم الذاتية تعكس مدركاتهم للحاجات النفسية وتطلعاتهم الشبابية وذوقهم ومزاجهم التي تختلف عن مدركات وتطلعات المتقدم بالسن أو الطفل.

أقول إن مفهوم الشباب يخضع للأدوار المُنَسَبه لهم من قبل المجتمع ولمدركاتهم المرحلية التي يمروا منها تختلف عن أدوار الفرد المتقدم بالسن أو الطفل. حريًّ بنا ان نشير في هذا السياق الى ما يتضمنه مفهوم الشباب من خصائص ومقدرات خاصة بهم مثل القوة الجسمية والجسارة والتوثب والطاقة الجنسية والقدرة على التكييف للبيئة الطبيعية والاجتماعية والمادية وما يمتلكه من خبرة وحكمة والهامات روحية لأن المجتمعات الإنسانية تجسد هذه المقدرات لتضعها على شكل مشاهد مترابطة أشبه ما تكون بالرؤية الشاملة (بانوراما) ليس فقط للشباب بل لكل مرحلة عمرية حيث تحدد لها مدى ومساحة محددة وخاصة بها، تحدد التزاماتها في الحياة الاجتماعية الخاصة والعامة. باختصار شديد نقول يخضع مفهوم الشباب الى نظام تقسيم العمل في المجتمع لأنه يمثل شريحة عمرية واجتماعية واسعة وكبيرة الحجم لها القدرة في تنفيذ العديد من الوظائف الاجتماعية والمهنية في الحياة اليومية والعامة، فإذا حرمت من مساهمتها فإنه سوف تكون عبئ على حياة وتقدم المجتمع اولاً ثم يتحول نحو التصرف بتصرفات منحرفة عن الضوابط الاجتماعية بسبب الفراغ الذي يعيشه وعدم حصوله على مكانة اجتماعية عندما لا يجد فرصة عمل تخدم طموحاته أو أفكاره مثل ادمانه على المسكرات والمخدرات أو الانحراف في السقوط في مهاوي الإجرام ضد القانون والمجتمع، أو يتم استغلاله من قبل رجال السياسة في تجنيده في مليشيات مسلحة لحماية السياسي أو حزبه، أو يدفعه وعيه الذهني الى الانخراط في تنظيم سياسي يدافع عن حقوق العاطلين عن العمل ومحاربة الفساد السياسي في المجتمع مطالبًا بالعدالة الاجتماعية وأخذ حقوقه في المواطنة خير دليل على ذلك ثورة شباب الربيع العربي في البلدان العربية التي عكست اهمال الأنظمة السياسية لهم وعدم الاستفادة من حيويتهم ونشاطهم التي بدورها لم تجعلهم يحرزوا على مكانة اجتماعية في مجتمعهم ولا يمارسوا أدوارهم كمواطنين فاعلين دلفوا الى الثورة ضد الأنظمة السياسية التي لم تتعامل معهم كمواطنين يمكن الاعتماد عليهم ومنحهم مكانة اجتماعية وممارسة دورهم في مجتمعهم، أو ينخرط في السلك العسكري كجندي إذا تم قبلهم في مؤسساتها.

ومن نافلة القول إن المجتمع كلما يتقدم ويتطور يحتاج الى أيدي عاملة شابة تبني برامجها وتطورها لكن إذا استغنى عنها وعطلّت طاقتها فإنه سوف يخسر القوة الوطنية الشابة ويجبرها على ان تكون ضده تؤذي مؤسساته وضوابطه العرفية والوضعية. لقد كانت الأسرة في المرحلة الريفية والتقليدية المحافظة تعتمد على شبابها في إدامة واستمرار مهنتها داخلها فكانت تعتمد عليهم دون جعلهم بعيدين عن وحدتها واستمرار مهنتها الموروثة بذات الوقت تحصنه من الانحراف السلوكي وتدفعه نحو خدمة المجتمع المحلي وتمنحه مكانة اجتماعية لائقة به من خلال ممارسة دوره في المجتمع لكن بعد هذه المرحلة (الريفية والتقليدية) أضحى الشاب بدون رعاية مهنية أو رسمية مما أدى ذلك الى عدم منحه مكانة اجتماعية معترف بها اجتماعيًا ورسميًا عندها تبدأ المشاكل الاجتماعية (الانحراف والادمان والجريمة والمعارضة السياسية والثورة) لذلك نقول الأخذ بيد الشباب في المجتمع يمنع حدوث مشاكل اجتماعية عديدة لشبابها التي بدورها لا تمنحهم المكانة ولا الدور الاجتماعي فتجعلهم يمثلوا شريحة اجتماعية مستهلكة لا منتجة، معتمدة لا مستقلة، معوقة لا متنامية في حياة المجتمع. حريًّ بنا ان نقول إن كفاءات ومهارات الشاب لا تظهر فجأة عنده بل هي مترابطة مع الكفاءات والمهارات التي سبقت مرحلة الشباب لتمثل سماته البيولوجية والنفسية وتفاعلاته مع المرحلة العمرية السابقة. بمعنى ان سماته الشخصية نتاج امتدادها لسماته السابقة في مرحلة عمرية سبقت شبابه وهذا ما يجعله متنامية وناضجة توصله الى مرحلة الرشد. أقوال ان مهارات الشباب وكفاءاته تتبلور عبر ارتباطاتها المتسلسلة مع سابقاتها لكي تذهب الى المرحلة العمرية القادمة. وهذا يعني ان السمات الشابة عبارة عن سلسلة مهارات مترابطة بعضها ببعض لكي ترتبط مع المهارات القادمة حيث لا توجد سمات شخصية منعزلة عن سماتها القديمة في المرحلة العمرية الماضية. إن تحول الفرد من مرحلة الطفولة الى مرحلة البلوغ وحصوله على هويته الذاتية والشخصية كشاب أو كشابة يواجه عدة عقبات حادة وحرجة مثل محاولاته للتحكم وضبط ذاته وتصرفاته ومحاكاته (تقليده) للأدوار الشبابية المرموقة في المجتمع وبحثه عن هدف جديد له مختلف عن أدواره السابقة، كل ذلك يجعله قلقًا ومرتبكًا في هذه المرحلة الانتقالية. لكن هذه المرحلة لا تدوم بل تكون انتقالية – مرحلية – مؤقته لأنها تعد مرحلة إعدادية لتهيئته لمرحلة البلوغ الرشد يخضع لها الولد والبنت على السواء مع الاختلاف بينهما بالدرجة لا بالنوع لأن ثقافة المجتمع تؤثر كثيرًا على عدم استقرار واستواء سلوكه حيث يزداد قلقه كلما تحضر وتمدن مجتمعه والعكس صحيح. ذلك راجع الى المتغيرات المادية والتكنولوجية العديدة والسريعة في تأثيرها عليه مما تجعله يواجه قلقًا واضطرابًا أمام هذه المؤثرات لكن في نهاية الأمر يستقر على نمط معين يتناسب مع طموحه وكفاءته وامكاناته المعرفية بينما في المجتمع الريفي والتقليدي لا يواجه العديد من الاضطرابات والتقلبات المزاجية والنفسية لأن ثقافة هذه المجتمعات اختصرت المرحلة الانتقالية للفرد عبر إشغاله في مهام مسؤوليات أسرية أو منزلية أو حقلية أو حرفية لا تدع له الخيار فيها وهذا ما يجعله متماشيًا مع ضوابط مجتمعه لا يختلف معها فيحصل على مكانة اجتماعية مقبولة ويمارس دور منتج في مجتمعه المحلي فتكون مرحلته هذه مرحلة اعدادية لمرحلة البلوغ والنضج بسرعة خالية من المعاناة. بشيء من التفصيل ان تحول المراهق الى مرحلة البلوغ تتطلب من الفرد (ذكر أو انثى) ان يتخلى عن سلوكيات المراهقة وتبني سلوكيات البلوغ. هذا التحول لا يكون تلقائيًا ولا انسيابياً بل يتطلب إجراءات تهيئة لذلك. في القبائل البدائية تقوم القبيل بمراسيم طقسية قبلية عند تحويل المراهق الى بالغ من خلال عزل الشاب عن الشابة والشابة عن الشاب وتحميل كلٍ منهما بمسؤوليات العائلة والقبيل مع تدريبه على الفروسية ورعي الأغنام وتدريبه على المبارزات لكي يتقوى كبالغ والحالة مشابهة مع الشابة إذ توكل اليها رعاية أخوتها من الأطفال ومساعدة أمها في التدبير المنزلي. أما في الحواضر فإن هذه الإجراءات غير موجودة بل يترك الفرد نفسه في مواجهة البلوغ ومتطلباته لذلك نجده ينزلق في مهاوي الانحرافات السلوكية والمصادمات مع والديه وخضوعه لمؤثرات جماعة الأقران أكثر من تأثره بأسرته. أقول ان مرحلة التحول تكون عسيرة على الفرد وعلى أسرته في نفس الوقت لأنها مرحلة محيرة وقلقة فيها العديد من الصعوبات عند تخلى المراهق من مراهقيته وتبني شروط البلوغ المرادة من قبل مجتمعه وثقافته الاجتماعية. إن تحول الطفل من المراهقة الى مرحلة البلوغ الراشدة تساهم في تنمية الهوية الشخصية له مثل الاستقلال النفسي وتهذيب الذات وربطه بالمرحلة الإعدادية في التحول الى الثقافة المجتمعية وصورها وايقاعاتها ومحاكاة صورة انسياب اليافع لكن المجتمعات الحديثة فتحت أبوابها أمام جيل الشباب لكي تنشط المجتمع بحيويتهم من خلال جماعات وتنظيمات شبابية يتبني معايير وقيم جديدة مختلفة عن التي يحملها كبار السن أو الجيل القديم معبرين عن تمردهم ضد المجتمع وضد الجيل المعمر (المسنين) هذه الحركات الشبابية الجديدة وجماعات الأفراد وثقافة الشباب والكليات والجامعات أرست قواعد رصينة للحركات الطلابية والسياسية والرومانسية في أوروبا بحيث أثرت تأثيراً بالغاً فيها أبان القرن العشرين فضلًا عن المجتمعات الشبابية التي قامت بنقل المراهقين الى مرحلة البلوغ. إذن لا يوجد فرق كبير بين المجتمعات البدائية والحديثة من حيث توجيه ونقل المراهقين الى مرحلة البلوغ غير جماعات وتنظيمات اجتماعية أو قبلية (هذا ما قاله وأكد عليه إنيستد S. N. Eisenstadt) في دراسته الموسومة الأنماط الأساسية للشباب 1972 كلاهما يؤديان الى إنضاج المراهق وتوجيهه نحو التخلي عن المراهقيات وتبني سلوكيات البلوغ الراشدة نفسيًا وعاطفيًا وعلائقيًا وذهنيًا. ففي المجتمع البدائي تقوم الأسرة والقبيلة بذلك. بينما في المجتمع الصناعي تقوم التنظيمات الاجتماعية بتحويل المراهق الى مرحلة البلوغ. لكن الضغوط والاجهاد أو التوتر والتعب stresses على المتحول في المجتمع الحديث تكون حادة ومضاعفة عليه بسبب تعقد الحياة وتعدد وتنوع مناشطها وتكاثر مؤثراتها العلمية والتقنية المادية وضعف علاقاتها الاجتماعية المتصفة بالمجهولية والسطحية والمصلحية مع ضعف تأثير الضوابط العرفية على الفرد. ولا ننسى المؤسسات التربوية في مساهمتها بشكل كبير في تيسر عملية تحويل المراهق الى مرحلة البلوغ عبر تعليمه ودمجه في المجتمع الأكاديمي لتنمية مداركه ومعارفه فيما يخص المرحلة العمرية ومتطلبات الحياة العصرية منه.

خ – هل الشباب أقلية اجتماعية؟

يخضع مفهوم الأقلية الى نوع التعامل بين جماعتين (اغلبية واقلية) إذ هناك تعامل متسيد ومتحكم ومتعصب طويل الأمد – زمنيًا – من قبل جماعة اجتماعية غالبه على جماعة اجتماعية تابعة أو مرؤوسه. ثم هناك اقلية اجتماعية تخضع لحجم ونسبة الجماعة أي ان جماعة الأغلبية تكون أكبر حجماً من جماعة اجتماعية ثانية أقل منها حجمًا وعدداً. كذلك هناك أغلبية محكومة من قبل اقلية حاكمة بسبب النظام السياسي الدكتاتوري – الفردي أو العائلي أو القبلي. ايضًا هناك اقلية عرقية واغلبية ثقافية متسيدة وشاملة. فمثلًا الشباب والمرأة في المجتمعات التقليدية والمحافظة والنامية يتم التعامل معهما على انهما من الأقليات بغض النظر عن اعدادهما وحجم سكانهما في المجتمع وذلك راجع الى الصورة النمطية التي تعتمد عليها الثقافة الاجتماعية وبالذات السلطة الذكورية (البطريقية) التي تفاضل الرجل على المرأة وكبير السن على صغير السن وهنا تكون حدة التعامل بينهما (بين كبار السن والشباب والذكور مع الاناث تعاملًا طويل الأمد وقد يأخذ العمر كله ولا يحصل تغير في التعصب أو التفاضل بينهما من حيث الحقوق والهوية الذاتية والمكانة الاجتماعية والدور الاجتماعي والحراك الاجتماعي وفرص العمل واتخاذ القرارات واحترام الرأي الأخر. فالأغلبية تملك النفوذ والمكانة والسلطة والمال والمهنة والقرار والدعم الشعبي وهنا تكون الأقلية خانعة ومنصاعة وتابعة ومرؤوسة وذليلة وصاغرة للأغلبية. هذا النوع من التعامل المتعالي والمجحف والمتعصب تدعمه الثقافة الاجتماعية لا علاقة له بالاختلافات العرقية أو الطائفية أو الدينية أو الإقليمية، بل له علاقة بالجنس والعمر ممثلة صورة نمطية مقبولة ومدعومة اجتماعيًا وسياسيًا ومهنيًا وثقافيًا. ومادام اهتمامنا في هذا الموضوع ينصب على الشباب في المجتمع فإننا سوف نركز فقط على تعامل المجتمع (كأغلبية) مع الشباب من نفس المجتمع (كأقلية) في المجتمعات التقليدية والمحافظة والنامية.

ديدني هو ما يلي: عندما يتعامل أبناء الأغلبية الحاكمة والمتسلطة مع أبناء الأقلية التابعة يكون طابع تعاملهم مشوب بالغرابة والاستعلاء والابتكار والازدراء وهذا غير مفاجئ أو بغريب إلا ان الغريب هو ان يكون أبناء الأغلبية يتم التعامل معهم بازدراء واستصغار وعدم الاعتراف بوجودهم وذلك بسبب صغر عمرهم. بمعنى اعمار الشباب (وهم الأغلبية) تجعلهم تابعين ومرؤوسين لأعمار الأكبر منهم سناً (وهم الأقلية) الذين يمثلون الشريحة الحاكمة والمتسلطة في المجتمع وكل من هم أصغر منهم سناً يتم النظر إليهم والتعامل معهم على أنهم مرؤوسين وكأنهم تحت الوصاية والمراقبة والاختبار على الرغم من حصولهم على الجنسية الوطنية.

ومن باب الاغناء والإفاضة والتحديد الدقيق أقول تحمل صفة الأقلية سمة عامة وهي انها تُدرج بالدرجة الثانية من المواطنة حتى لو كانت متجنسّة بالجنسية الوطنية. فالمراهق (كشاب وشابة) يتم النظر اليه من قبل البالغين وكبار السن نظرة دونية لأن نظرتهم استعلائية على الأصغر سناً منهم. هذه في الواقع متطبعة بطايع الثقافة الاجتماعية السائدة في المجتمع التي ترى المراهقين وتحكم عليهم مسبقًا بإنهم عابثين وسريعي الانفعال ومتهورين وحمق وطائشين وغير مبال وشهوانين وكسولين لا يتحملون المسؤولية ومحتالين يخفوا ويضمروا نوازع عنيفة ومنحرفة تحت مظاهرهم المعلنة ولديهم الاستعداد للانحراف والوقوع في مهاوي الجريمة والعنف السلوكي وأنهم مازالوا أطفال. هذه الاحكام القيمية المسبقة نجدها في المجتمعات الحضرية والصناعية أكثر من المجتمعات الريفية والمحافظة. لذا يمكن القول بإن المراهق في المجتمعات الحديثة (الحضرية والصناعية) يحتل مكانة أدنى تمثل مكانة الأقلية ليس لها الاحقية بالمطالبة بحقوقها. بمعنى انها مواطنة من الدرجة الثانية لأنها لا تتمتع بحقوقها مثل باقي الاعمار البالغة الراشدة والمسنة وهم جميعاً مواطنين من نفس الوطن. أنها نظرة ليست رسمية بل عرقية – ثقافية وهذا اجحاف وحيف في حق الشباب سببه المجتمع وثقافته العامة الشاملة وإزاء ذلك ندلف الى تشكيل ثقافة الاقران ذات الثقافة الفرعية الخاصة به لتمتص الوصمات التي وصم بها من قبل الجماعات المتحكمة والمتسيدة (كبار السن والراشدين). أنها لا تمثل ادوارًا مؤسسية أو ذات صفة عقلانية رشيدة إلا انها حيوية وفعالة تمارس سلوكها وكأنها معتمدة على أسس رصينة ذات قواعد عقلانية آخذة طابعها الأدبي والمعنوي وكأنها إحدى ضرورات العيش في الحياة يطلق عليها في بعض الأحيان بإنها تمثل نسق معايير الثقافة الفرعية المتعلقة بثقافة الشباب إلا انها تسبب اضطرابًا اجتماعيًا تتطلب احتوائها وتوجيهها والسيطرة عليها لا من قبل الشرطة او المحاكم أو دور العقاب بل من قبل المجتمع المحلي والباحثين الاجتماعيين. أي هناك جهات اجتماعية تعمل على رعرعة ثقافة شبابية فرعية خاصة بهم مثل هذه الجهات، الفرق الرياضية والموسيقية والفنية ونوادي الطلبة اللاصفية والجماعات الاجتماعية التطوعية وجماعة الاقران التي تحمل معايير غير مقبولة من قبل الراشدين والتنظيمات المدنية والحضرية والجماعات الفقيرة التي تقطن في الاحياء الفقيرة وأبناء الأسر ذات الدخل الواطئ والفاشلين في الأنشطة الاكاديمية وأبناء الأقليات العرقية والدينية وأبناء الطبقة العمالية الذين يدرسون في مدارس تسودها معايير الطبقة الوسطى جميع هذه التجمعات تمثل أرض خصبة لنشوء ونمو الثقافة الشبابية التي تكون غريبة عن الثقافة العامة السائدة في المجتمع.

تنوع ثقافة الشباب: للشباب ثقافات اجتماعية متنوعة ومختلفة ومتعددة وذلك يرجع الى البيئة والمحيط الاجتماعي التي تترعرع فيه وبالذات في المجتمعات الريفية والحضرية والمعلوماتية والتكنولوجية أكثر من المجتمعات الريفية والتقليدية والمحافظة. تُعّبر هذه الثقافات عن التجمعات الشبابية ذات النسبة العالية من المراهقين أكثر من البالغين – الراشدين المعجبين بنجوم السينما والفرق الرياضية والحب الرومانسي ومتسابقي الدرجات النارية وسباق الخيل والتزحلق على الماء وحفلات الرقص والاحتجاجات الطلابية والحشود المطالبة بالحرية ودعاة السلام والتغني بالأغاني الشعبية – الفلكلورية وطلبة الجامعة الذين هم في مرحلة الدراسات دون العليا والوجودين (الذين لا يقيموا وزناً للأعراف والقواعد والقيم الاجتماعية) ومحبي موسيقى الجاز والوجودين. هذه الجماعات الاجتماعية المذكورة أعلاه تعمل على طمأنة الشباب وإزالة ارتيابهم وقلقهم طالما تمثل طموحات ومرئيات شريحة عمرية محددة بعمر زمني مرحلي فلا تعتبر سلوكياتهم منحرفة أو جانحة حتى لو كانت معاييرهم مخالفة ومعارضة لمعايير ثقافة الأبوين ومجتمعهم لأنها تعَّبر عن ميول ونزعات ترمي الى الاستقلال، تميل نحو التمرد عن التقاليد البالية والغامضة لكنها تغذي وتنمي أسلوب حياتهم المرحلية ذات المدى المحدود التي سوف يتركوها حال تحولهم الى مرحلة النضج والبلوغ فلماذا محاربتها وهي زائلة، انها ثقافة مرحلية ليست دائمة يمر منها كل فرد قبل بلوغه مرحلة الرشد. كلنا يعلم بإن المراهقين سيصبحون بالغين بعد مرور السنين بعد ان يمروا بالمرحلة الانتقالية التي تواجه العديد من الصدمات والأزمات والمشاكل النفسية والاجتماعية التي تترك بصماتها على نفسيتهم وشخصيتهم وتجعل عندهم خبرة غير سارة مما تدفع بالبعض منهم بالانحدار الى هاوية الجنوح أو الانحراف أو الانخراط في الأنشطة السياسية أو الجماعات البوهيمية بذات الوقت هناك وكالات تنشيئيه مثل المدرسة والأسرة تعمل على مساعدتهم ومساندتهم في حل هذه الازمات وإذا لم يحصل ذلك فإنها تتحول الى مشاكل نفسية اجتماعية مؤثرة على حياتهم المعيشية فتجعلهم مرتابين وشكاكين تؤثر على نموهم. وهناك المراهقين ممن تم نموهم خارج هذه المرحلة الانتقالية عندما يتم احتضانهم بعناية فائقة من قبل أسرهم ومدرستهم فلا تكن عندهم معاناة كثيرة أو عويصة. إذن يمكن القول بإن مرحلة نمو الشباب تمثل مشكلة اجتماعية تستحق الدراسة والتحليل لأنها تواجه صعوبات مؤثرة عليه مستقبلاً مثل الكآبة أو عدم النضج أو حمل معايير غير سوية تعيق نضجه وتكوين هويته وعدم التزامه في تحمل المسؤولية الأسرية أو المهنية، بذات الوقت هناك من المراهقين ممن يكونوا أكثر نضجاً وبلوغاً من الأخرين نتيجة خضوعهم لتدريبات وخبرات مهنية وتحمل مسؤولية اسرية أو مهنية تعمل على نضجهم وبلوغهم أسرع من الأخرين.

أعمال الشباب: لهذا الموضوع صلة مهمة بنشاط الشباب ومنحهم خبرة معرفية في تفاعلهم مع احتياجات الناس مما تعمل على نضجهم والتحامهم بالمجتمع وذلك داخل الأسواق والمحلات الشعبية أو التجمعات الطلابية. ولما كان للشباب تجمعات مختلفة فإن ذلك يجعل اهتمامهم ونشاطهم التجاري مختلف تباعًا. فالجماعات البوهيمية من الشباب (الذين لا يقيمون وزنًا للمعايير والقيم الاجتماعية أي المتحللين اجتماعيًا) يعملوا في شركات صغيرة لبيع احتياجات وطلبات المتحللين اجتماعياً مثل الشموع والملابس الجلدية والمصوغات الفضية والمعدنية والخشبية والمنسوجات اليدوية (القطنية والصوفية) والأدوات المنزلية المصنوعة من الفخار أو فتح مقاهي لاحتساء القهوة أو فتح رواق صغير أو صالة عرض أو منصة لعرض الرسوم أو يمتلكون استوديو للصور الفوتوغرافية أو محل لبيع احذية الصندل أو دكان لبيع المصوغات المقلدة (التقليد) أو دكان لبيع الكتب ذات الغلاف الورقي غير السميك او نادي صغير متخصص بموسيقى الجاز أو محل لبيع الكماليات وأدوات التجميل للبنات. هذه المحلات يكون موقعها في الاحياء التي فيها انحرافات كثيرة وما يحتاجونه في حياتهم العامة. ثم هناك أصحاب البقالة التي تبيع سلع يحتاجها قاطني الاحياء التي تقع في المناطق المعروفة بالانحراف السلوكي أو الموبوء بالإجرام لكن الشباب ليس لديهم نفس الرغبة التي يعملوا فيها في المحلات الخاصة بالبويهيين لأن هذه المحلات يرتادوها المنحرفين والمجرمين.

 

الفصل الثاني

الأصناف الاجتماعية لجيل الشباب

 

أ – السمات الشخصية لشباب الالفية.

ب – أنواع الأصناف الاجتماعية لجيل الشباب.

ت – نظريات علم اجتماع الأجيال.

– نظرية كارل مانهايم

– سوسيولوجيا الأجيال

– نظرية تعاقب الأجيال

ث – فجوة الأجيال

ج – صراع الأجيال

ح – المشاكل الاجتماعية لشباب الالفية

 

الفصل الثاني

الأصناف الاجتماعية لجيل الشباب

 

تختلف الأجيال باختلاف الأزمان والأطوار والمؤثرات المادية والتقنية على نمط معيشته وتفكيره واتصالاته مع الأخرين بالإضافة الى تنشئة التقليدية الموروثة التي يكتسب منها اللغة والدين والعلاقات القرابية وحجم اسرته. ولما ساد قرن الحادي والعشرين تطورات تكنولوجية والكترونية متقدمة استخدامها الشباب في علاقاته مع الأفراد والعمل والأنشطة الاجتماعية والتربوية أدى ذلك الى تغيير في معاييره وقواعده وضوابطه العرفية لكي يعيش مع نبضات الحياة العصرية. فلو كان هذا الجيل يعيش في مرحلة الحرب العالمية لكان شخصاً عسكرياً عنيفاً شديد المراس ذا عقلية صراعية – قتالية أكثر ميلاً نحو الأنشطة المصاحبة للحرب وهذا ما حصل للجيل الأوروبي أبان الحرب العالمية الأولى والثانية، وعندما عاش الشاب في القرون الوسطى كان فيها متنمطاً بنمط ديني – كنسّي واقطاعي. وعندما كان الشاب يعيش في عصر النهضة الأوروبية (ما بعد القرون الوسطى) تطبع بميول اكسبته العلم والمعرفة والفن والفلسفة وهكذا. أما الان وفي هذا القرن الذي تميز باستخدام الأجهزة الالكترونية في معظم مناشط الحياة الإنتاجية والمهنية والطبية والهندسية تطلب منه ان يكتسب مهارات متفاعلاً معها ومستفيد منها في حياته اليومية فأضحى هذا الجيل (الذي هو تحت عمر الثلاثين عاماً) ان يكون متطلعاً للتطور المهني السريع لأنه متطلب وظيفي وإذا اكتسب تلك المهارة يمسي شاعراً براحة وسعادة غامرة وبالذات عندما يعمل عن بُعّد الذي لم يكن هذا النمط من العمل سائداً عند الأجيال التي سبقته. وبسبب حبه وتعلقه بالابتكارات التقنية وما تقدمه له من منافع وفوائد مادية وعلمية ومعلوماتية أمسى عبداً لها ومدمناً عليها لا يقدر على مفارقتها مما أثرت على تفكيره ومزاجه وعلائقه بالأسرة والأصدقاء، فباتت ملامحه تحمل قدراته ودرايته العالية بالتقنية الحديثة والحس والإدراك الاجتماعي والالتزام ببرامج المسؤولية الاجتماعية الناجحة والحذر من الخطأ في التعامل وحفظ حقوق الإنسان والأقليات والعمال والموظفين وعدم التمييز والتفرقة. يطلق على هذا الجيل بجيل (y) أو (بنو الالفية) لأنه ولد في الحقبة الواقعة بين منتصف الثمانينات كأقصى حد الى منتصف التسعينات. لا جرم من القول عنه بإنه جيل مفرط في الانشطة الذهنية إلا انه لا يكن بارعاً في تعابير وجهه أو واعيًا بعواطفه أو عواطف الأخرين بمعنى انه يعاني من نقص بالوعي العاطفي بذات الوقت يكون مرهقًا ومحبطًا من كثرة سماعه ومشاهداته للكوارث الطبيعية والحروب والصراعات الاثنية فلا يكون قادرًا على تحمل كل هذه المؤثرات التي جلبتها له ثورة المعلومات عبر الأجهزة الالكترونية. ليس هذا فحسب انه جيل يبالغ في احترام العمل من أجل الحصول على مال وفير لكي يحصل على اعتبار عالٍ إلا انه ينقطع أسريًا ويمرض عصبياً وصحياً. هذه المعادلة المجردة من المشاعر الإنسانية القائمة على تقديس المال والعمل جعلت من الباحثين عنها ومالكها يكونوا أذكياء في تجميعها واستثمارها وتكديسها متصفين بالصفات التالية: –

أ – مهيمنين على مصالح ومقدرات العمال والموظفين العاملين في مشاريعهم التجارية أو الصناعية أي يستولون على حقوق وأرزاق العاملين عندهم وهذا لا يتم إلا إذا كان ذكيًا وله القدرة على تصميم خطط لتحقيق هذا الغرض وان تكون له القابلية في تطبيقها بكل قناعة والدفاع عنها وإقناع اتباعه أو العاملين معه.

ب – يكون ذا عقلية منتظمة في تفكيره واصدار تعليماته وخططه لأنه يتعامل مع أصحاب الكفاءات والمهارات العالية والمتقدمة في اختصاصاتها وان التعامل معهم بعبثية أو بتعسف يجعل منهم أداة معوقة في زيادة انتاجه وثروته.

ت – التمتع بعقلية تجارية إذ ان العمل وحده غير كافٍ لتنمية ثروته إذا لم تتسق معه عقلية تفكر بأسلوب تجارب لتبحث عن منافع مالية مربحة وإيجاد سبل متنوعة في استغلال واستثمار الطاقة البشرية التي تعمل في مشروعه.

ومن نافلة القول ان هذا الجيل يعمل في مهن لا تتحدد بجدول زمني مما نجده يعمل في عطلات نهاية الأسبوع لذلك يكون أكثر عزلة عن الناس والادمان على استخدام الأجهزة الالكترونية، لذا نستطيع القول عنه بإنه المهووس بالعمل مع التقنيات والبرامج والتفكير بالمستقبل ويحلم بأحلام خيالية خصبة مع قلة العاطفة لا يشعر بالامتنان ولا يعرف المشاركة مع الأخرين لأنه مثالي في أفكاره ويفضل البقاء في منزله أو شقته حتى في وقت عمله حيث يعمل فيه أو فيها لا يهتم بالعالم من حوله بل يريد ان يتكيف العالم معه وحوله وان حصل هذا التكييف فيجب ان يحدث فوراً.

هذا هو جيل “مِي. مِي. مِي”. هكذا تسميه مجلة “تايم” في واحد من أحدث أعدادها الصادرة (عدد 20 مايو). ومؤدى هذه التسمية ما يمكن أن يطلق عليه الوصف التالي: “أنا.. وأنا فقط”. هو الجيل الذي تعرّفه المجلة الأميركية بأنه ينتمي إلى القرن الواحد والعشرين جيل “الميلينيا” كما تسميه.. ثم تصف أفراده بأنهم يجمعون بين روح الكَسَل والنرجسية في آن معاً. ثم لا تلبث أن تستدرك كي تضيف القول بأن هذا الجيل هو الذي سيتولى إنقاذ العالم في نهاية المطاف. وفيما درج المؤرخون والمحللون على رصد تمردات الجيل الطالع على مؤسسات وشخصيات الجيل السابق.. إلا أن الكاتب “جويل شتاين” لا يلبث أن يدلي بملاحظة نراها جديرة حقاً بالتأمل حين يقول على صفحات “التايم”: “إن شباب “الميلينيا” جيل الألفيين- كما أسميناهم لا يسعى إلى السيطرة على مؤسسات الحكم أو المجتمع أو منظومات الأخلاق والسلوكيات”. في هذا الإطار تسعى “التايم” في هذه الدراسة إلى رصد زمني مقارن بين أجيال عدة توالي ظهورها في تاريخ عالمنا الحديث: يبدأ هذا الرصد من حقبة ثمانينيات القرن 19 التي شهدت مولد جيل الصفقة الجديدة (نيوديل) التي أسندت دوراً رئيسياً للدولة في تحقيق نوع من العدل الاجتماعي في المجتمع الأميركي.. وهناك أيضاً جيل مطالع القرن العشرين الذي خاض معارك الحرب العالمية الثانية ولمّا يبلغ عشرينيات العمر.. ثم جيل طفرة المواليد (بيبي بومرز) . وقد رأى أفراده النور مع مغيب أربعينيات القرن إلى مطلع الخمسينيات.. وأصبح أفراده الآن في سن التقاعد (ومنهم مثلاً الرئيسان بيل كلينتون وجورج بوش- الابن).. ثم هناك جيل الميلينيا، وقد عاش معظم أبناء هذا الجيل الذي رأى النور خلال الأعوام العشرين الفاصلة بين عام 1980 إلى فجر الألفية الثالثة عام 2000.

جيل الألفية الثالثة ولد وسط هذا الاكتمال الراهن لما أنجزه عام النصف الثاني من القرن العشرين. آباؤه، وربما أجداده كانوا قد أنجزوا منذ الستينيات تحولات جذرية، أكثر من مبشرة في مسار التاريخ الإنساني.. ما بين التلفزيون الملون إلى الاتصالات الفضائية عبر الأقمار الاصطناعية إلى ثورة الحواسيب الإلكترونية إلى طفرة الهواتف المحمولة، إلى التمهيد لظاهرة كوكبية حملت عنوان “العولمة”..

فضلاً عن التوصل إلى ما أصبح يعرف باسم “تكنولوجيا المعلومات والاتصالات” (آي . تي). حلت أولى سنوات القرن الوليد فإذا بالجيل الطالع وقد أصابته صدمة الحادي عشر من سبتمبر في “نيويورك” بكل أصدائها النفسية والانفعالية.. فما بالنا وقد أتيح لهذا الجيل سبل التواصل اللحظي والشخصي عبر شبكة الإنترنت و”فيسبوك”، وهو ما يضع هذا الجيل البارع في حال من الازدواجية.. البناءة.

في عبارة واحدة.. يُجمل الكاتب “جويل شتاين” تصوراته عن جيل الألفية الثالثة موضحاً أن أفراده نرجسيون بمعنى الاعتداد الشديد بالذات بفضل ما أصبح متاحاً تحت أيديهم من سبل التواصل والضبط والتدقيق، وبمعنى أن هذا الاعتداد يجعل إعجابهم بالمشاهير لا يصل إلى حدود التقرب من التقديس على نحو ما كانت تفعل أجيال سابقة: هم عاطفيون، ولكنهم لا يندفعون في عواطفهم ولا في تجاربهم مع الآخرين.. ألا ترى أن أقصى أمانيهم أن يوصف الفرد منهم بأنه كول (cool) أي أقرب في عواطفه إلى الانضباط إن لم يكن الفتور أو البرود. [https://www.albayan.ae] بينما يتسابق الجميع اليوم للوصول إلى القمة، يجب على الشركات أن تتمتع بالقدرة على استقطاب أفضل الموظفين الموهوبين والحفاظ عليهم. ومع ازدياد مهارات الجيل الرقمي، فإن الشركات التي تستغل هذه المهارات ينتظرها مستقبل مزدهر. بحلول عام 2020، سيُشكل جيل الألفية 50 في المئة من القوى العاملة في العالم وسيبدؤون في تبوء المناصب العليا في جميع القطاعات، وبقليل من التخطيط، سيُصبح هؤلاء الموظفون إضافة رائعة لفرق العمل الحالية وسيؤدون دورًا بارزًا فيما يتعلق بالإجراءات الخاصة بحماية الأعمال التجارية من المخاطر المستقبلية.

اكتساب ميزة تنافسية: خلال عقدين فقط من الزمان، تحولت إمكانات القوى العاملة من الانحناء طيلة الوقت على أجهزة الفاكس لإرسال الملفات إلى استخدام الهواتف الذكية لإرسال تلك الملفات إلى السحابة الإلكترونية. ونظرًا لتطور جيل الألفية بشكل مستمر، فهم لا يألفون الابتكارات الرقمية فحسب – ولكنهم يحذرون التقنيات القديمة ويسعون جادين إلى معرفة سبب حدوث الموجة التالية من الأعطال. وفي أوقات فراغهم، يفكرون في كيفية دفع رسوم توصيل الطعام بسهولة تامة من خلال هواتفهم الذكية، وكيف يتسنى للواجهات الرقمية أن تصبح أكثر تفاعلاً مع تطبيقاتهم المُفضلة. يمثل هذا المنهج المرن والمتكرر دعامة قوية جدًا للأعمال التجارية. يُعتبر النمو الشخصي والتطلعات المهنية عاملين هامين لجيل الألفية – حيث يقول 52 في المئة منهم إنهم يفضلون أصحاب العمل الذين يوفرون فرصًا للتقدم كما تُشير أبحاث شركة PwC إلى أن التعلم والتطور هما الفائدتان الأهم للموظف. ولذا يمثل هذا الطموح وطريقة التفكير التي تُركز على تحسين الذات عاملًا حاسمًا عند البحث عن طرق مبتكرة لتجاوز أهداف الأعمال التجارية. يتحوّل جيل الألفية بين استخدام أجهزة الكمبيوتر المحمولة والهواتف الذكية وأجهزة التلفاز وغير ذلك من الأجهزة بمتوسط 27 مرة في الساعة – وهو معدل يزيد بمقدار 10 أضعاف عن الجيل السابق. لذلك يتعامل هذا الجيل مع الابتكارات التقنية بكل سهولة، وبالتالي يُصبح تعدُد المهام بالنسبة لهم أمرًا طبيعيًا أيضًا. يقدّر ثلث جيل الألفية المرونة والحرية عن الراتب عند النظر في عرض العمل. ويعتبر جيل الألفية الوظائف مشاريع مؤقتة، ولذا فهم أقل استعدادًا لإعادة تنظيم حياتهم لتناسب وظائفهم مقارنةً بالأجيال السابقة. وتستطيع الشركات التي توفر ساعات عمل تتسم بالمرونة وكذلك مجموعة متنوعة من أماكن العمل مساعدتهم للاضطلاع بمسؤولياتهم وتلبية احتياجاتهم الخاصة. وجدت دراسة لجامعة بنتلي أن 89 في المائة من جيل الشباب يتفقدون رسائل البريد الإلكتروني ويردون عليها حتى بعد انتهاء ساعات العمل. ووفقًا لما ذكرته شركةEY ، يرى 47 في المئة من جيل الألفية أن ساعات العمل الخاصة بهم قد زادت بالفعل خلال السنوات الخمس الأخيرة. ويعمل إضفاء الطابع الرسمي على الأنشطة التي تتم خارج ساعات العمل مع ترتيب الأعمال على توفير أسلوب عمل أفضل للموظفين يجنبهم الإنهاك ويمنحهم الشعور بالتقدير نظرًا لبذلهم جهدًا إضافيًا. تؤدي التقنيات الحديثة إلى تغيير طريقة تواصل جيل الألفية مع رؤسائهم وزملائهم. ويقول واحد وأربعون في المئة منهم إنهم يفضلون التواصل الرقمي في العمل على المقابلات وجهًا لوجه أو عبر الهاتف. ويعمل قادة الشركات على تمكين هذا التغيير من خلال التوجه إلى استخدام أدوات التواصل مثل Slack وMicrosoft Teams وWorkplace by Facebook  ويمكن لهذه الأدوات أن تشجع الموظفين على مشاركة أفكارهم بشكل سلس وكذلك فهي خارج أي قيود تخضع للتسلسل القيادي. ويضمن التدريب التقني وتوافر مجموعات من المرشدين ومتلقي التوجيه اتفاق جميع الأشخاص على نفس الهدف واستعدادهم للتعاون. ويستفيد مواليد السنوات التالية لنهاية الحرب العالمية الثانية من الرؤى العملية التي تجعلهم يواكبون أحدث التقنيات، في حين يفضل 80 في المئة من جيل الألفية الحصول على الثناء والتعليقات الفورية عن عمليات استعراض الأداء الرسمية. ومع تحول جيل الألفية من كونه الأقلية إلى الأغلبية في أماكن العمل، فستبدأ مرحلة نقل المعلومات داخل الشركات التي تعمل كشبكات عن طريق المحادثات بدلًا من نقل الأفكار وفقًا لمسار التسلسل القيادي من أعلى إلى أسفل فقط. ويرى جيل الألفية أن الأدوات التي يستخدمونها لإنجاز العمل تخضع لحالة دائمة من التغير كما تعلموا كيفية التكيف معها سريعًا لمواجهة الأعطال. وباستخدام هذا المستوى العالي من القدرة على التكيف، يشرع هذا الجيل في تغيير مستقبل الصناعات وخلق فرص جديدة في سوق الأعمال. ومع أنه لا يمكن أن يصبح جميع أبناء هذا الجيل الرقمي كزوكربيرج، ولكن مع توفير بنية تحتية رقمية صحيحة، يمكن للشركات أن تتعلم الكثير من البراعة التقنية لجيل الألفية الذي يعمل لديهم. [https://www.jordan.regus.com]

أ – السمات الشخصية لجيل الالفية

لكل جيل سماته السلوكية والفكرية والمزاجية يتميز بها عن غيره من الأجيال، وجيل الالفية الثالثة أتصف بعدة صفات تعكس تفاعلاته مع إيقاعات العمل وتطور سبل التعاليم واستخدامه للأجهزة التكنولوجية وتعلقه بمنزلة المقيم فيه ومكان عمله وأفراد عمله من الزملاء منها ما يلي: –

أ – انه متمرد على مؤسسات وشخصيات الجيل الذي سبقه.

ب – لا يسعى للسيطرة على مؤسسات الحكم أو المجتمع.

ت – معّتد بذاته بشكل مفرط.

ث – سيقود العالم مستقبلاً ويتبوأ مناصب عليا في جميع القطاعات.

ج – يستخدم ما هو متاح تحت تصرفه.

خ – عاطفي لكنه غير مندفع تحت تصرفه.

د – يألف الابتكارات الرقمية.

ذ – من أبرز صفاته تطلعاته المهنية ونموها.

ر – يعمل على تحسين ذاته عن طريق التعلم.

ز – الوظيفة بالنسبة له عبارة عن مشروع مؤقت.

س – سريع التكيف مما يجعله ذلك تغير مستقبل الصناعات وخلق فرص عمل جديدة.

ش – ملتزم برد على الرسائل البريدية أول بأول.

ص – يشعر بالراحة والانبساط عند مشاركة آرائه وتعليقاته دون احترام التسلسل الهرمي في التنظيم الذي يعمل فيه.

ض – يريد ان يعرف على الفور ما يفعله بشكل صحيح أو خطأ.

ط – يشعر بالارتباك حيال الحياة وبالذات عندما يتعلق الأمر بالحصول على الوظيفة.

ظ – لا يستطيع البقاء في مكان واحد لفترة طويلة أي انه مثل البدو الرحل.

ع – يجرب الكثير من الأشياء بما في ذلك جسم الانسان.

غ – يعشق تصوير نفسه.

ف – يهمه التعبير عن أفكاره ومشاعره.

ق – يخطط للمستقبل من أجل بناء مستقبل مدهش.

ك – يحلم بأحلام كبيرة وله خطط ملموسة لتحقيق حلمه.

ل – يشعر بإنه شقي ومدلل ومثالي في أحلامه.

م – يرتاح في منزله ويمكنه البقاء فيه لمدة عام دون الخروج منه.

نلاحظ على هذه السمات بإنها تخص الشاب المتعلم والمهني المتعلق بسحر الأداء التقني واستخدامات آلياته التي تحقق له مآربه وتكشف عن مواهبه في العلم والمعرفة لذلك نجده طموحاً في ارادته واحلامه وهذا يعني انه يجتهد في سبيل تحسين مستقبله لا ينظر لما ورائه أو للتاريخ كما فعلت الأجيال التقليدية والمحافظة. يستخدم ذهنه أكثر من الأنشطة الحركية – الجسدية في التنقل واللعب، يغلب العمل على حياته أكثر من الأنشطة المسلية والألعاب الترفيهية انه يعيش لمستقبله أكثر من حاضره ويتفاعل مع الالة والتكنولوجية أكثر من تعامله مع الفلسفة والتاريخ والدين والآثار مما تجعله منضبطاً بقوانين الالة أكثر من انضباطه بضوابط المجتمع العرفية بتنظيم بنواظم العلم التقنية ينخرط بالتنظيمات الإجرامية والمنحرفة والإرهابية. فهو إذن جيل يخدم مجتمعه بيسر وسلاسة أكثر مما يفكك مؤسساته أو انساقه البنائية. انطبعت في أذهان الناس صورة نمطية عن أبناء جيل الألفية تحملك على الاعتقاد أنهم كسالى، وسريعو الغضب، ودائمو التنقل بين الوظائف. الصحفية (جاسيكا هولاند) تلقي الضوء على التصورات الخاطئة عن أبناء جيل الألفية. إذا كتبت في محرك البحث غوغل “أبناء جيل الألفية”، ستجد أن كلمة “كسالى” ستظهر بين أول ثلاثة مقترحات تعرضها خاصية الإكمال التلقائي لكلمات البحث. إذ أن الصورة الراسخة في أذهان الكثير من الناس عن أبناء جيل الألفية، الذين ولدوا في الفترة ما بين مطلع الثمانينيات وأواخر التسعينيات من القرن الماضي، هي أنهم سريعو الضجر، ويلهثون وراء إرضاء الذات الفوري، ويؤثرون التنقل من وظيفة إلى أخرى عن البقاء في شركة واحدة طوال حياتهم العملية. أي أنهم ليسوا الموظفين المثاليين. ولكن دراسات موسعة أجريت في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة هذا العام أثبتت العكس. فقد اتضح أن أبناء جيل الألفية ليسوا أقل التزاما وإخلاصا في العمل من نظرائهم الأكبر سنا، عندما كانوا في نفس المرحلة العمرية، إن لم يكن أبناء جيل الألفية أكثر التزاما منهم. وفوق ذلك، تبين أن أبناء جيل الألفية لا يكافؤون على إخلاصهم للعمل.

ما الذي يدفعنا لرفض نصائح الآخرين؟: صدر تقرير عن مؤسسة “ريزولوشن”، للأبحاث في بريطانيا في فبراير/ شباط، جاء فيه أن واحدا فقط من بين كل 25 شخصا من أبناء جيل الألفية في المملكة المتحدة ينتقل من وظيفة لأخرى كل عام في منتصف مرحلة العشرينيات العمرية. في حين أفاد التقرير أن أبناء الجيل السابق لجيل الألفية، أو الجيل الذي يعرف باسم “إكس”، ينزعون للتنقل بين الشركات أكثر من أبناء جيل الألفية في نفس المرحلة العمرية بنحو الضعف، لأنهم كانوا يحققون مزايا مالية أفضل. ويقترن التنقل الوظيفي في المعتاد بزيادة في الراتب بنحو 15 في المئة مع كل تغيير للوظيفة، بالإضافة إلى ما يجنيه الموظف من فرص لتعلم مهارات جديدة، وتحديد نوعية المنشآت التي تناسب تطلعاته. وفي الوقت نفسه، أشار تقرير المؤسسة إلى أن الزيادات في الرواتب التي كانت تمنحها الشركات للموظفين الذين يفضلون البقاء فيها لفترة طويلة تقلصت في الآونة الأخيرة وتكاد تكون منعدمة. وقد بات هذا الاتجاه لإلغاء الزيادات أكثر وضوحا، ليس في المملكة المتحدة فحسب، إنما في بلدان أخرى أيضا. ونشر مركز “بيو” للأبحاث، وهو مؤسسة بحثية محايدة في العاصمة الأمريكية واشنطن، نتائج مشابهة، استنادا إلى بيانات وزارة العمل الأمريكية. وتوصل التقرير إلى أن الموظفين الأمريكيين في الفئة العمرية الممتدة من سن 18 إلى 35 عاما، ليسوا أقل حرصا على البقاء في شركة واحدة من نظرائهم الأكبر سنا من أبناء الجيل “إكس”، عندما كانوا في نفس المرحلة العمرية.

كيف تتميز عن الآخرين وتسوق مهاراتك؟: وأشار التقرير إلى أن سجلات إنجازات أبناء جيل الألفية، من بين الحاصلين على شهادات جامعية، لدى الشركات أطول من سجلات نظرائهم من أبناء الجيل الذي يسبقهم عندما كانوا في نفس المرحلة العمرية. تقول “لاورا غاردينر”، من كبار المحللين السياسيين بمؤسسة “ريزولوشن”، وشاركت في إعداد تقرير عن تراجع معدل تنقل أبناء جيل الألفية بين الوظائف في المملكة المتحدة: “إن تأثير الأسباب الاقتصادية يبدو جليا للعيان. ومن المعروف أن الشباب أكثر تنقلا بين الوظائف من نظرائهم الأكبر سنا. وقد تراجع معدل التنقل الوظيفي في الآونة الأخيرة بين جميع الفئات العمرية، وإن كان قد تراجع بوتيرة أسرع بين الشباب”. وتضيف أن إحجام الشباب عن التنقل الوظيفي الان “كان له أثر كبير على الرواتب التي يتقاضونها. فلأول مرة في التاريخ، يتقاضى الشباب الآن نفس الأجور التي كان يتقاضاها أبناء الجيل الذي يسبقهم في نفس المرحلة العمرية منذ 15 عاما مضى”.

تغير الأزمان: لم يكشف هذان التقريران عن الأسباب الحقيقية لتراجع معدلات التنقل الوظيفي بين الشباب الآن. وذكر ريتشارد فراي، أحد كبار الباحثين في مركز بيو للأبحاث، في ملخص للبيانات كتبه على مدونة المركز أن هذا التراجع، “قد يكون بسبب قلة الفرص المتاحة أمام الشباب للحصول على وظيفة أفضل لدى شركة مختلفة”، على حد وصفه. وأشارت “غاردينر” إلى أن الشباب ربما أصبحوا أقل جرأة على خوض المخاطر لأن هذا الجيل قد بلغ مرحلة الشباب في خضم الأزمة المالية العالمية. هذا بالإضافة إلى عوامل أخرى مثل انتشار عقود العمل التي لا تنص على حد أدنى لساعات العمل، وزيادة العمالة المؤقتة، والتحول الحاصل في بريطانيا من اقتصاد قائم على التصنيع إلى اقتصاد قائم على الخدمات.

وتقول: “كل هذا ساهم في تراجع الثقة، والقدرة على المساومة لدى الشباب”.

المهارة التي استلهمها العالم من اليابانيين: وذكر باحثون في شركة ديلويت للخدمات المالية، التي تنشر استطلاعا سنويا لآراء أبناء جيل الألفية، أن الأوضاع السياسية والاجتماعية غير المستقرة في الدول المتقدمة في الوقت الراهن كشفت في الشهور الـ 12 الأخيرة فقط عن مدى تطلّع الشباب لتحقيق الأمان الوظيفي. وأوضح استطلاع للرأي عام 2017، شارك فيه 8.000 شاب من جيل الألفية حول العالم، أن أبناء جيل الألفية في البلدان المتقدمة أصبحوا أقل استعدادا لترك وظائفهم في العامين المقبلين، وأكثر حرصا على البقاء في الوظيفة لخمس سنوات أو أكثر، مقارنة بالعام السابق. وجاء في التقرير: “تشير البيانات المسجلة لدينا أن الأوضاع المتقلّبة ربما تزيد من رغبة أبناء جيل الألفية في تحقيق المزيد من الاستقرار.” وفي ضوء هذه الأوضاع، تضاءلت أعداد الوظائف المتاحة بعقود طويلة الأجل التي تنص على زيادات منتظمة في الرواتب، وارتفعت معدلات القلق والتوتر خشية تكرار الأزمة المالية العالمية، وزادت المخاوف من المستقبل. أضف إلى ذلك أن أبناء جيل الألفية بلغوا سنا يخططون فيه لشراء منزل، والزواج، وإنجاب الأبناء. يقول “غريتشين ليفينغستون” من مركز بيو للأبحاث، إن نساء جيل الألفية أنجبن ما يزيد بقليل على ثمانية مواليد من بين كل عشرة مواليد في عام 2015. ولهذا ليس من المستغرب أن تهتم هذه المجموعة من الآباء والأمهات بالاستقرار المالي.

الرغبات والصور النمطية: وتشير الصور النمطية عن أبناء جيل الألفية إلى أنهم لا يهتمون بمؤشرات النجاح التقليدية. ولكن “غاردينر” تقول إن الرغبات الأساسية لتوفير ضروريات الاستقرار، وهي المنزل ومدخرات التقاعد، ومهنة كريمة، وعائلة، “تكاد لا تختلف على الإطلاق من جيل لآخر”. وتوافقها الرأي “جينيفر ديل”، إحدى كبار علماء الأبحاث بمركز “الريادة الخلاقة” بمدينة سان دييغو في ولاية كاليفورنيا، ومؤلفة كتاب “ما الذي يريده أبناء جيل الألفية من العمل”، وتقول: “لا أجد اختلافا في القيم الأساسية بين جيل وآخر، ربما يلجؤون لطرق مختلفة للتعبير عن القيم التي يتبنونها، ولكن أهدافهم في الحياة وفي العمل تكاد تكون متطابقة”.

هل يمكن اكتساب “الكاريزما”؟: في ظل زيادة أسعار المنازل، وارتفاع تكاليف التعليم الجامعي في الكثير من البلدان، باتت هذه الأهداف بعيدة المنال لأبناء جيل الألفية. ولعل هذا عامل آخر يزيد من رغبة أبناء هذا الجيل في ترسيخ أقدامهم في شركة واحدة. وفقا لاستطلاع للرأي عن أبناء جيل الألفية أجرته شركة ديلويت عام 2017، يفضل سبعة أفراد من بين كل عشرة من أبناء جيل الألفية الذي يعيشون في البلدان ذات الاقتصادات الناضجة، التي تتميز بتباطؤ النمو الاقتصادي، عقود العمل الدائمة في مقابل العمل المستقل، وعلل أغلبهم تفضيل العمل الدائم بالرغبة في تأمين “الأمان الوظيفي”، و”الدخل الثابت”. تقول “ديل”: “تغيرت نظرة الشباب للحياة منذ سبعينيات القرن الماضي، لتواكب التغيرات التي شهدها العالم”. وتضيف أن إلقاء اللوم على الشباب ووصفهم بأنهم متهاونون في العمل “هو الصورة النمطية للشباب، وقد وُصف أبناء الجيل ‘إكس’ السابق أيضا بالتواني والتقصير في بداية انخراطهم في سوق العمل”. وتشير الأدلة إلى أن البيئة القاسية بشكل غير مسبوق التي اضطر أبناء جيل الألفية للعمل فيها، هي التي تعيقهم عن تحقيق تطلعاتهم، وليس نظرتهم للعمل. [https://www.bbc.com]

ب – أنواع الأصناف الاجتماعية لجيل الشباب

يمثل الجيل مسافة زمنية تستغرق فترة تتراوح ما بين الميلاد وبلوغ العمر المتوسط وهي أربعين عاماً على الصعيد الزمني لكن على الصعيد الاجتماعي فإنه يعني المشاركة في المعاناة والأهداف والخضوع للمؤثرات المتشابهة بحيث تجعلهم متجانسين في نمط تفكيرهم ومعاييرهم الشخصية والاجتماعية. فالأجيال ظاهرة اجتماعية متفاعلة مع المؤثرات الاجتماعية والتاريخية تقوم بدور فعال في تغير المجتمع. بتعبير أخر تكون الأجيال الاجتماعية غير الأجيال القرابية ولا يكون الجيل الواحد متكون من طبقية واحدة بل من عدة طبقات وهذا يعني أنهم غير متجانسين بشكل مطلق وهذا يجعلهم ان ينظروا الى الاحداث من زوايا خاصة ومختلفة أعني ليس لديهم نظرة واحدة ومشتركة للحدث الواحد. ومن نافلة القول انه جيل يعيش العمل المنجذب اليه لأنه يمنحه الحرية في أوقات عمله ومكان عمله والتعرف على جوانب اختصاصه ومعرفته بسرعة مما يجعله متجاوباً مع معطيات عمله ومستمتعاً بها. لكن هذا الانجذاب المهني يسبب له اضرار جانبية على الصعيد العاطفي والنفسي والاجتماعي لأنه يتفاعل مع الالة والأجهزة الالكترونية. يعني تفاعلاً غير مباشراً ليس وجهاً لوجه يفقده التعابير الوجهية والصوتية والدلالية ويعزله عن التفاعل البشري المباشر. كل ذلك يحصل بتأثير الابتكارات التقنية ورغبته بالتميز الجيلي عن باقي الأجيال التي سبقته. لا جرم من القول ان كل مجتمع يتألف من ثلاث أجيال رئيسية تعيش في وقت واحد واحياناً في أسرة واحدة ومنزل واحد وهم الآباء والأبناء والأحفاد (أسرة ممتدة) وكلٍ منهم له طريقة عيش حسب مرحلته العمرية وغالباً ما تكون مستويات معيشتهم منسجمة ومترابطة لا يوجد فصل بينهما. بذات الوقت هناك أجيال تصنف حسب مرحلتهم البيولوجية العمرية مثل الأطفال والصبية والراشدين والشيوخ المسنين. لكن جميع هذه الأصناف سواء كانت حسب المراحل البيولوجية – العمرية أو العضوية الأسرية لا تفرق بين الرجال والنساء داخل الجيل الواحد. لكن ظهر علم جديد في العلوم الاجتماعية يدعى (علم حركة الأجيال) يصنف الأجيال حسب تأثيرهم بثلاث متغيرات وهي: –

– طريقة تربية الأبوين للأبناء.

– تأثير التكنولوجية على الأفراد.

– تأثير الاقتصاديات التي تحيط بالأفراد.

وفي عصرنا الحالي الذي تسود فيه السوشيل ميديا والكمبيوتر والهاتف النقال والأقمار الصناعية وثورة المعلومات والعولمة جميعها بلورت جيل خاص متطبع بطبائع هذه المبتكرات التقنية والكونية مما أثرت على ذكائه ومزاجه وعلائقه وهواياته وصحته. ظهر هذا الجيل مع بداية القرن الحادي والعشرين سمي بجيل الالفيين حاملاً معه خصائص شخصيته الاجتماعية والثقافية والمهنية تختلف عن خصائص والديه والأجيال التي سبقته. لذلك تطلب منا ان نقدم هذا النوع من الجيل ليتعرف عليه طلبة علم الاجتماع ويدرس مشاكله التي يواجهها لأنها تختلف عن المشاكل الاجتماعية التي سادت في القرن العشرين. لكن هذا لا يعني انها مختلفة كلياً عنها في الكم بل في النوع فضلاً عن نشوء مشاكل اقترنت وصاحبت استخدام الأجهزة الالكترونية في أماكن العمل والدراسة والعلاج الطبي والتصميم الهندسي فسبتت سلوكيات تختلف عن سلوكيات الجيل الماضي. إذن لا جرم من تخصيص حقل خاص في علم الاجتماع يدرس الشباب لا من زاوية مشاكله بل من زاوية تغير سلوكه وتفاعله وتفكيره المتفاعل مع المستخدمات التقنية الحديثة أكثر من تأثير والديه. بعد هذا الاستطراد نقدم تفاصيل حول ما تناولناه. تنساب الأجيال، جيلاً بعد جيل، داخل تيار الزمن على نحو متداخل، اشبه بتيارات الموائع، كالماء والهواء، فلا يفصل جيل عن الجيل الذي يليه خط، وإن كان خطاً افتراضياً. لذا، يعترض البعض على عناوين من نوع جيل الستينات، أو جيل السبعينات، وهكذا، بوصفها عناويناً مفتعلة، لا صلة لها بالواقع السائل للزمن، أو للأحداث التي تجري داخل الزمن. إلا أن الأمريكان، بما عرف عنهم من ولع في “التصنيف” والعزل بين “الأصناف”، قد ابتكروا عناوين تستحق الملاحظة في سياق ما جاء في أعلاه: وقد ذهب البعض منهم الى ابتكار عنوان “الألفيين” Millennial، بمعنى هؤلاء الأفراد أو الجماعات “الجيلية” التي رأت النور بعد بداية الألفية الثالثة التي نحيا سنيها المبكرة حتى هذه اللحظة. والغريب في ذلك هو أن المرء ليضطر للشعور بثمة حاجز عال، فاصل بين أجيالنا السابقة لبداية هذه اللفية، من ناحية، وبين الأجيال التي ولدت بعد بدايتها. وإذا كنا ننظر بعين “الاستصغار” لمن ولد بعد سنة 2000م، باعتبارهم مازالوا فتية صغاراً، بلا خبرة ولا معرفة ولا تجربةـ إلا أن علينا الحذر من حال التمادي بالنظرة الدونية “للألفيين”. وهو ما يذكرني بحكمة منسوبة للإمام علي بن أبي طالب (رض): “لا تكرهوا أولادكم على آثاركم، فهم مخلوقون لزمان غير زمانكم”. وقد كانت لهذه الحكمة أصداء في التراث العربي الشعبي، إذ يقول المثل الشعبي “إن كبر ابنك، فتآخى معه”. هذا هو دواء ناجح لهؤلاء من كبار السن الذين يخصون الشبيبة والنشء بنظرة دونية، دون معرفة كافية بما مروا به من تجارب ومحكات، لم يمر بها “الختياريه” من أمثالنا فاذا كنت تشعر بالألم لأن الفرد الألفي لم يسمع، على سبيل المثال، بتأميم قناة السويس، أو بالحربين العالميتين الأولى والثانية، فلا تسمح لنفسك أن تأسى على جهل الألفيين، على نحو تعميمي جارف: فقد تكون معارفهم في حقول أخرى أكثر من معارفك، وتجاربهم مع مبتكرات الألفية الثالثة أغنى بكثير من تجاربك! هذه هي “سنة الأزل”، لأن الأجيال تتناوب تترا على معارف العصور التي تحياها، كما كنا نشعر بثمة فجوة تفصل بين ذهنياتنا (التقدمية) وبين تقاليد تفكير آبائنا وأجدادنا (الرجعية).

وهكذا يجري الزمن بلا توقف، ومعه تجري المتغيرات والأفكار والمسلمات، الأمر الذي يفسر، على سبيل المثال، إخفاقك، أيها الختيار المحترم، في استخدام الهاتف الذكي، كما يستخدمه حفيدك بكل دقة وسرعة وكفاءة. وعلى المرء أن يتذكر جيداً بأن ركب الحياة إنما يسير، وأنه لابد أن يفصل بين القديم والجديد، بين الرجوعي والتقدمي. لذا، لا داعي للاستخفاف بالشبان وعدم معرفتهم بما مر بك من أحداث ومتغيرات. هذا هو ناموس الحياة! [http://www.almothaqaf.com]

لكن مع تطورات الاحداث العالمية والإقليمية والتطور التقني برزت أجيال جديدة عددها خمسة عشر جيلاً بضمنها القديمة كماً نوعاً لذا تطلب عرضها جميعاً ليتعرف القارئ على تطور البحوث السكانية والاجتماعية الخاصة بالأجيال.

عبر السنين تطورت أمور الحياة وأصبحت التحديات والفرص مختلفة والسبب هو التغيرات التي نشهدها يومياً. والسبب الأساسي لهذه التغيرات هو الأجيال التي تعاصر الزمن. لنتعرف على هذه الأجيال واسمائها!

أ – جيل الطفرة السكانية Boomers: المواليد بعد الحرب العالمية الثانية بين عامي 1946 و1964،

ب – الجيل إكس Gen X: مصطلح يشير إلى الفئات التي ولدت ما بين أوائل الستينات إلى أوائل الثمانينات، ويستعمل هذا المصطلح في عدة مجالات منها الدراسات السكانية وعلم الاجتماع والتسويق، لكنه يستعمل بنسبة أكبر في الثقافة الشعبية الحديثة.

ت – جيل زد Gen Z: هو الجيل الذي يلي جيل الألفية. لا توجد تواريخ محددة لبدء وانتهاء هذا الجيل، الباحثون وعلماء الديموغرافيا يستعلمون مواليد منتصف عقد التسعينات إلى منتصف عقد الألفين كنقطة بدء الجيل، ومواليد أواخر عقد الألفين إلى منتصف عقد الألفين وعشرين كنقطة انتهاء له، أبرز ما يميز هذا الجيل هو استخدامه الواسع للأنترنت من سن مبكرة. أبناء الجيل زد عادة ما يكونون متكيفين مع التكنولوجيا، والتفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي يشكل جزء كبير من حياتهم الاجتماعية. بعض المعلقين اقترحوا أن الترعرع خلال فترة الركود الاقتصادي أعطى هذا الجيل شعور بانعدام الأمن والاستقرار.

ث – الجيل الأعظم  G. I. generation: الجيل الذي نشأ في الولايات المتحدة أثناء الحرمان في فترة الكساد الكبير، ثم خرج للقتال في الحرب العالمية الثانية، والذي يسمى أيضًا جيل جي آي .

ج – جيل الارتدادBoomerang generation : جيل البالغين الصغار الحاليين في الثقافة الغربية. ويطلق عليهم هذا الاسم بسبب تكرار اختيارهم للتعايش مع أولياء أمورهم بعد فترة قصيرة من العيش بمفردهم – وبالتالي يرتدون إلى مكانهم الأصلي. ويمكن أن يأخذ هذا التعايش العديد من الأشكال، والتي تتراوح من المواقف التي تعكس الاعتمادية العالية في فترة ما قبل البلوغ وحتى الاستقلالية التامة، من خلال ترتيبات السكن المنفصلة، ويمكن استخدام هذا المصطلح للإشارة إلى أفراد هذه المجموعة العمرية فقط التي تعود إلى المنزل، وليس إلى الجيل كله. ومع اختلاف ممارسات مغادرة المنزل حسب الطبقة الاقتصادية، يتم تطبيق المصطلح بشكل ذي مغزى على أفراد الطبقة الوسطى.

ح  – جيل بيت  Beat generation: حركة صنعت على يد مجموعة من الكتاب، والجيل الذي تأثر بكتاباتهم في الولايات المتحدة الأمريكية ظهر في عقد خمسينات القرن العشرين بعد الحرب العالمية الثانية. تمحورت ثقافة “البيت” على تجربة العقارات، أشكال جديدة للجنس، اهتمام بالديانات الشرقية، رفض الاقتصاد المادي، رفض التمجيد وغيرها من وسائل التعبير المعاصر.

خ – الجيل الذهبي Gold generation: يُعد الجيل الذهبي أو الفريق الذهبي مجموعة من اللاعبين الموهوبين بصورة استثنائية ينتمون لنفس المرحلة العمرية، والذين وصلت إنجازاتهم، أو من المتوقع أن تصل، إلى مستوى من النجاح أبعد من ذلك الذي حققه فريقهم من قبل، تمت صياغة هذا المصطلح لأول مرة من قبل وسائل الإعلام الرياضية البرتغالية للإشارة إلى مجموعة من لاعبي كرة القدم البرتغاليين في سن المراهقة والموهوبين بشكل استثنائي. وقد فاز هؤلاء اللاعبون، بقيادة “الفتى الذهبي” لويس فيغو، ببطولتي كأس العالم لكرة القدم تحت 20 سنة عامي 1989 و1991. وهذه المجموعة كانت قريبة إلى التقاعد في بداية القرن الحادي والعشرين، مما أدى بوسائل الإعلام الرياضية الأوروبية إلى تسليط الضوء على فرص الجيل الذهبي في الفوز بأي بطولة كبيرة مثل كأس الأمم الأوروبية لكرة القدم 2000 وكأس العالم لكرة القدم 2002 وكأس الأمم الأوروبية لكرة القدم 2004، التي استضافتها البرتغال، وبطولة كأس العالم لكرة القدم 2006.

ومنذ ذلك الحين، تم استخدام هذا المصطلح من قبل وسائل الإعلام في العديد من الدول المختلفة.

د – جيل رقائق الثلجSnowflake generation  : جيل رقائق الثلج أو جيل ندفة الثلج، هو مصطلح حديث في علم الاجتماع يُستخدم لوصف مواليد الجيل الحديث من عام 2010 وما بعد، وذلك كإشارة بأن هذا الجيل هو الأكثر عُرضةً لارتكاب الجرائم والأقل في الانضباطية من الأجيال السابقة، ترجع الأسباب إلى أساليب تربية الأطفال والتعليم، لا سيما التي ترتكز على مبادئ تعزيز النفس الغير مدروسة على نحوٍ غير ملائم، مما يجعل هذا الجيل أكثر عرضةً للهزات العاطفيّة وأقل مرونة وتقبل للآخر، وفي موقع ضعيف أمام التحديات والمواقف والمصاعب التي تواجههم في الحياة، وُصف الجيل برقائق الثلج كإشارة إلى تربية الآباء إلى أبنائهم مثل رقائق الثلج حيث يشعر أبناء هذا الجيل بشعور أنه ثمين وخاص ولا مثيل له وأنه مُتفرد بذاته والأفضل بين الجميع.

ذ – الجيل الصامت Silent generation : الجيل الصامت هي تسمية لجيل من الأمريكيين ولدوا في الحقبة بين 1925–1942 وتحديدًا خلال فترة الكساد الكبير والحرب العالمية الثانية، هذا الجيل يتميز بأنه متواضع ويؤمن بالجبرية، وتقليدي، ويتمتع بأخلاق متناقضة، ويتوقع الإحباط على الرغم من رغبته في الإيمان، وبالنسبة للنساء فإنهم يرغبون في الحصول على مهنة وعائلة، جيل لا يصدر بيانات، ولا يلقي خطابات، ولا يحمل ملصقات. ولهذا أطلق عليه “الجيل الصامت”.

ر – الجيل الضائع Lost generation : هو الجيل الذي بلغ مرحلة النضج خلال الحرب العالمية الأولى، وغالبًا كان يُستخدم ضمنيًا للإشارة إلى خسائر الطبقة الأرستقراطية من الذين ظُن أنهم ماتوا بطريقة غير متناسبة، مما حرم الدولة من صفوة المستقبل. وقد شعر الكثيرون أن “زهرة الشباب” و”أفضل من في الأمة” قد دُمروا، وفي فترة الكساد العظيم، تُطلق العبارة غالبًا عند مناقشة مستوى بطالة الشباب المرتفع.

ز – جيل ما بين الحربين Interbellum generation : الأشخاص المولودين في الولايات المتحدة أثناء العقد الأول من القرن العشرين، وتحديدًا في الفترة من عام 1901 إلى 1913. ويأتي الاسم من حقيقة أن هؤلاء المولودين أثناء هذه الفترة كانوا صغارًا بما لا يسمح لهم بالخدمة في الجيش أثناء الحرب العالمية الأولى، وكانوا كبارًا بشكل عام على نحو لا يسمح لهم بالخدمة كجنود في الحرب العالمية الثانية، على الرغم من أن الكثير منهم يمكن إيجاده في القوات المسلحة ببعض القدرات أثناء الحرب الثانية.

س – الجيل الوسط Sandwich generation: هو جيل من الأفراد يتولون رعاية كلٍ من آبائهم المسنين وأبنائهم، وحسب مركز بيو للدراسات، يتولى ما يزيد عن واحد من بين كل ثمانية أمريكيين تتراوح أعمارهم من 40 إلى 60 عامًا تنشئة طفل ورعاية أحد أبويه، بالإضافة إلى تولي عدد يتراوح من 7 إلى 10 ملايين شخص بالغ رعاية آبائهم المسنين من على مسافة بعيدة. وتشير إحصائيات مكتب تعداد الولايات المتحدة إلى أن عدد الأمريكيين البالغين من العمر 65 عامًا أو أكثر سيتضاعف بحلول عام 2030 ليصل إلى أكثر من 70 مليونًا. [http://www.blqarn.net]

ت – نظريات علم اجتماع الأجيال

نظرية كارل مانهايم: المعروف عن المنظر “كارل مانهايم” انه من أنصار نظريات بعيدة المدى Macro level إلا انه في تنظيره عن الأجيال تحّول الى منظر من أنصار المدى المتوسط Middle level لأنه درس شريحة عمرية لا يتجاوز عمرها الأربعين سنة وأهمل دراسة الأجيال الأخرى مثل الشيخوخة والطفولة. هذا من جانب ومن جانب أخر ان “مانهايم” عاش ونظَّر النصف الأول من القرن العشرين فكانت نظريته عاكسةً لحياة تلك الحقبة الزمنية للشباب. لكن بعد الربع الأخير من القرن الماضي والقرن الحادي والعشرين ظهرت أجيال جديدة لا علم “مانهايم” بها مثل (جيل واي Y) و (جيل Z) و (جيل الرسائل النصية) و (الجيل الذهبي) و (جيل رقائق الثلج) لذا فإن نظريته لا تفسر خصائص هذه الأجيال الجديدة التي أفرزتها التطورات السكانية والثقافية والتاريخية. بعد هذه المقدمة نطرح نظريته عن الأجيال:

نظرية الأجيال أو علم اجتماع الأجيال: هي نظرية وضعها “كارل مانهايم “في المقال الذي كتبه عام 1923 بعنوان “مشكلة الأجيال” The Problem of Generations  وقد تم وصف هذا المقال باعتباره “الأكثر نظامية والمتطور بشكل كامل” بل وكذلك “العلاج النظري المبتكر من أجل الأجيال كظاهرة اجتماعية“. وفقًا لنظرية مانهايم، فإن الأشخاص يتأثرون بشكل بارز بالبيئة الاجتماعية التاريخية (على وجه الخصوص، الأحداث الملحوظة التي يشاركون فيها بنشاط) التي تسيطر على شبابهم، مما يشكل، على أساس تلك التجربة، أجيالاً اجتماعية أصبحت بدورها عوامل للتغيير وتعطي فرصة لبروز أحداث تشكل الأجيال المستقبلية.

النظرية: عرف مانهايم الجيل (لاحظ أن البعض اقترح أن المصطلح الجماعة أكثر صحة، لتمييز الأجيال الاجتماعية عن أجيال القرابة (الأسرة، المرتبطة بالدم) كمجموعة من الأفراد ذوي الأعمار المتشابهة شهد أعضاؤها حدثًا تاريخيًا جديرًا بالملاحظة في غضون فترة زمنية معينة. ووفقًا لمانهايم، فإن الوعي الاجتماعي ومنظور الشباب الذين يصلون إلى النضوج في وقت ومكان معينين (ما أطلق عليه مصطلح “”موقع الجيل”) يتأثر بشكل ملحوظ بالأحداث التاريخية الرئيسية لهذا العصر (مما يجعل منهم “جيل في الواقع”). ورغم ذلك، فهناك نقطة أساسية مفادها أن هذا الحدث التاريخي البارز يجب أن يحدث ويجب أن يتضمن الأفراد في سن شبابهم (مما يشكل حياتهم، إذ أن التجارب اللاحقة ستميل إلى اكتساب مغزاها من تلك التجارب المبكرة)، فالمعاصرة الزمنية وحدها ليست كافية لإحداث وعي مشترك بين أبناء الجيل الواحد. لقد أكد مانهايم في الواقع على أنه ليس كل جيل سيطور وعيًا أصليًا ومميزًا. إذ أن نجاح أي جيل في تطوير وعي مميز يعتمد بدرجة ملحوظة على وتيرة التغير الاجتماعي (سرعة التغيير)

ويشير مانهايم أيضًا إلى أن التغير الاجتماعي قد يحدث تدريجيًا، دون الحاجة لأحداث تاريخية بارزة، ولكن تلك الأحداث أكثر احتمالية للوقوع في الأوقات التي تشهد تغيرًا اجتماعيًا وثقافيًا سريعًا. وكذلك أشار مانهايم إلى أن أعضاء أي جيل يكونون مقسمين إلى طبقات داخليًا (حسب موقعهم وثقافتهم وطبقتهم وما إلى ذلك)، ومن ثم فقد ينظرون إلى الأحداث المختلفة من زوايا مختلفة ومن ثم فلا يكونون متجانسين بشكل كامل. وحتى مع فكرة “جيل في الواقع”، ربما تكون هناك صور مختلفة للاستجابة للموقف التاريخي المعين، ومن ثم يتم التقسيم حسب عدد من “الوحدات الجيلية” أو “الأجيال الاجتماعية”.

التطبيق: تم تطبيق نظرية مانهايم للأجيال لتفسير كيف ساهمت الأحداث التاريخية والثقافية والسياسية المهمة في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات في توعية الشباب (المنتمين إلى جيل الطفرة) بمظاهر عدم المساواة المتفشية في المجتمع الأمريكي، مثل مشاركتهم مع الأجيال الأخرى في حركة الحقوق المدنية وأفسحت المجال لاعتقاد سائد بأن مظاهر عدم المساواة تلك يجب تغييرها بواسطة إجراءات فردية وجماعية. وقد دفع هذا أقلية مؤثرة من الشباب في الولايات المتحدة نحو تبني نشاط الحركة الاجتماعية. وعلى الجانب الآخر، فإن الجيل الذي وصل لسن النضوج في الجزء المتأخر من الستينيات والسبعينيات كان أقل مشاركة في نشاط الحركة الاجتماعية، وذلك، وفقًا لنظرية الأجيال، لأن أحداث هذا العصر كانت تؤدي بدرجة أكبر إلى توجه سياسي يؤكد على الإنجاز الفردي بدلاً من المشاركة في هذه الحركات الاجتماعية التي تطرح أسئلة حول الوضع الراهن. [https://ar.wikipedia.org]

نظرية سوسيولوجيا الأجيال: تشكل طفولة الإنسان إحدى المحطات الرئيسة في مسيرته الحياتية، تاركة عبر أحداثها وتجاربها وخبراتها وتفاعلاتها أعمق البصمات وأبعدها غوراً في بنيان شخصيته، تأسيساً على ذلك، يمكن احتساب تلك الخبرات والتفاعلات بمنزلة قطب الرحى في عملية تحديد سيرورة تطور تلك الشخصية، وترسيم مسارات تشكلها. فإما أن تجعل منه كائنا اجتماعيا مستدخلًا معايير منظومته الثقافية متمثلاً أبجديتها، الأمر الذي يتجسد عبر شخصية متكيفة مع المحيط، متآلفة مع عناصره ،وإما أن تغرس فيه بذور التنافر والتوتر والاختلال، والتي تتفاعل فيما بينها مفضية إلى شخصية مضطربة معقدة تتنازعها تيارات الانحراف والاعتلال. في ضوء ذلك ينبغي إيلاء تلك المرحلة أقصى درجات العناية والحماية وإحاطة الأطفال خلالها بمناخات إيجابية صحية تضمن لهم النمو السليم المتكامل، لما لذلك من أثر واضح وملموس في صناعة الشخصية لدى المرحلة التي تليها وهي “مرحلة الشباب”، والتي ينبغي أن ينظر إليها صانع القرار بنظرة المستقبل حتى وهو منغمس في مشاكل الحاضر، أي يستحضر روح الشباب التي تتسم بالميل إلى التجديد والتطوير، لتتشكل من خلالها الرؤية الفلسفية والسوسيولوجيا لجيل الشباب في فكر “الإدارة والقيادة” المنوطة بها التعامل مع النشء والشباب .لذلك يعد “مفهوم الجيل” مفهوماً أساسياً في دراسة الشباب كفئة اجتماعية مخصوصة، وفي تفسير الظواهر المرتبطة بالتطور التاريخي، وتحليل العوامل المحددة للتغيير الاجتماعي، فكلمة «Generation» ذات أصل إغريقي وهي مصطلح أساسي في الفلسفة اليونانية، فالإغريق القدامى كانوا واعين بأن العلاقة بين الأعمار ليست بالضرورة متناغمة، وبالتالي كانوا متفطنين للنتائج الاجتماعية والسياسية للتعارض بين الأجيال ، “فأفلاطون” كان يرى في الصراع الجيلي قوة محركة للتغيير الاجتماعي، و”أرسطو” كان يفسر الثورات بالصراع بين الأبناء والآباء، وليس فقط بالصراع بين الطبقات. كما اعتمدت الأجيال في الحضارات القديمة، خصوصاً في المجتمعات ذات التقاليد الشفهية، كأداة لقياس الزمن التاريخي وتفسير حركته، وكانت بالتالي محور التفكير في الحياة والموت والزمن. ولقد استعمل “ابن خلدون” هذا المفهوم في بناء نظرية نشأة وانحلال الدولة التي اعتبر لها أعماراً طبيعية كما الأشخاص، وقدر الجيل بأربعين عاماً، ومن ثمة فإن عمر الدولة لا يزيد – في الغالب – على مائة وعشرين عاماً، على اعتبار أنها تمر بثلاثة أجيال هي جيل البداوة وجيل التحول إلى الحضارة ، وجيل الترف والانحلال والهرم .ويمكن القول إن فترة النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين في أوروبا هي الفترة الرئيسية التي تبلور فيها مفهوم الجيل بمعناه الغربي وذلك نتيجة للتحولات التاريخية التي شهدتها المنطقة، والتي أفرزتها حركات اجتماعية قائمة بالأساس على العنصر الشبابي، إضافة إلى التيارات المتنامية التي بدأت تبحث عن نهج علمي لفهم التاريخ، وطرحت بالتالي مفهوم الجيل كأداة منهجية لقياس الزمن التاريخي .وليس بخلاف أن التفكير في مسألة الأجيال متأثر إلى أبعد الحدود بأطروحات “أوجست كونت Auguste Comte ” و”وليام ديلتيWilliam Dilthey ” في القرن التاسع عشر، أما في القرن العشرين فقد توجت جميعها بنظرية المفكر المجري الأصل “كارل منهايم “Karl Mannheim وتندرج مقاربة “أوجست كونت” لهذا الموضوع في إطار الأسس التي وضعها لفلسفة التاريخ ونظرية العلوم. فتاريخ المجتمعات – عنده – قائم على قوانين مرتبطة أساساً بالطبيعة البشرية، وشروط تطورها ويتنزل تعاقب الأجيال في إطار مشروع نظري يقيم علاقة تناغم بين التاريخ العام للمجتمعات وتاريخ الأفكار، والعلوم، وعلى هذا الأساس تتطابق مراحل حياة جيل ما مع مراحل التطور الاجتماعي على النحو التالي : الطفولة = الإقطاع، المراهقة = الثورة، النضج = الوضعية. وبغض النظر عن أهمية بقية النظريات ،فإن أبرزها تبقى في نظرنا نظرية المفكر المجري الأصل “كارل منهايم” التي تضمنها كتابه “مشكلة الأجيال The problem of generations” فهو يرى أن مفهوم الجيل أساسي ويستمد أهميته من الإمكانات التي يتيحها لتحليل تشكل الحركات الاجتماعية والفكرية وفهم التحولات المتسارعة في المجتمع. ويؤكد أن علم الاجتماع مؤهل أكثر من غيره من الاختصاصات لتناول هذا المفهوم وتحليله وإثرائه واستخراج أشكال وعناصر وأسس “ظاهرة الأجيال” في إطار البحث عن القوى المحركة للمصير الاجتماعي .وعند دراستنا لـ “واقع العلاقة بين المدرسة والأسرة” في أي مجتمع من المجتمعات، قد نجد أن مراحل تطور وظائف المدرسة والأسرة وعلاقتها بتربية الأجيال قد تتقارب مع «الوحدة الجيلية” التي تستمد عناصرها من مفهوم الوضع الطبقي الذي يقصد به بشكل عام “وضعية متجانسة لمجموعة من الأفراد في إطار بنية اقتصادية ونظام سلطة لمجتمع ما يتحدد وفقها مصيرهم الجماعي (البروليتاريا، الأعراف ، مثلاً…) ولا يمكن لهم الخروج من هذه الوضعية إلا عبر تحول اجتماعي فردي – جماعي ..”، وذلك في إطار وضعية متجانسة للشرائح العمرية المتقاربة في فضاء اجتماعي تاريخي ، وذلك في ضوء عدد من المحددات ذات الصلة بالعوامل البنيوية التي تشكل ظاهرة الجيل، ومنها الظهور المستمر لفاعلين ثقافيين جدد واختفاء العاملين الثقافيين القدامى، بما يضمن استمرارية المجتمع من خلال “عملية التشبيب الاجتماعي”، أي الانطلاق من جديد بطاقة حيوية جديدة لبناء مصير جديد مبني على تجارب جديدة في إطار اجتماعي وفكري معين يربط بين أفراد جيل واحد، وعبر التناقل المستمر للإرث الثقافي .

وهذا يؤكد الوظائف الحيوية والهامة لكل من المدرسة والأسرة، وعلاقتهما بتربية الأجيال باعتبارهما من أهم العوامل الرئيسية التي تتشكل من خلالها اللبنات الأولى لهويتهم المعرفية والثقافية، وذلك تبعاً لمدى وعي المجتمع بالأدوار والوظائف المنوطة بهما من خلال التجديد الثقافي والتطور الإنساني، في ظل التحولات التاريخية التي تشهدها تلك المجتمعات وعلاقتها بالعوامل الداخلية والخارجية التي تؤثر في السياق الاجتماعي لمراحل تطور “سوسيولوجيا الأجيال Sociology of generations”، في إطار مقاربات سوسيولوجية حول مفهوم الجيل حيث أن ما يُميز جيلاً ما ليس العوامل الداخلية التي تربط بين أفراده، وإنما هو وجود عامل خارجي يعطي للجيل هويته، وهو ما يطلق عليه “الحدث المولد”، أي الإشكالية التاريخية التي تولد جيلاً معيناً وتعطية ذاتيته، وتحدد معاصرته، وتشكل ذاكرته الجماعية .[ https://www.ida2at.com]

نظرية تعاقب الأجيال: هي دراسة معرفة تأثير تعاقب الأجيال (الأب وابنه) في السياسة والتاريخ والاجتماع للتنبؤ بالمستقبل. فيقسم عمر الإنسان إلى جيلين :

أ – الجيل الباني والجاني (الذي يجني)

ب – الجيل المستهلك أو المتطفل .

الجيل البشري :متوسط ما يعيشه الإنسان بالتداخل مع الأجيال الأخرى (الأب والابن) وهو يساوي نصف متوسط عمر الإنسان (الهرمي) الذي يهرم هرما طبيعيا بدون أن نسقط منه الوفاة بسبب المرض أو الحوادث أو وفيات الأطفال لأن الأطفال غير منتجين ولا يكونون أجيالا (لا يتزوجون) فيهملون من حساب تعاقب الأجيال وبالنسبة لوفيات الأمراض والحوادث فإنها تخلق لدى الابن الحافز الذي عن طريقه يكمل مشوار أبيه فتهمل أيضا .وقد وقع في الخطأ العالم الأمريكي الذي ألف كتابا عن تعاقب الأجيال عام 1986 بعد ما سمي بمذبحة الاثنين الأسود للأسهم في بورصة نيويورك وتوقع فيها أن تنهار الولايات المتحدة الأمريكية عام 1989 فقد حسب على أساس أن متوسط عمر الإنسان في أمريكا بعد خصم وفيات الأطفال ووفيات الأمراض والحوادث هو 60 عاماً أضافها إلى عام 1929 عام الانهيار العظيم فأصبح عنده الانهيار المتوقع عام 1989 ولم تنهار أمريكا في ذلك الحين فاعتقد الكثير ببطلان النظرية.  وحسب نظرية ابن خلدون ( مؤسس علم الاجتماع والتاريخ ) حيث يقول : إن الأمم كالأفراد تمر في نفس المراحل نمو وتطور الفرد من الطفولة إلى الشباب إلى الكهولة إلى الشيخوخة ثم إلى الموت .تعاقب الأجيال في المجتمع :

أ – أ – الجيل الباني والجاني ( الذي يجني )

ب – الجيل المستهلك أو المتطفل.

ب – قد يستغرق البناء لدى بعض الأفراد جيلان وقد يستغرق الاستهلاك جيلان.
ت – وقد تكون دورة الأجيال ثلاثة كما يقول المثل الشعبي: جيل يزرع … وجيل يلم … وجيل يبعثر.

ث – وقد يحصل البناء والاستهلاك في نفس الجيل ويستلم الجيل التالي الوضع على الصفر.

إلا أن المحصلة تكون كما في البند رقم (أ) جيلان : الجيل الباني والجيل المستهلك وتزداد قوة الجيل الباني كلما صعدنا إلى أعلى الهرم فيصل إلى القمة في البناء والقوة وينتهي الجيل الباني عند أعلى القمة ليبدأ الجيل المستهلك (المتطفل) بالانحدار ويزداد تطفلا حتى يصل أدنى نقطة أسفل الهرم فينهار تماما سياسيا واقتصاديا وحتى عسكريا رغم وجود المقومات المادية والاقتصادية والسياسية وحتى العسكرية لديه ولكن حالة التطفل والتراخي المصاب بها بفعل التطور الطبيعي لتعاقب الأجيال تشله عن توجيهها لصالحه: كما حصل مع هتلر في ألمانيا الذي أتى في الثلث السفلي للجيل الطفيلي في ألمانيا وإن الجيل الطفيلي في ألمانيا آنذاك اعتقد عقائد خاطئة مدمرة وهي عقيدة النازية وألمانيا فوق الجميع فأكثر حوله الأعداء الذين دمروه ودمروا ألمانيا رغم ما حقق من انتصارات وهمية (لأن الانتصار الحقيقي يكون في النهاية) في بداية الحرب العالمية الثانية والتي انتهت عام 1945 باحتلال وتدمير ألمانيا من قبل جيوش الحلفاء والاتحاد السوفيتي .
وهذا يتفق مع الحديث الشريف: (سوف يأتي عليكم يوم تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها فقيل نحن من قلة أم من كثرة فقال أنتم من كثرة بل يصيبكم الوهن وتصبحون غثاء كغثاء السيل) والوهن هو قمة التطفل والانهيار وقد أتى هذا اليوم على المسلمين حوالي 20 مرة حسب تحليل التاريخ بناء على تعاقب الأجيال . لقد كان سيدنا محمد (عليه أفضل الصلاة والتسليم) صاحب رؤيا عندما قال هذا الحديث الشريف كما كان صاحب رؤيا عندما تنبأ بفتح مكة فقد ذكر الله هذه الرؤيا بالقرآن …” لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق”. صدق الله العظيم.
عندما تصل الأمة إلى مرحلة الانهيار فإنها تجذب إليها عوامل الانهيار كما ينجذب الحديد إلى المغناطيس مهما بدت من بوادر انتصارات وهمية كما حصل مع ألمانيا في عهد هتلر (انظر الرسم المرافق). وعندما تصل الأمة إلى مرحلة القمة فإنها تجذب إليها عوامل القوة والنجاح كما ينجذب الحديد إلى المغناطيس أيضا مهما بدت من بوادر الانهزام المؤقت كما حصل للأمة العربية في نكسة 67 ولكنها عادت وانتصرت في حرب رمضان 1973 انظر الرسم المرافق .
مثال لتبسيط تعاقب الأجيال: تخيل شخصا عصاميًا بنى مصنعًا وأخذ يسهر عليه ويصل الليل بالنهار حتى طوره وكبره وغدا من أعظم المصانع وأغزرها إنتاجا وأجودها منتجات وأقلها كلفة بحيث صارت منتجاته الأرخص والأجود وكثرت أرباحه ثم مات ذلك الرجل واستلم أبناؤه المصنع فيديرونه فترة من الزمن كالسابق وذلك بفعل نظرية القصور الذاتي أو الطاقة الكامنة (من أبيهم) وبعدها يلتهون بالمتع والملذات وبعضهم يتجه للمخدرات فيقل إنتاج المصنع وتأخذ المصانع المنافسة بتطوير وتحسين الإنتاج وتقليل التكاليف فلا يصمد مصنعهم بالمنافسة فتكثر الديون عليه إلى أن ينهار.

 الانهيار :الانهيار يكون بالنفس التي تركن إلى التطفل ، وقمة التطفل هو الانهيار الذي يتحول من النفس إلى المادة كما حدث في الانهيار العظيم عام 1929 في أمريكا حيث عطلت البنوك سنتان ورجع الناس إلى نظام المقايضة واستمرت البطالة 7 سنين وقد تحولت الولايات المتحدة الأمريكية من دولة تطعم العالم (الجيل الباني) إلى دولة جائعة مدة 7 سنين (الجيل الطفيلي) إلى أن أنقذها الرئيس “روزفلت” بأن فرض عليها العزلة . فقد طبق عليها أسلوب طارق بن زياد الذي أحرق السفن وقال لجنده “البحر من ورائكم والعدو أمامكم” فخلق لدى جنوده الحافز الذي قادهم للنصر على عدوهم الذي يتفوق عليهم بالعدد والعدة عشرات المرات . والرئيس روزفلت عندما طبق العزلة على أمريكا خلق عند الأمريكان الحافز للعمل ليخرجهم من مستنقع التطفل الغارقين فيه بفعل التطور الطبيعي لتعاقب الأجيال .
إن انهيار الدولة لا يعني بالضرورة أن عدوا سوف يدمرها بل يعني نضج التطفل لشعبها فيسقط كنضج حبة الفاكهة التي تسقط على الأرض ، مع أن هذا لا يمنع حصول التدمير من قبل العدو كما حصل لليابان وألمانيا عام 1945.
علاج الانهيار الاقتصادي: أحسن علاج للانهيار الاقتصادي هو العزلة وهو أسلوب طارق بن زياد المذكور الذي طبقه الرئيس روزفلت على أمريكا بعد انهيار عام 1929. فمثلا لو أصبحت الإبرة بدولار (بعد العزلة) فيهب المستثمرون وينشئوا مصانع للإبر ويأخذون بالمنافسة وتحسين الإنتاج وتخفيض التكاليف إلى أن تصبح الإبرة بسنت (مثلاً).

الظواهر والنظريات التي تعتمد عليها نظرية تعاقب الأجيال

– نظرية ابن خلدون: إن الأمم لها أعمار كالأشخاص (لأن الأمة مجموعة أشخاص).
 نظرية القصور الذاتي أو الطاقة الكامنة.

– نظرية التحدي والاستجابة (أر نولد توينبي).

– إيقاع الحياة.

– قانون نيوتن – الثالث – لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومضاد له في الاتجاه.
  ظاهرة الانقباض والانبساط في الكائنات الحية.

– الدليل من القرآن.

– الحديث الشريف عن الوهن وتداعي الأمم .

– الدليل من حديث الإمام علي.

نظرية الحافز

أ – الحافز الفيزيائي – عود الكبريت يشعل غابة – البرق وسماد النيتروجين.
ب – الحافز الكيميائي المعدني – أهمية شبكة البلاتين في صناعة حمض الكبريتيك.
ت – الحافز الكيميائي العضوي – الفيتامينات للإنسان والحيوان – العناصر السمادية.
ث – الحافز الكيميائي الحيوي – الهرمونات.

ج – الحافز الروحي – ربط الحافز الروحي بالحوافز المادية عن طريق نظرية اينشتاين (المادة تتحول إلى طاقة والطاقة تتحول إلى مادة).

– حافز الإيمان بالعقيدة – الاستشهاديون.

– حافز حب الحياة ( البقاء ) – إغلاق ثقوب النمل .

– حافز الكوارث – طه حسين وأبو العلاء المعري وهيلين كيلر.

– حافز استشعار الموت – الكي عند العرب.

– حافز الموت – الترياق (الكورتيزون).

– حافز المقاومة – حشر القط.

– حافز الأمل – التناسل.

– حافز الأنا والتفرد – الأثرياء والعلماء.

– الحافز التشجيع – التكريم ، التصفيق.

– حافز التحدي – البدر بن عمار ، المصارعة الصينية.

– حافز الإصرار – إصرار الشعوب على التحرر.

– حافز الحب – جورج واشنطن.

– الذكاء المحفز.

خلاصة الحافز

– الحافز العكسي (الخوف – الإحباط – الرعب)

– الحرب النفسية – الانضباع – الانجماد

تأثير الحافز في تعاقب الأجيال

نظرية ابن خلدون التي تقول بأن الأمم لها أعمار طبيعية كالأشخاص.
يقول ابن خلدون أن العمر الطبيعي للإنسان 120 سنة ويتضمن ثلاثة أجيال كل جيل 40 سنة وان الدولة تنهار على عمر 120 سنة واستشهد بالآية الكريمة: “فإذا جاء أجلهم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون ” صدق الله العظيم. أي أن الدولة عندما ينتهي عمرها تنهار مثل الأشخاص تماماً وان انهيارها حتمي. يقول ابن خلدون في أطوار الدولة (الفصل الرابع عشر): –

أ – طور الظفر – يشترك فيه كل أفراد المتجمع ويكون الحاكم واحداً منهم لا ينفرد دونهم شيء أسوة بقومه.

ب – طور الاستبداد – الحاكم يصطنع الرجال واتخاذ الموالي بجدع أنوف أهل عصبيته وعشيرته .

ت – طور الفراغ والدعة – لتحصيل ثمرات الملك لما تنزع إليه طبائع البشر من تحصيل المال وتخليد الآثار وبعد الصيت .

ث – طور القنوع والمسالمة – كون الحاكم قانعاً بما بني أولوه مقلداً للماضين من سلفه فيتبع آثارهم.

ج – طور الإسراف والتبذير – يكون الحاكم متلفاً لما جمع أولوه في سبيل الشهوات والملاذ والكرم على بطانته وفي مجالسه واصطناع إخذان السوء وخضراء الدمن.
تطور نظرية ابن خلدون حسب تحليل التاريخ: إن عمر الإنسان لم يصل 120 سنة إلا عند المعمرين بينما عمر الإنسان في الدولة الإسلامية كان 66 سنة وإن ابن خلدون نفسه استشهد بالحديث الشريف : “أعمار امتي بين الستين والسبعين”. وانه ذكر أن الجيل البشري 40 سنة لكنه عاود وذكر أن المائة سنة تحوى ثلاثة أجيال. إن ما جاء به ابن خلدون قبل ستمائة سنة لم يصل إليه كثير من العلماء المحدثين ولكننا لا نأخذه مسلماً بل نأخذ منه الفكرة العبقرية بان الأمم لها أعمار طبيعية كالأشخاص (لان الأمة مجموعة أشخاص) إن الأمة تتطور كما يتطور الشخص من الطفولة إلى الشباب إلى الكهولة إلى الشيخوخة ثم إلى الموت للشخص الواحد أو الانهيار لمجموعة الأشخاص .

قانون نيوتن الثالث: ولد اسحق نيوتن عام 1642 وتوفي عام 1727م وهو فيلسوف وعالم ورياضي وفيزيائي إنجليزي وهو أول فكر بالجاذبية – قصة التفاحة التي سقطت على الأرض بجانبه .له ثلاثة قوانين في الحركة والذي يهمنا هو القانون الثالث الذي ينص على أن لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومضاد له في الاتجاه. إن فعل البناء في الجيل الباني يقابله فعل الهدم في الجيل المستهلك وهو مساو له في المقدار ومضاد له في الاتجاه . كما أن فعل المقاومة للخطر يقابله فعل الاذعان للخطر في مخططات الأمم الواقعة تحت ضغط الأخطار الخارجية المدمرة. إن فعل المقاومة هو فعل بناء وفعل الاذعان هو فعل هدم حيث يستجيب الإنسان لكل متطلبات الخطر في هدم بناء أمته من أجل أن يتناسل ويكون أسرة مع كل متطلباتها من عمل دؤوب ليفي بكل احتياجات الأسرة من طعام ومأوى وتعليم وصحة .

إيقاع  الحياة: إن إيقاع تعاقب الأجيال هو نفس إيقاع الحياة في :

تعاقب السنين، تعاقب الأيام، تعاقب الليل والنهار.

تعاقب الفصول

الألوان: ابيض – اسود

الشمس: شروق – غروب

ضوء – ظلام

الجسم: تعب – راحة

قوة – ضعف

حرص – لامبالاة

الحرارة: تمدد – تقلص

الماء والقمر : مد – جزر

إن فترة الإذعان رغم أنها عامل هدم للأمة إلا أنها تخلق حالة استرخاء لدى الخطر يستفاد منها في فترة المقاومة القادمة.

نظرية القصور الذاتي أو الطاقة الكامنة: عندما تقذف كرة فان الكرة تظل سابحة في الفضاء بفعل الطاقة الكامنة التي أخذتها الكرة من يدك أو رجلك لان يدك أرجلك لا تتابعها في الفضاء وعندما تنتهي الطاقة الكامنة فإنها تتوقف وتسقط على الأرض وبفعل الجاذبية. وكذلك عندما يبني أي شخص مصنعاً ويسهر عليه ليل ونهار يطوره وبعد أن يموت ذلك الشخص يستلم ابنه المصنع فيسير معه بالقصور الذاتي أو الطاقة الكامنة من أبيه الباني وعندما تنتهي الطاقة الكامنة يتوقف المصنع وينهار .وكذلك عندما يبني الجيل الباني الأمة وعند نهاية الجيل الباني يستلم الجيل المستهلك الأمة وتجري الأمور معه بالقصور الذاتي إلى أن تنتهي الطاقة الكامنة التي وضعها الجيل الباني فتنهار الأمة.

نظرة التحدي والاستجابة أرنولد توينبي: أرنولد توينبي: مؤرخ إنجليزي معاصر من اشهر مؤرخي القرن العشرين صاحب نظرة “التحدي والاستجابة” .

فان الشخص الفرد أو الأمة عندما تنهار فإنها تواجه تحدي الفناء فتستجيب للتحدي وتعيد البناء في الجيل القادم . وبعض الأشخاص أو الأمم لا تستجب للتحدي فتفني وتندثر وبعدها لا تجد شيئاً تحلله ( تاريخياً ) والتاريخ ملئ بالأمم التي اندثرت ولم تستجيب للتحدي وكذلك بعض الأشخاص والعائلات التي اندثرت لعدم استجابتها للتحدي .[ https://pulpit.alwatanvoice.com]

ث – فجوة الأجيال

لاحظ العالم الاجتماعي (كارل مانهايم) أن اختلافات الأجيال تكون في انتقالهم من مرحلة الشباب إلى مرحلة البلوغ، وقد درس علماء الاجتماع الطرق التي تفرق الأجيال عن بعضها البعض ليس فقط في المنزل بل في المناسبات الاجتماعية أو في الأماكن الاجتماعية ( كالكنائس والنوادي، ويقصد أيضاً “مراكز لكبار السن” و “مراكز للشباب”). وظهرت النظرية الاجتماعية للفجوة بين الأجيال في عام 1960 عندما بدأ الجيل الجديد (المعروف لاحقاً بفترة طفرة المواليد) بمعارضة جميع معتقدات ابائهم السابقة من حيث الموسيقى و القيم و الآراء الحكومية والسياسية، وقد أشار علماء الاجتماع اليوم إلى “الفجوة بين الأجيال” بالتفرقة الناتجة عن عمر الشخص، فقسم علماء الاجتماع فترة الحياة إلى ثلاثة مستويات: الطفولة ومنتصف العمر وسن التقاعد، وعادة عندما تمارس الفئات العمرية أي من هذه النشاطات الرئيسية، ينعزل كل جيل جسدياً عن الجيل الآخر مع التفاعل القليل بسبب الحواجز العمرية باستثناء الأسر النووية.

الفجوات الجيلية التمييزية: هناك العديد من الطرق للتفرقة بين الأجيال، فعلى سبيل المثال الأسماء التي أعطيت لأجيال رئيسية (طفرة المواليد، جيل X،…إلخ) وضع كل جيل اتجاهاته وتأثيره الثقافي الخاص به.

استخدام اللغة: يمكن أن تتميز الأجيال بطريقة استخدامهم للغة بشكل مختلف، فقد أنشأت الفجوة بين الأجيال فجوة مماثلة لها ولكن في اللغة والتي يمكن أن تصعب التواصل وهذه المشكلة هي إحدى المشاكل الواضحة في المجتمع، لذا يصبح التواصل اليومي في المنزل ومكان العمل والمدارس أمر صعب، فقد تسعى الأجيال الجديدة لإظهار أنفسهم كشيء بغض النظر عن العمر، ويتبنون لغة مميزة وعامية جديدة تسمح بإنشاء الجيل معنى الفصل عن الجيل السابق، وهذه الفجوة الظاهرة بين الأجيال يمكننا رؤيتها كل يوم، “رمز الرجل الأكثر أهمية هو لغته ومن خلالها تظهر حقيقته”.

اللغة العامية: اللغة العامية هي تغير دائم لمجموعة من الكلمات أو العبارات العامية التي يستخدمها المتحدثون لإنشاء أو لتعزيز الهوية الاجتماعية أو للتماسك في المجموعة أو مع اتجاهٍ في المجتمع ككل، فكل جيل من الأجيال المتعاقبة في المجتمع يصارع لإنشاء هويته الفريدة الخاصة به من بين سابقيته ويمكن تحديد الفجوة الجيلية التي تُؤثر تأثيراً كبيراً على التغير والتكيف المستمرين في اللغة العامية، وتعتبر اللغة العامية غالباً كلهجة سريعة الزوال وتتطلب كلمات جديدة ثابتة لتلبية المتطلبات سريعة التغير في الخصائص، بينما تحافظ معظم المصطلحات العامية على مدة شعبية وجيزة، وتقدم اللغة العامية ستار عامي سريع ومتاح بسهولة لإنشاء الفجوة الجيلية وحفظها في المحتوى الاجتماعي.

التأثيرات التكنولوجية: يُنشئ كل جيل لغة عامية جديدة ولكن مع التطور التكنولوجي اتسع مفهوم الفجوات بين الأجيال القديمة والأجيال الحديثة، فعلى سبيل المثال “يعني مصطلح ‘مهارات التواصل’ الكتابة والتحدث بشكل رسمي للموظف المتقدم بالعمر، بينما قد يعني المصطلح نفسه للموظف العشريني البريد الإلكتروني و المرسال الفوري” فهي تعني في عصرنا هذا محادثات خاصة ومتعددة لدى كل شخص تكون في الهواتف المحمولة والرسائل النصية، فقد طور “مستخدمي الهاتف” شكل اللغة العامية والكتابة بلغة غير مألوفة وهما غالباً ليستا خارج إطار التكنلوجيا الذكية، ويعتمد استخدام الأطفال المتزايد للأجهزة التكنولوجية الشخصية كالهواتف المحمولة للتعريف بأنفسهم وإنشاء بيئة اجتماعية بعيدة عن أسرهم وتغيير طريقة تواصلهم مع ابائهم، فقد شجعت الهواتف المحمولة والمرسال الفوري والبريد الإلكتروني المستخدمين الشباب لإنشاء ابداعاتهم وميولهم ولغتهم الكتابية الخاصة بهم التي أعطتهم فرصة جوهرية غير متوقعة، فقد أصبحوا على تواصل أكثر من ما مضى ولكن ابتعدوا كثيراً عن الاستقلالية، فعلى وجه الخصوص أصبحت الرسائل النصية لهذا الجيل غير مستخدمة”. أما المهارات اللغوية كالاختزال – النظام الاختزالي المتداول خلال القرن العشرين – فهي قدمت لنا اختراعات تكنولوجية بين الأجيال بمهارات قديمة، فاستخدمت الأجيال السابقة طريقة الاختزال لتكون قادرة على تدوين الملاحظات والكتابة بسرعة باستخدام الرموز المختصرة بدلاً من كتابة كل كلمة، ولكن لم يعد مع التكنولوجيا ولوحات المفاتيح والأجيال الجديد الحاجة لمهارات التواصل القديمة كاختزال جريج، فقبل أكثر من 20 سنة دُرست المهارات اللغوية كالدروس الاختزالية في العديد من المدارس الثانوية، أما الآن فالطلاب نادراً ما يسمعون أو حتى يرون هذه الأشكال.

بقيت الرحلات لكل مرحلة عمرية كما هي على مر التاريخ، فقد تشارك جميعهم بزيارة نفس المعالم الجوهرية في سفرهم من مرحلة الطفولة وفي منتصف العمر إلى سن التقاعد، فبالرغم من بقاء الطُرق نفسها -أي الذهاب إلى المدرسة والزواج وزيادة عدد أفراد العائلة والتقاعد – إلا أن الرحلة في الواقع تختلف ليس فقط مع كل شخص ولكن مع كل جيل جديد، فعلى سبيل المثال مع مرور الوقت ستكون التكنولوجيا معروفة للأشخاص الأصغر فالأصغر سناً، فعندما أدخل جيل طفرة المواليد الأتاري وألعاب الفيديو إلى ابائهم، درس جيل يار ابائهم على كيفية استخدام مسجلات الفيديو الرقمية والهواتف المحمولة ووسائل التواصل الاجتماعي، لذلك هناك فرق شاسع بين جيل يار وجيل طفرة المواليد عندما يتعلق الأمر بالتكنولوجيا، فقد أجرت مؤسسة النوم الوطنية عام 2011 استفتاء يركز على النوم واستخدام التكنولوجيا، 95% من الاستفتاءات أجازت استخدام بعض أشكال التكنولوجيا في أخر ساعة من الليل قبل الخلود إلى النوم، وأجرى (ميشيل قراديزر) دكتور جامعة فلندر في استراليا استفتاء وأبحاث متعلقة بهذا الأمر، وقارن الدكتور (قراديزر) الاختلاف بين أنماط النوم لدى هؤلاء الذين يشاهدون التلفاز أو يسمعون الموسيقى قبل وقت النوم والذين يستخدمون الهواتف المحمولة وألعاب الفيديو والإنترنت.

فقد لاحظت الدراسة أنه تتراوح أعمار جيل طفرة المواليد من (46- 64) وجيل اكس من (30-45) وجيل واي من (29-19) وجيل زيد من (13-18)، وقد أظهرت البحوث المتوقعة أن الفجوات الجيلية تختلف باختلاف نوع التكنولوجيا المستخدمة، وظهرت فجوة كبيرة بين مستخدمي الرسائل النصية ومستخدمي الهواتف للتحدث، فقد اعترف 56% من جيل زد و42% من جيل واي بإرسالهم الرسائل النصية واستقبالها وقراءتها كل يوم ساعة واحدة قبل وقت النوم مقارنة مع 15% فقط من جيل اكس و 5% من جيل طفرة المواليد، فمن المحتمل أن 67% من جيل طفرة المواليد أكثر مشاهدة للتلفاز في أخر ساعة قبل وقت النوم مقارنة مع 49% من جيل واي، عندما سُئلوا عن استخدام الكمبيوتر أو الإنترنت في أخر ساعة قبل وقت النوم أوضحت هذه الاستفتاءات بأن 67% يستخدمون الكمبيوتر “لبضع ساعات في الأسبوع” وذكرت أن 55% من جيل زيد “يتصفحون الإنترنت” كل يوم قبل النوم.

لغة السمسرة: تتعلق هذه الظاهرة باللغة وتعمل على تعريف ما يحدث من فجوة جيلية داخل الأسر التي لديها أجيال مختلفة يتحدثون لغات عدة ولكنها أساسية، ولإيجاد معنى للتواصل داخل المنزل انشغل العديد منهم بممارسة لغة السمسرة التي تشير إلى “تفسير وترجمة الأشخاص الذين يمارسون لغتين بدون تدريب خاص للمواقف اليومية”، ففي الأسر المهاجرة يتحدث الجيل الأول بلغتهم الأم أولاً، أما الجيل الثاني يتحدثون أولاً بلغة الدولة التي يعيشون فيها بينما بقيت اللغة الأكثر طلاقة لديهم هي لغة ابائهم، أما الجيل الثالث يتحدثون أولاً بلغة الدولة التي ولدوا فيها بينما يتحدث القليل منهم بلغة أجدادهم الأصلية، يعمل أفراد الجيل الثاني كمترجمين ليس فقط مع الأشخاص خارج المنزل بل داخلة أيضاً، بالإضافة إلى يكافحون الانقسامات والخلافات الجيلية بسبب التواصل اللغوي. وعلاوة على ذلك، تستخدم بعض الأسر المهاجرة والمجتمعات أيضاً لغة السمسرة لضم الأطفال مع مساعي الأسرة والمجتمع المدني، فيصبح دمج الطفل مهم جداً لتشكيل الروابط بين المجتمعات المهاجرة الجديدة والثقافة السائدة والأشكال الجديدة من الأنظمة البيروقراطية، بالإضافة إلى أنها تقدم للطفل التطور عن طريق تعلمها والاستمرار فيها.

السلوكيات في مكان العمل: ذكرت الولايات المتحدة الأمريكية اليوم “أن الأجيال الحديثة قد أدخلت مكان العمل في مواجهة مع التغير السكاني ومع ازدياد أماكن العمل المتعدد للأجيال”، كما أظهرت العديد من الدراسات المشاركة أنه يمكن أن تختلف الاهتمامات المشتركة للفجوة الجيلية بشكل كبير عن طريق الأفراد المتزايدون في أماكن العمل المتعدد للأجيال، فعلى سبيل المثال يرغب سبعة وخمسون بالمئة من جيل الألفية بنظرة جدية لعرض عمل على شركة أخرى و يبحث 47% فعلياً على وظيفة جديدة، وعلى نقيض ذلك يرغب 20% فقط من العمّال الناضجين الاهتمامات الوظيفية ويبحث 12% فقط فعلياً على وظيفة جديدة، فقد قال تسعة وخمسون بالمئة من جيل الألفية أن الركود السلبي أثر على خطط وظائفهم، بينما 35% من العّمال الناضجين يشعرون بنفس الطريقة، ولكن بحسب ما ذكرته الدراسات المشاركة يتشارك العّمال الناضجين وعمّال الجيل الجديد بنفس المواضيع التي تخص الفجوة الجيلية، فقد تتداخل أراءهم حول مرونة ساعات و ترتيبات العمل و الترقيات و المكافآت وأهمية إجادة استخدام الكمبيوتر والقيادة، بالإضافة إلى أنه معظم جيل الألفية والعّمال الناضجين يستمتعون بذهابهم للعمل كل يوم ويشعرون بالإلهام لبذل قصارى جهدهم.

الوعي الجيلي: هي طريقة أخرى للتمييز بين الأجيال التي عملت بنظرية العالم الاجتماعي كارل مانهايم، فالوعي الجيلي هو ادراك مجموعة من الأشخاص تواجدهم بين مجموعة مختلفة يمكن تمييزها عن طريق القيم والاهتمامات المشتركة، ويمكن أن يجلب التغير الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الوعي بالاهتمامات والقيم المشتركة للأفراد الجيل الواحد الذين لديهم تجربة حول هذه الأحداث مع بعضها البعض فبالتالي تشكل لدينا وعي جيلي، ويمكن أن تؤثر هذه الأنواع من التجارب على نمو الفرد في سن صغير، وتمكنه من البدء بصنع تفسيرات خاصة به عن العالم استناداً بالمواجهات الشخصية التي تضعه بعيداً عن الأجيالٍ الأخرى.

التعايش بين الأجيال: “بحسب ما ذكرته الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2012 أن العزلة الاجتماعية والوحدة لدى الرجال والنساء الأكبر سناً ترتبط مع تزايد معدل الوفيات”، فالتعايش بين الأجيال هي الطريقة التي بدأت تُستخدم حالياً في جميع أنحاء العالم كوسيلة للقضاء على مثل هذه المشاعر، فقد صرح دار الرعاية في ديفينتير أن هولندا طورت البرنامج حيث وفر طلاب الجامعات المحلية شقق صغيرة وبدون إيجار لمنشأة دار الرعاية، ففي المقابل تطوع الطلاب لقضاء وقت لا يقل عن 30 ساعة في الشهر مع كبار السن، فسيشاهد الطلاب الرياضات مع كبار السن ويحتفلون معهم بأعياد الميلاد وسيظلون معهم أثناء المرض وأوقات الشدة، وقد وضُعت برامج تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر في برشلونة في اسبانيا تشبه البرنامج الهولندي، ففي البرنامج الإسباني وضع الطلاب هدف مماثل لجعل منازل كبار السن رخيصة أو بدون إيجار في مقابل مرافقتهم، فقد انتشر هذا البرنامج بسرعة في 27 مدينة أخرى في أرجاء اسبانيا ويمكن أن توجد برامج مشابهة لهذا البرنامج في ليون وفرنسا وكليفلاند و اوهايو.

الخصائص السكانية: ولكي يفهم علماء الاجتماع انتقال الأطفال لمرحلة البلوغ في مختلف الفجوات الجيلية، قارنوا الجيل الحالي بالجيلين المتقدم والقديم بنفس الوقت، لا يعمل كل جيل بتجربة طرقهم الخاصة في النضج العقلي والجسدي، ولكنهم خلقوا جوانب جديدة للذهاب إلى المدرسة وبناء منزل جديدة والبدء بتكوين أسرة وانشاء خصائص سكانية جديدة، فقد تعلق الاختلاف في الخصائص السكانية بالقيم والتصرفات والسلوك بين جيلين اعتادا على انشاء لمحة موجزة عن جيل جديد من الشباب. وبعد النجاح الاقتصادي المزدهر الذي نتج من الحرب العالمية الثانية، ارتفع عدد السكان الأمريكيين بين سنتي 1946-1964والتي سمي فيها الجيل الأمريكي “بجيل طفرة المواليد”، أما اليوم فقد يحتفل جيل طفرة المواليد باليوم الخامس والستين من يوم ميلادهم، وفي العقدين القادمين سيزيد عدد المواطنين الأمريكيين الكبار في السن أضعافاً مضاعفة بسبب السكان الذين ولدوا خلال السنتين 1964و 1946 ، ولكن تنمو الفجوة الجيلية بين جيل طفرة المواليد والأجيال المتقدمة بسبب وجود سكان جيل طفرة المواليد بعد الحرب، وهناك اختلاف كبير في الخصائص السكانية بين أجيال طفرة المواليد و الأجيال القديمة حيث أن الأجيال القديمة أقل اختلافاً في العنصرية والعرقية من أجيال طفرة المواليد، ويُظهر هذا الاختلاف السكاني العنصري الجذري ويُبقي استمرار نمو الفجوة الثقافية أيضا؛ لأن جيل طفرة المواليد يمتلك تعليماً عالياً ونسبة عالية من النساء في القوى العاملة اللواتي غالباً ما يشغلن أكثر المناصب المهنية والإدارية، وتنشأ هذه الفجوات الجيلية والثقافية الجذرية مشاكل التمييز المجتمعة ومشاكل الإنفاق أيضاً.

الثغرات الجيلية: الخمسينات ، الستينات والسبعينات : مواليد مقابل الجيل القديم

عندما انتهت ‘الأربعينات وجاءت الخمسينات” بدأ ظهور تلك الفوارق الملحوظة بين المراهقين والآباء .من التحول من نظام المواعدة)الذهاب ثابت والزواج المبكر، وأصبح هو القاعدة ، خلافًا لنسبة “ويرجع تاريخها” الاتجاه الذي كان شائعا قبل الحرب) ، إلى وسيلة جديدة التلفزيون كسب شعبية واسعة الانتشار ، وغالبا ما تصور المراهقين الأحداث الجانحين. هؤلاء الأحداث كانوا يظهرون وهم يرتدون الملابس الجلدية السوداء والجينز البحث التي حددتها (مارلون براندو) في عام 1953 فيلم وايلد. انتشار اعتماد الروك اندرول ساعد أيضا التأكيد على الخلافات بين الآباء والمراهقين. وكان صوت موسيقى الروك، والإيقاعي، وحيوية. حتى مدير مكتب التحقيقات الاتحادي (جيه ادغار هوفر) دعا الموسيقى الجديد “التأثير المفسد” . الحرب في جنوب شرق آسيا وصعود ثقافة مضادة الهيبيين في منتصف وأواخر 1960 مع تباين الآراء حول مشروع والمشاركة العسكرية في فيتنام وكذلك استخدام المخدرات مواضيع هامة للجيل فجوة في هذا العصر. وأصدق مثال على هذه الفجوة انه على الغلاف ستار مجلة جنون رقم 129 من قبل الفنان (نورمان مينغو)، المؤرخة في سبتمبر 1969، وأظهرت انقساما (ألفريد نيومن) ، “القديمة” ألفريد على اليسار وهو يرتدي “بلدي : على خطأ ام على صواب” التلبيب الزر ، و”الشباب” الشعر الطويل على حق الفرد مع “اصنع الحب لا الحرب” ويشمل البيان “درهم اتساع الفجوة بين الأجيال “.

الجيل X وجيل جونز:  الثمانينات: فإن السبعينات والثمانينات تتميز بأنها حقبة المتفشية مع إهمال الأطفال ، كما يتضح من هذه الظاهرة باعتبارها المفتاح الأطفال. وتقع هذه الفترة ما بين الأسرة المنحى الخمسينات والستينات و”بيبي على متن”   الوالدية ركز عصر أواخر 1980 لهذا.

التسعينات والألفية الثانية: جيل الطفرة السكانية وجيل جونز ضد الجنرال جيل و   نعم   Xers:  في التسعينات والألفية الثانية، والاختلافات الثقافية بشأن ما ينبغي أن يكون المعيار الجنسية، فضلا عن تكنولوجيا جديدة، والخلافات السياسية، والسلوك في مكان العمل، سن الموافقة، سن المسؤولية، ونظام التعليم، وغيرها من المجالات السياسية والثقافية وقضايا الأجيال وأنتجت جيلا الفجوة بين الجيل X والطفل العامل والآباء، وجيل نعم وجونز جيل الآباء. ومع ذلك ، فإن العديد من المواليد من هذا الجيل نشأ في أواخر الستينات، ويمكن أن تتواصل تلك الأجيال مع ذريتها بصورة أفضل من تواصلها بآبائهم .ومع ذلك ، فإن عرض صور المراهقين في التلفزيون والقنوات الفضائية، مثل قناة أم تى في، تسبب في قلق الآباء ، والشعور بالعزلة بين المراهقين وصغار البالغين من هذا الجيل. [https://ar.wikipedia.org]

ج – صراع الأجيال

يطلق مصطلح صراع الأجيال على العلاقات المتناقضة بين جيل متمسك بالتقاليد الموروثة وجيل جديد متمرد على كل المسلمات الواقعية ومؤمن بالتجديد والحداثة وعلى الرغم من الآراء والتصورات المختلفة في العلاقة بيم جيل وأخر فإن هناك مؤثرات تعمل على توسيع الفجوة بين الجيلين مثل سرعة التغيير التكنولوجي واستخدام المبتكرات العلمية الجديدة التي يستفيد منها جيل الشباب ولا يستفاد منها جيل المتقدم بالسن مع تمسك الأخير بموقعه العالي أمام إصرار الشباب في مشاركتهم المجتمعية وفي عملية اتخاذ القرارات التي تخص جيلهم وجيل المستقبل. فثورات الربيع العربي وانتفاضات الشباب التي برزت في العالم العربي بعد العقد الأول من القرن الحادي والعشرين خير مثال على الفجوة بين الشباب والمتقدمين بالسن هي في الواقع ليست فجوة بين فئتين عمريتين بل فجوة بين ثقافتين اجتماعيتين (ثقافة عامة وثقافة فرعية خاصة بالشباب) التي احدثتها ثورة المعلومات والاتصالات مما سارعت في توسعهما ووسعت الفجوة بينهما. جدير بذكره في هذا السياق الى ان صراع الأجيال لا يعني حوار الأجيال ولا تفاعلهما لأن المبتكرات العلمية غذت وعززت طموحات الشباب وحجمت نفوذ وسلطة الجيل التقليدي. صراع الأجيال مصدره التغيرات السريعة في العناصر المادية والمعنوية في المجتمعات مصحوب بتغير في المفاهيم وأساليب الحياة الجديدة كي يستطيع المجتمع التكيّف مع هذه التغيرات والحفاظ على التوازن وتحقيق الاستقرار. العديد من الصراعات التي سجلت بين المراهقين ووالديهم تعود أسبابها إلى الرغبة في الاستقلالية وعدم التبعية للكبار والتحرر والسعي نحو الشخصية المستقلة. الأولاد يكونون في مرحلة التحول ذو حساسية كبيرة ومفرطة تجاه كلام الأهل ويشعروا بأن هذا التوجيه من قبل الآباء هو تدخل في حريتهم الشخصية والتقليل من قدرتهم ومعرفتهم في اتخاذ القرارات الصائبة التي تنسجم مع رغباتهم وطموحاتهم ليبدأ الاختلاف والصراع بمخالفة الأولاد لرأي الأهل مهما كان هذا الرأي. الجيل يمثل مسافة زمنية.. هذه المسافة تستغرق الفترة الواقعة بين الميلاد أو بلوغ العمر المتوسط، وهي تبلغ في المعتاد الأربعين عاما، وهذا هو المفهوم البيولوجي للجيل، كما أن مفهوم الجيل يشمل كل أفراد المجتمع الذين نشئوا سويا في مرحلة الطفولة والشباب ويشتركون في نفس الظروف ويعيشون نفس الهموم والمعاناة ويسعون إلى تحقيق نفس الطموحات والأهداف، كما أن العلاقة الشخصية بينهم والأحداث والتجارب التي مروا بها جعلتهم يتعايشون في جزء من مراحل نضجهم، وخضعوا أيضا لتأثيرات متشابهة وعوامل تغير واحدة، الأمر الذي يجعلهم يمثلون حلقة من الأفراد تشكل حالة متجانسة ومفهوم الأجيال، بالتالي يعبر عن هذه الحالة العمرية والمسافة الزمنية التي تفصل بين جيل وأخر، وما يميز كل جيل عن الآخر هو الثقافة وأسلوب التنشئة، ونوعية اللغة، أي وجود نمط معين من التفكير والرغبات والطموحات، وبمعنى آخر وجود نظرة معينة إلى العالم والمجتمع والحياة عامة، وهذه الأفكار والقيم والرغبات هي التي تحدد هوية كل جيل وتميزه عن الآخر، وبالتالي فإن مصطلح صراع الأجيال هو للدلالة على تلك الفروقات النفسية والفكرية التي تنجم عنها فجوة بين آراء الكبار ومواقف الشباب تجاه الكثير من الأمور الحياتية. وفي القرن الرابع عشر الميلادي تناول عبد الرحمن بن خلدون في مقدمته مفهوم الجيل سواء من زاوية معرفية أو اجتماعية أو سياسية أو قيمية، حيث يرى أن تعاقب الأجيال لديه يعكس في المحصلة حالات مختلفة يمر بها المجتمع، وفقا لحركة تبدأ إلى الأمام ثم تنتهي إلى التخلف والتأخر والانحلال والتفكك وذلك على نمط حركة الأجسام الحية، حيث أشار ابن خلدون في مقدمته إلى أن المجتمع يستمر ثلاثة أجيال، وكل جيل يستغرق أربعين سنة، فعند الأربعين يبلغ الفرد أشده ويرى علم الاجتماع أن صراع الأجيال ظاهرة اجتماعية عادية ولكنه لا يرتقي لأن يكون ظاهرة طبيعية، بل هو أزمة اجتماعية في كل مجتمع متطور وحديث لأنه يؤمن بأن لكل إنسان رأي وموقف وحرية شخصية في اختيار أسلوب حياته وتفكيره، وهذا الاختلاف في أوجه النظر في الحياة يرجع إلى تمسك كل جيل من الآباء وجيل من الأبناء بأفكار وقيم ومفاهيم ومبادئ ومواقف ترَبّوا عليها منذ نعومة أظافرهم وترعرعوا عليها، هذه الحرية من شأنها أن تؤدي إلى نشوء خلافات بين الآباء والأبناء، وصراع الأجيال قضية مجتمعية مهمة لأنها قد تضعف العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة نتيجة لهذه التباينات والاختلافات وتضعف من كيان الأسرة، وصراع الأجيال مصدره التغيرات السريعة في العناصر المادية والمعنوية في المجتمعات، وحسب علم الاجتماع فإن التغير في حجم وشكل المجتمع مصحوب دائما بتغير في المفاهيم وأساليب الحياة الجديدة من أجل أن يستطيع المجتمع التكيّف مع هذه التغيرات والحفاظ على التوازن وتحقيق الاستقرار، لذلك من الطبيعي أن تتغير شخصية الإنسان طبقا لما يدور حوله من تحولات وتطورات في شتى مجالات الحياة، وبالتالي فإن هذه العلاقة الجدلية والضرورية بين الشباب وكبار السن ممن دخلوا في مرحلة الشيخوخة حالة صحية وطبيعية ومرتبطة بطبيعة الفرد والمجتمع ومسيرة الإنسان وهي حالة عامة لا تقتصر على شعب واحد أو مجتمع واحد، ففي كل مرحلة من مراحل الحياة البشرية تكون هناك فجوة بين الأجيال المختلفة في الأعمار والأفكار والطموحات وهذه الفجوة تتراوح بين خيارات الصراع والانعزال والتكامل بين هذه الأجيال، فمفهوم الصراع هو تفاعل يدل على الحركية للبحث عن توازن مستمر في الوجود أو الحياة، وتتعدد أشكاله بين ما هو صحي وايجابي وما هو مرضي وسلبي ليحقق التوازن وليحافظ على تواجد المكونات دون إقصاء أو تدمير لطرف على حساب طرف آخر وهو يشبه التفاعل داخل الذرة داخل الخلايا مجموعة متناقضات مختلفة في نوعيتها ووظيفتها متكاملة في رسالتها التي جعلت لها تفاعلات بين السالب والموجب في هذا الصراع، وقد وردت الكلمة عند أفلاطون الذي رأى في الصراع بين الأجيال قوة حركة للتغير الاجتماعي، ومن هنا فإن صراع الأجيال من المورثات القديمة والطموحات الجديدة وهي قضية أو ظاهرة قديمة فقد عرفها الإنسان عبر تاريخه الطويل بكل جوانبها السلبية والايجابية، وتختلف حدة الصراع بين الأجيال باختلاف المجتمعات وباختلاف المراحل التي يمر بها وتعتبر الأسرة البيئة الاجتماعية الأولى والأساسية التي تنشأ بين أفرادها الاختلافات أو الصراعات الفكرية أو الاجتماعية ولاسيما بين الآباء والأبناء أي بين جيل الكبار وجيل الشباب حيث لكل من الجيلين فلسفته الفكرية التي تحدد نظرته إلى الحياة ، فهذا الصراع بين هذين الجيلين أمر طبيعي إذا ما نظر إليه على أنه خلاف في وجهات النظر في سياق التطور الاجتماعي العام دون أن تكون له تأثيرات سلبية في العلاقات الأسرية، إذ يعاني الآباء كثيرا في سعيهم للتفاهم مع أباءهم وتفهم طلباتهم الكثيرة وأسباب تذمرهم خاصة عندما يبدأ عود الأبناء يشتد ويقوى، وفي غمرة محبة الآباء لأولادهم ينسوا أن رغبتهم هذه هي تحقيق أحلامهم هم وليس أحلام أولادهم، ومن جهة أخرى يسعى الأولاد في فترة المراهقة في رحلة العبور من الطفولة إلى الشباب للتعبير عن الذات والاعتزاز بالشخصية، وهي صفات يسعى لها المراهق وهو في بداية النضج التكويني يبدأ بتكوين شخصيته وفرض رأيه على أهله لعله يتجاوز على بعض أعراف وقوانين مجتمعه إلى حد التمرد، كما أن الأولاد يكونون في مرحلة التحول ذو حساسية كبيرة ومفرطة تجاه كلام الأهل ويشعروا بأن هذا التوجيه من قبل الآباء هو تدخل في حريتهم الشخصية والتقليل من قدرتهم ومعرفتهم في اتخاذ القرارات الصائبة التي تنسجم مع رغباتهم وطموحاتهم ليبدأ الاختلاف والصراع بمخالفة الأولاد لرأي الأهل مهما كان هذا الرأي، فأحيانا ومن منطلق إثبات الذات يخالف الأولاد أباءهم لمجرد أنه صادر عن الأهل فقط، كما أن الآباء يتهموا الأبناء بالسطحية والانحطاط في ممارسة عادات اجتماعية بعيدة كل البعد عن القيم الأصيلة في حين يتهم الأبناء آباءهم بتمسكهم بثقافة رخيصة متخلفة وعدم قدرتهم على التعايش مع المتغيرات والتطورات في المجتمع والثقافات، هذه العلاقة المتشابكة بين الآباء والأبناء وهذه التباينات في وجهات النظر، وهذا الاختلاف القيمي والفكري قد يصل في بعض الأحيان إلى قطيعة بين الطرفين. الخبراء في علماء النفس والاجتماع أجمعوا على أن الفروق بين الأجيال أمر لا يحتاج إلى جدال كما أن الصراع بين الأجيال يرتبط ارتباطا وثيقا بالمجتمع، فتعاقب الأجيال أمر طبيعي في مسيرة الزمن، والأجيال تتوالد والسلف يورث الخلف وعاداته وتقاليده ومعتقداته وقيمه، فإيقاع الحياة هو المختلف وإن كان هذا الإيقاع قديما بطيئا لدرجة أن عدة أجيال كانت تشترك في كل شيء، المعلومات والأنشطة فالحياة تطورت وتتطور باستمرار، ومن هنا فإن عقول الناس تتغير وطريقة التفكير تتجدد وفق العصر الجديد، ولكن من واجب الأبناء احترام الآباء في آرائهم وعدم اتخاذ الخلاف سبيلا لاختلافهم، فالخلاف هو خلاف طبيعي ضمن سياق التطور الاجتماعي العام شريطة ألا يتحول إلى نوع من الصراع والتنافر، حيث أن مشكلة اختلاف الآراء بين الأجيال أزلية في كل العصور بالتمسك بالعادات والتقاليد يتناقض من حين لآخر، والحفاظ عليها غاية الصعوبة نظرا للتطورات المتلاحقة التي يشهدها العالم خلال هذه الفترة، كذلك لا يمكن اتهام الجيل الجديد بالتمرد لأن التجديد ظاهرة موجودة في كل المجتمعات وهى بذرة صحية في طريق التقدم المعرفي وإحدى أدوات الرقى العلمي ولان التعبير عن الذات هو حالة طبيعية لحركة الأجيال وعلى الأسرة باعتبارها المنشأ الأول للبيئة الاجتماعية ترسيخ المفاهيم السليمة منذ الصغر ووضع أسس تربية سليمة دون إفراط في الشدة أو تفريط بالإهمال ولابد من بعض المرونة المطلوبة من الأهل يقابلها رحابة صدر وسعة أفق وتفهم من الأبناء لتلتقي الأجيال عند نقاط تفاهم مشتركة ويساهم الجميع في بناء مجتمع صحي يقوم على مبادئ سليمة، يجب أن يكون هناك وعي وتقارب أفكار بين الطرفين وأن يحاول الآباء التخفيف والحد من الأسلوب السلطوي العنيف وإتباع النهج الحواري مع الأولاد، بحيث تتبلور شخصية المراهق لا كنسخة من شخصيات الكبار بل تكون كنتيجة للتفاعل بين أفكار وقيم واتجاهات الكبار وأفكارهم واتجاهاتهم هم، نسخة متطورة مع المتغيرات ومتمسكة بمبادئ الأخلاق وبالقيم الإنسانية الراقية التي لا تتبدل، وفي المقابل أن يحاول الجيل الجديد استيعاب الجيل الماضي ليكون هناك آلية للحوار بين الطرفين والوصول إلى مستوى لائق متطور ومثمر فيتربى الجيل الجديد على الأخلاق والقيم الأصيلة التي من دونها لا يمكن بناء مجتمع سليم، فمن الواجب الاهتمام بالشباب ومراعاة ظروفهم وتفكيرهم ومشاعرهم وعلى الآباء تخفيف الصراع بين أبنائهم الشباب ولا يقارنوا زمانهم القديم بزمان جيل الشباب الجديد، يقول على بن أبى طالب رضي الله عنه: “علموا أبناءكم غير ما تعلمتم واعدوهم لزمان غير زمانكم”. إن قوة الواقع الحركي وأصالته في أخذ كل جيل موقعه الطبيعي في تنافس من غير تزاحم فالساحة تتسع للجميع وكل ميسر لما خلق له، وإن حُسن التعامل مع الخطاب النبوي الكريم “ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا” من شأنه أن يرسي دعائم المعادلة الصحيحة في جسم التنظيم وحركته، وبالتالي يحفظه من الانزلاق إلى هكذا مشكلات، فمن الأهمية أن يأخذ الشباب مواقعهم في العمل الذي يستوجب الحركة والعقل السريع المباشر، وأن يمنح كبار السن فرصة تقديم الرأي والمشورة، إنه الدستور التربوي السليم القائم على القليل من الوعي عند الأبناء واحترامهم للآباء والكثير من الحكمة والصبر من قبل الآباء وتفهم التغيرات الجسدية والفسيولوجية التي تطرأ على أبنائهم وما ينتج عنها من تغيرات نفسية يمكن أن تحل جميع المشاكل التي تنشأ بينهما.. وقد توصلت بعض الدراسات إلى أن العديد من الصراعات التي سجلت بين المراهقين ووالديهم تعود أسبابها إلى الرغبة في الاستقلالية وعدم التبعية للكبار والتحرر والسعي نحو الشخصية المستقلة، ولاشك أن الأسرة المتماسكة هي المؤهلة لرعاية مطالب المراهق النفسية والاجتماعية وهي القادرة بحدوث تفاعل بينهما “أحسنوا تربية أولادكم فقد خلقوا لجيل غير جيلكم” فمن سنة الله في خلقه التتابع جيل بعد جيل، وأن يتعقب الصغير الكبير، ومن سنة الشريعة السمحاء التداول، وتلك الأيام نداولها بين الناس، وتستمر الحياة بهذه القوانين الكونية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فلكل جيل مميزاته الخاصة التي يرتكز عليها ليستمر في التعاقب والتواصل: “زرعوا فآكلنا ونزرع فيأكلون”.

صراع الأجيال قضية لتدافع الناس وتداول الأيام ودواليب تدور وتتوارى خلف الدوران الأفقي للحياة بكل ظواهرها ومعطياتها.. ولن تنتهي بالتقادم الزمني.. بل على العكس سيبقى هذا الصراع، الوجه الآخر لصورة التواصل والتكامل بين الأجيال المتعاقبة والمتوالدة، وعلى متنه ظواهر الكون في أدق استخداماته المفصلية، لأنها الحكم المنطقي لصيرورة البني الفكرية والروحية التي أفرزت هذا الزخم المادي في أتون كل الحضارات. [https://www.facebook.com]

كشفت الأحداث المتعاقبة التي عصفت بالعالم العربي في العقد الأخير عن فجوة لم تكن ملموسة بقوة بين جيلين: جيل مسيّس، يرى دائما الماضي جميلا، بانتشاراته ونكساته، وفنونه وقصصه، عاصر أهم الأحداث في المنطقة، حروب الاستقلال والنكبة والنكسة، وصعود القومية والتيارات اليسارية والإسلامية، وآخر شاب مفعم بالتمرد والرغبة في التغير، نشأ على مشهد سياسي عربي مثقل بالصراعات والهزائم والأزمات الاجتماعية، لا علاقة له بالسياسة بقدر ما يواكب أحدث التطورات التكنولوجية، يعيش في مجتمعات تحسب على العالم الثالث ويتابع آخر ما يصدر عن العالم المتقدم وما يحدث فيه. وفي خضم هذا الواقع المتغير، يحاول كل جيل فرض رؤيته على الآخر، دون محاولة البحث عن نقطة توازن والتقاء ما يخلق تناقضا يتحول إلى صراع.

ثورة رقمية: على مدى سنوات، ظلت الفجوة بين الأجيال تتسع في صمت، إلى أن ساهمت في انفجارها الثورة الرقمية وما تحقق من تقدم هائل في وسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي. وساعدت الإنترنت على إيصال أصوات لم تكن تصل من قبل أو كان من السهل وأدها دون أن يثير الأمر ضجة، لكنها في نفس الوقت كرست لمشهد التصادم بين الحديث والتقليدي في طريقة تناول مختلف القضايا.

وتجلت مشكلة صراع الأجيال في المجتمعات العربية في أوضح صورها في وجهات النظر السياسية، التي تعكس إلى حد بعيد أحد أبرز أسباب الفوضى في هذه المجتمعات، من الوضع السياسي وصولا إلى التطرّف. تبرز الهوة بين الأجيال من خلال التعامل مع العديد من الملفات، ولا فرق هنا بين شباب في مركز صنع القرار أو من بقية المجتمع، حيث يفكر كلاهما بذات التوجه تقريبا، وفي اتجاه قد يصطدم برؤى الجيل الأكبر سنا المختلفة.

فجوة زمنية: تربى جيل “الكبار” على إذاعة صوت العرب والشعارات القومية وكاريزما قادة الاستقلال ونشأ في دول خطوة كانت تخطوها في عملية بناء الدولة الحديثة بعيدا عن الاستعمار تعد إنجازا في ذلك الوقت. لذلك، يميل هذا الجيل إلى تأييد الاستقرار والأنظمة القائمة. في المقابل، نشأ الجيل الشاب وسط بيئة صعبة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا. وتفصل بينه وبين ذلك الزمن “الجميل” سنوات طويلة تغيرت فيها كثيرا معالم المنطقة وسياساتها وخبا صوت شعارات اليساريين والقوميين وشباب حركة الطليعة، وتداخلت الأجندات والسياسات. وتتوضح تفاصيل هذا الخلاف في حوار دار بين أحد الشباب في الثامنة والعشرين من عمره، وجدته وهي في منتصف عقدها الثامن، دافع كل منهما عن وجهة نظره بأدلة منطقية. تلخصت وجهة نظر جيل كبار السن، في حديث الجدة، التي رأت أن أي رئيس دولة، مهما كانت توجهاته وخلفيته، لا بد أن يسعى إلى خير البلاد وصالحها، إن لم يكن بدافع الوطنية فبدافع من رغبته في ترك سيرة طيبة يذكرها له التاريخ.

وتقوم وجهة نظر جيل الكبار في الأساس على المقارنة بين الأوضاع في الوقت الحالي وأوضاع العقود الماضية، فالجدة تحكم الحاضر بمنطق ما عاشته وهي طفلة في إحدى قرى محافظة الغربية (شمال القاهرة)، قبل قيام ثورة 1952. كان أهل القرية من الفلاحين، كحال جميع قرى مصر في ذلك الوقت، يعانون ظلم الحكام، فالفلاح كان يزرع أرضه قمحا، ثم يجبر على توريد المحصول بالكامل إلى الحكومة دون أن يتبقى له ما يكفي طعامه. عانى الفلاحون من نقص شديد في السيولة النقدية وضعف مقومات المعيشة من بنية تحتية، في حين أن عامة الشعب يضطرون إلى تعبئة احتياجاتهم من المياه في جرار من الفخار ويسيرون بها مسافات طويلة، فضلا عن أن مظاهر الحياة المتحضرة كمرافق الكهرباء والمواصلات كانت تعد من الأحلام بعيدة المنال بالنسبة لهم في ذلك الوقت. وتذكر الجدة أول مرة شاهد أهل قريتها أحد الأشخاص يركب دراجة، وكيف أثارت انبهار الجميع الذين راحوا يصيحون أمامها ويدعون بعضهم البعض لمشاهدة هذه الأعجوبة التي أطلقوا عليها “الحمار الحديدي”، فحتى خيالهم لم يسعفهم لإدراك أن هناك ما يمكنه امتطاءه سوى الدواب المعروفة. وكان من الطبيعي للجدة وغيرها من كبار السن، أن يدينوا بالولاء التام والعرفان بالفضل للرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر الذي شهدوا في عصره طفرة نوعية. هكذا رأت الجدة في كل خطوة تنمية يخطوها أي رئيس مصري على مدار السبعين عاما الماضية إنجازا عظيما يستحق العرفان، لا مهاجمته إن اتخذ قرارات قد يراها البعض غير صائبة.

وفي المقابل، تقوم وجهة نظر الشباب على مقارنة وضع بلاده الحالي بحال دول أخرى أصبحت في مقدمة دول العالم، رغم ضعف مواردها الطبيعية، مقارنة بما لدى مصر من إمكانات. مثال ذلك اليابان التي حققت إنجازا بكل المقاييس حين استطاعت تحقيق معدل نمو قياسي في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية.

المفارقة التي دعمت رأي الشباب في هذا الصدد أن دولة مثل اليابان بدأت رحلتها نحو تحقيق التنمية الشاملة تقريبا في نفس الفترة التي بدأت مصر فيها التحرر من الاستعمار والتخلص من الآثار السلبية لنظام الملكية. لا يستوعب الشباب كيف أن مصر التي تتفوق على اليابان في الموارد الطبيعية، وعاشت فترة من الضعف تخلص منها البلدان تقريبا في نفس التوقيت، مازالت تصارع أمواج الأزمات الاقتصادية، في حين أصبحت اليابان اليوم “معجزة” اقتصادية وتقنية ودولة متقدمة من أعلى طراز. ولا يجد الشباب هنا إجابة إلا إلقاء اللوم على الأنظمة الحاكمة.

الربيع العربي: يبرهن نموذج الربيع العربي على وجود هذا الخلاف بين وجهات نظر الأجيال، فقد كان لفئة الشباب، المرتبطة بشكل دائم بوسائل التواصل الاجتماعي، دور رئيسي في حالة الحراك الذي شهدته مجتمعات عربية، يعيش شبابها إحباطا نتيجة البطالة وضيق الأفق. في حين رأى جيل الآباء والأجداد الحل في الصبر ومنح الأنظمة فرصا أخرى. وحتى بعد تغيير الأنظمة في دول الربيع العربي، بقيت الأحزاب السياسية، وما بها من نخب تقليدية في فكرها وسياسة وتواصلا، وتجاوز معظمها سن الشباب، عاجزة عن الوفاء بمتطلبات الفئات الشابة وتحقيق طموحاتها الكبيرة في مستقبل أفضل. ولم يكن أمام قادة الأحزاب سوى الطرق التقليدية المتبعة للمطالبة بالحقوق والحريات، ولم يجد الشباب في تلك الأحزاب الوسيلة المثلى للتعبير عن رأيه، على الرغم من أنه كان يجدر بها أن تحتضنه وتعطيه الأمل في التغيير، فما يمكن للسياسيين فعله لم يكن بنفس سرعة قطار طموحات الشباب. واستفادت بعض الجماعات الإرهابية من حماس الشباب العربي ويأسه من الثورات السلمية والحلول السياسية، لتحقيق مصالحها بدعم من بعض دول المنطقة، ساعد على ذلك قيام بعض الأنظمة بمواجهة الحراك السلمي للشباب بالعنف المسلح، ما أكد للشباب أن السلمية شأنها شأن الأحزاب لن تسعف الموقف، وهكذا وجد الشباب، في سوريا مثلا، نفسه بين شقي الرحى، أحزاب سياسية عاطلة من جهة ونظام يقمع سلميته من جهة أخرى. الخلاف الظاهر حول الحريات والطموحات أدى أحيانا إلى انكماش فئة كبيرة من الشباب، وتفضيل الابتعاد عن السياسة، ولم يستجيبوا لكل محاولات التوظيف السياسي التي تبنتها بعض الحكومات، للإيحاء أنها ترعى الشباب.

مقتضيات العصر: شكلت مصر بعد ثورة 25 يناير عام 2011، مثالا للخلاف السياسي بين الشباب والأجيال الأكبر بوجه عام، وقد فشلت الحكومة في استقطاب الشباب. في المقابل، هناك تجارب أخرى مختلفة، الصدام فيها ليس بين الشباب والسياسيين، بل يقف الشباب في صف السياسي ويدعمه، وهنا يبرز المثال الأكبر في ما يحدث من تغييرات في المملكة العربية السعودية، بقيادة ولي العهد الشاب الأمير محمد بن سلمان.جاء هذا التغيير كنتيجة طبيعية لوجود شخصية شابة في مركز صناعة القرار، تفكر بنفس طريقة تفكير فئة تمثل أكثر من نصف التركيبة السكانية وتتحدث بلغتها وتتواصل معها بشكل مباشر، ما جعلها حلقة الوصل بين تطلعات جيل الشباب وبين جيل الساسة من ذوي الخبرة. من خلال النموذج السعودي، وأيضا نماذج أخرى على غرار دولة الإمارات العربية المتحدة، يمكن أن يتحول الخلاف بين الأجيال إلى داعم للتقدم والتنمية.  ومن خلال رفد الهوة بينهما يمكن أن يتحول ذلك التباين إلى نقطة توازن بين فريق قانع بما بين يديه ينظر إلى الحاضر بإيجابية، وفريق آخر ناقم على الحاضر يسعى إلى تطويره إلى الأفضل، ويتطلع إلى من سبقوه إلى الرقي الاقتصادي والتقدم الاجتماعي. ولا شك في أن هذا الخلاف سيكون في مصلحة المجتمعات العربية إذا أحسنت التعامل معه وإذا حاكى التباين الجيلي تقنية عمل المحرك الكهربي الذي يخلق من التنافر بين قطبيه الموجب والسالب حركة دائمة تدفع الأجسام للأمام وتدور ماكينات المصانع للخروج بالمنتج المطلوب. [https://alarab.co.uk]

أهم الدلائل على الصراع بين الأجيال، ما أكده الناشط السياسي البارز في الثورة المصرية (وائل غنيم)، حيث قال إن الثورة في الأصل هي صراع أجيال، بين جيل أقلية من زمن سابق سرقت منه أحلام الوطن، واستخدم معه سلاح الخوف لإرهاب باقي أفراده حتى لا يعترضوا، وبين جيل شاب عاش طوال حياته لم يرَ إلا رئيساً واحداً ونظاماً واحداً وفساداً واحداً فقرر أن يثور. وشدد غنيم عبر صفحته على (الفيس بوك)، على اتساع فجوة التواصل بين الجيلين؛ نظراً إلى استخدام الأجيال الشابة التقنية والتكنولوجيا الحديثة في الوقت الذي لاتزال فيه أجيال (العواجيز) ترفضها. وتتفق الطالبة بكلية الهندسة جامعة عين شمس، ندى أحمد (23 عاماً)، مع رأي وائل غنيم.. موضحة أن الكبار، وخاصة الآباء لديهم اعتقاد بأنهم يملكون الحقيقة المطلقة، وأن الأبناء أو الجيل الجديد ليس لديهم أي رؤية.. وأضافت: انها تلجأ إلى صديقاتها للتحدث معهم؛ عوضاً عن والدتها التي تعاملها كطفلة أو كجندي بكتيبة عسكرية عليه تنفيذ الأوامر فقط دون نقاش. في حين يرى محمد خالد، طالب بكلية الإعلام ــ جامعة القاهرة، أنه يجب على الشباب احترام خبرة وتجربة الجيل السابق والتعلم منه، موضحاً أن مواكبة الجديد من الوسائل التكنولوجية لا يعني التمرد على كل المسلّمات الواقعية، فلابد أن يكون هناك توازن بين الاتجاهين.

وفي غضب شديد، يقول الحاج إبراهيم فتحي، بالمعاش، وأب لثلاثة أبناء: إن الجيل الجديد ليس لديه أذن يستمع بها لتجارب من سبقوه ولا يعترف أبناء الجيل الجديد بأنهم ما زال ينقصهم الحكمة والتأنّي والبعد عن الحماس الزائد والاندفاع والتعصب غير المبرر. وأضاف: إن الشباب يفسرون حب الكبار وخوفهم عليهم ومحاولة توفير الحماية اللازمة لهم بأنه تسلط من هؤلاء الكبار، الذين على حد قول الجيل الجديد، يقدّمون لهم نصائح عفا عليها الزمن.

تفاعل لا صراع: بدوره يقول دكتور (علي ليلة) ــ أستاذ علم الاجتماع في جامعة حلوان، إن الأصل أن يكون هناك المزيد من التفاعل والتفاهم بين الجيلين وليس صراعاً، إلا أنه قد يتأجج الصراع، على حد تعبيره، مع عدم قناعة الجيل القديم بإمكانيات أبناء الجيل الجديد وأفكارهم والتي أظهرت الثورات العربية قدراتهم الفائقة على إحداث التغيير من خلال وسائل حديثة، ففي مصر يقدر عدد مستخدمي الإنترنت بخمسة ملايين شخص. ويلفت (ليلة) إلى أن الواقع أثبت أن جزءاً كبيراً من الأزمة السياسية التي كانت قائمة في معظم البلدان العربية تعتبر في حقيقتها صراعاً بين الأجيال. ويؤكد دكتور (عبدالفتاح إدريس)، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، أن الإسلام سبق جميع الأنظمة المعاصرة في تجديد الفكر والسعي نحو التغيير وعدم الركون إلى نموذج تقليدي، مدللاً على ذلك بقوله “اتضح هذا جليًّاً عندما عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) قيادة جيوش الغزوات إلى شاب مثل أسامة بن زيد، على الرغم من تواجد كبار الصحابة مثل خالد بن الوليد، كما أخذ بنصيحة سلمان الفارسي وهو لم يتجاوز العشرين من عمره في حفر الخندق.”

وأضاف “إن سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) تنبّه إلى ذلك الصراع بين الأجيال في وقت مبكر من التاريخ الإسلامي حين قال: أحسنوا تربية أبنائكم فقد خلقوا لجيل غير جيلكم”. [https://www.albayan.ae]

ح – المشاكل الاجتماعية لشباب الألفية

تعتبر المشاكل الاجتماعية الركن الركين في دراسات علم الاجتماع لأنها تُعتبر أحد أركان مثلثه المعرفي (الظاهرة، المشكلة، الضوابط) ولما كان جيل الألفية يتمتع بسمات متميزة عن باقي الأجيال التي سبقته، فإن ذلك يعني لديه مشاكل تفرزها المرحلة التاريخية التي يمر منها وتفاعلاته مع الآلة التي تسبب له مشاكل لا تقل عن المشاكل التي يخلقها له البشر. معنى ذلك ان هذا الثلث المعرفي متطور وليس بثابت وكعلم إنساني واجتماعي يتطلب منه تشخيص مسبباتها وكيفية معالجتها وهي في بيئتها ولأنها دائمة الحضور في حياة الإنسان وكل الأجيال لكنها تختلف في حجمها وتأثيرها وتكرار وقوعها وذلك بسبب كثافة الأفراد المتضررين منها وموقعهم في المجتمع ودرجة إيذائها لمصالحهم المادية والمعنوية. مشاكل شباب الألفي ليس مصدرها البطالة ولا الكوارث الطبيعية ولا الحكم السياسي ولا الأزمات الاقتصادية أو السلطة البطريقية ولا الثقافة التراثية ولا الدين بل سحر التطور التقني الذي جذب الشباب الذي يتلذذ بل ما هو جديد مما جعلته مندمج مع برامجه وبوظائفها لخدمة طموحاته واغراضه الخاصة. هذا الولع بالابتكارات العلمية خدمت الجيل في المعرفة والعلم لكنها سلبت منه الخصائص الاجتماعية المغذية لإنسانيته وتدعم شخصيته، جعلته مندفعاً نحو التكنولوجيا على حساب العلاقات الاجتماعية والقرابية والصداقية فخلقت عنده فجوة علائقية تقلل من اجتماعيته وعشرته مع الناس بل حتى قلصت عنده آليات التواصل البشري. وبسبب انشغاله بسحر التقنية الالكترونية أبعدته عن تفكيره بالزواج وإنجاب الأبناء وكان آثار ذلك سببت عنده حالة من حالات الاكتئاب والوحدة والانعزال. ليس هذا فحسب بل بسبب المنافسة الشرسة والشعور بضغوط العمل حصل عنده القلق والتوتر والاستقلال الذاتي فاضطر الى تعاطي المخدرات والمسكرات مع اصابته بداء السكري وارتفاع ضغط الدم. هذا على الصعيد الصحي لكن هناك مؤثرات على الصعيد الأخر مثل بسبب ادمانه على استخدام الأجهزة الالكترونية والتمعن بها والاستمتاع الى اخبارها لا تنمي عنده قراءة تعابير وجوه الأخرين لأن جلَّ وقته يقضيه مع الأجهزة الالكترونية مما تجعله لا يعي بأهمية المشاعر والأحاسيس الإنسانية. وبسبب تعرضه لمشاهدة الأفلام المرعبة وسماع الأخبار المزعجة جميعها تؤثر على مزاجه. ولما كانت هذه الأجهزة تجهزه بكافة طلباته بسرعة فائقة فإنها تجعله لا يقدر التعامل مع الفشل أو تحمل الاحداث المجهدة. وبسبب تعلقه ببرامج هذه الأجهزة تجعله لا يملك الوقت الكافي لأنشطة وشؤون عائلته والاطلاع على حياتها العائلية بذات الوقت لا يسمح هذا الانشغال بإن يضع جدولاً زمنياً محدداً يتقيد به ولا يسمح له بالرجوع الى جذور المشكلة التي يواجهها بل يعالجها بشكل سريع بسبب انهماكه بالعمل، أما تعامله مع المنظمات ودوائر الحكومة فإنه يشعر بإحباط كبير حول مستوى الفساد فيها ويشتكي من بيروقراطيتها وعدم النزاهة فيها. على الرغم من مخاوف جدية حول انتشار الفساد والصراعات، وآثار تغير المناخ وخسارة الفرص للإدماج الاجتماعي والاقتصادي، يبقى الشباب متفائلاً، حيث أن 70% من جيل الألفية الذين شاركوا في المسح السنوي لمشكلي العالم لعام 2016 يرون العالم مليئاً بالفرص، و50% منهم يعتقدون أن بإمكانهم المساهمة بشكل فعال في عملية صنع القرار في بلادهم.

ما الذي يؤرق جيل الألفية؟: يرى الشباب في كافة المناطق أن الفساد وانعدام المساءلة الحكومية هما المشكلتين الأكثر إلحاحاً في بلادهم. هذا ويعتبر انعدام الفرص الاقتصادية، والعجز في نظام التعليم والفقر بعض المشاكل الرئيسية الأخرى. في المقابل، وعلى الصعيد العالمي، يتصدّر تغير المناخ هموم جيل الألفية للعام الثاني على التوالي، متبوعاً بالصراعات ذات النطاق الواسع، بالإضافة إلى الصراعات الدينية والفقر. وفي إطار الدراسة المسحية، وعندما سُئل شباب جيل الألفية عمّن يمكنه معالجة هذه التحديات بنجاح في بلادهم وعلى المستوى العالمي، تبين أن شباب هذا الجيل يثقون بأنفسهم أكثر فيما يخص حل التحديات المحلية 26%، تلي ذلك الحكومات 20% والمجتمع المدني 17%. أما فيما يخص مواجهة التحديات العالمية، فإن الشباب يثقون في المنظمات الدولية 26 %، ومجدداً مرة أخرى في أنفسهم 20%.

التصور الذاتي: نهاية الدولة القومية؟: يعدّ الشباب في الفئة العمرية ما بين 18 و35 أنفسهم في معظم الأحيان بأنهم مواطنون عالميون وذلك بنسبة 36% بينما يعدّ 22% منهم أن جنسيتهم هي الصفة التعريفية لهم، أما 9% منهم فيعرّفون أنفسهم من خلال معتقداتهم الدينية. وبالنسبة للفئة الأصغر سناً من شباب الألفية، أي من تتراوح أعمارهم ما بين 18 و22 عاماً، يرى غالبيتهم أن الجنسية هي طريقة تحديد الذات، بينما تأتي المواطنة العالمية في المرتبة الثانية. وإذا ما أمعنا النظر في الردود بحسب تقسيم الأقاليم، نجد أن الدين يلعب دوراً أكثر أهمية فيما يخص هوية الشباب في منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا، في حين أن كل المشاركين من شرق آسيا والمحيط الهادئ يحددون أنفسهم من خلال جنسياتهم.

جيل الألفية متفائل فيما يخص التكنولوجيا، ولكن … يتبنى جيل الشباب إمكانيات التكنولوجيات الجديدة بشكل كامل، ويستخدم التقنيات الرقمية بشكل يومي في مختلف مناطق العالم تقريباً. ويعتقد 86% ممن شملتهم الدراسة أنه على الرغم من أن التكنولوجيا تدمر بعض الوظائف التقليدية، إلا أنها ستكون دافعاً أساسياً في عملية نمو الوظائف. هذا ويعتقد أبناء جيل الألفية أن الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والإنترنت ستكون أكبر الاتجاهات في مجال التكنولوجيا. ويرى غالبيتهم أن قطاعي التعليم والرعاية الصحية سيستفيدان استفادة قصوى من التكنولوجيا الحديثة. وفيما يخصّ مناحي حياتهم الأكثر تأثراً بالتكنولوجيا، تأتي الحياة المهنية أولاً بنسبة 65%، ثم التعليم بنسبة 55%، ثم التنقل بنسبة 42%. وعلى الرغم من الدور القوي للابتكار التكنولوجي في مجال التعليم، إلا أن نسبة 48% يعتقدون أن شكل الفصول الدراسية التقليدية لا يزال أكثر فعالية من التكنولوجيا التي يتم تطبيقها لأغراض التعليم. تتصدرّ الخصوصية وحماية البيانات الشخصية أكبر مخاوف جيل الألفية على نطاق عالمي حول استخدام التكنولوجيا، وذلك بالأخص في شرق آسيا ومنطقة المحيط الهادئ، حيث أن نسبة 73% من جيل الألفية في تلك المنطقة، تقول أنها، على سبيل المثال، تجنبت تحميل تطبيقات معينة بسبب قلق على البيانات الشخصية على وجه الخصوص. ويبقى الكمبيوتر المحمول والكمبيوتر الشخصي يتربّعان على قمة المنصات الأقوى لإرسال رسائل البريد الإلكترونية والتسوق عبر الإنترنت، وذلك بنسبة 63% و55% على التوالي، في حين أن الهواتف الذكية هي المنصة الأهم والأكثر استخداماً لتصفّح وسائل التواصل الاجتماعي وذلك بنسبة 82%. ينتقد غالبية جيل الألفية حكوماتهم فيما يتعلق باعتماد التكنولوجيا، حيث يرى 41% منهم أن أداء حكوماتهم بطيء في هذا المجال. وإقليمياً تصل النسب إلى 55% في أميركا اللاتينية و55% في أفريقيا و49% في الشرق الأوسط، أي ما يعادل حوالي واحد من كلّ اثنين من شباب جيل الألفية غير راض عن دور الحكومة في اعتماد التكنولوجيا. وبالمقابل، فإن 78% من المشاركين من أميركا الشمالية يثنون على التبني السريع والمبكرّ للتكنولوجيا الجديدة من قبل الشركات.

ماذا يتوقع جيل الشباب من الحكومات والقطاع الخاص؟: بدراسة توقعات شباب جيل الألفية من الحكومات عن كثب، نجد بأنهم وفي مختلف أنحاء العالم يشعرون بإحباط كبير حول مستوى الفساد في القطاع العام، وذلك بنسبة 58%، أما نسبة 30% فتشكي من البيروقراطية و29% من انعدام المساءلة، ويحلّ عدم وجود الصدق والنزاهة في المركز الرابع. ورداً على سؤال حول الحلول الممكنة لمواجهة الفساد وكيفية خلق شفافية أكبر، فإن جيل الألفية يدعم عقوبات أكثر اتساقاً لسوء الحوكمة من قبل المسؤولين وذلك بنسبة 44%، تليها الدعوة إلى استقلال المحاكم بنسبة 38% وحوار منتظم وأكثر شفافية مع المواطنين بنسبة 33%. وعموماً، فإن 50% من المشاركين في الاستطلاع يعتقدون أنه بإمكانهم أن يساهموا في تشكيل صنع القرار في بلدانهم. وكانت أوروبا هي القارة الوحيدة التي شهدت نسبة أقل من المشاركة في صناعة القرار، حيث كانت الإجابة الأكثر شيوعاً هي التشكيك، حيث تعتقد نسبة 44% أنها لها تأثير ضئيل جداً فيما يخص عملية صنع القرار بلدانهم. ويشكّل أرباب العمل في المؤسسات التي يعمل فيها شباب جيل الألفية الطرف الأكثر مصداقية، حيث تعتقد نسبة 37% بأن أرباب العمل يتمتعون بالعدالة والنزاهة. فيما تحلّ الحكومات ووسائل الإعلام في المراتب الأخيرة حيث صرّحت نسبة 47% من المستطلعين بأنهم لا يثقون بهم. ويرى شباب الألفية أن أكبر مساهمات القطاع الخاص تكمن في خلق فرص العمل والتنمية الاقتصادية أو الاستثمار الأجنبي وذلك بنسبة 36% و20% على التوالي. ورداً على سؤال حول مستقبلهم المهني، فإن 54% من شباب جيل الألفية يبحثون عن فرص عمل توفر راتباً عادلاً، بينما يبحث 45% منهم عن عمل يوفر فرص نمو، و36% يبحثون عن فرص عمل تغذي شعورهم بالفائدة. كما أنه ليس هناك نقص في ثقة المستطلعين حيث أن 74% على ثقة أو ثقة عالية بأن مهاراتهم مناسبة لسوق العمل. إلا أن هذا التفاؤل يشهد تدنٍ ملحوظ فيما يخصّ مستقبل التطور الوظيفي حيث أن نسبة 54% فقط تتوقع العثور على وظيفة جيدة.

القيم، الإدراج، هدف مشترك للشباب: وسطياً، تشير نتائج المسح تقدماً طردياً فيما يخص القيم ضمن أفراد هذه الفئة العمرية. إلا أن هنالك بعض المناطق يتخذ فيها التقسيم الديموغرافي نهجاً أكثر تقليدية. فعلى سبيل المثال، إن أكثر من نصف المشاركين يعتبرون بأنهم يعملون بسلاسة بإدارة المرأة – سواء كانت مديرهم المباشر، أو الرئيس التنفيذي للشركة أو حتى رئيساً لبلادهم، وهذا دليل على ارتياح كبير تجاه العمل مع القيادات النسائية. من ناحية أخرى، فإن نسبة تقارب 50% تؤشر إلى عدم ارتياح البعض، بينما اختارت نسبة خمسة في المائة من الذين شملتهم الدراسة الإجابة التي تعرض أعلى مستوى من الراحة. ومن اللافت للنظر أن الذكور والإناث لديهم نفس مستوى الارتياح أو عدمه حول مسألة العمل تحت القيادات النسائية. أما فيما يتعلق بمسألة المردود المادي، فإن نسبة 67% من الرجال تشعر إما بارتياح أو بارتياح كبير حول أن تكون شريكاتهن تحصلن على مردود مادي أكبر منهم. وبطبيعة الحال، فإن إجابات النساء كانت أكثر ليبرالية بهذا الشأن حيث أن ما نسبته 75% أجابت بإيجابية على هذا السؤال، وهذا يدلّ على أن ربع الإناث اللاتي أجبن على الدراسة لا تزلن تقليديات في تفكيرهنّ بهذا الشأن. وعلى الصعيد العالمي، فإن نسبة 53% من جيل الألفية تدعم زواج المثليين، بينما تتقبله نوعاً ما نسبة 13%، ونسبة 13% أخرى مترددة حول موقفها تجاه هذه المسألة، وتبقى نسبة 22% تعارض زواج المثليين. وعند مقارنة هذه النتائج مع مؤشرات النمو والتقدم في الدول، يتضح جلياً بأن مسألة دعم زواج المثليين يرتبط بمستويات التقدم الإنمائية في الدول (بحسب ترتيب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي) ومستويات الدخل (بحسب فئات البنك الدولي). وأصحاب رؤى النظر المتطرفة فيما يخصّ هذا الموضوع هما منطقتا الشرق الأوسط وأفريقيا حيث غالبية الشباب ترفض هذا الموضوع، أو ترفضه بشدة. وكان ردّ الفعل حول مسألة الإنجاب قبل الزواج مماثلة، حيث أجابت نسبة 70% بقبول هذا الأمر، فيما كانت الغالبية المعارضة من شباب منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

الترحيب باللاجئين: تتخذ مسألة اللاجئين صورة أكثر توحيداً عالمياً، حيث تصف نسبة 67% مشاعرها تجاه اللاجئين بالتعاطف، وبالمقابل فإن نسبة 10% من كلّ منطقة ترى اللاجئين بمثابة هدية لأمتهم (إلا في الولايات المتحدة حيث النسبة 17%) أو كتهديد لأمتهم. وإن نسبة 73% يرحبون باللاجئين في بلادهم، بينما تصل نسبة من يتقبلون استقبال اللاجئين في منازلهم إلى 22%. [https://tawasulpg.com] أخيراً تقوم الأجهزة الالكترونية وبرامجها وسحر فنونها بعزلة عن الناس بحيث لا يكون لديه معارف ولا أصدقاء مقربون أو مفضلين بل ولا تجعله يمارس هواية مسلية كل ذلك يؤدي الى خفض شعوره بالسعادة. بعد هذا الاستدلال أعرج الى تقديم بعض المقالات عن المشاكل النفسية والاجتماعية التي تخلقها له التطورات التقنية وتجعله جيل مختلف في مشاكله عن مشاكل الشباب الذي سبقوا جيله.

جيل الألفية هو الجيل الأكثر وحدة: الوحدة هي قاتل صامت، فقد وجد بحث نُشر العام الماضي ان الوحدة قد تكون ضارة جداً على صحتنا العقلية والبدنية، وتساوي في ضررها على أجسامنا ضرر تدخين علبة من السجائر يومياً. قد لا نعتقد أننا نسعر بالوحدة فنحن جميعاً على اتصال دائم مع بعضننا البعض عبر الانترنت. غير ان بحثاً جديداً أجرته شركة YouGov كشف أن جيل الألفية (أي الجيل الذي وُلِدَ في الثمانينات والتسعينات) هو في الواقع الجيل الأكثر وحدة في يومنا هذا. كما وجدت الدراسة، التي تحدثت الى أكثر من 1,200 شخص بالغ في الولايات المتحدة تتراوح أعمارهم بين 18 عاماً وأكثر، مقداراً مقلقاً من العزلة، فقد قال 30% من جيل الألفية الذين شملهم الاستطلاع إنهم دائماً أو غالباً ما يشعرون بالوحدة، مقارنة بنسبة 15% ممن ولدوا بُعيد الحرب العالمية الثانية و20% من الجيل Gen X وهو الجيل الذي ولد بين الستينات وبداية الثمانينات – أي آباؤنا يعيشون حياة اجتماعية أكثر نشاطاً من حياتنا. أكثر ما يقلق بهذه الدراسة هو ان ربع جيل الألفية ليس لديهم أصدقاء مقربون، ويقول 30% انه ليس لديهم أصدقاء مفضلين. غاص البحث في الأسباب الكامنة وراء هذا الوضع حيث تحدث المشاركون عن الصعوبات التي واجهوها في تكوين صداقات، والتي تراوحت بين الخجل وانعدام الهوايات والاهتمامات المشتركة التي يمكن ان تسهل تكوين الصداقات. فيما أشار أكثر من ربعهم (27%) الى انهم “لا يحتاجون الى أصدقاء” لكن ربطتنا وسائل التواصل الاجتماعي ببعضنا البعض أكثر من أي وقت مضى، ولكن وجودنا على انستغرام وفيسبوك قد تخفي حقيقة أننا وحيدون على الرغم من صور السيلفي السعيدة التي نلتقطها. لم تحدد شركة YouGov عاملاً محدداً وحيداً لوباء الوحدة الذي يعاني منه جيل الألفية، لكنها ربطته باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي مستشهدة بدراسة أجرتها جامعة بنسلفانيا والتي ربطت بين استخدام وسائل الاتصال الاجتماعي وانخفاض الشعور بالسعادة وارتفاع نسبة المصابين بالاكتئاب. كما تم توثيق وجود صلة بين سوء الصحة العقلية واستخدام انستغرام بشكل خاص لدرجة ان الشركة المالكة للتطبيق تجرب اتخاذ خطوة دراماتيكية وهي إزالة عدد الاعجابات بالمنشورات. الأمر ليس بهذا السوء، فمن الواضح أن بداية فترة سن البلوغ يمكن أن تؤدي الى تفاقم الشعور بالوحدة، ففي هذه المرحلة يمكن للعوامل الخارجية مثل تغيير المسكن والتقدم الوظيفي والاستقرار مع شريك أن تصعّب علينا الحفاظ على الأصدقاء. ولكن يبدو أننا لم نعرف كلياً عن تكوين صداقات جديدة، فقد قال ما يقارب من نصف جيل الألفية الذين شملهم استطلاع YouGov أنهم تعرفوا على صديق في العمل في الأشهر الستة الماضية، وقال 76% إنهم تمكنوا من تكوين صديق واحد على الأقل في العمل أو في مجتمعهم المحلي. كما أن كثيراً منا لا يزال يتمسك بأصدقاء الطفولة، حيث قال ستة من كل عشرة أمريكيين شملهم الاستطلاع أنهم مازالوا على اتصال بصديق واحد على الأقل من المدرسة، ولا يزال 34% منه أصدقاء مع أشخاص التقوا بهم في الجامعة. لكن بالرغم من ذلك تبقى الأخبار محبطة وإن كان هناك شيء واحد جيد توصل اليه البحث فهو إننا جميعاً بحاجة الى تسجيل الخروج من انستغرام ورؤية بعضنا في الحياة الحقيقية أكثر مما نفعل في الوقت الحالي. [https://www.vice.com]

جيل “الأنا”، يُصطلح عليه بـ (جيل الألفية – (Millennials أو (جيل واي – Generation Y)، يضمّ المولودين بين سنة 1981 و2000، الذين تتراوح أعمارهم حاليًا بين العشرينيات والثلاثينيات. تمتزج طفولتهم بأوائل ألعاب الفيديو وحواسيب المكتب من جهة، وباللعب خارج البيت من جهةٍ ثانية، ما يجعل في ذكرياتهم البعض من التواصل مع التكنولوجيا بالإضافة إلى الجري في أزقة الحيّ، وهو ما يُعدُّ نادرًا نتيجةً لازدياد المخاطر في يومنا هذا. خلق هذا الجيل ثورةً على مستوى مكان العمل، غيَّر مفهوم الزواج، وكافح بقوةٍ من أجل المساواة الاجتماعية، ومع ذلك، لم تخلُ حياته من السلبيات.

جيل الألفية في مكان العمل: لم العمل بدوامٍ كاملٍ من التاسعة صباحًا إلى الخامسة مساءً بينما يمكنك العمل بذكاءٍ بدلًا من العمل بجهد؟ ظهر مع أبناء هذا الجيل مفهوم العمل عن بُعد من مقهى أو حتى من المنزل، وحتى فيما يخصّ زي العمل، أصبحت لديهم بدائل للبدلة وربطة العنق، ولجأوا إلى ملابس عادية غير رسمية نوعًا ما.

ظهر التواصل الإلكتروني بدايةً في أماكن العمل، ثم تطوّر ليغيّر طبيعة العلاقات الاجتماعية تمامًا بظهور مواقع التواصل الاجتماعي كـ الفيسبوك، وسناب جات، وانستغرام، ومواقع المواعدة الشهيرة. يفضّل أبناء هذا الجيل ربط عدة علاقاتٍ في العالم الإلكتروني على حساب العالم الواقعيّ، بسبب فعاليتها وإمكانية التواصل مع عددٍ أكثر من أماكن مختلفة. ورغم كونهم أكثر وعيًا وابتكارًا، إلا أن اندفاعهم تجاه التكنولوجيا على حساب الواقع فيما يخصّ العلاقات الاجتماعية جعلهم عرضةً لاضطراباتٍ عاطفية ونفسية، كالقلق، والاكتئاب، ونقصٍ حادٍّ في آليات التواصل.

الحب والزواج والأبناء: مع أنَّ هذا الجيل يعيش في زمنٍ يتّسم بالسرعة وتعدد المهام والتكنولوجيا، إلا أنه متهاملٌ بشدة فيما يخص الزواج والأبناء. إذ يؤخّر أبناؤه الزواج وإنجاب الأطفال حتى يتمّوا دراستهم، ويكوّنوا ذواتهم، ويوفروا ما يكفي من المال للشعور بالأمان من تلك الناحية.

جاء في مقالةٍ لصحيفة (The Atlantic): لم يتجاوز معدّل سن الزواج لدى الرجال في عام 1960 الثالثة والعشرين بينما تعدّى العشرين بقليلٍ لدى النساء. حسب معطياتٍ لدراسة أنجزها مركز بيو للأبحاث  Pew Research centre    ارتفع بحلول عام 2011 سن الزواج إلى التاسعة والعشرين لدى الذكور، وما يفوق السادسة والعشرين لدى الإناث. بلغت نسبة البالغين المتزوجين الذين تتراوح أعمارهم بين الثامنة عشرة والتاسعة والعشرين سنة 1960 59%، بينما لا تتجاوز حاليًا الـ 20%

الصحة النفسية لدي جيل الألفية: تقول (جين توينج)، أستاذة علم النفس بجامعة سان دييغو، في كتابها عن الشباب الأمريكي (جيل الأنا: لم شباب أمريكا اليوم أكثر ثقة بالنفس، جزمًا، استحقاقًا وأكثر كآبةً من ذي قبل؟): “إنَّ الاكتئاب والوحدة ونوبات الهلع تكون أكثر شيوعًا اليوم لدى الشباب في العشرينيات من أعمارهم أكثر من ذي قبل”. يكون التوتر والقلق وليدين للضغوط العالية للنجاح رغم المنافسة الشرسة في هذا الجيل. ومع كل التقدم التكنولوجي، والتعليم الخاص، والاختبارات، والحاجة إلى السفر، بالإضافة إلى السعي وراء الاستقلال الذاتي، ليس من الغرابة أن ترتفع مستويات التوتر لدى هذا الجيل، فقد عايش أبناؤه خلال فترة دراستهم ظاهرة التنمر والعنف المدرسي وما لهما من آثارٍ جسدية ونفسية. أصبحت أجهزتنا الكهربائية جزءًا لا يتجزأ منا، يفقد البعض قدرته على التعامل مع أبسط المواقف دون هاتفه المحمول، وهذه في حدِّ ذاتها حقيقة مقلقة. حسب دراسة لجامعة بايلور في مدينة واكو – ولاية تكساس، تقضي الطالبات ما معدّله عشر ساعات يوميًا على هواتفهنّ، بينما يقضي الذكور ثماني ساعات، وحسب نفس الدراسة، يؤثر هذا الإدمان على المستوى وبالتالي على المسار الدراسي للطلبة. [https://www.ibelieveinsci.com] تشير دراسة جديدة من جمعية “بلو كروس بلو شيلد” إلى أن جيل الألفية قد يعاني من مشاكل صحية مع التقدم في السن. وفي تقريرها الذي نشره موقع “هيلث لاين”، قالت الكاتبة كاثي كاساتا إنه على الرغم من أن جيل الألفية يتمتع بتخصيص الحكومات لاستثمارات أكبر في مجال الصحة مقارنة بالأجيال السابقة، تفيد النتائج التي توصلت إليها جمعية “بلو كروس بلو شيلد” إلى أن صحة هذا الجيل ستكون متدهورة مع التقدم في السن. وتعرف الحالات الصحية الآتي ذكرها على أنها أكثر 10 حالات تؤثر سلبا على جيل الألفية:

أ – الاكتئاب الحاد.

ب – اضطراب تعاطي المخدرات.

ت – اضطراب معاقرة الخمر.

ث  – ارتفاع ضغط الدم.

ج – فرط النشاط.

ح  – الذُّهان.

خ – داء كرون والتهاب القولون التقرحي.

د – ارتفاع كولسترول الدم.

ذ – اضطراب استهلاك التبغ.

ر – داء السكري من النوع الثاني.

وأفادت الكاتبة بأن جيل الألفية يتأثر بالمشاكل الصحية السلوكية أكثر من الجسدية مع ارتفاع حاد في معدلات الاكتئاب الشديد وفرط النشاط.

وأضافت أن أهم ثلاث مشاكل صحية تصيب جيل الألفية تشمل الاكتئاب الحاد واضطراب تعاطي المخدرات ومعاقرة الكحول. وتقول أستاذة علم النفس بجامعة أديلفي (ديبورا سيراني)، وهي مؤلفة كتاب “العيش مع الاكتئاب”، إن ظهور هذه المشاكل بين جيل الألفية لا يعتبر أمرا مفاجئا بالنسبة لها، إذ تعتقد أن ظروف نشأة جيل الألفية التالية هي عوامل مساهمة في هذا الأمر، وهي:

التقدم التكنولوجي: يعد جيل الألفية الجيل الأول الذي يكبر دون إيلاء الأهمية إلى الاتصال المباشر، أو إدراك معنى أن يبرع في قراءة تعابير وجه الآخرين، أو الوعي بأهمية العواطف سواء بالنسبة لهم أو لدى الآخرين. وتقول سيراني إن “هذا النقص في الوعي العاطفي أو ما يعرف باللامفرداتية يجعل من الصعب على هذا الجيل فهم أفكاره ومشاعره”.

طفرة وسائل الإعلام: تؤكد سيراني أن الطفرة الإعلامية على شبكة الإنترنت خلقت دورة أخبار تستمر على مدار 24 ساعة، مما يسمح لأطفال جيل الألفية بالاطلاع على بعض الأخبار المخيفة. كما أضافت “أصبحت قصص الإرهاب والكوارث الطبيعية أو المصائب التي لم تكن موجودة منذ أجيال، متاحة الآن على مدار الساعة”. يضاف إلى ذلك سيطرة مشاعر العجز واليأس والخوف التي ترافق هذه الأحداث على عالم جيل الألفية إما من خلال مشاهدة قصص مماثلة بأنفسهم، وإما من خلال ردود الفعل التي يبديها البالغون في دائرة عائلاتهم والتي تؤثر عليهم بشكل مباشر.

عقلية الفوز الدائم: تقول سيراني إنه بدلا من تعلم كيفية الفوز أو الهزيمة، يفضل جيل الألفية البقاء في “منطقة الأمان” أين يحصل الجميع على ما يريد، مما يعيق منحنى التعلم الطبيعي الذي يقتضي التعامل مع الفشل واكتساب المرونة. ونتيجة لذلك، يواجه العديد من جيل الألفية صعوبة في تحمل الأحداث المجهدة، كما يصاب بالإحباط بسهولة ويتجنب الإفراط في المطالب حتى يتفادى الشعور بالإرهاق”.

العيش داخل أسرة ذات مصدريْ دخل: بينما بدأ عدد أكبر من الآباء والأمهات في العمل من أجل تلبية متطلباتهم المادية، تقول سيراني إن جيل الألفية شهد تغييرا لم تشهده الأجيال السابقة و “إن عدم تخصيص الوقت للأوقات العائلية على غرار التي كانت لدى الأجيال السابقة، بما في ذلك وقت العشاء وأوقات الفراغ في عطلة نهاية الأسبوع، خلق عالما انفراديًا بالنسبة لجيل الألفية وتسبب في حبسهم داخل فقاعة من العزلة”.

جداول العمل غير المحددة: في حين أن الأفراد الأكبر سنا من جيل الألفية يتمتعون بفرصة العمل في وظائف لا تفرض جداول زمنية محددة ويُسمح لهم بالعمل عن بعد، توضّح سيراني أن الجانب السلبي في هذا الأمر يكمن في العمل خلال عطلات نهاية الأسبوع وخلال أيام الإجازة. وعلى هذا النحو، لا يملك هذا الجيل وقتا للترفيه عن أنفسهم والتخلص من الضغوط، وهي عوامل تزيد من خطر الإصابة بالأمراض الجسدية والنفسية.

كيف يمكن لجيل الألفية مساعدة أنفسهم؟ يقول الدكتور (فينسنت نيلسون) نائب رئيس الشؤون الطبية في “بلو كروس بلو شيلد” إن أفضل خطوة يمكن لجيل الألفية اتخاذها من أجل الحفاظ على صحته هي اتخاذ تدابير وقائية حتى يتلقوا التشخيص والعلاج المناسبين قبل أن يتفاقم المشكل ويصبح خارج السيطرة. ومع ذلك، كشف استطلاع قامت به “بلو كروس بلو شيلد” أن ثلث جيل الألفية لا يتلقى رعاية أولية أو وقائية منتظمة. علاوة على ذلك، يزور معظم جيل الألفية الطبيب فقط عند المرض. حيال هذا الشأن، قال (نيلسون) “الأمر لا يقتصر على التأثير على حالاتهم الصحية بشكل مباشر فحسب، إنما على صحتهم على المدى الطويل، وذلك من خلال عدم السعي للحصول على الرعاية الوقائية”. وشدّد على ضرورة استشارة طبيب الرعاية الصحية الأولية، الذي من شأنه أن يعالج العديد من الحالات المرضية بشكل أكثر فاعلية وبتكلفة مناسبة. وفي سياق متصل، أشارت سيراني إلى أن أكبر عائق يقف أمام جيل الألفية هو تحمل تكاليف العلاج النفسي، كما شجعت أيضا على ممارسة الرعاية الذاتية التي تعتبر سلوكا مكتسبا ولا تحدث بصفة مفاجئة. وقالت “يجب أن يركز جيل الألفية على دمج مهارات الرعاية الذاتية مثل العقلانية والأكل الجيد والنوم الصحي وممارسة الرياضة ليس على المدى القصير فحسب، وإنما كالتزام طويل المدى”. علاوةً على ذلك، توصي (سيراني) بالتقليل من استخدام الأجهزة التكنولوجية وتقليل ساعات العمل وتقليص زمن تصفح مواقع التواصل الاجتماعي واستبدالها بالتواصل بشكل مباشر مع الآخرين، إلى جانب أشكال أخرى من الرعاية الذاتية. وأضاف (أفيري) أن جيل الألفية يمكن أن يساهم في تقليل من وصمة العار المرتبطة بالأمراض النفسية من خلال إيلاء أهمية لصحتهم النفسية واللجوء للحصول على المساعدة حين لا يشعرون بأنهم في حالة جيدة أو عندما يشعرون بتوتر وإجهاد. وأفاد (أفيري) بأنه لا يوجد أحد بمنأى عن الأمراض النفسية واضطراب تعاطي المخدرات، وينبغي على هذا الجيل أن يدرك علامات وأعراض هذه الاضطرابات. وقال (نيلسون) “خلصت الدراسة التي أجرتها جمعية (بلو كروس بلو شيلد) حول الاكتئاب إلى أن الحالة يمكن أن تسلب الأشخاص ما يتجاوز التسع سنوات من حياتهم، لذلك من الضروري تخصيص البحوث والموارد المناسبة للتوصل إلى علاجات جديدة في الوقت الذي يقع فيه تشخيص المزيد من جيل الألفية بهذه الحالة وغيرها من الحالات الصحية النفسية”.

من جهة أخرى، أوضحت (سيراني) أنه من بين جيل الألفية الذين يبحثون عن علاج نفسي، هناك من يرغب في الحصول على علاج سريع ولا يبدون أي اهتمام بالتوصل إلى جذور المشكلة التي يعانون منها على عكس الأجيال السابقة. لذلك من المهم أن يكون المعالجون في مجال الصحة النفسية على دراية بطرق تفكيرهم، وأن يحاولوا مساعدتهم على الحصول على العلاج النفسي في مدة قصيرة، والمضي قدما في حياتهم. [https://www.aljazeera.net]

دائماً ما نشجع مَن يتعرضون لمشكلات في مجال العمل على التحلي بالمرونة والصلابة، ولكن هذه النصيحة ربما لا تمثل سوى مصدر آخر للضغوط والتوتر.

وقد تناولت الكاتبة والصحفية (آن هيلين بيتيرسن)، في مقال حظي بشعبية كبيرة نشره موقع “بزفيد” الإلكتروني الأمريكي، الكيفية التي أصبح بها مَن يعرفون بـ”جيل الألفية” ينتمون إلى “الجيل الذي يعاني من الإنهاك والإرهاق على المستويين الذهني والبدني”. وتحدثت (بيتيرسن) عن العواقب الوخيمة المترتبة على الإصابة بذلك، وتناولت بالتعريف حالة باسم “العجز عن أداء المهام” يصاب بها المرء، وهي حالة تدفع الإنسان إلى بذل جهد كبير لأداء مهامه وواجباته حتى وإن كانت معتادة وبسيطة. وتترسخ كثير من العوامل التي تسهم في وصول المرء إلى هذه المرحلة في وظائف تتسم بالتحديات، فضلا عن الظروف الاقتصادية التي تواجه أبناء جيل الألفية، بحسب (بيتيرسن). كما تحدثت الكاتبة عما وصفته بـ”تدخل الآباء والأمهات بشكل مكثف”، كعامل يسهم في حدوث المشكلة، نظراً لأن من ينتمون لجيل الألفية يخضعون لعمليات تدريب قاسية وإعداد لاقتحام سوق العمل.

لذا ترسخت في أذهان أبناء هذا الجيل فكرة الحاجة المستمرة للعمل أو الانهماك في أنشطة بغية الارتقاء بمهاراتهم الشخصية.

التشابه مع مشكلة “الإنهاك في العمل: وتوجد أوجه شبه كثيرة بين الإنهاك الذي يعاني منه “جيل الألفية”، والنمط التقليدي للحالة التي تعرف بـ”الإنهاك والإرهاق جراء العمل”. ويحدث هذا الشعور نتيجة الإجهاد والتوتر اللذان يستمران لمدة طويلة، وهو شعور يبرز من خلاله حالة انفصال عن الواقع المحيط، وإنهاك عاطفي، فضلا عن إبداء السخرية اللاذعة وتبني نظرة متشائمة، والإحساس بعدم الفعالية والعجز عن الفعل الإيجابي. وتتمثل العوامل الستة الرئيسية المؤدية للشعور بالإنهاك والإرهاق جراء العمل، في تحمل عبء هائل من المهام، مع عدم التمتع بقدرة كبيرة على التحكم في الأمور المرتبطة بهذه العوامل، والانخراط في عمل غير مرض نفسيا أو محفز ماديا، أو العمل في وظيفة لا يحصل فيها الشخص على حقوقه، والاضطلاع بأعمال تتعارض مع قيمه ومبادئه، فضلا عن الافتقار إلى التواصل الاجتماعي في مكان العمل. ومن بين أكثر الأشخاص عرضة للإحساس بهذا الشعور أولئك الذين يضطرون إلى التنقل بين بيئات معقدة ومتفاوتة، وأحيانا معادية. وإن كان أبناء “جيل الألفية” يعانون من تلك الحالة بمستويات مرتفعة، فيما يبدو، فربما يشير ذلك إلى أنهم يواجهون بيئات أكثر تعقيدا مليئة بمشكلات مقارنة ببيئات أخرى. وعلى الرغم من أن العوامل السابقة هي نفسها التي تصيب الجميع على الأرجح، سواء من “جيل الألفية” أو غيرهم، وهي الإجهاد والإنهاك، فإن الفارق يتمثل في أنها تحدث لأبناء هذا الجيل بطرق جديدة وغير متوقعة وبمقدارٍ أكبر بكثير، ولم نكن نهتم بها. فكلنا يعلم، على سبيل المثال، أن ممارسة النمط التقليدي الذي يُعرف بـ”المقارنة الاجتماعية” – أي تقييم المرء لذاته وقدراته عبر مقارنة نفسه بآخرين – تلعب دوراً في الشعور بالإنهاك في مجال العمل. وتتزايد حدة التنافس الاجتماعي والمقارنة بالآخرين باستمرار بين أبناء “جيل الألفية”، بسبب شبكة الإنترنت، كما تبين بالفعل أن الانخراط في هذا الأمر، يرتبط بظهور أعراض الاكتئاب لدى الشباب. كما أن تجنب استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لا يحميك من هذه المشكلة، إذ قد يؤدي استخدام التكنولوجيا والاتصال بشبكة الإنترنت إلى حدوث إنهاك بدني وذهني، فيما تربط الدراسة بين الاستخدام المفرط للإنترنت والشعور بالإنهاك. ولا يعدو ما سبق سوى بعض الجوانب التي يتعرض من خلالها “جيل الألفية” – على نحوٍ متزايد – للضغوطات نفسها التي نعلم أنها تؤثر سلبياً على الأشخاص في بيئة العمل. بيد أننا لا نعلم سوى القليل للغاية عن الكيفية التي يعاني بها أبناء هذا الجيل من الإرهاق والإنهاك. إذ أن الدراسات المبكرة التي أُجريت في هذا المجال، أشارت إلى وجود تفاوت بين الأجيال في هذا الصدد. فعلى وجه التحديد، يتعامل “جيل الألفية” مع الإنهاك العاطفي – وهو في الغالب المرحلة الأولى من “الإنهاك والإرهاق البدني والذهني” – بطريقة تختلف عن طريقة أبناء جيل “الطفرة الإنجابية”، وهم مواليد الفترة بين عامي 1946 و1964. فحينما يشعر أبناء “جيل الألفية” بالإنهاك العاطفي، يكونون أكثر ميلاً للإحساس بالاستياء وعدم الرضا والرغبة في ترك وظائفهم، بشكل أكبر من المنتمين لجيل “الطفرة الإنجابية”. وأظهرت الدراسات التي أُجريت بشأن ذلك أن الضغوطات والبيئات التي تتسم بالتعقيد مُتضافرة مع رفع سقف التوقعات والطموحات، وتفضي جميعها إلى تهيئة الظروف التي تؤدي إلى الإحساس بالإجهاد الشديد. من هذا المنطلق، يزداد خطر معاناة من يحرصون على أداء المهام بإتقان وكمال، لاسيما من ينتقدون أنفسهم دائما بشأن أدائهم، بهذا النوع من الإنهاك. فهؤلاء تحديداً – وبطبيعة الحال – يعملون بجِد لتجنب الفشل، وهو ما يجعلهم عرضة بشكل أكبر لهذه الحالة.

التحلي بالمرونة: ومن بين الأساليب المتبعة مؤخراً لمواجهة مشكلة المعاناة من هذا الشعور في بيئة العمل، تدريب العاملين على التحلي بمزيد من المرونة والقدرة على مواجهة الضغوط. ويرتكز هذا التوجه على افتراض يقول إنه بمقدور الأشخاص ذوي الكفاءة العالية تحسين ممارساتهم في مكان العمل لتجنب السقوط ضحيةً للشعور بالإنهاك البدني والذهني. وعلى الرغم من ذلك، كما ذُكر مؤخراً في افتتاحية نُشِرَت في دورية “المجلة الطبية البريطانية”، المعروفة اختصاراً باسم “بي إم جيه”، فإن مخاطر الإصابة بتلك الحالة، تزيد على الأرجح لدى من يتميزون بكفاءة عالية، ويتمتعون بالصحة النفسية، ويبدو أنهم يتسمون بالمرونة والقدرة على مواجهة الضغوط. ورغم أن هذا الأمر يبدو بديهياً، أظهرت واحدةً من أولى الدراسات التي أُجريت بشأن مواجهة تلك الحالة من الإجهاد الذهني والبدني في أماكن العمل، أن مخاطر مواجهة هذه المشكلة كانت أكبر بين العاملين الأقل قلقاً والأكثر سعادة وقدرة على امتصاص الضغوط التي يتعرضون لها، مُقارنةً بمن كانوا ضمن مجموعة أخرى لا يتحلى أفرادها بهذه السمات. وشملت هذه الدراسة – التي لا يتذكرها كثيرون – عينةً مؤلفةً من أكثر من 400 من مراقبي الحركة الجوية في الولايات المتحدة خلال سبعينيات القرن الماضي، وتابعت حالاتهم لمدة ثلاث سنوات. وخدم غالبية أفراد العينة – بالأحرى 99 في المئة منهم – في الجيش الأمريكي، مما يجعلنا نتوقع أنهم مروا من قبل بمواقف شهدت توترات وإجهادا شديديْن، ما أكسبهم على الأرجح قدرةً على الصمود في وجه مثل هذه المواقف. وتظهر نتائج هذه الدراسة بعض الظروف والحالات، التي أدت إلى أن يصيب الإنهاك الذهني والبدني هذه المجموعة، التي يبدو أفرادها قادرين على أداء وظائفهم ومواجهة المصاعب والأنواء. وأدت استعانتهم بتقنيات جديدة على تعقيد عملهم، دون منحهم التدريب الضروري لتمكينهم من الانتفاع بهذه التقنيات. كما كانت نوبات عملهم طويلة ولا توجد فيها فترات للراحة، فضلا عن تردي أوضاع بيئات العمل. كما كانت مواعيد هذه النوبات والجداول الخاصة بتحديد كيفية توزيعها مفعمة بالمشكلات والتحديات، بل ويمكن أن تكون غير متوقعة في الوقت نفسه.

وتبدو هذه السمات والخصائص والعوامل مألوفة بقدرٍ كبيرٍ على الأرجح بالنسبة لأبناء “جيل الألفية”، وكل من يعملون تحت مظلة نظامٍ اقتصاديٍ يتصف بأن عقود العمل فيه مؤقتة أو قصيرة الأجل.

تأثير معاكس: إن التركيز في الآونة الأخيرة على تدريب العاملين على تجنب الإصابة بهذه الحالة من الإجهاد من خلال تشجيعهم على التحلي بقدرٍ أكبر من المرونة والقابلية للصمود، سيتحول على الأرجح إلى مصدرٍ آخر للإجهاد والتوتر والضغط، أو إلى هدف مثالي ربما سيتعذر على البعض تحقيقه. وثمة توقعات بأن ذلك سيؤدي إلى تفاقم خطر وقوع المرء فريسةً للإنهاك والإرهاق وليس العكس، خاصةً بالنسبة للأشخاص الذين ينشدون الكمال ويوجهون انتقادات لاذعة لأنفسهم لكي يتسنى لهم دائما البقاء على المسار الصحيح. من جهة أخرى، فإن أهمية المُثل التي نؤمن بها ورؤيتنا لما نحن عليه الآن وما ينبغي أن نكون عليه في المستقبل، قد تكشف لنا السبب في ما يحدث من أضرارٍ ناجمة عن قولنا إن أبناء “جيل الألفية” يعانون من شعور متضخم بالتفرد والتميز، وإحساس غير مبرر بالجدارة والاستحقاق، وأنهم غير قادرين على التعامل مع الرؤى المعارضة لآرائهم، ويحسون بالإهانة لأدنى سبب. وعلى نحوٍ مشابه، ربما يؤدي أي تدخلٍ مكثفٍ من جانب الأب أو الأم من أجل محاولة جعل طفلهما قادراً على الصمود في مواجهة المشكلات والتعامل معها بمرونة، إلى نتائج عكسية. وقد يكون السبب في ذلك أن الرسائل الأساسية التي ينطوي عليها هذا التدخل، تتعلق في واقع الأمر بفرض السيطرة الاجتماعية، وجعل الطفل يتصرف وفقاً للعادات والأعراف السائدة، وهو ما سيؤدي غالباً إلى التأثير على تشكيل مُثله الداخلية والخارجية في المستقبل أو المساعدة على تشكيلها. ويمكن القول إن ما يمكننا تعلمه من السمات الخاصة بحالة الإنهاك البدني والذهني وأنماطها والتوجهات السائدة بشأنها، يتمثل في أن العمل الآن أصبح أكثر صعوبةً وتعقيداً بشكل هائل وعلى نحوٍ متسارع. ويؤدي ذلك إلى ارتفاع مستويات المعاناة من هذه الحالة في الكثير من المجالات المهنية، وكذلك بين من يعملون في ما يُعرف بـ”الاقتصاد غير الرسمي” مثل مقدمي خدمات الرعاية الصحية. ومن المرجح أن تحدث هذه المستويات المرتفعة كذلك في أوساط “جيل الألفية”. ويتمثل السبيل الأمثل لمواجهة هذه المشكلة في إضفاء طابعٍ أكثر بساطة ويسراً على البيئات المعقدة والمتناقضة والعدائية التي نعيش ونعمل فيها، بدلاً من أن نُلقي على عاتقنا عبء مهمة جديدة، تتمثل في أن نُدرب أنفسنا على أن نصبح أكثر قدرة على التكيف مع هذه البيئات، وصموداً في وجه ما تحفل به من مشكلات. [https://www.bbc.com]

ومن نافلة القول ان مشاكل شباب الالفية لا تخترق القانون ولا الضوابط الاجتماعية العرفية ولا تتحدى السلطة السياسية وهذا ما يقلل من كثافة المشاكل الاجتماعية لدى شباب الالفية.

 

الفصل الثالث

ثقافة الشباب Youth Culture

 

استهلال

أ – الثقافة الفرعية للشباب

ب – جيل البيت (جيل الإيقاع)

ت – حركة الهيبيز

ث – ثقافة الانترنت عند الشباب

ج – ثقافة الشباب وتحديات الانترنت… من يؤثر على من؟

 

الفصل الثالث

ثقافة الشباب Youth Culture

 

استهلال

تعني “الثقافة الفرعية” Subculture رباط معياري وقيمي يربط مجموعة أفراد تنشئوا عليها في أسرهم وجماعتهم المحلية تكون مختلفة عن معايير وقيم الثقافة العامة للمجتمع العام الذي يعيشوا في وسطه. تبرز آثارها على سلوكهم في التعامل مع الأخرين المختلفين معهم ثقافياً. أما أبنائها فهم مجموعة من الأفراد المشتركين بسمات مميزة في معتقداتهم وقيمهم ومعاييرهم التي تدفعهم للتصرف بسلوك مختلف عن الثقافة المهيمنة والغالبة. إنها سمات مميزة تتواجد عند الجماعات العرقية والدينية والإقليمية والعمرية التي عند الجماعات العرقية والدينية والإقليمية والعمرية التي تعيش على هامش حدود المجتمع الكبير – الغالب والمهيمن. لا جناح من الإشارة الى احتمال اشتراك الفرد بأكثر من ثقافة فرعية واحدة في المجتمع الواحد مثل الثقافة الأقلية الطائفية – الدينية وأقلية عرقية وجماعة عمرية (رفاقية) في ذات الوقت. يعني هذا انه غير مندمج في المجتمع العام بالكامل ولا حامل معايير وقيم الثقافة الغالبة – المهيمنة. وهناك حالة أخرى تواجه الثقافة الفرعية وهي انها تتحول الى ثقافة مضادة Counter Culture وبالذات عندما تكون الثقافة الفرعية حيوية ونشطة في معارضتها لعناصر الثقافة الغالبة – المهيمنة فتكون جماعتها رافضة بقوة لمعايير وقيم المجتمع المهيمن باحثة عن أنماط عيش بديلة أخرى لها الحق في اختيارها. في الواقع ان الشباب غالباً ما يشتركوا مع جماعات ذات ثقافات مضادة وذلك راجع الى كونهم أقل نفعاً ومنفعةً من الثقافة القائمة (الغالبة) مثل (النازيون الجدد في المانيا وكوكلاكس كلان في أمريكا والمليشيات الطائفية والحزبية وجماعة القاعدة الإرهابية وجماعة داعش الإرهابية والشواذ جنسياً والهبيز والخنافس في أوروبا وامريكا). ومن أجل استجلاء أكثر عما تقدم نقول بإن الثقافة الفرعية لا تتبلور خرافاً أو عفوية بل بسبب التخلص من ضغوط صارمة على حرية مجموعة من الناس لا يستطيعوا التعبير عن هويتهم وحيوية تفكيرهم وطموحهم وممارسة دورهم في الحياة العامة دون أن يتم زجهم في صراعات ليس لهم دخل فيها عندئذً يدلفوا نحو الخروج عن معايير وقيم ومعتقدات الثقافة الغالبة والمهيمنة وإرساء معايير وقيم خاصة بهم مستقلة عن الغالبة ومخالفة لها هذا عند جيل الشباب الناشئ، لكن هناك ثقافات فرعية عرقية وطائفية أو مناطقية لها رباطها القيمي سلفاً لا تريد ذوبانها في بودقة الثقافة الغالبة فتكون أشبه بجزيرة ثقافية في محيط المجتمع المهيمن العام. أخيراً أقول لا يوجد مجتمع إنساني خالي من الثقافات الفرعية لأنه لا يوجد مجتمع متألف من جنس واحد أو عرق واحد أو دين واحد وعمر واحد، لذا لا يوجد نمط عيش واحد بل متنوع وكلما تقدم المجتمع في تطوره العلمي والثقافي تنوعت ثقافاته الفرعية وبرزت ثقافة مضادة… وهكذا.

أ – الثقافة الفرعية للشباب

إنها ثقافة فرعية تتضمن قواعد ومعايير وقيم سلوكية وفكرية لشريحة عمرية تبلورت من خلال صراعها مع الثقافة العامة السائدة في المجتمع والمهيمنة عليه كوّنها الشباب لخدمة حاجاتهم وآمالهم وطموحاتهم التي لا تحققها لهم ثقافة المجتمع العامة. تتمسك بها الجماعة العمرية peer group لأنها تحقق لهم مصالحهم واحلامهم التي لا تحققها أسرهم ولا مدرستهم فتحّل محل الأسرة في تنشئتهم. لا يميل أفرادها لتحمل المسؤولية الاجتماعية أو الأسرية بل متحرين منها يبحثوا عن استقلالهم وحريتهم منها مركزين على لهوهم ومرحهم وسعادتهم ولذتهم ونشوزهم وعنادهم وعصيانهم وتمردهم وقلقهم معبرين عن هذه التصرفات على نوع لباسهم ومظهرهم الخارجي ولهجتهم ولغتهم ونزعتهم المتماهية مع جماعتهم الرفقية المعارضة لثقافة الكبار مكونين بذلك فجوة جيلية generation gap أكثر من تكوينهم لصراع الأجيال، لا يميلوا للدراسة المنتظمة بل للعب واللهو فيكون الاخفاق في دراستهم مصيرهم والجنوح في سلوكهم. فتكون حياتهم أشبه بحياة “البويهمين” قليلي الخبرة في الحياة وغير ناضجين فيتم وصمهم بوصمات سلبية من قبل الكبار مثل أنهم جيل طائش وعابث ومتحلل من الضوابط التقليدية المحافظة والموروثة. نجد هذه السلوكية عند الطبقة الدنيا – الفقيرة، وتكون الوصمة المعروفة عنهم بإنهم متمردين على الجيل الأكبر منهم سناً ومتحدّين الثقافة العامة. لهم وسائل لهوهم الخاصة بهم في الموسيقى والغناء والملبس والمأكل والمشرب والخروج عن المألوف والشائع يبحثون عن حيرتهم وكسر قيود ثقافة مجتمعهم واستقرارهم وتفردهم بقراراتهم. تبرز هذه الثقافة بشكل واضح في المجتمعات الحضرية والصناعية والمعلوماتية ذات التغير والتطور السريع وليس في المجتمعات الريفية والتقليدية والطائفية والاقطاعية لأنهم يخضعوا لتنشئة أسرية وثقافية بطريقية – ذكورية في ضوابطها العرفية ويكونوا متماهين ومتماثلين مع الثقافة العامة والشعبية لا يوجد عندهم صراع الأجيال ولا توجد ايضاً فجوة الأجيال، غير متمردين ولا متحدّين لثقافة ابائهم وأجدادهم، غير قلقين ومضطربين في حياتهم الخاصة لأنهم يسيروا على ما سار عليه ابائهم وأجدادهم في سلوكهم وتفكيرهم وعملهم وعلائقهم وزيهم ولغتهم وأدبهم يتفاعلون مع تراثهم الموروث أكثر من تفاعلهم مع مستجدات العصر والابتكارات التكنولوجية الحديثة مكرسين بذلك المعايير المحافظة والتقليدية لأنهم يجدوا الحماية النفسية والرعاية المجتمعية والزهو الثقافي فيها. لا يميلوا للاستقلال والتحرر الشخصي يتحملون مسؤولية أسرهم لا يجنحوا عن تعاليم ثقافة مجتمعهم ويتصفوا بممارسة هوايات محدودة واللهو الجماعي والتمييز بالدراسة والعمل وتحمل المسؤولية المهنية والأسرية. فلا تكن لديهم ثقافة فرعية خاصة بم يقيموا وزناً كبيراً للأعراف والقواعد والقيم الاجتماعية، لا يميلوا للتطرف والتشرد على عكس الشباب في المجتمعات الحضرية والصناعية والمعلوماتية التي يكونوا متطرفين في معاييرهم وسلوكهم ومتمردين عليها ومتشردين أشبه بالدهماء لا يقيموا وزناً للأعراف والتقاليد التي تحملها ثقافة المجتمع بل يبلوروا معايير مغايرة لها تخدم وتحقق هوايتهم وتمردهم فيكون عندهم ذوق مختلف ومزاج معترض وقرارات خاصة وأفكار مختلفة عن التي يحملها الجيل الذي سبقهم وأكثر منهم سناً. إنها ثقافة أوجدتها حركة تغير المجتمع السريعة والابتكارات التقنية وتأثير المؤثرات المادية على الحياة المعاشية مع تأثير وسائل الاعلام التي تعرفهم على ما تعرفه ثقافة مجتمعهم. إضافة الى الاحتكاك الحضاري مع مجتمعات أخرى علاوةً على كون الشباب يحملوا حيوية ونشاط في سلوكهم وتفكيرهم باحثين عن هويتهم الخاصة بهم المدعومة من قبل جماعتهم العمرية التي تحل محل أسرهم في تنشئتهم وتدفعهم نحو الانحراف عن تعاليم أسرهم، كل ذلك يعمل على نشوء ثقافة فرعية خاصة بالشباب. إذ كلما زادت المؤثرات المادية والعلمية وسعت الفجوة بين الشباب ومجتمعهم العام وخلقت لهم مرجعية يرجعوا اليها في تماثلهم معها يستغلها أصحاب المصانع والمعامل والشركات التجارية في صناعة ملابس الشباب الخاصة بهم ويبتكرون فنون موسيقية وغنائية وتشكيلية خاصة بهم وابعادهم عن ثقافتهم التراثية والشعبية لذلك نجد الشباب المعاصر مبتعد عن الأزياء والأذواق التقليدية وهذا ما أدى الى وضع الأزياء والأذواق والفنون التقليدية في المتاحف وليس في الحياة اليومية. هناك نظريات وأحكام شائعة يتناقلها الناس يطلقوها على جيل الشباب مثل أنهم: منتهكين حرمة القانون المعرفي فيكسروه في تصرفاتهم وبالذات في النسق المدرسي، وأنهم غير مبالين وغير ملتزمين بالقواعد الاجتماعية لا يحترموها متحللين منها مثل البويهيمين، كذلك هم متطرفين في نقدهم للأوضاع الاقتصادية والسياسية يتهجمون عليها أكثر مما ينتقدوا ويتهجموا على الحالات الثقافية. هذه الانطباعات الكلاسيكية القديمة مازالت مستمرة في أذهان الناس لغاية يومنا هذا وبالذات عند أبناء الطبقة الوسطى المتألفين من جماعتين (متمردين وبويهيمين) كلاهما ينتقدا هيمنة الطبقة الحاكمة. لكن في أواخر العقد السادس من القرن الماضي اندمج المتمردين مع البويهيمين فشكلوا تياراً واحداً يمثل الجناح اليساري – الثوري مطالبين بإعادة توزيع المصادر المتنفذة مثل المجالس البرلمانية والاتحادات التجارية فكونوا جماعات سياسية متحررة وحركة نسوية تطالب بتحرر المرأة. أنها ليست اتهامات أو وصمات سيئة بل هي سلوكيات وحركات اجتماعية كان الشباب الغربي يقوم بها في بيئته معبراً عن تمرده وتحديه للاستغلال السياسي والاقتصادي لم يقوم بها أبناء الذوات من الشباب ولا أبناء الفقراء بل من أبناء الطبقة المتوسطة غايتها التعبير عن هويتها الشبابية في مجتمعها. هذه الانطباعات – في الواقع – مازالت سائدة عند بعض الناس مثل القول عنهم بأنهم متحللون ومنتهكون لحرمة القانون مركزين نقدهم على استغلال السياسي والاقتصادي الذي تقوم به الطبقة الحاكمة فكونّوا حركة اجتماعية يسارية – ثورية تطالب بزيادة التمثيل في المجالس البرلمانية وتنشيط الحركة النسوية المدافعة عن حقوقها والمطالبة بمساواته في حقوقها مع الرجل. ومن أجل تمحيص ما تقدم نقول كان الشباب الغربي يؤكد على ممارسة الحرية الفردية من خلال تبنيه الفلسفة الوجودية Existentialism عندما كان مترحلاً ومتشرداً لا يقيم وزناً للأعراف والقواعد الاجتماعية أي كان بويهيمياً Bohemianism ثم اكتسب مذهب السريالية Surrealism في الفن والأدب ليعبر عن نشاط عقله الباطني الفاقد للنظام المترابط. يعني انه كان متمرداً على مجتمعه ينشد الحرية الفردية في وجوده ويتنقل من مكان لأخر لا يطيق البقاء في مكان واحد يجنح للترحال وهذا ما يجعله لا يقيم وزناً للأعراف والقواعد الاجتماعية (بويهيمي) أكثر ميلاً للأنشطة العقلية والباطنية (سريالي) لذا قيل عنه بإنه عابث وطائش ومتمرد ومتحدي للضوابط الثقافية التقليدية يريد ان يُعبر عن الاختلاف عما هو مألوف وتقليدي يجمع بين الوجودية والبويهيمية والسريالية (يعني لا منتمي لأي عقيدة معينة ولا مكان مخصص ولا أعراف تقليدية). أقول ثقافته الفرعية تُعبر عن رغبته وإرادته بالتحرر من كل قيود المجتمع العام لكي يحقق ثقافته الفرعية المتميزة عن باقي الثقافات الفرعية. برز هذا الجيل بين صفوف الطلبة الجامعيين في أوروبا وبالذات في باريس فكانت ثقافة الفتيان الفرعية تمزج بين الفلسفة الوجودية والبويهيمية التي أثرت على باقي الحركات الاجتماعية في أوروبا فأفرزت التيار اليساري الحامل للقيم الوجودية والعدمية Nihilism (القائلة بإن القيم والمعتقدات التقليدية لا أساس لها من الصحة، ينكروا المبادئ الأخلاقية). هذا الاتجاه تبناه أبناء الطبقة العليا مركزين على التحليل النفسي ونشاط العقل الباطني داعين للتحرر والانعتاق Libertarian وبخاصة في الفكر والعمل فلبسوا السروال الجينز والقميص السادة الخالي من الرسوم متأثرين بالفردية والتطرف.

ب – جيل البيت (جيل الإيقاع) The beat generation

أي شباب حيوي نابض بالحركة داخل المجتمع ليصل الى الأقليات مثل الزنوج والحركة النسوية والعمال هذا على صعيد اتصالاته، أما على صعيد سلوكه فإنه استخدم المخدرات واللواط والعلاقات الرومانسية واتخاذ مواقف سلبية ومعادية من المؤسسات السياسية وتواجده في الاحياء الفقيرة والموبوءة بالجريمة والتحدث بلغتها الخاصة ودعموا الحركات الاجتماعية في الشعر والموسيقى كخلفية ثقافية لهم. يضم هذا الجيل الفنانين واليساريين والحركيين السياسيين وحملة القيم البويهيمية مثل قيم العفوية والتعبيرية والإبداع المستخدم في الفنون المنزلية ونمط العيش. وهو يرى ان الخنفوس الوجودي hipster يمثل البطل الشعبي لأنه يدعم الطبقة العمالية والزنوج ويخطط في تفكيره وصاحب فطنة ودهاء. أنهم يمثلوا حركة احتجاجية عشوائية لم تكن ضمن استراتيجيات للأحزاب السياسية لكن الأحزاب استغلت هذا النهوض لتصعيد عملها السياسي إنما حركة الهبيز ساهمت بإثارة الرأي العام الأمريكي والعالمي للمطالبة بالسلام ووقف الحرب، أنها حركة احتجاجية ضد القيود والقديم والسياسة وسلطة الدولة، بالغ البعض بالسلوكيات والأفكار مثل الممارسات الجنسية العشوائية وتدخين الحشيشة وتعاطي المخدرات وإطالة الشعور واللحى والنوم بالشوارع والحدائق. تقتصر مفاهيم غالبية الشعوب حول الهيبيز على كونهم مجموعة من الشبّان الذين يدخنون الحشيش بشكل مستمر، لا يكترثون لأي شيء في العالم ولا حتى الاستحمام، يحبون الانطواء والعزلة، ويلبسون ثياب غريبة وفضفاضة ضمن سياراتهم التي تشبه الباصات شديدة التلوين والبهجة مع موسيقى الروك أند رول. لكن حقيقة الهيبيز تتعدى هذا المفهوم بشكل كبير، لتصل إلى كونها إحدى أهم الحركات اليسارية الثورية التي حاربت العنف والنمطية الاجتماعية، وكافحت لأجل الحب والسلام في الأرض. كانت مجموعة “جيل البيت” أساسياً مجموعة من الكتّاب الشباب الذين خاضوا التحولات الاجتماعية الثقافية الغريبة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية في أمريكا، وتعتبر رائدة حركة الهيبيز في فترة الستينات، حيث كانت المجموعة أولى حركات الثقافة المضادّة للتقاليد السائدة، متضمنة حرية تعاطي المخدرات والتحرر الجنسي واستخدام الشتائم أو الإيحاءات الجنسية في كتاباتهم وأعمالهم، فكان الكتّاب والمؤلفون من أمثال ”غينسبرغ“ و”بوروز“ و”كيرواك“ أشهر كتّاب جيل البيت آنذاك، ولطالما كانوا مركز الجدل في المجتمع الأمريكي بسبب غياب الرقابة على كتاباتهم التي تخللتها الكثير من الشتائم والجنس. التقى العديد من كتّاب جيل البيت في جامعة كولومبيا، وانتهوا في مناطق الساحل الغربي كسان فرانسيسكو وبيغ سور. ورغم أن مجموعة جيل البيت كانت حركة أدبية بشكل أساسي، إلّا أنّها عرفت على المدى الواسع كحركة حملت تأثيراً كبيراً على حركة الهيبي المشحونة موسيقياً.

ت – حركة الهبييز

تكونت بشكل مباشر عن العديد من الصراعات التي حدثت في الخمسينيات من القرن الماضي منها: –

– الحرب الكورية 1954

– حرب أمريكا في فيتنام.

تجمع حركة الهيبيز ليس الهرمية الاجتماعية أي لا طبقي وخالي من الاستهلاكية والرأسمالية ووسائل الاعلام الجماهيرية. انها حركة إصلاحية للمجتمعات النمطية ذات التقاليد المتحفظة. فهي حركة احتجاجية تنطوي على ثقافة فرعية لها معاييرها وقواعدها الخاصة بسلوكهم الخاص والمختلف عن العام مثل:

– تدخين الحشيشة بشكل مستمر وعلني.

– عدم الاكتراث بأي شيء في العالم ولا حتى بالاستحمام.

– يحبذون الانطواء والعزلة.

– يلبسون ملابس غريبة وفضفاضة.

– ها نمط موسيقي خاص.

– النفور من الطبقة الوسطى المحكومة بالماديات.

– الاعجاب بعلم التنجيم.

– كسر النمطية الاجتماعية والجندرية.

– تعاطي المخدرات لا من أجل الانفصال عن الواقع بل ليتمكنوا من توسيع وعيهم وابتكار طرق جديدة للتفكير وتكوين علاقات حميمة مع الأخرين.

– ضد التعصب العنصري.

– عدم الارتباط بالسياسة.

أما قيم الثقافة الفرعية لجماعة الهيبيز فهي ما يلي: –

أ – محاربة العنف والنمطية الاجتماعية.

ب – الكفاح من أجل الحب والسلام.

ت – رفض العادات والتقاليد الاجتماعية الأمريكية.

ث – رفض الارشاد الروحي المسيحي واليهودي.

ج – مناصرة حركة البيئة والتنديد بانتهاك الإنسان لها.

ح – متأثرة بثقافات البوهيمية والغجرية والهندية والأسيوية واللاتينية.

وللاطلاع على تفاصيل الثقافة الفرعية لحركة الهيبيز نقدم الشروحات التالية:

ما هي حركة الهيبيز ومن هم أفرادها؟: حركة الهيبيين، هي حركة ثقافية اجتماعية، نشأت أساساً في بداية ستينات القرن الماضي ضمن حرم جامعي رفضاً للعادات والتقاليد السائدة في المجتمع الأمريكي، وسرعان ما تحولت إلى تجمع عالمي ضخم، حيث ازدادت شعبيةً وحجماً على مستوى العديد من المجتمعات لاسيما في كندا وبريطانيا. تعود تسمية الحركة إلى كلمة  Hip، وهي الإيقاع الموسيقي الأشهر في حقبة الخمسينات، أو كما كانت تعني في بداية القرن الماضي “أن تفتح عيون الآخر”، وبحسب وصف أبناء الجاز من الأفارقة الأمريكيين، “المعقّد العصري صاحب الموضة الفريدة”. ولعلّ أبرز من اتّبع هذا النمط الموسيقي آنذاك هما (آلن غينسبرغ) و(جاك كيرواك)، اللذان يعدان أول رائدين لحركة الهيبيز، وفي يومنا الحالي، لا تزال كلمة الهيبي Hippie تستخدم للإشارة إلى الأطراف اليسارية التي تثور على نمطية وتقاليد المجتمع. شَعَرَ الهيبيز بنفور من الطبقة الوسطى في المجتمع، والتي كانت من منظورهم محكومة بالماديّات والكبت والخضوع، فعمدوا إلى ابتكار وتطوير نمط حياة خاص بهم بدءاً من الملابس والطعام وصولاً إلى المبادئ وأساليب الحياة. مال الهيبيز إلى الانسحاب من المجتمع التقليدي، متخلّين عن الوظائف والمهن الاعتيادية، رغم أن عدداً منهم طوّر عمله الخاص الصغير للاهتمام بباقي الهيبيز. ولعلّ أروع ما في حركة الهيبيز هو دعمهم للحب والسلام ومناهضتهم للعنف بكافة أشكاله، متخذّين من عبارة ”مارسوا الحب لا الحرب “شعاراً لهم، كما روّجوا للانفتاح والتسامح كبدائل لتقييد الحريات والأنظمة الصارمة والعسكرية التي شهدوها لدى مجتمعات الطبقة الوسطى، فغالبية القيم التي تمحورت حولها حركة الهيبيز كانت تعتمد على أسس الغيرية والصوفية الباطنية والصدق والسعادة واللاعنف والسلام. مارس الهيبيز غالباً علاقات جنسية مفتوحة، وعاشوا ضمن أنواع مختلفة ومتنوعة كمجموعات عائلية، وبحثوا غالباً عن الإرشاد الروحي من مصادر خارجة عن التقاليد المسيحية واليهودية، خصوصاً البوذية منها والعديد من الديانات الشرقية الأخرى، وجمعوا منها ما يناسبهم لتكوين سلام روحي خاص بهم، وكان العديد منهم نباتياً، حيث دعموا بشكل كبير الحركات البيئية ونددوا بانتهاكات الإنسان ضد الأرض، كما قد عقد أول يوم عالمي للأرض بالتزامن مع حركتهم عام 1970. رغم أن نشوء الحركة ارتبط جزئياً بمعارضة التدخل الأمريكي في حرب فيتنام (1955-1975)، إلّا أن الهيبيز لم يرتبطوا بشكل مباشر بالسياسة، على عكس نظرائهم الناشطين المعروفين باسم الـ(يبيز) ”حزب الشباب العالمي“. كذلك كان علم التنجيم ذا شعبية كبيرة لديهم، حيث أشاروا لتلك الفترة على أنها عصر الدلو (ومن هنا أتت تسمية حفل وودستورك بـ(معرض الدلو: ثلاثة أيام من الحب والسلام). روج الهيبيز للتعاطي، خصوصاً المارجوانا والـLSD، مبررين ذلك على أنه طريقة لتوسيع الوعي والتفكير، فنوع الحشيش الذي كانوا يتعاطونه لم يكن يسبب فقدان للوعي أو هلوسات تسبب الانفصال عن الواقع كما قال مناهضوهم، بل كانت تساعدهم على التركيز والوصول إلى أعمق نقطة في وعيهم. وقد أثّرت كل من موسيقى الروك والفولك في حركة الهيبيز حتى أصبحت جزءاً مكملاً لثقافتهم، فالمغنيين من أمثال (بوب ديلن) و(جوان بيز)، والفرق الموسيقية كـ(البيتلز)، و(غريتفول ديد)، و(جيفرسون إيربلاين)، و(رولينغ ستونز)، كانوا أكثر الذين ارتبطوا بالتعريف مع حركة الهيبيز.

الهيبيز بأزيائهم وفنونهم الفريدة التي كسرت النمطية: اشتهر الهيبيز بأزيائهم التي كسرت النمطية الاجتماعية والجندرية، وصار الذكور والإناث يقومون بإطلاق شعورهم لتصبح طويلة، فكان بإمكانك أن تعرف أفكار ومبادئ الآخرين بالنظر إلى شعورهم، حيث كان طول الشعر دلالة على رفض النمطية وثورة على طريقة تعامل الحكومة مع المجتمع. مال الهيبيز إلى ارتداء الملابس الفضفاضة والمصنوعة من الألياف الطبيعية كالقطن والقنب، وتحاشوا ارتداء الملابس المنمّقة والتي تطلب عناية، لاسيما التجارية منها، وتحولت السراويل الأنيقة والكنزات ذات العنق الطويل إلى بلوز وجينز وتنانير فضفاضة، حيث فضّل الهيبيز أي شيء مصنوع يدوياً سواء محاكاً أو محبوكاً، حتى تحول الأمر إلى صناعة ملابسهم بنفسهم عبر تقنية صباغة الأقمشة المربوطة Tie-Dye لتشكيل الرسمات والتصاميم التي يريدونها. واحتوت إكسسواراتهم وتصاميمهم على شعار السلام وتصاميم الورود والفنون السايكاديلية، والكثير من الألوان بشكل أساسي إشارة للسّلام وإظهاراً للجمال الطبيعي في خضم بشاعة العالم، ولأن الهيبيز كانوا متأثرين جداً بالموسيقى، كانت الفتيات ترتدين قلادات مصنوعة يدوياً تحوي شعار السلام، والعديد من الأجراس التي تصدر أصواتاً مختلفة تبجيلاً لأهمية الموسيقى.ولعلَّ أكثر المواضيع تميزاً في أزياء الهيبيز هي خروجها عن حدود التمييز الجندري، حيث اختار الهيبيز ارتداء الثياب والحلي التي تتطابق مع كلى الجندرين، كالقبعات والنظارات الدائرية قديمة الطراز وعصبات ووشاحات الرأس والصنادل في الأقدام، مع الشعر الطويل واللحية البسيطة للرجال، ومساحيق التجميل الخفيفة أو المعدومة للفتيات، غالباً دون ارتداء الصديريات. ككل، كانوا متأثرين جداً بالأزياء والحضارات البوهيمية الغجرية والهندية و الآسيوية والأمريكية الشمالية واللاتينية، فلقد تغيرت الأزياء مع حلول الستينات وحركة الهيبيز بشكل كبير، حتى أصبح الشباب هم من يختارون ما هو مقبول، ورغم أنها ليست الحركة الشبابية الأولى التي أحدثت تغيراً في مفاهيم الأزياء، إلّا أنها كانت الأكثر تأثيراً حتى الآن.

كما اشتهر الهيبيز بملصقات حفلاتهم السايكاديلية التي تأثرت بنمط الـ”Pop Art“ و”Art Nouveau“ وحركة ”دادا السريالية“. إضافة إلى سيارتهم التي كانت أشهرها ”Volkswagen bus، الممتلئة بالرسومات والتصاميم الهيبية السايكاديلية متنوعة الألوان، والتي كانت رائدة حفلاتهم ورحلاتهم.

زمن التغيير والانطلاق لمحاربة العنف والحرب بالسلام: بالنسبة للعديد من الفئات، تعد حركة الهيبيز الأمريكية نتيجة مباشرة للعديد من الصراعات المحلية والعالمية التي حدثت في الخمسينيات، فالحرب الكورية التي اعتبرها الكثير من الأفراد كارثة ضخمة أطلقت شرارة حقبة ”الشاعرية الرعوية“ الخمسينية، واستمرت حتى تجربة القنابل الهيدروجينية الكارثية عام 1954. وأشهر ما حرّك تجمعات الهيبيز هو حرب فيتنام، استمر صراع أمريكا – فيتنام حولي 20 سنة، ما دفع حركة الهيبيز للانتفاضة ضد التيار الأمريكي السائد، إيقاظاً لوعي المجتمع، حيث أرسلت الحكومة الأمريكية في منتصف الستينات كمية ضخمة من الجنود إلى فيتنام لزعزعة استقرارها وتدمير حكومة فيتنام الشمالية الشيوعية، التي كانت مدعومة من قبل الإتحاد السوفيتي والصين. رغم أن الحرب في فيتنام كانت تحمل طابعاً شعبياً في بدايتها، إلّا أن النزاع الأبدي الذي لم يبدُ أنه سينتهي أثار موجة غضب عارمة لدى الشعب، وذلك لكثرة خسارة الأرواح والسياسية المجنونة المتّبعة في الحرب. بعد مدة قصيرة، قام العديد من الطلاب والجنود القدامى والهيبيز بالتظاهر في كل مكان في أمريكا وحتى مختلف دول العالم، وسرعان ما تغيرت وجهة النظر الوسطية للمجتمع الأمريكي المؤيدة للحرب حول النزاع القائم في فيتنام، ومن هذه الاحتجاجات اشتهرت حركة الهيبيز الأمريكية نتيجة لأثرها الواسع في الاعتصامات والتظاهرات المناهضة لحرب فيتنام، وساعدت على تحديد دورهم في فترة الستينات الصاخبة.

فحوص الأسيد والـLSD  كين كيسي وميري برانكسترز: لعلَّ أشهر المجموعات التي حملت لقب أول مجموعة ضخمة للهيبيز هي مجموعة ”كين كيسي وميري برانكسترز“. عرفت مجموعة كيسي غالباً بأنها الرابط الضخم بين مجموعة جيل البيت في نهايتها، وحركة الهيبيز الأولية الستينية في بدايتها، فكانت مجموعتا كينسي وبرانكسترز تمثلان مجتمعاً مكوناً من أصحاب ”العقل والمزاج المشترك“ في كاليفورنيا وأوريغون، حيث خاض أفراد المجتمع رحلات طرقية فريدة، مسافرين بباصات مدرسية ملونة بألوان مبهجة، ومتعاطيين كميات كبيرة من المخدرات القوية كالـLSD  الذي كان قانونياً حتى عام 1965. سافرت المجموعة إلى كل نواحي أمريكا، واستضافت الحفلات الشهيرة، وقدمت كميات ضخمة من مخدر LSD، وساهمت في تحديد الشكل الخارجي للهيبيز المتمثل بالشعر الطويل والملابس الغريبة الفريدة. أمّا عن مجموعة برانسكترز على وجه التحديد، فإن أشهر الأحداث التي ساهمت في تأسيسها ضمن المجتمع الأمريكي هي حدث فحوص الأسيد، حيث كانت الكثير من المجموعات خلال هذا الحدث تتعمد شرب كميات كبيرة من الـ”Kool-aid“ وهو بودرة تضاف إلى الماء لإعطائها نكهة الفاكهة، ممزوجة بمخدر LSD، لمحاولة خوض رحلات مجتمعية التوجّه، وعرفت مجموعة برانسكترز أيضاً بتجاربها مع عصابة ”Hells Angels“ الشهيرة بأصحابها من روّاد دراجات هارلي دافيدسون، إضافة إلى فرقة الروك الشهيرة The Grateful Dead.

صيف الحب The Summer of Love وأطفال الورود Flower Children

يعد صيف 1967، أو ما يعرف بصيف الحب، واحداً من أشهر وأهم التجمعات الضخمة السياسية والاجتماعية في تاريخ أمريكا الحديث، ففي هذا الصيف، إجتمع أكثر من 100,000 فرد من الكتّاب والمؤلفين والفنّانين والناشطين والحالمين الهيبيز وانتقلوا معاً إلى تقاطع ”هايت – أشبوري“ في سان فرانسيسكو بهدف إنتاج نموذج اجتماعي جديد يختلف عن المجتمع النمطي السائد في أمريكا، ورغم أن العديد من الأشخاص يذكرون صيف الحب مرتكزاً في سان فرانسيسكو فقط، إلّا أن الهيبيز تجمعوا في العديد من المدن الكبيرة في أمريكا، إضافة إلى كندا وأوروبا.

وتأتي أهمية هذا الحدث لكونه مركزاً ثقافياً لحركة الهيبيز حيث كانت ممارسة الحب والاستماع إلى الموسيقى وتعاطي المخدرات والمظاهرات المناهضة للحروب والحياة الشعبية المشتركة هي نمط الحياة الطبيعية. كما أحدثت تلك الفترة نقلة نوعية على المستوى الثقافي لنوع الموسيقى ونمط الملابس وشكل الفن، وصارت الفرق الموسيقية المحلية من أمثالThe Grateful Dead وJefferson Airplane  معروفة باسم ”صوت سان فرانسيسكو“، ونفس الأمر بالنسبة لفناني الـ”الروك – بوستر“، حيث أنتج العديد منهم مثل ”ريك غريفين“، و”ألتون كيلي“، و”فيكتور موسكوزو“ مجموعة فريدة من الأعمال الفنية التي تميزت بخط اليد البسيط والألوان المذبذبة. وعرفت مجموعات الفنانين مثل ”بيل هام“ و”بين فان ميتير“ على أنها ولادة جديدة لفن السايكدليك ”المخدر“ العصري، وبدأ مصممو الأزياء كـ”جين روز“ و”ميكي ميكغوان“ يخرجون عن نمطية الملابس المفروضة في المجتمع الأمريكي، ليصمموا أزياء تحوي مختلف أنواع التقنيات والأنسجة والألوان، كأعمال الجلد والتصاميم الملونة يدوياً، وملابس الحبك والنسيج. ساعدت تلك الفترة أيضاً على إطلاق حركة ”أطفال الورود“ واسعة الانتشار، وفيها قام العديد من الأفراد بارتداء ملابس مزينة بالأزهار ومحتوية على تصاميم وردية، ووضعوا الورود على شعورهم ورؤوسهم، وقاموا بتوزيع الورود كرمز للانتماء الكوني الذي يجمع كافة الفئات من مختلف المناطق، إضافة لنشر الحب والسلام.

وتزامن ذلك الصيف مع الثورة النسوية التي كانت على حافة الانطلاق، فإلى جانب المظاهرات التي نددت بالحروب ودعت إلى إيقافها، قامت النساء بالتظاهر لأجل حقوق المرأة مطالبات بنمط حياة مختلف عمّا كان عليه في الخمسينيات، وتعمّدت العديد منهن على حرق صدرياتهن كرمز للاضطهاد الذي تعاني منه النساء في المجتمع. وفي نهاية كل الحفل، نظم بعض الهيبيز جنازة ساخرة للتأكيد على انتهاء صيف الحب، وذلك لإقناع الوسائل الإعلامية بالكف عن تغطية مكان التجمع، عبر حرق الصحف وبعض الملابس الهيبية، حيث قام القادة بحمل كفن على أكتافهم مكان التجمع في شارع هايت، ووقفت جموع الهيبيز في زاوية ”هايت – أشبري“ انحناءً ”لوفاة“ الحفل، فمن خلال هذا الأداء الساخر، هدف الهيبيز إلى إيقاف إتجار الصحف والوسائل الإعلامية بنمط حياتهم، وتخصيص تجربتهم الاجتماعية بروح التيار السائد.

ثلاثة أيام من الموسيقى والسلام: كان مهرجان وودستوك الأصلي في آب عام 1969، مهرجان موسيقى البوب في نيويورك، بالنسبة للعديد من الهيبيز وجيل الستينيات، ذروة سنين التجارب التي عملت على تغيير المجتمع وتقاليده. عقد مهرجان وودستوك، أو كما يعرف باسم ”معرض الدلو: ثلاثة أيام من الحب والسلام “، لمدة أربعة أيام، وجمع حوالي نصف مليون فرد في مزرعة ”ماكس يازغر“ لإنتاج الحليب واللبن داخل منطقة ريفية في نيويورك. جمع الحفل الذي خُطط ليكون على مدى ثلاثة أيام فقط العديد من الأشخاص من مختلف أنحاء العالم، حيث ذكرته صحيفة ”Rolling Stone“ على أنه من أهم 50 حدث في تاريخ الروك أند رول، وحصل على جائزة أفضل فيلم وثائقي لعام 1970 بعنوان ”Woodstock“ وصار موضع جدل كبير وصل حد تهديده بالإغلاق. تضمن المهرجان حوالي 32 عرضا موسيقيا أحياه عدد كبير من الفنانين والفرق الموسيقية مثل Santana وThe Grateful Dead وCreedence Clearwater Revival وJanis Joplin وSly and The Family Stone وThe Who  و Jefferson Airplane  و Jimi Hendrix  ولعلَّ أشهر حدث في تاريخ الاحتفال هو عرض جيمي هندريكس السايكاديلي أثناء تأديته لأغنية The Star-Spangled Banne، حيث ساعد على تعزيز دور حركة الهيبي كمجموعة سياسية كافحت لدفع المجتمع للتفكير ملياً بالتقاليد العامّة والقيود المفروضة على المواطن العادي. وخلال الحفل، كانت المخدرات والحشيش كالمارجوانا تباع بشكل علني للجميع، وكان الجميع حرّاً ليفعل ما يشاء طالما أن فعله لا يتضمن عنفاً تجاه الآخرين، بدءاً من تعاطي المخدرات أو تدخين الحشيش، وصولاً إلى عدم ارتداء الملابس أو ممارسة الجنس. وأهم ما ميز الحفل هو غياب العنف بشكل كامل رغم وجود عدد هائل من الأشخاص من مختلف المناطق والخلفيات، إضافة للظروف المحيطة كالمطر والوحل وكميات المخدرات والكثافة السكانية وعدم وجود أماكن للاستراحة أو حمامات كافية، حتى أن المهرجان شهد حالتي ولادة لطفلين جديدين، ورغم أن المجتمع اعتبر الهيبيز فئة تكره النظافة، إلّا أن حوالي 8 آلاف فرد منهم بقي بعد نهاية المهرجان لمدة يوم لتنظيف المكان بشكل كامل. تأتي أهمية مهرجان وودستوك بالنسبة للهيبيز كونه مثّل مجتمعاً مفتوحاً خالياً من الطبقية ومليئاً بالموسيقى والجنس والمخدرات والحب والسلام، فهدف الهيبيز بالتجمع وفعل ما يشاؤون كالسير دون ملابس أو تعاطي المخدرات دون تدخل حكومي أمني قد تحقق، أي أن الهيبيز نجحوا في إثبات أن أفراد المجتمع – المضاد يمكن أن يجتمعوا سوياً ويعيشوا بحرية مطلقة وبسلام كامل دون تدخل حكومي أو مسلح من قبل الشرطة وقوى الأمن والجيش، ولو تحول مهرجان وودستورك من مجرد مهرجان موسيقي إلى ثورة حقيقية، لكان العالم لا يشبه شكله الوحشي الحالي.

مسير الهيبيز: هي اسم الرحلة التي خاضها أعضاء الهيبيز بين منتصف الخمسينات وحتى أواخر سبعينات القرن الماضي، بين أوروبا وشمال إفريقيا، لاسيما النيبال وباكستان والهند، وتعد الرحلة طريقة للسياحة البديلة، فواحدة من أهم البنود التي ميّزت هذه الرحلة هي محاولة الهيبيز جعلها أرخص ما يمكن، وذلك لقضاء أطول مدة ممكنة خارج حدود بلدهم، كما عمل الهيبيز على التفاعل مع السكان المحليين للدول التي قاموا بزيارتها أكثر من السيّاح العاديين. كانت الرحلة تبدأ غالباً من دول في غرب أوروبا، كلندن أو كوبنهاغن أو برلين الغربية أو باريس أو أمستردام أو ميلان، وقد قام العديد من الهيبيز الأمريكيون بالسفر عبر الخطوط الجوية الأيسلندية إلى لوكسمبورغ للتجمع كنقطة بداية. مرّت معظم الرحلات من اسطنبول، حيث تفرقت الطرق، فالطريق الشمالي الاعتيادي كان يمر بطهران وقندهار وكابول وصولاً إلى الهند وآسيا الشرقية، أمّا الطريق البديل فكان يبدأ من تركيا ويمر من سوريا والأردن والعراق وصولاً إلى باكستان. وكان على كل المسافرين اجتياز الحدود الباكستانية الهندية في ”غاندا سين والا“، أمّا عن الوجهة الأساسية في الشرق، فكانت ”ديلهي“ و”فرانساي“ و”غوا“ و”كاثماندو“ أو ”بانغوك“ أشهر الوجهات، حيث لا تزال كاثماندو تملك طريقاً اسمه ”طريق الاستثنائيين – Jhochhen Tole“، تيمناً بمسير الهيبيز الذي تضمن الآلاف منهم، وتمتد الرحلة إلى جنوبي الهند وبعض أجزاء سيريلانكا، ثم تتجه إلى أستراليا أخيراً. ولإبقاء رحلتهم رخيصة قدر الإمكان، استقل الهيبيز باصات رخيصة أو قطارات أحياناً للانتقال من مناطق لأخرى، لكن أشهر رحلاتهم كانت عبر المنازل المحمولة وراء باصاتهم المصنوعة والمزينة يدويناً أو داخلها، حيث احتوى بعضها على سرير وحمام، وعلى عكس رحلات السفر النمطية، لم يعطِ الهيبيز أي اهتمام لحجز الفنادق أو بطاقات الرحلات أو ما شابه، بل ”ساروا على هواهم“. انتهت رحلة مسير الهيبيز في أواخر السبعينات، تزامناً مع الثورة الإيرانية واجتياح الإتحاد السوفييتي لأفغانستان، كما فرضت دول مثل سوريا والعراق ولبنان فيزا صارمة على الوافدين من الغرب، وصار سكان كابول يفزعون من الهيبيز القادمين مع حشيشهم ونمطهم الغريب.

الهيبيز في عصرنا الحالي، تجمع قوس قزح    Rainbow Gathering

يتجمع سنوياً عدد من الأفراد المنتمين لمجتمعات مختلفة في غابات بعيدة من مختلف أنحاء العالم لمدة أسبوع أو أكثر، وذلك لعيش مفاهيمهم المشتركة عن السلام والتناغم والحرية والاحترام. يسمح للجميع بالمشاركة في التجمع، ويطلق المجتمعون على أنفسهم اسم ”عائلة قوس القزح“، وتهدف هذه التجمعات إلى خلق مجتمع وثقافة أكثر إرضاءً من المجتمعات النمطية، مجتمع خالٍ من الاستهلاكية والرأسمالية ووسائل الإعلام الجماهيرية، مجتمع غير هرمي ولا يحوي طبقية اجتماعية، يعزز السلام العالمي، ويمثّل نموذجاً إصلاحياً لتيارات المجتمعات النمطية ذات التقاليد المتحفظة. تأثر أفراد التجمع بالحركة الاجتماعية الثورية للهيبيز في الستينات، وبمهرجانات الروك غير التجارية في السبعينات، إضافة للبوهيميين، فعدّوا أنفسهم حركة ”تنشيط وإحياء“ تمتلك الكثير من الفلسفات والأنشطة المتجذرة بالعادات اليوتوبيا التاريخية في منتصف القرن التاسع عشر.

عقد أول تجمع قوس قزح عام 1972 في كولورادو في أمريكا، حيث حضره أكثر من 20 ألف فرد، أمّا في الثمانينيات، فصارت التجمعات تعقد خارج أمريكا الشمالية تعبيراً عن استقلاليتها، وارتبطت بأحداث كثيرة حول العالم، وحتى الآن تعقد الاجتماعات السنوية لتجمع قوس القزح في مكان مختلف من حول العالم، كأمريكا أو أوروبا أو أستراليا، إلّا أنّها أكثر تعقيداً من حركة الهيبيز الأصلية نتيجة تغير مفاهيم العالم الجديد واتساع الإعلام، حيث صاروا يجهزون أماكن تجمعاتهم مسبقاً مع الطعام والإقامات والكوادر الطبية، على عكس الهيبيز الأصليين الذين عاشوا حياتهم دون تنظيم وتخطيط كبير. الهيبيز كافحوا (ولا زالوا يكافحون) لأجل تقديم الحب للجميع دون انحياز، ورفضاً للحرب والكراهية. يؤمن الهيبيز بالمساواة للجميع، ويحاولون قدر الإمكان إبعاد أنفسهم عن الأنظمة المجتمعية كالاقتصاد والسياسة، ولا يتعاطى الهيبيز المخدرات والحشيش للانفصال عن الواقع، بل ليتمكنوا من توسيع وعيهم وابتكار طرق جديدة للتفكير وتكوين علاقات عميقة مع الآخرين. وقد أسسوا حركتهم بشكل أساسي للكفاح والتظاهر ضد إساءة الإنسان للطبيعة والهواء والماء والتربة والغابات، وضد الطبقية والنمطية ومطاوعة العادات والتقاليد السائدة بشكل أعمى، وضد الحروب وكل أشكال العنف والكراهية الممارسة ضد الآخرين. رغم أن النظرة النمطية التي كوّنها المجتمع عن أن الهيبيز هم مجموعة من الأشخاص الذين يحبون الجنس والمخدرات والفاحشة، أشخاص كسولون لا يريدون فعل أي شيء ولا حتى الاستحمام، إلّا أنّهم بحقيقتهم مجموعة من الأفراد الذين يحملون قضية كبيرة، وقد فعلوا الكثير وغيروا العالم حقاً. [https://dkhlak.com]

نستدل مما سبق ان الثقافة الفرعية للشباب وبالذات في المجتمع الغربي تواقة للتحرر من النمطية السلوكية والعلائقية والجنسية والفكرية هدفها عدم الخضوع لسيطرة الهيمنة الثقافية التي وضعها الأموات (الأجيال السالفة) التي لا تمثل روح عصر الشباب ولا طموحهم فخرجوا عن طاعة أسرهم (أو والديهم) وتعاطوا الممنوعات التي فرضها المجتمع على أفراد (المخدرات) ومارسوا الجنس المشوش خارج حدود الزواج الشرعي وابتكروا فنون موسيقية خاصة بهم ومالوا للإرث الروحي غير السائد في أوروبا بل السائد في أسيا مثل الهندوسية والبوذية وفضلوا العزلة على التجمع. لم تحصل هذه الممارسات اعتباطاً أو عشوائية او مزاجياً بل لأن أفراد جماعة الثقافة الفرعية ضد الحروب والتعصب العنصري الممارسة في المجتمع فنادوا بالسلام والتسامح والمحبة ورفضوا قيود المجتمع في تكوين الأسرة والزواج ولم يلبسوا الأزياء الطبقية الراقية ولا الرسمية أو حتى التراثية بل ابتكروا أزياء خاصة بهم ومن الصناعة اليدوية لأنهم معادين للرأسمالية وصناعتها في الملبس والمأكل والمسكن فهجروا البهجة والأناقة والترف في العيش لا يحترموا الفوارق الطبقية ولا العرقية ولا الجنسية ولم يقيموا وزناً للوسائل الإعلامية الجماهيرية تزهداً واستعلاءً عليها. وعلى الجملة أستطيع أن أقول بإنه كلما زاد المجتمع في ضغوطه وضوابطه على حرية أفراده وهم في مرحلة اكتساب معارف علمية جديدة عن مكامن الحياة واكتشاف طاقتهم الخلاقة والمبدعة أو اجبارهم على التخلي عن اكتسابهم واكتشافهم الخلاق وتمتعهم بالعيش الرغيد ينفروا من ضوابطه الضاغطة ليرسوا معايير وقواعد سلوكية تخدم اكتسابهم واكتشافهم الخلاق حتى لو اخترقوا كل معايير الثقافة الغالبة كتحدي لها وتمرد عليها، عندها تدخل في دائرة “الثقافة المضادة” عندئذٍ لا تستطيع الثقافة الغالبة من تحجيمها ولا تطويقها لأن حجمها يستمر بالتوسع كماً وحجماً. لذا نقول على الأجيال الراشدة والمُسنّة ان تحترم الثقافة الفرعية للشباب وتمنحهم مساحة كافية لإثبات هويتهم لأنه لا تكن هوية دائمة وخالدة بل مرحلية تزول مع زوال فترة الشباب العمرية وانتقالهم الى مرحلة الرشد وانشغالهم في أدوارهم المسؤولة أسرياً ومهنياً وثقافياً.

ث – ثقافة الانترنت

تلعب ثقافة الانترنت دوراً حيوياً في تنمية شخصية الشباب الالفي في الوقت الراهن مكونة له ثقافة فرعية جديدة في هذا العصر ساعدته على: –

– تطوير أفكاره السياسية والاجتماعية.

– عززت عنده ثقافة المواطنة والحرية والعدالة الاجتماعية والتكافل الاجتماعي.

– دفعته نحو البحث عن الديمقراطية والحياة المدنية.

– حفزته في احترام سيادة القانون.

– تدفعه لمسايرة العصر.

– تنمي روح الجرأة والتحدي عنده.

– تفجر طاقاته في التصميم والبرمجة وبناء مواقع الكترونية.

– تكشف له مظاهر الفساد والاستبداد والرشوة.

لا أجد بأس من تقديم شروحات وافية عن بلورة الانترنت ثقافة متنوعة الألوان المعرفية عند الشباب. انطلقنا في هذه الدراسة بإعطاء لمحة عن تطورات مجال الاتصال و وسائله، وركزنا على الأنترنت باعتبارها وسيلة إلكترونية يتعامل معها الشباب بكثرة، فالاتصال عبر الأنترنت أداة الربط الفكرية، الذهنية و المعنوية بين المستخدمين على شبكة الشبكات بمختلف تقنياتها، و هو الوسيلة الأكثر استعمالا لتحقيق الأهداف المتعددة في شتى المجالات، فبدون الاتصال لا يمكن للمستخدمين الاستفادة من خدمات الأنترنت بمختلف أبعادها على المستويين العلمي و الاجتماعي معا. فالثقافة الشبكية إنما تتأطر من خلال الاستخدامات الاتصالية بأنواعها فيحدث التخاطب و التحاور عبر النصوص، الصوت، الرمز و الصورة، لقد برزت أهميته باعتبار أن الانسان لا يستطيع العيش في الفراغ أو العدم دون التفاعل مع الآخرين، و لذا هي نتاج تفاعل بين الفرد و الفرد، بين الفرد و المجتمع الذي ينتمي إليه، فنحن في قرن جديد، هو القرن الذي ستكون فيه المعلومات و تكنولوجياتها هي عصب الحياة. فينبغي لنا التعرف على هذه الشبكة و كيفية وصولها إلى تعظيم المعارف فالاهتمام بها يتزايد على نطاق واسع من طرف الأفراد باختلاف مستوياتهم الثقافية و التعليمية، الأهمية التي تحظى بها ترجع إلى خصائص ميّزتها عن باقي وسائل الاتصال الأخرى، و انتشرت الأنترنت بظهور المقاهي التي تعرف بـ” cyber”  استمالت طائفة من الناس غالبيتهم الكبرى شباب، و بدا تعاملهم معها كظاهرة جديدة لمجتمع جديد، فهو موضوع يستحق البحث، الدراسة والتحليل بدخول هذه التقنية إلى المجتمع، و كذا ثقافتهم حول التعامل معها. تكمن دوافع هذا البحث في محاولة التعرف على تقنية الأنترنت كوسيلة اتصال إلكترونية رقمية، التعرف على مستخدميها و هم الشباب المتفاوتون في السن و المهن، و المستويات الدراسية و العلمية، محاولين إبراز الدور الذي تلعبه في ثقافة الشباب و المجتمع، كونها تحمل عدة أبعاد كالفضاء الافتراضي، التعرف على المجالات و المواضيع المستخدمة عبر الأنترنت، ومن هنا تبين لنا مجموعة من التساؤلات : ما هي التصورات و الممارسات التي يسقطها الشباب على وسائل التكنولوجيا الحديثة المتمثلة في الأنترنت ؟ كيف يتعامل الشباب مع هذه التقنية الجديدة ؟ ونتساءل كذلك عن الدور الذي تلعبه الأنترنت في البيئة الاجتماعية و الثقافية لدى الشباب؟ ومن خلال هذه التساؤلات حاولنا بناء الموضوع باقتراح ثلاث فرضيات وهي :

أ – يمارس الشباب حق المعرفة عن طريق الحرية الديمقراطية الالكترونية المتمثلة في الأنترنت.

ب – الشباب أكثر ميلا و استعمالا للأنترنت بهدف الثقافة و اكتساب معرفة.

ت – الأنترنت وسيلة اتصال حديثة و ضرورة عصرية في تصور الشباب.

إنه من الممكن الاعتماد على المقاربات لتكنولوجيا الاتصال لتناول مسألة وسائل الاتصال الحديثة و التي منها شبكة الأنترنت كالمقارنة التاريخية التكنولوجية التي يتعرض لها التطور الزمني و مجالات استعماله، أي انتقال الاتصال من مراحله الأولى كالمرحلة التقليدية الشفهية فالمرحلة المكتوبة والمقروءة، و بعدها و مع ظهور التكنولوجيا عرف الاتصال قفزة نوعية خاصة مع اختراع المذياع، التلفزة فالهاتف، و تطور أكثر بظهور مولود جديد مع شبكة الشبكات المتمثل في الأنترنت، كالمقاربة الاجتماعية الثقافية بالمعنى الحضاري التي تحاول معرفة تعامل هذه التكنولوجيا لحاجة الإنسان العصري و صورة تفاعله معها، فهذه التكنولوجيا الجديدة سهّلت عليه الاتصال و قرّبت كل ما هو بعيد، و مدى حاجته للتغيير خاصة في مجال وسائل الاتصال، ثم مقاربة متعددة لمعرفة الدور الذي تلعبه الأنترنت من خلال مجالات اهتمام الشباب في مدى التعامل معها. [https://journals.openedition.org]

“مسج لي.. أعملي مس كول… بشوفك على المانسجر… لازم يكون في بينا كونتاكت… ابعتلي إيميل..” وغيرها الكثير من المفردات والمصطلحات التي أصبحنا نرددها في اليوم الواحد عشرات المرات، ليس فقط من باب البرستيج الاجتماعي بل لأنها تعكس في واقع الأمر صورة لحياتنا نحن الشباب البوم. فالموبايل والأنترنت وغيرها الكثير من وسائل التكنولوجيا الحديثة أصبحت عناصر أساسية لا غنى عنها ترسم حياتنا العلمية والشخصية على حد سواء. فكم منا يشعر بالإرباك والضياع وعدم القدرة على التركيز عندما ينسى لسبب ما هاتفه المحمول بعيداً عنه، بحيث لا نتمكن من استعادة توازننا النفسي والعاطفي إلا عندما نستعيد دفئه بيت أيدينا مجدداً!!! وكم من ساعات نقضيها بلا توقف أمام شاشات الكمبيوتر، على الماسنجر وفي غرف الدردشة وسماعات الموسيقى الحديثة تصم آذاننا وتعزلنا عن كل ما يحيط بنا وكان العالم بأسره أصبح مختزلاً بمجرد شاشة تبلغ في أفضل الأحوال 14 انشاً.!!!! نعم تؤثر وسائل التكنولوجيا الحديثة على حياتنا اليومية وترسم بتردداتها إيقاع يومنا، فهي أصبحت شديدة الالتصاق بنا أو بالتعبير الأدق أصبحنا نحن شديدو الالتصاق بها والتماهي مع وسائلها المتعددة… فلماذا يحدث هذا وكيف؟ وما هي تبعاته علينا كأفراد وعلى محيطنا الاجتماعي؟؟

خير جليس في الأنام… النت: نظراً لكون غالبية الشباب اليوم يتعاملون مع الأجهزة التقنية بأسلوب يبتعد عن تعقيدات المصطلحات وخلفياتها، ونظراً لما تملكه وسائل التكنولوجيا الحديثة من قدرة على التأثير في أوساط الشباب، فقد دفعت هذه العلاقة المتشابكة والشائكة في نفس الوقت كل من شركة مايكروسوفت، وشبكة إم تي في، وتلفزيون نيكلوديون الى رعاية دراسة تهتم بهذا الموضوع. أجريت دراسة على عينة تتكوم من 18 ألف فرد ينقسمون الى شريحتين عمريتين، الأولى (8 – 14) سنة، والثانية (14 – 24) سنة، وذلك في 16 دولة حول العالم منها بريطانيا والولايات المتحدة والصين واليابان وكندا والمكسيك. وذكرت الدراسة أن المعدل العالمي لعدد الأفراد المسجلين في قائمة الاتصال الخاصة بالهاتف الجوال هو 94 فرداً، وفي قائمة الاتصال الخاصة بالماسنجر 78 فرداً، وفي قائمة الاتصال الخاصة بمواقع الشبكات الاجتماعية 86 فرداً، كما تناولت تأثير 21 وسيلة تقنية على الشباب وصغر السن بدءاً من الانترنت والتلفزيون وصولاً الى العاب الفيديو وأجهزة الأم بي ثري بحيث جاءت مشاهدة التلفزيون على رأس قائمة الاختيار بنسبة 85%، بينما جاء سماع الموسيقى في المرتبة التالية بنسبة 70% ثم ممارسة العاب الفيديو 67%، أما البقاء أون لاين على الانترنت فحاز على نسبة 50% وكشفت الدراسة عن اختلاف في الأرقام الواردة في نتائج الدراسة نتيجة اختلاف الثقافات. فعلى سبيل المثال جاء الاختيار الأول للأطفال والمراهقين والصينيين في فئة (8 – 14) سنة في البقاء اون لاين مفضلين ذلك على مشاهدة التلفزيون.

ولأننا في مجتمعنا العربي والمحلي نفتقد مع الأسف لمثل هذه الدراسات الإحصائية الهامة، فإن الالتقاء بالشباب والتحدث معهم عن دور وسائل التكنولوجيا الحديثة على حياتهم يبدو الوسيلة الوحيدة الفعالة للتعرف أكثر على طبيعة العلاقة التي تربط الشباب بأجهزة التكنولوجيا الحديثة، خاصةً وأن الدراسات والأبحاث تظهر ان المراهقين والشباب هم الأكثر استخدماً للتكنولوجيا وأنهم الأكثر قدرة على استيعابها، كما تؤكد أنهم “لا يستطيعون التخلي عنها” وأنها “مهمة: جداً بالنسبة لهم.!!! يقول (سامر السيد) طالب جامعي “طبعاً وسائل التكنولوجيا الحديثة أصبحت عنصراً أساسياً في حياتنا، خاصة تلك الأجهزة التي تحمل الصفة الشخصية من الخلوي الى الكمبيوتر المحمول، فأنا لا يمكن ابداً تخيل حياتي من دون وجود الموبايل والانترنت والأم بي ثري وحتى العاب الفيديو التي أقضي أمامها ساعات طويلة مع أصدقائي. في الماضي كانوا يقولون إن الكتاب خير رفيق، واليوم مع تطور التكنولوجيا أعتقد ان الانترنت هو الرفيق الأفضل فأنا أقضي على النت حوالي الخمس ساعات يومياً فهو مصدر واسع وشامل للمعلومات حول العالم الى قرية صغيرة. صحيح ان جلوسي مع أسرتي قلت تدريجياً ولكنني اليوم أمتلك أصدقاء في مختلف انحاء العالم أتواصل معهم بشكل مستمر بالرغم من البحور والقارات التي تفصلنا”. الأمر لا يختلف كثيراً عن (هدى) طالبة جامعية التي تقضي ما يزيد عن الست ساعات خلف الشاشة تتصفح الانترنت، تقول هدى: “إن عالم الانترنت فتح امامي أفاقاً واسعة من الأفكار والمعلومات الهائلة التي قد احتاج الى إضافتها في رسالة الماجستير التي أعدها في التاريخ وبصراحة كنت مشغولة تماماً قبل ذلك بكيفية توفير المصادر حتى جاءت رحمة الأنترنت”. ولا يتوقف الأمر عند ذلك بل تمضي (هدى) أوقاتاً أخرى على جوابها ترسل رسائل sms الى اصدقائها أو الى القنوات الغنائية الفضائية، فهذه ايضاً “وسيلة حديثة وطريفة للتواصل والتسلية” على حد قولها. (محمد 18 سنة) يرى نفسه مغرماً بالأنترنت الى حد الإدمان، حتى أنه ينسى تناول وجبات الأكل وحتى الدراية، هدفه هو بناء علاقات مختلفة وكسب أكبر عدد من الأصدقاء يومياً، فضلاً عن تحميل أجدد الأفلام والأغاني. أما (رضوان 17 سنة) طالب بالصف الثالث ثانوي فالأنترنت أتاح له فرصة التعرف على حياة غير مقيدة وأفكار غير تقليدية. “أعتقد أنني أمتلك حرية أكبر في التعرف على أصدقاء جدد والتعبير عن أفكاري دون خجل أو خوف على النت، في حين لا أمتلك نفي المقدار من الشجاعة للتعرف أو الحديث بشكل مباشر مع المحيطين بي”. يذكر أن الدراسة التي أعتدتها مايكروسوفت تشير الى إن المواقع الترفيهية (الفنية ومواقع الدردشة والمحادثة) تحتل المرتبة الأولى من حيث المتابعة لدى الشباب، تليها المواقع الرياضية ثم مواقع المناقشة فمواقع خدمات البحث وتحتل المواقع الإخبارية السياسية والاقتصادية مراتب متدنية في سلم زيارات الشباب.

موبايل واحد لا يكفي: (باسل عبد الحق) مهندس اتصالات يرى أن “أن أجهزة التكنولوجيا الحديثة من الخلوي الى الانترنت كلها أصبحت عناصر أساسية في حياتنا اليومية العملية وانسحبت بالتالي على حياتنا الشخصية، بالطبع لهذه الأجهزة فوائد وسلبيات ايضاً فهي أجهزة وجدت لفائدة الإنسان ولمساعدته في التواصل بفاعلية أكبر. ولكن إذا أساء استخدامها انقلبت ضده. فالهاتف الخلوي اليوم لم يعد مجرد أداة اتصال خاصة مع وجود الكثير من الميزات التكنولوجية الإضافية الحديثة فيه (الكاميرا، راديو ومشغل موسيقى وحتى أمكانية تصفح للأنترنت) فالخلوي اليوم هو رفيقي الذي لا يفارقني إلا على باب الحمام”. إلا ان الظاهرة الأغرب اليوم، هي انتشار محمولين بدل الواحد في أيدي الشباب الذكور تحديداً، فلم يعد جهاز خلوي واحد كافي بل لابد من حمل أثنين مع علبة سجائر طبعاً ولا مانع من حمالة مفاتيح فاخرة زيادة في البرستيج الاجتماعي. يقول (عمار 26 سنة) وجود هاتفين خلويين أمر طبيعي وليس برستيج فقط. فالأول للعمل والثاني لحياتي الشخصية الأمر قد يكون بالفعل ملفتاً للنظر خاصة عندما أذهب مع أصدقائي للسهر في أحد المقاهي فيكون مجموع الأجهزة الموضوعة على الطاولة ضعف عددنا في معظم الأحيان ولكن الهاتف الثاني أصيح ضرورة لا غنى عنها”. ربما يكون (لعمار) أسبابه الخاصة والمقنعة لحمل جهازين خلويين في وقت واحد، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هل يجد (عمار) وأصدقائه متسعاً للوقت للدردشة والحديث مع بعضهم البعض وكل منهم مشغول بالرد على هاتفه الخلوي وارسال رسالة على جواله الثاني، بحيث لا يكاد أحد منهم يرفع رأسه بعيداً عن شاشة الأجهزة لرؤية صديقه الجالس الى جواره على بعد أقل من ربع متر فقط…!!

مع زيادة تأثير التكنولوجيا نواحيها المختلفة على حياة المراهقين والشباب عموماً، تدعو معظم الدراسات الحديثة هؤلاء الشباب الى الابتعاد ولو مؤقتاً عن التكنولوجيا الحديثة مشيرين الى أنهم بحاجة الى استراحة قصيرة بين الحين والأخر لاستعادة روحهم والاستمتاع بممارسة الحياة الطبيعية والعودة الى الواقع بعيداً عن الفضاء

الالكتروني. تقول (ميشيل ويل) المؤلفة المشاركة لكتاب “الإجهاد التكنولوجي”، كيفية التعامل مع التكنولوجيا في العمل وفي المنزل وفي اللعب “أن الانهماك في عالم التكنولوجيا أشبه بالضياع في الفضاء، فالمرء يضيع في عالم الانترنت والألعاب المحادثة”. قد قامت (ميشيل) مع زميلها (لاري روزن) بتأليف الكتاب بعد ان لاحظت طول الفترة الزمنية التي يقضونها أمام أجهزة الكمبيوتر ومدى الاجهاد الذي يتعرضون له بسبب التقنية التي يفترض انها تطورت لجعل الحياة أسهل. من جهة أخرى، يقول العالم النفسي (ديف غرينفيلد) المتخصص في قضايا التكنولوجيا الفائقة أنه “يجب ان نتملك التكنولوجيا، لا أن تمتلكنا” لكن (غرينفيلد) نفسه وقع أسيراً للتكنولوجيا، حيث يحمل الهاتف الخلوي بانتظام ويستمتع الى الموسيقى عبر مشغلات الأم بي ثري ويستخدم جهاز النداء الالي والأجهزة المساعدة الرقمية وغيرها لذلك فهو يدرك تماماً مدى سيطرة التكنولوجيا عليه. لقد دخلت التكنولوجيا الحديثة وملحقاتها بقوة في حياة الصغار والكبار وأوجدت لنفسها مساحات كبيرة في حياتنا وهذه حقيقة لا يستطيع أحد أن ينكرها نظراً لما تملكه من إمكانيات لا حدود لها في خلق التواصل. وعلى الرغم من كون التواصل هو أساس الحياة الاجتماعية للإنسان إلا ان الباحث الاجتماعي (طلال الزين) يؤكد وجود تأثيرات سلبية على الحياة الاجتماعية للشباب من جراء إدمان استخدام هذه الوسائل التكنولوجيا الحديثة: “إن ادمان الشباب في استخدام وسائل التكنولوجيا الحديثة الاتصالية منها تحديداً يؤثر بشكل غير مباشر على الحياة الاجتماعية لهؤلاء الشباب. فاستخدام الانترنت أصبح بديلاً للتفاعل الاجتماعي الصحي مع الرفاق والأقارب وأصبح الشباب قضاء الساعات الطويلة في استكشاف مواقع الأنترنت المتعددة مما يعني تغيراً في منظمة القيم الاجتماعية للأفراد بما يعزز الاستخدام المفرط القيم الفردية بدلاً من القيم الاجتماعي ويعزز الرغبة والميل للوحدة بما يقلل من فرص التفاعل والنمو الاجتماعي نظراً لتحول هذه الوسائل الى (الصديق الوحيد المقرب) فهي تقوم بمصاحبتهم يومياً وتسد أوقات الفراغ والوحدة عندهم خاصةً وأن جزء كبير من هذه الوسائل الحديثة يعتمد فكرة بناء عالم افتراضي خاص (الألعاب، الدردشة على الانترنت) يتحول فيه الشباب مع كثرة الاستخدام الى مجرد عبد الآلة تقطع معه المسافات الوهمية وهو جاثم في مكانه دون حراك، تقوده الى عالم الخيال والشخصيات الوهمية ليصحو من غفوته لاحقاً ويرى انه لا يزال جالساً وحدياً مكانه”. حديث الأستاذ (الزين) تؤكده دراسة حديثة أعدها الدكتور (نورمان سارتوس) رئيس الجمعية العالمية للطب النفسي، تؤكد أن ثورة التكنولوجيا الحديثة وظهور الحاسوب والانترنت والجوال والفيديو تفرز امراضاً نفسية عديدة منها الاكتئاب والقلق والاضطرابات العصبية وذلك لدورها في عزلة الإنسان وانطوائه وانهاء علاقته وترابطه الأسري. ويشير الأستاذ (الزين) الى نقطة أخرى شديدة الأهمية وترتبط بطبيعة تحديداً بمجتمعاتنا العربية: “إن دخول التكنولوجيا في مجالات الحياة الواسعة أصبح عاملاً مساعداً في تقوية الفجوة بين الأجيال فيما يتعلق بثقافة الحوسبة والاتصال مع العالم الخارجي.. لا بل أن الكثير من الناي الذين لا يتمتعون بميزة استخدام هذه الوسائل أصبحوا عرضة للاتهام بالتخلف والغباء مما يساعد على تطوير نموذج من الصراع الاجتماعي والثقافي بين الأجيال أو شرائح المجتمع أو بين الصغار والكبار أو الأبناء والآباء”. في النهاية، قد لا يسعنا نكران جدية الدراسات العلمية وخطورة نتائجها… كما ان حديث الأستاذ (الزين) يبدو منطقياً ولكن ما العمل وجميعنا يجمع اليوم على استحالة الاستغناء عن أي من وسائل التكنولوجيا الحديثة، إن لم يكن يطالب بالمزيد؟ ربما لا يكون الموبايل والانترنت والستلايت مثاراً لمشكلة في حد ذاتهم، وإنما المشكلة قد تكون في طريقة التعامل مع هذه الوسائل التي تحولنا مع كثرة الاستخدام الغير موظف الى مهوسين وأشباه مدمنين، فهل نمتلك ما يكفي من الحكمة والتعقل للحفاظ على دورنا كمُستَخدِمين وليس كمستخْدَمين فنمتلك التكنولوجيا نحن قبل ان تتملكنا هي؟!!! [www.aram-grp.com]

ج – ثقافة الشباب وتحديات الانترنت… من يؤثر على من؟

أصبح الانترنت المصدر الأساسي لبناء شخصية وثقافة الإنسان المعاصر من خلال تواصله مع جماعات غير محلية وغير قرابيه، غريبه عنه دموياً وثقافياً ودينياً لكنه يكرس عنده روح الانعزال والاغتراب. تمتلئ شبكة الإنترنت بأشكال عدة من التواصل والتفاعل تجمع أعضاء ذلك العالم الافتراضي، لكن عندما يشتبك هؤلاء الأعضاء مع واقعهم يتوقف هذا التفاعل، فمع تغير قائمة الإنترنت يوميا بمفردات حديثة (فيس بوك – المدونات – الحياة الثانية..)، وولادة مفردات جديدة من رحم التكنولوجيا، وما يشهده الواقع من تغير في بنيته (شوارع وقرى وحكومات ذكية – خدمات إلكترونية.. طالت حتى اختيار شريك الحياة)، إلا أن ذلك كله أثر في النهاية سلبا على التواصل الاجتماعي، وأضر الاستعمال المفرط والسيئ للتكنولوجيا بالعلاقات الفردية داخل المجتمع، فأصبحت تفتقر إلى الحميمية وتتم عن بعد، ولم تستطع الأسرة، خاصة الأسرة العربية التي تتسم بترابط العلاقات بين أفرادها، أن تنجو من فيروسات هذا المرض الاجتماعي الحديث. قد يكون منطقيا أن تؤدي الأمية التكنولوجية إلى تكريس الانعزالية والاغتراب في نفس صاحبها لعدم قدرته على الاندماج وشعوره بأنه يعيش في عصر غير عصره، لكن الواقع يقول إن عدوى عدم التواصل الاجتماعي قد طالت أيضا مستخدمي التكنولوجيا، مما جعل من أبناء الأسرة الواحدة شخصيات متباعدة يهجرها التواصل الاجتماعي، وأوجد مرض العزلة الاجتماعية بينهم، كضريبة لعصر الإنترنت والتقنيات الحديثة، وبالطبع أكثر المصابين هم الشباب فهم أكثر الفئات استخداما للإنترنت.

في مؤتمر بعنوان (مراهقو الإنترنت)، أقيم منتصف هذا العام في مصر، كشف خبراء علم الاجتماع عن أن الكثير من الأبحاث والدراسات أثبتت أن الإنترنت تؤدي إلى العزلة الاجتماعية للشباب، وتختلف في ذلك بحسب مدة وعدد ساعات الاستخدام اليومي له. فهؤلاء الشباب لا يتواصلون مع أهلهم؛ حيث أصبح كل واحد منهم مكتفيا بلوحة المفاتيح والشاشة وهاتفه المحمول ولم يعودوا أفرادا مشاركين اجتماعيا، يبحثون عن عالم خاص بلا مشكلات، عالم يهربون فيه من ضوابط التربية التي يقررها الأب والأم، وتقاليد المجتمع وأعرافه، ولم يصبح هناك وقت لممارسة التواصل الاجتماعي. ظاهريًا يعيش هؤلاء الشباب مع أسرهم تحت سقف واحد، ولكنهم في الحقيقة أسر مفتتة، وهو المفهوم الذي ظهر مع بداية مجتمع ما بعد الحداثة؛ حيث تذوب الدول لتصبح كيانات هلامية ويصير الأفراد أقل اهتماما ومشاركة في الأحداث التي تدور في العالم المحيط بهم، وهو المفهوم الذي يشير إليه الدكتور (شريف درويش اللبان)، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، في دراسته “تكنولوجيا الاتصال.. المخاطر والتحديات والتأثيرات الاجتماعية”، موضحا أن كل فرد في الأسرة أصبحت له وسائله المنفصلة للوصول إلى مصادره الاتصالية الخاصة، ضاربا المثال على ذلك أنه خلال حقبة التسعينات من القرن الماضي كان 54% من المراهقين الأميركيين، الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و15 عاما، لديهم أجهزة التلفزيون الخاصة بهم، وكذلك كيف كانت سماعات الأذن التي يستعملها الشباب تضمن لهم عدم سماع أفراد الأسرة الآخرين ما يسمعونه، بينما يدس أفراد العائلة أنوفهم في مجلاتهم وكتبهم. وما بين سنوات عقد التسعينات ونهاية العقد الأول من الألفية الثالثة، ومع ظهور مفردات إلكترونية حديثة، كان هناك الجديد بالطبع؛ ففي دراسة سويسرية صدرت أواخر عام 2008 عن أحد مراكز متابعة الإدمان، ذهبت نتائجها لتؤكد أن من أبرز الأضرار التي جاءت بها مستحدثات الإنترنت – مثل فيس بوك ومواقع الدردشة (الشات) والمدونات والمنتديات، مرورا بمواقع الرياضة وتنزيل الأغاني الحديثة والكليبات – عدم توافر الوقت للأنشطة الاجتماعية، وقطع أواصر الصلات بين المستخدم والعالم الحقيقي المحيط به، وتفضيل العيش في عالم افتراضي خيالي لا وجود له في الواقع.

الدكتورة (إنشاد عز الدين،) أستاذة علم الاجتماع بجامعة المنوفية بمصر، تقول لـ (الشرق الأوسط): “بعد 12 عاما من دخول الإنترنت والهاتف المحمول إلى مجتمعنا العربي أدى ذلك إلى وجود تأثير سلبي على العلاقات الإنسانية، فأصبح لكل فرد إشباع شخصي يحل محل العلاقات الحميمة داخل الأسرة، لكنه إشباع غير حقيقي، لأن هذه الوسائل غير مشبعة”. وأضافت: “يجب ألا نغفل دور تلك الأدوات التكنولوجية في طرح بعض القيم الدخيلة والأفكار الغريبة مثل استبدال علاقات الزواج والعلاقات الإنسانية المشروعة، التي تدور في إطار من العادات والتقاليد بعلاقات افتراضية وصداقات غير مقبولة بخلاف التي تدور في إطار عادات وأخلاق منافية لديننا ومجتمعنا العربي المحافظ على عاداته وتقاليده، والانجذاب لها، مما يسرق الوقت للتفكير في إشباع الرغبات بشكل سليم؛ حيث يحقق الشاب والفتاة من خلال هذه الوسائل ما لا يمكن تحقيقه على أرض الواقع”.

وكمثال حديث على تفضيل العيش في هذا العالم الافتراضي الخيالي، تشير عواطف محمود، إحدى نشطاء موقع (الحياة الثانية)، إلى لجوء أعداد من الشباب العربي إلى الجزر العربية الافتراضية في هذا الموقع ثلاثي الأبعاد، حيث يقومون بنشاطات لا يستطيعون إقامتها أو المشاركة فيها على أرض الواقع بسبب العادات والتقاليد الاجتماعية والضوابط والقيم الشرعية، مثل إقامة حفلات الديسكو وتنظيم الحفلات الموسيقية الراقصة التي يختلط فيها الجنسان. وبرأي (عواطف)، فإن هذه الممارسات السلبية لهؤلاء الشباب والفتيات في عالم الـ (سكند لايف) تعتبر شكلا من أشكال الهروب من الواقع، عبر تقمص شخصية ثانية في هذا العالم الافتراضي الذي لا تحكمه قوانين وتشريعات بل تعود ضوابطه فقط إلى الشخص ذاته. تضيف (د. إنشاد): “مسافة انعزال أخرى نجدها تلقي برأسها وتزيد من مساحة عدم التواصل بين الشباب وواقعهم المعاش، وهي أن الشباب مع مستحدثات الإنترنت يجد نفسه يدلي بتفاصيل مهمة عن حياته الشخصية وقد تمتد لتفاصيل عن حياة أفراد أسرته وأصدقائه والمحيطين به، بينما هذه المعلومات وهذا العالم الخاص يصعب اختراقها من قبل الأهل، بل محرم عليهم الاقتراب منها”. يزيد من خطورة ذلك أن تتضمن هذه المنطقة – المحظورة على الأهل – تصفح بعض المواقع الإباحية؛ حيث يكشف الدكتور على فتحي عبد الرحيم، أستاذ الاجتماع، عن نتائج بحث حديث أجراه على 50 شابا مصريا من مستخدمي الإنترنت عن تأثير الإنترنت على العلاقات الاجتماعية للشباب المراهقين، وأظهرت النتائج أن 66% من مستخدمي الإنترنت يدخلون على مواقع إباحية، و12% من الآباء يعتقدون ويشكون في تداول أولادهم هذه المواقع. هنا، تجدر الإشارة إلى عامل آخر يساعد على التباعد، وهو جهل الآباء بمفردات التكنولوجيا الحديثة، ففي استطلاع لرأي الأسر المصرية قام به مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، ظهر أن 67% من الأسر يرون أن تأثير الإنترنت على أبنائهم إيجابي، وأن هذا التأثير يتمثل في تزويد أبنائهم بالمعلومات، بينما 40% من الأسر يرون أن له تأثيرا سلبيا يتمثل في إهمال الأبناء لدراستهم. وهو ما يدل على أن هناك أفكارا وقيما في عالم الشباب الخاص يجهلها الأهل تماما. عوامل أخرى تساعد على تفاقم التباعد بين الشباب وبين أسرهم ومجتمعهم، أظهرتها دراسة ميدانية بعنوان “ثقافة الشباب بين تحديات الإنترنت وعجز الدولة” نشرها معهد (الوارف) للدراسات الإنسانية بواشنطن للباحث يوسف ورداني، منها اضمحلال دور مؤسسات التنشئة التقليدية في تشكيل ثقافة الشباب، فقد تعرضت مؤسسات التنشئة العربية كالأسرة والمدرسة ووسائل العبادة وجماعات الأقران إلى تواري دورها لحساب مؤسسات أخرى استطاعت أن تجدد نفسها، لعل أهمها الفضائيات ومواقع الإنترنت التي ازدهرت بدرجة غير مسبوقة لتغطي غالبية الدول العربية. كما كان لظهور (لغة موازية) يستخدمها الشباب العربي في محادثاته عبر الإنترنت، خاصة المدونات وغرف (الدردشة)، دور في زيادة انعزال الشباب في عالمهم الإلكتروني، وهو ما أشارت إليه دراسة اجتماعية ظهرت في منتصف عام 2008 بعنوان (ثقافة الشباب العربي) للدكتور (علي صلاح محمود)، الأستاذ بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة، حيث فسر الباحث لجوء الشباب إلى لغة حديث موازية (تتضمن رموزا وأرقاما، فحرف الحاء يكتب (7) والهمزة (2) والعين (3)) بوجود شعور بالاغتراب لديهم يدفعهم للتمرد على النظام الاجتماعي وتكوين عالمهم الخاص بعيدا عن قيود الآباء. وأضاف: “إنهم يؤلفون هذه اللغة كقناع في مواجهة الآخرين”، موضحا أن واقع شبابنا اليوم وعزوفه عن المشاركة في قضايا المجتمع أصبحا لا يبشران بخير على الإطلاق، خاصة في مجتمعنا العربي الذي يبتعد فيه شبابنا عن الأنشطة السياسية والاجتماعية نتيجة التأثر بالإعلام الخارجي. وتعود (د. إنشاد) للحديث بقولها: “الكثير من الأفكار التي يتعرض لها الشباب تختلف عما تربى عليه الآباء والأمهات؛ حيث تتولد طموحات لا تتناسب مع حجم إمكانات الشاب والأسرة، مما يولد صراعا عائليا يؤدي بدوره إلى وجود (علاقات جافة)، وبالتالي يستغرق الابن في عالمه الافتراضي، مفضلا إياه عن واقعه، مما يزيد من مساحة الانعزال الاجتماعي”. وتخلص (د. إنشاد) إلى أن السؤال سيظل قائما وهو: “كيف نعيد الشباب من عالمه الخاص إلى التواصل مرة ثانية مع مجتمعه؟!”، مؤكدة أنه قد يكون هو السؤال المناسب حاليا بعد تراجع عملية التواصل الاجتماعي، وهو بالفعل سؤال حاول الخبراء والمتخصصون الإجابة عنه، لكن بتتبع إجاباتهم نجد أن الكثير من الحلول (شكلية) يصعب تحقيقها عمليا، والمطلوب هنا حلول (أعمق) لكي تتماشى مع كل أداة، وليست حلولا عامة، كما تجب دراسة السبل التي يجب تطبيقها لانتشال الشباب من غرقه في الانعزال داخل عالمه الخاص قبل فوات الأوان. [https://archive.aawsat.com]

الفصل الرابع

الشباب والحركات الاجتماعية

أ – المفاهيم

– الشباب

– الحركات الاجتماعية

ب – جدلية علاقة الشباب بالحركات الاجتماعية

ت – التأطير والتوظيف النظري لانتفاضة الشباب العربي

ث – نماذج من الانتفاضات الشبابية المعبرة عن جدلية العلاقة بين الشباب والحركة

– انتفاضة الشباب العراقي

– انتفاضة الشباب اللبناني

– انتفاضة الشباب الجزائري

– انتفاضة الشباب السوداني

– انتفاضة الشباب في تشيلي

– انتفاضة الشباب اللاتيني

– انتفاضة شباب هونك كونك

– انتفاضة الشباب الإيراني

تعليق

 

الفصل الرابع

الشباب والحركات الاجتماعية

 

أ – المفاهيم

بادئ ذي بدء ندخل في تعريف مفهوم الشباب والحركة الاجتماعية قبل الولوج في توضيح التفاعل الجدلي المتبادل بينهما لأن الشاب لا يستطيع ان يوصّل صوته أو يمارس نشاطه الجمعي بدون انتماءه الى حركة اجتماعية، ولا تستطيع الحركة الاجتماعية أن تمارس وجودها الحركي بدون انتماء الشباب اليها. يعني كلاهما وجهان لعملة التغيير والتطوير الاجتماعي وجمود أحدهما يؤدي الى سبات الثاني الذي بدوره يعمل على تخلف المجتمع في مسيرته التاريخية والنهضوية، ونشاط أحدهما يولّد الحيوية والديمومة عند الأخر الذي بدوره يذهب الى منحها الحيوية والاستدامة في تطوره وتقدمه. بعد هذا الاستدلال أعرج الى مدار تقديم تعريف الشباب.

الشباب Youth: هم الطاقة البشرية الحيوية القادرة على القيام بالعمليات النهضوية والتنموية بالانطلاق في التعليم والثقافة والاعلام. هذه الشريحة العمرية تمثل الأرض الخصبة التي فيها براعم التغيير وتنمو من خلالها. أنها شريحة تتوسط بين فترة المراهقة والنضج تمثل مرحلة الدخول في العضوية الاجتماعية الكاملة (العمل المهني المنتظم والمشاركة في الحياة العامة). تُعتبر فئة الشّباب أهمّ الفئات التي تعمل على بناء وتنمية المُجتمع؛ فهي عموده الفقريّ الذي لا يُمكن الاستغناء عنه، فهذا المفهوم، أي الشّباب، يُعبّر عن خصائصَ تتمثّل أساساً في القوّة والحيويّة والطّاقة، والقدرة على التحمّل، وعلى الإنتاج في مرحلةٍ مُعيّنةٍ من عمر الفرد.

في المُعجم اللُغوي العربي كلمة الشّباب تعني البناء والحداثة، وفي المعجم اللغويّ الإنجليزيّ Oxford فإنّ الشّباب بالإنجليزية (Youth) تُطلَق على المرحلة العُمريّة التي تمتدّ ابتداءً من مَرحلة الطّفولة إلى ما قبل الرُّشد.

 دور الشّباب في بناء المُجتمع: للشّباب دورٌ كبير في تنمية وبناء المُجتمع، ولا يقتصر دورهم على مَجالٍ مُحدّد، بل يتقاطع مع جميع المجالات الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، ومُختلف قطاعات التّنمية، فمن أهمّ مُميّزاتهم ودورهم كقوّةِ تغيير مُجتمعيّة ما يأتي:

1 – الشّباب هم الأكثر طموحاً في المجتمع، وعمليّة التّغيير والتقدُّم لا تقف عند حدودٍ بالنّسبة لهم، فهم أساس التّغيير والقوّة القادرة على إحداثه، لذلك يجب أن يكون استقطابُ طاقاتهم وتوظيفها أولويةَ جميع المُؤسّسات والمَجموعات الاجتماعيّة التي تسعى للتّغيير.

2 – الشّباب هم الفئة الأكثر تَقبُّلاً للتّغيير، وهم الأكثر استعداداً لتقبُّل الجديد والتّعامل معه، والإبداع فيه، وهم الأقدر على التكيُّف بسهولةٍ دون إرباك، ممّا يجعل دورهم أساسيٌّ في إحداث التّغيير في مُجتمعاتهم.

3 – الحماس الفكريّ لدى الشّباب والطّاقة الجبّارة التي يملكونها تُساعدهم بشكلٍ كبيرٍ نحو التقدّم والحيويّة في التّفاعل مع مُختلف المُعطيات السياسيّة والاجتماعيّة المُتغيّرة.

4 – الشّباب قوّةٌ اجتماعيّة هائلة، ففي بعض البُلدان هم أكثر الفئات عدداً، وهم بالطّبع الأكثر نشاطاً، وبالتّالي يُمكنهم تغيير الكثير من خلال الاشتراك بأعمال التّنمية المُجتمعيّة في جميع المجالات، والمُساهمة في إصلاحها، والتّأسيس للأجيال القادمة لتكون ظروفهم أفضل.

5 – روح المُبادرة لدى الشّباب، والمُنافسة الشّريفة في الإبداع والابتكار تُشجّعهم على إطلاق أفكارهم وخلق مُبادرات ومُؤسّسات وجمعيّات في مُختلف المجالات، وكلّها تُساهم في تنمية المُجتمع حسب عملها.

6 – دور الشّباب في العمل التطوعيّ والخدمات العامّة في المدن والرّيف والأحياء الشعبيّة على حدٍّ سواء، فمُشاركتهم بالأعمال التطوعيّة المُختلفة قادرةٌ على بناء شخصيّاتهم وتقويتها، وتعزيز روح المُواطنة لديهم، وتجعلهم يُساهمون في مُساعدة الآخرين، ويُقدّمون لمُجتمعاتهم طاقاتهم الإيجابيّة، وقوّتهم في المجالات الصّحيحة.

7 – التعرُّف على الأمور المَحليّة التي تخصّ المُجتمع الذي يعيشون به، والتعلّم عنه، واكتساب معرفة في تاريخه ومُميّزاته وخصائصه واحتياجاته، ممّا يُمّكنهم من تطويره وتنميته.

8 – تأسيس المَجموعات الشبابيّة المُختلفة والمُشاركة فيها، فهناك الكثير ممّا يُمكن أن يقوم به الشّباب المُهتميّن بالعمل في مجالٍ واحد، وهو ما يُمكن أن يُسهِم في تطوير هذا المجال والمُجتمع المُحيط بهم كذلك.

دور الشّباب في السّياسة: للشّبابِ تأثيرٌ كبيرٌ على السّياسة، وأدوارٌ هامّةٌ يُمكن أن يُساهموا بها، مثل:

1 – الشّباب هم القوّة السياسيّة الأكبر، والأكثر تحرُّراً وانفتاحاً، لذلك يمتلكون القُدرة على تحقيق أهدافهم في تغيير السّياسات وتفعيل دورها بشكل أكبر في دولهم، والتّأثير على جميع القوى السياسيّة، وعلى صُنّاع القرار والمَسؤولين.

2 – من واجب الشّباب مَعرفة حقوقهم وواجباتهم، حتى يستطيعوا المُطالبة بها، والتّعامل معها، وتحقيقها، وتطبيقها بالشّكل الأمثل.

3 – يُمكن للشّباب المُساهمة في التّغيير الحقيقيّ من خلال التّعبير عن آرائهم بمُختلف الطّرق، خاصّةً ما توّفره اليوم الوسائل التكنولوجيّة الحديثة، لكن عليهم بالطّبع توخّي الحذر في كُلّ ما يُقال أو يُنشر، فاليوم كُل ما يُكتب ويُنشر مَحفوظٌ، ومن الصّعب مسحه فيما بعد.

4 – المُشاركة في الانتخابات والتّشجيع عليها، إذ تُعدّ الانتخابات مِفصلاً سياسيّاً هامّاً في جميع الدّول، وموقف الشّباب منها يجب أن يكون موقفاً مُؤثّراً، لأنّها في أغلب الأحيان سُتحّدد مُستقبل البلاد لعدّة سنوات بعدها، وهم فِعليّاً أكثر القوى المُؤثّرة والمُتأثّرة في مُستقبل البُلدان وتطوّرها.

دور الشّباب في الاقتصاد: للشّبابِ أدوارٌ هامّةٌ في تنمية اقتصاد الدّول، ومنها أنّ الشّبابَ قوّةٌ اقتصاديّةٌ كبيرةٌ يُمكن استغلالها في التّنمية الشّاملة، وفي جميع القطاعات، ويُمكن من خلال تحفيزهم على الإبداع في المجالات المُختلفة الحصول على أفكار رياديّة خلاّقة، وزيادة الإنتاج والدّخل لهم وللعاملين في تلك المجالات، ممّا يضمن النّجاح والتقدّم للمُجتمع بمُختلف قطاعاته.
[https://mawdoo3.com]

الحركات الاجتماعية Social movement: يرتهن وجود الحركات الاجتماعية في المجتمع بانعدام العدالة الاجتماعية وفقدان الرضا الشخصي للفرد ووجود تناقضات داخل المجتمع وغياب وجود شرائح اجتماعية منسجمة ومتوازنة في نفوذها ودخلها الاقتصادي عندئذٍ يكّون وجود الحركات الاجتماعية تحصيل حاصل. هذا من جانب ومن جانب أخر هناك مؤثرات عملاقة تهيئ لوجود الحركات في المجتمع مثل العولمة والمجتمع المدني والشركات ذات الجنسيات المتعددة التي جعلت التحولات الكونية سريعة التبدل لتكن على حساب الاقلمة الإنسانية والحرة والبيئة النظيفة وحماية البشرية من شرور طغيان المعايير المادية والالكترونية والثقافات الاجتماعية المحلية. هنا نقول عن الحركة بإنها فعل جمعي فعّال له القدرة على دفع عملية التغير الى مراحل تطورية متقدمة أو مقاومتها وعدم مساعدتها بالوصول الى مراحل تطورية متقدمة. إذن هي تمثل طاقة بشرية حيوية لها القدرة بشكل دؤوب على تطوير النظام الاجتماعي للصالح العام وليس الفئوي وبالوقت ذاته لها الطاقة الصلبة القادرة على الوقوف أمام النظام الاجتماعي عندما يبتعد عن خدمة المجتمع أو منحه عندما يهدف خدمة شريحة اجتماعية واحدة. إذن هي تحاول تعديل أو تبديل أو تغير النظام الاجتماعي القائم تبدأ هذه المحاولة في المطالبة بتصحيح بعض المشاكل القائمة في المجتمع من أجل إرساء أنماط جديدة في مجريات الحياة الاجتماعية. ولكي نجول طرداً مع مفهوم الحركة نستطيع القول بإنها تنبلج من خضم الاضطرابات الاجتماعية السائدة في ارجاء المجتمع لتعكس عدم رضا الناس وشكواهم وتذمرهم وانزعاجهم عما يحدث في مجتمعهم من فساد إداري ومالي وسياسي وظلم واضطهاد أمني أو فكري متأملين اصلاح ما هو فاسد وتجنب ما هو قاهر ليعيشوا في مستوى أكثر أمناً وأماناً. بات واضحاً إذن من ان الحركات الاجتماعية تختلف عن التنظيمات والسلوك الجمعي الأولي ولا تشبه معاييرها لأن الحركة الاجتماعية لها: –

أ – أعضاء غير محددين وغير ثابتين.

ب – قيادة متبلورة من خارج إطار الاستراتيجيات العرفية (غير الرسمية) للأعضاء.

ت – استمرار دوام الفعل.

لا جناح من القول بإن الحركة لا تمثل جماعة الضغط pressure group التي تبحث عن بلورة رأي عام وإيجابي أو مجامل يخدم سياستها تفرضه على حزب سياسي أو أحزاب سياسية وبهذا فهي ترمي الى تحقيق تغير اجتماعي محدود الأبعاد (ضيق النطاق) بينما الحركة الاجتماعية تهدف الى تغير النظام الاجتماعي وتملك أيديولوجية فكرية، بينما جماعة الضغط لا تملك أيديولوجية فكرية بل يملكون أصحاب العقارات والتجار الكبار ولا يمثلون حزباً سياسياً وذلك راجع الى عدم ارتباطهم بعقيدة تجمعهم. زبدة القول الحركة الاجتماعية أقوى تأثيراً من جماعة الضغط في عملية التغير الاجتماعي والنظام الاجتماعي.

ب – جدلية علاقة الشباب بالحركات الاجتماعية

عندما لا يسمح للشباب من ممارسة دوره في الحياة الاجتماعية ولا يستطيع ان يحقق مكانته الاجتماعية التي بدورها لا تجعله أن يتحرك على درجات الحراك الاجتماعي العمودي ولا يجد فرصاً للعمل أمامه لكي يحصل على مصدره رزقه (أي يكون عاطلاً عن العمل) ويتم إبعاده وعزله عن المشهد السياسي والمشاركة البرلمانية والشعبية والبلدية لأنه لا يملك نفوذاً اقتصادياً في النسق الاقتصادي أو السوق التجاري ولا يملك قوة ضاغطة في سوق العمل لأنه مازال طالباً أو عاطلاً عن العمل، فإن ذلك يعني انه مُستبعد عن العملية الإنتاجية والقرار السياسي.

بتعبير أخر انه فرد ليس لديه هوية اجتماعية ولا وطنية ولا اقتصادية، وعندما تستمر هذه الحالة لفترة طويلة من الزمن لشريحة عمرية كبيرة الحجم في الهرم السكاني ومسلوبة الإرادة وهي مليئة بالطاقة الحيوية الجسدية والذهنية عندها يكون هذا الخزين البشري الحيوي بطاقته المجمدة تثيره وتحفزه وتنهضه مؤثرات الكترونية حديثة ظهرت في القرن الحادي والعشرين متاحة لاستعمالها من قبل الجميع مثل الانترنت والفيس بوك والتويتر واليوتيوب ومحركات البحث مثل جوجل واخواتها، كلها وسائل ناقله مثلها تماماً مثل وسائل الاعلام النمطية التقليدية وما جلبته من فضح أسرار وصفقات وفساد تصفيات جسدية ومعتقلات سرية جعلت هذه الشريحة الحيوية بطاقتها المجمدة واعية بما يقوم به أصحاب القرارات العليا من تعسف وسرقات المال العام واستغلال صلاحيات مناصبهم وهو المواطن والوطن وتمتعهم بكل وسائل الترف والبذخ من أموال الشعب ومصادره الطبيعية فخلقوا فجوة طبقية كبيرة وواسعة بينهم وبين عامة الشعب فحّولوا الشباب الى ضحية رخيصة يعاني من الجوع والبطالة والاستغلال والتسخير الطائفي الذي كان يمثل ضابطاً طائفياً يمارسه حكام المجتمع عليهم لكي يستعبدهم ويستبعدهم لخدمتهم في الانتخابات النيابية. استمرت هذه الحالة لعدة عقود من الزمن – في لبنان خمسة عقود منذ عام 1972 وفي العراق لمدة عقدين منذ عام 2003 فكانت الطبقة الحاكمة عديمة الجذور الاجتماعية والوطنية والسياسية لذلك لم تستحي ولا تخجل من سرقاتها وفسادها وتزويرها الرسمي والعلني. مثل هذا التناقض بين أقلية حاكمة (تمثل مطية للنظام الصفوي الإيراني في العراق ولبنان وسوريا واليمن) والأغلبية المقموعة والمضطهدة والمستبعدة والمهمشة ليس لها دور ولا مكانة ولا حراك اجتماعي في مجتمعها وبلدها وتمثل ثلثي سكان المجتمع، مما جعلهم يضطروا الى الانتفاضة السلمية غير المؤدلجة والمنسجمة في عناصرها وعدم فوضويتها لا تثق برجال النظام الحاكم ولا تقبل التسويف والمماطلة لأنها جدية في مرئياتها وقراراتها تعشق الانعتاق من قيود الماض المكبلة لجموحهم المتنامي تهمها ممارسة دورها الوطني والمؤسسي لتؤكد على هويتها الوطنية التي أهملت طيلة حياتها من قبل النظام الطائفي. بعد هذا الاسترسال نشير الى موجات انتفاضات الشباب العربي ضد تهميشه وبطالته وتجريده من هويته الوطنية، كانت الأولى في عام 2011 ضد النظام الشمولي في كلٍ من تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا والعراق الذي تميز بحكم العائلة الممتدة وهيمنتها على جميع المرافق السياسية والعسكرية والاقتصادية والأمنية، تمسّك الحاكم الشمولي بالحكم حتى ولو تم ذلك على حساب تدمير البلد وقتل الملايين من المجتمع. استخدام الجيش لسحق انتفاضته والجيش اصلاً متأسس للدفاع عن الوطن من العدو الأجنبي وليس من أبناء شعبه وتعامل الحاكم مع شعبه بكل استعلاء واحتقار فقام بسجنهم وتعذيبهم وقتلهم عندما طالبوا بحريتهم وهويتهم الوطنية. ولتأكيد هذه الموجة الانتفاضية للشباب العربي نقدم دراسة قامت بها مؤسسة أمريكية خاصة بالبحوث الاجتماعية اسمها جالوب Gallup اشتركت مع مؤسسة الدوحة في دراسة الشباب العربي ممن تتراوح أعمارهم بين 15 – 29 سنة في عشرين بلد عربي من بينهم الصومال وكان ذلك في شهر تموز من عام 2011 فكانت نتائجها أن السبب الرئيسي لثورة الشباب العربي يكمن في بطالتهم عن العمل وعدم اسهامهم بالعمليات الإنتاجية الاقتصادية في بلدهم وعدم شعورهم بإن كرامتهم محترمة من قبل النظام الحاكم التي يستحقها كل إنسان فضلاً عن الظلم والجور وعدم العدالة المعتمة من قبل نظام الحكم أمام الرأي العام العالمي والمحلي. ثم ركزت الدراسة على الثمان سنوات الأخيرة من حكم الأنظمة العربية الساقطة التي وجدت فيها هبوط سريع من النمو الاقتصادي في كل من تونس ومصر الذي وسع الهوة والفجوة بين الفقراء والأغنياء وبين أصحاب القرار والرغبة. وإن 30% من الأفراد المشمولين في هذه المسح الاجتماعي قالوا بإنهم يرغبوا بالهجرة الأبدية من بلادهم لكي يعيشوا عيشة كريمة ويكسبوا رزقهم بعرق جبينهم لأن العمل في بلادهم لا يتم إلا بالواسطة والشفاعة عند أصحاب القرار وهذا إذلال لكرامتهم. [العمر. 2014. ص. ص. 268 – 269]

أما الموجة الثانية لانتفاضة الشباب العربي فقد كانت في عام 2019 في كلٍ من لبنان والعراق والجزائر واليمن والكويت لكنها لم تكن ضد الحكم الشمولي والعائلي بل ضد الحكم الطائفي – الفئوي، فكان معظم المتظاهرين من الشباب خاطروا بحياتهم لأنهم يجرؤون بالنزول الى الشوارع لا توجد لديهم اية قيادة سياسية ولا اية ارتباطات سياسية واضحة. في البداية قاموا بتعبئة أنفسهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي باستخدام الهاشتاغ العربي (أنا نازل أخذ حقي) ان ما جعلهم يظهروا وكأنهم موحدين هو شعورهم العميق بإنهم لا يرون أي افاق لمستقبلهم في بلدهم فيه 60% من المواطنين تقل أعمارهم عن أربع وعشرين عاماً. لا جرم من القول بإن انتفاضة الشباب العربي اكتسبت أهمية تكمن في الإرادة الشعبية المطلقة للعودة للهوية الوطنية التي هي بمثابة الزلزال الذي هز وزلزل كيان النظام السياسي. جدير بالملاحظة ان هذه الموجة الثانية لانتفاضة الشباب العربي تمثل الصراع بين تحقيق الهوية الوطنية ضد تمسك النظام الطائفي والثقافة الطائفية في الحكم، فكانت انتفاضة عفوية وبدون قيادة وتوجيه لهو مؤشر صحي على عودة الوعي بعد ان حاولت الطغمة الحاكمة واحزابها وميليشياتها احتكار الوعي العربي وربطه بتفكيرها المعطوب وسباتها الرث فكانت مطالبهم تتمحور حول المحاور التالية: –

أ – تغير العملية السياسية.

ب – تغير الدستور.

ت – المطالبة بقانون انتخابي جديد.

ث – تجريم الأحزاب المتهمة بعمليات قتل طائفي وفساد.

ج – منع أي مسؤول من الترشيح للانتخابات.

ح – وضع السلاح بيد الدولة وتفكيك المليشيات.

ومن نافلة القول كشفت انتفاضة الشباب العربي تكريس الهوية الطائفية كأساس غير مكتوب لتقاسم السلطة فأسقطت اسطورة الطائفية كمبدأ منظم للسلطة السياسية حيث لم تحقق الطائفية التي ترعاها الدولة الحماية والتقدم للمواطنين كذلك كشفت حقيقة استمرار الأزمة العميقة التي يعيشها النظام السياسي الطائفي وتلاشت قدرته في الصمود والبقاء نتيجة فشله في تقديم طبقة سياسية وطنية تملك قدرة الحفاظ على الهوية العربية وحماية مكتسباتها وأعطت شرعية الدفاع عن حقوق المواطن الوطنية وليس حقوق طائفة معينة وهذا ما أثار مخاوف النظام الحاكم من أن تتوجد الأصوات وتعمل على عودة اللحمة الى النسيج العربي. فأيقن الشباب العربي الثائر ان هويته المذهبية التي تبني النظام الحاكم أهدافه على مظلوميتهم لم تكن ألا عملية ذر الرماد في العيون للاستحواذ على البلد وثرواته وحصر الانتساب بها لأحزابه بغياب وصمت الرموز الدينية. بمعنى ان الشباب العربي اكتشف ان اختيار نظام المظلومية الطائفية من قبل المراجع والأحزاب لم يكن إلا غاية للوصول الى السلطة ووسيلة لسرقة المال العام.

أما هتافات الشباب العربي المتظاهر فكانت كالاتي:

– باسم الدين باكونا الحرامية.

– ما نريد واحد ملتحي نريد واحد مستحي (للدلالة زيف ادعاء الدين)

– طلعت ريحتكم.

– كل النواب حرامية. (للدلالة على استشراء الفساد بين الحكومة والنواب معاً)

– أرحلوا عن الشعب يا سارقيه.

– أرحلوا عن الشعب يا أعداء الشعب.

– ارحلوا يا مجموعة قاطعي الأرزاق.

– الشعب يريد اسقاط النظام.

– الشعب يريد ان يتنحوا جميعاً. (شعار جزائرياً)

– الجزائر أرض الأبطال يحكمها الصغار.

– المشكلة استمرار الوثنية وليس استبدال الصنم.

– انا لست هنا لالتقط سلفي انا هنا لتغيير النظام.

– البطاريات ميتة لا داعي للضغط عليها.

– طلبة صامدون للتمديد رافضون.

– أرحل… أرحل.

– إيران بره بره بغداد تبقى حرة (للدلالة على تبعية الحكومة للميليشيات المدعومة من إيران وعدم الرضا العام عن سياسة التبعية والخنوع لأي قوة خارجية).

– بالروح بالدم نفديك يا عراق.

باختصار شديد أنها انتفاضة شباب حر الفيني لا يؤمن بالطائفية المقيتة ولا الحزبية البغيضة وضد مشروع تمدد إيران والطائفة الصفوية في الوطن العربي.

أخيراً نقول إن هؤلاء الشباب انتقلت مطاليبهم بحل مشكلة البطالة وتردي الخدمات والصحة والتعليم والكهرباء والماء وسرقة قوت الشعب الى سيادة الوطن والوجود العربي ومستقبله. نقول بإن انتفاضة الشباب العربي نعتبرها حركة ثورية revolutionary movement نقيض الحركة الإصلاحية لأنها تهدف اسقاطه واستبداله بأخر أفضل منه وأحدث بكثير من آلياته وقياداته. بينما الإصلاحيون يعملون على تصحيح بعض العيوب والنقائص القائمة في النسق البنائي المحوري (السياسي). بينما يرى الثوريون بإن النسق السياسي لا يستحق البقاء في الوجود بل من الأفضل الغاءه واستبدال أخر به أفضل منه.

ت – التأطير والتوظيف النظري لانتفاضة الشباب العربي

نظرية الجمهور المحتج لجارلس تيللي: المنطوية على تنظير الاهتياج الثوري لجمهور محتشد مصمم على أحدث تغيير في النظام السياسي القائم أو قهره أو كسره محتجاً على الفساد المالي أو الإداري أو السياسي أو الاضطراب الأمني من خلال السلوك العنفي الذي يصل الى ذروته في التصدي والمواجهة المسلحة مع أجهزة الحكومة الأمنية وقد حلل (تيللي) هذا الاهتياج المحتج من خلال تبلوره ونموه عبر مراحل تطورية أربعه هي: –

أ – وجود تنظيم حركي لجماعة اجتماعية تأخذ شكل الحركة الاجتماعية التي تبدأ من احتشاد تلقائي بسبب وجود أزمة سياسية أو اقتصادية أو فساد اداري ومن ثم تتحول الى نواة أو خلية لحركة منظمة.

ب – تعبئة الحشد، في هذه المرحلة تبحث نواة الحركة على مصادر غنية (مثل المال والشخصيات القيادية ووجهاء المجتمع) لكي تعزز سلوكها الجمعي وتدعم أهدافها الحركية فضلاً عن بحثها عن مناصرين لها لكي توسع قاعدتها الشعبية.

ت – المصلحة المشتركة عند المنخرطين في السلوك الجمعي للحركة التي تمثل نوع وكم الخسارة والربح المتأتي من هذا الانخراط الحركي وغالباً ما تكون هذه المصلحة مستترة غير معلن عنها تقوم بتحفيزهم جميعاً، هذه الحالة تتصف بها معظم الحركات الاجتماعية عند مرورها من مراحل تطورها مثل التحالفات الخارجية أو حتى مع بعض عناصر النظام السياسي الحاكم من أجل تغير النظام الفاسد.

ث – الفرصة، المقصود بها الواقعة التي تحدثها احداث سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية ممثلة ثغرة نسقية أو بنائية تستطيع الحركة والنفاذ اليها لكي تقبل فعلها في عملية التغير وغالباً ما تحصل هذه الحالة عن طريق المصادفة التاريخية التي لا تكن حتمية بشكل مطلق بل تقع بواسطة الاحداث الطارئة والمتوقفة حيث لا يوجد تخطيط مسبق لها. لكن عندما تتشكل الحركة الاجتماعية بشكل منظم وتجمع أصحاب المصلحة المشتركة والاهداف والأماني الواحدة عندها تبدأ بالإفصاح عن مصلحتها وأهدافها بالعلن في الشارع والساحات العامة على شكل سلوك جمعي مطالبين بمقاضاة الجمعية وهذا التعبير قد يكون على شكل لفظي أو سلوك حماسي (عنفي) أو يصل الى عنفوانه بشكل ثوري وغالباً ما تقوم الحركة بعملية التعبئة من خلال تحريك عناصر الحركة النشطة والشابة من أجل الكسب الجماهيري وتهديد رموز النسق السياسي وغالباً ما تكون نداءاتهم وفعالياتهم على شكل سلوك جمعي محتج وفاضح للظروف التاريخية والثقافية للمجتمع وغالباً ما تطلق الحكومة على هذه الاحتجاجات بأعمال شغب لكن ليس كل عمل مشاغب يكتب له النجاح في التغير إذ هناك العديد منها ظهرت ثم انتهت ولم تستطع الاستمرار بسلوكها الجمعي فتختفي من الوجود بذاتها وليس بقمع خارجي واحياناً تبدأ هذه الحركة على شكل عصابات مسلحة تقاوم الجيش المنظم مستخدمة الأسلحة النارية والعنف الدامي في التغير الثوري ضد النظام الحاكم الذي يقوم بإطلاق الرصاص عليهم وقتل العديد منهم ويقوم المحتجون بأعمال تخريبية للبنايات العامة والممتلكات الخاصة وهنا تستطيع أن نسمي هذا العمل بالحركة الثورية التي تستطيع اضعاف سيطرة الأجهزة الأمنية عليها وارباك الهيئة الحاكمة وتحدث انفلات أمني يصل الى حد كبير وهذا ما يسمى بالسيادة المتعددة واحياناً تحصل السيادة المتعددة كنتاج حربي مع الخصم الخارجي أو كنتاج لصدام سياسي داخلي أو بسبب كليهما. جميع ذلك يقلل من هيمنة نفوذ السلطة على البلد وتحجيم سلطة الحكومة أو الحاكم. [Giddens. 1994. Pp. 629 – 631]

ث – نماذج من الانتفاضات الشبابية المعبرة عن جدلية العلاقة بين الشباب والحركة

سوف أعرض النماذج عن الانتفاضات الشبابية المعاصرة في دول العالم الثالث بما فيها المجتمعات العربية التي اختلفت انتفاضاتها في ثوراتها الربيعية عام 2011 عن الانتفاضات التي انبرت عام 2019. ففي الأولى كانت ضد الحكم العائلي والفردي والشمولي، بينما الثانية انفجرت ضد الحكم الطائفي والحزبي، لكن كلاهما هدفا تغير النظام الحاكم في البلدان العربية. الملاحظ على حكام العرب في القرن الماضي والحاضر أنهم لم يعطوا أهمية الى الشريحة الشبابية التي تمثل الحجم الأكبر في الهرم السكاني العربي الأمر الذي جعل الشباب المتنور والواعي أن ينهض وينتفض ويثور ضد حكامه الطغاة والمتعالين على مواطنيه وهم (المواطنين الشباب) يمثلوا الطاقة البشرية الحيوية القادرة على النهوض بالمجتمع وتنميته وهم في عصر التواصل الاجتماعي الفوري وثورة المعلومات والتجارة العالمية الحرة والعولمة، مع كل ذلك بقيَّ حكام العرب وما زالوا يحكموا بعقلية تراثية بطريقية مستبدة وكأنهم لا يعيشوا روح العصر الحالي بل في العصر اللاهوتي – الماورائي فلم يخدموا مجتمعهم ولا وطنهم ولا حتى أنفسهم لأنهم لبسوا بقادة بناة لمستقبل زاهر لأمتهم بل يعيشوا ليومهم فقط بسبب نظرتهم التي لا تعدوا أبعد من ذلك وهذا من سوء حظ المجتمع العربي. بعد هذا الاستدلال أدلف الى محيط النماذج الانتفاضية الشبابية المعاصرة وهي ما يلي: –

انتفاضة الشباب العراقي: يتميز جيل الانتفاضة العراقية بأنه وليد تناقضات سياسية واقتصادية وطائفية استمرت ستة عشر عاماً، كانت مليئة بالتناحرات الدامية بين المكونات السياسية الحديثة النشوء وصراعها مع الاحتلال الأمريكي والاستعمار الإيراني وفساد الطبقة الحاكمة في استغلالها لمناصبها العليا في سرقة المال العام وتهريبه الى خارج العراق وغسل الأموال والاتجار بالمناصب الحكومية وتشكيل ميليشيات لكل مكون سياسي في خطف الأفراد من أجل الحصول على فدية أو مال لعتقهم، كل ذلك مصاحب لنشر الممارسات اللاوطنية في تمشية معاملات المواطنين في دوائر الحكومة (الرشوة والتزوير والاختلاس) مع استغلال المعتقد الجعفري في ممارسة الطقوس العزائيه والدينية التي كانت محجوبة عليهم قبل عام 2003 مع دمج السياسة بالطائفة الدينية من أجل تثبيت مواقع المزايدين والمرتزقة باسم الطائفة الدينية من مناطقها ومدنها الى خارج العراق. أنها انتفاضات متعددة الأنواع والحجوم لكن هدفها ضد نشر التفرقة الطائفية والعرقية والدينية، وبلورة الطبقة الحاكمة التي سلبت الملايين والمليارات من الدولارات من أموال الدولة والشعب وتمتعها بالمناصب الحكومية العليا التي كانت (قبل استحواذها على السلطة) ليس لها مناصب حكومية ونكرة اجتماعياً ومفلسة مالياً (وهم الأقلية). وطبقة فقيرة لا تملك الثروة ولا السلطة وهي الأغلبية الساحقة، اما الطبقة الوسطى فقد تم اغتيال الكثير منهم وتهجير ما تبقى منهم خارج العراق أغلبهم من المثقفين والمهنيين وأصحاب الكفاءات العلمية. خرج جيل الشباب من رحم الطبقة الفقيرة – الدنيا مع بداية القرن الحادي والعشرين لا يعرف ولم يعاني من الحروب التي مرَّ بها بلده بل شاهد هذه التناقضات المتناحرة والدموية. لذا نقول بإنه لم يعاني من المعاناة التي مرَّ بها المراهقين من قلق وتوتر وجنوح وسرقة وتخريب وعنف بل أطلع على ما قدمته ثورة المعلومات ومخترعات التقدم التكنولوجي الحديث مثل السوشيل ميديا والنت فنشاهد عالمين مختلفين تماماً هما عالم المليشيات الحزبية وممارساتها الدموية مع المواطنين والسرقات العلنية التي تقوم بها الطبقة الحاكمة وتزويرها للانتخابات ووعودها الكاذبة وتمتعهم بالعيش الرغيد والسفر الى خارج العراق وشراء العقارات هناك. مع اطلاعه على عالم فيه حرية الشعوب الغربية وتمتعها بالاستقلالية الشخصية والتعامل الحضاري الراقي. تعايش هذا الجيل (الشباب العراقي الناهض) مع هذه التناقضات وهو في مرحلة نشوئه في بلده فقام بتكوين ثقافة فرعية خاصة به قوامها ما يلي: –

أ – تكوين له هوية وطنية قائمة على إنجازها المهني والمدرسي وليس الوراثي او القرابي (أي مكانة مكتسبة وليست وراثية).

ب – طرد الاستعمار الإيراني من بلده الذي سخر مطاياه عليه وجعل هذا الطرد قيمة ثقافية عراقية وطنية.

ت – ثورة على الظلم والفساد الممارس عليه من قبل مطايا الاستعمار الإيراني الذي تمثله الطبقة الحاكمة.

ث – النزعة نحو التغير في السياسة والإدارة والقضاء والاقتصاد دون انتهاك القانون.

ج – ثقافة فرعية تجمع بين الذكور والاناث على حد سواء لأن هدفهم الاعتماد على الذات وليس على الأخر أو السلطة لكي يبنوا بلدهم على أسس جديدة وليس على أنقاض الماضي.

ح – عدم الأدلجة السياسة والتشيع الطائفي بل التأطر بالإطار الوطني العراقي.

خ – معارضين لنظام المحاصصة الدينية والعرقية والمناطقية.

د – الاعتماد على الإنجاز والتخصص والكفاءة العلمية في اشغال المناصب الحكومية.

ذ – انه جيل عصري غير تقليدي يريد ان يشق طريق عيشه بنفسه دون الاعتماد على الأخر ويريد أن يبني علاقاته مع العالم الخارجي بنفسه وليس بالواسطة أو وصاية أو حجر.

ر – يريد ان يصوغ مفاهيم وقيم وأفكار اجتماعية جديدة بنفسه تخدم تطلعاته ومصلحته الخاصة دون الخضوع لمفاهيم وقيم الكبار.

لأنه جيل الطفرة السكانية التي تعرف بالإنجليزية millennials أو جيل Y تتراوح أعماره ما بين 18 – 29 في ظل نظام قمعي وعقب أحداث عسكرية مؤثرة مثل حرب الخليج الأولى والثانية وثورات الربيع العربي وانتكاساتها، وترعرع في عصر ازدهار الانترنت والسوشيل ميديا تختلف عن أولويات أي جيل سابق. عاصرت هذه الشبيبة احداثاً فارقة بشكل متسارع ربما أكثر من أي جيل سابق مما أثر بطبيعة الحال على تكوينها ونظرتها لنفسها وطبيعة فعالياتها في المجال العام. أنه جيل تربى على تكنولوجيا المعلومات وطورها وعلّمها للجيلين السابق واللاحق شاهدوا بلدهم موشح بالحزن على الائمة ويعج بصالات القمار والملاهي ولا شيء يتم إلا بالرشوة والواسطة. وسمعوا عن فقراء معدومين حفاة تحولوا الى ملياردريه جاءوا من الخارج وحكموا البلاد ويعيشوا مع أبنائهم في مناطق مترفة ومعزولة عن عامة الشعب. وبين هذه التناقضات نذروا أنفسهم ليكونوا قرابين فداءً لكل أطياف العراقيين لتحررهم من زمرة الصعاليك (لصوص ومحتالين ومتشردين) التي جلبتها أمريكا بعد عام 2003 واكستها الحكومة الإيرانية عباءة الطائفية لتجعلها خادمة لها. ولما كانت هذه الرموز من الصعاليك المنبوذين من المجتمع العراقي قبلت برحابة صدر هذا الارتداء الطائفي الذي لا دراية لهم فيه ولا خبرة عندهم بالإدارة السياسية بل محترفين بالاحتيال وسرقة المال العام. باختصار شديد ساد المجتمع العراقي ثنائية جديدة لأول مرة تعبّر عن قرابين شابة تتحدى حكام صعاليك. ومن نافلة القول إن هذا الجيل (الالفية) لم يعاصر ثورة 14 تموز ولا 8 شباط ولا 17 تموز ولم يشهد ثورة الخميني ولا الحرب العراقية الإيرانية ولا احتلال العراق للكويت ولا انتفاضة أذار. إذن هو جيل حر ومستقل سياسياً وحزبياً وطائفياً وبناءً على ذلك يمكن ان نعتبر هذه هي الحاضنة الاجتماعية الأولى التي خرج منها جيل الشباب العراقي. لا ريب إذن من القول عنه بإنه جيل لا يمثل دُمية مؤدلجة يؤديها المتقدم بالسن لأنه جيل شجاع لا يعرف الخوف كما عرفتها الأجيال العراقية السالفة وفي ظل شجاعته لم يتردد بالدفاع عن قناعته لأنه واثق بقدرته على كسر قشرة البيضة المتكلسة ليخرج منها الى عالم حر. ولا جرم كذلك من القول عنه بإنه جيل خالي من مفهوم القدوة الذي كان سائداً في الرجوع اليه كمرجعية فكرية وسلطوية لأن هذه المرجعيات أصبحت مادة كوميدية في وسائل التواصل الاجتماعي وبات الفيس بوك مُسقطاً لكل الرموز الزائفة من خلال اتاحة الرأي العام فرصة للبروز. فظهر عبر السوشيل ميديا رأي عام حقيقي بعيداً عن القوالب النمطية للأحزاب السياسية والطوائف الدينية بعيداً عن الوعود المثالية والممارسات الوعظية والخرافية البالية التي تصرح بها الرئاسات الثلاث.  فما قام به شبان العراق الالفيين هو محاولة لبلورة هوية وطنية مبنية على وعي حقيقي لا تتماهى مع جيل رموز السلطة والطائفة والطبقة السياسية. فلا جناح من القول بعد ذلك بإن قوتهم لا تمثل حوار الأجيال بل ثورة جيل صاعد متمرد على جيل قامع ومستبد، يطالب بحقه رافضاً ازدواجية المعايير، هادفاً تحقيق الانفتاح ضد التطرف والتدخل الإيراني والأمريكي في الشؤون العراقية لأنه جيل حر والأكثر مقاربةً ومقارنةً مع المجتمعات الأخرى وليس بالعيش مع المراحل التاريخية الغابرة والبائسة التي لا تليق بالعيش في هذا العالم السريع التغير المعتمد على التطور الالكتروني الفوري.

أما محركاتها في الثورة: فهي معاناتها وحرمانها من أبسط شروط العيش الكريم من الماء والكهرباء وفرص العمل، وعدم الالتفات إليهم من قبل السلطة الحاكمة المترفة والمستهترة بثروة العراق. هذا من جانب ومن جانب أخر، استئثار جميع حكام العراق الصعاليك بعد عام 2003 بالسلطة في سرقة المال العام والمتاجرة بالدين وارتباطهم بالحكم الإيراني وخنوعهم وخدمتهم وتشدقهم له وادعاءاتهم المذهبية الزائفة واستغلالهم لأبناء الطائفة الشيعية لتخديرهم مع اعتماد الحكومة على المليشيات والمافيات الأجنبية والعراقية في الاغتيالات ونهب ثروة العراق وتعيين المدّعين والمزيفين للشهادات الجامعية بمناصب متميزة ومتسلطة مع استثمارهم في المناصب الحكومية في بيعها على المداهنين من بطانة الحكومة. ثم تشويه سمعة وتاريخ شيعة العراق وتحريف طقوس المذهب الجعفري والاتجار به واستخدام المليشيات والمافيات لحمايتهم في قتل المواطنين المعارضين ومن الطوائف الدينية غير الشيعية وغير الإسلامية وتغرير الجماهير الشيعية الساذجة والأمية في تسخيرهم لانتخاباتهم في المجالي البرلمانية والبلدية والمحافظة. هذا ولا بد لي بعد هذا الاستطراد أن أقول مضت ستة عشر عاماً والعراقيين يرزحون تحت تسلط زمر العصابات الإجرامية المتسترة بالأحزاب الكارتونية والمكونات الطائفية مسخرين المحاصصة البغيضة لتتحكم بالعراق والعراقيين مستنزفة موارد العراق الطبيعية. حريًّ بنا أن نشير الى ان المكونات السياسية العراقية الحاكمة تتوقع كل شيء إلا انتفاضة شباب الشيعة من المناطق الشيعية ومن جيل الالفية ان تنتفض ضدهم حيث كانت بدايتها على شكل تظاهرات غير مسبوقة وهي الأولى في العراق حيث خرجت بدون دعوة من حزب أو من تكتل سياسي. تظاهرهم هذا أدى الى هلعهم وفزعهم وجفلتهم لأنه أدى الى انفجار شعبي جارف وعارم معبراً عن مقته للوعود الكاذبة بالإصلاح ومحاربة الفاسدين وإيجاد فرص عمل والارتقاء بالمستوى المعاشي وإعادة بناء البنية التحية. فأشعل شرارة الثورة الأولى ليمتد لهيبها وسعيرها الى كل الفئات العراقية لأنها كانت متميزة بشجاعتها النادرة معبرةً عن عدم تقبلهم لأي اغراءات أو إصلاحات ترقيعية بائسة ولن يقبلوا ايضاً بالمماطلة والتسويف لا من رئيس الحكومة ولا من رئيس البرلمان أو رئيس الجمهورية ولا من المرجعية الدينية وفي مقدمتها علي السيستاني.

أهداف شبيبة الالفيين: عدم تنازلهم عن اسقاط الحكومة وصياغة دستور جديد ومحاكمة السارقين والمفسدين وحل المليشيات المسلحة وحل الأحزاب كافة ومصادرة املاكها وحصر السلاح بيد الحكومة ودمج كل قوة غير رسمية ضمن المؤسسات العسكرية مع الغاء جميع الحقوق والامتيازات التي حصل عليها السياسيين ممن تسنموا مناصب في حكومات ما بعد عام 2003 وحتى اليوم وإلغاء الامتيازات كافة التي كان يحصل عليها الرفحاويون. فكان أجمل ما في ثورة شباب الالفية العراقي هو التحرر من خرافات المعممين والدجالين وتجار الدين. أي أنها لا طائفية ولا دينية ولا حزبية ولا يحركها دعاة المذاهب والأحزاب وذلك لأنهم يرون 16 سنة من الشحن الطائفي بأوهام إيرانية سقطت بيوم واحد. أنه جيل الثقة والتفاؤل والروح الجماعية وأنه سيكون كفيل بإعادة حياكة النسيج الاجتماعي الجديد للمجتمع العراقي يتناسب مع العيش الكريم واستشراف المستقبل، يعكس العقلية الرشيدة والمنطق الرياضي والروح السمحة والانفتاح على بوابات العلوم الصرفة والمعرفة الموضوعية.

معوقاتهم: لا ننكر ان هذه الانتفاضة التي تحولت الى ثورة شاملة متميزة لم يحدث مثيل لها في تاريخ العراق القديم والحديث لأنها لم تكن عسكرية ولا حزبية أو قبلية أو طائفية أو إقليمية، ولم تأتي على ظهور الدبابات ولم تأخذ مبدأ المحاصصة البغيضة الممزقة للنسيج الاجتماعي العراقي لأنها انبعثت من بين صفوف أبناء العشوائيات وباعة البسطات والطلبة والعاطلين عن العمل والمالكين للوعي بأوضاعهم المزرية والفاقدة للعيش الكريم الذي غذته آليات تكنولوجية الاتصالات والسوشيل ميديا رافضين استغفال واستهتار الطبقة الحاكمة بهم بالشعب العراقي ونهب وسلب ثروة بلدهم وتحويل هوية المواطنة الى هوية الطائفة الدينية. هذا الوعي الحاد والحاذق لم ترضى به الأحزاب السياسية العراقية المساهمة بالحكم فمارست العنف الشرس ضدهم واستخدمت ميلشياتها وميليشيات الثورة الإيرانية لأنهم أدركوا بأن منافعهم المادية والسياسية سيفقدوها ويخسروا مناصبهم وثروتهم ورفاهيتهم التي نهبوها من العراق. اخيراً لا أريد ان اترك هذا الباب مالم أطرح انجازاتهم التي حققوها على أرض الواقع وهي: ان هؤلاء الفتية بعمرها اليافع ليس لديها عقيدة الخوف والهلع ولا التعلق بالمرجعية الطائفية ولا الحزبية الضيقة ولا تريد حماية منهم لأنهم يملكوا طاقة هائلة وقناعة أكيدة في تغير المجتمع العراقي حيث كشفت تداور الزمر الاعجمية على السلطة فأقلقت الحكومة العراقية والإيرانية معاً واسقطت صنمية المرجعية الشيعية ورموزها في نفوس الشيعة من خلال سكوتها على ما يجري وعدم اسنادها للشارع الوطني، كذلك اسقطت رمزية الحشد الشعبي وقدسيته في نفوس الشيعة ولا ننسى اسقاطها لقدسية إيران ودعوتها بالدفاع عن الشيعة المظلومين وإعادة الاصطفاف العراقي من الطائفي الى الوطني بغض النظر عن المذهبية.

انتفاضة الشباب اللبناني: لم يتوقع أحد من الشباب الذين نزلوا عفوياً عصر ١٧ تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، للاحتجاج على نية الحكومة فرض ضرائب جديدة منها ضريبة على خدمة الواتس آب، أن عشرات الآلاف سوف تتبعهم، وبهذه السرعة القياسية. وأنهم سيطلقون أكبر احتجاج شعبي ضد “المنظومة اللبنانية” تشهده البلاد منذ عشر سنوات، احتجاجاً لا يبدو أنه سيتوقف بمجرد سماع خطاب رئيس الوزراء سعد الحريري يوم الإثنين وما حمله من وعود بالإصلاح. [https://orientxxi.info]. يمكن إدراج مجموعة من الأسباب الرئيسية التي تقف وراء الانتفاضة العارمة التي حصلت في لبنان، وكانت الدافع الرئيسي خلف نزول مئات آلاف اللبنانيين الى الشارع في مختلف المناطق اللبنانية، وأهم هذه الأسباب:

أولا: الوضع المعيشي الصعب الذي يعاني منه غالبية اللبنانيين، من جراء ارتفاع قيمة الأعباء وتراجع مستوى الدخل، خصوصا عند أصحاب المهن الحرة وموظفي القطاع الخاص والمتقاعدين، في ظل تراجع مستوى الخدمات العامة، في الصحة وفي المياه وفي جمع النفايات وفي الأمن في العديد من المناطق، والأهم من كل ذلك من جراء الفشل في حل مشكلة الكهرباء التي تكبد الخزينة المليارات.
ثانيا: شعور فئة الشباب بانسداد الأفق أمام مستقبلهم، من جراء عدم توافر فرص العمل في القطاع العام وفي القطاع الخاص، يضاف الى ذلك تجميد الدولة لسياسة القروض الإسكانية، ومنع توظيف الناجحين في مجلس الخدمة المدنية والمعلمين بحجة عدم وجود توازن طائفي. كما أن صرف العديد من الموظفين في المدة الأخيرة ـ لاسيما من شركات الرئيس سعد الحريري ومن تيار المستقبل ـ ساهم ايضا في الأزمة. علماً أن التركيز على التأثير السلبي لبعض التوظيف – ولو كان مخالفا وغير مدروس وجرى قبل الانتخابات – تجاوز المعقول، علما ان هذا التوظيف قد امتص جزءا من البطالة المستشرية، وتكاليفه ليست هي التي زادت العجز، لأن التوظيفات العشوائية الأساسية، حصلت بمعظمها في مؤسسات عامة رابحة، مثل أوجيرو وشركات الهاتف الخليوي، والمبالغ التي تصرف على هذا التوظيف تعتاش منها عائلات لبنانية بصرف النظر عن انتماءاتها.

ثالثا: ممارسات الفئة الحاكمة والمقربة من العهد غير المتوازنة في مختلف الميادين. وقد بدا على هؤلاء ومن يقف وراءهم حالة من الاستهتار بالناس، ومارسوا فوقية طائفية وشخصية بالغة القساوة، وأوحوا بأنهم مدعومون من قوى محلية مسلحة وقوى خارجية نافذة، وبالتالي لا يستطيع أحد أن يؤثر عليهم، أو يهدد مكانتهم السلطوية. وقد بدا ذلك واضحا من خلال التأثير على بعض الأجهزة الأمنية وعلى بعض الدوائر القضائية وفي الإدارة العامة والمرافق الأخرى.

رابعا: شعور المسيحيين بشكل خاص أن تعيين رئيس الجمهورية الذي يمثلهم في أعلى هرم السلطة، عائد لجهات أخرى، خصوصا الإيحاء بأن موافقة حزب الله والنظام السوري شرط إلزامي لهذا التعيين. وقد أوحى وزير الخارجية (جبران باسيل) بهذا الأمر جهارا في الفترة الأخيرة. ويقول سياسي مخضرم إن هذا السبب هو الذي شكل الدافع الرئيسي وراء مشاركة المسيحيين العارمة وغير المسبوقة في الانتفاضة، إضافة لشعورهم بالاستغلال من قبل رموز موالية ظهر عليها شيء من البحبوحة والثراء، بينما الناس تئن تحت أثقال معيشية ضاغطة.

خامسا: تفاقم موضوع التضييق على الحريات العامة وعلى الإعلام الذي حصل في المدة الأخيرة، بينما مارس بعض القضاة بعض الازدواجية في التعاطي مع التجريح والتشهير، فهو لاحق فئات وغض الطرف عن فئات أخرى. وإذا كانت هذه الأسباب هي الأهم في دفع الناس للنزول الى الشارع، فلا يعني ذلك أنها الأسباب الكاملة، فهناك خليط سياسي ومدني غريب عجيب ينمو على ضفاف الفوضى اللبنانية، وأحيانا يستغل المشاعر الشعبية الصادقة، ويحاول تأجيج الأحقاد للانتقام غير العادل من بعض السياسيين الذين مارسوا أقصى درجات الحكمة لتخليص لبنان من السقوط في الفوضى، او في هاوية الانهيار المالي.
ويقول السياسي المخضرم عن هذه الواقعة بالذات إن التعميم في تحميل المسؤولية عن الانهيار، مثل إطلاق شعار “كلن يعني كلن” فيه شيء من الظلم والشخصانية.

[anbaaonline.com]. واستطاعت الثورة الاحتجاجية التي انطلقت مساء 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2019، أن ترسم مشهدا لم يكن يتوقع يوما ببلد تغلغل فيه الفساد والطائفية. ووحّدت المطالب المعيشية، ومحاربة الفساد والفقر والسرقة، الشعب اللبناني وخاصة فئة الشباب، الذي خرج إلى الساحات خالعا ثوب الطائفية والمناطقية. وواكبت الصحف العالمية والمواقع الأجنبية الانتفاضة الحالية، لا سيما لناحية “دينامو” الثورة وقلبها النابض الشباب اللبناني. ورأى الأستاذ في العلوم السياسية والعلاقات الدولية (رائد المصري)، أن هذه الانتفاضة ستبدّل وجه لبنان، خصوصا في مواجهة سلطة المال وحكم المصارف ورموز الإقطاع السياسي والمحاصصة الطائفية. ولفت في حديث للأناضول، أن خطاب الشباب اللبناني له وقع وطني عامر عابر للطوائف والمذاهب، لا سيما لجهة بناء دولة مدنية، ومحاسبة الفاسدين من السياسيين، وإعادة المال المنهوب. أما عن المدخل الحقيقي لأي عملية إصلاح، فاعتبر المصري أنه يتمثل في “إقرار قانون انتخابي عصري نسبي لبنان دائرة واحدة، مناصفة بين المسلمين والمسيحيين”. وشدد على ضرورة إسقاط الحكومة الحالية، وتشكيل حكومة إنقاذ وطنية من اختصاصيين وأكاديميين وقضاة، مهمتها في 6 أشهر البدء الفوري بإجراء إصلاح مالي واقتصادي، إضافة إلى محاكمة الفاسدين وإقرار قانون انتخابي نسبي عصري، والدعوة إلى انتخابات برلمانية فورية مبكرة. ويعيش لبنان اليوم مشهدا غير مألوف، إذ يمر بثورة شبابية ضد النظام الحاكم، وضد السلطات العاجزة عن تسيير أمور الناس الحياتية منذ سنوات عدة. وأشعلت التظاهرات الحالية حملة أطلقت على مواقع التواصل الاجتماعي، احتجاجا على قرار وزير الاتصالات (محمد شقير)، فرض ضريبة على الاتصالات عبر تطبيق “واتساب” المجاني. من جهتها، قالت الناشطة (علياء عواضة)، التي واكبت التظاهرات منذ الدقائق الأولى، إن للنساء الجزء الأبرز في هذه التحركات، مشددة على أن الحركة النسوية في لبنان أصبحت جزءا من هذه الحركة الاجتماعية على مستويات مختلفة، لأنها ليست منفصلة نهائيا عن أي حراك شعبي على الأرض. وأضافت عواضة، للأناضول، أن المرأة اللبنانية الآن تلعب دورا في صياغة المطالب الشعبية حتى لناحية التواجد في الساحات. واعتبرت أن رفع مستوى الوعي لدى النساء من جانب  الجمعيات النسوية، شكّل دفعا بارزا لتواجدها بقوة في محاولة لإسقاط النظام، وإنتاج بديل جديد قادر على إنصاف المرأة اللبنانية، وتحقيق نوع من أنواع المساواة في العدالة الاجتماعية. وأوضحت أن الحراك اليوم مختلف عن الاحتجاجات التي كانت في السابق، وما يميزه امتداده إلى المناطق كافة، خصوصا أنه عمّ الجبل والجنوب والشمال وقلب العاصمة بيروت. ورأت (عواضة) أن زخم الشباب في هذه الاحتجاجات التي لم يقف وراءها أي حزب، واتحاد اللبنانيين فيما بينهم، سيرسم صورة جديدة لبلدهم، معتبرة أن ما قبل 17 أكتوبر ليس كما بعده. بدوره، حرص رئيس مجلس النواب (نبيه بري)، على إظهار تفهمه لموجة الغضب الشعبية من خلال تقديم مبادرة تتبنى شعارات المحتجين، ودفاعه عن الدولة المدنية. في السياق، قالت الناشطة الحقوقية (أنديرا زهيري)، إن “التظاهرة العفوية أيقظت ثورة المرأة اللبنانية، خصوصا أنها نزلت إلى الساحات من جميع الفرق والانتماءات.. فكانت الأم والجدة والمناضلة والثورية والصحفية والتلميذة والطالبة والموظفة والمعلمة والناشطة”. وأضافت في حديثها للأناضول: “وقوف المرأة إلى جانب الرجل في هذه الثورة، أثبت مجددا قدرتها القيادية والنضالية، إذ تخطت جرأتها مجرد كونها في البرلمان.. بل صنعت تاريخا جديدا للبنان”. ولا تزال الاحتجاجات في بيروت تلقى ردودا واسعة، كان آخرها من واشنطن التي طالبت القادة اللبنانيين بالاستجابة لمطالب الشارع. [https://www.aa.com.tr]

إن السمات البارزة للحراك في لبنان والعراق هي إزالة حاجز الخوف، والرفض الكامل للطبقة السياسية الحاكمة، وللنفوذ الإيراني، وسلمية ذلك الحراك، لكن المشكلة تكمن في أن القوى السياسية التقليدية في الدول العربية لم تدرك أبعاد التحول الجديد، فلا تزال تعيش على أمجادها، وماضيها التعيس، لكن إلى متى؟

لأول مرة تشهد الساحتان اللبنانية والعراقية رفضاً للنفوذ الإيراني، فهتافات المتظاهرين نددت بهذا النفوذ المباشر في العراق، وفي لبنان عن طريق حزب الله، لكن الجديد في الموضوع أن عدداً من الطائفة الشيعية في البلدين ضد ذلك النفوذ، فالبلدان قد سُلبت منهما سيادتهما واستقلالهما، وشاع الفساد فيهما، وفشل التابعون لإيران في إدارة شؤون البلدين، وساد الفقر والتخلف، والنهب لخيرات البلدين من القوة المتسلطة التابعة لإيران، وصبر الشعبان سنوات طويلة على الرغم من خيراتهما خصوصا العراق، واليوم خرج الشباب إلى الشوارع لإسقاط ذلك النفوذ والتدخل في شؤون البلدين بمظاهرات سلمية قدموا من خلالها التضحيات لا سيما في العراق. إن الحراك الذي بدأ في شهر أكتوبر في البلدين ستكون له نتائج مهمة، باسترجاع سيادتهما واستقلالهما، فقد أثبت هذا الحراك وعي الشباب وإيمانهم بالوحدة الوطنية رافضين الطبقات الحاكمة وقواها السياسية، وقد راهنت إيران على الطائفة الشيعية في البلدين، وها هي أعداد من قادتها الدينيين والقواعد تقف ضد الهيمنة والنفوذ الإيراني. وسيكون حتماً للأحداث الأخيرة تأثير على إيران نفسها، فقد أثبت الشيعة العرب وطنيتهم وعروبتهم، فهتفوا ضد قادة الميليشيات وقادة إيران ومزقوا صورهم، وأحرقوا بعض مقارهم، والمستقبل بكل تأكيد ليس لمصلحة إيران، فقد انتهى النفوذ والتمدد خارج حدودها، وستبدأ مرحلة جديدة، إذ سيعاني النظام الإيراني مشكلات داخلية. لقد وضعت الانتفاضة في لبنان والعراق حداً للنفوذ الإيراني في البلدين، ودخل في الدول العربية لاحتواء ذلك الرفض، فهناك تحولات جديدة نتيجة لذلك، أولها جيل جديد بوعي جديد، وثانيها الإصرار على وضع حد للنفوذ الإيراني في البلدين وذلك لأن عدداً لا بأس به من الشيعة مع الانتفاضة، وضد النفوذ الإيراني في لبنان والعراق. إن عصر استعراض العضلات والتظاهر بالقوة قد هزمته مظاهرات واحتجاجات لبنانية وعراقية، وقالت لإيران كفى أربعين عاماً من العبث في مصير الشعب الإيراني والشعوب العربية، وإن مظاهرات الحراك في البلدين تبشر بعصر جديد، وهو تحول جذري علينا معرفة أبعاده. إن السمات البارزة للحراك في البلدين إزالة حاجز الخوف، والرفض الكامل للطبقة السياسية الحاكمة، وللنفوذ الإيراني، وسلمية ذلك الحراك، لكن المشكلة تكمن في أن القوى السياسية التقليدية في الدول العربية لم تدرك أبعاد التحول الجديد، فلا تزال تعيش على أمجادها وماضيها التعيس، لكن إلى متى؟ [https://www.aljarida.com]

انتفاضة الشباب الجزائري: تميزت انتفاضة الشباب الجزائري بأنهاء الأحادية الحزبية ومحاربة الفساد وطالبوا بتحسين الظروف المعيشية وبالعدالة الاجتماعية والانفتاح والحرية والديمقراطية وانهاء حكم الحزب الواحد واحلال التعددية الحزبية وانهاء ولاية (بوتفليقة) الخامسة عام 2019. عاد آلاف الجزائريين الى التجمع في مدن عدة والتظاهر غداة إعلان الرئيس (عبد العزيز بوتفليقه) العدول عن الترشح مع البقاء في الحكم حتى اجل غير مسمى ، معتبرين ذلك “تمديدا لحكمه”، ومطالبين بـ “تغيير سياسي فوري”. وفي ساحة البريد المركزي وسط العاصمة، تجمع مئات الطلاب، ورددوا شعاراً واحداً: “طلبة صامدون للتمديد رافضون”، بينما اختفت لافتات رفض الولاية الخامسة وظهرت لافتة كبيرة كتب عليها “يجب انقاذ الشعب وليس النظام”. وكان (بوتفليقه) أعلن، غداة عودته من رحلة علاج في سويسرا، عدوله عن الترشح لولاية خامسة، وفي الوقت نفسه إرجاء الانتخابات الرئاسية التي كانت مقررة في 18 نيسان 2019 إلى أجل غير محدد، فيما اعتبرت المعارضة أن ذلك يعد تمديداً لولايته بحكم الأمر الواقع. فكتبت صحيفة الخبر الجزائرية ان (بوتفليقه) “سيبقى رئيساً من دون انتخابات”، ممدداً بذلك ولايته الرئاسية الرابعة. ويعتقد المراقبون الديبلوماسيون ان الجزائر تشهد تطورات يصعب عدم ادراجها من ضمن الثورات التي عمّت الدول العربية في ما سمي بالربيع العربي العام 2011 والتظاهرات التي قامت أحيت الآمال بأن الشعوب العربية لم تدجن فعلا بفعل ما حدث في ليبيا وسوريا وسواهما على ان تتم مراقبة السلطة الجزائرية والى اي مدى يمكن ان تذهب بمعنى اي تجربة عربية يمكن ان تكرر او اي تجربة جديدة يمكن ان ترسم؟ إلا ان من تدجن فعلاً هو الدول الغربية والعربية التي تراقب عن كثب التطورات الجزائرية مسديه النصائح من بعيد وعلى نحو سرّي من اجل عدم الوصول الى ما يخشى منه اي استخدام السلطات الجزائرية السلاح ضد الجزائريين كما فعل (بشار الأسد) في سوريا او كما فعل (معمر القذافي) في ليبيا، ما ادى الى عسكرة الانتفاضة وتدمير كل من البلدين او ايضاً من اجل عدم استفزاز الشعب وتالياً توفير الفرصة لخروجه عن الطابع السلمي، ما قد يؤدي الى سيناريوهات دموية خطيرة. وفيما لم تدل اي عاصمة مؤثرة بأي موقف من اي نوع كان ولم تظهر اي رد فعل فإن فرنسا المعنية اكثر من اي دولة اخرى بالجزائر مع الترابط التاريخي بين البلدين ووجود اكثر من مليون جزائري في فرنسا، حاذرت اصدار اي موقف من دون ان تخفي قلقها تجنبا لحساسية قد تخلقها نتيجة الثورة الجزائرية التي قامت في الاصل ضدها العام 1954. وتالياً تبدو ظاهرياً الجزائر متروكة لوحدها من اجل ان تحل امورها بنفسها علماً ان الشعب الجزائري الذي اجبر الرئيس (بوتفليقه)، او من يحكم باسمه ويقف وراءه باعتبار ان هناك شكوكا قوية انه يشكل اكثر من واجهة او صورة للحكاّم الفعليين من الجيش وسواهم، على التراجع عن الترشح لولاية خامسة سيتشجع في اتجاه طلب المزيد باعتبار ان ما جرى هو مجرد هروب الى الامام قد لن يصمد طويلا. المفارقة هي في مصادفة التحركات الجزائرية عشية موعد الانتخابات التي كانت مقررة في نيسان 2019 مع ذكرى الثورات التي انطلقت في كل من تونس ومصر وسوريا وليبيا، ما احدث ربطاً موضوعياً لا يمكن تجاهله، واعاد الى الواجهة ايضاً دحض فكرة اندثار هذه الثورات بفعل ما جرى في الدول المذكورة. اذ بالنسبة الى المراقبين قد تشكل الجزائر عنواناً متجددا لإظهار ان هناك بذوراً للثورة في دول المنطقة لن تموت بفعل القمع الذي حصل، بل على العكس ان هناك وجوباً للتنبه الى ان الشعوب لم تعد تقبل بما يفرض عليها كما في السابق وتريد ان تكون لها كلمة مؤثرة فيها. ولذلك فان الترقب كبير للمرحلة المقبلة وما يمكن ان تحمله معها بالنسبة الى الجزائر ومعها الدول العربية ايضاً والانعكاسات التي ستترتب على كل ذلك على المديين القريب والمتوسط على الاقل. [http://beirutinsights.com]

لقد كُسِرَ المحظور، وبات رئيس الجزائر عبد العزيز بوتفليقة البالغ من العمر اثنين وثمانين عامًا على شفا الهاوية. منذ منتصف شهر شباط/فبراير 2019، تظاهر مواطنو هذا البلد – الذين يعتبر معظمهم من الشباب – بشكل متواصل تقريبًا- ضدَّ الترشيح، المثير لجدالات شديدة، من جانب رئيس الدولة الحاكم منذ عام 1999، ثم تطورت المظاهرات إلى حركة جماهيرية يكاد من المستحيل إيقافها. وحتى في الجزائر العاصمة، حيث تم حظر المظاهرات فعليًا منذ عام 2001، سار المتظاهرون بشكل شبه يومي وإلى حدّ كبير من دون عوائق في مسيرات احتجاجية تجوب وسط المدينة. بعد أن كان قد تظاهر في الخامس عشر من شهر شباط/فبراير 2019 عدة مئات من الأشخاص في منطقة القبائل الأمازيغية شرقي الجزائر العاصمة وفي عدة مدن في شرق الجزائر ضدَّ ترشيح بوتفليقة لولاية خامسة، لبَّى بعد ذلك بأسبوع مئات الآلاف من الأشخاص دعوات احتجاج غير معروفة المصدر -أغلبها على شبكات التواصل الاجتماعي- وخرجوا إلى الشوارع في عموم البلاد ضدَّ منظومة الحكم المعروفة في الجزائر باسم “لُو بوفوار”، أي: السلطة. ومنذ ذلك الحين تقوم مجموعات الطلاب والمحامين والصحفيين والنقابات العمالية المستقلة وكذلك المعارضة السياسية الحزبية ومنظمات المجتمع المدني، مثل الجمعية الوطنية للشباب الناشطة جدًا “تجمُّع عمل شبيبة” (RAJ)، بالتعبئة ضدَّ النظام الحاكم وتطالب ببداية سياسية جديدة. لقد ردَّت في هذه الأثناء “عشيرة” بوتفليقة في جهاز السلطة على موجة المظاهرات، غير أنَّها لا تزال مُصِرة على التمسُّك بهذا المنصب الأقوى رسميًا في الدولة وترفض حتى هذه اللحظة وبكلِّ حزم الاستجابة للمطالب الرئيسية التي تطالب بها حركة الاحتجاج. يوم الأحد 03 / 03 / 2019، توجَّه – في رسالة إلى الجماهير- الرئيس (عبد العزيز بوتفليقة)، الجالس على كرسي متحرِّك منذ إصابته بجلطة دماغية في عام 2013، وأعلن فيها أنَّه “سمع آهات المتظاهرين”. وكذلك أكَّد في هذه الرسالة أنَّه في حال إعادة انتخابه في الثامن عشر من نيسان/أبريل 2019 فسيدعو إلى إجراء انتخابات مبكِّرة خلال عام واحد ولن يترشَّح مرة أخرى فيها. ولكن بعد ساعات فقط، خرج عشرات الآلاف من الأشخاص في شوارع مدينة سكيكدة وسطيف وقالمة وقسنطينة ووهران وباتنة والجزائر العاصمة وفي كثير من الأماكن الأخرى في الجزائر، وكانوا يردِّدون حتى وقت متأخر من الليل شعارات ضدَّ بوتفليقة وضدَّ نظامه الذي يعتبر شديد الفساد. ومثلما كانت الحال في الأسابيع السابقة، فقد بقيت أيضًا مسيرات الاحتجاج العفوية يوم الأحد سلمية بشكل ملحوظ. حيث أظهر الشباب الجزائري بشكل مثير للإعجاب كيف يمكن وضع النظام السلطوي تحت الضغط بشكل مؤثِّر وفعَّال من خلال تكتيكات دفاعية وغير عنيفة. وقد بات من الواضح منذ عدة أيَّام: أنَّ تنحي بوتفليقة لم يعد سوى مسألة وقت نظرًا إلى هذه الاستراتيجيات. في المظاهرات الكبيرة في الجزائر العاصمة في الأوَّل من شهر آذار/مارس 2019، خرجت واحدة من أكبر المسيرات الاحتجاجية من “غراند بوست” في قلب الجزائر العاصمة وسارت حتى شارع ديدوش مراد. وعندما وقفت شرطة مكافحة الشغب عند ساحة أودين في طريق المسيرة وأطلقت قنابل الغاز المسيل للدموع على جموع المتظاهرين، ردَّد المتظاهرون “سلمية، سلمية” – وغيَّروا ببساطة الطريق.  كذلك حمل الكثير من المتظاهرين معهم باقات من الزهور، التي قدَّموها لقوَّات الأمن، وقد عملت هذه الإيماءة الداعية لنزع السلاح على توفير أجواء مريحة باستمرار. سارت النساء والرجال والشباب والمتقاعدون وحتى العائلات مع أطفالها لساعات طويلة عبر وسط المدينة. [https://ar.qantara.de]

انتفاضة الشباب السوداني: انتفض الشباب السوداني على الحكم العسكري القائم منذ 30 عاماً. وشهد السودان انتفاضة شعبية عارمة يتصدرها الشباب. يثورون على حكم عسكري قائم في البلاد منذ ثلاثين عاماً وقد أصابه الإفلاس على كافة المستويات، اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً. ومع ذلك فهذا الحراك الشبيه بالحراك الذي عمّ العالم العربي في شتاء 2010-2011 لا يجد صدى كبيراً في الخارج.

في صبيحة يوم 25 كانون الأول / ديسمبر وقفت بعض النسوة في ولاية الجزيرة القريبة من الخرطوم يهتفن ودون خوف في وجه الرئيس السوداني عمر البشير “أرحل .. أرحل” . وكذلك أيضا هتف بعض الصبية أمام مجموعة العربات المظللة المسرعة والتي تقل الرئيس البشير ومرافقيه “حرية سلام وعدالة والثورة خيار الشعب” . كانت تلك لحظة فارقة لم يعد عندها السودان على حاله . تبدلت الأحوال سريعا وباتت الأرض تميد من تحت أقدام الرئيس البشير . وها هو يستمع وللمرة الأولى منذ توليه السلطة بعد الانقلاب في يونيو 1989 وبوضوح شديد ومباشرة لصوت الشعب ممثلا في بعض النسوة والصبية . ذلك الهتاف كان كافيا لأن يرحل البشير سريعا مغادرا مكان الاحتفال ليعود الى العاصمة الخرطوم والتي لم تكن أحسن حالا من غيرها من مدن السودان الخمسة والعشرين التي انتفضت في وجه الحكم وفي توافق مزلزل .

تسقط بس: وفي الواقع اصبح كل يوم يمر على السودان يزداد فيه اليقين لدى السودانيين بأن صفحة حكم الرئيس السوداني عمر البشير تطوى عمليا . لم تعد أمام الرئيس تلك المساحة الكبيرة التي ظل يتحرك فيها طوال ثلاثة عقود والى ما قبل الثورة الشعبية في 19 كانون الأول / ديسمبر الماضي. الزلزال الشعبي الرافض للحكم يضرب كل مدن السودان من أصغرها الى أكبرها وهتاف واحد يوحدها “أرحل .. أرحل”. ومع مرور الوقت ليس فقط تتداعى جدران الخوف بل ينتقل الخوف الى صفوف القوى المشكلة للنظام والتي تتهاوى صفوفها وترتبك خطاها تباعا ، ومع هذا السقوط تزداد الجموع جرأة وتخف القبضة الرادعة عن خناق الشعب .الشارع السوداني يزداد تنظيماً ويتعزز تصميمه على اقتلاع النظام . ولم تعد الوعود التي أطلقها الرئيس البشير بالإصلاحات ، ولا التهم التي كالها عن الخونة والمندسين والمخربين تغير شيئا في الواقع . لقد حسم الشعب السوداني أمره وأوجز مطلبه في عبارة بليغة وجهها للبشير فانتشرت في أرجاء السودان “تسقط بس” . على أرض الواقع تطوى سريعا ثلاثون عاما من الحكم المنفرد لإخوان المسلمين في السودان الأكثر دموية والأكثر تدميرا والأكثر ايلاماً للسودانيين شهدت فصلا لجنوب السودان ، وحروبا دامية في المناطق الثلاثة في دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق . واذا ما انتهت هذه الحقبة الكالحة تكون قد انقضت التجربة الأولى الأكثر فشلا في حكم السودان ، والأسوأ لحكم الإخوان المسلمين على مستوى العالم العربي .

تأييد أحزاب المعارضة: ومع استمرار وتصاعد وتيرة الحراك الشعبي ، بدأ معه الحراك المنظم للقوى السياسية في زيادة سرعة الإيقاع والتنسيق بين صفوفه بقيادة الأحزاب السياسية الكبرى المعارضة ممثلة في أكبر جسمين سياسيين نداء السودان ويقوده حزب الأمة القومي بقيادة الصادق المهدي ، وقوى الأجماع الوطني بقيادة الحزب الشيوعي السوداني والى جانبهما تصطف قوى تجمع المهنيين وقوى أخرى . ويوم بعد آخر ترتفع وتيرة الحراك السياسي والضغط على حزب المؤتمر الوطني الحاكم ورئيسه عمر البشير بالتنحي عن الحكم . هذا التحرك من جانب القوى السياسية يعيد تطبيق الحراك المجرب في التجربتين الماضيتين للثورتين الشعبيتين اللتين شهدهما السودان في أكتوبر 1964 عند الإطاحة بحكومة الفريق إبراهيم عبود ، أو في ثورة أبريل الشعبية التي أنهت حكم المشير جعفر نميري عام 1985 . مع إدراك المتغيرات التي حملها الحراك الشعبي هذه المرة . وعلى خلاف التجربة السابقة عندما اندلعت الثورة من قلب العاصمة الخرطوم تقودها جموع النقابات وطبقة المثقفين وتدعمها الأحزاب السياسية و كانت جميعها أكثر نضجا وحيوية وعنفوانا بالتأكيد من الحراك الحالي . الثورة الشعبية هذه المرة تمثل حراكا مدهشا فعلا من حيث التصميم وقوة الإرادة الشعبية تقوده وتحركه قوة وإرادة شبابية هائلة غير مسبوقة . قوة الحراك الشعبي باغتت الحكومة وفاجأت بمستواها التنظيمي والوعي الجماهيري المصاحب حتى القوى الحزبية المعارضة . حركة شعبية واضحة في هدفها وفي غاياتها في التغيير الحقيقي وبناء سودان جديد أوجزت ذلك في الشعار الرئيسي المرفوع “حرية سلام وعدالة”. لقد تجاوزت مدن السودان واقاليمه العاصمة الخرطوم و ثاني أكبر المدن ودمدني من حيث قدرتها على تنظيم قواها ، وبدت أكثر ثورية في تحركها وتقدمها لمقارعة النظام القابض على الحكم بالحديد والنار . يلفت النظر أن أبرز سمات الثورة الحالية هو الظهور الطاغي لعناصر الشباب المفاجأة التي سيكون لها حتما دورا في صياغة الواقع السياسي لما بعد اسقاط الحكم . وهي مفاجأة هزت ضفتي الحياة السياسية السودانية حكومة او معارضة سياسية .

ثلاثون عاماً داخل القمقم: فالحكومة قبل هذه الأحداث بدت واثقة من كونها قد خلقت جيلا شكلته كما تريد عبر مناهج دراسية تستوحي الفكر الإسلامي للإخوان المسلمين . الحكومة نشرت وبشكل ممنهج حالة من الهوس الديني في كل مفاصل الدولة وسيطر التعسف والغلو في الدين مصحوبا بالفساد الذي نشره أركان الحكم من أفراد الطبقة من الرأسمالية الطفيلية الثرية المستحدثة والتي احكمت قبضتها على موارد وثروات البلاد . نشر هذا الجو المليء بالمتناقضات وكبت الحريات حالة من الإحباط واليأس وسط شريحة واسعة من الآباء من إمكانية نهوض وثورة جيل الشباب وحسبوا أن الشباب قد ضاع وفقد البوصلة . لاسيما وان هذا الجيل من الشباب الذي يقود اليوم الثورة الشعبية قد ترعرع في عهد الإخوان المسلمين وعاش محاولات ممنهجة لإحداث قطيعة تاريخية بينه وبين الماضي . ولكأن الشباب قد انتظر 30 عاما داخل القمقم الإخواني ليخرج الى الشارع ماردا قويا تقوده قيما جديدة ، وتدفعه بواعث للتغيير الحقيقي ، ويحلم بإعادة صياغة المجتمع السوداني على أسس ومفاهيم جديدة احتواها بشعار رئيسي له دلالة “حرية سلام وعدالة” . وظني أن هاتين الميزتين ستلعبان دورا حاسما في تحديد شكل الحكم الجديد وتضعان أسس لتجربة جديدة وتاريخية .[ https://orientxxi.info]

استجابة لحركة الشباب العربي وثورتهم من أجل العدالة الاجتماعية والحرية، وتحت شعار “الثلاثين من يونيو الأخير” خرجت ثورة الشباب في السودان في الثلاثين من يونيو 2012 (وهذا التاريخ هو تاريخ مجيء النظام العسكري الحالي في السودان الى سدة الحكم في العام 1989) . أفسدت انتفاضة الشباب السوداني على “نظام الإنقاذ” احتفالاته بالذكرى الثالثة والعشرين. لكنها لم تنجح حتى في اقناع الحكومة السودانية بالعدول عن خطتها الاقتصادية في رفع أسعار السلع الغذائية ورفع الدعم عن الوقود وفي ما بعد زيادة تعريفة الكهرباء وفرض رسوم جديدة على استخدام المياه في المنازل. تعود انتفاضة الشباب في السودان الى أواخر يناير من العام 2011 حين خرجت مظاهرات كبرى قوامها طلاب الجامعات تندّد بارتفاع أسعار السلع الغذائية مع ثبات الأجور، وتستنكر استحواذ الأمن على أكثر من 70% من ميزانية الدولة. واجهت السلطات السودانية تلك المظاهرات بالعنف المفرط تلته موجة اعتقالات واسعة في أوساط الشباب والمعارضة. في هذا التاريخ أفصح جهاز الأمن والمخابرات الوطني عن منهج الاغتصاب والتخويف الجنسي تجاه المتظاهرات السودانيات. وكان أن تقدمت الفنانة التشكيلية صفية إسحق بشكوى قانونية ضد جهاز الأمن السوداني وتم فتح قضية اغتصابها بعد اعتقالها وضربها ابّان مظاهرة الثلاثين من يناير. استمرت الاضرابات وان نجح جهاز الأمن في قمعها بصورة كبيرة ولكنها انفجرت بقوة في منتصف العام التالي .في الحادي والعشرين من يونيو 2012 تجددت الانتفاضة السودانية بعد موجات من التظاهرات احتجاجاً على قرار الحكومة رفع الدعم عن الوقود. لم تأخذ الحكومة هذه الاحتجاجات بعين الاعتبار وتم رفع الدعم عن الوقود فعلياً وقبل موافقة البرلمان على القرار. أصدر البنك المركزي ــ بعد ذلك بثلاثة أشهر ــ قراره بتعويم الجنيه السوداني وتحرير سعر الدولار للصرافات. أما المواطن ــ الذي يعيش على متوسط دخل أقل من دولار يومياً ــ فتُرك لتتقاذفه البورصات وتباينات أسعار الصرف. إن تدهور الوضع الاقتصادي نتيجة لسياسات التنمية غير المتوازنة التي انتهجتها الحكومة العنصرية في الخرطوم أدى الى انفجار الوضع، حيث أصبح السودان بلداً جائعاً وفقيراً بعد أن كان يُتِطلّع اليه أن يكون سلة غذاء العالم العربي. بالإضافة الى ذلك فإن عمليات القتل والابادة والتطهير العرقي في اقليمي دارفور وجبال النوبة كانت عاملاً مؤثراً أذكى الاحتجاجات. ان الناظر الى الوضع في السودان لا يعدم سبباً يزيده يقيناً بالثورة لإسقاط النظام. ولكن هذه الموجة الاولى من الثورة سرعان ما خبت جذوتها بعد أشهر قليلة من اندلاعها.

انظروا الى 23 سنة من حكم الاسلاميين!: ولا يقتصر الحديث هنا على الأحزاب الدينية المعارضة، بل بما في ذلك الحزب الحاكم نفسه والمنحدر من تنظيم «الجبهة الاسلامية القومية». لقد كان استغلال العامل الديني لدعم الموقف السياسي للحزب الحاكم عاملاً جوهرياً في ضرب الموجة الاولى من الثورة وتثبيط الدعم الشعبي للثوار الشباب. خرج مسؤولو الدولة في لقاءاتهم الجماهيرية يحذرون السودانيين من أن الثورة هي صنيعة «الشيوعيين الذين يريدون اخراجكم من دينكم وتحويل السودان الى مجتمع فاسد ومنحل»!. ولما كان المجتمع السوداني لايزال يعاني نسبة كبيرة من الأمّية اضافة الى كونه مجتمعاً تقليدياً محافظاً في الأساس وذا نفسية انطباعية، فقد كانت هذه التحذيرات كفيلة بتجريد ثورة الشباب السوداني من قسم واسع من السند الشعبي وجعل مناصرة قليل من السودانيين ليست بذات أثر. تخلى المواطنون عن الشباب وثورتهم ــ الشباب الذين خرجوا لمواجهة العسكر ــ من أجل حياة أفضل لهؤلاء المواطنين ومستقبل آمن لأطفالهم. تخلى أولئك المواطنون عن شباب الثورة دون أن يتساءلوا عما اذا كان النظام الشيوعي فاسدا فلِمً تتحالف حكومتهم مع أكبر دولة شيوعية في العالم الحالي ــ الصين؟! ولمَ يطالب هؤلاء المواطنين حكومتهم المؤمنة بتفسير للفساد المالي في وزارة الأوقاف والارشاد الديني! كما لم يحركوا ساكنا حين تناقلت وكالات الأنباء ــ التي حُظرت في ما بعد وأُجبر غالبيتها على تقديم تضليل حول الخبر مصحوباً باعتذار ــ الفضيحة الأخلاقية لنائب رئيس الحزب الحاكم ونائب رئيس المجلس التشريعي بولاية البحر الأحمر والذي ضبطته شرطة القسم الشرقي بالخرطوم في شقة لممارسة الدعارة بصحبة أربع فتيات دون رباط شرعي في شهر رمضان! ان ما يحدث في السودان لهو نوع من المفارقة التي يصعب تفسيرها وتساؤلات ذات اجابات لا تخضع للمنطق. فبالرغم من توافر جلّ الظروف والمسببات لقيام ثورة تسقط النظام الّا أن هذه الثورة ــ وللأسف ــ لم تحدث. في احد لقاءاته مع الاعلام وعندما سُئل الرئيس السوداني، عمر البشير، عن امكانية حدوث ربيع عربي في بلاده ــ أجاب بالنفي القاطع مبرراً ذلك بأن الثورات الربيعية أسقطت حكوماتها وأتت بحكومات اسلامية بينما الحكومة في السودان في الأصل حكومة اسلامية ومن ثم فلا حاجة بالشعب السوداني الى اسقاطها. وان كانت ثمة نصيحة تُعطى هنا ــ وانْ لمْ يسبق السيف العذل ــ فهي أنّ على الشباب العربي أن يَتَنَبّه الى سارقي الثورات وأن ينظر الى تجربة ثلاثة وعشرين عاماً من حكم الاسلاميين في السودان. ثلاثٌة وعشرون عاماً أفضت بالبلاد الى انهيار اقتصادي سببه الفساد الاداري والمالي في السلطة ودوائر الحكومة وفقر مدقع وظروف صحية وتعليمية متدهورة وتشرذم البلاد وانفصال الجنوب. نقابات واتحادات متهالكة يشتريها المسؤولون ويبيعونها. وانهيار الطبقة الوسطى وتركز المال والثروة بأيدي الرأسمالية الطفيلية الاسلاموية. أحد المجانين المعروفين في سوق مدينة أم درمان ــ وهو في الأصل أحد ضحايا تعذيب أمن النظام القائم ما افقده عقله ــ يستوقفك ملوّحاً بالبيان الأول للثورة الذي أصدره النظام الحالي يوم مجيئه في العام 1989 مراهناً ايّاك على أن ثورة الانقاذ لم تنقذ السودان، وحجّته أن تقرأ البيان ــ الذي يشرح للمواطنين سبب سطوه على الحكم الديمقراطي معدداً الأوضاع المتدهورة التي يتطلب انقاذنا منها وفي مقدمتها تدهور الوضع الاقتصادي بصورة مزرية، وقيام النظام الديمقراطي بإثارته النعرات العنصرية والقبلية في حمل أبناء الوطن الواحد السلاح ضد إخوانهم في دارفور وجنوب كردفان، إضافة إلى ما يجري في الجنوب من مأساة وطنية وسياسية. يطلب منك المجنون أن تعقد مقارنة بالوضع الراهن في البلاد ولا ينتظر هذا المجنون أن يسمع حجتك وينطلق صارخاً “أعيدونا للحال الذي أنقذتمونا منه”!

الأمّة والاتحادي الديمقراطي يرفضان دعم الانتفاضة: ولهذين الحزبين دور كبير في تاريخ السودان المستقل حتى الوقت الحالي. والحزبان دينيان في الأصل انطلقا من بيت الامام المهدي (حزب الأمة) ومن بيت السيد (المرغني) (الحزب الاتحادي الديمقراطي). والمسألة هنا أن زعيمي (الحزبين الكبيرين) طالبا جماهير الحزبين بعدم دعم انتفاضة الشباب واصفين ايّاها بأنها تهدف الى اثارة البلبلة والفوضى في البلاد، محذّرين من الخراب الذي سوف يعم اذا غادر الحكم العسكري الحالي السلطة! ولا عجب، فالزعيمان الكبيران لهما ولدان في السلطة يشغل كل منهما منصب المساعد لرئيس الجمهورية! والمسألة أيضا أن للحزبين الدينيين أعداداً كبيرة من المؤيدين، ما افقد الثورة سنداً أساسياً، ومرةً أخرى تمّ استخدام الدين والمواطنين البسطاء لغرض سياسي لا يخدم الا شهوة بعض الأشخاص للسلطة ومصالحهم فيها. انفرد الحزب الشيوعي في دعم الثورة وشكّل شبابه مكوّناً هاماً من مكوّناتها وإن يكن نأى بنفسه عن تبنّيها مباشرة.

النخبة السودانية وادمان الفشل: عجز المثقفون السودانيون عن قيادة الثورة، وتركوها جسداً بلا رأس. وفشلوا في تقديم بديل يمكنه كسب ثقة الشعب السوداني كما عجزوا من قبل عن حماية الحكومات الديمقراطية في السودان وتركوها حلبةً لصراع السلطة بين زعماء الأحزاب الدينية. انقسم المثقفون السودانيون الى ثلاث فرق: الأولى تداهن زعماء الأحزاب الدينية التقليدية سعياً وراء المال والمنصب. الثانية تنتقد الآخر من قوى المعارضة وتقضي الوقت في التفاكر والتشاور والترحال الى أماكن المؤتمرات التي تخرج بمذكرات تنسى في الجيوب. أما الفرقة الثالثة فهم المثقفون ذوو الحمية والغيرة على الوطن والذين يسعون هنا وهناك بخطوات جادة ودون انتظار مقابل. وللمفارقة ــ فإن هؤلاء لا يُسمَعون ولا يَطْرِبون. ان النظام الحالي ليس بالقوة التي كان عليها في العام 1989. هو مواجَه بحروب داخلية في عدة جبهات من البلاد: في دارفور وجبال النوبة وكادوقلي والنيل الأزرق، بالإضافة الى ضغط المجتمع الدولي لانتهاكه حقوق الانسان وتورطه في عمليات التطهير العرقي في دارفور. أضف الى ذلك التوترات والانقسامات داخل الحزب الحاكم نفسه فضلاً عن التوترات مع حزب المؤتمر الشعبي بقيادة حسن الترابي، عرّاب النظام الحالي الذي أُقصي عن الحكومة ابّان قرارات (الرابع من رمضان) في ديسمبر 1999. كل هذه الأسباب تجعل من النظام في حالة من الضعف تسهّل فرص اسقاطه اذا عقد العزم. لكن الدور السلبي للمثقف السوداني وتشرذم قوى المعارضة مافتئا يمنحانه عمراً جديداً. ان فشل المحاولة الثورية السودانية المتجددة للعام 2012 لم يكن بسبب كون الشعب السوداني متخاذلاً أو خائفاّ، فهذا الشعب فجّر أول ثورة شعبية في أفريقيا والشرق الأوسط في العام 1964، وأسقط النظام العسكري مرة أخرى في انتفاضة أبريل 1985. إنما الفشل مردّه الى عجز المعارضة السودانية عن تقديم بديل محل ثقة يستأهل ما سيفقده السودانيون في طريق الثورة من أرواح وأمن. على نفس القدر من الأهمية يأتي وعي الشعب بحقوقه وبمن يستغلون تديّنه لأغراضهم الشخصية. وهكذا فالدرس الذي تعلمه الشباب السوداني من انتفاضته هو ضرورة أن يعمل على تنوير المواطن السوداني وتوعيته وتوضيح الرؤية. من ناحية أخرى، أدرك الشباب أن عليه ايجاد بديل قادر على قيادة البلاد في مرحلة الديمقراطية المنشودة وأن يسعى الى توحيد قوى المعارضة. ومع هذا وذاك، فإن الموجة الثورية السودانية الاولى لم يُمحَ أثرُها. الجمر لا يزال تحت الرماد. ولا تزال الاحتجاجات مستمرة في بعض الأحياء ومناوشات بين الشباب وعناصر الشرطة والأمن. لقد فطن الشباب الى حقهم المسلوب ولن يتوانى يناضل لإسقاط تجار الدين وسارقي قوت الفقراء. [https://www.bidayatmag.com]

انتفاضة الشباب في تشيلي: خرج شباب تشيلي بفعل عصياني جماهيري امتداداً للاحتجاجات الطلابية ضد الطبقة الحاكمة والغنية والتفاوت الطبقي الفاحش مع تركيز القوة السياسية في أيدي شريحة محصورة، فحققت الانتفاضة إعادة هيكلية الدولة والتخلص من دستور يعزز الدكتاتورية الطبقية الرأسمالية مع إصلاحات ضرائبية ورفع المعاشات وحماية حقوق العمال مع عناية طبية شاملة وصندوق تقاعدي ومجانية التعليم. اندلعت شرارة الانتفاضة في الأوّل من تشرين الأول عام 2019، بعد إقرار الحكومة رفع أجرة القطارات بمقدار 30 بيزو. هذا بالإضافة إلى أنّ السعر السابق، والذي بلغ مقداره 800 بيزو (1.15 دولار أمريكي)، كان ثاني أعلى أجرة قطار في أمريكا اللاتينية. لم تتوقّع لجنة “المختصين” التي اقترحت هذا الإجراء، ولا حكومة “سيباستيان بينييرا” اليمينية أو حتّى معارضته السائدة، أي شكلٍ من الاعتراض، إلى أنْ خرج الشباب بفعلٍ عصيانيٍ جماهيريٍ، مُشكّلين امتداداً للاحتجاجات الطلابية المتتالية، والتي لم تنقطع منذ العام 2006. نظّمت اتحادات المدارس الثانوية حملةً على مواقع التواصل الاجتماعي لتفادي دفع أجرة القطار من خلال القفز عن أبواب المحطّات في كافة أنحاء العاصمة. وبعد أسبوعٍ من هذا الفعل الطلابي المباشر، تصاعدت الحملة حتى انتشارها في المدينة في 14 تشرين الأول. وقدّرت إدارة المواصلات العامة في مدينة “سانتياغو”، المكونة من تحالفٍ بين القطاع العام والقطاع الخاص، خسارتها بما يقرب من ربع مليون دولارٍ. ردّ “بينييرا” بقبضةٍ حديديةٍ، مُصِراً على فرض القانون والأمن العام. فقام الطلاب، بالتحالف مع ناشطين مجتمعيين محليين الآن، بتعميق وتوسيع الاحتجاجات إلى عدة محطاتٍ منذ يوم 18 تشرين الأول. انهالت وحدات  “الكارابينيرو” (Carabinero)، حرس الحدود “الصاعقة”، على المحتجين بالضرب، واحتُجزوا بالسيارات وتعرّضوا للتنكيل. أتى الردّ فوراً: تحول ما كان يُمكن اعتباره اضطراباً خفيفاً مُصاحِباً لحملة رفض دفع الأجرة إلى حملات تخريبٍ وتكسيرٍ واسعةٍ. وبفعلٍ عقابيٍ أحمق، أغلق “بينييرا” نظام المواصلات بالكامل، عند الساعة الرابعة عصراً، أي مباشرةً قبل فترة الذروة والعودة من العمل. وعندما علِم الأهالي بما تعرّض له أولادهم،  مُثقَلين بالتعب واليأس وعالقين في منتصف المدينة التي تتجاوز فيها مدّة رحلة العودة من العمل الساعتين، انتفضوا بحدّةٍ غير معهودةٍ من شرائح تشيلي المُهمّشة، والتي كان من الشائع اعتبارُها “مُروَّضةً” مقارنةً مع نُظرائها من المهمّشين في دول الأقاليم المجاورة. فكانت هذه الصفعاتُ القشّةَ التي كسرت ظهر البعير، وكانت لحظة الانفجار بعد عقودٍ من تحمّل التفاوت في الثروة والخدمات العامة الشبيهة بأنظمة الفصل العنصريّ والأنظمة المستبدّة. تمّ تخريب ما يقرب من ثمانين محطةً، وحُرقت عشرات القطارات والمحطّات إلى حدّ التفحُّم. ومع اقتراب الغروب، استهدفت الحشود والعصابات البنيةَ التحتية العامة والطرق الأساسية، والأهمّ من ذلك المحالّ التجارية الكبرى، أهمُّ لأنّها أقلقت النخب أكثر من أيّ عملٍ تخريبيٍّ آخر. وعند منتصف الليل تقريباً، رافضاً أو غير مستعدٍ استيعاب الغضب الذي أوقد أعمال الشغب، أعلن الرئيس “بينييرا” حالة الطوارئ في العاصمة. لكن وقبل إرسال جنوده إلى الشوارع، لم يبخل ذلك الرئيس الملياردير بالتباهي بعدم اكتراثه للفقراء عندما احتفل بعيد ميلاد حفيده في أحد المطاعم الفارهة في المدينة. وبعد أن أثار مشهد دوريات الجنود المتجولة في الشوارع أسوأ ذكريات فترة حكم ديكتاتورية “بينوشيه”، تأهّبت الطبقة العاملة – الفقيرة المنسيّة – للمعركة. لم يساهم الاحتلال العسكريّ لمدينة “سانتياغو” إلّا في تأجيج النيران.  وعلى مدار الليلة وفي اليوم التالي، انتشرت أعمال السرقة والحرق إلى مدنٍ محوريةٍ أخرى، بما فيها موانئ “فالبارايسو” و”كونسيبسيون” الكبيرتين في الجنوب. وأعلن اللواء المسؤول عن حالة الطوارئ منعَ التجوّل عند الساعة العاشرة مساءً، آملاً بذلك كسر وتيرة الاضطرابات. وفي العاصمة، صَوبت الشرطة بنادقها على المدنيين، بينما أقدم البحّارون في “فالبارايسو” على ضرب سكان المنطقة. في حين تدفّقت شرائح كبيرةٌ من الطبقة الوسطى التقدمية إلى شوارع العاصمة احتجاجاً على التواجد العسكري وتعبيراً عن رفضهم للحكومة اليمينية، وتجمهروا في الميادين المركزيّة وقرعوا الطناجر لساعاتٍ طويلةٍ، مردّدين شعار “فليرحل العسكر” (“que se vayan los milicos”)، والذي أتى ضمن احتجاجهم الأساسي على تلاشي الحريات المدنية وعسكرة النظام العام، حذرين من عودة أيام الحكم السلطوي. إلا أنّ الرد اليمينيّ، الذي يزعم أنّ التواجد العسكريّ الحاليّ مختلفٌ عن أيّام حكم العسكر تحت “بينوشيه”، لا يخلو من الصواب؛ لا يُوَظَّف الجيش اليوم لفرض الدكتاتورية، إنّما لحماية “ديمقراطية السوق الحرّ” ما بعد “بينوشيه”. لم يفلح كلّ هذا القمع وتجميد أبسط الحقوق في إحباط الانتفاضة، فانتشرت النيران وأصبحت السرقة شائعةً مع وصول الثورة إلى البلدات الصغيرة والمتوسطة. وعندما استيقظ التشيليون صبيحة يوم الأحد 20 تشرين الأول، تمّ السطو على المحال التجارية الكبيرة والصيدليات في العاصمة، وأعلنت شركة “والمارت” الأمريكية، مثلاً، عن سرقة ثمانين متجراً كبيراً لها (تحت اسم “ليدر” و “إيكونو” في تشيلي). ومن جهته، صرح وزير الداخلية “أندري تشادويك” أنه تمّ حرق ثماني محطات قطارٍ جديدةٍ، بالإضافة إلى ما يفوق 700 معتقلٍ و 60 مصاباً في صفوف الشرطة. وفي أحد الحوادث، تمّ إطلاق النار على اثنين مدنيّيْن، عند حاجزٍ عسكريٍ،  وتركهما في حالةٍ حرِجةٍ. ومع بداية الأسبوع التالي، بدأ المشهد الضبابي بالأتّضاح قليلاً: لقد قامت جماهير تشيلي المنسية، تلك الكتل السياسية الفاقدة للكيانية والمحرومة ممّا يُسمى “معجزة السوق الحرّ”، بشلّ الحياة العادية. لقد أخذ هذا “النصف الآخر” من المجتمع زمام المبادرة، وسارت خلفه، حتى الآن، الطبقات الوسطى. تلاشى خوف الناس من أجهزة الدولة القمعية مع الانتشار الضخم لأعمال السرقة والشغب ونصْب المتاريس في الميادين ومفترقات الطرق. ومع حلول منع التجوّل الثاني عند الساعة السابعة مساءً، استمرّ خمسة وعشرون ألف متظاهرٍ بقرع الطناجر في إحدى أكبر مظاهرات “الكاسيرولازو”، أو “مظاهرات الطناجر”، في العاصمة. وبكلماتٍ أخرى، اختفى الاستقرار في “أكثر الدول استقراراً في أمريكا اللاتينية”. وعند منتصف الليل، تمّ تدمير مئتي متجرٍ كبيرٍ و120 صيدليةً و75 محطة محروقاتٍ، جزئياً أو بالكامل.  وشنّ المنتفضون، في إحدى الموانئ الشمالية، هجوماً غير مترددٍ على أحد الكازينوهات الفخمة. توفّي منذ بداية هذه الانتفاضة الطبقيّة، وحتى نشر هذا المقال في 22 تشرين الأوّل، 11 من الشباب المنتفضين، حيث أطلق أحد الجنود النار على أحدهم، بينما مات معظمهم حرقاً في المتاجر التي كانت في بؤرة المواجهات، في حين أُصيب المئات وتمّ اعتقال نحو ألفي شخصٍ. سيستمرّ الفقراء في دفع ثمن مقاومتهم، ولكن، لقد فُرض الثمن الأكبر على الطبقة الحاكمة. وبتنظيمهم وحشدهم العفوي، تمكّن عمّال تشيلي من تعطيل وشلّ الحركة على نطاق النظام بأكمله.

عندما حرقت الطبقة السياسيّة ذاتها: تعترف كل القوى السياسية في تشيلي بما هو مفروغٌ منه: يعكس هذا الغضب العارم أكثر من مجرّد “حادثة” رفع تكلفة المواصلات. ففي الوقت الذي تتباهى فيه النخب بثرائِها المتراكم، سئمت الناس من الأجور تحت مستوى الفقر، والرواتب التقاعدية المهينة للكرامة، والمدارس المفصولة طبقياً. وفي دولةٍ يبلغ فيها معدل إجمالي الناتج المحلي للفرد الواحد 16 ألف دولارٍ أمريكيٍ، يعيش نصف السكان بأقلّ من مئتي دولارٍ بالشهر، وهو نصف مبلغ الحدّ الأدنى للأجور الذي هو بحدّ ذاته مُجحِفٌ. بينما لا يتجاوز الحدّ الأدنى للراتب التقاعديّ في القطاع العام للذين تتراوح أعمارهم بين 70-75 عاماً هذا المبلغ بكثير. وفي ذات الوقت، تبلغ التكلفة الشهرية الفعلية للمنتجات الغذائية، وحدها، 500 دولارٍ، وهو عشرة أضعاف الرقم الرسمي الفاقد للمصداقية. إنّ آثار هذا الواقع مُميتةٌ، ففي العام الماضي، توفّي 27,000 تشيليّ أثناء انتظارهم العناية الطبيّة في نظام الخدمات العامّة المُزري. لذلك، يعيش أولئك الشاجبون والمندهشون من استهداف الصيدليّات والمحال التجارية الكبيرة في عالمٍ اجتماعيٍّ منفصلٍ تماماً.

وفي الوقت الذي يبلغ فيه متوسط الدخل الشهري 550 دولاراً، يجني 1% من التشيليين عشرة أضعاف ذلك الرقم، بالحدّ الأدنى، أيّ يتحكمون بثلث الدخل القومي. وكانت حكومة اليمين – الوسط قد اقترحت مؤخّراً، بدعم اليسار – الوسط،   إصلاحاً مضادّاً يهدف إلى تخفيف الضرائب على الأغنياء، مما سيمنحهم 650 مليون دولارٍ. أجّج هذا التفاوت الفاحش في تشيلي، مصحوباً بتركيز القوة السياسية في أيدي شريحةٍ محصورةٍ، الأحداث وأذكى جذوة الانتفاضة. ومع ردّة فعلها الهزيلة والفاقدة للحسّ الاجتماعي، تبدو الطبقة السياسية مصرّةً على إنكار الواقع وتحديه، وصولاً إلى ملاحقتها النيران. اقترح كلٌّ من اليمين – الوسط الحاكم واليسار – الوسط الهلامي، واللذان حكما تشيلي في فترة ما بعد الديكتاتورية، استعادة الوضع القائم ما قبل الثورة. وفي سبيل استعادة نفوذهما، يحاولان الدفع باتجاه مزيجٍ من “الأمن العام” وتقديم بعض الإغاثة المخصصة. بدايةً، ناشد الرئيس بالحوار الوطني والتراجع عن قرار رفع أجرة المواصلات، إلا أنّه سرعان ما ضاعف سياساته القمعية وفرض استراتيجية “القانون والنظام العام”. أمّا اليمين التشيلي، فيبدو غير قادرٍ، حقاً، على تكوين ردٍ مختلفٍ، واعتمد خطاباً معادياً للجريمة مع تصعيد أيام الغضب. أعلن “بينييرا” الدخول في “حالة حرب”، في حين قال الوزير الارستقراطي “تشادويك” إنّ جهاتٍ منظّمة ومنسّقة تقف خلف موجة التخريب وأعمال الشغب. تأتي هذه الإزاحة في الخطاب كمحاولةٍ للتفريق بين المتظاهرين “المسؤولين السلميين” الذين يقدّمون مطالب “معقولةً”، وبين المتظاهرين المجرمين “المناصرين للعنف”، الـ (Violinists)، الذين يناصرون العنف والتخريب من أجل العنف. كانت هذه إحدى الوسائل التي اتّبعتها الحكومة لكسب الطبقات الوسطى وعزلها عن الفقراء في الأطراف. فعمل الوزير “تشادويك”، وغيره من السياسيين، على ترديد المخاوف المتعلّقة بسلامة أملاك الطبقة الوسطى ومكتسباتها؛ أيّ  وجّهوا رسائل مبطنةً لجمهور الطبقة الوسطى بهدف تخويفهم وترويعهم من حالة الفلتان. كما ويعكس هذا الخطاب نظرة السياسيين المحافظين وقواعدهم للعالم. أمّا اليسار التشيلي التقليدي، فلم يختلف جوهرياً عن اليمين إلا بدرجاتٍ. تبنّى الائتلاف الاشتراكيّ – المسيحي الديمقراطي خطاب الرئيس ذاته حول “النظام العام”. ودعا المفاوض الاشتراكي في مجلس الشيوخ التشيلي إلى زيادة وتيرة القمع والتشديد. بينما انضمّ اليسار-الوسط إلى جوقة إدانة التخريب، مُصرّحاً بضرورة انصياع المتظاهرين للقانون إذا ما أرادوا رؤية أي إصلاحٍ، في حين دعت المعارضة المعتدلة إلى حوارٍ وطنيٍ ونادت بالتخفيف من حدّة التفاوت واللامساواة في التشيلي، في بعض الجوانب. اعترف قائد الحزب المسيحي الديمقراطي، (فؤاد شاهين)، بأنّ الطبقة السياسية بأكملها قد خلَقت الوضع الحاليّ ويجب أن تتحمّل مسؤولية إعادة الاستقرار من خلال تلبية مطالب المتظاهرين. ومع أنّ استراتيجية اليسار – الوسط تهدف إلى شفاء “المرض” من خلال تبنّي سياساتٍ اجتماعيةٍ بدلاً من معالجة “أعراض ارتفاع درجة الحرارة” من خلال البنادق والهراوات، إلا إنها ترمي في نهاية المطاف إلى الحفاظ على قدرة النظام على الحكم. فيُحذّر شاهين، مثلاً، من أن يؤدي فشل الطبقة الحاكمة إلى كابوس “الشعبوية غير الليبرالية”. ولربما تظهر حدّيّة الموقف القائل “لقد أخفقنا، هيا بنا نُصلِح الوضع القائم” في حالة الحزب الشيوعيّ الذي انضمّ إلى ائتلاف اليسار-الوسط في العام 2014، إذ قال قائد الحزب للرئيس “بينييرا”: “عليكَ التنحّي إن لم تعرف كيف تحكم”. بكلماتٍ أخرى، ومثل نظيره اليميني، يريد اليسار-الوسط استباق الانتفاضة وتجنّب جرفهم من قبل الغضب الشعبيّ. وإنّه من المؤسف أنّ اليسار الجديد المستقلّ لا يزال، أيضاً، غير قادرٍ على اغتنام الفرصة وتحقيق التحوّلات المؤسساتية والبنيوية المطلوبة في سياق الانهيار السياسي والمجتمعي الذي يشوب تشيلي الآن. فمثلاً، لم يستطِع الائتلاف اليساري الجديد المُسمّى بـ (ائتلاف فرينتيه أمبليو)، والذي حاول مجابهة النظام الاقتصادي النيوليبرالي قبل عامين في تشيلي، قيادة استراتيجية تَحَوُّلٍ حقيقيةٍ حتى الآن. كما يتمّ تخوين أبرز أعضائه واتّهامهم بشرعنة العنف. وعلى الرغم من محاولة الائتلاف اليساري تجنُّب ثنائية المتظاهر “الجيد” والمتظاهر “السيء”، إلا إنّه يحصر ذاته في زاوية ردّة الفعل على الظروف وتطوّراتها. وبين مطالبته بإزالة الجنود ومُناداته بتنحّي الرئيس، لم يستطِع الائتلاف إعادة تأطير الحوار الوطني حول السياسات، كما ولم تتمكن أحزابه من بناء روابط حقيقيةٍ مع المتظاهرين. ومع أنّ البرلماني المعروف “غابرييل بورك” قد واجه الجنود بشجاعةٍ في وسط البلد في “سانتياغو”، إلا إنّ هذا الفعل الرمزيّ غير كافٍ.

حلٌّ شعبيٌّ ديمقراطيٌّ: مع محاولات الأحزاب لركوب موجة الأحداث التي وصلت مرحلةً متطوّرةً، تستمرّ الجماهير الغاضبة بالوفاء بوعدها المُهدِّد بأنّ هذه هي مجرّد البداية. إنّ مجرّد إلغاء رفع سعر الأجرة، الذي أُقِرّ في 21 تشرين الأوّل، أو رفع الحدّ الأدنى للراتب التقاعدي، لن يُقنع هذه الجماهير بإخلاء الشوارع. ومع أنّهم يفتقرون إلى مجموعةٍ من المطالب الواضحة، أو لمُمثّلين مُفوّضين للتفاوض عنهم، فإنّ العصابات وقارعي الطناجر واضحون في أنّ عليهم مواصلة مُعاداتهم للدولة. عبّر عاملٌ مُتقاعدٌ عن هذه العواطف بشكلٍ مثاليٍ في قوله لمذيعةٍ: “إن لم نترك لهم بُرازَنا، لن ينظروا إلينا” (“si no dejamos la cagá, no nos pescan”). أو بكلماتٍ أخرى: “إن لم نخرّب كلّ شيءٍ، لن يعرف هؤلاء أنّنا موجودون”. ومع فرض التشيليين المزيد من الخسائر على النُّخب، لا بُدّ من الخلوص إلى خطواتٍ واضحةٍ من الانتفاضة الحالية. في المقام الأول، يجب تحويل فِطرة المتظاهرين وفعلهم التمرُّدي وتصعيدهم لأعمال شلّ الحركة إلى حشدٍ جماهيريٍ يُتوَّج بأضراب وطنيٍ عامٍ. في الوقت الراهن، لا توجد قوىً سياسيةٌ قادرةٌ على قيادة مجهودٍ كهذا، ولكنّ تسيير الغضب الشعبي في هذا الاتجاه ضروريٌ؛ خشية تلاشي الغضب وإطفاء الحرائق مع ازدياد إرهاق الناس واحباطهم. ولكن، من المهم الإشارة إلى أنّ القوى الاجتماعية القادرة على مواصلة إضرابٍ كهذا قد نزلت إلى الساحة وبادرت في تحقيقه. اضُطرّ المعلمون في معظم المدن الكبيرة إلى البقاء في منازلهم، وحذّرت نقابات المواصلات أعضائها من أوضاعٍ خطيرةٍ في العمل، كما انضمّ عمّال المناجم ذات النفوذ الواسع إلى إضرابٍ شاملٍ لقطاعهم، ورفع عمّال الموانئ شعار الإضراب الوطني. وإذا أصبحت هذه الجهود منظّمةً، قد تُجبَر الطبقة السياسية على تبنّي إصلاحاتٍ جذريةٍ. ومن أجل تحقيق ذلك، يستلزم وضع قائمةٍ بالحدّ الأدنى للإصلاحات الشاملة على الأجندة. ومع رفض الحركة الشعبية للإغاثة الجزئية التي تقطُرُ ببطءٍ وشُحٍّ من البرلمان والقصر الرئاسي، يجب أن يظهر برنامجٌ بديلٌ ليشكّل الحدّ الأدنى من التنازلات التي يجب انتزاعها. محتوى هذا البرنامج ليس لغزاً، إذ يتضمّن إعادة تأميم النحاس، وإصلاحاً ضرائبياً جذرياً، فضلاً عن ارتفاعٍ في المعاشات، وحقوقٍ عُمّاليةٍ وحمايةٍ للعمّال، وكذلك عنايةٍ صحيةٍ شاملةٍ وصندوقٍ تقاعُديٍ شاملٍ، إلى جانب تعليمٍ عامٍ شاملٍ يدفع له الأغنياء. وإذا تمّ تنظيم هذه الجهود فعلاً، فستكون الحركات الاجتماعية التي خرجت العقد الماضي في تشيلي قادرةً بالكامل على رسم هذه المخطّطات السياسية. وبالطبع، تتطلّب هذه الأشكال من الدَمَقرَطة الاقتصادية والاجتماعية ديمقراطيةً سياسيةً حقيقيةً، وقد وُجد النظام الحالي وصُمّم لمنع الإصلاحات. ولكنّ انتفاضة تشيلي قد خلقت مفترقَ طرقٍ فتح المجال لإعادة هيكلة الدولة. وقد حان الوقت للمطالبة بجمعيةٍ تأسيسيةٍ والتخلّص من دستور “بينوشيه” النيوليبرالي، والذي كان يشكّل إطاراً لديكتاتورية الطبقة الرأسمالية مع مظاهر شكليةٍ للإجراءات الديمقراطية. في تشيلي، يوجد ما قبل  تشرين الأول 2019، وما بعده. ولقد خلق التحدّي الجماهيري لعمّال تشيلي، الأكثر تهميشاً،  نقطة التحوّل هذه، ويعتمد “ما بعد تشرين الأول” على ما سيفعله الناس بهذه الفرصة. [https://www.babelwad.com]

انتفاضة الشباب اللاتيني: (الأكوادور، البرازيل، الأرجنتين، فينزويلا، بوليفيا، هايتي، هندوراس، كولومبيا) انتفاضة تصدت للفساد وعنف الشرطة من أجل توطيد أسس النظام الديمقراطي وشفافية العملية الانتخابية. تشهد أمريكا اللاتينية في الوقت الراهن العديد من التطورات والأحداث التي من شأنها إعادة صياغة المشهد السياسي في المنطقة، ومرجح أن تكون لها تداعيات كبيرة على خريطة العلاقات الدولية لبلدان القارة. ولا تقتصر التطورات السياسية في أمريكا اللاتينية على المظاهرات التي اجتاحت العديد من دول القارة، بل إن تلك المظاهرات نفسها، كانت كاشفة عن عمق التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الجارية بأمريكا اللاتينية. وتجتاح بعض دول أمريكا اللاتينية مظاهرات حاشدة اعتراضًا على تطبيق سياسات اقتصادية تقشفية، والتي تضمنت إصدار قرارات حكومية برفع تعريفة الركوب (تشيلي)، إلغاء الدعم الحكومي على الوقود (الإكوادور)، وخفض التمويل الفيدرالي على التعليم (البرازيل). وبدت المظاهرات، لبعض المحللين، وكأنها شكل من أشكال الغضب الشعبي من تقليص الإنفاق والدعم الحكومي. وإذا كان النظر إلى الاحتجاجات الشعبية باعتبارها رفضًا للسياسات الاقتصادية التقشفية التي طبقتها بعض الحكومات اليمينية في أمريكا اللاتينية مثلما الحال في تشيلي والبرازيل أو حتى اليسارية مثلما الحال في الإكوادور، يمكن أن يُقدم بعض التفسير لحالة الغضب المنتشرة بين مواطني دول القارة اللاتينية، إلا أنه لا يقدم تفسيرًا كاملًا لحقيقة الأوضاع هناك، وذلك للأسباب التالية:

أ – ترتبط الاحتجاجات الشعبية، بدرجة كبيرة، بسيادة حالة من الإحباط بين المواطنين العاديين: حيث يشعرون بخيبة أمل كبيرة في السياسيين في بلادهم، بسبب تراجعهم عن وعودهم بتحقيق الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، إضافة إلى زيادة الشعور بالهوة بين الحكومة والمواطن العادي، وترسخ القناعة بين عموم الشعب بأن السياسيين لا يمثلونهم ولا يدافعون عن مصالحهم، بل يدافعون عن مصالح حفنة قليلة من الشعب.

ب – لم ترفع الاحتجاجات الشعبية الشعارات المطالبة بتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية فحسب: بل كان المحرك الأساسي لبعضها هو المطالبة بتوطيد أسس النظام الديمقراطي، ضمان شفافية العملية الانتخابية، والتصدي للفساد وعنف الشرطة، مثلما الحال في فنزويلا، بوليفيا، هايتي، هندوراس، وكذلك كولومبيا وبيرو.

ماذا عن الدول الأكثر استقرارًا في المنطقة؟: إذا كانت الاحتجاجات التي تشهدها دول أمريكا اللاتينية، قد تركزت بالأساس في الدول التي تعاني من عدم الاستقرار الأمني والسياسي، وتلك التي تواجه صعوبات اقتصادية واجتماعية عميقة، ومن ذلك فنزويلا، بوليفيا، الإكوادور، هايتي، وهندوراس وغيرها، فإن ذلك لا يكشف عن حقيقة الأوضاع في المنطقة بشكل كامل، وذلك لأن الاحتجاجات الشعبية طالت حتى أكثر دول أمريكا اللاتينية استقرارًا. والمثال البارز على ذلك، هو تشيلي التي تشهد منذ 18 أكتوبر/ تشرين الأول 2019 سلسلة من المظاهرات الحاشدة. وتسببت المظاهرات التي تشهدها تشيلي في صدمة كبيرة للعديد من الخبراء والمتخصصين لسببين أساسيين هما:

أ – مثلت تشيلي، على مدار عقود طويلة، نموذج اقتصادي واجتماعي وسياسي ناجح: وذلك وسط إقليم جغرافي يعاني من الاضطرابات السياسية والاجتماعية، غير أن هذا الاستقرار قد أخفى العديد من المشكلات الاجتماعية، وفي مقدمتها: ارتفاع معدل التفاوت الاجتماعي، وذلك على الرغم من نموها الاقتصادي المذهل، ونجاحها الكبير في الحد من الفقر، حيث كشفت بيانات منظمة الأمم المتحدة لعام 2017 عن أن 1% من السكان يسيطرون على نحو 33% من ثروة البلاد.

ب – انتشار أعمال العنف والشغب والنهب في العديد من المدن: وتدخل الجيش في المظاهرات ونزوله للشارع لاستعادة الأمن والنظام، وهو ما أسفر عن سقوط أكثر من 20 قتيلًا ومئات المصابين، الأمر الذي قدم صورة مغايرة تمامًا لتشيلي المستقرة، خاصة مع إعلان رئيس البلاد (سبستيان بنييرا) أن البلاد “في حالة حرب”، وهو الخطاب الذي أثار ذكريات الديكتاتورية العسكرية التي حكمت البلاد لمدة 17 عامًا.

دور الأطراف الخارجية: مع التسليم بأن الأزمات التي تشهدها العديد من دول أمريكا اللاتينية في الوقت الراهن، لها جذور داخلية بالأساس، فهناك تبادل للاتهامات بين أطراف داخلية وخارجية، بالمسؤولية عن تفاقم حالة عدم الاستقرار المصاحبة للمظاهرات، وذلك على النحو التالي:

أ – الحكومات اليمينية: شجب الرئيسان الإكوادوري والتشيلي الدور المزعوم للأنظمة الاستبدادية في فنزويلا وكوبا، في التحريض على الاحتجاجات في بلديهما، وأيدتهما في ذلك منظمة الدول الأمريكية (دولية مقرها واشنطن). ووجه رئيس الشؤون الأمريكية اللاتينية في وزارة الخارجية الأمريكية، مايكل كوزاك، اتهامًا لروسيا بإشعال المظاهرات في الإكوادور وتشيلي.

ب – الحكومات اليسارية: زعمت بعض الحكومات اليسارية أن هناك أطرافا دولية تقف وراء الاحتجاجات. ومن ذلك “إيفو موراليس”، في بوليفيا، الذي اتهم الأمبرياليين والرأسماليين بالتخطيط لتنفيذ انقلاب ضده. وعقب إعلانه الاستقالة، انتقد بعض حلفاء موراليس اليساريين في أمريكا اللاتينية تطورات الأحداث باعتبارها “انقلابا”، بما في ذلك الرئيس الفنزويلي “نيكولاس مادورو”، والرئيس الأرجنتيني المنتخب “البرتو فرنانديز”، والرئيس الكوبي “ميغيل دياز كانيل”.

وقال وزير الشؤون الخارجية المكسيكي، “مارسيلو إبرارد”، إنه سيتم منح اللجوء السياسي لـ “موراليس” وفقًا “لتقاليد اللجوء وعدم التدخل” في البلاد، إذا طلب (موراليس) ذلك.

دلالات التطورات الراهنة: كانت مظاهرات أمريكا اللاتينية، وما ارتبط بها من نزول الملايين للشوارع، احتجاجًا على صعوبة الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كاشفة عن تطورات جوهرية داخل دول المنطقة، وذلك على النحو التالي:

أ – تراجع ثقة المواطنين: تكشف التطورات الراهنة في أمريكا اللاتينية عن أن كل بلد يمر بالدراما الخاصة به. ولكن من الواضح أن حكومات دول أمريكا اللاتينية تواجه حالة من الاستياء الشعبي المتزايد والتراجع الحاد في ثقة الجمهور بالحكومات والمؤسسات. ما يجعل من الأحداث الأخيرة أكثر من مجرد أعراض للتدهور الاقتصادي وثورة التوقعات المتزايدة، ولكن هناك قضية أوسع تتعلق بعدم ثقة المواطنين، وفي بعض الحالات، الرفض الصريح للطبقة السياسية. ووفقًا لمشروع الرأي العام في أمريكا اللاتينية التابع لجامعة فاندربيلت، يعتقد أكثر من 80% من المواطنين في جميع أنحاء المنطقة أن نصف السياسيين، على الأقل، فاسدون.

ب – تفاقم أوضاع عدم الاستقرار: كانت النتيجة المباشرة للأوضاع السياسية والاقتصادية المتدهورة في بعض دول أمريكا اللاتينية هي تصعيد الاحتجاجات وردود الفعل القمعية، وتحويل المظاهرات السلمية إلى صراعات ضخمة وعنيفة. ومع ما يرتبط بذلك من ارتفاع سقف مطالب المحتجين إلى ما هو أبعد من السبب المباشر والرئيس للاحتجاج، فبينما بدأت المظاهرات في تشيلي احتجاجًا على رفع رسوم تذاكر المترو، سرعان ما ارتفع سقف مطالب المحتجين إلى المطالبة بإقالة الرئيس “ساباستيان بينيرا”، من منصبه، وتعديل دستور البلاد. والشيء نفسه في بوليفيا التي اندلعت فيها المظاهرات في البداية اعتراضًا على نتائج الانتخابات الرئاسية التي أسفرت عن فوز اليساري “إيفو موراليس”، لكن انتهى بها الحال للمطالبة برحيل موراليس، وهو ما حدث بالفعل عقب تقديمه الاستقالة في العاشر من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري.

ت – قوة حركة الاحتجاج الشعبي: تكشف المظاهرات الحاشدة في العديد من دول القارة اللاتينية، وما ارتبط بها من إصرار المحتجين على تحقيق مطالبهم، عن قوة حركة الاحتجاج الشعبي. وعلى الرغم من أن بعض المظاهرات مثلما الحال في تشيلي كانت بلا قيادة واضحة، فقد قادت المعارضة اليمينية الاحتجاجات الشعبية في بوليفيا، كما كانت جماعات السكان الأصليين هم المحرك الرئيسي للاحتجاج في الإكوادور، وقاد العمال والطلاب الاحتجاجات في كل من كولومبيا والبرازيل، كما يشارك رجال الدين في المظاهرات التي تشهدها هايتي. وهو الأمر الذي يدل على مشاركة فاعلة لجميع المواطنين بمختلف انتماءاتهم، حتى إن المظاهرات في تشيلي قد امتدت مؤخرًا إلى بعض الأحياء الغنية الراقية، وذلك للمرة الأولى منذ اندلاعها. وهو ما يؤكد مرة أخرى على أن المظاهرات لا تحركها المطالب الاقتصادية والاجتماعية فحسب.

مآلات الأوضاع: يمكن أن يؤدي تسارع وتيرة الاحتجاجات في أمريكا اللاتينية إلى بعض التطورات المهمة في المستقبل، من أبرزها:

أ – مزيد من الغموض وعدم اليقين السياسي: فرضت المظاهرات التي تشهدها بعض دول أمريكا اللاتينية ضغوطًا كبيرة على مختلف الحكومات، وهو الأمر الذي يعني أن قادة أمريكا اللاتينية عبر مختلف الطيف السياسي يجدون أنفسهم في مأزق في الوقت الراهن. ورغم عودة اليسار إلى السلطة في المكسيك والأرجنتين عبر صناديق الاقتراع، وإطلاق سراح أيقونة اليسار البرازيلي الرئيس الأسبق “لولا دا سيلفا” من السجن، في الثامن من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، فلا يزال تيار اليسار يواجه أزمة حادة. ومن المرجح أن يؤدي رحيل موراليس في بوليفيا إلى تعزيز الضغوط المفروضة على الحكومات اليسارية في المنطقة، وفي مقدمتها حكومة الرئيس الفنزويلي “نيكولاس مادورو”. وفي الوقت نفسه، تعاني الحكومات اليمينية من تحديات مماثلة، وذلك في البرازيل، بيرو، كولومبيا، إضافة إلى تشيلي. وجميعها أمور تفرض حالة من عدم اليقين والغموض السياسي بالنسبة لمستقبل دول أمريكا اللاتينية.

ب – تدهور الأوضاع الاقتصادية: تندلع الأزمات السياسية في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية، ما يضاعف من الصعوبات الاقتصادية في منطقة تعاني بالفعل من تفاقم مشكلة الهجرة ومن أزمة اقتصادية حادة، خاصة مع توقعات صندوق النقد الدولي بتراجع معدل النمو الاقتصادي لأمريكا اللاتينية بنسبة 0.6% لعام 2019، منخفضًا عن توقعات النمو التي أعلنها الصندوق في أبريل/نيسان 2019، والتي بلغت 1.4%. وعلى الرغم من شرعية مطالب المحتجين؛ فإنه لا يمكن تحقيقها بين يوم وليلة، كما أن الوفاء بها يتطلب تكلفة اقتصادية باهظة، وهو ما يمكن أن يزيد من صعوبة الأوضاع الاقتصادية في المنطقة.

ت – احتمال عودة الدور السياسي للجيش: أدت مجموعة من التطورات في أمريكا اللاتينية إلى تجدد احتمالات عودة الجيش لممارسة دور في الحياة السياسية، وكان أولها وصول الرئيس اليميني “جايير بولسونارو” إلى السلطة في البرازيل، الذي كان ضابطا سابقا بالجيش. كما تضم الحكومة التي شكلها أكبر عدد من العسكريين السابقين منذ عودة الديمقراطية إلى البلاد عام 1985، كما كانت المطالب المتزايدة لأداء الجيش دورا أكبر في التصدي لعصابات الجريمة المنظمة في أوروجواي وكذلك البرازيل شكلا آخر من أشكال دعوة الجيش للتدخل.

ومن الأمثلة الأحدث على ذلك، قيام الرئيس التشيلي بتسليم الجيش مهام استعادة الأمن والنظام في البلاد عقب اندلاع أعمال عنف وتدمير خلال الاحتجاجات التي شهدتها البلاد، وما ارتبط بذلك من توجيه الاتهامات لعدد من أفراد الجيش بقتل المتظاهرين. وليس ببعيد انشقاق عناصر من الشرطة والجيش في بوليفيا وإعلانهم الانحياز إلى مطالب الشعب، إلى جانب دعوة قائد الجيش البوليفي، الرئيس إلى التنحي، وهو ما دفع موراليس إلى تخليه عن منصبه. وفي ضوء ما سبق يمكن القول إن الأوضاع في أمريكا اللاتينية مرشحة للتصعيد، ويمكن أن تمتد المظاهرات إلى دول أخرى في المنطقة، وهو ما سيؤدي إلى مزيد من التدهور الاقتصادي وعدم الاستقرار السياسي. [https://al-ain.com]

انتفاضة شباب هونك كونك: شباب يستخدم بشكل مكثف شبكات التواصل الاجتماعي ويطالبون بالديمقراطية. تتواصل الاحتجاجات التي تجتاح قلب مدينة هونغ كونغ بشكل متصاعد ويرى مراقبون أنها تشكل التحدي الأكبر لسلطات بكين منذ استعادتها للمدينة عام 1997من بريطانيا. واستمر المتظاهرون المطالبون بالديمقراطية يحشدون أعداداً كبيرة في هونغ كونغ الثلاثاء (30 أيلول/ سبتمبر 2014) عشية العيد الوطني الصيني متجاهلين الدعوات المتكررة لرئيس الحكومة بالعودة إلى منازلهم. ووصل آلاف منهم مع حلول الظلام إلى سنترال وادميرالتي، الرئة المالية للمدينة، قرب مقر الحكومة وذلك قبل يومي عطلة إحياء لنصر الشيوعيين على الوطنيين وإعلان جمهورية الصين الشعبية في 1949. وحصلت الحركة الاحتجاجية على تأييد دولي، من لندن التي دعت إلى فتح مفاوضات “بناءة” في هونغ كونغ، فيما دعت واشنطن التي تخوض حرباً تجارية وسياسية ودبلوماسية مع بكين في آسيا، السلطات والمتظاهرين إلى ضبط النفس. وقد ردت بكين بالتحذير مما اعتبرته “تدخلاً في الشؤون الداخلية”.

يوشا الشاب المزعج لسلطات بكين: هذا التظاهرات أُطلق عليها مستخدمو الشبكات الاجتماعية “ثورة المظلات”، وتعد حركة “اكوباي سنترال” إحدى أبرز المجموعات ضمن الحركة الاحتجاجية التي تتصدرها مطالب إحلال الديمقراطية واعتماد الانتخاب الحر المباشر للحكومة المحلية في الانتخابات المقبلة عام 2017 بالإضافة إلى الدعوة لاستقالة رئيس الحكومة لونغ شون ينغ. وتستقطب الحركة الاحتجاجية فئات شبابية من طلاب وتلاميذ، وتقودها وجوه شابة، ومن أبرزها (يوشا وونغ) ذو الـ 17 عاماً. ويرى محللون في هيمنة الشبان اليافعين على الحركة أحد المعطيات التي تضاعف من خطورة الحركة على النظام، وتجعل مهمة السيطرة عليها صعبة للغاية. وقد كتب موقع مجلة “دير شبيغل” الألمانية عنه بأن “سيرته مثيرة للإعجاب وأنه يمثل قدوة لجليه من اليافعين، وكان قد أسس في مسقط رأسه هونغ كونغ عام 2011 حركة أُطلق عليها “النزعة المدرسية” وتهدف لإصلاح نظام المدارس واستبعاد الدعاية الصينية من برامجها. وانضم إليها زهاء 120 ألف بين تلاميذ وأوليائهم ومدرسين. ويعتبر (يوشا) من أبرز قادة الحركة الاحتجاجية التي استطاعت في الأيام الأخيرة تحريك الآلاف في شوارع هونغ كونغ. ومنذ استلامه السلطة، أوقف الحزب الشيوعي أعداداً كبيرة من الناشطين والصحافيين والأكاديميين والمحامين وغيرهم ممن يعتبرهم يشكلون خطراً على حكمه، الأمر الذي اعتبرته منظمات حقوقية من بين أقسى الحملات خلال عقود من الزمن. وأبلغت السلطات الصينية مواقع الإنترنت الاثنين بضرورة إزالة أي معلومات تتعلق باحتجاجات هونغ كوتغ “على الفور”، وفقاً لما أعلنه الموقع الأميركي تشاينا ديجيتال تايمز الذي يراقب الدعاية الصينية. كما تم تعليق تطبيق انستغرام، وحظر عبارات مثل “طلاب هونغ كونغ” وغيرها مثل موقع ويبو المشابه لتويتر، في حين أزالت أجهزة الرقابة الحكومية محتويات تنتقد بكين في شبكات التواصل الاجتماعي. وأضاف (كوغلمان) “لدى الصين بالطبع القدرة والاستعداد والرغبة في السيطرة على نوعية المعلومات الصادرة هناك”. ومع ذلك تضع الاحتجاجات الصين في موقف صعب. وقال الناشط الصيني البارز والفنان (اي واي واي) لقناة سي أن أن الاثنين إن “ما يحدث هناك لا يتعلق بمستقبل هونغ كونغ فقط، إنما يعكس مستقبل الصين أيضاً”، مشيراً إلى “لحظة حرجة”.

التحدي الأكبر لبكين: وأعلنت الصين التي لا يعتقد المراقبون أنها ستلين موقفها وبلا مفاجأة، أنها تدعم بالكامل رئيس حكومة هونغ كونغ في إدارة أزمة التظاهرات “غير المشروعة” في المستعمرة البريطانية السابقة. وقد شدد الرئيس الصيني شي جين بينغ الضغط على التمرد في هونغ كونغ منذ نحو عامين وهو يسعى بكل الوسائل إلى التوقي من العدوى الديمقراطية. وكتبت صحيفة نيويورك تايمز في افتتاحية الثلاثاء “من الصعب عدم الخشية من حدوث تكرار للقمع الدامي قبل 25 عاماً لتظاهرات تيان انمان”. لكن (مايكل كوغلمان) المتخصص في آسيا في المركز الدولي للباحثين (وودرو ويلسون)، يرى أن هذا أمر غير وارد. ويضيف بالقول إن الصين تطمح إلى أن “تكون لاعباً مسؤولاً على المستوى الدولي وهذا ما لم تكن الحال عليه في 1989”. كما أن اتساع استخدام نشطاء الاحتجاجات لمواقع التواصل الاجتماعي، أعطى لتحركاتهم زخماً كبيراً، يجعل أيدي السلطات الصينية مكبلة في محاولاتها السيطرة عليها أو التعتيم عليها على غرار تجاربها السابقة إبان الاحتجاجات الديمقراطية التي شهدتها البلاد سنة 1989. ومن المنتظر أن يشكل هذا الملف موضوعاً أساسياً لاجتماع موسع للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني من 20 إلى 23 تشرين الأول/ أكتوبر ويتمحور حول “سلطة القانون”. وحسب وكالة الأنباء الصينية فإن الاجتماع سيرأسه تشي جين بينغ الامين العام للحزب ورئيس الجمهورية. ويعقد الاجتماع فيما يتعرض الحزب الشيوعي الصيني الذي يواجه احتجاجات حادة تطالب بالديمقراطية في هونغ كونغ، لحملة واسعة لمكافحة الفساد أطلقها تشي جين بينغ بعد المؤتمر، وسقط خلالها عدد من كبار مسؤولي النظام، منهم (زهو يونغكانغ) المسؤول السابق الواسع النفوذ عن الأجهزة الأمنية من 2002 حتى 2012. ويذكر أن (تان زهو يونغكانع) هو أول مسؤول سابق في اللجنة الدائمة للمكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني – “قدس أقداس” السلطة الصينية – يخضع للتحقيق بتهمة الفساد، وقد أُعلن التدبير هذا الصيف. ويقول الخبراء إن الاجتماع الموسع سيناقش حصيلة هذه الحملة التي شملت عشرات آلاف الأعضاء في الحزب الشيوعي الصيني على مختلف المستويات والتصديق على الإقالات الرفيعة المستوى.

هل بات مركز هونغ كونغ المالي مهدداً؟: وعلى المستوى الاقتصادي، أدت الاحتجاجات إلى تداعيات سريعة، بحكم الموقع الاقتصادي المميزة للجيرة باعتبارها قاعدة مالية عالمية، وبالإضافة إلى تراجع مؤشرات الأسهم في بورصة هونغ كونغ لليوم الرابع، فقد هبط مؤشر “هانغ سينغ” بمعدل 1.3 في المائة كما انخفض سهم “الصين لمواد الطاقة” بنسبة 4.3 في المائة في أدنى تراجع لها وبعدها سهم “الصين للموبايل” ثم “يونيكوم الصين” بنسبة 2.9 في المائة. وقررت شركة لوريال أكبر الشركات العالمية في مجال مواد التجميل، تعليق رحلات الأعمال التي يقوم بها المتعاونون معها إلى هونغ كونغ حتى 6 تشرين الأول/ أكتوبر بسبب الأوضاع. ويحذر محللون من محاولة تفريق المتظاهرين بالقوة لأنها ستؤدي إلى إلحاق ضرر فادح بصورة هونغ كونغ كمركز مالي مهم في آسيا. وقد بنت المدينة موقعها كأحد أبرز مراكز الرأسمالية في العالم نظراً للشفافية وسهولة القيام بأعمال تجارية وحكم القانون. وفي حين يشكل اقتصادها جزءا بسيطاً مقارنة بحجم الاقتصاد الصيني، خلافاً لما كانت عليه أثناء إعادتها للصين عام 1997، إلا أن المدينة التي تتمتع بحكم شبه ذاتي ما تزال الوجهة المفضلة للعديد من رجال الأعمال. وتابع (كوغلمان) في هذا السياق “ما تزال السلطات في بكين تفكر بشكل استراتيجي بهونغ كونغ كونها ما تزال مركزاً مالياً مهماً وبالتالي من المستبعد أن تعتبرها الصين أمراً يمكن إقصاؤه جانبا”. من ناحيتهم، يطالب رجال الأعمال بشكل متكرر بالحوار لأنهاء المأزق. [https://www.dw.com]

وعلى الجملة فإن شأني في هذا الطرح هو القول بإن الانتفاضة تعني الحركة السياسية أو الاجتماعية الرافضة، يغلب عليها السلوك الجمعي الهائج والنشيط في إيقاد روح المقاومة ضد الظلم والفساد والطغيان من أجل الاستيقاظ من السبات وتنوير الوعي عند العامة المستغفلة والمستضعفة والمهمشة. فلا جرم إذن من القول بإنها لا تتحقق إلا على يد شباب واعٍ ومستيقظ يفدي روحه كقربان لأهله ووطنه. أقول هي آلية تنويرية وإنهاضيه تبعث روح التجديد في حياة المجتمع لكي يستطيع ان يستمر في مواكبة الحياة المحفزة والموثبة للإقدام على التغيير. يعني هي التمرد على القيود والاعاقة والظلم والفساد والاستغلال مركزة على التحرر والإبداع في الأداء وهي الخطوة الأولى للثورة أو الحلقة الصغرى لها، لا يخلوا مجتمع متحضر ومتمدن منها.

انتفاضة الشباب الإيراني: جميع شباب الانتفاضة الإيرانية الأخيرة (2019) من الذين وِلِدوا بعد الثورة الإيرانية التي قادها الخميني. وهذا يعني ان الشباب الإيراني رافض نظام ولاية الفقيه ويتطلع الى نظام سياسي مختلف عن الأجيال الإيرانية السابقة. أنها انتفاضة عفوية عبرت عن معاناة الشباب من البطالة وانعدام أفق للمستقبل وغياب العدالة والاحساس العميق بالظلم المرتبط بالفساد ونهب الثروات الوطنية من قبل أقلية في السلطة وقريبة من دوائر الحكم ومن الارستقراطية الدينية ذات النظر القصير. أنها انتفاضة شبابية منحدرة من طبقات شعبية محاربة للفجوة الحاصلة بين الأجيال والجنسين (الرجال والنساء) هتفت بـ (الموت لخامنئي) و (الموت لحكومة الملالي) و (لا تخيفنا مدافع ودبابات الملالي) و (الملا لازم يمشي). وللمزيد من المعلومات عن هذه الانتفاضة الشبابية نقدم أسباب ونتائج انتفاضته. لا يختلف الحراك الشعبي في إيران عن كثير من الحراكات الشعبية التي شهدتها عدة دول عربية منذ عام 2011، بل ربما يتطابق معها، حيث بدأ تعبيرًا عن استياء من أوضاع اقتصادية واجتماعية ضاغطة، ثم اكتسب طابعًا سياسيًا بفعل التراكم الذي استمر لعقود قبله. لقد شكلت الانتفاضة أكبر تحدٍ للنظام الإيراني منذ عام 1979، إذ كشفت أزمة الشرعية التي يُعاني منها هذا النظام، وأوضحت حجم الخلل في بنيته السياسية والاقتصادية، ما بين استحواذ الحرس الثوري وفئة رجال الدين على معظم الثروات، وبين أغلبية الشعب الإيراني الذي يُعانى ويعيش نصفه في حزام الفقر، بينما تُعدّ إيران ثاني أكبر منتج ومصدّر للغاز في العالم.

أولًا – أهم محطات الحراك الشعبي الإيراني منذ عام 1979مشهد إيران الحديثة مختبر يدعو إلى التفكير، فقد تصلّب حكم الشاه محمد رضا بهلوي حتى غدا عبئًا، حتى على مناصريه، ولم تُفلح حركة مصدّق الوطنية عام 1952 في التخلص منه. ولكن بعد ذلك سهل اقتلاعه، بواسطة الثورة الشعبية التي قامت بها الجماهير الإيرانية، والتي جاء أصحاب العمائم لكي يقطفوا ثمارها ويصادروها، من دون أن يكون لهم دور حقيقي مباشر فيها سوى توزيع بضعة أشرطة كاسيت تحتوي شعارات شعبوية. لقد وُضِع الدستور الإيراني عام 1980، حيث تميّز النظام السياسي عن سائر النظم السياسية العالمية بميزة دستورية فريدة، وهي وجود مؤسسة اسمها “الولي الفقيه” أو “المرشد الأعلى” تتربع على قمة هرم السلطة، يخوِّلها الدستور صلاحيات واسعة، ما أدى إلى سلسلة متوالية من الحراك الشعبي لتصحيح المسار وتحقيق الآمال، بمشاركة طيف مجتمعي متنوع وحضور لافت من جيل الشباب، الذي لم يشارك في ثورة 1979، لكنه حرص على الانخراط في موجاتها التكميلية التصحيحية. جاءت أولى محاولات الإصلاح من قبل أول رئيس منتخب في عقب الثورة مباشرة، (أبو الحسن بني صدر)، الذي حاول أن يُضفي على نظام “الولي الفقيه” مسحة ليبرالية ديمقراطية تطال سياساته الداخلية والخارجية. لكن سرعان ما لاحقته اتهامات بالخيانة حتى تمّت إقالته ليفرّ، من ثم، إلى فرنسا، وإلى مآل مشابه ذهب إليه آية الله (منتظري) الذي كان نائبًا للخميني ومرشّحًا لخلافته، لكنه ما لبث أن تعرّض لإقصاء تعسفي بعدما اجتهد لتطوير نظرية “الولي الفقيه” مقترحًا تقليص دوره السياسي وإنهاء عصمته من المحاسبة. فما كان من الخميني إلا أن أجبره على الاستقالة عام 1989. خلال عامي 1999 و2003، انتفض طلاب جامعة طهران احتجاجًا على ادّعاء الرئيس الأسبق، محمد خاتمي، القيام بإصلاحات سياسية، لم تكن سوى عمليات تجميل لنظام “الولي الفقيه”. وفي عام 2009 اندلعت “الحركة الخضراء”، اعتراضًا على نتائج الانتخابات الرئاسية التي أسفرت عن فوز الرئيس السابق، (أحمدي نجاد)، بفترة رئاسية ثانية. وفي حين رفعت التظاهرات مطالب سياسية، كما تصدرت صفوفها الأولى قيادات سياسية بارزة، فقد عجّل استخدام النظام أبشع صور القمع، ووضعه رموزها رهن الإقامة الجبرية، بالتزامن مع غياب الدعم الدولي، بنهايتها بعد ثلاثة أسابيع. وقد بدا الرئيس (روحاني) الرهانَ الأخير لمن ظلوا يراهنون على الإصلاحيين، بعد أن أدرك قطاع من القاعدة الشعبية للتيار الإصلاحي عدم جدوى هذا الرهان بعد انتخابات 2009 التي أُسقط فيها مرشحهم، مير حسين موسوي، ثم فُرضت عليه الإقامة الجبرية. وفى الوقت نفسه نشأ جيل جديد رافض للإصلاحيين، بمقدار رفضه للتيار المحافظ المهيمن على السلطة بقيادة “المرشد الأعلى علي خامنئي”. حصّن النظام الإيراني، منذ عهد الخميني، نفسه من أي قوى للمعارضة، خصوصًا القوى المدنية والسياسية، عبر إحكام القبضة على البلاد من ثلاث دوائر رئيسية: القبضة الدينية بتطبيق “ولاية الفقيه”، وحكم العسكر والحرس الثوري والميليشيات المسلحة المنبثقة منه، والمؤسسة الاقتصادية وطبقة رجال الأعمال. منذ الثورة الإسلامية الإيرانية، بدا واضحًا أن السياسة الإيرانية تولي الملفات الخارجية اهتمامًا أكبر من اهتمامها بالملفات الداخلية، وقد أتت الحرب الإيرانية – العراقية (1980- 1988) لتعطي النظام الإيراني شرعية أمام الداخل، فمثل جميع الأنظمة الشمولية التي تحتاج إلى تدعيم شرعيتها، مضى النظام السياسي الإيراني خطوات كبيرة في ترسيخ وجوده الإقليمي من أجل تحقيق شرعية النظام. وعلى الرغم من وجود إشارات كثيرة إلى صعوبة الأوضاع داخل إيران، ورغبة قطاعات واسعة في التغيير، إلا أن النظام بقي متجاهلًا تلك الإشارات. وقد فشلت سياسات الانفتاح الداخلي والخارجي، المحدودة، التي تبناها الرئيس روحاني في إحداث التحوّل المنشود. وبدا أن تركيبة النظام السياسي عصية على الإصلاح والتغيير نتيجة لعائقين جوهريين هما: ازدواجية النظام السياسي نفسه بين سلطة “المرشد” المطلقة وهامش الحكم الضئيل المتاح للرئيس المنتخب، والانفصام المتزايد بين الدولة والمجتمع المدني. أوجد التقسيم ما بين ديني وسياسي تيارات التشدد والإصلاح، وقد يحلو لكل طرف اللجوء إلى الشارع، لإطلاق بالونات اختبار، وإظهار مستوى قوته للطرف الآخر، على الرغم من أن انتخابات الرئاسة تُظهر تناوبًا، يبدو مدروسًا، لظهور رئيس متشدد، يتلوه رئيس إصلاحي، ولفترتين رئاسيتين لكل منهما، ما يعني أن المطلوب أن يبقى التياران في قيد الحياة، وعلى قيد الصراع، فوجودهما يخلق رغبة في وجود قيادة أعلى، تحسم الصراعات، أو تجعل الكفة تميل لأحد الجانبين، وهذه القوة هي قوة “المرشد الأعلى” بالطبع. ومن مدينة مشهد، ثاني أكبر مدن البلاد، انطلقت في 28 كانون الأول/ ديسمبر الماضي أحدث موجات الحراك الشعبي، التي تعد الأجرأ والأوسع انتشارًا والأكثر تجاوزًا للخطوط الحمر، حيث طالب بعض المنتفضين بإسقاط الرئيس والمرشد، وأعربوا عن رفضهم إهدار بلايين الدولارات على الميليشيات الشيعية في لبنان والعراق وسورية، في الوقت الذي تتفاقم فيه معاناة الشعب الإيراني.

ثانيًا – خصائص الانتفاضة الإيرانية: تعكس التظاهرات، بمحيطها الجغرافي وشعاراتها، حالًا أعمق من التي يريد النظام الاعتراف بها؛ فقد بدأت لأسباب اقتصادية واجتماعية من دون قيادة أو هدف سياسي محدد، ولكنها سرعان ما رفعت شعارات تندد بالنظام وتطالب بتغيير شامل. اجتاحت التظاهرات أكثر من 40 مدينة، ورفع المتظاهرون لافتات تطالب بالحرية والحياة الكريمة ومواجهة الفقر. وتميزت عن سابقاتها، خصوصًا تلك التي شهدها صيف 2009، بأنها تمددت أفقيًا، حيث شملت مدنًا ومناطق بعيدة من المركز، وانطلقت من نواحٍ تُعدّ قواعد أساسية للنظام. لكنها كانت عفوية تنقصها القيادة، التي تجعل لها استراتيجية عامة تضمن لها الاستمرارية والتعبئة، لزيادة أعداد من ينزلون إلى الشارع. تشير تقارير التنمية البشرية للأمم المتحدة للأعوام القليلة الماضية إلى أن الشباب الإيراني، الذين تقع أعمارهم ما بين 14 عامًا و45 عامًا، يشكلون نحو 60 في المئة من الشعب الإيراني. كثيرون منهم نزلوا إلى الشوارع في الأعوام الماضية، وأقفلوا طرقات طهران ابتهاجًا بالاتفاق النووي في سنة 2015، وبفوز روحاني بولاية رئاسية ثانية في سنة 2017. هؤلاء الذين استند إليهم ثوار 1979 لإطاحة نظام الشاه، ينتظرون سانحتهم للقيام بثورتهم الخاصة. كما عصفت الانتفاضة بالفجوة بين الأجيال، حيث ضمت أناسًا من جميع الشرائح العمرية، كما تقاطعت مع الفجوة بين الجنسين، حيث جمعت كثيرًا من الرجال والنساء جنبًا إلى جنب. وفي كثير من الأماكن، وحتى في البلدات الصغيرة، تزعمت المرأة الإيرانية الاحتجاجات. هذه المرة لم تندلع شرارة التظاهرات في العاصمة طهران، ولم تقدها فئة الطبقة المتوسطة، بل الطبقة المسحوقة والمهمشة. هذه الفئات طال صبرها وانتظارها لوعود الرئيس روحاني، في عقب الاتفاق النووي وحصول إيران على مليارات الدولارات التي وُزِّعت على ميزانية الحرس الثوري والحوزات العلمية والمرافق المرتبطة بمرشد الثورة علي خامنئي. لوحظ اختلاف الشعارات بحسب المناطق، ما يعني اختلافًا في الأولويات والاهتمامات والأهداف لدى المحتجين، وعدم وجود ناظم عام يربط بين أهدافهم. بمعنى أنه ليس هناك تنظيم، ولا يوجد ما يؤشر إلى وجود تحالفات تعكس وحدة الأهداف بين المحتجين. وإذا كانت احتجاجات 2009 إصلاحية الطابع، فإن احتجاجات 2017 تحمل طابعًا تحويليًا ثوريًا، تعيد النظر في العقد الاجتماعي بين سلطة “ولاية الفقيه” وبين الشعوب الإيرانية، التي عاد وضعها أسوأ مما كان قبل ثورة 1979 الإسلامية. إنها أول مرة، منذ قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي يطالب فيها المنتفضون بتنحّي المرشد الأعلى للثورة، وهذا واحد من مطالب جذرية، تعطي بعدًا جديدًا للانتفاضة. إنها لغة جديدة لم يعهدها المسؤولون الإيرانيون، ولم يسمعوا أحدًا ينادي برحيلهم بهذا الغضب الذي اتصف به المنتفضون، كما لم يروا صورهم وشعاراتهم تداس في شوارع المدن المنتفضة. أوضحت الانتفاضة طبيعة تبادل الأدوار داخل النظام السياسي الإيراني، إذ لم يجد المنتفضون أي دعم أو مساندة من رموز التيار الإصلاحي، بل كانت مواقفهم من الانتفاضة تأكيدًا لتلاشي المساحات والاختلافات بين المحافظين والإصلاحيين، وهو انكشاف تام للواقع السياسي الإيراني، الذي يتنافس فيه طرفان على خدمة نظام متسلّط لا أمل في إصلاحه من داخله. وهكذا، تراجعت أعداد المنتفضين سريعًا، بعد تحوّل الحراك السلمي إلى أعمال عنف، وصفتها السلطات بالتخريب المدبّر من عملاء للخارج. فانقسم المنتفضون على أنفسهم مختلفين على الخطوة التالية، والسقف الذي ينبغي الوقوف عنده.

ثالثًا – أسباب الانتفاضة الإيرانية: لا نستطيع أن نفهم ما حدث في إيران بعيدًا عن الواقع الاقتصادي والمعيشي الذي تعيشه إيران. هناك أكثر من ثلاثة ملايين عاطل عن العمل في إيران، بمعدل بطالة 12.7 في المئة بحسب تقارير البنك الدولي، وأشارت تقارير نشرت عام 2015 إلى وجود نحو 15 مليون مواطن (من أصل 80 مليونًا) يعيشون تحت خط الفقر المدقع. كما تشير الدراسات أيضًا إلى نزوح نحو سبعة ملايين طالب عن المدرسة، وتوجّههم إلى سوق العمل بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية، حيث تفتقد العديد من المحافظات الخدمات الأساسية وجودة المعيشة. ومن هنا نستطيع استيعاب الشعارات التي رفعها المتظاهرون، والتي تركزت في الأساس على ارتفاع الأسعار والمطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية، والتوقف عن الدعم المالي لحزب الله وبشار الأسد والميليشيات العراقية واليمنية، ثم وصلت إلى ذروتها بالمطالبة بإسقاط النظام وإلغاء ولاية الفقيه. ويتباين حجم مساعدات طهران النقدية والعينية لحلفائها في العراق وسورية ولبنان واليمن، لكنها تقدر بالمليارات، إذ يبلغ تمويل “حزب الله” المباشر بين نصــــف مليار ومليـــار دولار سنويًا، ويجري تزويــــد نظام دمشق بنحو 60 ألف برميل نفط يوميًا، عدا عن تسديد قيمة جزء من فواتير تكاليف التجهيز العسكري للقوات السورية، بخاصة “قوات الدفاع الوطني” التي توازي الجيش السوري النظامي والمجهزة علـــى غرار الحرس الثوري الإيراني. وعلى هذا، لم يكن مفاجئًا على الإطلاق أن يرتفع صراخ المتظاهرين “لا غزة لا سورية لا لبنان أرواحنا فداء إيران”. وإذا كانت المليارات التي حصلت عليها طهران، بعد توقيع الاتفاق النووي في عام 2015، قد تبخرت في الإنفاق على الحروب وتمويل تدخلات إيران الخارجية، فإن حكومة روحاني زادت من الضيق الاقتصادي، ومن رفع مستوى الفقر عند الناس، في الموازنة الجديدة. وثمة دور للصراع السياسي بين الأجنحة والنخب الحاكمة، وكلها بالطبع حريصة على بقاء النظام ما دام يوفر لها أو لمعظمها مكاسب لا يمكن التساهل بالتنازل عنها. هكذا، تركت آثارها الحملات المتواصلة للمحافظين على إدارة الرئيس روحاني، ومثلها الصراع الخفي على وراثة المرشد، وما يرافقه من أحاديث عن فساد ومحسوبيات وتقاسم منافع وثروات، إضافة إلى تبادل معظم القوى السياسية الاتهامات بالفساد والتغوّل على الثروة والتحايل المصرفي، واستئثار الحرس الثوري بحصة الأسد، وهو الذراع الأساسية في تعامل إيران مع الخارج.

رابعًا – تداعيات الانتفاضة ومآلاتها: إذا تابعنا المواقف، خلال أيام الانتفاضة، سنلمس كيف أن المصالح هي التي فرضت هذه المواقف، وهو ما يظهر في الانقسام بين الدول الكبرى والدول الإقليمية، حيث وقفت أميركا مع الشعب الإيراني، وكذلك فعلت السعودية والإمارات. لكنّ موقف روسيا كان مختلفًا، وأيضًا تركيا، وحتى فرنسا ومجمل الدول الأوروبية. اتخذ الرئيس (ترامب) موقفًا مغايرًا لسلفه، وعنده أن الإيرانيين سئموا من النظام القمعي الذي لا يمكن أن يستمر إلى الأبد. كذلك أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أنه يجب “محاسبة” المسؤولين الإيرانيين عن أعمال القمع، مؤكدة أنها “لن تنسى ضحايا الاحتجاجات”. وطالبت واشنطن بعقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن من أجل مناقشة الوضع في إيران، حيث رحبت السفيرة الأميركية بالأمم المتحدة، (نيكي هايلى)، بـشجاعة الشعب الإيراني، وهو ما اعتبره نائب وزير الخارجية الروسي، (سيرغي ريابكوف) “تدخلًا ضارًا ومدمرًا في سيادة إيران”، وشدّد على أن فرض الولايات المتحدة عقوبات جديدة على إيران “وسيلة غير شرعية”. كذلك دعا المندوب الروسي في مجلس الأمن إلى ترك إيران “تتعامل مع شؤونها الداخلية بنفسها”، مؤكدًا أن “النهج الأميركي عبر مجلس الأمن كان له تأثير في نشر الفوضى في عددٍ من دول الشرق الأوسط”، فيما قال نائب السفير الصيني لدى الأمم المتحدة، (وو هايتو)، إن “الوضع الإيراني لا يهدِّد الاستقرار الإقليمي”. فرنسا، وربما ألمانيا وحتى بريطانيا، لم تدعم الحراك الشعبي الإيراني، بل رفضت، فرنسا على وجه الخصوص، “التدخل الأميركي”، على الرغم من أن كل دول الاتحاد الأوروبي أدانت “قمع المتظاهرين”. ولا شك في أن الاتفاق النووي فتح لها بابًا للكسب الاقتصادي، حيث عقدت صفقات عديدة مع النظام الإيراني، وهي تريد أن يستقر الوضع، وأن تحصل على “أرباحها”. أما الموقف التركي من الانتفاضة الإيرانية فقد عزف على نهج إيران الرسمي، الذي يرى مؤامرة تستهدف إسقاط النظام، لذا حذرت تركيا مما أسمته “تدخلات خارجية”. ويبدو أنها تخشى من أن يؤدي تطور الانتفاضة إلى موجات نزوح جماعي نحوها، إضافة إلى حرصها على جملة مصالح اقتصادية وتجارية مع طهران. أما الدول العربية، الغارق معظمها في مشكلاته الداخلية والخارجية، فإن بعضها، الذي يتهم إيران بالتدخل في شؤونه، بدا مرتاحًا ومتفائلًا من تلك الاحتجاجات؛ لكن حكومات هذه الدول بدت في الوقت نفسه قلقة، كونها ليست مكترثة بإحلال الديمقراطية في إيران، ولا بتحسين الوضع الاقتصادي ورفاهية الشعب، بقدر اكتراثها بأن توقف إيران تدخلها في شؤونها. لذلك فهي غير متشجعة لفكرة إسقاط النظام، ولا ترى لها مصلحة أو اهتمامًا مباشرًا في ذلك، بقدر اهتمامها بسلوك إيران الخارجي وباستراتيجيتها الإقليمية، ومن ثمّ، التوقف عن مشاريعها العدوانية والتوسعية، والعمل على استثمار هذه الاحتجاجات في تحويل خياراتها الخارجية، والالتفات، من ثم، إلى الداخل الإيراني. وعلى الرغم من أن إسرائيل حاولت في البداية التظاهر بعدم الاهتمام، إلا أنه تبين أن حكومة بنيامين نتنياهو كانت تراهن على تداعيات هذه التظاهرات، بشكل يدفعها للتعاطي معها كأحد التطورات الإقليمية عند بلورة خطواتها العسكرية والسياسية. وفيما يتعلق بروسيا وتركيا، ليست المشتركات مع نظام الملالي هي ما يدفع بوتين وأردوغان للشدّ على يد خامنئي. ويبدو أن هناك طموحًا مشتركًا لديهما لاستغلال فرصة استراتيجية تاريخية متعينة بالانكفاء الأميركي والغربي عمومًا عن المنطقة. وهذا الطموح موجود لدى الأطراف الثلاثة (روسيا وتركيا وإيران)، وهو يتغذى على اعتبار المنظومة الدولية لحقوق الإنسان في حكم المنتهية، وعلى التأسيس، انطلاقًا من هذا، لما يناقض هذه القيم في البلدان الثلاثة وفي مناطق نفوذها المكتسبة.وبذلك، يظهر واضحًا تناقض المصالح بين كل هذه الدول، حيث يبدو نشوء محورين: أميركا والسعودية والإمارات من طرف، وروسيا وتركيا وفرنسا ودول أوروبية أخرى من طرف آخر. وكل منهما يريد استغلال الحدث لتحقيق مصالحه، وكلها ترفض الثورات أصلًا، ولم تدعم الثورات في البلدان العربية، على الرغم من ادعاء بعضها ذلك. هذه المواقف هي نتاج المصالح التي كانت توضح، منذ زمن، أن هناك دولًا تطور علاقاتها مع النظام الإيراني، وتعقد صفقات معه، وأخرى تخافه وتريد ليس سقوطه، وإنما إضعافه، كما تفعل أميركا، لكي تجعله حليفًا لها في منطقة تحتاج إليه فيها في سياق استراتيجيتها القائمة على “حصار الصين”. هذا ما حدث في الثورة السورية. وهكذا، من الصعب التكهّن بمآلات الحراك الشعبي الإيراني المستقبلية، اعتمادًا على المعطيات الراهنة، سواء من جهة حجم وطبيعة التحرك، أم من جهة نوعية القيادات ومدى انسجامها، وحدود توافقاتها حول استراتيجية عامة لمواجهة التحديات في مختلف المناطق، وعلى مختلف المستويات. غير أن المؤشرات التي تستوقف أكثر من غيرها في هذا الحراك هي: اتساع النطاق، وتعددية الشرائح المجتمعية والقوميات المشاركة فيه، وتجاوزه كل الخطوط الحمراء في قاموس النظام، وغلبة الطابع الشبابي، والإسهام البارز للمرأة. وما يُستشف من كل هذه المؤشرات هو أن الدعوات المطالبة بتغيير النظام قد بلغت مرحلة النضج نسبيًا، وأن تراكمات عقود من الهيمنة المطلقة على مفاصل الدولة والمجتمع في إيران من قبل نظام ثيوقراطي قد أفقدت النظام الإيراني عوامل جاذبيته الشعبوية. إن أي استشراف لمآل الانتفاضة، محكوم بمحددين، على الأقل: أولهما، مدى كثافة المنخرطين في الانتفاضة، إذ لا يمكن، في ظل السلطوية الإيرانية وإغلاق المجال الإعلامي في إيران وعدم انفتاحه على وسائل الإعلام المحايدة أو الخارجية، تقدير الأعداد الفعلية للمتظاهرين، أو تقدير حجم الاحتجاجات ومدى تشكيلها خطرًا على النظام. وثانيهما، أنه في ظل القمع الشرس الذي يتوافر لدى النظام الإيراني، من الصعب معرفة مدى قدرة هذه التظاهرات على الديمومة والصمود واستجلاب المساندة، والقدرة على التأثير وفرض الشروط. وإذا كان مبكرًا تصوّر مألات ما حدث في مدن عديدة في إيران، إلا أن هذه الانتفاضة، في شكلها الممتد على مساحة واسعة، يمكنها أن تكون علامة جديدة في تاريخ إيران، ينتقم فيها أبناء الذين شاركوا في الثورة ضد الشاه وأحفادهم، في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، من أولئك الذين خطفوا الثورة لتأخذ منحاها الإسلامي الطائفي في أبشع صوره، بعد أن كانت ثورة العلمانيين والليبراليين والإسلاميين معًا. قد لا تكون هذه الثورة ثورة على النظام برمته، وقد تكون تطويرية أو تصحيحية، منعكسة بالتالي على الحيّز الجغرافي العاملة في إطاره. فتصدير الثورة في 1979 سيلحقه تصدير تصحيحها أو تطويرها. الأساس أن الإيرانيين لن يعودوا خطوة إلى الوراء، هناك أمر ما قد كُسر، والعنف المضاد لن يؤدي سوى إلى تسريع عملية التغيير، وهو ما اعترف به الرئيس روحاني؛ وهم، بانتسابهم لأجيال شابة، لا يراهنون على عودة الماضي الذي يجهلونه، بل يتطلعون إلى المستقبل، إلى دولة طبيعية، يتم فيها الفصل بين السلطات، ولا تتمركز في أيدي عدد ضئيل من رجال الدين، يمزجون الدين بالسياسة وبنظام الحكم، ويعتبرون كل ممارساتهم السياسية معصومة من الخطأ والزلل، وفوق النقاش وخارجه. من المستبعد أن تتعلم طهران من درس التظاهرات الأخير، وأن تسعى، من ثمّ، إلى معالجة مسبباتها، وتعيد النظر في سياستها الخارجية وتنسحب من مناطق الأزمات. إنها تكتفي، على الأرجح، بالتصرف على أساس أن ما حصل مجرد مؤامرة خارجية. ولكن من المؤكد أن إيران لا يمكن أن تتجاوز ما حدث، إذ سيكون للانتفاضة انعكاسات على مستوى قادة وصناع القرار (النخب الحاكمة)، وستظهر آراء تنادي بضرورة الانكفاء داخليًا لإدارة الأزمة، وآراء ستطالب بتخفيف الانهماك بالخارج، والالتفات إلى الداخل، ومعالجة أزماته، وتفكيك القنابل الموقوتة الكثيرة في البيت الإيراني. وستتصارع هذه الآراء، وتتفاعل فيما بينها، وبينها وبين الشارع، وسيكون لها أثر في موازين القوى بين المحافظين والإصلاحيين، وقد يتشكل تيار ثالث في السلطة، يتجاوز طروحاتهما؛ فالحريق وصل إلى البيت الداخلي، ولم تعد مسارح سورية والعراق ولبنان واليمن ساحاته، ومن ثمّ، يجب أن تكون الترتيبات مختلفة. والسؤال: هل يستطيع روحاني، وهو ابن هذا النظام، أن يكسر هذا التحجر في المنظومة العميقة التي نشأت بعد الثورة الإسلامية؟ هل يمكنه قيادة تغيير حقيقي في السياستين الداخلية والخارجية لبلاده، ليحقق بعض آمال الذين رأوا إلى الاتفاق النووي بداية تحوّل الجمهورية من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة؟ هل يستطيع رفع القبضة الأمنية وفتح الباب أمام الحريات الفردية والعامة وتوزيع الثروة على الجميع وإتاحة المجال أمام القطاع الخاص بدل تغوّل الحرس الثوري على الاقتصاد والمؤسسات والمشاريع الكبرى؟ أم هل ستجري التضحية بحكومته لضمان بقاء النظام؟

خامسًا – أوجه الشبه بين الانتفاضة السورية والإيرانية وكيفيات تعامل سلطتي البلدين معهما على الرغم من أوجه الاختلاف العديدة بين الدولتين، سورية وإيران، من حيث الموقع الجغرافي، وعدد السكان، والموارد الاقتصادية، والمكونات الاجتماعية، والأيديولوجية المعلنة، فإن سلطتي البلدين، وانتفاضة شعبيهما، متشابهتان في مجالات عديدة. فالحراك الشعبي الإيراني يقدم جملة سمات مشتركة مع الانتفاضة السورية: انفجرت الانتفاضتان في شكل عفوي انطلاقًا من دعوات شبابية أمكن لها توظيف تكنولوجيا مواقع التواصل الاجتماعي في نقل وقائع ما يجري في البلدين، وانطلقتا من مطالب اجتماعية سرعان ما تحولت إلى سياسية. فمن شعارات “الشعب يريد إسقاط النظام” و “إرحل إرحل يا بشار”، إلى “الموت للديكتاتور” أي لخامنئي وذهاب روحاني وإحراق الحوزات الدينية.. الخ، قواسم مشتركة في البلدين تصب في أهداف سياسية واحدة: تغيير النظام، كسر هيبة النظام، وكسر حاجز الخوف، من خلال نزول الشعب إلى الشارع والشعارات التي نادى بها. ثم إن النظامين رفضا اعتبار الحراك ناجمًا عن انفجار الاحتقان السياسي والاجتماعي في بلديهما، واتّهما الخارج بتدبيره وقيادته. والخطاب نفسه الذي سمعناه في دمشق بداية الثورة: مندسّون، ومؤامرة خارجية، وعملاء، وتدخل جهات أجنبية…الخ، كرّره في إيران الولي الفقيه، وقبله الرئيس حسن روحاني ومسؤولون كثر في النظام. هذا هو منطق “الدفاع عن الذات”، والبحث عن “كبش فداء”، الذي يحكم السلطتين. وفي سياق التماهي مع الثورة السورية، رفع المتظاهرون الإيرانيون لافتات بيضاء، توثق المكان والزمان، وبثوا مقاطع فيديو مباشرة، فكانوا على خطى المتظاهرين السوريين في تظاهراتهم السلمية، قبل سبع سنوات، عندما ضُربوا بالرصاص واتُّهموا بالإرهاب. وعندما يظهر علم الثورة السورية في تظاهرات الإيرانيين، وينشئ ناشطون سوريون صفحة في (فيسبوك) بعنوان “متضامنون مع الشعب الإيراني”، باللغتين العربية والفارسية، كي تنقل أخبار قمع الاحتجاجات، فهذا مؤشر على أن العداء ليس بين الشعبين، بل في مواجهة نظامي البلدين، ومن ثمّ، فإن مصلحة أحدهما في التخلص من نظامه أو من ممارساته تصب في مصلحة الآخر. إن مشكلة الانتفاضات الشعبية ذات البعد الوطني التي تجري في ظل أنظمة مغلقة إيديولوجيًا، ولديها جيش عقائدي كالذي شهدناه في إيران وسورية، هي في كونها لا تُفضي، في أغلب الأحوال، إلى تغيير سلمي، أو إلى تنازل من هذه الأنظمة التي تستخدم كل أشكال القمع لوأد هذه الانتفاضات في بداياتها، أو كسرها عبر دفعها في مسارات أخرى.

سادسًا – خاتمة: جوهر الرسالة التي حملتها الانتفاضة الإيرانية هي تلك المتمثلة بضرورة خضوع النظام للمحاسبة أمام شعبه. لكنّ المرشد الأعلى يراهن على شيء آخر، ذلك أن سلطته الدينية تعتمد على استمرار قوة الدولة الأمنية العميقة التي هي، في الوقت ذاته، مركز الثقل الاقتصادي في البلاد. وما دام هذا قائمًا، فإنه لن يستطيع، أو لن يقوم بمعالجة السبب الأصلي لانتفاضة الشعب الإيراني.

لكن القبضة الأمنية تستطيع أن تضمن تأخير إسقاط النظام، غير أنها لا تستطيع أن تقتل إرادة شعب يسعى للحرية. فالقضاء على “الفتنة” ليس بإسكات الاحتجاجات الشعبية ومطالبها المحقة في الميادين العامة، ولا بحل المشاكل الاقتصادية فقط، ولا بتهديد الجيش في التدخل أيضًا، وإنما بضرورة بناء دولة ديمقراطية تمثل الإرادة الشعبية المعاصرة. لقد كسرت تظاهرات إيران قدسية النظام لدى الشعب، ولم تعد هناك محرّمات. ومن ثمّ، فإن الخروج في تظاهرات أوسع وأكبر لا تنادي بالإصلاحات الاقتصادية فحسب، وإنما بإسقاط النظام كله، لن تكون بعيدة. وهكذا، بات من المؤكد أن النظام الإيراني يعيش موسم الخريف، حتى وإن تأخر تساقط أوراقه، فقد دخل في دائرة مغلقة، الخروج منها يتطلب تنازلات سياسية في الداخل وفي الخارج أيضًا. [www.komala.org]

تعليق

للانتفاضة أسباب تتعارض مع حاجات ومصالح فئة أو شريحة اجتماعية متضررة من ممارسات تقوم بها السلطة الحاكمة التي تديرها فئة منتفعة من صلاحياتها ونفوذها وسلطتها. وهذا يوّلد اعتلالاً في الحياة الاجتماعية التي تجمع بين جماعتين مختلفتين في المصالح والحاجات. ولما كانت الفئة الحاكمة مطالبة بالعدالة في حكمها للشعب عليها عندئذٍ ان لا تغمط حق أحد مكوناته لكيلا تخلق لها متاعب في حكمها ولا تفرط بعدالتها مع رعايتها. لكن الذي حصل في كلٍ من العراق وإيران وسوريا ولبنان والسودان والكويت ومصر وليبيا واليمن هو قيام الحاكم وسلطته الأمنية بمنع وقمع وقتل المحتجين على سياسة الحاكم وسلطته الأمنية بمنع وقتل وقمع المحتجين على سياسية فانتفضوا بسلام وبدون سلاح ضده. لكن الحاكم العربي غير متنشئ على المعارضة لحكمه ولم يعش حياة ديمقراطية حقيقية في اسرته ومدرسته وحزبه وجماعته الاجتماعية بل كانت جميعها تمارس التسلط والانقباض والتحكم الفوقي وعدم السماع والسماح لغير رأس هذه الجماعات بإبداء الرأي والمطالبة بحقه أو المشاركة في اتخاذ القرار. لأن قيادة الجماعة أو المجتمع تتطلب الوئام والانسجام والتفاعل المباشر بين القمة والقاعدة واستماع الكبير للصغير وتلبية طلباته وليس فقط استماع وطاعة الصغير للكبير لكن عندما لا يحصل ذلك فإن التجمع البشري لا يعيش بسلام بل بصراع وقلق واضطراب. إلا ان السلطة والمواقع القيادية المتنفذة التي يتم الوصول اليها عن طريق القوة (اغتيال أو انقلاب عسكري أو سياسي) لا يستطيع المستحوذ على القيادة ان يتفاعل مع الشعب بسلام ويحقق مطاليبهم وحاجاتهم بل يستمر في استخدام تسلطه وتجبره واستبداده لكي يبقى طيلة حياته في المنصب الذي استحوذ عليه، فتحصل انتفاضات متكررة من قبل المواطنين وبالذات من الشباب الذين يكونوا حاملين حيوية جسدية ونفسية وذهنية للمساهمة في الحياة الاجتماعية وبناء بلدهم وإدراك هويتهم الوطنية دون تعصب أو تحيز أو تفرقة. عندئذٍ تكون حياة الناس في ظل هذا القمع والاستبداد معوق وغير نامي ولا مستقر بل ولا حتى آمن لأن المشكلة تكمن في الحكم الذي فرض حكمه بالقوة وليس بالتمثيل الانتخابي. لكن عندما توجد قنوات تربط بين عامة الناس وقيادتهم أو ممثليهم مثل المجالس والجمعيات والأحزاب المدنية مهتمة بشؤون المجتمع العامة لا الخاصة ووطنية، عندها لا تحصل انتفاضات أو احتجاجات في مطالبة الحكومة بالتغير أو تغير النظام السياسي. إذن سياسة الحكم هي التي تثير تشكيل الحركات الاجتماعية أو السياسية وهي التي تدفع بعناصر الحركات نحو الاحتجاج والاعتصام والانتفاضة لذلك نجد حدوث الاحتجاجات والانتفاضات في دول العالم الثالث مثل دول أمريكيا اللاتينية والدول العربية والشرق الأوسط وجنوب شرق أسيا أكثر بكثير من دول أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية. أي حكم الحاكم الذي يمارس المفاضلة العرقية أو الدينية أو الطائفية أو الحزبية أو الإقليمية بين مكونات مجتمعه تحصل انتفاضات ضده، والحاكم الذي يخلق فجوة بين أجيال مجتمعه وأخرى بين الرجال والنساء يواجه تحديات ومعارضات واحتجاجات وانتفاضات ضد حكمه وضده. والحاكم الذي يتمسك بكرسي حكمه ولا يسمح لغيره من بلده أو يمارس حكمه يواجه انتفاضة شعبية ضده. والحاكم الذي يستأثر بالسلطة وينهب المال العام يواجه انتفاضة ضده، والحاكم الذي لا يوسع قاعدة شعبيته من خلال تقديم خدمات ومكاسب وانجازات عمومية لشعبه يقابل بانتفاضة ضده والحاكم الذي يخدم الأجنبي على حساب مصلحة بلده وشعبه يواجه انتفاضة شعبية ضده وهكذا. فالانتفاضة تعتبر آلية تعبيرية جماهيرية سلمية ضد سياسة حكم الحاكم وزمرته، ضد طغيانه وفساد زمرته. لكنه بدلاً من استجابته لهم وشكره على تنبيههم له على سوء معاملته وتجاوز حدود حكمه وسلبه لحريتهم وعدم اشراكهم في السياسة العامة يقوم بضربهم بطلقات نارية حيّه وقنابل مسيلة للدموع وأخرى مخترقة للجماجم أو اعتقالهم واختطاف ناشطيهم. هذا دليل قاطع على جرمه المشهود بحق الشعب وغدر حقوقهم الوطنية وسلب حريتهم وسرقة أموالهم العامة انه المستعمر المحلي أسوء من المستعمر الأجنبي والمجرم المحترف بإجرامه. يكثر هذا النوع من الحكام في المجتمعات التي تسودها الأمية والثقافة التراثية الموروثة والاقطاعية والطائفية والمجتمعات المتخلفة حضارياً وعلمياً.

الفصل الخامس

خماسية مشاكل الشباب المعاصر

 

أ – البطالة

ب – الهجرة الداخلية

ت – الإدمان على المخدرات

ث – العنف

ج – الانتحار

تعليق

 

الفصل الخامس

الشباب والحركات الاجتماعية

 

استهلال

يتعرض الشباب المعاصر في وقتنا الراهن الى ضغوط وعوائق مادية ومعنوية تؤثر على نمط حياته الشخصية والاجتماعية فتضعه في سلوكية منحرفة عن معايير المجتمع وقواعده وقوانينه الوضعية. سوف لا نتناول مشاكله النفسية أو المهنية أو المالية أو الأسرية بل الشخصية التي تؤثر على المجتمع الذي يعيش فيه وقد اخترنا أبرزها وأكثرها شيوعاً وذيوعاً في المجتمعات الحضرية والصناعية والمعلوماتية، فجعلته غير مستقراً في حياته ومثبطة لطموحاته وممزقة لنسيج علاقاته الاجتماعية واحيناً يفقد حياته فلا يكون سوياً أو طبيعياً منفصلاً عن ثقافته الاجتماعية وتنظيماته الشللية المحلية أو القرابية. أما أسبابها فهي بالدرجة الأسس مرتبطة بمصدر عيشه وطموحه في الحياة وكلاهما يؤثران على مكانته في مجتمعه المحلي وممارسة دوره فيه، فإذا كانت متزلزلة أو متعوقة أو ممانعة لهما فإنه يضطر الى ترك مجتمعه (بهجره) ليذهب الى مجتمع أخر يكسب قوته منه (أي رزقه منه) وإذا كان مالكاً لمصدر رزقه لكنه يريد الهروب منه بسبب المضايقات التنظيمية الممارسة عليه أو هناك رفاق سوء بصحبته أو يعاني من قلق وتوتر أو فشل محبط عندئذٍ يلتجئ الى استخدام المخدرات فيدمن عليها أو يمارس السلوك العنفي بسبب الإحباط النفسي الحاد الذي تمت اثارته ليعتدي على شخص أخر له علاقة بمصدر الاثارة أو تطاول شخص ما على حقوقه أو اهانته أو اذلاله لتصغير شأنه أو اقدمه على الانتحار عندما يفقد مكانته الاجتماعية أو المهنية أو رفاهية عيشه أو يفقد امنه أو ثروته أو خضوعه لضغوط خارجية قاهرة. لا جرم من القول كلما زادت سرعة حركة تقدم المجتمع وتغيره نحو مراحل تطورية متقدمة يفقد الأفراد وبالذات الشباب عملهم أو عندما تحصل تغيرات في الأنظمة السياسية عندها يضطر بعض الشباب الى هجرة مجتمعهم الى مجتمع أخر أو البقاء في مجتمعهم مع ادمانه على المخدرات بسبب عدم قدرته على مواكبته سرعة التغيير الذي أصاب مجتمعه. أو يتصرف تصرفات عنيفة بسبب التغيرات الجديدة التي أثرت عليه أو يقدم على الانتحار عندما يفقد مكانته المهنية أو المالية أو الاجتماعية. لكن بذات الوقت يمكن استخدام هذه الخماسية (مشاكل الشباب المعاصر) كمؤشرات على التغير السريع الذي يصيب المجتمع الحديث. وطالما حصلت طفرة حركية في مسيرة المجتمع الحديث فإن موجات الشباب تتحرك نحو الهجرة أو الإدمان على المخدرات أو ممارسة العنف (السلوكي أو اللفظي أو الجسدي) أو الاقدام على الانتحار أكثر بكثير من حالة المجتمع وهو في حالة سكون واستقرار. بعد هذا الاستهلال نتقدم بتقديم شروحات لهذه الخماسية في عالمنا المعاصر وهي: –

أ – البطالة Unemployment

ب – الهجرة الخارجية Migration

ت – الإدمان على المخدرات Drug addiction

ث – العنف Violence

ج – الانتحار Suicide

أ – البطالة Unemployment

أي شباب بدون عمل أي المتعطلون عن العمل أو الشاب الذي لا يجد عملاً مع محاولته الدائبة في البحث عن عمل وهو قادر على العمل. إن مُعدّل البطالة هو النّسبةُ المئويّة للبطالة في مجتمعٍ ما، والتي يتمُّ قياسها بالاعتمادِ على معرفةِ العدد الإجماليّ للأفراد العاطلين عن العمل، والعددُ الإجماليّ للأفراد القادرين على العمل، ويعتمدُ تحديدُ هذا المُعدّل على معرفةِ مجموعةٍ من النّسب المئويّة، وهي: التّوزيعُ الجُغرافيّ الخاصُ بالعاطليّن عن العمل حسب الوسط الاجتماعيّ في الأماكن المدنيّة والقرويّة. تحديدُ نسبُ الذّكور والإناث من حيثُ المُشتغلين والعاطلين عن العمل. قياسُ النّسب العمريّة للأفراد ضمن المرحلة القانونيّة للعمر الخاصّ بالعمل والمهن. معرفة نوع التّعليم والمُستوى الدراسيّ لكل فردٍ ضمن مرحلة العمل. وتُستخدَمُ لحساب مُعدّل البطالة المُعادلة الآتية: مُعدّلُ البطالة = عدد الأفراد العاطلين عن العمل / عدد الأفراد الحاصلين على العمل؛ أي معرفة نسبة الأفراد العاطلين عن العمل، ومن ثم تقسيمها على نسبة الأفراد العاملين. مثال: تصلُ نسبةُ العاطلين عن العمل في دولةٍ ما إلى 12%، أما نسبة العاملين في نفس الدّولة تصلُ إلى 6%، ما هو مُعدّل البطالة؟ مُعدّل البطالة = نسبة العاطلين عن العمل / نسبة العاملين؛ أيّ 12% / 6% = 2% أسباب البطالة توجدُ مجموعةٌ من الأسباب تُؤدّي إلى انتشارِ البطالة، وهي: الهجرة من الرّيف إلى المدينة، والتي تُؤدّي إلى زيادةِ أعداد العاطلين عن العمل في المُدن. ظهور تقلُّباتٍ في الوضعِ الاقتصاديّ المحليّ في الدّول، والتي تنتجُ عنها مجموعةٌ من الصّعوبات الاقتصاديّة، ومن أهمّها قلّة توفير الوظائف. عدم تناسب أعداد الوظائف المُتاحة مع أعداد الأفراد في مرحلة أو سنّ العمل، ممّا يُؤدّي إلى زيادةِ انتشار البطالة بينهم. عدم تناسب المُؤهّلات الوظيفيّة للوظائف الشّاغرة مع المُؤهّلات التعليميّة أو الخبرات المِهنيّة للأفراد، ممّا يُؤدّي إلى توفّر الوظائف مع عدم وجود مُوظَّفِين مُناسبِين لها. توفير وظائف في أوقاتٍ مُعيّنة من السّنة، والتي يعملُ فيها الأفراد خلال فترةٍ زمنيّة تنتهي مع انتهائها، ومن الأمثلة عليها المِهن الزراعيّة. أنواع البطالة تُقسم البطالة إلى مجموعةٍ من الأنواع، ومن أهمها:

1 – البطالة الهيكليّة: هي البطالة التي تظهرُ بسبب النموّ والتطوّر في بعضِ المجالات المهنيّة، والعمليّة والتي تَستبدلُ الأيديّ العاملة في تطبيق النّشاطات الجاريّة في المُنشآت بمجموعةٍ من الآلات التكنولوجيّة، ممّا يُؤدّي إلى قلّة الحاجة إلى المُوظّفين بسبب عدم امتلاكهم للمَهارات الكافية للتّعامل مع التّطورات الحديثة.

2 – البطالة الاحتكاكيّة: هي البطالة التي تظهرُ عند الأفراد القادرين على العمل أثناء تركهم لعملهم القديم والبدء في البحث عن عملٍ جديد، إذ يفقدون القدرة على تحصيل أيّ دخل خلال هذه الفترة.

3 – البطالة الدوريّة: هي الرّكودُ الذي يُصيبُ الحالة الاقتصاديّة الخاصّة بمجموعةٍ من المُنشآت خلال فترةٍ زمنيّة مُعيّنة، أو في مناطقَ مُحدّدةٍ، مع وجود مُنشآت تُشبهها في مناطقَ أُخرى تعملُ بشكلٍ مُمتاز، وتُوفّر القدرة على استقطابِ العديد من المُوظّفين في أقسامها الوظيفيّة.[https://mawdoo3.com]

أما الاثار الاجتماعية للبطالة فهي: الفقر والاعتلال الصحي والوفاة وهبوط مستوى الاخلاق وفسادها وتشدد في العلاقات الأسرية أي تبات صارمة وقاسية على أعضائها. اما بالنسبة للمجتمع ككل فإنها تضم فشل في إدراك الاستثمار الاجتماعي في رأس المال البشري الذي يتم خلال النسق التعليمي وفقدان عوائد الضرائب الذي عادةً ما يشترك مع نمو معدل البطالة، فضلاً عن ان الضمان الاجتماعي سيؤثر على دافعي الضرائب في مجتمعات ذات مكونات مرفهة علماً بإن التغير في طبيعة الإنتاج الصناعي وبالذات نمو الاتمتة وزيادة في حجم قطاع الخدمات سينتج معدلات عالية من البطالة وعدم رجوع التوظيف التام مرة ثانية. [العمر. 2000. ص. 418] ثمّة دراسة لاتحاد المصارف العربية تحدثت عن البطالة كإحدى المشكلات الأساسية التي تواجه البلدان العربية باختلاف مستويات تقدمها وأنظمتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فهي تعد من أكبر التحديات التي تواجه الاقتصاديات العربية حالياً بسبب تفاقم الظاهرة والتزايد المستمر المطرد في عدد الأفراد القادرين على العمل والراغبين فيه والباحثين عنه دون جدوى.
وأظهرت الدراسة أن البطالة من المشكلات المعقدة التي تواجه البلدان العربية، إذ يصل عدد العاطلين عن العمل في هذه البلدان حوالي 22 مليون عاطل من إجمالي قوى عاملة يبلغ نحو 120 مليوناً، يضاف اليهم ما لا يقل عن 3 ملايين عامل سنوياً. وحولي 60% من مواطني البلدان العربية هم دون سن الـ 25 سنة، وهو ما قد يؤدي الى أن يصل عدد العاطلين عن العمل في الدول العربية عام 2025 الى حوالي 80 مليوناً. وهذا يتطلب ضخ استثمارات ضخمة لرفع معدلات النمو الاقتصادي لخلق ما لا يقل عن 5 ملايين فرصة عمل سنوياً. في حين أشارت صحيفة (الاقتصادية) (نقلاً عن العربية نت) الى أن الدول العربية جاءت ضمن عشر مناطق جغرافية في العالم سجلت فيها أعلى معدلات البطالة بين الشباب للعام 2016، وكانت الوحيدة التي بلغ فيها معدل بطالة الشباب 30% في ذات العام، او ما يعادل ثلاثة أضعاف متوسط معدل العام لبطالة الشباب في العالم تقريباً. وبحسب بيانات أصدرتها منظمة العمل الدولية، ستحافظ البلدان العربية على مركزها كأعلى موطن لبطالة الشباب في العالم، رغم ان هناك توقعات بأن تنخفض النسبة بمقدار أقل من نقطة مئوية (0.9%) في هذا العام ليصل الى 29.7%.. وتقول المنظمة إن قرابة أربعة من كل عشرة (39 في المئة) من الشباب العامل في الدول العربية يعيشون على أقل من 3.10 دولار يومياً!. كما تبين الإحصاءات في الدول العربية أن الإضرابات العمالية كان سببها الأساسي عدم تقديم الحقوق الأصلية للعمال، وليس المطالبة بحقوق إضافية مما يعمق أزمة التشغيل في المنطقة العربية، ويضاعف من تداعيات أزمة البطالة وتدهور العجلة الاقتصادية.
فيما تؤكد تقارير المنظمات العمالية أن البطالة همّ مشترك يهدد كل البلدان العربية، وإن كان بتفاوت، وظاهرة باتت بحاجة ماسة الى تعاون فعَّال بين الدول العربية، وذلك لتجنب آثارها السلبية على التنمية الاقتصادية والسلم الاجتماعي والأمن في العالم العربي، الذي يسجل أعلى وأسوأ معدلات البطالة في العالم، حيث يوصف خبراء البطالة بأنها أم الأزمات، وهي السبب وراء انحراف الشباب وتطرفهم، مثلما كانت السبب في احداث اندلاع الربيع العربي وتعرقل عجلة التقدم في دول كثيرة بالمنطقة.. صحيفة (العرب) مايو 2015 وتشير الصحيفة الى أن كل ارتفاع في معدل البطالة بنسبة 1 بالمئة سنوياً تنجم عنه خسارة في الناتج المحلي العربي بمعدل 2.5 بالمئة، أي نحو 115 مليار دولار، وهو ما يعني ارتفاع المعدل السنوي للبطالة الى 1.5 ويرفع قيمة الخسارة السنوية الى أكثر من 170 مليار دولار، وفق تقديرات منظمة العمل العربية، وهذا المبلغ يمكن ان يوفر نحو 9 ملايين فرصة عمل، وبالتالي تخفيض معدلات البطالة في الدول العربية الى ربع حجمها الحالي. لا نريد الدخول في تفاصيل أشكال البطالة المختلفة، ولكن الأهم هنا ما هي المسببات التي ساهمت في تفاقم ظاهرة البطالة في الدول العربية؟ وهل يمكن التخفيف من وطأتها؟ إذا ما أردنا أن نبحث في جوهر المشكلة التي تعود الى أسباب اقتصادية وسياسية فلابد من الإشارة الى فشل خطط التنمية الاقتصادية في معظم الدول العربية وبرامج التخطيط الاقتصادي – وهو ما تؤكد عليه دراسة اتحاد المصارف العربية وغيرها – والذي أدى الى تفاقم أزمة المديونية وهروب رؤوس الأموال العربية الى الخارج – فضلاً عن الفساد وهدر المال العام دون رقابة ومساءلة في ظل برلمانات أغلبها تهيمن عليه السلطة التنفيذية!.
وإذا كان ثمة برامج خصخصة غير مدروسة في ظل توجهات اقتصادية تميل الى الليبرالية الجديدة وما نتج عنها تخلي الدولة عن دورها وهو ما أدى الى تسريح أعداد كبيرة من العاملين في القطاع الحكومي فإن تعثر التنمية الاجتماعية وتراجع الأداء الاقتصادي لا يعود فقط الى تلك البيئة والقوانين غير المحفزة للاستثمار والتي تسهم بدورها في خلق فرص العمل بل الى تراجع دور الدولة على صعيد إيجاد وظائف للعاطلين عن العمل. ويرى الاقتصاديون أن توجهات المؤسسات الى استخدام رأسمال تقني، تماشياً مع التقدم التكنولوجي أدى الى انخفاض الطلب على عنصر العمل البشري، وبالإضافة الى ذلك عمدت أغلب الدول العربية الى زيادة الإنفاق العسكري على حساب الإنفاق الاستثماري الذي يخلق فرص عمل! في حين تشير بعض الدراسات الى بعض القيم الاجتماعية والعادات والنظرة “المتعصبة” لعمل المرأة، وعدم تناسب مخرجات التعليم مع سوق العمل، كل ذلك أدى الى تفاقم ظاهرة البطالة في البلدان العربية، ولاشك ثمة أسباب عديدة لا مجال ذكرها في هذه المساحة ومع ذلك ثمة جهود تعمل على الحد من البطالة والتحكم في هذه الأزمة وذلك من خلال استراتيجيات وطنية تهدف الى خلق فرص عمل والتوسع في برامج التدريب ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من خلال ما توفره من فرص عمل، ومع أهمية ذلك إلا أن لا توجد جدية او بالأحرى استراتيجيات وطنية تفعل دور هذا القطاع شأنه شأن العديد من القطاعات كقطاع الزراعة والسياحة على سبيل المثال لاستيعاب العاطلين عن العمل!. [https://www.alayam.com] تشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن نسبة بطالة الشباب في العالم ستصل إلى 13.1 في المائة عام 2016 وستبقى عند هذا المستوى في عام 2017 (بعد أن كانت 12.9 في المائة عام 2015). ويبين تقرير منظمة العمل الدولية “الاستخدام والآفاق الاجتماعية في العالم 2016: اتجاهات الشباب” بأنه نتيجةً لذلك يُتوقع أن يرتفع عدد الشباب العاطل عن العمل في العالم بمقدار نصف مليون شابٍ هذا العام ليبلغ 71 مليون عاطلٍ عن العمل، وهو أول ارتفاع يُسجل منذ 3 سنوات. وثمة مصدر قلقٍ أكبر هو نسبة وعدد الشباب (غالباً في الدول الناشئة والنامية) الذين يعيشون في فقرٍ مدقع أو معتدل رغم أنهم يعملون. والواقع أن 156 مليون شابٍ أي ما يعادل 37.7 في المائة من العمال الشباب يعيشون في فقرٍ مدقع أو معتدل (مقارنةً مع 26 في المائة من العمال البالغين). قالت (ديبورا غرينفيلد) المديرة العامة المساعدة للسياسات في منظمة العمل الدولية: “يُظهر الارتفاع الخطير في معدل بطالة الشباب والمستويات العالية التي لا تقل عنها خطورةً من الشباب الذين لا يزالون يعيشون في فقرٍ رغم أنهم يعملون مدى صعوبة تحقيق الهدف العالمي المتمثل في القضاء على الفقر بحلول عام 2030 ما لم نضاعف جهودنا لتحقيق نموٍ اقتصادي مستدام وتوفير فرص عملٍ لائقة. وتسلط هذه الدراسة الضوء على التفاوت الكبير بين الشابات والشبان في سوق العمل والذي ينبغي للدول الأعضاء في منظمة العمل الدولية والشركاء الاجتماعيين معالجته بسرعة”.

فرصٌ غير متكافئة: ثمة فروقٌ كبيرة بين الشبان والشابات في معظم مؤشرات سوق العمل، ما يزيد ويخلق فجواتٍ أكبر أثناء الانتقال إلى سن الرشد. فعلى سبيل المثال، يبلغ معدل مشاركة الشبان في القوى العاملة 53.9 في المائة في عام 2016 مقارنةً بـ 37.3 في المائة للشابات، ما يمثل فجوةً قدرها 16.6 نقطة مئوية. الوضع خطيرٌ لاسيما في جنوب آسيا والدول العربية وشمال أفريقيا حيث تتدنى معدلات مشاركة الشابات بمقدار 32.9 و 32.3 و 30.2 نقطة مئوية على التوالي عن معدلات مشاركة الشبان في عام 2016. تعود زيادة البطالة إلى تباطؤ النمو في الاقتصادات الناشئة تشير التقديرات إلى أن النمو الاقتصادي العالمي عام 2016 بلغ 3.2 في المائة، أي أدنى بمقدار 0.4 نقطة مئوية عما كان متوقعاً أواخر 2015. وقال (ستيفن توبين) كبير الخبراء الاقتصاديين في منظمة العمل الدولية والمؤلف الرئيسي للتقرير: “إن السبب الرئيسي لذلك هو حدوث ركودٍ أكبر مما كان متوقعاً في بعض الاقتصادات الرئيسية الناشئة المصدِّرة للسلع فضلاً عن جمود النمو في بعض الدول المتقدمة. وارتفاع معدلات بطالة الشباب كبيرٌ على نحوٍ خاص في الاقتصادات الناشئة”. ويُتوقع ارتفاع معدلات البطالة في الاقتصادات الناشئة من 13.3 في المائة عام 2015 (أي ما يعادل 52.9 مليون عاطلٍ عن العمل) إلى 13.7 في المائة عام 2017 (53.5 مليون). كما يُتوقع بين عامي 2015 و2017 ارتفاع معدل البطالة من 15.7 إلى 17.1 في المائة في أمريكا اللاتينية والكاريبي، ومن 16.6 إلى 17.5 في المائة في وسط وغرب آسيا، ومن 12.4 إلى 13.6 في المائة في جنوب شرق آسيا والمحيط الهادئ.

بطالة الشباب في البلدان العربية: ستبقى معدلات بطالة الشباب في البلدان العربية في الخليج والشرق الأوسط (باستثناء شمال أفريقيا) هي الأعلى في العالم وتصل إلى 30.6 بالمائة في عام 2016 (رغم توقع تحسنها بشكل طفيف إلى 29.7 في المائة في عام 2017). ويُتوقع أن تشهد الدول المصدرة للنفط ارتفاعًا في معدل بطالة الشباب في عام 2016، لسبب رئيسي هو تباطؤ النمو وتشدّد السياسات المالية. وستواصل التوترات الجيوسياسية تأثيرها الكبير على آفاق بطالة الشباب في بلدان أخرى من المنطقة.

العمال الفقراء: لا يزال الشباب يشكلون أكبر مجموعةٍ رديئة الوظائف، وإن كان هنالك فوارق كبيرة بين المناطق. فعلى سبيل المثال، تواصل البلدان الأفريقية جنوب الصحراء تسجيل أعلى معدلات العمال الشباب الفقراء في العالم، إذ تبلغ زهاء 70 في المائة. كما ترتفع هذه النسبة في الدول العربية (39 في المائة) وجنوب آسيا (49 في المائة). وثمة أدلةٌ متزايدة في الاقتصادات المتقدمة على حدوث انزياحٍ في توزع الفقراء بحسب العمر، إذ يحتل الشباب الآن مكان كبار السن بوصفهم أكبر مجموعةٍ معرضة للفقر (والذي تُعرِّفه الاقتصادات المتقدمة بأنه جني أدنى من 60 في المائة من الدخل الوسطي). ففي عام 2014 مثلاً، كانت نسبة العمال الشباب المعرضين بشكلٍ كبير للفقر في دول الاتحاد الأوروبي الـ 28 (12.9) في المائة مقارنةً مع 9.6 في المائة من العمال البالغين (25-54 عاماً). والوضع خطيرٌ بشكلٍ خاص في بعض الدول حيث تتجاوز نسبة العمال الشباب المعرضين لخطر الفقر 20 في المائة.

الهجرة عن طيب خاطر: من بين العوامل الكثيرة الباعثة على الهجرة (كالصراع المسلح، والكوارث الطبيعية، الخ)، يُعتبر ارتفاع معدل البطالة وزيادة خطر التعرض للفقر رغم العمل ونقص فرص العمل الجيدة عوامل رئيسية تدفع الشباب نحو الهجرة الدائمة خارج البلاد. وعالمياً، بلغت نسبة الشباب بعمر 15-29 عاماً المستعدين للهجرة بصفةٍ دائمة إلى دولةٍ أخرى 20 في المائة عام 2015. وأكبر نسبة هي 38 في المائة في منطقتي البلدان الأفريقية جنوب الصحراء وأمريكا اللاتينية والكاريبي، تلتهما مباشرةً أوروبا الشرقية بنسبة 37 في المائة. ولا تزال نسبة الشباب الراغبين بالهجرة مرتفعة وتبلغ 35 بالمائة في شمال أفريقيا، وكذلك في الدول العربية التي ارتفعت فيها هذه النسبة من 21 بالمائة عام 2009 إلى 28 بالمائة عام 2015. [https://www.ilo.org]

ب – الهجرة Migration

بسبب البطالة أو الفقر أو الحرب أو الثورة أو الكوارث الطبيعية يهاجر الشباب من بلدانهم الى بلدان أخرى طلباً للعمل او الأمان او الدراسة أو طلباً للحرية والكرامة. أي الانتقال من بلد الام الى بلد اخر للاستقرار والعمل فيه. ففي عام 2013 وصل عدد المهاجرين من دولهم الاصلية الى (247) مليون نسمة.

توجدُ مجموعةٌ من الأسباب التي تُؤدّي إلى الهجرة، وهي:

أ – البحثُ عن عملٍ أفضل من العمل السّابق، وهو غالباً الهدفُ والسّبب الرئيسيّ للهجرة من الدّول الأمّ إلى دولٍ أُخرى.

ب – الهروب من حالات الحرب في الدّول التي تعانيّ من الحروب بشكلٍ دائم.

ت – اللّجوء السياسيّ أو الإنسانيّ عند المُعاناة من اضطهادٍ فكريّ أو دينيّ أو اجتماعيّ.

ث – الهروب من الكوارث الطبيعيّة، مثل الأمراض، والمجاعات، والزّلازل، والبراكين.

نتائج الهجرة: تترتّبُ على الهجرة مجموعةٌ من النّتائج، وهي:

أ – النّتائج السياسيّة هي مجموعةٌ من النّتائج التي تُؤثّر على الدّول المُستقبِلة للمُهاجرين بشكلٍ مُباشر، إذ تساهمُ في التّغيير من الواقع السياسيّ العام، وتفرضُ ضمّ المهاجرين إلى المجتمع عن طريق منحهم العديد من الامتيازات الخاصّة بالمواطنين العاديين ممّا يُؤدّي إلى التّأثيرِ على الفكر السياسيّ السّائد في الدّول، وجعلها أكثر قدرةً على تقبُّلِ دمج المُهاجرين ضِمن سُكّانها.

ب – النّتائج الاقتصاديّة هي من أكثر النّتائج تأثيراً على الدّول التي تستضيفُ المُهاجرين، إذ يتأثّرُ الاقتصادُ بشكلٍ ملحوظٍ مع زيادةِ أعداد المُهاجرين، والتي تظهرُ نتائجها على ارتفاع نسبة الطّلب على الموادّ الأساسيّة، والذي يُؤدّي في النّهاية إلى زيادةِ حاجة الدّول إلى توفير دعمٍ اقتصاديّ، عن طريق الاعتمادِ على المُساعدات الخارجيّة من الدّول الأُخرى، والتي تُساهمُ في دعمِ اقتصاد الدّول المُستضَيفة للمُهاجرين، من أجل تحمُّل نفقات استقبالهم، وخصوصاً إذا كان السُكّان من ذوي الدّخل المحدود في تلك الدّول فسوف يتأثّرون تأثيراً سلبيّاً بالتغيُّرات الاقتصاديّة التي ترافقُ الهجرة.

أنواع الهجرة:  تقسمُ الهجرةُ إلى مجموعةٍ من الأنواع، ومنها:

أ – الهجرة الداخليّة: هي هجرةُ السُكّان مِن منطقةٍ إلى أُخرى في نفس وطنهم، أي في داخلِ حدود الدّولة، ومن الأمثلة عليها الهجرة مِنَ الرّيف إلى المدينة.

– الهجرة الخارجيّة: هي هجرةُ الأفراد مِنْ وطنهم، أي خارج حدود الدّولة إلى دولةٍ أُخرى قريبة أو بعيدة عن دولتهم الأصليّة.

ب – الهجرة السريّة: هي من أخطرِ أنواع الهجرة؛ إذ تعتمدُ على الهروب السريّ من دولةٍ إلى أُخرى دون استخدام وثائقٍ ثبوتيّة، أو أيّ أوراقٍ رسميّة، وغالباً ينتجُ عن هذا النّوع من الهجرة العديدُ من النّتائج السلبيّة على المُهاجرين، مثل: القبض عليهم، أو تعريض حياتهم للخطر، والذي قد يُؤدّي بهم في النّهايةِ إلى الموت. [https://mawdoo3.com]
بداية لابد من تعريف الهجرة الحالية للشباب في الوطن العربي، حتى يمكننا فهم مسبباتها وآلياتها ودوافعها في عبارات موجزة موحية فنقول: الهجرة بمعناها المتداول اليوم، هي الانتقال من دولة نامية ذات إمكانات وقدرات ضعيفة، إلى أخرى تتوفر فيها إمكانات اقتصادية عالية ومستوى معيشي مرتفع يفتقدهما الشاب المهاجر في بلده. ولهذا يمكننا القول بأن الهجرة الحالية للشريحة الشابة في الوطن العربي بدأت في السنوات الأخيرة، وبالتحديد بعد الهجرة الواسعة من الريف إلى المدينة في بدايات السبعينيات من القرن الماضي وخاصة في سورية، حيث اصطدام الشباب في حياتهم المدينية الجديدة بالبطالة وزيادة مصاريف المدينة وأعباء المعيشة، لتتحول سريعاً إلى تيار هجرة خارجية توجه فيها الشباب نحو أوربا الغربية بشكل خاص ثم الولايات المتحدة الأمريكية حيث الاقتصاد الحر مزدهر ولا قيود على الحريات الفردية. وفي وقت ما اكتظت أحياء مدن أمريكا اللاتينية بالمهاجرين العرب الشباب كالبرازيل، والأرجنتين، والمكسيك…الخ. إما هرباً من الاضطهاد الديني أو السياسي أو طلباً لحياة أفضل في هذه البلدان، حيث يمكن أن نعد في البرازيل وحدها اليوم أكثر من عشر ملايين مهاجر عربي. أما في الآونة الأخيرة فقد تغير مسار الهجرة الشبابية من الوطن العربي نحو الغرب، حيث أصبح الشباب يحلمون بمستوى معيشي لائق وبالثروة والمال والجاه وبالخلاص من الضغط الداخلي المرير. ولهذا ازدادت الهجرة اللاشرعية بشكل ملفت للنظر في الآونة الأخيرة وخاصة من كل من مصر، وسورية، ولبنان، والأردن، واليمن، والصومال، وبلدان المغرب العربي، وهي البلدان الأكثر تصديراً للمهاجرين الشباب اليوم. هذه الهجرة التي تتم اليوم عن طريق شبكات التهريب التي استطاعت بأساليبها الخاصة تهريب ما يقارب الـ 90% من حالات هجرة الشباب العرب إلى الغرب، وإن بدأت تقل في الآونة الأخيرة بسبب معوقات السفر في كل من بلدان الهجرة (الغرب) التي تعمل على الحد من دخول اللاجئين غير الشرعيين إليها، وبلدان المهجر(الوطن العربي)، وذلك بسبب ارتفاع تكاليف الهجرة غير الشرعية على أيدي المهربين ومخاطر الطريق البحري ومشاكله.
وعلى العموم يمكن إجمال أسباب هجرة الشباب العربي إلى عدة عوامل أساسية وهي:
أ – الزيادة السكانية الكبيرة، والبطالة الناشئة عن الاقتصاد العام الحكومي المغلق والتي طالت مختلف الشرائح الشبابية ومن أعمار مختلفة، ثم الحالة النفسية وحالات الاكتئاب والضغط النفسي التي أصبحت تسيطر على فئة للشباب. فالشاب الذي لا يجد في جيبه ثمن حذائه وقميصه وأحياناً دخانه – إن كان مدخناً – يشعر بالحرج والدونية في مجتمعه فيهاجر مهما كان ثمن هجرته.

ب – عدم وجود فرص عمل كافية لاستيعاب الطاقات الشبابية وتحمسهم للعمل والإنتاج.
ت – الضغوطات السياسية القمعية والنزاعات العسكرية والسياسات الاقتصادية المتبعة من قبل الحكومات المتعاقبة في البلدان العربية، وعدم الاهتمام بالشباب من قبل هذه الحكومات كانت هي أيضا من جملة الأسباب التي أدت إلى الهجرة غير الشرعية المتفاقمة بين شباب الوطن العربي اليوم.

ث – رفع سقف القبول بالجامعات الوطنية، بالإضافة إلى اضطراد ارتفاع أسعار المواد الأساسية بشكل جنوني لافت.

ج – ظهور حالات من الازدهار الاقتصادي السريع بين بعض الأسر التي هاجر أحد أفرادها، ثم الانبهار بالحياة الغربية والحريات (الليبرالية) المتوفرة فيها والتي تلبي طموحات الشباب المتحمس، وخاصة إذا كان الغرب هو الولايات المتحدة الأمريكية التي تبهر حتى الأوربي نفسه بأسلوب حياتها ومعيشة سكانها.
ح – وأخطر أنواع الهجرة، هي ما نسميه بهجرة العقول أو الأدمغة أو أصحاب الشهادات العليا، لأن أوطانهم لا توفر لهم مجالات تتناسب ومستوى ما يحملونه من شهادات سواء حصلوا على هذه الشهادات في بلدانهم أو من الخارج. لأن بلدانهم تخسر عليهم ملايين الدولارات، بالإضافة إلى أنها تضطر لاستقدام معادليهم من الدول المتقدمة، فيشكلون بذلك خسارة كبيرة لدولهم وبلدانهم. ولذا يجب توفير العمل لهذه العقول وأصحاب الكفاءات مهما كلف الثمن بدلاً من تركهم يهاجرون مرغمين. ولكننا بدأنا نلمس تقلص تيار الهجرة بشكل ملفت اليوم، وخاصة بعد القيود التي فرضها الغرب وإصدار الأوربيين لما سمي بـ (الورقة الخضراء) التي ترسم السياسة الأوربية العامة فيما يتعلق بالهجرة من الدول النامية، والتي تنص على عقلانية الهجرة، أي الاعتماد على الهجرة الشرعية لتلبي وحدها متطلبات التنمية الأوربية وسد حاجات سوق العمل الأوربي، على أن يكون المهاجرون المعتمدون من أصحاب الأدمغة والكفاءات وممن هم أكثر دراية وتأهيلاً في مجالات العمل المختلفة. وقد أشارت التقارير إلى أن الهجرة تنتشر بشكل خاص بين شباب الوطن العربي بين من هم في سن المراهقة والذين لا يجدون عملا محترما في أوطانهم ويتعرضون لمضايقات وقيود العمل. وبالفعل فقد أشارت تقارير الأمم المتحدة ومنها تقرير(التنمية والجيل القادم) إلى أن المهاجرين من البلدان العربية أومن البلدان النامية هم ممن تتراوح أعمارهم ما بين (12-24) سنة. ولكن ما هي نتائج هذه الهجرة على الصعيدين الداخلي والخارجي وعلى المنطقة العربية عموماً؟ لاشك أن المهاجرين الشباب سرعان ما يألفون أجواء الحرية السائدة في الغرب بعيداً عما هو سائد في بلدانهم من كبت وفساد وقمع للحريات، وسرعان ما يدركون أن عملهم في بلد المهجر يندرج ضمن  مساهماتهم في رفع مستوى المعيشة لأهاليهم بشكل خاص وفي بلدانهم بشكل عام، لما يرسلونه من أموال إلى أهلهم وذويهم حيث ترتفع العمائر وتزدهر البلدان، بالإضافة إلى التخفيف عن كاهل دولهم عبء توفير العمل لهذا السيل المتدفق من الطاقات الشبابية الطامحة إلى العمل والتطلع نحو بناء حياتها ومستقبلها. كما تؤدي هجرة الشباب في جوانبها الإيجابية إلى التخفيف من المشاكل والمنازعات الاجتماعية في المدن والبلدان العربية…الخ. ولكني أرى أن من الأفضل للبلدان العربية الاقتداء بالغرب، والعمل على انتفاء مسببات الهجرة، وترسيخ دعائم اقتصاد متين منفتح،  من خلال الاستفادة من طاقاتها الشبابية وفتح مجالات العمل أمام الشباب واحتضانهم بكل أريحية وحرية والعمل على تشغيلهم والاستخدام الأمثل لهم، أي بما معناه الانفتاح على الحريات الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية…الخ، حتى يمكن تفجير طاقات الشباب الإبداعية، والاستفادة منهم في بناء أوطانهم العربية والتي هي بأمس الحاجة إليهم بزنودهم وبأيديهم. [https://minbaralhurriya.org]

ت – الادمان على المخدرات Drug addiction

يمكن أن نعرف الإدمان بإنه “الاستخدام القهري لمادة كيميائية بحيث ينتج عن هذا الاستخدام الضرر للشاب أو للمجتمع او للاثنين معاً). وتؤثر هذه الكيمائيات على الجهاز العصبي بطريقة تجلب له السرور وسرعات ما يتعلم تفضيل هذه الاثار وبعد فترة من الزمن يصعب عليه ان يمتنع عن العقار إذ يكون الاعتماد عليه قد اكتسب قوة الدافع الأساسي وخصائصه وتكون اللهفة او الجوع للعقار قد تمت في صورة حاجة قوية تعادل في قوتها الرغبة الجنسية أو قد تكون أقوى من ذلك، بمعنى ان استخدام أو سوء استخدام العقار قد تحوّل الى مرض خطير الى ادمان ويصبح مستخدم العقار مدمناً ومعظم اشكال الإدمان لها مقدمة تجلب السرور للمتعاطي ولكن سرعان ما تبدأ الاثار السلبية بقواها المدمرة والمخيفة. [العمر. 2005. ص. 269] ذكرنا انفاً ان الشاب يبدأ باستخدام المخدر كمهرب من ضغوط المقوضات التنظيمية لكن لا تقف عند هذا الحد بل تقترن برفقاء السوء أو الرغبة في التجربة ومعرفة المذاق علاوةً على الأزمات النفسية المتضمنة الصراع والقلق والتوتر والإحباط والفشل وفقدان الوازع الديني والخلقي يصاب المدمن بحالة تشبه فصام الاضطهاد أي جنون الاضطهاد حيث يتوهم المدمن بإن الناس تحبك له المؤامرات وتدبر لقتله او الانتقام منه ويشعر بإنه مضطهد من قبل الجميع والمحيطين به. لاحظت الدوائر الصحية في المجتمع الأمريكي ان عمر المدمن على المخدرات في مجتمعها لا يتصف بالثبوت دائماً وابداً بل يقل كلما تغير المجتمع وزادت سرعته في التغير بسبب ما يفرزه من مشاكل وتعارض في معايير وقيم المجتمع. ففي عام 1960 درست 1036 حالة مدمن في ولاية تكساس (فورت وورث) وولاية كنتاكي (ليكسنتون) وجدت ان نسبة 2/3 من هذه العينة أمسو مدمنين على المخدرات ممن هم دون سن 30 وفي دراسة أخرى قامت بها الحكومة الفيدرالية على نفس الموضوع وجدت ان عمر المدمن يتراوح ما بين 12 و30. أما مدة الإدمان فإنها ايضاً ليست ثابتة، منها ما يستمر اشهراً ومنها ما يستمر لعدة سنين إنما لا تبقى الى طيلة حياة المدمن. ففي نفس الدراسة وجدت ان مدة الإدمان عند 15% منهم استمرت خمساً وعشرين سنة والباقي استمر ادمانهم خمس سنوات وفي مدينة نيويورك أجريت دراسة على مرضى الإدمان في مستشفياتها وكان عددهم 115 وجدت ان 61 منهم استمر ادمانه لمدة ستة شهور و24 مدمناً استمر ادمانه لمدة سنة. وهكذا فإنه لا توجد مدة محددة وثابتة لدوام الإدمان عند المدمن لأنها تتأثر بنوع المعاناة التي يعانيها والمشاكل التي يعيشها ورفاق السوء الذين يتفاعل معهم. [Clinard. 1963. P. 298]. مرادي من كل ما قدمناه انفاً هو الوصول الى حقيقة مفادها ان ادمان الشباب على المخدرات مكتسب ومتعلم من قبل الأصدقاء والزملاء أو أصحاب العمل الذين يعمل معهم حاله حال أي سلوك مكتسب. أقول يُكتسب من قبل رفاق السوء ومصاحبة المنحرفين او الجانحين او المدمنين الذين يلتقي بهم في صالات الرقص أو البارات أو المقاهي أو الحفلات الخاصة أو مرافقة المومسات أو اللواطين، يتم استخدام المخدر لجلب المتعة النفسية أو الجنسية وليس له أي علاقة بالجانب الفسيولوجي أو الوراثي لأنه يكتسب عبر تفاعل المشاكل النفسية مع المؤثرات الاجتماعية التي يتفاعل معها صاحب المشكلة النفسية فتولد عنده سلوكاً مكتسباً اسمه تعاطي المخدر يتحول فيما بعد الى الإدمان عليه لكي يستطيع التخلص من معاناته النفسية والضغوط الاجتماعية. لا غرو من القول بإنه لما كان الإدمان يمثل حالة سلوكية مكتسبة ومتعلمة من خلال التفاعل والتعايش مع الاخرين (المدمنين) والتأثر بمؤثراتهم فلماذا يعد انحرافاً سلوكياً؟ ولما كان المتعاطي مدركاً وعارفاً لإثارته التخديريه ويستخدمه لمداواة علّة سلوكية مضطربة يريد التخلص منها واحياناً يجلب له النشوة والانتعاش ويجعله أكثر انبساطاً فلماذا إذن يعد انحرافاً سلوكياً واجتماعياً؟ أقول الانحراف عن من؟ طالما يُقدم (المخدر) له كل هذه الخدمات النفسية والاجتماعية؟ وماذا يعني الإدمان؟ في الواقع يعني الإدمان الاستمرار في تعاطيه لا يستطيع الاستغناء عنه في مواجهة مشكلة نفسية يعاني منها المتعاطي أي معتمداً عليه بحيث يربط أخذه بالمعاناة النفسية أو الاجتماعية. بات أذن اعتبار الإدمان انحرافاً سلوكياً أو اجتماعياً بسبب استخدامه من قبل الجانحين والمجرمين في اجتماعاتهم ولقاءاتهم قبل الاقدام على الفعل الإجرامي وتأخير المتعاطي في أداء المسؤوليات والواجبات الملقاة على عاتقه في الحياة اليومية الاجتماعية، يعني تعطيل ممارسة بعض ادواره الاجتماعية الموجب اداؤها في الأسرة أو العمل أو المدرسة. بمعنى أخر يكون انتاجه المهني أو المدرسي ضعيفاً أو قليلاً بسببه فضلاً عن ابتعاده عن الضوابط الاجتماعية التي تؤكد على التماثل مع مقومات المجتمع العام. ولما كان المتعاطي منخرطاً في جماعات صغيرة منحرفة جنسياً او اخلاقياً فإن ذلك يبعده عن التفاعل المستمر مع مقومات مجتمعه العامة ويوهن التزامه بضوابطه وعلى الرغم من كون المدمن ممثلاً لحالة مرضية (باثولوجيه) شخصية إلا انها تؤثر سلباً على أداء واجباته المجتمعية التي بدورها تعطي صورة سيئة عنه وعن المجتمع الذي يعيش فيه. ولمعرفة أسباب ادمان الشباب على المخدرات نطرح الأسباب التالية:

في وقت ما يتخذ الشباب سواء فتيان أو فتيات قرارًا بتعاطي المخدرات، لكن في كثير من الأحيان يتم الاستخفاف بتأثير مثل ذلك القرار. يكون بعض المراهقين قادرين على الرفض والبعض الآخر لا يمكنه مقاومة الرغبة في تناول المخدرات ويستسلم للإغراءات. لكن السؤال هنا: ما الذي يجعل شابًا أكثر صمودًا عن شاب آخر؟، ما الذي يجعل شابًا يرفض تناول المخدرات ويجعل آخر يقبل على تناولها؟، هل المراهقون الواثقون يكونون أفضل استعدادًا للوقوف في مواجهة المصاعب؟ ربما يكون لدى المراهقين مهارات تأقلم صحية مثل ممارسة التمارين الرياضية واتباع نظام غذائي صحي أو الحصول على قسط كبير من النوم، ..إلخ؛ وذلك من أجل التعامل مع مشكلات الحياة، لكن ماذا عن المراهقين الذين يصارعون ويستسلمون لضغوط أقرانهم؟، ما الذي يجعلهم يختارون تعاطي المخدرات؟ فيما يلي 6 أسباب شائعة يذكرها المراهقون عن أسباب اختيارهم لتعاطي الكحوليات والمخدرات.

أ – الإغراءات: يمكن أن يتأثر الشباب بقوة التسويق المقنعة، فصناعة المخدرات والكحوليات تقوم بعمل مذهل من أجل جعل منتجاتها مغرية أمام المستخدمين المحتملين. لسوء الحظ، فإنها تجتذب أعين وعقول الشباب من خلال منتجاتها. على سبيل المثال، أظهرت دراسات أجريت على استهلاك الشباب للكحوليات أن تسويق الكحوليات يؤثر على سلوكيات تعاطيها لديهم. هناك القليل من الشك في أن إعلانات الكحول وصور وسائل الإعلام والإعلانات التي يروج لها المشاهير عن الكحول تلعب دورًا في سلوكيات تناول الشباب للكحوليات. وبالمثل، فإن استخدام المخدرات في وسائل الإعلام يمكن أن تغير بقوة مفاهيم ومواقف المراهقين. لقد كشفت دراسات عن أن العديد من الشباب الذين يتعاطون المخدرات، التي تستخدم في وسائل الإعلام، لا يرون أن تعاطيهم لها بالأمر الكبير. ولا يزال استخدام المخدرات يُعرض بشكل كبير على وسائل الإعلام وتراقبه عيون المراهقين. ووفقًا لأبحاث أجريت على الأفلام التي يشاهدها المراهقون، فإن 93% منها يظهر خلالها مشاهد تناول كحوليات و 22% منها يظهر خلالها تناول المخدرات. بالإضافة إلى ذلك، فإن الكحول هو المخدر رقم واحد في الظهور على شاشات التلفاز، حيث يظهر في 77% من المسلسلات التليفزيونية، ويظهر أيضًا كل 14 دقيقة في أشرطة الفيديو والموسيقى. لذا، فإن التغطية الإعلامية والتسويق لديهم آثار سلبية على اختيار المراهقين اللجوء إلى تعاطي المخدرات.

ب – المخدرات فرصة للهروب قصير الأمد: إن سنوات المراهقة هي فترة اكتشاف الذات، لذا تكون تلك الأوقات معقدة ومربكة في حياة المراهق. ينبغي على الكثير من الشباب التصدي للمشاكل الأسرية وصراعات الصداقة ومشكلات المدرسة والقائمة تطول وتطول. وغالبًا ما يفتقر هؤلاء المراهقون لإستراتيجيات المواجهة الصحية من أجل تجاوز الأوقات العصيبة في الحياة. وبينما يظهر تناول المخدرات كحل قصير الأمد، قد يكون مشكلة طويلة الأجل.

ت – الارتياح ومداواة الذات: الكثير من الشباب في أيامنا تلك يواجهون مشكلات عاطفية، فنسبة 10 إلى 15% من الشباب لديهم أعراض اكتئاب المراهقة. وهناك نسبة 8% من الشباب تتراوح أعمارهم بين 13 و 18 عامًا لديهم اضطرابات القلق. وهناك قرابة 6.4 ملايين شاب (11%) تتراوح أعمارهم بين 4 و 17 عامًا تبين إصابتهم باضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط خلال عام 2011. الشباب الذين يواجهون مشكلات عقلية وعاطفية يكونون معرضين بشكل خاص لأن يصبحوا سريعي التأثر بالتأثير القوي للكحول والمخدرات. المحزن أيضًا أن هؤلاء الشباب سيضطرهم ذلك لفعل أي شيء للشعور بالارتياح.

ث – مشكلة القبول: يكون لدينا جميعًا كبشر الرغبة في أن نحظى بالقبول في الحياة وهو الأمر الذي لا يختلف كثيرًا لدى الشباب. في حقيقة الأمر، الحاجة للقبول ربما تكون أكثر المناطق المرغوبة في سن المراهقة. تُعد سنوات المراهقة محورية حيث يحاول الشباب خلالها لاستكشاف شخصياتهم وكيف سينسجمون مع الحياة. الكثير من الشباب يرغبون في أن يحظوا بالكثير من الأصدقاء والشعبية؛ لذا فإن هذه الرغبة القوية في القبول يمكن أن تدفع الشباب لرفض تناول المخدرات بقوة. الشباب الذين يفتقدون للثقة ربما يشعرون أن الكحول والمخدرات ستساعدهم على الخروج من قوقعتهم. يقوم المراهقون بتشكيل هويتهم على حسب شخصياتهم تحت تأثير الكحول أو المخدرات بدلًا من شخصياتهم الحقيقية. الشيء المحزن هو أن هؤلاء الشباب في كثير من الأحيان يقنعون أنفسهم أن الناس يحبونهم عندما يكونون في حالة سُكر وليس وهم في حالتهم الطبيعية.

ج – التمرد: عندما يشعر المراهقون أنهم محاصرون بالضغوط الأبوية، فمن المألوف أنهم سيتمردون، وذلك التمرد قد يكون ثمنه باهظًا. فعندما يتمرد المراهق، فإنه يغذي غضبه الداخلي اللاواعي. ذلك الغضب يحفزهم على المضي قدمًا وعمل ما يرغبونه وعدم التفكير في العواقب. المحزن هو أن المراهقين المتمردين قد ينجذبون نحو المخدرات التي بدورها ستغذي ذلك الغضب الكامن لديهم. ومن السعي للاستقلال إلى إيجاد طريقة لتهدئة عواطفهم الجياشة، فإن المراهقين المتمردين لا يكون أمامهم شيء ليخسروه.

ح – الفضول: في بعض الأوقات تكون الرغبة في تجربة المخدرات موجودة لإرضاء الفضول. يُخيّل للمراهقين أن أفضل وقت لتجربة المخدرات يكون حال وجودهم وحيدين بالمنزل والخمور متاحة أمامهم، أو أثناء وجودهم مع أصدقائهم في جلسة جماعية. يقنع هؤلاء الشباب أنفسهم غالبًا أن مرة واحدة من تناول المخدرات أو الكحول لن تضير، أو يخبرون أنفسهم أن الجميع يفعلون الشيء نفسه، فلا مانع من قيامهم به. في الواقع يقوم هؤلاء الشباب بالكذب على أنفسهم لتبرير سلوكياتهم غير الصحية. سنوات المراهقة ليست سهلة، في واقع الأمر هي سنوات العمر الأكثر اضطرابًا ويمكن أن تكون تعقيدات فترة المراهقة غامرة. في خلال مرحلة المراهقة، يكون المراهقون في حاجة إلى معلمين لمساعدتهم على التنقل والتعامل مع التوتر الناجم عن تلك الفترة. قد تكون سنوات المراهقة طويلة ومتعرجة، لذا فمن المهم أن تُقدم للمراهقين المساعدة لجعلهم يسيرون في الاتجاه الصحيح، فإذا تطور الموقف وأقدم المراهقون على اللجوء إلى المخدرات، فإنهم سيفعلون الشيء الصحيح ويرفضونها. [https://www.ida2at.com]

ث – العنف Violence: العنف سلوك مرتبط بتصرف الشاب إلا ان مثيراته عادةً ما تكون لفظية أو جسدية. ولما كان بهذا الأسلوب فإنه لا يحدث بشكل عفوي أو تلقائي مالم تكن هناك استجابة لمثيرات ليس بالضرورة ان تكون مساوية له بالقوة والاتجاه بل احياناً تكون أكثر واحياناً أخرى أقل. بمعنى يتطلب من حدوث العنف وجود علاقة اجتماعية سلبية بين فردين، يعني ذلك انه مكتسب وليس موروث يتعلمه الشاب من اسرته أو مدرسته أو مجتمعه المحلي أو طائفته لا يكن للعقل أثر في حركته أو تحركه حيث يغيب العقل اثناء أدائه (العنف) لأنهما متناقضان لا يلتقيان إنما يلتقي مع العاطفة لأنهما سيان فكلما استخدم الشاب عقله قلَّ عنفه والعكس صحيح وكلما كان عاطفياً زاد عنفه ورغم كل ذلك فإنه يمثل حالة شائعة ومنتشرة بين علاقات الشباب ومحفز لانخراطهم في مناشط منحرفة أو إجرامية. حيث يشعر الشاب بأهميته عندما ينخرط بالنشطة الاجتماعية أو التجارية أو السياسية اليومية التي تنبض بها الحياة لدرجة انه يشعر بأهميته عندما يمارس عنفه فيها إذ يعثر على صورته المؤكدة على ذاته وتثبيتها في أعين الأخرين ويلمس قوته التي يتمتع بها. وبعبارة أخرى ان السلوك العنفي يقدم خدمة ادراكية للشاب وهو في وسط اقرانه المتفاعل معهم وان بعضاً من أهدافه الشخصية لا يستطيع الوصول اليها أو تحقيقها إلا عن طريق ممارسته للعنف مثل التمرد أو المعارضة أو التركيز على أفكاره والتمسك بها عند تفاعله مع الأخرين. وإذا أردنا معرفة سلوك الشاب العنفي علينا ان نتتبع خلفياته وامتداد جذوره المرتبطة بها والتي تغذيه لكي ينمو ويترعرع. الجذر الرئيسي له هو القوة power التي تبدأ من القوة الجسدية وتمر بالتعبيرية وتسري في التأكيدية والاثباتية والعدوانية الى العنف. أي ان هذا الجذر الرئيس له فروع متفرعة منه تمتد بين التفاعلات والعلاقات والنسيج الاجتماعي الذي يعيش في وسطه الشاب. لتوضيح هذه الصورة التعبيرية نفصلها كالآتي: –

أ – الاقبال على القوة power to be نجد هذه الحالة عند الطفل الرضيع الذي يريد شيئاً ولم يستطيع ان يناله حيث يبدأ بتحريك يديه ورجليه بقوة معبراً عن حاجته له أو إذا كان منزعجاً من شيء فإن تعبيره عند ارتباطه لإثارة انتابه المحيطين به. وإذا لم يستجيب له من المحيطين به فإن قدرته على النطق تتأخر بالمقارنة مع الطفل الذي يستجيب له المحيطون به عندما يصرخ ويحرك يديه أو رجيليه بسرعة تعبيراً عن احتياجه لشيء معين هذه هي بداية النزعة العنيفة عند الإنسان.

ب – لإثبات الذات self-affirmation يعني هذا الجذر ان أي فرد سواء كان طفلاً او راشداً يكون راغباً في إبراز شيء يتباه به أمام الأخرين ويعتبر هذه الرغبة صورة في صورة قوته الاجتماعية أمام الأخرين لتعزز مكانته ودوره بينهم تبدأ هذه الحالة منذ طفولة الإنسان وتنتهي بانتهاء حياته. أي تستمر معه طول حياته، أنها في الواقع رغبة كامنة في لا شعوره لكيلا يكتسب التمييز واحياناً يكافح ويثابر ويجتهد حتى يلفت الانتباه ونظر المحيطين به ليعرفوا مؤهلاته أو مهاراته أو ثقافته أو لباقته كإحدى صور إظهار قوته أمامهم والأمر يزداد اصراراً إذا وجد صداً ومنعاً من أحد يعيق اثبات ذاته.

ت – تأكيد الذات self – assertion: يحصل هذا عندما يواجه الشاب شخصاً ما يقوم بالتعتيم عليه او بمعارضته أو بالتقليل من شأنه أو انه ضده فإنه يتصرف بتصرفات قد تكون غريبة وغير سوية من أجل جلب انتباه وانظار الأخرين له ليؤكد ذاته خلال هذا التصرف الغريب.

ث – العدوان aggression: يقع أو يحصل عندما يجد الشاب بإن تأكيده لذاته ممنوعة أو مكبوتة أو مقموعة أو مكبوحة لفترة طويلة من الوقت من قبل شخص أو مجموعة عندئذٍ يستخدم قوة مؤثرة أقوى بكثير من قوة تأكيد الذات والعدوان وقد يحصل على شكل الذهاب الى مكان أخر أو ان يمارس مع مواقع اجتماعية ثانية أي لا ينحصر العدوان في مكان الهدوان بل يذهب الى مجالات أخرى وقراره في إنزال العدوان أو العداء الذي منع أو كبت أو كبح تأكيد ذاته، انه سلوك قوي وعنيف.

ج – العنف violence: عندما يصل الشاب الى الباب المغلق في اثبات وتأكيد ذاته وان عدوانه لم يقدم له شيئاً فإن العنف يكون التصرف الأخير لممارسته مع ذلك الشخص الذي منع او قمع تعبيره عن ذاته والعنف غالباً ما يمارس على الجسد لإيذائه واحياناً لا يشعر الشاب العنيف يعمله إلا بعد ان يصحوا أو يعود الى وعيه عندئذٍ ما قام به من فعل عنيف مع ذلك الشخص الذي حجب عنه تأكيد ذاته. أي يشعر بما فعل انفعاله وغضبه من إيذاء عنيف بعد ان يصحو من شعوره العدواني ويهدأ نفسياً وذهنياً وجسدياً. هكذا يتبلور الفعل العدواني عند الشاب الذي يرجع بالدرجة الأساس الى عدم إثبات الذات والتعبير عنها، بمعنى ان الشخص القادر على اثبات ذاته فكرياً أو مهنياً أو علمياً أو رياضياً أو فنياً لا يكون عدوانياً لأنه أثبت ذاته وأكد عليها أمام العديد من الناس وبالذات امام اقرانه ومعارفه وزملائه. أما إذا لم يستطيع إثبات ذاته ويُمنع من ذلك أو يحارب أو يعارض ولا يسمح له بإثبات ذاته فإنه من باب تحصيل حاصل ان يتصرف تصرفاً عدوانياً.

ح – الانتحار suicide: انه أحد السلوكيات المتطرفة لإيذاء النفس. ترتفع نسبته كلما تقدم المجتمع في تحضره وتصنيعه وذلك بسبب تفرده وتقطع علائقه الاجتماعية وتفاقم الضغوط المادية والنفسية عليه وبالذات عندما تتعارض طموحات الشاب أو الشابة مع العوائق المادية أو التفكك الأسري أو تسييد المجهولية في العلاقات الاجتماعية. لدينا بعض الإحصاءات الدولية ترينا معدلات الانتحار في بعض البلدان الغربية فمثلاً في الولايات المتحدة الامريكية وكندا هناك حوالي 25 من أصل 10.000 شاب يافع اقترف الانتحار وفي الاتحاد السوفياتي (سابقاً) وروسيا المعدل فيها أعلى بكثير من كندا أو الولايات المتحدة حوالي 75 في 10.000 فرد. أما في البرازيل فإن المعدل فيها أقل وقد يرجع الى عدم التبليغ عنه مثلما هو موجود في كندا أو الولايات المتحدة وبسبب ايضاً التأويل الديني وتحريمه مازال قائماً، لكن عموماً فإن عدد الذكور أكثر من عدد الاناث من المنتحرين في كافة اقطار العالم. أما في الهند والصين فالعملية معكوسة لأنهما مستثنيان أي معدل الانتحار عندهما معكوساً. ولما كان حديثنا عن انتحار الشباب فإن نسبته أعلى عند العازبين منه عند المتزوجين، بمعنى ان نسبة المنتحرين من المتزوجين أقل كثيراً منها عند العزاب بسبب التزاماتهم الأسرية والأبوية. أما بين الفئة العمرية 65 فأكثر فإن معدل الانتحار عندهم غالباً إذ أنهم يميلون للانتحار عن طريق الاختيار الذاتي. شريحة عمرية ثانية تقترف الانتحار هي شريحة الشباب اليافع. ففي البرازيل هناك 30% من المنتحرين الذين تم الإبلاغ عنهم كانت أعمارهم تتراوح ما بين 15 – 24 عاماً. وفي الولايات المتحدة الامريكية كان الانتحار يمثل السبب الثالث لموت هذه الشريحة العمرية بعد القتل وحوادث السير. أما أسبا الانتحار عند الشباب فترجع الى عدة عوامل منها التحدي والكآبة المزمنة أو ضعف المشاعر والعواطف أو الحزن المستمر أو البلادة أو الانعزال الاجتماعي (التفرد) أو الإيذاء الجنسي والجسدي أو الاغتصاب الجنسي أو الانحدار من أسر مدمنة على استخدام المخدرات والكحول أو الانحدار من أسر تسودها علاقات أسرية باردة أو متقطعة أو من أسر فيها أحد أفرادها أقدم على الانتحار.

جدير بذكره في هذا السياق الى ان هؤلاء المنتحرين يستخدمون المخدرات والمشروبات الكحولية ويمارسون العلاقات الجنسية الشاذة ومعادون للمجتمع الذين يعيشون فيه. أي عاصون وعاقون لذلك لا نستغرب من الصبية المسجونين في الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة البريطانية أن تزيد فيها ميولهم. جدير بذكر ملاحظة (كاسورلا) 1987 حول الكتابة عن الصبية التي أرجعتها العدوانية والشجار ومعاداة المجتمع والطبع الحاد والهيجان السريع والتهجم التي تمثل جوهر الانتحار وإيذاء النفس ماهي سوى أشكال أخرى من أشكال العداء المتجه نحو الذات الداخلية وليس نحو الاخرين خارج الذات. فالكآبة مثلاً تميل لتكون عالية عند الصبية أكثر من الأطفال الذين لم يصلوا الى مرحلة سن البلوغ. معنى ذلك الذي يوجهه الصبي أو الحدث نحو نفسه بدلاً من أن يوجهها نحو الاخرين وهذا بحد ذاته انحراف إنما انحراف ذاتي واجتماعي معاً لأنه خرج عن المألوف والمعتاد عند الأفراد الذين لا يميلوا لإيذاء أنفسهم من جعلها مكتئبة أو منفعلة باستمرار أو حزينة باستمرار هذه سلوكيات ذاتية منحرفة عن مقومات الذات السوية التي لا تمارس سلوكيات كئيبة أو حزينة بشكل دائم. ولا غرابة من الإشارة الى ان موعد سن البلوغ يمثل عاملاً أخر من الاقدام على الانتحار بين الاحداث. في الواقع ان توقيت موعد سن البلوغ سواء كان مبكراً قبل سن 12 أو خلال منتصف مرحلة المراهقة أو في أواخرها فإن ذلك يرجع الى الخلل الحاصل في الجهاز العصبي. (ليفر نموهن وزملائه) عام 1997 قالوا ان موعد النضج مرتبط بالعداء والادمان وخلل السلوك الرصين والقلق وعدم انتظام أكل الطعام ومحاولة الانتحار. وفي دراسة مكثفة قامت بدراسة 2.000 من صبايا الولايات المتحدة الامريكية ممن وصلنَّ الى سن النضج الجنسي بشكل مباشر ظهر عندهنَّ معدلات مرتفعة من الكآبة واضطراب السلوك واحتقار الذات وطموح ذاتي قليل ومتواضع وقليل من الدعم الأسري (من أسرهم) أقدموا على محاولات متعددة ومتكررة للانتحار أكثر من باقي الصبايا ممن تأخرن في سن نضجهنَّ الجنسي. فضلاً عما تقدم فإن لكل حالة انتحار ناجحة هناك على الأقل من 8 الى 10 محاولات للانتحار. أما حالات الانتحار بين الشباب فالعدد أكثر من ذلك وقد دلت عدة بحوث على أن ما بين 15 و20 محاولة انتحار وقعت بين شباب معظمهم منحدرين من الطبقة الدنيا (اجتماعياً واقتصادياً) ومن أسر فقيرة ومهملة في تنشئتها لأبنائها في مرحلة طفولتهم. وقد أُسيئت معاملتهم جسدياً وجنسياً ولديهم متاعب ومشاكل مدرسية يصعب على الاخرين التعامل معهم كأصدقاء أو زملاء. أما شعور المنتحرين من الشباب تجاه أنفسهم فإنهم يشعرون بإنهم مختلفين عن الأخرين ويعتبرون أنفسهم ضعفاء وليس لديهم ثقة بأنفسهم وأنهم غير محبوبين من قبل الاخرين لأنهم غير جذابين فضلاً عن ادراكهم بإنهم غير قادرين على تحقيق توقعات والديهم ومدرسيهم وأصدقائهم وحتى أنفسهم منهم. ويعتقدوا ان الاخرين يئسوا فهمهم وان احكامهم (احكام الاخرين) عليهم جائرة وقاسية ويعاقبون على كل خطأ يقعون فيه وأنهم مستهدفون للانتقاد وبالذات الانتقاد اللاذع والجارح ولا يوجد أحد لمساعدتهم والجميع خذلهم لذا فهم متشائمين تجاه أنفسهم وتجاه الاخرين وان الاخرين يرفضونهم ولا يعتمدون عليهم. وإزاء هذه المشاعر والتصورات والاعتقادات المتشائمة والسوداوية طرقوا طريقاً لمقاومتها وهو الاقدام على الانتحار أي توجيه رفضهم لهم عن طريق العداء لذواتهم الداخلية كرد فعل سلبي لما يشعرون نحو الاخرين ليتخلصوا من هذه المعاناة الوهمية. أقول ان إقدامهم على الانتحار يعني معاداتهم للمجتمع المحيط بهم من خلال عدائهم لأنفسهم والتخلص من مجتمعهم وهذا انحراف عن معايير المجتمع وقيمه. وفي هذا الخصوص قدم (ديترا) عام 2002 مقترحات بناءة للاستدلال على معرفة المنتحر أو المقدم على اقتراف الانتحار وهي: –

أ – إذا لاحظت شاباً يبحث عن الاهتمام به وبأفكاره وسلوكه امنحه هذا الاهتمام ولا تهمله.

ب – إذا تناقش معك شاب عن موضوع الانتحار أو إيذاء النفس فخذ هذا النقاش على محمل الجد وحاول منعه.

ت – إذا اشتكى شاب لك عن مشاكله العاطفية المؤثرة على سلوكه وتفكيره فإن ذلك يعني ان لديه متاعب صعبة.

ث – إذا بدأ شاب يبحث عن الاهتمام بنفسه فجأةً ويكثر من الاهتمام بصحته فإن هذا البحث يعد علامة على الاكتئاب والتفكير بالانتحار.

ج – الإدمان على المخدرات والمسكرات وباقي اشكال إيذاء النفس أحد الطرق المؤدية الى الانتحار.

ح – إذا بالغ الشاب بالحديث عن أحداث بسيطة وليس لها سبب جوهري فإن ذلك مؤشر على الاقدام على الانتحار.

خ – إذا كان مشوشاً ومضطرباً جنسياً محاولاً الهروب من مشاكله بدلاً من حلّها بشكل سليم فإن هذا مؤشر على الاقدام على الانتحار.

د – عندما يُعبّر الشاب بكثرة عن كآبته ويأسه وذنبه فإن ذلك يعد بإن لديه متاعب ومشاكل حادة تقوده نحو الاقدام على الانتحار. McCarthy. 2006. P. 76]]

تعليق

لا توجد شريحة اجتماعية في المجتمع إلا ولديها مشاكل اجتماعية تعاني منها. فالأطفال والمراهقين والشباب والاناث والشيوخ جميعهم لديهم مشاكل لا تجعل حياتهم ومعيشتهم سعيدة ومتنامية بشكل سلس وعادةً ما تكون هناك مؤثرات سلبية عليهم مثل محيطهم العائلي أو علاقاتهم الصداقية أو ظروفهم المادية أو الصحية أو عدم تكيفهم لتغيير المجتمع أو مواجهة مشاكل عدم تخليهم عن مرحلتهم العمرية مما يعيق تكيفهم وتبنيهم لمرحلة عمرية جديدة، فالشباب مثلاً يتعرضوا لمشاكل متعددة المتغيرات لأنهم يملكوا طاقة جسدية حيوية ويريدوا توظيفها لأرقاء معيشتهم وتحقيق مكانتهم في المجتمع لكنهم يجدوا عوائق عصية عليهم لا يستطيعوا تجاوزها فيضطروا الى الهروب منها بالذهاب الى مجتمعات وبيئات أخرى عن طريق الهجرة أو الانتحار أو إيذاء النفس (عنفاً أو ادماناً) يعني ينحرفوا عن ضوابط مجتمعهم وهذا بدوره يؤثر سلباً على مجتمعهم مما يجعلهم اختراق القوانين الوضعية ويعتدي على المال العام أو المصلحة العامة أو حقوق الأخرين.

وهنا يخسر المجتمع العنصر القوي والقادر على البناء بذات الوقت يتجمد دور هذا العنصر في عدم تحقيق مكانته الاجتماعية مما يؤثر ذلك على عدم الاستفادة من طاقته ومهارته. ولما كانت جميع مشاكل الشباب مكتسبة وليست موروثة أي يتعلمها من بيئته ومحيطه وعندما يخرج منها يعني انه خرج من مشاكله أو عندما نُعالج بيئته تتعالج مشاكله. وهنا يواجهني سؤال مفاده هل المجتمع يبلور مشاكل الشباب؟ أم الشباب يخلقوا مشاكل لهم؟ الجواب على ذلك ان المجتمع يخلق مشاكل للشباب وذلك بسبب عدم جعل ضوابطه الاجتماعية مرنة وعدم الاستفادة من طاقاته الشبابية المتاحة في بناء شخصيته ومجتمعه. لماذا لا يجعله مكتسباً لمهارات نافعة بدلاً من اكتسابه سلوكيات منحرفة؟ أو ترك مجتمعه جغرافياً وحياتياً؟ في نظري ان المجتمع أكثر أنانيةً من الفرد في هذا الضرب لأنه لا يريد أن يستوعب العناصر الشابة في انماءه وانماء طاقات عناصره ويشبع حاجات نسقه الاقتصادي والسياسي أكثر من الاجتماعي، ولماذا لا يمنحه الأهمية بوجوده واثبات ذاته والتأكيد عليها ليمتص طاقته المتأججة وعدم جعلها ذاهبة الى مهاوي العنف والإيذاء أو الاقصاء. مغزى قولي هنا ان المجتمع هو الذي يخلق المشاكل الاجتماعية للشباب وهو الذي يتحملها عندما ترتفع معدلات الانحرافات عن ضوابطه الاجتماعية والعلاج هنا يقع على عاتق المجتمع في عدم اهمال الشباب بل الأخذ بأيديهم والاستفادة منهم في البناء لكيلا يقعوا في مزالق الخراب والتخريب. مما لا شك فيه ان امراض الشباب النفسية مثل الكآبة وضعف المشاعر والانعزال والاغتصاب والادمان والانتحار هي من صنع المجتمع نفسه وليس من صناعة الشباب لأنه (المجتمع) لم يمنح شبابه فرصاً ومناشطاً تتناسب مع مرحلته العمرية وتحولاتها الطاقية بنفس الاهتمام لضوابطه العرفية. هذه انانية من جانب المجتمع لأنه هو الذي نشأ الشباب على أنماط عيشه واكسبه ضوابطه ولغته وقيمه فلماذا لا يستمر في اهتمامه له (للشباب) في إنعاش ورعرعة طموحاته وتطلعاته لخدمته وخدمة مجتمعه المحلي؟ لماذا يتنبه المجتمع الى الشباب بعد وقوعه بهذه المشاكل (الهجرة والانتحار والعنف والبطالة والادمان) لماذا يخسر المجتمع شبابه؟ هل لأن أصحاب القرارات العامة من الشريحة المتقدمة بالسن؟ أو من أصحاب المصالح الفئوية؟ لماذا لا يترك الشباب لقيادة نفسه بنفسه؟ ولماذا لا يجدد المجتمع حيويته من خلال إنعاش طاقات شبابه؟ إذن المجتمع هو الذي يتحمل متاعب مشاكله التي بلورها الشباب وليس الشباب وحدهم يدفعوا ثمن أخطاء قادة مجتمعهم. لقد اقتصر هذا الفصل على خمسة مشاكل رئيسية يعاني منها الشباب، لكن هناك مشاكل أخرى إنما أقل جسامة من التي ذكرتها انفاً مثل حبل المراهقة والانحرافات الجنسية والإرهاب والتحرش الجنسي وسواها.

الفصل السادس

طموح الشباب

 

أ – الشباب بين الطموح والجروح

ب – طموح الشباب وتجاربهم

ت – الشباب العربي بين مطرقة الواقع وسندان الطموح

ث – طموح الشباب بين الأمل والألم

ج – كلام عن الامل والطموح

الفصل السادس

طموح الشباب

 

استهلال

يعني الطموح هدف مراد تحقيقه وفق سقف زمني معين محكوم من قبل الواقع، وهو إجابات اليوم عن أسئلة الغد، بمعنى ان يعيش الطامح بضع سنوات من حياته بشكل يستهزئ به أغلب الناس لكي يعيش بقية حياته بشكل لا يستطيعه أكثر الناس (جورج برنادشو) والطموح هو منبع كل الصفات النبيلة (أوسكار وايلد) لكن هو ليس ما تفعله ولكن ما تريد ان تفعله (روبرت راونينغ) انه نقيض اليأس. أما شروطه فهي: الصبر، المثابرة، إعادة المحاولة مرة أخرى والتضحية. أما العبارات التي وصفت الطموح فهي:

  • الطموح مطلوب طالما لا تتسلق فيه على آلام الناس.
  • نعمل بالممكن ولا ننسى الطموح.
  • النتائج الكبيرة تحتاج لطموحات كبيرة.
  • الجيد ليس كافياً اذا كان الافضل ممكناً.
  • اعلم أن الانسان الطموح لا يشيخ.
  • لكي تكون هاماً، كن مهتماً.
  • القناعة لا تُعارض الطموح، القناعة هي حدود الممكن للطموح.
  • إذا فعلنا كل شيء يمكن أن نقوم به، سوف نفاجئ.
  • نجاحك وسعادتك تكمن فيك.
  • اعتقدت دائما كانت هناك الأرقام القياسية وجدت ليتم تحطيمها.
  • الطموح مرض لا دواء له إلا حفنة من التراب.
  • الطموح والثأر جوعها لا يسد.
  • البخيل أعور، والطموح أعمى.
  • الطموح رذيلة تصاهر الفضيلة.
  • أكبر المحيطات في العالم يتكون من قطرات صغيرة من الماء.
  • لقد بنيت بيتي على لا شيء لذلك فإن العالم بأكمله هو ملكي.
  • انما القصد من الوجود.. الطموح إلى ما وراء الوجود.
  • مهما كان القادم مجهولاً افتح عينيك للأحلام والطموح فَغداً يوم جديد وغداً أنت شخص جديد.
  • اجعل اهتمامك بالفرصة التي تنتزعها، وليس في الفرصة التي تمنح لك.
  • ابدا صغيرا فكر كبيرا لا تقلق على أشياء كثيرة في نفس الوقت أبد بالأشياء البسيطة أولا ثم تقدم إلى الأشياء الأكثر تعقيدا.
  • الغرب رمز الطموح، والشرق رمز القناعة.
  • الحقيقة طموح ليس في متناولنا تحقيقه.
  • بمقدور نفس الطموح أن يدمر أو ينقذ، وأن يصنع من أحد بطلا ومن آخر وغداً.
  • أصحاب العقول العظيمة لديهم أهداف وغايات، أما الآخرون فيكتفون بالأحلام. القناعة لا تُعارض الطموح، القناعة هي حدود الممكن للطموح.
  • اكتَشفْ هؤلاء العابرين.. حتماً سيكون فيهم مَن روحه شقيقة روحك، تتعارف فتتآلف، ولو لم تكن قادرة على التفسير، فتتدافع لقطع المفازة بفرح واغتباط، ولا تسمح لخطوات الحزن والإحباط أن تئد الطموح، أو توقف العطاء.
  • يقول (عبد الوهاب عزام): الفكر لا يحد، واللسان لا يصمت، والجوارح لا تسكن، فإن لم تشغلها بالعظائم، اشتغلت بالصغائر، وإن لم تعملها في الخير عملت في الشر، فعلمها التحليق تكره الإسفاف، وعرفها العز تنفر من الذل.
  • تكون الحياة سعيدة عندما تبدأ بالحب وتنتهي بالطموح. إن لم تخاطر بشيء فلن تملك شيئاً.
  • الطموح لا يشيخ.
  • إذا لم تعش بين الرجال معززا فمت في عراك الدهر موتاً محبباً.
  • لولا الدموعُ ويفيضهنَّ لأحرقَتْ.. أرضَ الوداعِ حرارةُ الأكبادِ.
  • بلد تتفنن في قتل طموح ابنائها بلد لا تستحق الاحترام.
  • حياة الرجل الطموح وحياة المرأة الرجل.
  • الشخص غير الهادف لا يعرف كيف يغوص في أعماق روحه ويتكلم مع نفسه عن سبب وجوده وما يريد أن يفعله بنعمة الحياة.
  • كن دائماً الاصدار الاول من نفسك، ولا تكن الاصدار الثاني من احد آخر.
  • لتكن فاتحا للأبواب لمن يأتون بعدك.
  • اجعل عينيك على النجوم، واجعل قدميك على الارض.
  • عش حياتك كل يوم كما لو كنت ستصعد جبلاً.. وأنظر بين الفينة والاخرى إلى القمة حتى لا تنس هدفك، ولكن دون إضاعة الفرصة لرؤية المناظر الرائعة في كل مرحلة.
  • الحياه مليئة بالحجارة فلا تتعثر بها، بل اجمعها وابن بها سلماً تصعد به نحو النجاح.
  • الأهم من أن تتقدم بسرعة هو أن تتقدم في الاتجاه الصحيح. الطموح كالحب، لا يطيق الصبر أو المنافسة.
  • يجب لكي تنجح أن تكون رغبتك في النجاح أكبر من خوفك من الفشل.
  • لا تذهب حيث يسير بك الدرب بل اذهب حيث لا يوجد درب واترك أثراً خلفك.
  • تعلّم أين تجد المعلومات المفيدة وكيف تستخدمها، فهذا سر النجاح.
  • هناك طريقتان ليكون عندك أعلى مبنى.. إما أن تدمر كل المباني من حولك، أو أن تبني اعلى من غيرك.. فاختر دائماً أن تبني اعلى من غيرك.
  • عليك أن تفعل الاشياء التي تعتقد أنه ليس باستطاعتك أن تفعلها.
  • إذا لم تحاول أن تفعل شيئا أبعد مما قد أتقنته.. فأنك لا تتقدم أبدا.
  • انطلق باتجاه القمر، وحتى أن فشلت فانك ستستقر بين النجوم.
  • إن الانتماء شرط أساسي لتحقيق الشعور بالذات والتفوق الشخصي.
  • مهما كنت.. كن جيداً. لا تقل عن شيء أنه مستحيل لعجزك أنت عنه.
  • إذا كنت تنشد العظمة، فأنشد الحق، تظفر بالاثنين معاً.
  • الطموح.. هو إجابات اليوم عن اسئلة الغد.
  • الطموح.. عقار يجعل مدمنيه قابلين للجنون.
  • إن قتل الطموح الساذج عند الصغار هو تدمير لمستقبلهم ولعلهم صغار قوم كبار آخرين.
  • بين الطموح والطمع خيط واه لا يكاد يبين.
  • تخففوا من غلواء الطموح الدنيوي وارضوا من الدنيا بما تجود به، أما الشوق للحقيقة فلا ترسموا له حداً.
  • لكن يا صغيرتي بين الرغبة والطموح عالم يضج بالتناقضات والأشياء التي تتعب الدماغ.
  • الغرور والطموح صنعا الثورة، أما الحرية فكانت التبرير.
  • الرجل الحقيقي هو الذي يستوعب طموح وأحلام وتطلعات المرأة إلى العطاء في ميدان العمل.
  • سر الرضا: الالتفات للموجود وغض الطرف عن المفقود.. وسر الطموح: البحث عن المفقود مع حمد الله على الموجود.
  • الزمن هو الناقد الوحيد الذي ليس لديه طموح.
  • الطموح هو الذى يقض مضجعك لتعمل وتفكر وتكدح ويطرد من جفنيك النوم والرضا هو تلك النسائم الجميلة التي تهب على قلبك لتخبره أن هنيئاً لك ما أنت فيه.. مهما كان.
  • إن الزعم بأن طموحات الإنسان، وأحلامه، هي أكبر من قدراته، إنما هو وهم.. فغالباً ما يكون الطموح أعظم من جرأة صاحبه، وأكبر من إرادة الفعل لديه.
  • إذا غمرت في شرفٍ مروم.. فلا تقنع بما دون النجوم فطعم الموت في أمر حقيرٍ.. كطعم الموت في أمرٍ عظيم.
  • ذريني أنل ما لا ينال من العلا.. فصعب العلا في الصعب والسهل في السهل.
  • لا تقعدنّ مع العيالِ ولا تكنْ.. كَلاً وسُدُ كلاً وجدَّ مُشَمَّرا وُجب الفيافي واشتهرْ تنلِ المنى.. لا يقطعُ الهنديُّ حتى يشهرا.
  • إِذا لم تستطعْ شيئاً فَدعْهُ.. وجاوِزْهُ إِلى ما تستطيع.
  • ليس الطموحُ إِلى المجهولِ من سَفَهٍ.. ولا السُّمُوُّ إِلى حقٍ بمكروهِ فالعيشُ حبٌ لما استعصَتْ مسالكهُ.. تجاربُ المرءِ تدميهِ وتعليهِ.
  • وإذا كــانــت الــنفــوس كـبــارا.. تعـــبت في مرادهــا الأجـسام.
  • علي ثياب لو يباع جميعها.. بفلس لكــان الفلس منهن أكثرا وفيهن نفس لو تقاس ببعضها.. نفوس الورى كانت أجل وأكبرا وماضر السيف إغلاق غمده.. إذا كان عضبا أين ما وجهته فرى.
    [https://mawdoo3.com]

اما الفرق بينه وبين الحلم فإن الأخير يعني الخيال المراد وجوده لأن الطموح هو البدء في الوصول الى الهدف سواء نجح الفرد أو فشل لأنه واقع بينما الحلم خيال وتصور مستحيل الوصول اليه لكن مجرد التفكير فيه يجعل الحالم سعيد بينما الطامح يريد ان يحقق هدفه والحلم يحققه الطموح وليس الطموح يحققه الحلم.

أدلف الان الى توضيح ما هو الطموح بشكل مفصل وما هي انواعه وخصائصه.

يُعرّف الطموح: في اللغة بأنّه الارتفاع حيث يُقال طَمُحَ بصر الشخص أي بمعنى ارتفع إلى أعلى، وكل ما هو مرتفع فهو طامح، وفي المعنى الاصطلاحي للطموح فهناك العديد من التعريفات لهذا المصطلح، حيث يُعرف الطموح بأنه عبارة عن ذلك الهدف الذي يريد شخص معين القيام بتحقيقه في خلال حياته وعلى جميع الأصعدة، كما يمكن تعريف الطموح بأنه ذلك المستوى الذي يريد المرء أن يقوم بالوصول إليه في حياته، حيث يقوم من خلاله بإنجاز أعماله اليومية وتحقيق أهدافه الاستراتيجية، ولا بد من الإشارة إلى أنّ الطموح يختلف بين الأفراد وذلك من حيث الأهداف التي يسعى الفرد لتحقيقها وكذلك من حيث الضغوطات والصعوبات التي قد يجابهها المرء للوصول إلى أهدافه.

أنواع الطموح: يمكن تقسيم الطموح إلى أنواع متعددة بناء على الفرد أو المجتمع الذي يسعى إلى تحقيقه، ومن أنواع الطموح ما يلي:

– الطموح الاجتماعي هو ذلك النوع الذي يتعلق بطموحات الجماعات والشعوب، فالشعوب المتقدمة تختلف في طموحاتها عن الشعوب الفقيرة، كما أنّ الطموح الاجتماعي قد يشير إلى طموح فئة معينة أو جيل معين من النّاس داخل المجتمع الواحد.

– الطموح الفردي هو الطموح الذي يتعلق لشخص معين فقط، ويختلف الطموح الفردي لدى الناس تبعاً لاختلاف أعمارهم، أو حتى مجالات حياتهم المختلفة، فبعض الناس لديه طموح اقتصادي وبعضهم الآخر لديه طموح سياسي أو حتى مهني، أو رياضي أو نفسي أو غيرها من الأمور الكثيرة التي يطمح الناس إليه ويسعون لتحقيقها.

خصائص الشخص الطموح: يوجد العديد من الخصائص التي تميز الشخص الطموح عن غيره من الناس، وفيما يلي بعض من خصائص هذا الشخص:

– يتحدى المصاعب من أجل الوصول إلى المستوى الذي يطمح به، فهو لا يقبل بالواقع ويرى دوماً أن هناك ما يمكن أن يصل إليه، ولا يضع كلمة الحظ أو الظروف تؤثر على طبيعة حياته.

– ينظر بعين التفاؤل إلى الحياة، فهو يؤمن بالكفاح والاعتماد على النّفس وتحمّل المسؤوليات. https://mawdoo3.com]]

أما طموح الشباب الجديد فإنه لكونهم من جيل الالفية والثورة الالكترونية ليس لديه نفوذ سياسي ولا مالي ولا يشغل مكانة اجتماعية حيوية في مجتمع تتنافس فيه المكانات العليا من أجل ادارته وقيادته نجده يحاول تحقيق مكانته من خلال ممارسة دوره في المجتمع الكبير من خلال الآلية التقانية الجديدة لإثبات جدارته وخدمة مجتمعه بما هو جديد لا سيما وإن التطورات العلمية تحتاج الى كفاءات فنية نيرة ترفض الروتين المؤسسي لأن التغيير يتطلب السير قدماً لأن جيل الالفية يملك الطاقة اللازمة للتغيير. لذلك يجب الاعتراف بقدراته الحديثة وتفوقه فيها طالما يرسم طريقه للوصول الى مبتغاه وعدم تركه للصدفة في اختيار مستقبله. بمعنى انه يعرف دوره الجديد في خدمة المجتمع وقادر على تحمل مسؤوليته من أجل تفجير طاقاته العلمية ويتجاوز الصعوبات التي تعيق طريقه. إلا ان هذه الكفاءة الشابة ولدّت فجوة بينهم وبين الجيل الذي سبقه مما تجعل عندهما مشكلة مهنية وعلمية لذا على المجتمع ان يردم هذه الفجوة وعدم التفريط بهما جعلهما يتفاعلان من أجل تنمية المجتمع.

أ – الشباب بين الطموح والجروح

تعتبر مشكلة الشباب في العالم العربي من إحدى القضايا الهامة والأساسية باعتبار الشباب يشكلون الطاقة البشرية والحيوية القادرة على القيام بالعمليات النهضوية والتنموية بالانطلاق من التعليم والتربية والثقافة والإعلام والقيم الدينية والاجتماعية بمشكلات الشباب: تقدر نسبة الشباب في العالم العربي بحدود 20% من مجل سكان العالم العربي (أي قرابة 50 مليون شاب وشابة)، إن هذا العدد الكبير يتطلب منا دراسة أوضاعه والوقوف عند همومه وطموحاته باعتبار الشباب هم الرصيد الاستراتيجي وهم الثروة الحقيقية لذلك فالحديث عنهم حديث عن المستقبل والتحديات المقبلة ، إن مشكلة الشباب تنبع بالأساس من خلل في سياسات التنمية والإعلام والتشغيل والتربية والتعليم والتنشئة الاجتماعية والسياسية ، الأمر الذي يفرض ضرورة مشاركة عدد كبير من العلماء والباحثين والكتاب والمفكرين وعلماء النفس والاجتماع على التربية والتعليم في وضع استراتيجية مستقبلية تتبنى جيل الشباب وتساعده على تجاوز الصعوبات والمعوقات التي تعترض سبيله وتساهم في ذلك الحكومات العربية ، ومختلف مؤسساتها الشعبية والرسمية والنقابية والأسر .
هموم الشباب: إن واقع الشباب في العالم العربي يعاني من جملة أزمات ، فقد أدت المتغيرات الاجتماعية في العصر الحديث إلى خلل في الأسرة العربية والإسلامية ، بعد أن غزت الثقافات الوافدة من خارج الإسلام إلى أبناء الإسلام فأدت إلى بعض التصدعات داخل الأسرة ، الأمر الذي غير من شكل العلاقات الأسرية والاجتماعية حيث اهتزت بعض القيم والمبادئ لدى الشباب وظهرت هموم ومشكلات نبرز من أهمها ما يلي:

الفراغ التربوي :أصبحت العلاقات بين الأسرة الواحدة مثل العلاقات بين ساكن فندق وعليه يتحدد المستوى الاجتماعي رقياً وضعفاً، مشيراً إلى أن العلاقة بين الأسر وأعضائها أصبحت علاقة جوار وقتي عند النوم، وأحياناً عند الطعام ، فمثلاً توجد علاقة تربط الأبناء بالآباء والأزواج بالزوجات كما رسمها الدين الإسلامي،  فقد نقلنا عن الغرب كل ما يهدد الأسرة المسلمة ، والشباب هم أكثر فئات المجتمع العربي تأثيراً بالفراغ التربوي مما انعكس على بناهم النفسية والعقلية وتوجيهاتهم الثقافية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية والقومية، ولعل من مظاهر الفراغ التربوي لدى الشباب .

أزمة التعليم مظاهرة الأمية الحضارية :ويقدر عدد الطلاب في العالم العربي لكافة المراحل بأكثر من 60 مليون طالب عام 1990م ، وقد يتجاوز العدد 75 مليون، إن هذا العدد الضخم سلاح ذو حدين فإن استطعنا أن نحقق تعليماً فعالاً ينسجم مع حاجات المجتمع ويلبي طموحات خطط التنمية، ويواكب التغيرات والتطورات العالمية ، فإن كل ذلك سيحدث ثورة اجتماعية واقتصادية في غضون سنوات محددة ، بشرط أن لا يبقى حال التعليم في العالم العربي على وضعه الراهن، فالعالم العربي يعيش تراجعاً مستمراً في دخله القومي، ويتوقع له مزيداً من التراجع بسبب عوامل عديدة داخلية وخارجية، اذ أن خريجي التعليم على مختلف مستوياتهم سيشكلون مزيداً من العبء على المجتمع بكامله ، وبدلاً من أن يقودوه إلى الأمام فإنهم سيكونون قوة كابحة لتقدمه وتطوره وبخاصة فإن عدد خريجي الجامعات يزداد بصورة كبيرة ويبلغ عدد الجامعات 93 جامعة عدد طلابها أكثر من ربع مليون طالب، والسؤال أي المشاريع العربية القادرة على استيعاب هؤلاء وغيرهم من خريجي الثانويات والمدارس والمعاهد المتوسطة، إن أهم ما يعيق التعليم هو ضعف الإنفاق عليه في العالم العربي، حيث لا يتجاوز 30 مليار دولار سنوياً، لذلك لابد من إعادة ترتيب الأولويات في الإنفاق ووضع العملية التعليمية في المراتب الأولى حتى يصبح للتعليم دلالته القيمية إذا أصبح هو هدف الشباب في ظل الفراغ التربوي ، هو الحصول على الشهادة، وبالتالي وبذلك أصبح الأسلوب السائد هو أسلوب الحفظ والتلقين ، وتغيب النقاش والحوار، ومن هنا ظهرت أمية الحضارة إن لم يكن التخلف الحضاري.

البطالة: يرتبط مفهوم البطالة بوصف حالة المتعطلين عن العمل وهم قادرون عليه ويبحثون عنه، إلا أنهم لا يجدونه، ويعتبر مفهوم البطالة من المفاهيم التي أخذت أهمية كبرى في المجتمعات المعاصرة من البحث والتحليل، لذا استحوذ موضوع البطالة بشكل رئيسي على عناية أصحاب القرارات السياسية ، وكذلك على اهتمام الباحثين الاجتماعيين أو الاقتصاديين، بوصفه موضوعاً يفرض نفسيه بشكل دائم وملح على الساحة الدولية، لهذا لا تكاد تصدر دورة علمية متخصصة ذات علاقة بعلم الاقتصاد والاجتماع والجريمة إلا وتتعرض لموضوع البطالة .
حجم البطالة ونسبتها :يتحدد حجم البطالة من خلال احتساب الفارق بين حجم مجموع قوة العمل السعودية مثلاً وحجم مجموع المشتغلين السعوديين، أما نسبة البطالة فتحسب بقسمة حجم البطالة على إجمالي قوة العمل من السعوديين مضروباً في مئة ، وذلك وفقاً للمعادلة التالية :نسبة البطالة = (حجم البطالة /إجمالي قوة العمل) × 100. إن نسبة القوى العاملة في العالم العربي هي من النسب المتواضعة مقارنة مع الدول المتقدمة التي تتراوح فيها نسبة القوى العاملة 50% من مجمل السكان ، بينما في العالم العربي لا تتجاوز 26.5% من مجمل السكان .
أثر البطالة على الشباب والمجتمع:

الجانب النفسي: تؤدي حالة البطالة عند الشباب إلى التعرض لكثير من مظاهر عدم التوافق النفسي والاجتماعي، إضافة إلى أن كثيراً من العاطلين عن العمل يتصفون بحالات من الاضطرابات النفسية والشخصية، فمثلاً يتسم كثير من العاطلين بعدم السعادة وعدم الرضا والشعور بالعجز وعدم الكفاءة، مما يؤدي إلى اعتلال في الصحة النفسية لديهم، كما أنهم يتعرضون للضغوط النفسية أكثر من غيرهم بسبب معاناتهم من الضائقة المالية التي تنتج عن البطالة.

 الجانب الأمني: تشير الدراسات أن هناك علاقة بين البطالة والجريمة ، فكلما زادت نسبة البطالة ارتفعت نسبة الجريمة، ومن أهم ما ورد في تلك الدراسات :

أ – تعد جريمة السرقة من أبرز الجرائم المرتبطة بالبطالة ، حيث تبلغ نسبة العاطلين المحكوم عليهم بسبب السرقة 27% من باقي السجناء المحكوم عليهم لنفس السبب في المملكة العربية السعودية .

ب – كلما ازدادت نسبة البطالة ، ازدادت جرائم [القتل – الاغتصاب – السطو – الإيذاء] حيث أكدت دراسة أمريكية أن ارتفاع البطالة بنسبة 1% يؤدي إلى ارتفاع نسبة جرائم القتل بـ 6.7% ، وجرائم العنف بنسبة 3.4%

الجانب الاقتصادي: الإنسان هو المورد الاقتصادي الأول ، وبالتالي فإن أي تقدم اقتصادي يعتمد أو ما يعتمد على الإنسان بإعداده علمياً حتى يتحقق دوره في الإسهام في نهضة المجتمع ، وتضعف البطالة من قيمة الفرد كمورد اقتصادي وتعمل على إهداء الطاقات البشرية.

البطالة المقنعة: إن أبشع أنواع البطالة وأكثرها حدة في الدولة المتخلفة ، وتعرف بأنها مقدار قوة العمل التي لا تعمل بشكل فعلي في النشاط المنتج ، ويمكن أن نرى ضمن إطار البطالة المقنعة ثلاث نماذج مختلفة وهي:

  • شباب دخلوا مجالات عملهم غير راغبين بها ، بل مجبرين وذلك بسبب ضيق مساحة الاختيار أمامهم ، خصوصاً في ظل سياسة معدلات القبول الجامعي من جهة ، والنظرة الاجتماعية المغالطة لبعض الاختصاصات من جهة ثانية ، ومثال على ذلك المعلمون.
  • شباب أجبروا على القيام بأعمال ليست من اختصاصهم لعدم وجود حاجة لاختصاصاتهم ، مثل خريجي التربية وهم يمارسون أعمال مالية أو حسابية.
  • شباب دخلوا ميدان أعمال تتوافق مع اختصاصاتهم ، لكنهم لا يقومون بأعمالهم على أكمل وجه والسبب هو الفراغ التربوي الذي يعيش في ظله الشباب ، وهو أخطر الأنواع وأكثرها انتشاراً في القطاعات الإنتاجية العامة في العالم العربي .فإذا كانت البطالة المقنعة هي السبب الرئيسي في تدني الإنتاجية ، فهي أيضاً تستنزف قسماً كبيراً من الموارد المالية دون أن تنتج حيث تحول العمل ليس كمقابل للأجر المقبوض لكنها وسيلة سهلة له ، مما يساعد بشكل خطير على تراكم الموظفين العاملين والمقنعين لدى الدوائر العامة والحكومية.

الإدمان ADDICTOR: قال تعالى : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{90} إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ{91}] (المائدة : 90-91). الإدمان مشكلة نفسية ، وعملية توافقية غير موفقة لشخص مضطرب،  والإدمان آفة اجتماعية ومشكلة قانونية خطيرة ولها آثار سيئة متعددة على الفرد والأسرة والمجتمع لأن المدمن قد يلجأ إلى أي وسيلة للحصول على مادة التعاطي، من الكذب إلى السرقة إلى التزوير، وغير ذلك مما يؤثر تأثيراً سيئاً واضحاً على عمله وعلى حياته الزوجية والاجتماعية، ومن المؤسف أن أكثر الفئات العمرية تعاطي للمخدرات هم الشباب وهم الطاقة البشيرة، وهم الثروة الحقيقية داخل أي مجتمع ، ويحدث الإدمان نظراً لأفكار ومعتقدات خاطئة.

أفكار ومعتقدات شائعة حول الإدمان :تلعب الأفكار والمعتقدات دوراً مهماً في سلوك المدمن وفيما يلي عدد من الأفكار والمعتقدات لدى الشباب العربي حول الدور الذي تلعبه مواد التعاطي ، وما يرتبط بها من أوهام السعادة أو الشعور باللذة والنشوة ، كما يشاع وسط المتعاطين والمدمنين أنها :

– تنسي الإنسان هموم الدنيا.

  • تنقل الإنسان من الكآبة إلى السعادة .تنقل تفكير الشباب من المشكلات إلى اللاشيء.
  • تنشط الفرد جنسياً.
  • تخفف من المتاعب الجنسية.
  • تجعل الفرد يعيش في عالم الأحلام .

تجعل الفرد يعمل فترة طويلة بدون تعب .كل هذه المعتقدات ماهي إلا مشاعر زائفة وأوهام ، فهل تعمل المخدرات على حل مشكلات الشباب ؟؟
أضرار الإدمان ومخاطره على الشباب:

أ – قد أثبتت الدراسات بأنه توجد علاقة موجبة بين التعاطي وارتكاب الجريمة،  وخاصة جرائم العنف والسرقة والبغاء .

ب – أشارت دراسات أمريكية حديثة إلى الارتباط بين وقوع حوادث الطرق والإدمان وخاصة الكحول والحشيش .

ت – يصاب المدمن باختلاط عقلي لا يستطيع معه تحديد الكمية المطلوبة من العقار ، فيتناول كمية كبيرة تودي بحياته .

ث – أثبتت الدراسات أن الإدمان يعمل على ضعف أو اختفاء الرغبة الجنسية في حالة غياب العقار .

ج – اعتلال صحة المدمنين جسمياً ونفسياً .

ح – هذا بالإضافة إلى الأضرار التي تقع على المجتمع وإهدار طاقته المادية والبشرية والانفلات الأمني .والوقاية من الإدمان من أهم مسئوليات الأسرة والمدرسة والإعلام ومجال العمل ، ففي الأسرة يجب تنشئة الأطفال على القيم الدينية الصحيحة وفي المدرسة يجب التوعية بأخطار التعاطي والإدمان مع الاستعانة بالأخصائيين النفسيين والاجتماعيين .

المشكلات الزواجية: مشكلات قبل الزواج ، تتعد المشكلات التي يحتمل حدوثها قبل الزواج ، وأهمها ما يلي:

مشكلة اختيار الزوج: قد تحدث مشكلة اختيار الزوج عن طريق الصدفة التي قد تخطئ وقد تحدث نتيجة للحب من أول نظرة، وقد تحدث كاستجابة لأول قادم نتيجة بأخر الزواج، وكثيراً ممن فشل في زواجه يعزي أهم أسباب الفشل بعد إرادة الله إلى عملية الاختيار في الأساس والتي لم تكن تلقى أهمية أو أولوية بمسألة الدين والخلق ، بل كثير من الخاطبين يشترط الجمال أو النسب أو المال أو الوظيفة كما يحصل في الوقت الحالي ، ربما على حساب الدين والخلق ، وما أن يتحقق له المطلوب حتى يدرك خطأه الفادح ، وربما دخل في دوامة من المشكلات النفسية والاجتماعية والصراع النفسي .

 تأخر الزواج :قد يحدث تأخر الزواج بالنسبة للإناث وتأخره بالنسبة للذكور، فالنسبة للإناث يكون خارج عن يد الفتاة التي قد يطول انتظارها لمن يتقدم لخطبتها ، وقد يفوتها قطار الزواج، وتظل تعاني من خلق وخوف البوار وعدم الاستقرار في المستقبل .أما بالنسبة للذكور فتكون الأسباب مختلفة ، مثل وجود بعض الظروف الأسرية أو الاقتصادية وقد تسبب مشكلة العنوسة مشكلات فرعية، مثل: الغيرة وفقدان الثقة في النفس نتيجة زواج الأخت الصغرى قبل الكبرى.

الإحجام والإضراب عن الزواج: الإحجام أو الامتناع عن الزواج في رأي الدين، سلوك غير مرغوب فيه، ويعبر سيئة، لأنه يضر الفرد والمجتمع ، ويعتبر بعداً عن الفطرة السليمة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “شرار أمتي عزابها.”
أسباب الإضراب عن الزواج:

أسباب نفسية: مثل خبرة مؤلمة ، فقد الثقة في الجنس الآخر

أسباب صحية: ضعف في الصحة العامة، ضعف من الناحية الجنسية .
أسباب مهنية: الانشغال بالعمل والنجاح، المضيفات في مجال الطيران .
ارتفاع المهور وتكاليف الزواج، وصعوبة الحصول على سكن مناسب .
وجود نماذج لزيجات فاشلة في محيط الأسرة وخاصة الوالدين والأخوة .
الصراع بين الأجيال: الحقيقة أن القاعدة العريضة من الشباب تشعر بوجود فاصل زمني ومساحة في التفكير المختلف بينها وبين الجيل أو الأجيال التي تسبقها حين القمة في الأجيال السباقة تسطح النظر إلى أفكار الشباب تمنحهم قطرات من الخبرة مع كثير من المنّ، ولا يترك هؤلاء مقاعدهم لمنح الفرص للشباب لإثبات وجودهم وتحقيق مستجدات نظرياتهم وأفكارهم التي هي في الغالب أكثر مواءمة وملائمة لمتغيرات العصر .وهذه مشكلة لها جذور حادة في الواقع العربي إذ تزداد فجوة التفاهم والتجانس والتآلف بين الشباب والكبار وأضحى الكبار ينظرون بعقلية الوصاية وإصدار الأوامر الأخطر من ذلك أن غالبية الآباء أضحى جل همهم توفير متطلبات العيش والتعليم والصحة لأبنائهم،  متعللين بذلك بأن ضغوط الحياة قاسية تدفعهم للعمل مرتين وثلاث في اليوم، دفعهم ذلك الواقع إلى تصور أن هذا هو كل ما يريده الشباب .
الثقافة الغربية والإعلام: يعطي الواقع الإعلامي والثقافي العربي صورة يمكن التعبير عنها بـ(غياب الخطط الثقافية)، واستناد الإعلام العربي في معظم أحواله إلى البرامج الغربية خاصة قطاع التلفزيون، وأن هذا قد أثر بصورة سلبية وخطية على ثقافة الشباب في الوقت الذي لا توجد فيه أي خطوط دفاع أو أرضيات صلبة لمواجهة الغزو الثقافي، إن الأفكار والثقافات الغربية تتسرب ببطء إلى نفوس الشباب وعقولها فتتركها فريسة للأوهام والاغتراب، وفي حال عدم قدرة أي أمة على تحصين شبابها سيكون مصيرها التبعية وبخاصة هذا الغزو الهائل من المعلومات المضللة وانتشار وتطور الاتصالات ولا سيما الفضائية التي دخلت معظم البيوت العربية دون استئذان لتعيث فيها فساداً وعلى سبيل المثال ، تصدر وكالة رويتر يومياً أكثر من  40 مليون كلمة توزع على أكثر من 80 دولة، في حين لا توجد وسائل إعلامية فعالة في العالم العربي تستطيع بموجبها المجابهة أو حماية الشباب .والخوف كل الخوف أن تصبح اللغة العربية هي اللغة الثانية أو الثالثة مع مرور الزمن ، كما نلاحظ أ، نسبة القراء في العالم العربي منخفضة عن الدول الأخرى ، ولقد أصدر مركز الدراسات الوحدة العربية ومقره لبنان ملفاً إحصائياً على مدى عشرين عاما بين 1965-1985م ، جاء فيه أن العالم العربي كان يصدر (4000) عنوان كتاب جديد عام 1965م ، ووصل العدد إلى (7000) عنوان جديد في 1985م ، ثم تراجع إلى أن وصل إلى 2800عنوان ، هذا بالمقارنة مع [اليابان] تصدر سنويات 35.000 كتاب، وشتان بين أنواع الكتب العربية والكتب اليابانية .
ونجد أيضاً أن الشباب العربي يمضي أكثر من 4 ساعات يومياً في مشاهدة التلفزيون وقابلة للزيادة مع غزو المحطات الفضائية، وإن 40-60% من برامج التلفزيون العربية مستوردة وكثير منها لا يتناسب طبيعة هذه البلاد المسلمة ، ويمكن القول عن هذه الحالة (بالغزو الثقافي المستورد) أي أن الإعلام العربي يستورد الغزو الثقافي عبر الأفلام والمسلسلات والبرامج والإعلانات والمستودعات إلى جانب المعلومات بمختلف صورها، كما أن البرامج التلفزيونية المحلية دون المستوى المطلوب ولا تساهم في تثقيف المواطن أو الشاب وزيادة وعيه وإدراكه. طموح الشباب بين الواقع والخيال
ينقسم الشباب إلى ثلاث أنواع داخل الوطن العربي وعلى الأخص داخل المملكة العربية السعودية.

أولاً: الشباب يعيش في عالم الخيال:شباب يحلم بمستقبل مزدهر وعالم كله ورود وحياة مملوءة بالسعادة ومكانة اجتماعية مرموقة وحالة اقتصادية لا يدنو منها غيره ، لكنه يعيش في واقع أليم فهو لا يحمل شهادات علمية ولا يحمل أي صفات اجتماعية أو اقتصادية تؤهله لهذا الحلم الرومانسي، ومن هنا يحدث تصادم بين الواقع والخيال ومع ذلك يصدق الخيال ويكذب الواقع ، ويصف المجتمع بالظلم وبأن حقه مهضوم ، وربما إذا سألته عن أحواله لقال لك (أنني مثل الشمعة تضيء لغيرها وتحرق نفسها)، وربما إذا سألته عن ماذا قدم للمجتمع أو لنفسه لا يدرك هذا المعنى ولكن ما هي إلا عبارات اعتاد عليها اللسان (نحن مظلومين – نحن غرباء في بلادنا – نحن الفئة المسكينة – نحن .. نحن .. وغيرها من العبارات] .ماذا تفعل هذه الفئة :

تحمل مجموعة من الأوراق تحتوي على ما يلي:

  • شهادة المتوسطة أو أدنى من ذلك .
  • شهادات عديدة من مراكز مختلفة تحمل اسم دورات .
  • لا يفهم ولا يدرك معنى أي دورة قد حصل عليها لكنها شهادة .
  • يسعى للحصول على وظيفة بالشروط الآتية :حكومية .مرتب مغري ومجزي لأنه خبير !!نصف دوام ، أي[ ساعة أو ساعتين أو تكون نصف ساعة أفضل] .إجازة الأربعاء والخميس والجمعة ويوم في نصف الأسبوع.

ثانياً: الشباب الاعتمادي على الآخرين :هم فئة من الشباب تحتاج إلى تلقي الرعاية دائماً من الوالدين والتعلق بهما والالتصاق بالآخرين والخوف الشديد من الانفصال وصعبة في اتخاذ القرارات ، وإلقاء مسئولية أعماله والأشياء التي تخصه على الآخرين والافتقار إلى الثقة بالنفس والانشغال غير الواقعي بالخوف من غياب مساندة الآخرين وأن تترك له مسئولية الاعتناء بنفسه أو تحمل المسئولية .

ثالثاً: الشباب الحقيقيون والذين يشرفون المجتمع :هم الفئة التي يشرّف بها المجتمع وكل من يتعامل معهم، شباب يعرف دوره ومسئولياته، دائماً يبحث عن ذاته محاولاً تفجير طاقاته العلمية ليضع بصمة في طريق مستقبل منير،  يواجهه الصعوبات ليكتشف فيها اليسر، يبحث عن المعلوم يرى منه المجهول، ينادي في محرابه بأن ليس هناك شيء مستحيل أمام العمل والطموح ، مؤمن بالله وواثق في قدراته التي وهبه الله إياها، نغوص في أبحار هذه الفئة لنتعلم منها كيف نطمح وكيف نتعلم وكيف نبني مستقبلنا .ماذا تفعل هذه الفئة.

شباب يحدد طموحاته وأهدافه: وهو طالب يرسم طريقه للوصول إلى مبتغاه، فيختار مساره التعليمي المستقبلي ولا يترك الصدفة تختار مستقبله،  يريد كلية الطب فيعمل لها، يريد كلية الهندسة فيعمل لها. شباب يعرف قدراته ، من أهم العوامل في التفوق هي أن يدرك الفرد مدى قدراته فلا يعطي نفسه أكثر من قدراتها ولا أقل من إمكانياتها .وهم دائماً يرددون كلمة أنا أعرف نفسي وأعرف قدراتي، لا أشترك أو أغامر في شيء دون دراسة ومعرفة مدى إمكانياتي واستعداداتي في هذا الموضوع .[www.holol.net]

ب – طموح الشباب وتجاربهم

يحاول الشباب دائماً اثبات جدارتهم وتقديم ما هو جديد، لانهم ابطال الثورة الالكترونية والتكنولوجية في الالفية الثالثة، ولكنهم بالمقابل يحتاجون الاعتراف منا بمقدراتهم ومنحهم الثقة والأمل، بجانب الفرصة التي تجعلهم نجوماً في سماء هذا الوطن حين نزرعهم كمحاور رئيسية في المجتمع، وتسليمهم قضايا الوطن التي تحتاج الى عقول نيِّرة وفتية. والطموح كالسيف اذا اهملته صَدِئَ واذا احتويته وفعلته على ارض الواقع اصبح لامعا منتجاً. وهناك شباب واعد مبدع، هؤلاء يستحقون أن نأخذ بأيديهم ونسلط الاضواء عليهم، ليكونوا قدوة لغيرهم بتفوقهم العلمي وابتكاراتهم، وهذه النوعيات عادة ترفض الروتين والبيروقراطية، وستجدهم في فترة قصيرة قد اخترقوا الصفوف ليكونوا في المقدمة من دون خوف الفشل من التجربة، ودائماً ضخ الدماء الجديدة في اي موقع يثري العمل بلا شك، لانهم يتفاعلون مع كل المؤثرات الاجتماعية والنفسية والفكرية، وهؤلاء سيتطلع اليهم الصف الثاني من الشباب ليحذو حذوهم، لانهم قدموا صورة
جميلة ومغايرة عما نشاهده من تسكع وهدر لطاقات شبابية في المولات وعلى شاطئ البحر، او الادمان على متابعة كل صغيرة وكبيرة باجهزة التواصل الالكترونية، ما ادى الى انفصالهم عن واقعهم الحقيقي الذي هو بأمس الحاجة اليهم، ألا وهو الوطن وأمْنِه. الشباب ليس حلماً وخيالاً بل واقع، ويجب الا نستهين بهم، أليس هم من تصدر الثورات في بعض الدول؟! أليس هم من غيروا انظمة بائدة عفا عليها الدهر؟! أليس هم من هزوا عرش التخلف والأمية ليصدروا التنمية والتطوير بجميع مجالاتهما لمجتمعاتهم؟! لذا نتمنى الا تكون مناهج التربية ومخارج التعليم بعيدة عن احتياجات سوق العمل، وكي نعدل بين كفتي الميزان ويلتقي حماس الشباب واندفاعهم بما تحتاجه الدولة مستقبلاً بسبب المتغيرات والرتم السريع في عالمنا، الشباب هم مستقبل الوطن وهم من سيواجه قضاياه ويجد لها الحلول المواكبة لعصرهم الحالي. https://alqabas.com]]

ميزة المجتمعات العربية أنها مجتمعات فتية ترتفع فيها نسبة الشباب ما دون الثلاثين سنة، والشباب والفتوة نعمة لذلك سميت بالعنفوان، لذلك لا بد من إيلاء الشاب الأهمية التي يستحقها ضمن كل زوايا الحياة العامة للمجتمعات.. الشاب العربي اليوم هو ذلك الذي واكب زمن “الانحطاط السياسي” حيث منذ ثلاثين سنة وقبل الربيع العربي لم تكن في أغلب المجتمعات العربية حركية سياسية ولا عمل حزبي قوي وفارض نفسه، بل كانت الدكتاتوريات تعم الأرجاء. ونظرا لغياب التعددية السياسية والنقابية وانعدام المساواة بين المواطنين وارتفاع نسب الفساد في صفوف العائلات الحاكمة وحاشيتها لم يمنح الواقع المجتمعي للشاب فرصة لكي يطور مداركه السياسية وينمي انتماءه الوطني. لذلك وجدنا الشاب بسيطا وأحيانا تافها، شغلته الأنظمة بالبطولات والكؤوس ومسابقات اختبارات الصوت أو تجده منشغلا بالدراسة والبحث العلمي، ويكون مصيره دماغا مهجرا خارج بلده، يساهم في تطوير علوم الطب والفلك والفيزياء وغيرها في دول تعرف قيمة العلم، لكن فرض عليها الواقع أن تكون مجتمعات متشيخة.. واسترسلت كرة الثلج حتى باتت قوة هادرة مدمرة واستفاق الشارع كالنار من تحت الرماد، وأثبت الشباب مع كل فئات الشعب أن الغضب أصبح ثورة، والصمت بات حسما، والتمييع أدى إلى نتائج عكسية وانقلب السحر على الساحر. بدأت الشرارة كما اختار كثيرون تسميتها بتونس الخضراء، وانتقلت إلى مصر الكنانة بلد الأزهر اليافع، ومن ثمة ليبيا بلد المليون حافظا، إلى اليمن السعيد، إلى سوريا الحبيبة التي نبكي على حالها ولا تسعنا العبارات عنها، كذلك شملت التوترات الممالك الأردن والبحرين والمغرب… وكانت بداية انفجار الوعي السياسي نهاية الأنظمة الفاسدة المستبدة، وتبعثرت حبات عقد الجبار من بن علي إلى مبارك إلى القذافي إلى علي عبد الله صالح إلى الأسد.. قضى الشباب دون إمعان في التفاصيل على الأنظمة التي قمعته ونمت فيه شعور النقمة وساعدته على التحدي والتضحية، وقدم ولا يزال يقدم ما بإمكانه بناء شرق أوسط جديد متحضر منفتح قوي وواع. مفتاح ما ذكرنا أعلاه، هو الوعي السياسي الذي يقوم على أربعة ركائز أساسية هي الرؤية الشاملة، الإدراك الناقد، الشعور بالمسؤولية والرغبة في التغيير، وتكمن أهمية الوعي في كونه عماد نجاح كل مشروع والمدخل الرئيس لمعرفة الواقع المعاش، فهما يتجاوز الموجود للوصول للممكن فالمنشود.. وفي غياب وعي سياسي محيط وحاضن للتغيير السياسي يكون السقوط في فخ الاختراق السياسي والفكري كما هو الحال بظهور داعش المشؤوم وعبدة الشياطين ودعاة حرية الجسد والمساواة في الميراث. هي وغيرها مشاكل فارغة هامشية تشغلنا عن العدو الحقيقي وتصرفنا لما لا يرجى منه سوى الانتكاس والرجوع على الأعقاب والتفويت في الفرص المتاحة. هذا الوعي هو الدافع الذي يجعل الشاب فاهما لحقوقه قائما بواجباته وغير مستغن عن حرياته، وذلك نفسه ما يجعله مؤهلا للمساعدة في بناء المشهد السياسي العام، ومن ثمة التقدم لخوض غمار القيادة وافتكاك المشعل، وهذا هو الأمر الذي يطرح السؤال الحقيقي: لماذا بعد ثورات الربيع العربي والحديث المطول عن التداول السلمي على السلطة وتشبيب الأحزاب والحياة السياسية عموما وفرض وجود شاب في القوائم الانتخابية مثلا وغيرها من الشعارات نجد حال الشباب متوقفا على المجهود البدني (تعليق/ إزالة/ ذهاب إياب…) في حين يلتصق الشيوخ بمناصبهم بشكل ملفت للانتباه؟ تجد القيادات السياسية في أغلبها حتى لا نقول جميعها شيوخا وشعر أبيض ومتابعة صحية.. وكما تتحدث عن تعلية سقف الطموح والعمل والإنجاز، كذلك تتكلم دون رغبة منك عن ارتفاع معدل أعمار السياسيين والرؤساء والسفراء والوزراء بشكل ملفت… هل باتت الحنكة السياسية حكرا على مناضلي ما قبل الثورات (وحفظ لهم ما قدموه ويقدمونه في سبيل أوطانهم)؟ أم أن هؤلاء الشيوخ عجزوا عن تمرير المشعل لتلاميذهم؟ أم استسلم تلاميذهم لانقضاضهم على الحيز الفعلي للسياسة؟ بعد أن صارع الشاب منظومات الفساد والاستبداد بات يكابد عناء الانتصار والإنجاز كقيادي وسياسي قادر وواع وغير تابع. ولا تتوقف المكابدة على السعي في التواجد والدربة والقيادة بل بات واقفا على ما قدمه من وقت وجهد وسهر ودراسة دونما يتجاوز تقدمه خطوات قليلة تبقى دائما عاجزة على بلوغ الدرجة التي يستحقها والتي لا تعد هبة ولا تكرما بل واجباً.. وإن أنعم الله على المجتمعات العربية بالفتوة ثم بالثورة ثم بالتجديد يبقى الحال السياسي متحجرا في مصطلحات قديمة متآكلة كالخبرة والحكمة والحنكة وغيرها مما لم يشهد له بالاقتصار على المسنين. وليس الطلب متمثلا في انفراد الشباب بالمشهد بل بمشاركته في صنع القرار واجتياز التحديات والدربة بالممارسة. فكيف له أن يمر لمرحلة ما بعد الشيوخ إذا ما استحوذ هؤلاء على إمكانية بناء سلم متدرج فيه من الأمل والتعلم والقدوة والتجربة.دعه يعمل، دعه يخطئ وأنت عضده وناصحه، بدل أن ينتقل بعدك لما لم يجربه قبلا فيخطئ ولا يجدك. دعه يفهم، دعه يحلل ولو فوقا وتحتا بوجودك كي تعدل له وتصلح شأنه بدل أن تتركه وقد صنعت مجداً لنفسك يقرؤه بعدك. [https://www.aljazeera.net]

طموح الشباب والمعوقات الوهمية الشباب هم صمام الأمان، والثروة الحقيقية للأمة و الرصيد الاستراتيجي لها، هم عماد المستقبل والأمل الذي ترتكز عليه طموحات الدول والمجتمعات و مصدر الانطلاقة والطريق لتحقيق التقدم في جميع مجالات الحياة ، كونهم يمتلكون الطاقة اللازمة للتغيير، ويستطيعون أن يصنعوا فرقاً حقيقياً في أي شيءٍ يعزمون على تنفيذه وتقدر نسبة الشباب في العالم العربي بحدود 32% من اجمالي سكان العالم العربي .والشباب الآن دائم التفكير في أمور وطموحات كثيرة يريدون تحقيقها فإن كل شاب يملك طموحاً في حياته، وهذا حق من حقوقه ، وكثيراً منهم من يحلم بمستقبل مزدهر مستقبل كله راحة بال وحياة ناعمة ومكانة اجتماعية مرموقة وحالة اقتصادية ممتازة ، فهم يطمحون أن يصبح ويكون وفق احلامه وطموحاته طموح يسعى إلى تحقيقه وفق سقفٍ زمني معين قد يحكمه الواقع أو يتحكم به من تلقاء نفسه، وفقاً لعددٍ من المحددات والقدرات . وقد يعيش واقع أليم، ، من الممكن ان يخلق لديه نوع من الصدام بينه وبين الواقع .وهناك من تكون أحلامهم وطموحاتهم كبيرة وفوق قدراتهم الفعلية فيجب على هؤلاء ان يعيدوا مراجعه أحلامهم ومستوى طموحاتهم . ورغم هذا فعلينا أن نؤكد دائما أن الطموح حق مشروع للشباب رغم كل الظروف ولكن هناك شروط وركائز أساسية لتحقيقه أهمها الصبر والمثابرة وإعادة المحاولة مرة واخرى فليس الفشل في تحقيق الطموح في المرة الأولى يعنى الفشل هذا فهم خاطئ فلابد من إعادة المحاولة واتباع سياسة النفس الطويل حتى يتحقق طموحي الذي أسعى إليه.  كثيرون يطمحون بالمال ،آخرون قد يكون طموحهم الشهرة والبعض يتطلعون وراء النجاح وغيرهم يبحثون عن راحة البال .. وهناك من يضحون بقيمهم و أخلاقهم في سبيل تحقيق أمالهم و آخرون يفتدوا مبادئهم بطموحاتهم .. وفى أحيان كثيرة لا يستطيع الشباب تحقيق طموحهم فهناك معوقات وصعوبات جمة و كبيرة تعترض سبيلهم، وتوقف طموحاتهم بل وتساهم في إعاقتهم عن تحقيق أي شي.  وهناك ما يعرف بالطموح القاتل – أو إن جاز التعبير الطموح بلا إمكانيات – فيذهب أحيانا بالشباب للانغماس في أحلامهم .. الوردية كما يصفها البعض… يتوهمون ببناء قصور علي الرمال ثم تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن
وامام تحقيق الطموح تقف دائما معوقات النجاح كما يحب البعض ان يسميها وقد تكون معوقات حقيقية موجودة بالفعل وقد تكون وهمية يضعها الشاب أو يتخيله ومن معوقات النجاح كما ذكرها (د . إبراهيم الفقي) في كتابه المفاتيح العشرة للنجاح : عدم الثقة بالنفس، ويعود ذلك إلى عدة أسباب مثل تهويل الأحداث وإعطاء المواقف اهتماماً أكبر مما تحتاج، وتضخيم الأمور، والإحساس الدائم بأنّ كل الأشخاص يركزون على نقاط الضعف والأمور السلبيّة في الشخصية، والخوف من الأفعال التي تصدر، وإذا ما كانت صحيحة أم خاطئة، وكيف سيقابلها الآخرون باللوم والنقد أم بالرضا والسعادة. القلق والخوف من الفشل. وهذه من أهم معوّقات النجاح، حيث يتوقّع الشخص الفشل ويفقد الإرادة والعزيمة، ويتحول إلى إنسان كسول غير قادر على إتمام أبسط المهمات، ويجب التذكر دوماً أنّ الفشل هو هزيمة مؤقّتة تخلق فرصاً للنجاح. اما التسويف والتأجيل، فهذا دليل على قلة الثقة بالنفس وعدم تقدير الشخص لما يملك من مهارات وذكاء للقيام بأي شيء، لذلك يجب على الإنسان معرفة نفسه وقدراته وعدم التقليل من شأنه، وعند البدء بعمل عليه إلغاء فكرة التسويف. أو وضع أهداف مُبهمة، فالأهداف غير الواضحة لا تمكّن الإنسان من رؤية الصورة الكبرى للهدف، وما سيصل إليه بعد النجاح.  لذلك من الضروري وضع أهداف محددة وواضحة وتخيلها بعد إنجازها لتغذية العقل والجسم بالطاقة اللازمة لتنفيذها. فكل عمل تود القيام به يحتاج لوسائل معينة لتسهيل العمل وتبسيطه وضمان عمله بشكل صحيح. [https://www.al-khaleeg.com]

الفصل السابع

الشباب والحرية

 

أ – الحرية الشخصية عند الشباب

ب – الحرية من منظور شباب الربيع العربي

ت – الشباب يناشد بالانفتاح والعيش امام الأبواب المفتوحة.

الفصل السابع

الشباب والحرية

 

استهلال

للحرية معنى واسع ومتعدد ومتنوع حسب الفئات العمرية والجنسية والمكانة الاجتماعية والموقع المهني. إذ لكل واحد منهم له مفهوم الحرية تختلف عن الأخر وغالباً ما تتعارض حريات هؤلاء بعضها عن البعض بسبب فئاتهم الاجتماعية. فحرية الطفل غير حرية الشاب وحرية الأخير ليست هي حرية المتقدم بالسن وحرية الرجل غير حرية المرأة وحرية الأم غير حرية البنت وحرية المعلم غير حرية الطالب وحرية النخبة السياسية غير حرية عامة الناس. لكن ما دام عنوان موضوعنا يقتصر عن الشباب فسوف نتحدث عن حريتهم فقط حيث يحتلوا الموقع الوسطي بين الصغار والكبار ولما كان الشاب يتمتع بحيوية بيولوجية ناشطة متميزة بالحماس والحساسية والجرأة والفضول في حب الاستطلاع والاستفسار لمعرفة ما يدور حوله لكي يلم بأكبر قدر ممكن من المعرفة من أجل ابراز معالم شخصيته وتأكيد ذاته بإن الواقع يجب ان يتطابق مع أفكاره ولا يقبل الضغط عليه مهما كانت الأمور، هذا السلوك جزءً من العنفوان الداخلي للشباب الذي يجعله في درجة عالية من الحيوية والاندفاع والانطلاق والتحرر، يميل الى الخشونة والقوة في الحصول على رغباته وحاجاته ويميل للعناد والغرور. ويكون دائم السؤال والقلق حول وضعه ومستقبله لأنه لم يحتل – بشكل كامل – موقعه على التدرج الاجتماعي والمهني والطبقي والسياسي فضلاً عن خضوعه لهيمنة السلطة البطريقية الأكبر منه سناً وموقعاً المتمسكة بقيودها التقليدية المفروضة عليه ثم هناك السلطة السياسية التي تخدم نفوذها وموقعها على كافة الشرائح الاجتماعية ولا ننسى رجال الدين الذين يراعون تعاليمهم الدينية المحافظة. وبسبب تطلعاته الافاقة نحو تخطيط مستقبله المتأثر بالتغيرات العصرية الحديثة وتطورات العلم والتكنولوجيا والانترنت والتواصل الاجتماعي التي تغريه وتجذبه نحو افاق أرحب وأوسع، فإنه تحت هذه الضغوط (الاجتماعية) والمغريات (العصرية) والدوافع (البيولوجية) ذات الطاقة النشطة، جميعها تجعله باحثاً ومكالباً بشكل واع للانطلاق من مرحلته الاجتماعية الى مرحلة يتحرر فيها من الضوابط الأسرية والقيمية والسياسية رافضاً ام يكون مقموعاً ومنصاعاً للجيل التراثي المتوارث وفجوة ثقافية تعّبر عن تناقض طموحه مع قيود المجتمع. أما ماذا يعني مفهوم الحرية عنده؟ فإنها تعني ما يلي:

أ – حريته في اتخاذ قراراته الخاصة به بمعنى تحرره واستقلاله في تحديد موقفه من المواقف التي يواجهها في حياته الخاصة.

ب – حريته في التعبير والتفكير وعدم الرجوع الى الأخرين بمعنى الاستقلالية الشخصية.

ت – حريته في اختيار الأمور المتعلقة بطموحه مثل عمله وتخصصه الدراسي وشريك أو شريكة حياته.

ث – حريته في اللباس والمزاح واستخدام المفردات اللغوية.

ج – حريته في اختيار الأصدقاء والانتماء الى جماعات اجتماعية وأحزاب سياسية ونواي ثقافية.

ح – حريته في اختيار هواياته الفنية والرياضية والالكترونية.

خ – حريته في قراءاته المعرفية.

د – حريته في قضاء وقت فراغه.

ذ – حريته في سماع الموسيقى ومشاهدة الأفلام.

ر – حريته في المأكل والمشرب والتدخين.

ز – حريته في تحمل مسؤولية حياته وعمله لكي يشعر بإنه عضو في المجتمع ولا يعيش على هامشه.

لا غرابة من القول بإن حرية الشاب الحضري العصري تختلف عن حرية الريفي والبدوي والمحافظ من حيث نوعها وسعتها الموروثة التي وضعها الأجداد والأموات له وتتنوع في الوانها وامكانياتها، لا تخضع لتوجيه وهيمنة الكبار عليه (مثل الوالدين او المعلمين أو الأجداد أو المسؤولين السياسيين) وعادةً ما تخضع حريته لمزاجه المتقلب وتطلعاته نحو المستقبل. اما حرية الشاب الريفي او المحافظ او الشمولي فإنها تكون مقيدة بقيود الكبار في المجتمع وبقواعد السلوك الموروث. بمعنى حرية محدودة ومقيدة ومضغوطة. هذا من جانب ومن جانب أخر نسأل السؤال التالي: ماذا يكون موقف الشاب الحضري المعاصر إذا تعارضت حريته مع حرية الأكبر منه سناً وموقعاً ونفوذاً في مجتمعه؟ عندها يتصرف كالاتي: –

– أما أن يخرج عن ضوابطهم ويخترقها ليشق طريقه لكي يستمتع بحريته عندئذٍ يوصم بوصمة (المتمرد) من قبل الأخرين.

– وأما ان ينصاع لتوجيهات وقواعد وأوامر الأكبر منه سناً فيكون منصاعاً ومحروماً من الاستمتاع بحريته الشخصية أعني يكون مقموعاً.

– وأما أن ينخرط في جماعة شبابية تمثل شريحته العمرية ويتبنى ثقافتها الفرعية ليتحصن بها لكنه يحصل على نقد وتقريض المحيطين به ويعدوه طائشاً.

– وأما ان ينطوي على نفسه ويعيش منعزلاً يعاني من مرارة انسحابه من المجتمع مثل الاكتئاب أو التوحد أو العزلة الاجتماعية لا يستطيع تحقيق طموحه ولا يتماشى مع ضغوط الضوابط الاجتماعية العرفية والوضعية السائدة في مجتمعه.

– أو يترك مجتمعه ويهاجر الى مجتمع أخر يطمح ان يعيش في ظله ليحقق حريته فيه.

إذن علاقة الشباب بالحرية تكون علاقة جدلية يشوبها الصراع في أغلب الأحيان لكن هذا الصراع لا يستمر طيلة حياة الشباب بل يعدما يحقوا احلامهم ويتمتعوا بحريتهم التي تمنوها وتشبعوا منها ويتقدم عمرهم ويرتقوا على التدرج الاجتماعي عندئذٍ يدخلوا الى مرحلة الاستكانة والاستقرار والنضج والرشد لا يلتفتوا الى ما كانوا يمارسوه في فترة شبابهم بل يعدوها طيشاً ومروقاً.

أ – الحرية الشخصية عند الشباب

يرغب الشباب بشكل طبيعي في التمتّع بالاستقلال والحريّة في شؤونهم الخاصّة، ويعتبرون ذلك من أقصر الطّرق إلى توكيد الذّات، وإثبات الشخصيّة، والشعور بالوصول إلى مرحلة الشباب، وتجاوز حالة الاعتماد والانقياد للعائلة والأسرة.
ومن المظاهر التي تبرز على جيل الشّباب لتحقيق الاستقلال والتحرّر، الخروج على الآداب والعادات والتقاليد الموروثة من الأجيال السابقة، وعدم طاعة الأوامر والنّواهي الصّادرة عن الوالدين أو المربين، والظهور بمظهر الكبار، واستخدام الخشونة والقوّة للحصول على الرغبات والحاجات، وممارسة العناد تجاه الأشياء المختلف عليها… إلى غير ذلك من المظاهر التي تظهر بوضوح على المراهقين والشباب، للتعبير عن الرغبة في الاستقلال والتحرر من كل القيود والضوابط العائلية والاجتماعية. والرغبة في الاستقلال عن العائلة قد يكون إيجابياً، فيما إذا كان يساعد على اعتماد الشاب على ذاته، وفي تنمية الثقة بنفسه، وتوكيد شخصيّته، وقد يكون سلبياً، فيما إذا كان مظهراً من مظاهر الغرور والعُجب الزائد بالذات، وعدم احترام الوالدين أو المربين والمعلمين، وعدم الاهتمام بالآخرين، والتمرّد على كلّ القيم والضوابط الاجتماعيّة والأخلاقيّة. كما أن النزوع إلى التحرّر والحرية قد يكون مفيداً إذا كان منطلقاً من الحريّة الموجّهة وليس المطلقة، بحيث يساهم التحرّر من القيود الخاطئة في تنمية الإبداع والابتكار عند الشّباب الطّموح، وتنمي البناء العلمي والثقافي والفكري، كما أنّ الحريّة في إطار الضوابط تساهم في تنمية الشخصية الإنسانية للشباب. أما إذا كانت الرغبة في التحرر والحرية تعني الحرية المطلقة من دون أية قيود وضوابط، فلا شك أن مثل هذه الحرية لها مخاطر وآثار سلبية وتدميرية للأفراد والمجتمعات. من الميول الحادة التي تستيقظ بشدّة عند الشباب لدى بلوغهم هذه المرحلة، وتجذبهم وتسلب ألبابهم، هي رغبة الحرية، وأية حرية؟ ليست الحرية المعتدلة المعقولة، بل الحريّة المتطرفة والحادة.
الشاب وبطبعه، يريد الحرية المطلقة بلا أيّ قيد أو شرط، وفي رأيه أنّ الحديث عن العقل والمنطق، وعن القانون والضابطة، وعن المصلحة والحدود، هو أمر لا قيمة له. والشّيء الذي يرغب به الشابّ ويطلبه حثيثاً باندفاع وشوق؛ الإشباع الحرّ للغرائز، والالتذاذ المطلق في نيل الرغبات النفسيّة، ولا يمكن بلوغ هذا الهدف إلا بالحريّة اللامحدودة والمطلقة، لهذا قيل إن الشباب مرحلة الإفراط، والكهولة مرحلة الاعتدال، والشيخوخة مرحلة الالتزام. وإذا كان الكبت والخشونة والقوة من الأساليب التربوية الخاطئة في التعامل مع الأولاد والأبناء (جيل الشباب)، فإن من الخطأ أيضاً إطلاق العنان للأولاد باسم الحريّة، لأن مثل هذه الحرية المطلقة تعني الفوضى والوقوع في الرّذائل والموبقات، والأمر أن تقع مثل هذه الأعمال تحت مسمّى الحرية، واستقلال الشخصية، والتعبير عن الذات! والمطلوب تنمية الرغبة في الاستقلال والتحرر عند جيل الشباب، ولكن ضمن الضوابط والقيود الشرعية والأخلاقية والاجتماعية. كما أن من الضروري ترشيد توجّهات الشباب، بحيث تكون باتجاه الحقّ والخير والصّلاح، وأن يكون مفهوم الاستقلال والتحرّر عند الشّباب يعني الاعتماد على الذات، وبناء الشخصيّة، واستثمار المواهب والقدرات والإمكانات في البناء والعطاء والإنتاج، بما يعود بالنفع والفائدة على الأفراد، وكذلك على المجتمع ومسيرة الأمّة نحو التقدّم والتطوّر والتحضّر. ومن المهم للآباء تفهم متطلّبات الشباب وفقاً لمتغيرات العصر، وإعطاء المزيد من الاستقلالية والحرية للشباب في شؤونهم الخاصّة والعامّة، وخصوصاً مع ظهور الصلاح والاستقامة في مسيرتهم الحياتية مع الترشيد، والمراقبة الواعية، وتقديم النصح والإرشاد، والبعد عن أساليب الخشونة والمعاملة القاسية معهم. وكثيراً ما يؤدّي عدم تفهم جيل الآباء إلى متغيّرات الزمان، ومتطلبات الأولاد، وضرورات الحياة المعاصرة، إلى الصّراع والنزاع بين الأولاد والآباء، ولذلك نجد في المجتمع تزايد حالة الصّدام والقطيعة بين أفراد العائلة الواحدة؛ بين الأبناء وآبائهم، والفتيات وأمهاتهنّ. وغالباً ما يكون السبب هو الخلاف في الرّؤية والنظرة إلى الأمور والأشياء. وقد يكون الخطأ من الأولاد (الشباب) أو الآباء (الشيوخ) أو من كليهما معاً. ولمعالجة تلك المشكلة، يجب أن يتفهّم كلّ جيل متطلبات ورؤى الجيل الآخر، حتى لا يقع التصادم والتقاطع، وحتى يحلّ الاحترام والتقدير محلّ النزاع والصراع. كما أنه من الواجب أن يحترم الأولاد آباءهم وأمّهاتهم، وأن يستفيدوا من تجاربهم الحياتيّة. وعلى الآباء أن يُنَمُّوا في أولادهم الثقة بالنفس، والاعتماد على الذّات، وأن لا يقفوا حجر عثرة أمام النزوع الطبيعي إلى الاستقلالية والحرية الشخصيّة في إطار الضوابط الشرعية والأخلاقية، ولكن من المهم أن يتوافق ذلك مع الترشيد والنصح والمراقبة والتوجيه، وقبل كل ذلك، زرع الإيمان في أعماق قلوبهم، فهو خير ضمان للاستقامة في طريق الخير والحقّ والصّلاح. [http://www.mabarrat.org.lb]

ب – الحرية من منظور شباب الربيع العربي

يعيش الفرد الاجتماعي الحرية إما كتحرر وانعتاق وإما كخضوع وعبودية، حيث أن الحريات تدور في إطار الظهور والضمور، وكلما تعلم الإنسان أو الفرد قوانين الحرية، كلما ازدادت قدرته على التعامل مع الحرية، وإخراجها من الشعار الذي يردده وينادي به، إلى التطبيق الفاعل للمفهوم وتجربته على قدر الفهم الذي وصل إليه. ولأجل هذه الحرية اندلعت ثورات الربيع العربي قبل عام من كتابة هذا المقال، بشرارة لم يتوقعها المتفائل قبل المتشائم حيث أشعل شاب بسيط(بائع متجول) بنفسه النيران انتقامًا أو انتصاراً لكرامته، فتلقف المحرومين هذه الشرارة وتحدوا خوفهم وانطلقوا إلي الشوارع في تونس الخضراء، ومنها إلى الميادين في مصر المحروسة، فكان الفعل أقوى من ردة الفعل، وانتصر الفعل، طلباً للحرية التي صاغها الشباب العربي، بطريقته التي خرجت عن طور التقليدية، وعن منهجية التاريخ الرتيبة، فشهد ميدان التحرير “ثورة” لم يشهد التاريخ مثلها من حيث الأسلوب والشعار والأداة، فامتزجت الإرادة بالطرفة، والتحدي بالإبداع، والدم بالفكاهة، وصنعت ثورة بيضاء، عنوانها “الحرية” وهي الفلسفة التي اعتبرت مدخلاً لشعوب عربية أخرى مثل اليمن التي استنسخت الثورة المصرية بشعاراتها، وبأدائها وطبقتها، دون الخروج عن النص. إذن، فالحرية هي المحرك الدافع لقوى الشباب العربي في انتفاضاته أو ثوراته الشبابية التي سخرت التكنولوجيا كسلاح تنسيقي فيما بين قطاعات غير منسجمة فكرياً أو طبقياً، وغير منظمة في إطار جامع مؤهل لها، وإنما لديها شراكة أو قاسم مشترك وحيد فقط هو” الحرية” بمفهومها الممزوج بالغموض لدى شباب ترعرع على المفهوم المغلق لمعنى “الحرية” الناتج عن الاحتكاك بالمجتمعات الافتراضية التي وفرتها وسيلة الانترنت التي فتحت العالم على مصراعيه لكل بقاع المعمورة، فأصبح هناك تبادل معرفي- ثقافي. حتى هنا عبّر الشباب عن فهم متجرد للحرية، ونحن فهمناها بشكلها الذي نعرفه، وندركه، ونعلم مفاتيحه، ومخارجه، حتى بدأت تتضح ملامح المفهوم الآخر للحرية في ذهن عالمنا العربي، العالم المحافظ على قيمه وتقاليده، وعاداته الاجتماعية، بالرغم من كل محاولات الانفتاح الممارسة من قبل العولمة الثقافية، إلاّ أنّ هذه المجتمعات مضت على نهجها وقيمها، حتى بدأت تتسلل بعض القيم الغربية، غير المقبولة، وغير المعهودة في منظومة القيم للمجتمع العربي- المسلم بفطرته – والمتدين بطبيعته، والمحافظ بكل فئاته، وطبقاته، حتى بالجزء الأخر منه المسيحي والماركسي…الخ، فهم منسجمون في مجتمع محافظ، ذو قيم متوارثة.
مع ثورات الشباب بدأت مفاهيم جديدة تلتصق بالحرية مثل، استدعاء أو الاستعانة بالمستعمر، وهي شكل كان لوقت قريب جداً مرفوض إطلاقًا حتى ابتدعته الكويت بعد الغزو العراقي؟، وكذلك المعارضة العراقية المرتبطة بالمستعمر الأمريكي، ومن ثم سارت على النهج المعارضة الليبية، وبدأت هذه الفكرة مُبررة لدى المنادين بالحرية. الممارسة الأخرى للحرية هي عدم الاعتراف بالقوانين والنظم الاجتماعية السائدة، وبدأ البعض يحاول التمرد أو القفز على هذه النظم والقوانين الضابطة مثل الفِعل المنحل للناشطة المصرية التي تعَر كنوع من الحرية، ومحاولة البعض تقليدها وكأنها بطولة، في حين إنها سقوط لا يُعبّر سوى عن عبودية للجسد، لأن الحرية، حرية روح وليس بَدن، وكذلك الصورة الأخرى لبعض الناشطات السوريات اللواتي كتبن على ظهورهن بأسهم نحو المؤخرات بإشارات لا تحمل سوى سفاهة بشرية، أقل ما يمكن وضعها، باستحقار الإنسان لجمالية إبداعية الخلقية الجسدية والروحية، وسقوطه من معنى الحرية الفعلي إلى الحرية العبودية الجسدية، وهي نفس الحرية التي خلقها الله مع الحيوانات تمارس غرائزها بلا قيود اجتماعية أخلاقية، وهذا مفهوم الحرية التي يجب أن يسال شبابنا العربي نفسه لماذا كُرم الإنسان بالحرية الروحية، والحيوان بالحرية الجسدية؟ إذن فهنا بدأت تتداخل المفاهيم مع الغرائز، وبدأت تنطلق الاسهم الناقعة بالسم في جسد الربيع العربي من خلال إقحام العديد من المظاهر والمعاني في مفهوم الحرية، الذي يستهدف إسقاط المفهوم الواقعي والحقيقي للحرية الفعلية التي انتصر لها الشاب(محمد البوعزيزي) لكرامته، ونفسه، فمارس فناءه لجسده مقابل حرية روحه، ليضرب نموذجاً بمعنى الحرية الفعلية، رغم أن ممارسته للفِعل كانت بلحظة قوة أنهى بها حياته، وهي النهاية التي تعتبر في حد ذاتها مرفوضة فالتخلص من الحياة لا يمكن له جلب حرية، وإنما التحدي قائم والمسئولية تاريخية. الخلاصة أنّ شبابنا العربي عليه استدراك معانِ ومفاهيم، ودلالات الحرية الفعلية، وعدم تجريدها من قدسيتها والسقوط بها لمستنقع العبودية الجوهرية، فالحرية هي حق مطلبي للإنسان أولًا، وللأرض ثانياً، فلا يمكن المطالبة بحرية الجسد إنّ لم تتحرر الروح. [www.aljazeera.net] انتفض الشباب العربي لأنه ملّ من المحاصصة والطائفية الحزبية، فلم تعد تغريه الشخصيات السياسية بكافة أوجهها ولا الأحزاب المتنوعة والشعارات التي ترفعها، ولم تعد تهمّه المحاصصة في الحكومات كما يفعل السياسيّون اليوم عند تشكيلها، حزب فلان يحصل على وزارات كذا وكذا وحزب فلان يشترط أن يحصل على وزارات كذا وكذا، وتبدأ المعارك السياسية على الكراسي، ويبقى الشعب يعاني من مشاكل اقتصادية تتراكم يومًا بعد يوم، ولم تحقق الطبقات السياسية بكافة أنواعها ما تريده الشعوب لذلك هي تنادي بإسقاطها، وتطالب برحيلها مهما قدمت من مبادرات متأخّرة يراها الشارع ولم يقبلها ولم يشفع لها بل يصرّ على مطالبه بكل قوة وعزم وحزم، ولم يعد يخاف أن يقول ذلك صراحة ويقابل الدبابة والرشّاش والبندقيّة والمسدّس بصدر عار، ولم يعد يهمّه إن مات أو قُتل لأنه سئم الحياة ومشاكلها، فخيّر النضال على السكوت والشعور بالقهر والظلم من أجل تحسين ظروفه المادية. والملاحظ في الانتفاضات الشبابية أنها تحمل الأعلام الوطنيّة للدولة، فلا أعلام حزبيّة ولا أعلام طائفيّة ولا أعلام جانبيّة مما يفسر حالة الوعي المتقدم لدى هؤلاء الشباب العربي، والانتماء الحقيقي للوطن الأمّ، فلا مجال للمساومة على الوطن، بل أصبح الشباب العربي وطنيا أكثر من السياسيين أنفسهم الذين يتشدقون بالوطنيّة في المحافل المحلية والإقليمية والعالمية وهم يسرقون الشعب والوطن، ويخطفون أحلام الشباب ويتاجرون بعواطفهم وتضامنهم، ويحصلون على مصالحهم الخاصة ويدوسون على كرامة الشباب ويهينونهم عندما لا يبالون بمطالبهم ويستهينون بقدراتهم العلمية ويرفضون تشغيلهم في مناصب عليا، ويرفضون إشراكهم في الحياة السياسية، وهو أحد أهم أسباب الانتفاضات التي تحصل في البلدان العربية، وعندما يفقه السياسيّون هذه الحقيقة يدركون معنى تمرّد الشباب الذين تعلموا ويريدون أن يعيشوا حياة هانئة في مجتمعهم يخدمون أوطانهم بعيدا عن أي تجاذبات سياسية يرونها اليوم مقرفة ومضيعة للوقت. وإذا أحسنا التعبير فإننا نستطيع أن نقول إن الشباب العربي يسطّر اليوم ملحمة جديدة من السياسة، قوامها العدل والحرية والعيش بكرامة، فلا أحزاب ولا طائفيّة ولا محاصصة في الحياة السياسيّة، هي انتفاضةٌ على الحياة السياسية برمتها، وتغييرٌ لوجه الحياة اليومية، يقودها الشباب الذي هم عماد الأمة وقوتها الحقيقية، بعيدا عن أي تشرذم سياسي قديم، وعن أي مصالح ضيّقة، فالانتماء للوطن يعني خدمته والعيش فيه بكرامة، هذه هي فلسفة الشباب اليوم، يريد أن يعيشها واقعا يلمسها ويتذوقها دون أن تُفرض عليه من الخارج، ويريد في الوقت نفسه محاسبة من ظلمهم واستغلّهم، وسرق ثرواتهم، ومنعهم من الاستمتاع بخيرات بلدهم، ويريد في النهاية أن يحصل على وظيفة مرموقة وزوجة صالحة وأسرة متماسكة ومسكن ملائم، فإذا وفّرت له الدولة كل ذلك فلن يطالبها بالديمقراطية ولن يطالبها بالرحيل لأنه في الحقيقة يرى أنه إذا حصل على ذلك فإن ذلك عين الديمقراطية لدى شباب اليوم. ولذلك لا نستغرب ما حصل في تونس من حالة وعي كبير لدى الشباب بعد الانتخابات الرئاسية في دورتها الثانية، بدأ يفتق مواهبه، ويظهر قدراته، وأصبح قادرا على صنع الوطن بنفسه، وإحداث ثورة من الداخل بإمكاناته البشرية دون انتظار المساعدات الخارجية ودون الاعتماد على الدول الكبرى أو صندوق النقد الدولي، أو غيره من المنظمات التي تسرق الشعوبَ حرياتها وثرواتها، فلدى الشباب قدرات عالية ومبادرات كبيرة نوعيّة بحكم أن هذا العهد عهدهم وأن العصر عصرهم، فلابد من إشراكهم في الحياة السياسية ومشاورتهم في المشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، نستمع إليهم وننصت إلى آرائهم، ونستمتع بوجودهم، لأنهم طرف أساسي في صنع السياسيات وبالتالي يقل تمرّدهم على الدولة لانهم يتحملون المسؤولية مباشرة فيضعف توهّجهم الانتفاضي تدريجيا لأنهم سيشعرون أنهم السبب في ذلك ولم ينجحوا في نظم سياسات جديدة للبلاد. عندما ندرك هذه الحقيقة، سنرى تغيّرا واضحا في البلدان العربية، ولن نشهد انتفاضات من الشباب، وحينما نفهم أن العصر الذي نعيشه ليس عصر الأحزاب السياسية ولا المحاصصة الطائفية ولا الانتماءات الشخصية والولاءات البشرية، نفهم أن الوطن هو الأمّ وأن الشعب هو الهدف وندرك الحرية التي ينشدها الشباب اليوم، وحينما نترك مصالحنا الضيقة جانبا ولا نسرق أوطاننا من الداخل ولا نعين الخارج على نهب ثرواتنا نفهم شبابنا الذي يبتغي العدل والمساواة وينشد الحرية والكرامة ويود الحصول على النعيم في بلاده ليخدمه بكل وطنية وانتماء وولاء فهل فهم السياسيون الدرس؟ أم أنهم مازالوا يعيشون في بروجهم المشيدة حتى يأتهم الطوفان؟ [www.kapitalis.com]

ت – الشباب يناشد بالانفتاح والعيش أمام الأبواب المفتوحة

يتناول هذا العنوان مجتمعين تقليديين محافظين مدنيين، الأول إسلامي – وهابي (السعودي) والثاني إسلامي شيعي (إيراني)، فيهما أو بينهما قاسماً مشتركاً ـعظم وهو الانغلاق والعيش أما الأبواب المغلقة حيث يعاني شبابهما من عدم استمتاعهما بالحرية الشخصية وعدم مساهمتهما في اتخاذ قراراتهم الشخصية في الملبس والتصرف والتعبير والتفكير والاختلاط والانفتاح على الثقافات الأجنبية واكتساب التثاقف مع الثقافات الغربية. الحرية من وجهة نظر الشباب، والانفتاح من منظور المجتمع، اتجاهان متضادان يسيران بخطين متوازيين لن يلتقيا أبداً مع مفاهيم الحرية التي تعبر عن الشباب ومدى قلقهم من مجتمع كبتَ رغباتهم بقسوة العرف والعادات والتقاليد الوضعية على حد تعبيرهم، لأنّ هناك جيلاً يتلوه جيل، بفكر متجدد وثقافة مواكبة لكل جديد.

الحرية أمر مهم: “فواز الأسمري” – طالب جامعي – يؤكد أنّ الحرية أمر مهم بالنسبة له فلا تتخللها قيود أو حدود طالما لم تتعارض مع تعاليم الدين الإسلامي، الذي نهى عن التعصب بأفكار اندثرت وعادات لا تتناسب مع عولمةٍ نتعايشها، مشيراً أنّ نفسه تصعب عليه عندما يجد إجحاف المجتمع له كشاب متورد على ينابيع الحياة ورغباتها، ولو في طريقة لبسه وقصة شعره وأماكن تنزهه التي تعد من وسائل الترويح بالنسبة له وتندرج ضمن إطار حريته. “فواز” لم ينكر العادات والتقاليد التي يحترمها؛ لأهميتها في المحافظة على اتزان المجتمع الذي يجب عليه ان لا يتشبث بالأساليب القديمة في ترجمة حريته وأقرانه من الشباب، الذي أصبح من غير المجدي إتباع مبادئ اندثرت في التعامل معهم (كهذا نعم وهذا لا، وهذا يجب وهذا لا يجب) استبدال فكرة الانغلاق. وكأي شاب مقبل على الحياة يحب مواكبتها، يتطلع “فواز” من المجتمع إلى استبدال فكرة الانغلاق بالانفتاح المشروع، وتقبل الواقع الذي يؤثر بشكل قوي في شخصية كل شاب، ويسهم في تعزيز ثقته بنفسه التي لو لم يعبر عنها ولو في طريقة أكله أو لبسه أو طريقة ضحكه، أو أوقات سهره التي لو تجاوزت العاشرة مساء لارتبطت بانحرافه، مما يجعله يسلك طريق خاطئ ليبحث من خلالها عن أي شيء يعبر به عن رأيه ليمارس من خلالها ما يتمنى فتغدو تصرفات الشاب لا تعبر عن مجتمع وإنما تعبر عنه بمفرده، مشيراً إلى أحد المواقف التي تعرض لها عندما رآه أحد الكبار في السن، وأبدى تعجبه بتسريحة شعره والتي من خلالها أطلق حكمه عليه بأنه شاب منحرف، ليتخذ على أثر تلك النظرية قرار منع أبنائه من الاحتكاك ولو بالسلام معه!. ويستمر صوت الشباب يتعالى من على منبر الحرية مطالباً بحقوقه من المجتمع، ففتاة الـ 24 ربيعاً “أمل محمد” تدعو بكل أمل وإصرار إلى فتح أبواب الحرية الشخصية واحترامها وعدم وصدها بالعادات والتقاليد الوضعية، قائلةً بصوت مختنق: لم نخالف الأديان ولا الكتاب والسنة بمطالبنا، ولم نطالب بحريتنا كي تنهض على حساب الغير وإرغامهم على الاقتناع بوجهات نظرٍ لا يرغبونها، مؤكدةً أنّ الحرية لا تعني انتهاك قوانين الاحترام الذي يعتبر جزءاً لا يتجزأ من احترام الذات، فالإنسان أحوج ما يكون إلى التنقيب في أرجاء نفسه؛ ليعرف مواطن الخلل والضعف وليضع حداً لحريته حتى لا يقع ضحية تصرفات لا تليق. “أمل” لا تطلب بأن يرضخ المجتمع أمام رغباتها “الأنانية” كرفع صوت المسجل بلا مبالاة، أو تجاهل احترام أوقات راحتهم، والذي قد يصنفه البعض تحت لواء الحرية الشخصية، فهي تعلم جيداً أنّ بعض العادات متوارثة، وليس لها أساس من مدى صحتها سوى – عادات وتقاليد – ليجبر تلك الوردة المتطلعة لأسارير الحياة أن تختلق لها نهجاً جديداً وأن تصنع لها عادات وتقاليد تناسبها قد يتحفظ عليها المجتمع، فالحرية بالفكر قبل التصرف بعينها.

تجاهل المجتمع: وتؤكد أنّ تجاهل المجتمع حقيقة تؤول إلى أن لكل زمن جيلاً ولكل جيل متطلبات تجديد لهذه العادات والتقاليد؛ لتتوافق مع تفكير العصر فالأخذ بتلك العادات ليس منها جدوى سوى إرضاء لمن سبقوهم و تركها لن ينتج عنه أي مضرة، مشيرةً إلى موقف جدتها منها عندما علمت رغبتها بالعمل في إحدى الصحف المحلية، والتي عارضت بشدة وقسوة تحت حجة أن نهاية كل فتاة الزواج، وأن العادات والتقاليد تنكر عمل المرأة الإعلامي، متمنيةً كما هو غيرها من الشباب أن يرفق المجتمع بحالهم ليستطيعوا أن يبنوا لهم حياة خاصة من تفكيرهم وأساليبهم غير المتوارثة، وإنما منتقاة ونابعة من داخل ذواتهم والتي لها علاقة كبيرة بتكوين شخصيتهم وتعزيز ثقتهم وسيادتهم على أنفسهم بزرع ذاتهم ليحصدوا نتاج زرعهم بنهوض مجتمع جديد غير متزعزع. وتمسك “بيان” بريشة فنان لترسم حدودها بنفسها دون أن يتخطاها كائن من كان في مجتمع ترى أنه يحاول قتل فراشات ربيعها الـ 20 تحت مسمى لا يعي منه الجميع سوى مسمى “العادات والتقاليد” الذي لن يتجاوزه المجتمع ما لم يتخطاه بإصرار روح الشباب، معلقةً على بعض رسائل المجتمع لها، ولقريناتها الذي يرغمهن على دفن أصواتهن ومطالبهن بحريات شرعها لهن رب رحيم بعباده، لتطغى عليها عادات تحكم بالمظهر دوماً، فبعض من قصر ثوبه وأعفى لحيته بات مضرب للمثل وكذلك من تظاهرت بالخذلان والعباءة على الرأس أشير لها بالبنان وقيل عنها – لله درها – بينما الخافي لا يعلم عنه سوى رب القلوب.

ذكريات تترنح: “بيان” تشتاق لماض مر بها، دفنته عائلتها بقسوة زلزلت أملها بالحياة، ليذهب مخلفاً لها ذكريات تترنح ما بين الجمال والألم والحزن والسعادة التي سترغمها في حال رجع الزمن قليلاً للوراء أن تخوضها دون تردد، وستتحدى تلك العادات التي قتلتها دون أي وجه حق، ولو تحفظ عليها المجتمع الذي يسعى بكل ما أوتي من قوة لكبت حريتها التي تشعرها بقوة وثقة بالنفس عالية تكفي لتدعمها في صنع مجتمع يحترم فكر شبابها وصحوته! وبصوت مختنق يقاوم تلك الأيادي الخانقة، ترثي “بيان” أحلامها وخططها التي ترسمها لتوضيح تضاريس مستقبلها وقت خلوتها مع نفسها التي تشعرها بقوة فولاذية، ليأتي المجتمع ساخراً منها بقتل حريتها ولو بالحلم، لتصحو على حقيقة أنها تابعة لمن سبقها لا تختلف عنهم ولا تتغير أبداً كما يريد المجتمع وأهلها المتشربون بتلك العادات كغيرهم من الأسر الأخرى التي ترفض أي جديد بحكم أنه شاذ وسيسبب (القيل والقال).

لا وظيفة إلا بعد التخرج: وذكرتْ بعض المواقف التي تكبت حريتها – ولو بقرارات تخص مستقبلها – ومن ذلك رغبتها الالتحاق بوظيفة صيفية تستغل بها وقت فراغها بفائدة لها ولتكتسب من الخبرة ما يصقلها في الحياة ويقويها، ولتكون لها رأس مال لتشق به طريقها في ثقافة العمل الحر، ولكن للأسف المجتمع قد يعبر عنه بحاجتها وضعف دخل أسرتها المادي مما جعل أسرتها لقرارها رافضين، ولحلمها دافنين تحت أسوار -لا وظيفة إلا بعد التخرج – مما خيب ظنها، فآمنت كغيرها من الشباب بمبدأ اللاتوافق وأن كل شخص يختلف عن الآخر بفكره مما سبب تلك الفجوة في المجتمع الشرقي والتعصب الجاهلي. من جانب آخر تعبر والدة “عبير رياض” مستمعة لمطالب الشباب وما يؤرقهم من مجتمعهم، وتبرر تدخل الوالدين في رغبات وتطلعات الأبناء – التي تعد طفرة عمرية – إلى أنه محاولة للإنقاذ من لحظات الندم عند النضج، فعندما تمنع والدة “عبير” ابنتها من تخريم أذنيها، ليس لمجرد المنع ولكنها متيقنة أنها عندما تبلغ ال 30 ستندم، لأنه سيعد مظهر غير لائق لامرأة ناضجة، كما تبرر منعها لابنها “طلال” من لبس الثياب المخصرة، أو منعه من التصرفات الصاخبة؛ كي يحترم اتزان المجتمع الذي اليوم هو فيه شاب مراهق وغداً هو أب مسؤول فلا ترغب بأن ترتبط بذهن المجتمع صفة عدم الاتزان عن ابنها واللامبالاة، قائلةً بنبرة أم حنون ومربية أجيال: كلي يقين بأنها طفرة وستمضي، وحينها سنجد الشباب المتألم من كبت حرياتهم شاكراً لكل من كان يظنها كابت لحريته.

نمارس حياتنا تحت شرع الله: في الضفة الأخرى من تلك الدراما التي يرى الشباب أنها منتهكة لحرياتهم ومكبلة لرغباتهم، ترى الاختصاصية الاجتماعية الأستاذة “فاديه العبد الواحد” أنّ موضوع حرية الشباب ومن وجهة نظر اجتماعية يكون من خلال أربعة محاور اجتماعية: “الأسرة، والمجتمع، والدين، والعرف والتقاليد المجتمعية”، وهذه التقاليد هي للأسف المطرقة الحديدية التي يطرق بها الأهل على رأس حريات الشباب من أبنائهم الذكور والإناث، متناسين أننا نمارس حياتنا تحت شرع الله وليس العرف والأوامر والنواهي مما يجعل الأبناء يتصرفون بازدواجية في شخصياتهم، مشيرةً أنهم أمام الأهل يحافظون على العادات والعرف وبعيداً عن الأهل يكسرون هذا العرف بنفس المطرقة التي كسرت بها حرياتهم، فتكون سبباً لطرق أبواب الانحراف، كما أنّ انعدام التعامل بالصراحة بين الأهل والأبناء يجعلهم يوقعون في الخطأ أحياناً والتمرد لتكون من سماتهم دفاعاً عن الحرية التي هي هاجس الإنسان بشكل عام و الشباب بشكل خاص وهي الصراع الأبدي بين الآباء والأبناء في مرحلة الشباب والمراهقة، فالكثير من المربين يواجهون الرفض والتمرد للتوجيهات والنظر إليها كمصادرة لحرياتهم ومن خلال ذاك التمرد يبدؤون بالبحث عن وسائل تربوية لترويض هذا النشأ. وشددت “العبد الواحد” على احترام الحرية التي تبدأ منذ الطفولة وضرورة بنائها على أساس سليم باستخدام الحوار الذي من خلاله تسهم الأسرة في إنشاء شباب متزن داخلياً لا تصطدم حرياته بما يطلبه من المجتمع والدين والأهل والعادات، وحتى لا يقع الشاب والشابة في مواجهة صعبة ومؤلمة من خلال ممارسة المجتمع الضغوط الكثيرة والمتعبة عليهم نتيجة لاختلاف وجهات نظر متشددين، مؤكدةً أنّ الدين والشريعة الإسلامية كفلت الحرية التامة للشباب إذا لم تدخل تلك الممارسات في المحرمات أو التعدي على الغير، ولكن للأسف هناك بعض الأسر أخذت الدين حائلاً بين حريات الشباب وقدراتهم على تلبيات احتياجاتهم من لبس وتقنية وغيرها لترضي نظرة المجتمع في مفاهيمه الوضعية. [http://www.alriyadh.com]

الفصل الثامن

الشباب والرياضة

أ – الشباب والرياضة في العصور الغابرة

ب – الشباب والرياضة في العصر الحالي

ت – الشباب والرياضة الالكترونية

ث – الخلاصة والتعليق

الفصل الثامن

الشباب والرياضة

 

استهلال

تختلف المجتمعات في تطورها وتقدمها وتحضرها وتصنيعها وهذا ما يؤثر على سلوكية افرادها واهتمامهم بعضويتهم في مجتمعاتهم. فالشاب الذي يعيش في مجتمع بدوي أو ريفي أو تقليدي لا يمارس الرياضة كماً ونوعاً مثل الشباب في المجتمع الانتقالي والحضري والصناعي والمعلوماتي، ولا يمارس نفس الرياضة بل مختلف في أهدافها ومراميها. ففي المجتمعات الحضرية والصناعية والمعلوماتية بات الشباب فيها منخرطين في دراستهم واعمالهم المكتبية أو المهنية مما قللت من حركتهم الجسمية وضيقت من وقتهم في ممارسة هواياتهم الشخصية. مما أثر ذلك على صحتهم النفسية والصحية والاجتماعية. وهنا أصبحت الرياضة تمثل حاجة شخصية وصحية أكثر من كونها هواية يمارسها الشاب العصري مما دفع ذلك المبدعين والمبتكرين ان يدلوا دلوهم في ابتكار واختراع أدوات وأجهزة رياضية غير عادية وغير تقليدية لتصنع ادوات والات رياضية غير خشبية أو قينيه بل حديدية والكترونية تقوي كل عضلة من عضلات الجسم بل حتى ابتكروا ملابس خاصة بكل لعبة ونشاط رياضي، وأسسوا نوادي رياضية يلجأ اليها الشباب لكي يمارسوا رياضتهم المفضلة لا من أجل قتل وقت الفراغ فحسب بل لتجديد حيويته ونشاطه واستخدام أحدث الابتكارات التي ابتكرها المبتكرون فانتشرت الاتهم وأجهزتهم الحديثة في كافة ارجاء العالم الحديث ليس حباً وعطفاً على هؤلاء الشباب بل استثماراً وتكسباً للمصانع التي تصنع هذه الاحتياجات الرياضية ذات الفائدة الطبية والصحية والجسدية والنفسية إذ ان أغلب هذه الأجهزة والآلات يستخدمها الأشخاص فرادا وليس جماعات فضلاً على الابتكارات الخاصة بالألعاب الجماعية (كفرق وجماعات). ولا جرم من الإشارة الى ان المجتمعات الحديثة تسودها العلاقات المجهولة والسطحية والظرفية وليس القرابية والممتدة وهذا يعني انها تحتاج الى نشاط فردي أو جمعي لملئ الفراغ الحاصل في نسيج العلاقات الاجتماعية لكي يحصل الشاب الذي يصبح عضواً في نادي رياضي سيتعرف على مدربين وإداريين وهواة ومحترفين يحملوا نفس الاهتمام والحاجة فيضحى النادي ملتقى اجتماعي إضافة الى كونه ملتقى رياضي شبابي. أقول باتت الرياضة صفة حضارية تعالج متطلبات الشباب العصري في حياته اليومية والفصلية. حيث هناك صناعات خاصة بالأجهزة الرياضية لخدمة أكبر شريحة اجتماعية، ولما أصبحت العلاقة بين الشباب والرياضة متواصلة ومستمرة طيلة فصول السنة التفتت ليها الأجهزة الإعلامية المرئية والمسموعة والمكتوبة لتغطية مناشطها وفعالياتها وابطالها ورموزها وقوانينها وتعليماتها فظهرت برامج تلفازية خاصة بها بشكل يومي واسبوعي وتناولتها ايضاً وكالات الأنباء وشركات الدعاية والاعلان عارضةً المنتجات الرياضية ليس هذا فحسب بل تفاعل مع هذه الاحداث المستجدة شركات الأدوية الطبية في اختراع مقويات لعضلات الجسم علاوةً على الأجهزة الطبية الرياضية. وفي ظل هذا الاهتمام تفاعلت الجامعات والمعاهد الاكاديمية ايضاً في تخصيص قسم خاص بالتربية الرياضية والطب الرياضي والصحافة الرياضية. ولا جرم من الإشارة الى استغلال هذا الاهتمام الشبابي والجماهيري ساسة البلد فأسسوا وزارة خاصة برياضة الشباب اعتبروها أحد الوسائل لدعائية لحكمهم ولبلدهم في بلدان أخرى مما توثق عُرى الصداقة والمودة بين البلدان لا حباً بالرياضة بل لأن الجماهير الشبابية تعلقت بها وتنمي عندهم روح المتابعة لما يجري في حياة المجتمع ويعرفهم على ابطال مجتمعهم، هذا من جانب ومن جانب أخر فإن الحكومة تشجع الشباب على الاهتمام بالرياضة لأنها تبعدهم عن الانخراط في الأنشطة السياسية المعارضة لسياستها وتبعدهم ايضاً عن الانحرافات السلوكية واستخدام المخدرات والمسكرات. علاوةً على استغلال المباراة الجماعية (مثل مباريات كرة القدم والسلة والركبي والطائرة والبولو والكركت والمصارعة والملاكمة) كوسيلة للمراهنات من أجل الحصول على مكاسب مادية. ولا ننسى اشتقاق حقل خاص بإدارة الملاعب والفرق الرياضية في قسم الإدارة في الجامعة.

ولا مرية إذن من القول بإن ممارسة الشباب للرياضة حقق العديد من وأشبع الكثير من الحاجات الفردية والاجتماعية في المجتمع الحديث فباتت أبرز وأهم الاهتمامات العصرية للشباب. فهي إذن هواية وتسلية وثقافة وصحة ورشاقة جسمية واثارة انتباه الناس لما يتطور في عالم الرياضة بحيث خصصت الحكومة والنوادي الرياضية مكافئات مادية للفائزين من الشباب في مسابقاتهم. علاوة على اهتمام الشابات ايضاً بالرياضة حيث لم تقتصر الرياضة على الشباب فقط بل لأنهنَّ أكثر اهتماماً برشاقتهنَّ وصحتهنَّ ومظهرنَّ ولياقة بدنهنَّ وهذا ما شجع الشركات ومصانع الأجهزة الرياضية والطب الرياضي على الاهتمام باحتياجات الرياضة النسائية والمعدات والمغذيات والأدوية الخاصة بالنساء سواء كان ممارستها في النوادي الرياضية أو المنازل أو في الساحات العامة. هذه المنشاط جعلت المجتمع الحديث يتقبل بكل أطيافه وشرائحه الاجتماعية التعلق ومتابعة الأنشطة الرياضية التي تحدث في بلدهم وبلدان أخرى غير بلدهم ومتابعة اخبارهم. ومن نافلة القول بات واضحاً ان الجمهور الرياضي أصبح الرابط القوي بين الشباب والرياضة ومتن هذا الرابط الوسائل الإعلامية. كل ذلك بلور ثقافة فرعية خاصة بالرياضة جُلَّ أبنائها من الشباب والشابات لأنها تقوي اجسامهم وتهذبه لأن معيار الرشاقة أصبح من أهم المعايير الاجتماعية الشبابية لكلا الجنسين. فهي إذن أحد المعايير التي تساعد على منح المكانة الاجتماعية للشاب وللشابة لامعة ومرموقة وحيوية فلم يعد الأب والأم معارضين لممارسة أبنائهم وبناتهم للرياضة. بل وظهر علم خاص في علم الاجتماع اسمه (علم اجتماع الرياضة) يبحث فيه باحثين متخصصين يعرضوا نظرياتهم ومناهجهم واهتماماتهم الشبابية في الجال الرياضي. ولإيلاء عناية أكثر واهتمام أوسع عن علاقة الشباب بالرياضة في عصرنا الحالي أدلف الى مدار تناول أهميتها في تعديل سلوك الفرد وتنظيم وتطوير تنشئته ومساعدته على تكيفه لحياة مجتمعية من خلال تنميته بدنياً وعقلياً ونفسياً واجتماعياً فضلاً عن ابعاد الشباب عن الشعور بالفراغ والقلق والملل وتزيد من ثقته بنفسه من خلال منحه الشعور بالارتياح والرضا والنشاط لأنها تعلمه الصبر واحترام قواعد اللعبة والتنافس النزيه والجرأة والتركيز وتعالج حالات الاكتئاب وتساعده على التغلب على العادات السيئة التي تستنزف طاقته وتؤخر سن شيخوخته وتقيه من أمراض الخرف والزهايمر وتقلل من نسبة التشتت الذهني بشكل كبير وتحسن قوة ملاحظته وسرعة بديهته وتساعده على التحكم بانفعالاته التي تمكنه من حسن التصرف في المواقف الحرجة وتحصنه من الوقوع في مهاوي الإجرام وتعاطي المخدرات وصقل مواهبه وتهذيب نفسيته. كل ذلك يساعده على تكوين شخصيته متزنة نفسياً توازن بين السرور والغضب بين النجاح والخسارة. هذا على الصعيد الفردي، أما على الصعيد الاجتماعي فإنها تقوي العلاقات بين أفراد المجتمع من خلال لقاءاتهم وتقارب أبناء الثقافات وتعرفهم على بعض البعض وتساعدهم على الشعور بالانتماء للجماعات وتعزز القيم الاجتماعية والخلفية السلمية. اخيراً أقول إنها (الرياضة) ثقافة جسدية مكملة للثقافة الذهنية والاجتماعية تزيل الكسل والخمول والتسكع من خلال بثها الحيوية ورفع الروح المعنوية والمثابرة والتعاون المتنافس تمول المجتمع بالحركة الدائبة المثمرة.

أ – الشباب والرياضة في العصور الغابرة

كما ذكرنا في الاستهلال عن علاقة الشباب بالرياضة لم تكن واحدة في كل الأزمان والمكان، بل تختلف كماً ونوعاً واهتماماً وغرضاً. حيث كانت تلعب الرياضة دوراً حيوياً في تحديد صلاحية الشباب وفائدته للخدمة العسكرية واثبات قدراته على الكفاح والخدمة في الجيش، هذا الاهتمام – في الواقع – يوضح لنا كيف كان الشباب يمثلوا عماد المجتمع من خلال ممارستهم للرياضة وبناءً على ذلك فإنها تساهم في بناء مكانته الاجتماعية في مجتمعه بسبب احتياج مجتمعه له في المهمات الصعبة (الجيش والعمل والمهارة) بمعنى ان المجتمع يريد شبابه ان يكون رياضيين من أجل خدمته وإدامته وليس لرغبة الشباب في ممارسة هوايته. أقول لم يكن للشباب دور في اختيار رياضته في العصور الغابرة (أي عصور ما قبل التاريخ) بل لحاجة مجتمعهم لهم من خلال رياضته وهذا ما سنتعرف عليه في عصور ما قبل التاريخ لكي نتعرف على نمط هذه العلاقة التي تأخذ بين المد والجزر وما بينهما بسبب تأثير المرحلة التطورية التي يمر بها مجتمعهم.

ندلف الان الى مدار هذه العلاقة وهي كالاتي:

الرياضة في عصور ما قبل التاريخ: تم العثور على لوحات في كهف  أسكو  في فرنسا والتي يقترح انها كانت لتصوير الركض والمصارعة في العصر الحجري الأعلى منذ 15,300 سنة مضت.  لوحات الكهوف في إحدى محافظات منغوليا التي يعود تاريخها إلى العصر الحجري الحديث من 7000 سنة قبل الميلاد تظهر مباراة مصارعة تحيط بها حشود. الفنون الصخرية في  العصر الحجري الحديث  التي عثر عليها في كهف السباحين في وادي سورة، بالقرب من الجلف الكبير في ليبيا قد أظهرت أدلة على السباحة والرماية تمارس  من حوالي 6000 سنة قبل الميلاد.[4] كما تم العثور علي لوحات كهفيه  ما قبل التاريخ  في اليابان تصور رياضة مشابهة لمصارعة  السومو.

سومر القديمة: عروض مختلفة من المصارعين تم العثور فيها على ألواح حجرية ترجع الي الحضارة  السومرية . أحدها يعرض  ثلاثة أزواج من المصارعين  تعود إلى حوالي 3000 قبل الميلاد.  تمثال من  البرونز (ربما قاعدة إناء) تم العثور عليه في الخفاجي في العراق و الذي يظهر اثنين من الشخصيات في المصارعة  وهذا يعود إلى حوالي 2600 قبل الميلاد. التمثال هو واحد من أوائل التصوير في الرياضة وهو محفوظ في المتحف الوطني العراقي. أصول الملاكمة أيضا ترجع إلى سومر القديمة. في ملحمة جلجامش يعطي واحدة من أوائل السجلات التاريخية الرياضة بين  جلجامش وأنكيدو على المسمارية تسجيل حكاية التاريخ إلى حوالي عام 2000 قبل الميلاد، ومع ذلك فان جلجامش من المفترض أن يكون عاش حوالي 2800 إلى 2600 قبل الميلاد.[11] خطافات  للصيد تم العثور عليها خلال عمليات التنقيب في أور، مما يدل دليل على الصيد في سومر في حوالي 2600 قبل الميلاد.

مصر القديمة: آثار الفراعنة وجدت في بني حسن التي يرجع تاريخها إلى حوالي عام 2000 قبل الميلاد تشير إلى أن عددا من الرياضة منها المصارعة ورفع الأثقال، الوثب الطويل، السباحة، التجديف، الرماية، صيد السمك والألعاب الرياضية، فضلا عن أنواع مختلفة من ألعاب الكرة، كانت متطورة ومنظمة في مصر القديمة. الرياضة المصرية شملت أيضاً رمي الرمح، الوثب العالي، والسنوكر. في وقت سابق اشكال شخصيات المصارعة وجدت في أحد القبور في سقارة  والتي يرجع تاريخها إلى حوالي 2400 قبل الميلاد.

اليونان القديمة: تصوير طقوس الأحداث الرياضية في  الفن  المينوي من العصر البرونزي في كريت، مثل تصوير جصي و التي يرجع تاريخها إلى 1500 سنة قبل الميلاد من الجمباز في شكل  الثور- القفز وربما مصارعة الثيران. أصول مهرجانات الرياضة اليونانية قد تعود الي جنازة الألعاب في اليونان الموكيانية في الفترة ما بين 1600 ق. م. و1100 قبل الميلاد. المشاركة في الرياضة يوصف بأنه وظيفة النبلاء والاثرياء، الذين لا حاجة للقيام بعمل يدوي بأنفسهم. في أوديسي، يثبت الملك “اوديسيوس من إيثاكا” فروض الولاء الملكية للملك اكينوس فاياكيس بعرض  في رمي الرمح. كان متوقعا في اليونان أن الرياضة الأولى أقيمت رسميا، مع دورة الألعاب الأولمبية الاولي سجلت في 776 قبل الميلاد في أولمبيا، حيث كان يحتفل به حتى 393 م. وعقدت دورة الألعاب كل أربع سنوات، أو الأولمبياد. في البداية كان  عرض واحد فقط للركض، ثم توسعت دورة الألعاب الأولمبية تدريجيا  لتشمل عدة سباقات،  الدروع والملاكمة والمصارعة،  سباق العربات، الوثب الطويل، رمي الرمح ورمي القرص. وصدرت “هدنة اوليمبية” خلال الاحتفال بالألعاب، حيث أن الرياضيين يمكنهم السفر من بلدانهم لأداء الألعاب في سلامة. وكانت الجوائز للمنتصرين عبارة عن اكليل الغار. وكانت “ألعاب هيران” المنافسة الولي الرياضية المسجلة  للمرأة والتي عقدت في أولمبيا في القرن السادس قبل الميلاد.

العصور الوسطى: لمدة لا تقل عن مائة سنة، كانت قرى بأكملها قد تتنافس مع بعضها البعض، وفي بعض الأحيان تكون عنيفة، في إنكلترا (مواكب لكرة القدم) وأيرلندا . وفي المقابل، كانت لعبة كالتشيو فيورنتينو، في فلورنسا،  بإيطاليا، هي الرياضة القتالية المنصوص عليها أصلاً  مثل المبارزة والتبارز . وكانت سباقات الخيل، على وجه الخصوص، هي  المفضلة من الطبقة العليا في بريطانيا العظمى، مع الملكة آن التي اسست “مضمار اسكوت”.

تاريخ الرياضة النسائية: منافسة المرأة  في الرياضة كان مكروها من قبل العديد من المجتمعات في الماضي. حيث على سبيل المثال كان  لا مشاركة رسمية للنساء في الألعاب الأولمبية عام 1896. القرن 20 شهد تقدما كبيرا في مشاركة المرأة في الألعاب الرياضية، على الرغم من أن مشاركة المرأة كمشجعين، إداريين، مسؤولين، مدربين وصحفيين رياضيين تبقى  أقل من الرجال. الزيادة في الفتيات والنساء في الرياضة قد تأثرت بحركات  حقوق المرأة في القرنين التاسع عشر والعشرين على التوالي. في الولايات المتحدة  تم تدعيم مشاركة الطالبات في الرياضة بشكل كبير بناء علي الباب التاسع من قانون في عام 1972 والتي تحظر التمييز بين الجنسين في جميع جوانب الهيئات التعليمية التي تستخدم المساعدات المالية الاتحادية، مما يؤدي إلى زيادة التمويل والدعم لتطوير اللاعبات.

[https://ar.wikipedia.org]

ب – الشباب والرياضة في العصر الحالي

نود أن ندخل الى هذا الموضوع من باب الشباب الذين أجبروا وأوجبوا المجتمع على الاستجابة لاحتياجاتهم في مناشطهم الرياضية في هذا العصر الحديث بعدما كانوا خاضعين لصرامة المجتمع في العصور الغابرة في الزامهم بتلبية مطاليبه في الخدمة العسكرية والعمل والمهارة. علماً بإن الشباب مازالوا يمثلوا عماد المجتمع والطاقة الحيوية فيه إلا انهم بادروا بممارسة رياضاتهم المتنوعة والمتعددة الأمر الذي جعل الفئات الاستثمارية مثل الصناعيين والمهندسين والعلماء والأطباء والإعلاميين ومصممي الأزياء والتجار والأكاديميين أن يسارعوا بتنفيذ احتياجاتهم الرياضية المعاصرة في ممارسة الرياضة وهم الذين تحكموا في مواصفات احتياجاتهم المتنوعة فلم يبقى المجتمع هو المتحكم في ممارسة رياضتهم ولكي تبقى الصلة وثيقة بين الشباب والمجتمع أهتم الأخير برياضتهم ودعمها ولم يفرط بها لدرجة أنها أصحبت المعيار أو المحك الذي يقاس من خلاله مدى تقدم ورفاهية المجتمع. وباتت الرياضة في المجتمع الحديث يُمارسها جميع شباب الطبقات الاقتصادية والاجتماعية دون تميز أو مفاضلة، أعني يمارسها شباب الفقراء والاغنياء على السواء لأنها أصبحت الواجهة الحضرية للمجتمع علماً بإن هذه الممارسة الشبابية تمارس بشكل دوري ومستمر فأضحت المجتمعات تشجع على ممارستها لكلا الجنسين (الذكور والاناث). ومن نافلة القول ان الرياضة الشبابية في العصر الحديث لم تكن مقتصرة – كما كانت مقتصرة في العصور الغابرة – على الركض والمصارعة والرماية والفروسية ورفع الاثقال وصيد السمك وسباق العربات والمبارزة وسباق الخيل، بل تعددت ذلك فالرياضة الجماعية مثل كرة القدم، كرو اليد، كرة السلة، كرة القدم الامريكية، كرة الطائرة، الهوكي، لعبة البيسبول، الكريكت، التنس. أما الرياضة الفردية فهي: رياضة المحركات الالية، العاب القوى، الاسكواش، التزلج على اللوح، التزلج على المنحدرات الثلجية، الساحة والميدان، الغوص الحر، الملاحة، بلياردو، بولينج، تايكوندو، تزلج ريفي، تمارين اثقال، تنس الطاولة، جمباز، جودو، ركوب الدراجة النارية، ركوب الكاياك، سباحة، سباق الدرجات، سباق السيارات، كرة السرعة، سنوكر، شطرنج، صيد السمك، غولف، طيران شراعي معلق، قفز تزلجي، كما أجسام، مباراة سيف الشيش، مرماة، مصارعة ذاتية، ملاكمة، المشي، سباق الزلاجات الصدرية وسواها. لاحظ هنا أن نوع وعدد الرياضة الفردية أكثر من نوع وعدد الرياضة الجماعية في الوقت الراهن وذلك راجع الى أنها تمارس حسب أوقات فراغ الشباب وتعبر عن الاستقلالية الذاتية والمزاج الشخصي والتعبير عن الذات فباتت الرياضة مرآة الحياة الفردية في المجتمع الحديث الذي سادت فيه العلاقات المجهولة والسطحية والتحرر من هيمنة المجتمع عليه. لكن بعدما سادت التكنولوجيا والتغيرات والتطورات الحديثة وأصبح الشباب أحد أركان هذه التطورات أصبح لزاماً عليه ان يمارس الرياضة لا كهواية فقط ولا لقتل وقت الفراغ فحسب بل كجزء لا يتجزأ من حياته العصرية لأنها تذيبه في الجماعة وتدعوه للتعاون وتنمي احساسه بالانتماء وتساعده على قوة التحمل والجلد والصبر والتسامح. ولا ننسى ما جلبته التكنولوجيا والاعمال المكتبية في خلق امراض جسمانية ونفسية وصحية بسبب قلة الحركة وضعف اللياقة البدنية وانخفاض القدرة على الإنتاج كذلك انتشار وسائل الراحة مما جعلت الشباب أكثر قابلية بأمراض القلب وتصلب الشرايين وضغط الدم وتيبس المفاصل وداء السكري والسمنة وزيادة الوزن وارتفاع الكولسترول واضطراب في عملية التمثيل الغذائي للأطعمة والتهاب المفاصل الفقرية وامراض الكلى والجهاز التنفسي والأمراض العضلية الهيكلية. أخيراً نسجل دور الرياضة في بعث روح الحماس والحياة ورفع شأن البلاد لأن في مجال الرياضة يمكن تقديم خدمة كبيرة للمجتمع الدولي، فمجالات الرياضة والألعاب أصبحت واسعة جداً، وكل ذلك يعمل على توطيد العلاقات بين الشعوب والأمم عن طريق إقامة المباريات والدورات الرياضية، فالرياضة لا تحتاج الى لغة ولا لأية صفة غير صفة الإنسانية مهما تعددت الجنسيات والألوان والأديان والطوائف والأفكار، فالرياضة خير جامع وهي مع الفن يمكن أن تُشَكِّلا حجر الأساس في الجمع بين الدول وبين أبناء المجتمع الإنساني.  

العلاقات الرياضية بين الشعوب هي الطريق الأمثل لبناء ثقافة المحبة: وتلعب الرياضة دوراً هاماً في تعزيز العلاقات الدولية بين الشعوب حيث ينفتح مجال التنافس بين هواة ومحترفي الألعاب الرياضية بعيداً عن الصراعات السياسية حيث تتلاشى المشاعر الضيقة والتي يحل محلها الشعور الإنساني الذي يقودها الى التعبير عن المحبة المتبادلة والتعاون الذي يساعد السياسيين على حل الكثير من التوترات.

الابتعاد عن أجواء الحروب والاقتتال: وتوفر الرياضة فرصاً عظيمة لإرساء أجواء من السلم والمحبة كما تعمل على إبعاد شبح الحروب والاقتتال بين الدول وتساعد على الحياة الحرة الكريمة.

الثقافة الرياضية وبناء العلاقات الاجتماعية والصداقات: كما تترك الرياضات المختلفة في نفوس العامة آثاراً ذات بهجة بما تحمل من متعة وفائدة لا يختلف عليها عاقلان فلكل من الروح والبدن حق من ضمن الحقوق العديدة التي يحتاجها الإنسان وعلى هذا الأساس كانت لآثار المظاهر الرياضية أهمية من حيث التأثير على الثقافة العامة للمجتمع تظهر على شكل صداقات وتزاوج بين أفراد المجتمع وتبادل معرفي قائم على المحبة.

دور الشباب والرياضة في بعث روح الحماس والحياة: وللشباب الدور المهم الذي لا يقل في إشعاعه عما يقوم به الكبار فهم مادة الحياة والحركة وهم بقواهم البدنية وإراداتهم النفسية يتخطون المصاعب نحو تحقيق الذات والانتصارات والنجاحات في مختلف الميادين ومنها الرياضية.. فالدول تهتم برعاية الشباب من أجل بناء مجتمع قوي نخبته وقياداته تمتلك روح الحماس والمثابرة لقيادة الحياة وتحقيق مستقبل زاهر.

الرموز الرياضية الوطنية ودورها في رفعة شأن البلاد: إن إحراز مراكز متقدمة في البطولات الدولية يعكس مدى الرعاية الخاصة التي تبذلها الدول للشباب كما يبرز التطور الحاصل في ميادين الرياضة باعتبارها حقل من الحقول الفنية التي تعبر عن ثقافة ذلك البلد والذي يمكن أن تبرز فيه رموز مهمة ترفع من مكانة البلد وتعزز موقعه بين بقية بلدان العالم. 

التربية البدنية: إن للرياضة دوراً أساسياً في بناء الأجسام وتكاملها حيث يمكن للرياضي أن يمتلك لياقة بدنية عالية تؤهله لخوض المسابقات الرياضية وممارسة فنون الرياضة المختلفة والمشاركة في الدفاع عن الوطن وتحقيق الحد اللازم من الصحة العامة.

الدورات الرياضية العالمية: وتلعب الدورات الأوليمبية والدولية دوراً مهماً في توطيد العلاقات السلمية بين الشعوب وتساعد على فسح المجال لتمتين العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والفنية والتبادل المعرفي والثقافي. 

ملْئ الفراغ والصحة النفسية والبدنية: ويعتبر الفراغ سبباً كافياً لظهور الكثير من المشاكل ولا يمكن إطفاء هذا الفراغ إلا بالعمل على ملئه بما هو مثمر ومفيد، ويعتبر الجانب الرياضي من أهم الجوانب التي قدراً كبيراً من الصحة النفسية والبدنية.

 مشاركة المرأة في مختلف الفنون الرياضية: كما أن للمرأة حق ممارسة الرياضات المختلفة والمناسبة ولابد من توفير الأجواء اللازمة لها وحمايتها ورعايتها الرعاية الحقة واللائقة.  

الرياضة فن ومهارة ودروس أكاديمية: وتعتبر الرياضة فناً من الفنون الأكاديمية التي تتطلب مهارة وإتقان لذلك اهتمت الدول بفتح كليات ومدارس وأندية لتعليم الفنون المختلفة من الرياضات التي تؤهل الأفراد والجماعات للدخول في المنافسات والمشاركة في المسابقات المحلية والدولية الفردية منها والجماعية.

حاجة الشباب الى الأندية والملاعب الحديثة: إن من مقومات نجاح العمل الرياضي إبداء الاهتمام بإنشاء المجمعات الرياضية في المدن الكبيرة إلى جانب نشرها في مقاطعات المناطق السكنية وتغطية حاجات المواطنين لها وسد احتياجاتهم للملعب الرياضي لممارسة مختلف الفنون الرياضية ككرة القدم والسلة والطائرة والسباحة والتنس وكرة المضرب والألعاب الخاصة باللياقة البدنية وغيرها من الرياضات البدنية.

التجهيزات والمعدات الرياضية: لقد أحدث التطور العلمي نقلة نوعية في عملية تطوير الأجهزة والمعدات الرياضية بالإضافة الى الأجهزة القياسية التي تتعلق بالوزن والقوة وبقية المواصفات التي يمكن تطويرها وتحسينها على الوجه الأحسن.

توفير الكوادر التدريبية: وينبغي توفير كافة المستلزمات التي تتعلق بتطوير المهارات والقدرات ومنها تهيئة الكوادر التدريبية الفنية لتعليم اليافعين والشباب فنون الألعاب المختلفة التي تلبي حاجة الجميع لمختلف الأعمار والشرائح.  

توفير القيادات الإدارية الناجحة: وتسعى الدول ومن خلال برامجها وخططها الى ملئ المواقع الإدارية والقيادية بالكفاءات المتخصصة لإدارة النوادي والملاعب ومتابعة شؤونها المختلفة بخريجي الجامعات والدراسات العليا بالشكل الذي يرفع من مستوى الأداء العام، وقد تكون الانتخابات خير وسيلة لاختيار القادة الرياضيين في مواقع الإدارة بالمستويين الأعلى والأدنى.

الصحافة والإعلام الرياضي: وتلعب الصحافة ووسائل الإعلام الرياضي دوراً هاماً في نشر الوعي الثقافي والرياضي وهي أفضل وسيلة نقل للنشاط يأتي بعد الحضور في الملاعب والأندية الرياضية. فالصحف تنقل الصورة وتساهم في النقد البناء وتساعد على عملية البناء الثقافي للرياضة في المجتمع وتساهم في مهمة عملية تطوير النشاطات الرياضية المختلفة.

دور الفضائيات في نشر الوعي الرياضي وفنون النشاطات التدريبية: إن التطور العلمي أحدث نقلة نوعية في ربط الدول ببعضها كما ساعد وشجع على التواصل الاجتماعي بين المدن مما أحدث طفرة في عالم الإعلام والإنجاز العام ونشر التوعية الجماهيرية والشعبية في صفوف المواطنين.

خاتمة: إن تمتين العلاقات الرياضية بين الشعوب يعتبر الطريق الأمثل لبناء ثقافة المحبة والابتعاد عن أجواء الحروب والاقتتال وتلعب الثقافة الرياضية دوراً هاماً في بناء علاقات اجتماعية وصداقات تبعث روح الحماس والحياة في أوساط الشباب، وتعتبر الرياضة فرصة ثمينة يمكن للشباب أن يستغلها لبناء أجسامهم ، ويمكن للدورات الأولمبية والدولية أن تسهم في ترسيخ العلاقات بين الدول وتعمل على ملْ الفراغ بصورة جيدة.. وللمرأة حصة لا تقل عن الرجل في المشاركة ويمكن للدراسات الأكاديمية التخصصية أن تلعب دوراً مهماً في الجانب الرياضي في مجال التربية والتعليم. ان توفير الأندية والملاعب الحديثة والتجهيزات والمعدات الرياضية يساعد كثيراً على التنمية وبالموازاة فإن الاهتمام بهيكلية الكوادر التدريبية سيوفر فرصاً مناسبة للكفاءات ويفسح المجال أمام القيادات الإدارية الناجحة لتكون أكثر عطاءً بما تمتلكها من حسن التخطيط والعمل المهني. وليس خافياً الدور الذي يمكن أن تقدمه الصحافة والإعلام الرياضي وكذلك الفضائيات في عملية نشر الوعي ونقل النشاطات الرياضية وبالخصوص النشاطات التدريبية التي تقوم عليها الرياضيات الجماهيرية المختلفة. [www.alnoor.se]

ت – الشباب والرياضة الالكترونية

هي رياضة كباقي الرياضات وأفضل وهي مصطلح عالمي يعبر عن منافسات العاب الفيديو حيث يتنافس الشباب على هيئة أفراد أو فريق يضم بطولات محلية أو عالمية بهدف الفوز بجوائز معنوية ومادية. تتبع هذه البطولة لمجموعة قوانين يمكن أن تتم داخل صالة يجتمع الشباب في مكان ووقت محدد أو عن بعد من خلال الانترنت. ظهرت هذه الرياضة في أواخر عام 1983 ينعدم فيها المجهود الذهني لذا فهي سمة من سمات العصر الحديث الأمر الذي زادت شعبيتها واحترافها مع جوائز بالملايين فقامت اتنافس الرياضة التقليدية بقوة ومقرها كوريا الجنوبية تضم 46 دولة. تعتمد على القدرات الذهنية وتحاكي الرياضة الحقيقية مثل كرة القدم والسلة وغيرها تعمل على تطوير وتحسين أداء العقل البشري باستمرار بغض النظر عن القدرة العقلية للشاب بمعنى تعمل على تنشيط العقل حيث هي ساحة صلبة لإثبات النخب الفكرية في المجتمعات الحديثة المتطورة علمياً وتقنياً لذا فإنها استقطبت كبرى الشركات العالمية.

الرياضة الإلكترونية: أو ما يعرف بـe-Sports  اختصاراً لـelectronic sports  هي عبارة عن بطولات تنافسية في ألعاب معينة بين عدة فرق أو عدة لاعبين والفائز سيحصل على جائزة مالية قد تصل لملايين الدولارات.

كيف بدأت؟ أول مرة تم عمل مسابقة تنافسية تخص الألعاب الإلكترونية هي في عام 1972م وتم استضافتها من قبل جامعة Stanford (أحد أشهر الجامعات في العالم) وكانت اللعبة التي يقوم عليها التحدي هي Spacewar وهي لعبة جماعية وكانت تحدي بين مركبتين كل مركبة تحاول تدمر المركبة الأخرى، وكانت الجائزة اشتراك لمدة سنة في مجلة Rolling Stone  وهي مجلة متخصصة في اخبار الأفلام والموسيقى.

الأمور تصبح أكثر احترافية: في عام 1980م قامت شركة Atari  بتنظيم منافسة جديدة وتخص لعبتهم الحصرية Space Invaders وهي لعبة فردية وكانت النتيجة تحدد بمن أحرز أكثر عدد للنقاط، بلغ عدد الحضور في هذه المسابقة 10,000  شخص من جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية، ومنذ ذلك الحين تم وصف ألعاب الفيديو بأنها تعتبر هواية مثلها مثل بقية الهوايات. بعد ما قامت شركة Atari  بتنظيم المنافسة الجديدة قرر Walter Day أن يأسس منشأة تحفظ الأرقام القياسية التي يحرزها اللاعبون، فقام بتأسيس Twin Galaxies  ومن هنا بدأت فكرة الـ High Score، وفي عام  قامت موسوعة Guinness بضم الأرقام القياسية هذه الى موسوعتها تحت قسم الأرقام القياسية بعالم ألعاب الفيديو

وفي عام 1990  بدأت واحدة من أفضل المنافسات بعالم ألعاب الفيديو والتي مازالت للآن موجودة وتعتبر هي أقدم منافسة، حيث لها ما يقارب الـ 26  سنة، من أشهر الألعاب التي قامت عليها المنافسات هي NBA Jam (لعبة كرة سلة) و Virtua Racing (لعبة سباق فورملا)، أخر مرة قامت فيها هذه المنافسة هو في عام 2015  ومازالت قائمة وسنراها مجدداً. ويعود سبب انتشار الرياضة الإلكترونية بكوريا وكثرتها، هو بسبب انتشار شبكات الاتصال و الأزم المالية التي حصلت في عام 1997  كانت سبباً في الانتشار، حيث كان العاملون عندما ينتهون من عملهم يبحثون عن شي يقضون فيه وقت فراغهم ويكسبهم مالاً، ففي عام 2000  أنشئ ما يسمى برابطة الألعاب الرياضية الكورية والتي احتضنت أكبر الألعاب التنافسية مثل: Starcraft II  و League of Legends  و Dota 2  و Counter-Strike.

[https://saudigamer.com

الخلاصة والتعليق

 

ما دمنا في حدود أغراضنا ومن أجل تمحيص ما تقدم عن علاقة الشباب بالرياضة عبر التاريخ ولحد الان أن نجد أن الشباب لم يكن لهم رأي أو خيار في انتقاء رياضة في المجتمعات الغابرة (اليونانية والرومانية والفرعونية والسومرية والأكدية وأوروبا القديمة) حيث كان المجتمع هو الذي يحدد ويختار نوع الرياضة للشباب لحاجته اليهم في الحروب والمناسبات والاحتفالات والعمل مركزةً على القوة الجسدية وليس الذهنية والسبب في ذلك يرجع الى ان المجتمعات في تلك العصور كانت متحكمة في حرية الشباب ورغباتهم الرياضية لا يستطيعوا ان يختاروا الرياضة التي تناسبهم أو التي يرغبوا فيها حيث كانت تقام في الساحات العامة وليس في نوادي رياضية لعدم وجودها وكانت رياضة ثنائية وجماعية وليست فردية. أما في العصر الحالي الذي يتمتع فيه الشاب بالحرية الفردية مع ضعف سيطرة المجتمع عليه وبسبب اعماله المكتبية التي تتطلب الجلوس والعمل في المكتب لساعات طويلة تصل الى أربعين ساعة بالأسبوع مع رفاهية الحياة وازدهاراها عندها تحرك الشاب في ممارسة الرياضة التي تتناسب مع قدراته الجسدية زاد وزنه وتراخت عضلات جسمه الامر الذي دفعه الى أن يدلف الى ميدان الرياضة التي تخفف من وزنه وتهذب لياقته البدنية ورشاقته وتعالج امراضه الى اصابته مثل داء السكري وضغط الدم والكآبة وتصلب الشرايين وتيبس المفاصل وسواها. يعني أصبحت الرياضة بالنسبة له رياضة علاجية صحياً قبل ان تكون هواية يمارسها بنفس الوقت ومع تنوع مناشط الحياة الحضرية والصناعية ابتكر الشاب العصري انواعاً مختلفة له منها ما يمارسها في الجو كالطيران الشراعي والتحلق فيه وأخرى على الجبال في التسلق ورياضة على سطح الماء وأخرى تحت الماء (الغطس) وفيها ما كانت في الصلات والنوادي الرياضية وأخرى على الأرض (المشي والهرولة) مستخدماً آلات وأجهزة وملابس خاصة بكل نوع فيها. علاوةً على نوعها الأخر في الممارسة حيث الفردية والثنائية والجماعية (فرق رياضية). أما في السنين الأخيرة وفي عصر ثورة المعلومات واستخدام الأجهزة الالكترونية فقد تطورت علاقة الشباب بالرياضة فأصبحت رياضة ذهنية عقلية لا تحتاج الى جهد جسماني وهي الرياضة الالكترونية تُمارس في صالات مغلقة مع استخدام الانترنت. هذه المبتكرات العلمية في الأنشطة الرياضية تدل على تطور الشباب بالرياضة برزت فيها كفاءات وبراعات شبابية كسبت لأصحابها الملايين من الدولارات لا يستخدمها سوى الشباب اللوذعي والحاذق في ذكائه دون الحاجة الى جهد عضلي أو جسمي. بقيَّ ان أقول عن علاقة الشباب بالرياضة تخضع للمراحل التطورية للمجتمع حيث كلما تطور وازدهر تبدلت العلاقة من الاجبارية الى الخيارية ومن الهواية الى الاحتراف ومن المعنوية الى المادية لذا يمكن استخدام هذه العلاقة كمعيار لقياس تطور المجتمع ورفاهيته علماً بإن هذه العلاقة حفزت وطورت العديد من الأنشطة غير الرياضة مثل الصناعة والعلم والطب والاعلام والتجارة والاستثمار والعلاقات الدولية والأسرية والمناهج الدراسية على جميع مراحلها التعليمية (ابتدائية وثانوية واعدادية وجامعية). الملفت للانتباه في هذا المقام هو ان المجرمين المحترفين والهاوين لم يستطيعوا التوغل الى هذه العلاقة لأنها نزيهة واخلاقية وتنافسية ولا يستطيع المجرم الولوج اليها ولا يقدر على اخضاعها لنشاطه المنحرف والشاذ لا سيما وان الجماهير منشدة ومتعلقة بها ولأنها علاجية وذهنية متطورة. هذا هو المجال الوحيد الذي لم يدنسه المجرمين سواء كان في العصور الغابرة أو المعاصرة. ولا مشاحة من القول بإن الرياضة تجاوزت العرقيات والاثنيات والاقليات داخل كل مجتمع فلا توجد علاقة الشباب الأقلي مستقلة ومنفصلة عن شباب الأغلبية في ممارستهم للرياضة فالأسود يلعب مع الأبيض والمسلم يلعب مع المسيحي والهندوسي يلعب مع البوذي. أي تفوقت علاقة الشباب بالرياضة على الاختلافات العرقية بل وحتى الطبقية. ولا جرم من القول عن هذه العلاقة بإنها ودية وشيقة تتضمن منافسات حرة وصريحة يراقبها الجمهور في كل نشاك رياضي فضلاً عن كونها محصنة للشباب من الانحراف والادمان على المخدرات واستخدام الأسلحة وفي ظل ذلك بقيت نظيفة ونقية بعيدة عن الجرائم الفردية والمنظمة وخالية من التفرقة العنصرية والطبقية والسياسية والحزبية والطائفية.

الفصل التاسع

طيش الشباب

 

أ – التأويل الاجتماعي لطيش الشباب وهو في مقتبل عمره

ب – نماذج من طيش الشباب

– انجلينا جولي: طيشها قبل رشدها

– اعترافات طائشة

– طيش الشباب في تحرشهم الجنسي الكترونيًا

– التهور لا يعني المغامرة

الفصل التاسع

طيش الشباب

 

استهلال

يعني الطيش سلوك نازق وخفة في العقل لدرجة أن صاحبه يجهل تصرفه بسبب خفة عقله وانحراف سلوكه السوي وتشتت أفكاره، كذلك يعني السلوك الأرعن المتسرع والمندفع بتهور لا يتحرى عواقبه بمعنى تصرف أهوج. بتعبير أخر، انه تهور منفعل في موقف لا يستحق ذلك ودائماً ما ينتج عن هذا الطيش عواقب غير محمودة بسبب طبيعة المرحلة الشبابية المتسمة بالقوة والنشاط وقلة خبرة وسرعة الاندفاع توقع أصحابها في مهاوي لا تحمد عقباها خاصة إذا اختلط برفاق السوء. ولا جناح من الإشارة الى ان نقيض التهور والطيش هي: التأني والحلم والوقار ومجاهدة النفس التي تعكس رجاحة العقل واتزان النفس. بمعنى ان الطيش والهوى والسفاهة والعجلة دليل على خفة العقل وجهالة النفس التي تظهر في سرعة الغضب في تسير الأمور أو الأمور البسيطة غير المعقدة والمبادرة بالطيش والايقاع بالمؤذي والاسراف في العقوبة وإظهار الجزع من أدنى ضرر والعيب الفاحش هو استعمال الشاب قواه فيما لا ينبغي وكما لا ينبغي فضلاً عن اتصاف الطيش بالانفعال والغضب ثم الندم بعد فوات الأوان. ولما كان الشباب تنقصهم الخبرة الاجتماعية وعدم نضج سلوكهم وضعف رشد عقلهم واتسام طاقتهم البيولوجية بالحيوية المتدفقة وطموحاتهم الافاقة نحو التعرف على كل شيء يدور حولهم وفي محيطهم فإن ذلك يدفعهم نحو التصرف بتهور وعدم التفكير المسبق فيتسرعوا بتصرفاتهم دون ان يتوقعوا أو يتصرفوا عقباه. وبالذات عندما ينفعلوا بدون تأني فيفقدوا اتزان أنفسهم ورجاحة عقلهم معتمدين على قوتهم الجسدية في مواجهة المثير الذي أثارهم لذلك يعدما يتصرفوا بتصرفهم الارعن والمتسرع في اندفاعهم عندئذٍ يشعروا بالندم والخجل بما قاموا به، إلا ان ذلك بعد فوات الأوان. هذا السلوك غير المتزن والغير راجح يزيل حلم الشباب ووقارهم بسبب عجالة تصرفاهم وجهالة أنفسهم التي غالباً ما يظهر هذا السلوك في المجتمعات الحضرية والصناعية أكثر من البدوية والريفية والمحافظة بسبب ضعف قوة الضوابط الاجتماعية العرفية والوضعية وعدم تمدد هيمنة المجتمع على الفرد بل تحرر الفرد من ضوابط مجتمعه واستقلاله الشخصي فيحصل عنده انحرافات سلوكية وتصرفات خارقة ومارقة للقواعد السلوكية الجمعية وتهورات وعناد ينعكس عليه وعلى المجتمع. لذلك نجد نسبة ارتفاع الانحرافات السلوكية للشباب في هذه المجتمعات أكثر من انحرافات الشباب في المجتمعات الريفية والبدوية والتقليدية والمحافظة لدرجة انها تجرفه الى موجات سلوكية تؤذي حياته وشيء الى اسرته ومكانته الاجتماعية متباهياً بقوة حيوية جسده وغالباً ما يحصل طيش وتهور عند الذكور من الشباب أكثر من الشابات وذلك راجع الى كثافة ومساحة الضغوط الأسرية والاجتماعية عليها أكثر من الذكور بسبب الثقافة الاجتماعية المسيطرة عليها من قبل السلطة البطريقية – الذكورية. وغالباً ما يعترف الطائش المتهور بعودته الى رشده بعدما طاش في مرحلة مراهقته وشبابه. فهي فورة حيوية لا يستطيع الشاب التحكم فيها عقلياً لعدم رجاحته وفقدان اتزان سلوكه إذ قد يتلفظ بألفاظ نابية وفاحشة ويتباهى بها أمام الناس ويمارس قوته الجسدية ويفتخر بها دون تروي وتعقل ويعتدى على الأخرين لكي يبرز قوته وتلذذه بذلك، ولا يعرف بإنه متجرد من ضوابط مجتمعه الأخلاقية والعرفية أو الدينية. فقد يشرب الخمرة (في المجتمع الإسلامي) وهو محرم عليه كأحد صور طيشه وقد يمارس الجنس خارج حدود الزواج وهو محرم عليه ايضاً وقد يعتدي على حرمة وخصوصية الأخرين او يلعب القمار ويتحرش جنسياً بالأخرين، يعني يتصرف تصرفاً وكأنه مخدر أو سكران بدون خمرة وهو يدرك ذلك بإن كل ذلك من الممنوعات والمحرمات إلا انه يتباهى ويصرح بأفعاله ولا يعتبرها طيشاً أو تهوراً بل شطارة وحذاقة. كل ذلك يحصل في فترة شبابه الأولى. لكن هذا لا ينطبق على جميع الشباب بل فقط عند لذين لم يتنشئوا تنشئة دينية أو تقليدية محافظة. ولا ننسى الحالة الاقتصادية للشباب التي لها دوراً في تصرفه الاهوج والطائش وبالذات إذا توفر المال لديه سواء كان من اسرته أو من عمله لأنه يريد ان يكتسب اللذة في كل خبرة جديدة عليه خصوصاً الخبرات الممنوعة وغير السموحة عرفاً وديناً حيث يكون عنده كل ممنوع مرغوب فيه. أما متى ما يتجاوز هذه المرحلة ووصل الى مرحلة الرشد ورجاحة العقل واتزان النفس عندها يعترف بإنه كان نزقاً ومتهوراً لكنه لا يعترف بإنه كان منحرفاً او جانحاً. وهنا نقول هل ما ذكرناه انفاً يعتبر تبريراً لطيش الشباب؟ الجواب كلا. بل من زاوية علم الاجتماع يعد ذلك انحرافاً يتطلب مداواته وهو في بدايته لكيلا يصل الى مهاوي الجريمة والانحراف المزمن.

أ – التأويل الاجتماعي لطيش الشباب وهو في مقتبل العمر: لقد وضعنا معادلة تفسر طيش الشباب بشكل نظري وهي:

عمر الشباب + دوافعه الاجتماعية + المغريات المادية = استعداد الشاب أو ميله للطيش المتهور.

ففي فترة عمر الشاب التي تتراوح بين التاسعة والثامنة عشر 9 – 18 يكون حاملاً صفات خاصة بهذه الشريحة العمرية إذا تفاعلت مع دوافعه اجتماعية وانجذبت لمغريات مادية واجتماعية فإن ذلك يبلور عنده ميلاً أو استعداداً للتهور والطيش وهي: –

  • عدم نضج مشاعره وأفكاره.
  • قلة خبرته في التعامل الاجتماعي والعلاقات الصداقية.
  • طموحاته وخيالاته الافاقة تنسج أحلامه اليقظة.
  • قد تكون مرحلته الطفولية مضطربة أو واجهت تعاملات عنيفة من قبل أحد الأبوين أو كلاهما، الأمر الذي يجعله يتصرف بعنف للدفاع عن نفسه في مواجهة إيذاء الأخرين أو المسيئين له.
  • احباطاته التي تولدت في الأسرة أو المدرسة أو الجماعة العمرية.
  • الفشل في تحقيق اغراضه أو مصالحه وأهدافه الذاتية.
  • انطوائه على نفسه الذي يدفعه للانزواء الاجتماعي وعدم التعامل مع الاخرين.
  • لديه شعور مسكون داخله يطمح في اقتحام عالم الانحراف والدخول فيه من أجل اللذة في الخبرة الجديدة.
  • قد يكون مصاباً بمرض نفسي أو عصبي.

هذه الحالات النفسية والاجتماعية تقترن مع عمر الشاب في مرحلة المراهقة إذا تأثرت بالدوافع الاجتماعية المتمثلة في:

  • انحداره من طبقة فقيرة خاضعة لظروف مالية قاسية وصعبة حرمته من العديد من مستلزمات الحياة الأولية.
  • انحداره من طبقة غنية جداً بالغت في تدليله ومنحته كل ما يريد ولا تمنعه من أي تصرف يتصرف به.
  • وجود خلافات أسرية بين الوالدين بشكل مستمر.
  • غياب الأب (موت، طلاق، انفصال) في التنشئة الأسرية مما يجعل الأم المسؤولة في تربيته وهذا عبء كبير فتمسي التنشئة ناقصة أو عرجاء.
  • وقوعه تحت ضغوط نفسية أو مالية أو اجتماعية أو مدرسية لا يطيقها أو غير قادر على تحملها فيلجئ الى التخلص منها عن طريق التهور والطيش.
  • ضعف الضوابط العرفية في منعه من الاقدام على الطيش.
  • تأثير أصدقائه من نفس الشريحة العمرية في تعليمه تحدي المجتمع أو الأسرة أو السلطة.
  • نظام تعليمي فاشل يعتمد على طرق تربوية لا تتناسب مع روح العصر

فيتحول الى عنصر لطرد الطلبة من المدارس بدلاً من أن يكون جاذباً لهم.

هذا من جانب الدوافع الاجتماعية، أما من جانب المغريات فيحصل ما يلي: إذا أثرت هذه الظروف على ما يحمله الشاب المراهق من معاناة واحباطات وفشل وانطواء وطموحات فإن ذهنه يتفتح نحو التفكير بشكل جدي وليس حلمي بالخروج من هذه الحالة المتفاعلة لكي يعوض ما هو مفقود عنده ويحسن وضعه مثل الحصول على المال بسرعة أو الحصول على اعتبار ذاتي متميز بين أصدقائه (جماعة الاتراب) أو الشهرة الإعلامية فيحقق طموحه بالمال والشهرة وتكون هذه بمثابة مغريات متفاعلة مع خصوصية عمره مع المؤثرات الاجتماعية. عندئذٍ تتولد عنده حالة الاستعداد أو الميل للإقدام على التهور والطيش والانحراف عن المعايير أو القيم الاجتماعية. التهور والطيش صفات ملازمة للمراهقة كمرحلة عمرية في حياة الفرد حيث تتميز هذه المرحلة بالاندفاع الشديد والحماسة المبالغ فيها تجاه الكثير من الأمور التي لا تعتبر آمنة دائماً، وهذا ما يعرض المراهق للكثير من المخاطر والمغامرات التي لا تحمد عقباها، والحقيقة أن هذه المسألة تعد مشكلة كثيراً ما تقلق الأهل والمربين وتوتر العلاقة بينهم وبين أبنائهم، ولذلك فقد لاقت اهتمام كبير في الأوساط العلمية التربوية من حيث تفسير أسبابها وتعريف خصائص مرحلة المراهقة والبحث عن حلول تربوية لها، فما هي الشخصية الاندفاعية التهورية؟ وما خصائصها وعلاماتها عند أبنائنا المراهقين؟

أنواع وأشكال سلوك التهور عند المراهقين

من علامات ومظاهر الشخصية الاندفاعية المتهورة أنها لا تقدر عواقب الأمور ونتائج التصرفات والأفعال ولا تضع حساب لما قد يحصل في النتيجة، ولكن هذه الصفات تختلف من حيث نتائجها باختلاف المرحلة العمرية أو الجنس والثقافة والرغبات والحاجات، ولكن بالحديث عن المراهقين وبشكل عام فيمكننا الإشارة إلى بعض المجالات الأكثر شيوعاً في تهور المراهقين وتصرفاتهم الطائشة المندفعة:

  • المغامرات والعلاقات الجنسية في مرحلة المراهقة: حيث أن اجتماع قلة الخبرة لدى المراهقين في وسائل إشباع حاجاتهم الجنسية ومرحلة البلوغ الجديدة عليهم التي يمرون بها وما يتخللها من هيجان عاطفي وجنسي، قد تجعل المراهق يوقع نفسه بالكثير من المشاكل وخاصة بالحديث عن المراهقات الإناث هذا بالإضافة لإمكانية بروز بعض الميول الشاذة.
  • التحديات الخرقاء للمراهق:كل ما هو محيط بالمراهقين يشكل موضوع تحدي بالنسبة لهم، في علاقاتهم مع زملائهم وأصدقائهم أو طريقة فهمهم لأخذ حقوقهم أو الوسائل التي يتبعونها للتعبير عن أنفسهم وإثبات وجودهم، فلكل ذلك قد يدخلون بأشكال من التحديات مثل الشجار والعنف التي يتسببون خلالها بالأذى سواء لأنفسهم أو لغيرهم.
  • التعلق والإيمان بمعتقدات وفلسفات غريبة: مثل ظاهرة ما يعرف بالإيمو أو ظاهرة عبدة الشياطين التي لا تمت لثقافة أو دين أو مجتمع المراهق بأي صلة وإنما تعارضها وتتناقض مع كل مكوناتها إلى أبعد الحدود وقد يجد المراهق في هذه الأشياء مغامرات وطريقة في التعبير عن بعض رغباته الغريزية المكبوتة وهي خطرة جداً على صحته النفسية وحضوره الاجتماعي.
  • الانخراط في مغامرات وتجارب جريئة: مثل الرغبة بالسفر وهي من الأشياء شديدة الانتشار بين المراهقين أو تعلم التدخين وإدمان المواد المخدرة والكحولية ولا يدفعهم إلى ذلك سوى الرغبة بالتجريب والمغامرةدون إدراك أو اهتمام بعواقب هذه الأمور.
  • التهور في استعراض المهارات والقدرات البدينة:وخاصة بالنسبة للذكور مثل تجربة القيام ببعض الحركات الرياضية الخطرة أو الدخول في أنشطة عنيفة مثل ألعاب القوة والعراكات.

أسباب ظهور السلوك الاندفاعي في مرحلة المراهقة

في كثير من الحالات يعزى السبب الأساسي في بروز صفات الطيش والتهور عند المراهقين إلى ضعف الخبرة وقلة الحكمة ولكن من ناحية أخرى يمكن ملاحظة أن المراهقين أكثر تهوراً حتى من الأطفال الذين يعتبرون أقل خبرة وحكمة منهم يفسر هذا عادةً بأن الأطفال أكثر شعوراً بالخوف من المراهقين، وهنا يأتي السؤال ما الذي يسبب تراجع صفة الخوف في مرحلة المراهقة لصالح صفة التهور والاندفاع؟.

أ – الأسباب الجسدية الفيزيولوجية للحالة الاندفاعية عند المراهق

  • عدم الاستقرار في الإفرازات الهرمونيةومنها ما يتعلق بالأمور الجنسية أو  أمور عصبية، فنجد طريقة تفكير المراهق ورغباته وميوله تختلف عن ما كانت عليه في صغره وبالتالي تتأثر سلوكياته وتصرفاته بهذه المسألة.
  • أدمغة المراهقين مرتبطة بالتهور:وهذا ينتج النظر للمراهق على أنه بدأ بالنضوج في الوقت الذي تعتبر خبراته ومعارفه وتجاربه ووعيه وإدراكه للأمور شبيهة أكثر بدماغ الطفل منها لدى البالغ، وهنا عندما يحصل المراهق على حقوق البالغ بينما لديه عقل طفل، من الطبيعي أن يبدو أكثر تهوراً ومجازفة وعدم تقدير للعواقب والمخاطر، كما بينت الدراسات الحديثة أن تركيبة دماغ المراهقين ترتبط بشكل وثيق بسلوك المخاطرة، وهذا يعيدنا إلى وجهة نر علم النفس التطوري، حيث يعتبر سلوك الاستكشاف المحفوف بالمخاطر جزء من النمو.
  • التغيرات الجسدية الحاصلة في مرحلة المراهقة: فمرحلة المراهقة هي بداية النضوج الجسدي التام وبهذه المرحلة تحصل الكثير من التغيرات في أعضاء جسده المختلفة وهذا يسبب بعض المشاعر غير المستقرة لديه التي تؤثر على شكل سلوكياته.

ب – أسباب نفسية واجتماعية لتهور المراهقين

  • الرغبة بالتحدي والتمرد:وهي مسألة كثيراً ما تتحكم في سلوكيات المراهق، حيث أنه يرغب لسبب ما في تحدي أحد الأشخاص مثل ذويه أو معلميه أو غيرهم ويريد التمرد على سلطتهم عليه فيقوم بسلوكيات متهورة تعبيراً عن هذا التمرد.
  • فكرة التجربة والمغامرة:مرحلة الطفولة والمراهقة تعد بمثابة الأرض الخصبة للتجارب وحس المغامرة ويختلف نوع هذه المغامرات بين الأطفال والمراهقين، حيث تأخذ عند المراهقين شكلاً أكثر حماسية واندفاعية وربما خطورة.
  • قلة الخبرة والمعرفة:فالمراهق لم يكتسب بعد الكثير من المعلومات حول ما قد تؤدي إليه تصرفاته بالمجالات المختلفة ولم يدرك بعد النتائج الحقيقة لتصرفاته المتهورة ولم يختبر خطورتها وهذا يجعله أكثر تهوراً وأقل تقديراً للعواقب.
  • ضعف المحاكمات العقلية:التي تجعله غير قادر على تقدير عواقب الأمور والأفعال، فهو لا يمكنه على غرار الكبار توقع النتائج التي سوف يفضي إليها سلوكه أو إدراكها ذهنياً بالاعتماد على الخبرة والمحاكمة العقلية دون أن يضطر لتجربتها.
  • مشاعر المراهقين والشخصية العاطفية:أغلب تصرفات المراهقين وأفعالهم ناتجة عن حالات انفعالية عاطفية تولد شعور مبالغ فيه بالحماس والاندفاع عند المراهق، وليس بناء على المصلحة وتقدير أفضل ما يمكن فعله إزاء رغباته وهذا يجعله أكثر تسرعاً في تصرفاته.[https://www.hellooha.com]

ب – نماذج من طيش الشباب

انجلينا جولي، طيشها قبل رشدها: أنها ممثلة هوليوديه ونجمة سينمائية لقبت بأجمل امرأة في العالم حيث صرحت بما يلي: “عدت الى رشدي بعد طيش الشباب” حيث تصرفت في حياتها المبكرة (الصبيانية) بنزوات وتصرفات طائشة من أجل لفت أنظار الناس بكل الوسائل الممكنة من أجل الشهرة في الوسائل الإعلامية مع تصرفات صاخبة وملفتة للانتباه والولع بالعلاقات العاطفية والحب من أول نظرة مع استخدام الوشم بشكل واضح وبارز فوق مناطق حساسة من جسدها مع تأسيس علاقة مع حبيبها بنوع من الجنون وسياقة سيارة فراري بسرعة جنونية، بمعنى كانت سلوكياتها نازقه وخفة عقل مليئة بالطيش والضياع، لم تعكس رجاحة عقلها واتزان نفسها وعدم نضج تصرفها وضعف في رشد عقلها مع استخدام جمالها وعاطفتها ووشمها وسياقتها الجنونية لسيارة فيراري. جميعها تشير الى طيشها وتهورها المنطلق من طاقتها البيولوجية الفائقة وطموحها للشهرة الافاقة ولفت انظار الناس الى جمالها وجاذبيتها. لكن بعد ان اشبعت هذه النزعات والرغائب بشكل متهور وحصلت على ما كانت تصبوا اليه من شهرة فنية وإعلامية وحصولها على جائزة اوسكار ومشاركتها في الجمعيات الخيرية التابعة للأمم المتحدة واهتمامها بالأطفال المرضى وضحايا الحروب وحصولها على لقب سفيرة للأمم المتحدة عندها اعترفت بإن تصرفاتها الصبيانية كانت ضرب من ضروب طيش الشباب وان ما تقوم به الان من اعمال خيرية هو تعويض عن سلوكها الخاطئ والطائش المتهور.

اعتراف طائشة: نموذج ثاني عن طيش الشباب قدمته الفنانة المصرية (منة فضالي) حيث اعترفت بطيشها الصبياني وبكل سلبيات ماضيها أبان مرحلتها الصبيانية ولم تخجل من فضائحها الإباحية والسلبية التي كانت تعرضها في المسلسلات التلفازية وادمانها على المخدرات وانها تستذكر ماضيها وتكرهه لكن هذا الاعتراف صرحت به بعدما حققت ما أرادته من شهرة فنية وإعلامية حيث أقرت بإن الله هداها الى الطريق القويم والصحيح حيث كان طيشها متضمن فضائح اباحية مخجلة بهدف الوصول الى النجومية السينمائية بأي وسيلة ولما تحقق لها ذلك تركت هذا الطيش وتحولت الى رشدها ورجاحة عقلها وهذه جرأة متوقعة من الشباب بعد ان يتحقق طموحه عندئذٍ يستنكر طيش شبابه ويعد حالة سيئة قام بها وهو في مرحلة الصبا بمعنى هناك من يعترف بطيشه ويتعظ منه في حالة وصوله الى مرحلة يثبت نجاحه في الهدف الذي كان يحلم به.

طيش الشباب في تحرشهم الجنسي الكترونياً: ديدني في هذا طرح هذا النموذج من الطيش هو توضيح وتحليل دوافع سلوك المتحرش (وليس التحرش أي لا أدخل في عرض الفعل الذي يقوم به) بل اناقش دوافع سلوكه المريض الذي لا يقبله المجتمع ولا القانون ولا اتناول التحرش الجنسي الالكتروني كموضوع انحرافي إجرامي إنما دوافع الطيش الحديث الذي يمارسه بعض الشباب الطائش في عصر الالكترونيات. حيث دلف بعض الشباب من ذوي التصرفات الصبيانية ممن يعانون من نزق وخفة العقل والرعنين  لا يتحرون عواقب طيشهم معبرين عن شخصيتهم المنغلقة التي لا تتمتع بالحرية فتجد التحرش الجنسي متنفساً لها لأنها غير سوية ولها دوافع تتعلق بطبيعتها التي تجد السعادة عندما تقابل تحرشها بالرفض أو الإهانة، وتخشى مواجهة الضحية لكنها باحثة عن إقامة صداقات وهمية من خلال العالم الافتراضي الذي يوفره الكمبيوتر بحيث يكون التحرش معبراً عن الكبت الجنسي مع تراجع القيم الاجتماعية الراسخة في أعماق المجتمع التي تختزل المرأة في مجرد جسد فاتن، كذلك يعاني المتحرش من نقص في الاشباع العاطفي داخل اسرته ومن الفراغ النفسي والعاطفي وشدة خجله. لذلك يستخدم شبكة الانترنت ليكون ذئباً ويهرب من نظرة المجتمع السلبية لتصرفه المضطرب والذي لا يُقدّر نتائج طيشه. تعد شبكة الإنترنت بيئة باثولوجيه لانتشار التحرش الجنسي الإلكتروني، وذلك لارتباطها بغياب الهوية التي تعد من أبرز المحفزات على انتشار هذا النوع من التحرش. وقد استخدم مصطلح التحرش الجنسي لأول مرة على يد الباحثة (ماري روي (Mary Roy ، في تقرير قدمته لمعهد ماساتشوستش للتكنولوجيا عام 1973، عن أشكال مختلفة من قضايا المساواة بين الجنسين. ومع التطور التكنولوجي تطورت أشكال التحرش لينتقل من المجتمع الواقعي إلى المجتمع الإلكتروني، وأصبحت وسائل التواصل الإلكترونية أرضًا خصبة لما يعرف بظاهرة التحرّش الإلكترونيّ، فبعض النساء قد يتعرضن للتحرش عند استخدامهن شبكات التواصل الاجتماعي، فلا تكاد المرأة تستخدم اسمها أو صورتها الحقيقية في صفحتها الشخصية حتى تُنتهك خصوصيتها. ويمكن أن يحدث التحرش الجنسي الإلكتروني عبر مجموعة متنوعة من التطبيقات، أهمها: غرف الدردشة، منتديات الإنترنت، مواقع التواصل، الرسائل الفورية، البريد الإلكتروني. الصور الرمزية، النوافذ المنبثقة، الإعلانات، الروابط التلقائية، البريد المزعج.

أ – ما التحرش الجنسي الالكتروني؟

لقد أدخلت القواميس مفردات مستحدثة لوصف ظاهرة التحرش عبر الإنترنت، كالتحرش الإلكتروني، التحرش من بعد، التحرش الافتراضي، والتحرُّش الرقمي، التحرش السابيري… الخ. تتعدد المفردات وتختلف لتلتقي عند وصف كل سلوك غير لائق له طبيعة جنسية يضايق المرأة، ويتعدّى على خصوصيتها ويجرح مشاعرها، ويجعلها فاقدة للشعور بالأمان أو الاحترام، ويؤثر على حالتها النفسية والمزاجية. تعرف (روي) التحرش الجنسي بأنه “فعل أو لفظ يحمل إيحاءات جنسية ضد رغبة الضحية”. كما يعرف بأنه “أي صيغة من الكلمات غير مرغوب بها أو الأفعال ذات الطابع الجنسي والتي تنتهك خصوصية أو مشاعر شخص ما وتجعله يشعر بعدم الارتياح، أو التهديد، أو عدم الأمان، أو الخوف، أو عدم الاحترام، أو الترويع، أو الإساءة، أو الانتهاك أو أنه مجرد جسد”. تعرف الورقة الحالية التحرش الالكتروني بأنه، “استخدام شبكة الإنترنت في التواصل مع المرأة بقصد إيذائها والإضرار بها جنسيًا وابتزازها اجتماعيًا”. وعلى ذلك يمكن التفرقة بين التحرش في المجتمع الواقعي والتحرش الإلكتروني، حيث إن الأول مادي والثاني رمزي لا يحدث فيه انتهاك للجسد، بجانب تخفي فاعله، إلا أنه يجب التعامل مع النوع الثاني بعيدًا عن القيمة المجتمعية السلبية، التي تجعل الشخص يبتعد عن الحل والمواجهة، حيث ينبغي أن يكون هناك تدخل فعلي لمنع محاولات التحرش الإلكترونية، وأن يكون هذا التدخل على قدر الحدث حتى لا يتجرأ المتحرش على تكرار أفعاله.

ب – التحرش الجنسي الإلكتروني.. الأنماط والدوافع

اولاً: التحرش الجنسي الإلكتروني محاولة في التنميط

أ- أنماط التحرش الإلكتروني

التحرش الجنسي الالكتروني يمكن أن يشمل عدة أنماط هي:

–  النمط الأول: التحرّش اللفظي، ويتمثل في إرسال الكلمات الخادشة للحياء، أو مكالمات صوتية، وتلفّظ بكلمات ذات طبيعة جنسية، أو وضع تعليقات ذات إيحاء جنسي، والنكات الجنسية، وطلب ممارسة الجنس الإلكتروني.

–  النمط الثاني: التحرش البصري؛ ويتمثل في إرسال الصور والمقاطع الجنسية، والطلب من الضحية الكشف عن أجزاء من جسدها، أو قيام المتحرش بإرسال صور أو فيديو له وهو في أوضاع مخِلَّة بالآداب.

–  النمط الثالث: التحرش بالإكراه أو البلطجة؛ حيث أنه من الممكن أن يحدث التحرش الجنسي من خلال اختراق جهاز الاتصال الخاص بالمرأة، والحصول على صور خاصّة، ومعلومات شخصيّة عنها، وإجبارها على الموافقة على اللقاء بالمتحرّش على أرض الواقع، وذلك من خلال الملاحقة، أو التهديد والابتزاز بنشر الصور، أو التشهير عبر وسائل إلكترونية مختلفة، أو الملاحقة والتجسس، أو التتبع بالتعليقات المسيئة، أو انتحال الشخصية بتزوير البريد الإلكتروني أو انتحال الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي.

ب – أنماط المتحرشون إلكترونيًا

تقسم الورقة الحالية المتحرشون إلكترونيًا إلى ثلاثة أنماط:

–  النمط الأول: أشخاصاً يخشون مواجهة الآخر فيتحرشون بأشخاص لا يعرفونهم للبعد عما يخشونه، وينتشر التحرش الإلكتروني بكثرة بين الشخصيات المنغلقة التي لا تتمتع بالحريات، لأن المتحرش في هذا النمط يجد في أحاديث الإنترنت متنفساً له.

–  النمط الثاني: يشمل الأشخاص الذين يسعدون بالنصب على الآخرين واستغفالهم، وهذه الشخصيات غير سوية ولها دوافعها التي تتعلق بطبيعتها.

–  النمط الثالث: فيه من يشعرون بسعادة جنسية لمجرد تحدثهم بكلمات فيها إيحاءات جنسية على الإنترنت، ويثارون من هذا، وقد تزداد سعادتهم عندما تقابل أحاديثهم بالرفض أو الإهانة.

ت – أنماط المتحرش بهن إلكترونيًا

تشير الكثير من الدراسات إلى أن النسوة هن الأكثرية من ضحايا التحرش بالرغم من وجود فئات أخرى مثل الأطفال والمراهقين. وتوجد عدة أنماط للمتحرش بهن جنسيًا عبر شبكة الإنترنت:

–  النمط الأول: تستجيب فيه الضحية مباشرة كأنها تنتظر من يتحدث معها، وهذه الشخصية لديها نفس سمات من يخشى مواجهة من أمامه، وتريد عمل صداقات وهمية من خلال العالم الافتراضي الذي يوفره الكمبيوتر.

–  النمط الثاني: تستجيب فيه الضحية بعد إلحاح، وتبدأ استجابتها بعبارات رفض الحديث مع من أمامها تحت شعار الأخلاق، ويكون مدخل التحدث مع هذا النمط الكلام الجميل الأخلاقي والتأكيد على عدم التجاوز في أي أحاديث.

–  النمط الثالث: فيضم كل من تتصرف بطريقة منطقية وسوية وترفض جميع هذه المحاولات بصفة دائمة، مهما كانت درجة الإلحاح.

ثانيًا: دوافع وأسباب التحرش الجنسي الإلكتروني

يثير موضوع العوامل التي تدفع الشخص لممارسة التحرش جدلاً ونقاشًا حادًا، فهناك من يقول إن الكبت الجنسي هو أحد أسباب التحرش، إلا أن الشواهد من المجتمعات “المنفتحة أو غير المحافظة” تدحض هذا الافتراض، إذ إن التحرش الجنسي مشكلة موجودة لديهم أيضًا. في المقابل فإن آخرين يقولون إن غياب التقاليد الدينية أو المحافظة عن المجتمع هو سبب التحرش، ولكن يناقض هذا الادعاء حقيقة أن الكثير من المجتمعات المحافظة “مثل المجتمع المصري” تعاني من أرقام وبائية في التحرش الجنسي.

لذلك فإن الورقة الحالية ترى أن هناك عوامل اجتماعية مختلفة ودوافع عديدة وراء ظاهرة التحرش الإلكتروني، التي انتشرت منذ سنوات، ومن أبرز هذه الدوافع ما يلي:

انهيار منظومة القيم الاجتماعية: من أبرز الأسباب التي أفضت لظاهرة التحرش الجنسي؛ تراجع منظومة القيم الاجتماعية الراسخة في أعماق المجتمع العربي، وظهور منظومة قيمية جديدة أفرزها التغير الاجتماعي السريع في هذا المجتمع، تلك المنظومة التي أسست لمعايير جديدة مغايرة تمامًا للمعايير التقليدية للأسرة العربية. من أبرز تجليات المنظومة الجديدة تراجع المعنى السليم للتدين، واستبداله بتدين طقوسي براني قائم على الاستغراق في أداء الشعائر الدينية، وانفصال ذلك عن السلوك الواقعي، بحيث لا تتجلى فضائل الطقوس في إصلاح النفوس، ولا يظهر أثر الشعائر في ترقيق المشاعر.

النظر إلى المرأة باعتبارها جسدًا: من تجليات انهيار منظومة القيم الاجتماعية، اختزال المرأة في مجرد جسد فاتن، وتغييب المرأة ككائن اجتماعي واع يسهم مع الرجل جنبًا إلى جنب في نهضة الأمة وتطورها. ولقد فرق بيتر بيرجر (P. Berger) بين مصطلحين مهمين في سوسيولوجيا الجسد. فلقد طرح برجر مفهومين مهمين في تصور الجسد، الأول أن يكون الإنسان جسداً Man is a Body، والثاني أن يمتلك الإنسان جسدًا Man has a Body، واستناداً لهذه الرؤية يرى حسني إبراهيم أن كثيرين من أبناء المجتمع العربي ينظرون إلى المرأة باعتبارها جسدًا Woman is a Body ولا يراها كائناً اجتماعياً يمتلك جسداً Has a Body، ولذلك فوفقًا لتلك النظرة، يعد التحرش أمرًا طبيعيًا في ظل تراجع منظومة القيم الأصيلة المرتبطة بضرورة حماية المرأة والدفاع عنها ضد أي اعتداء.

تقلص الرقابة الأسرية: إنّ تفاقم مشكلات غياب الرقابة الأسرية، ونقص الوعي والتوجيه، وعدم القدرة على الإشباع العاطفي للأبناء وحتى البالغين، والتربية بالمنع أو العقاب بدلاً من التوعية والإشباع النفسي، وانتشار ثقافة الاستعراض من خلال نشر الصور والمعلومات الشخصية بحثاً عن الاهتمام والانتباه من قبل الآخرين، والفراغ النفسي والعاطفي، يدفع الأشخاص لقضاء ساعات طويلة على شبكة الانترنت أو في استخدام الأجهزة الالكترونية، وتفاقم مشاكل الإدمان الالكتروني، كل هذا قد يؤدى إلى زيادة التحريض على ممارسة التحرش من خلال الانترنت، وبالتالي زيادة إمكانية تعرض مستخدمي الشبكة والأجهزة الالكترونية لهذه الممارسات.

سهولة إخفاء الهوية (القناع الرقمي): إن سهولة إخفاء الهوية على شبكة الإنترنت تساعد في خلق متحرشين جدد، لأنه إذا كان التحرش الواقعي يتطلب بعض الجرأة التي تصل إلى درجة الصفاقة، فإن نظيره الإلكتروني لا يحتاج لذلك، فقد يكون الشاب شديد الخجل في الحقيقة، لكنه يتحول على شبكة الإنترنت إلى ذئب لاطمئنانه بأن أحدًا لا يعرف شخصيته الحقيقية، بالإضافة إلى الهروب من نظرة المجتمع السلبية تجاه من يفعل ذلك في الواقع على أنه غير منضبطًا اجتماعياً، وهي أمور يتم التخلص منها في العالم الافتراضي، الذي لا يستطيع أحد أن يتأكد فيه من شخصية الآخر. وهنا قد يصبح هذا الشاب أخطر، لأنه يعوض فشله في الواقع بانتصارات في الفضاء البديل ويستعين بكل ما يساعده في مهمته من صور جنسية وعبارات فجة.

الرغبة في الانتقام مع عدم القدرة على المواجهة: أشارت دراسات أجريت على أشخاص يستخدمون التحرش الإلكتروني كوسيلة لإزعاج ضحاياهم، إلى أنهم يعانون من تقدير ذات متدن، ولا يوجد لديهم قدرة على المواجهة وجهًا لوجه، وأن لديهم مقدارًا من اضطراب الشخصية الذي يقلل من قدرتهم على تقدير نتائج أفعالهم، فيرتكبون أفعالاً لا سقف لدرجة السوء الذي قد تؤدي إليه، طالما أنها تخدم شهوتهم للانتقام. كما أن استخدامهم التحرش الإلكتروني يشعرهم بمزيد من القوة والسيطرة التي تتطلبها نرجسيتهم، وهوسهم المرضي بملاحقة ضحاياهم في كل زمان ومكان، وهو ما يوفره بسهولة الاتصال الدائم لهم ولضحاياهم على الشبكة العنكبوتية من خلال أجهزة الهواتف والأجهزة المحمولة الأخرى، المرتبطة في شكل دائم بالإنترنت، حيث تقوم إستراتيجيتهم في إيذاء الآخرين على الإصرار والمطاردة، وتتبع أصدقائهم ومن يتفاعلون معهم على شبكات التواصل الاجتماعي ليروجوا إشاعاتهم عن ضحاياهم وتشويههم أمامهم.

الحرمان الجنسي: يعد الحرمان الجنسي لأسباب مختلفة أبرزها تأخر سن الزواج بسبب الغلاء وارتفاع تكاليف المهور، محرك الإثارة الذي يجعل الشخص يفكر التحرش الجنسي، ويرى وليد رشاد أن مشكلات الواقع تنعكس على المجتمع وتصرفاته، ويأتي على رأس هذه المشكلات تأخر سن الزواج، الذي أسهم في تزايد الشعور بالحرمان، مما أدى إلى لجوء الشباب للتخلص من هذا الشعور من خلال إشباع احتياجاتهم الجنسية في العالم الافتراضي، والذي يبدأ عادة بالتحرش بالفتيات عبر شبكة الإنترنت والتعمق في الحديث معهن في حالة الاستجابة لهم، وذلك للوصول إلى الهدف الأكبر وهو إشباع الرغبات العاطفية والجنسية في بعض الأحيان”. ويؤكد رشاد أن ظاهرة التحرش الإلكتروني تنتشر بكثرة في فئة الشباب، لأنها الفئة التي تعاني من الحرمان وتعد أكثر جرأة ودراية بالتعامل على مواقع الإنترنت، مقارنة بالأجيال الأكبر، كما تنتشر بصفة بين الرجال مقارنة بالفتيات، وهذا يرجع إلى طبيعة الفتاة الخجولة، بالإضافة إلى القيود المختلفة عليها في العالم الواقعي، والتي تنعكس على العالم الافتراضي.

التنشئة غير الصحيحة ونقص الوعي: من أبرز أسباب التحرش الإلكتروني، نقص الوعي والتنشئة غير الصحيحة والكبت الاجتماعي، والأسري “السلطة الأبوية”، حيث ينشأ الابن أو البنت في بيئة خالية من التواصل والود، وعندما يصطدم الشاب الذي تكمن بداخله عاطفة جياشة بذلك، لا يجد سوى التحرشات والمضايقات التي يمكن ممارستها بسهولة عبر حسابات مواقع التواصل، خاصة مع انتشار الصور المثيرة عبر هذه الوسائل، وغياب الرقابة الأسرية.

الانفتاح الاجتماعي (الصدمة الثقافية): لقد أسهم الانفتاح الهائل والمفاجئ على خصوصيات الأشخاص الآخرين، من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، والأجهزة الإلكترونية التي يتوافر لديها اتصال مستمر بشبكة الإنترنت، وسهولة الوصول إلى الآخرين في أي زمان ومكان، من خلال وسائل التواصل الفوري، في حدوث ما يعرف بالصدمة الثقافية لدى مستخدمي هذه الشبكات، وعدم القدرة على إدارة العلاقات مع الآخرين من خلال هذه الوسائل في شكل صحي.

التهيج المستمر عبر وسائل الإعلام: يرى الشهري أن سبب انتشار التحرشات الالكترونية وخاصة في المجتمعات المحافظة “التهيج المستمر” الذي يتعرض له الشباب والأطفال، والتي صرفت طاقاتهم بالممارسات غير المشروعة، مبيناً أن الخطورة الأعظم تكمن في دعم المسلسلات العربية و”المدبلجة”، إضافةً إلى “الفيديو كليب”، الذي يختصر العلاقة بين الجنسين بالحياة الوردية من نظرة وابتسامة إلى الممارسة، دون المرور بالوضع الطبيعي، مما ساهم بشكل كبير في هروب الفتيات نتيجة الأوضاع المضطربة وغير السوية، والتي سببت لهؤلاء الضحايا صدمة في الواقع، مؤكداً على أن كل هذه المغريات تؤثر على الكبار فكيف بالشباب؟.

ثالثًا: المضاعفات الاجتماعية والنفسية للتحرش الالكتروني

الكثير من المتحرش بهن ينعزلن عن محيطهن ويهربن من المجتمع بسبب هذا الأمر. وتعد المضاعفات الكبرى لظاهرة التحرش الالكتروني أن الآثار النفسية لها ربما تمتد لسنوات، حيث توضح دراسة نشرت في دورية جمعية الطب الأميركية أن ضحايا مثل هذه الممارسات يصبحن أكثر عرضة من غيرهن للإصابة بالقلق والاكتئاب والرهاب والهلع. يؤكد ذلك ما توصلت إليه دراسة أجريت في الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2011، بهدف دراسة مخاطر التحرش الإلكتروني التي تهدد المراهقين على الإنترنت، وقد توصلت الدراسة إلى أن التحرش الالكتروني يهدد المراهقين ويترك فيهم تأثيرات نفسية سلبية تمتد لفترة طويلة. كما توصلت الدراسة التي أجرتها شركة الأمن الرقمي “نورتون Norton”، في استراليا، إلى وقوع واحدة من بين كل عشر نساء دون سن الـ 30، ضحية الابتزاز بالمعلومات الحميمة وإجبارهن على دفع مبالغ مالية. ولا تعد هذه هي الآثار الوحيدة التي ربما تنجم عن التحرش بكل أشكاله سواء كان ذلك في العالم الافتراضي أو في عالم الواقع، نظرًا لأن الأمور ربما تصل إلى ما هو أسوأ من ذلك حيث يتحول الضحية مستقبلاً إلى شخص عدائي تقوده رغبة كبيرة في الانتقام. وقد يؤدي في بعض الأحيان إلى الانتحار، كما حدث مع عدد من المراهقات في الولايات المتحدة وكندا وأيضًا فرنسا، وقد أشارت إحدى الدراسات إلى أن واحدًا من كل خمسة أشخاص يصل به التفكير إلى الانتحار أو إلحاق أذى أو إصابة بنفسه، وهو سلوك دائم الحدوث بين الأشخاص الذين يشعرون بالإهانة والذل بسبب الرفض. [https://annabaa.org]

التهور لا يعني المغامرة: لقد وجدت الابتكارات التكنولوجية لخدمة الانسان العصري في تنقله وتحقيق حاجاته المهنية وخدمة اغراضه الشخصية والمعرفية مثل السيارة ولعبة GTA والعاب الكمبيوتر والانترنت في التواصل الاجتماعي وسواها. إلا ان بعض الشباب من المتهورين والطائشين استخدموا هذه المبتكرات لممارسة طيشهم وتهورهم التي لا تدل على رجاحة العقل او استواء سلوكهم بل هوسهم واستهتارهم. اما مردّ ذلك فإنه يرجع الى: –

  • التحدي والمغامرة.
  • حي الاستعراض.
  • الاستقلالية والتفوق على الاخرين.
  • تأثيرهم بأفلام العاب السيارات وافلام العنف.
  • التمييز والشهرة.
  • المالغة بالثقة بالنفس.
  • الغرور.

جميع هذه المردات تتجسد في شخصية الطائش النزق المتهور وذو العقل الخفيف. بمعنى انه طيش عبر الاستخدام السيء للمبتكرات التكنولوجية وقد شاهدنا هذا انفاً في التحرش الجنسي الالكتروني (النموذج الثالث) والان نطرح نموذجاً أخر عن التهور الذي لا يعني المغامرة، في قيادة السيارات والدرجات النارية والطرادات في عرض البحر والتزحلق على الجليد.

تهور الشباب في القيادة: “توفي شاب عشريني إثر حادث سير مؤسف بعد أن انقلبت به السيارة على الطريق الذي كان يقود فيه بسرعة جنونية”…إنه خبر مأساوي، كثيرا ما يتم تداوله عبر نشرات الأخبار وعلى صفحات الجرائد، ويكون ضحيته شاب في مقتبل العمر. العشريني (سمير محمد) واحد من الشباب الذين يستمتعون بقيادة السيارة بسرعة كبيرة، حيث يشعر بمتعة كبيرة، يقول “أقود بسرعة كبيرة وأحاول أن لا تصل إلى مرحلة الجنون والتهور، ولكنني أتعمد حينما تكون الطريق ملائمة للقيادة بزيادة السرعة لأسبق المركبات التي أمامي” .ويلفت سمير إلى “أن لدى كل شاب حبا لقيادة المركبة، وأنا أشعر بأنني أقود بفن وحرفية أكثر من أصدقائي”. اختصاصيون يحيلون ظاهرة تهور بعض الشباب أثناء القيادة إلى غياب الوعي والرغبة في الاكتشاف والمغامرة والاستعراض، مبينين أن  المشاعر الانفعالية التي تولد السلوكيات الخطيرة والسلبية تسيطر عليهم بدلا من التعامل مع الأمور بعقلانية وتوازن. دراسة حديثة أجريت في الأردن، أظهرت أن الذكور والعزاب وصغار السن هم الأكثر عنفا على الطرقات خلال قيادتهم للسيارة في المملكة. وعددت الدراسة، التي أعدها أستاذ علم الاجتماع في جامعة مؤتة (ذياب البداينة)، وشملت ثلاثة آلاف و77 سائقا، بعضا من الخصائص الشخصية السلبية التي تميز سائق السيارة الذي يتسبب بحادث سير، منها الرعونة، وعدم الاكتراث بالآخرين. كما أشارت الدراسة إلى السلوكيات التي يكثر انتشارها بين هذه الفئة، ومنها القيادة تحت تأثير الكحول والمخدرات، واستعمال الهاتف أثناء القيادة، وقيادة الغفلة وصرف الانتباه بسبب الحديث أو تناول الطعام أثناء القيادة. ويأسف الأربعيني جمال مصطفى على ازدياد الحوادث المروية خلال السنوات الماضية، لافتا إلى أن هناك شبابا متهورين ويعشقون السرعات الجنونية وقطع الإشارة والتفحيط بدون أن يدركوا بأنهم يعرضون حياتهم بحركات قاتلة تكون حياتهم ثمنا لها. ويفسر اختصاصي الطب النفسي الدكتور محمد الشوبكي، زيادة السرعة أثناء قيادة السيارة من قبل الشباب، نتيجة “الخواء النفسي وافتقادهم للأفكار الإيجابية والثقافة المعرفية والسلوكية”، منبها على ضرورة تعزيز النفس بما يفيد العقل. والتهور في قيادة السيارة يعد قضية خطرة لا تمس الشباب فقط، وإنما كل من يخرج الى الشارع، وفق الشوبكي، الذي يؤكد أن التهور يكون نتيجة لقلة النضج عند شباب يعرضون حياتهم وحياة غيرهم للخطر، وبسبب سيطرة المشاعر الانفعالية التي تولد السلوكيات الخطيرة والسلبية بدلا من العقلانية في التعامل مع مناحي الحياة كافة. الدراسة التي أعدها (البداينة)، أعطت نسبة تقريبية لعدد السيارات في كل محافظة، وبينت أن متوسط العنف على الطرقات كان أكثر عند الذكور منه عند الإناث، وأكثر عند العزاب مقارنة ببقية الفئات الاجتماعية الأخرى، ولدى صغار السن مقارنة مع كبار السن، ومتوسط العنف على الطرقات كان أكثر عند الأقل تعليماً، وعند العاطلين عن العمل. وأرجعت الدراسة هذه النتائج إلى البعد الثقافي والتنشئة الاجتماعية في المجتمع؛ حيث تميل فئات الشباب عموما للخروج على العرف، وسلوك العدوان ليس من السلوكيات الأنثوية في المجتمع، وإنما يرتبط بالذكورة. و(هادي العلي) (30 عاما)، شاب يرى أن قيادة السيارة لدى معظم الشباب أصبحت هواية يمارسونها ويتجاوزون من خلالها كل الحدود، مما يؤثر سلبا عليهم وعلى أبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم تواجدوا في المنطقة ذاتها التي يقود فيها شاب متهور سيارته. ويحيل العلي سبب ممارسة الشباب القيادة بسرعة كبيرة، إلى التباهي والاستعراض أمام أصدقائهم بأنهم محترفو قيادة وأن لا أحد يستطيع تقليد حركاتهم في (التفحيط) بالشارع. هذه المرحلة تمتاز باندفاع الشباب نحو الاكتشاف والمغامرة، وينقادون نحو التقليد والمحاكاة للنماذج غير الاعتيادية في السلوك، وفق أستاذ علم الاجتماع الدكتور حسين محادين، الذي يذهب إلى أن الشباب يمتثلون في سلوكياتهم الظاهرة، ومن بينها طريقة قيادتهم المتهورة للسيارات أو حتى في الحركات السياسية والفكرية عموما.
ويقول محادين إن مثل هذه المغامرات تحاكي هوياتهم الشخصية والنمائية، فشعور الشاب بالتفرد بممارسة معينة رغم خطورتها، تشعره بأنه قد أشبع إحساسا عميقا في الاكتشاف والمغامرة أو حتى الاستعراض. غير أن هناك مسؤولية كبيرة على الآباء الذين يتحملون جزءا كبيرا من تهور أبنائهم في القيادة، بحسب التربوية أمل العلمي، التي تنوه إلى ضرورة تعليم الأبناء أصول القيادة الصحيحة وعدم التهور الذي قد يفقدهم حياتهم. وتشير العلمي إلى أن هناك الكثير من القرارات العاطفية التي يصدرها الآباء تجاه أبنائهم في حالة وقوع حادث للسيارة، منوهة إلى ضرورة إصدار الآباء قرارات صارمة أحيانا من أجل أن يتعلم الابن المحافظة على المركبة بدون طيش أو تهور. ويقع على عاتق الجهات المختصة دور مهم في اتخاذ إجراءات صارمة في تحرير مخالفات بحق كل من يقوم بقيادة المركبة بتهور حتى تكون رادعا في المرات المقبلة بعدم القيادة بتهور مرة أخرى، حتى لا تزيد نسبة الحوادث. وهناك دراسة لإدارة السير المركزية، أكدت ارتفاع معدل الحوادث المسجلة العام 2010 بنسبة (14 %) مقارنة مع 2009، حيث شهد العام 2010 ارتفاعاً في عدد الحوادث بمعدل 27 % مقارنة بالعام 2007. [https://alghad.com]

كشفت العديد من الدراسات الحديثة، عن أسباب تهور الشباب في قيادة السيارات ما تخلفه من حوادث خطيرة على طرق المملكة، واستندت الدراسات الى العديد من الاحصائيات التي توضح تسبب صغار السن في نسبة كبيرة من الحوادث المرورية في السنوات الأخيرة، مما جعل الباحثين يلقون الضوء على هذه الظاهرة وأرجعت دراسة علمية الى أن أسباب تهور قيادة الى التعلم في وقت مبكر من العمر، حيث تكون لدى الشاب هواياته الخاصة بين سن العاشرة والعشرين، وحين يتعلم الشاب قيادة السيارة في هذه المرحلة فإنه يتكون لديه ميول نحوها وتصبح هواية يمارسها بحد ذاتها، ويتجاوز كل الحدود اثناء قيادة السيارة. ويصل الأمر الى الاحترافية فيها، مما يفقد مجتمع الشباب ثقافة قيادة المركبات التي لا تتعدى ان تكون المركبة سوى مجرد وسيلة للتنقل وأداء اعمال معينة. وفي بحث شامل حول خطورة قيادة الشباب قام به باحث من جامعة الملك سعود لجميع مناطق السعودية تبين ان 47% من الشباب الذين يقودون السيارات تعلموا قيادة السيارة مت بين سن 14 و17سنة وان 30% منهم تعلموا القيادة من سن 18 الى 22 سنة، أما 6% منهم فقد تعلموا قيادة السيارة تحت سن 14 سنة. و17% تعلموا القيادة بعد سن 22 سنة. وهذا يوضح ان معظمهم يمارس القيادة كهواية تكونت لديه، ولا يمارسها كوسيلة لأداء عمل. وأشارت الدراسة الى انه على الرغم من المخاطر التي تحدق بنظام السير في المملكة بكل صورها وأشكالها وتداعياتها إلا لأن الوعي المروري عند الناس يظل محدوداً وجهود رجال المرور تظل قاصرة أمام تلك الممارسات، حيث تشهد شوارع الرياض على سبيل المثال تزاحم السيارات من اليمين أو تسقط من الشمال أو تتجاوز بشكل غير عقلاني أو تقتحم بشكل مفاجئ من كتف الطرق، فضلاً عن استخدام الضوء العالي الذي يسبب بدروه ازعاجاً للغير، والتسابق للوصول الى دوار فيه مركبات أخرى لها الاحقية في المرور وكل هذه الممارسات تظهر من فئة الشباب. وحذرت الشباب المجتمع من خطورة ترك هؤلاء الشباب بلا رقابة سواء من البيت أو المدرسة مطالبين بضرورة تفعيل السلامة المرورية في المدراس حتى لا يقوم الشباب في هذه المرحلة العمرية الحرجة بارتكاب هذه الممارسات التي تؤدي الى كوارث يومية على الطرق. الجدير بالذكر ان برنامج السلامة المرورية بأرامكو السعودية (الوحدة الاستراتيجية للجنة السلامة المرورية بالمنطقة الشرقية) يقوم بتنفيذ حملات مكثفة للسلامة المرورية موجهة للشباب تهدف لتوعيتهم بخطورة التهور ومراعاة السلوك المروري الصحيح وللحد من النزيف في الأرواح خاصة لدى هذه الفئة الغالية. ويتم استخدام وسائل حديثة لجذب الشباب في هذه الحملات تتضمن استخدام وسائل التقنية الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي وأجهزة المحاكاة وعرص أفلام تثقيفية ومسابقات والعاب السلامة المرورية وهدايا ونشرات توعية. [www.alyaum.com]

الفصل العاشر

جنوح الاحداث

 

أ – أسباب جنوح الاحداث

– الميل للجنوح

– الفشل وعلاقته بالميل الجانح

– التسرب المدرسي

– ضعف البنية التعليمية

– العنف المنزلي

– العنف في البيئة المحيطة

– ضغط الاقران

– العوامل الاجتماعية والاقتصادية

– تعاطي المخدرات

ب – أنماط جنوح الاحداث

ت – النظريات التي فسرت جنوح الاحداث

– نظرية روبرت مرتون

– نظرية الثقافة الفرعية

– نظرية الاغتراب

– نظرية الاتراب (أصحاب المنحرف)

الفصل العاشر

جنوح الاحداث Juvenile delinquency

 

استهلال

بادئ ذي بدء علينا أن نوضح التمييز بين جنوح الاحداث وانحرافهم إذ ان الأول يخرج عن القواعد القانونية الرسمية، بينما يخرج الثاني (الانحراف) عن الضوابط العرفية غير الحكومية وغير الرسمية. ويرتبط الجنوح بمتغيرين أساسيين وهما العمر: الذي يشترط ان لا يصل عمر الصبي الى مرحلة الرشد أو النضج وغالباً ما يكون ما بين الثامنة والثامنة عشر، والمتغير الثاني هو الانتهاك أي الخروج عن القواعد القانونية الرسمية من قبل الصبية الذين لا يتجاوز عمرهم الثامنة عشر (بعض الدول الغربية تحدد عمر العشرين عام كحد أقصى لعمر الحدث). معنى ذلك ان الجنوح لا يمثل المروق فقط بل يشترط عمر شريحة صغيرة السن مثل السرقة أو التهديم أو تخريب الممتلكات العامة أو الخاصة. يحسن بنا ان نشير في هذا الصدد الى ان الصبي الذي لا يستأذن من والديه عند خروجه من المنزل أو إذا غاب عن الدوام المدرسي او استعمل العادة السرية أو شرب الكحول أو كذب على الاخرين، جميع هذه التصرفات لا تمثل جنوحاً بل انحرافاً لأنها خرجت عن المعايير الاجتماعية المرعية والسائدة في مجتمعه ولم تخالف أو تخترق القواعد القانونية الرسمية وهذا هو الفرق الجوهري بين جنوح الاحداث وانحرافهم.

أسباب جنوح الاحداث: توجد عوامل كثيرة تؤدّي إلى جنوح الأحداث، ومن أهمِّها ما يأتي:

1 – الميل للجنوح: نحن نعلم ان للشباب اهدافاً ومرامي يريدون تحقيقها، بعضها بعيدة المنال وأخرى قريبة المنال لكنها لا تخلوا من الاحلام والخيالات الواهمة لأنها تقوم بإشباع رغائبه الحالمة وتحقيق أحلامه اليقظة وهذا غالباً ما يحصل شعورياً اولاً، وعندما يحقق (الشباب) تلك الأهداف فإن حاجته تكون قد أشبعت، لكن هذا التحقيق لا يحصل إلا إذا كانت هناك دوافع وحوافز قوية تجعله يثني الطريق القويم أو يخرج عن ضوابطه القانونية من أجل الوصول الى هدفه المنشود وارضاء ذاته وهنا يقترف عملاً جانحاً (أي يجنح عن قواعده القانونية لكي يشبع حاجته ويحقق هدفه) بتعبير أخر ان الشاب يقفز على القانون لكي يصل الى هدفه الذاتي وغالباً ما يكون سبب هذه القفزة أحلامه اليقظة أو حاجته غير المسبعة التي تكون بمثابة سبب دافعي قوي لاقتراف الجنحة من أجل اشباع رغبته الخاصة التي يحلم بها. أما ماهي الظروف التي تولد وتنمي الميل للانخراط في السلوك الجامح فهي: –

أ – دراية والتزام الشاب المبكر بالنسق المعياري الذي يحكم على الفعل بإنه خطأ.

ب – الفشل في أداء التوقعات التي كان يتمنى ان تكون ناجحة أو يتوفق وينجح في أدائها الأمر الذي تولد عنده عدم اشباع حاجة كان يتمنى ان يشبعها.

إذن فشل الشاب في اشباع حاجة كان يتمنى ان يحققها إلا انه لم يتوفق فتتولد عنده رغبة في انتهاك إحدى قواعد النسق القانوني، ومن هنا يتولد عنده الاستعداد للجنوح. لا شك في ان لكل ميل للسلوك الجانح ظروف تحيط به تعمل على انمائه وتطويره وتحفيزه ويتم التماثل معها وهذه عادةً ما يحصل عند انتماء الفرد لجماعة تمجد وتحترم السلوك المنحرف والافعال المنتهكة للقواعد القانونية وبالذات الجماعة التي تتضمن قيماً، فالفرد الذي يريد ان ينتمي الى هذا النوع من الجماعات يقترف سلوكيات منحرفة لكي يرضي معايير وقيم تلك الجماعة حتى تتقبله عضواً فيها أو من أجل الحصول على رضاها فتكون هذه الجماعة بالنسبة له تمثل جماعة مرجعية يرجع اليها في تماثل سلوكه معها. أي تكون محفزاً لا شعورياً لدفعه نحو السلوك الجانح إضافةً الى فشله السابق في أداء توقعات مجتمعه منه في جماعات غير جانحة وعندما يلتقي فشله في مواقف وسلوكيات سابقة ورغبته في الانتماء الى جماعة جانحة أو تلهفه للحصول على رضاها عندها يتولد عنده استعداد باطني داخلي للإقدام على فعل جانح وهذه جميعها ظروف مساعدة على إنعاش ورعرعة السلوك عند الشاب.

2 – الفشل وعلاقته بالميل الجانح: غالباً ما يؤدي الى نشوء الميل للجنوح. ففي عملية التنشئة الأسرية الاعتيادية للشاب يتعلم فيها قيمة التملك وكيفية المساهمة والممارسة السلوكية ومن هذا التعلم تتبلور عنده خبرات شخصية واجتماعية تحدد استجابات الأخرين (العفوية والمقصودة) نحوه. جدير بالذكر ان هذه المساهمات والسلوكيات والخبرات تشكل قاعدة لمشاعر الشاب حول تقييم ذاته (هل هي جديرة بالاحترام أم لا؟) فإذا كان غير قادر على تقييم ذاته ايجابياً عندئذٍ يندفع في تصرفه نحو اكتساب مساهمات تساعده على أداء سلوكه وهي بدورها تزيد تقلل من شعوره باحتقار ذاته أو عدم احترامها. وإذا أدرك الشاب عجزاً في قدراته في مساهمته ممارسة سلوكياته أو شعر بإنه لا يستطيع ان يحصل على خبرة اجتماعية تساعده على تقييم ذاته ايجابياً عندئذٍ يكون هذا الشاب مهئياً نفسياً وشخصياً ومدفوعاً نحو التصرف تصرفاً منحرفاً يمنحه وعداً لاكتساب مساهمات وسلوكيات مسيرة والتمتع بخبرة تسمح له بتقييم ذاته. يتضمن السلوك المنحرف استخدام وسائل غير قانونية في تحقيق ما يصبوا اليه الشاب بحيث تساعده على الانخراط في ممارسة أنشطة غير قانونية لا يجد صعوبة في ممارستها وتكون بديلاً لفشله في ممارسة سلوكيات قانونية ومقبولة اجتماعياً ومن هذال استحلال السلوكي يستطيع ان يُقيم ذاته. زبدة القول هو عندما تتكرر حالات الفشل الشاب (في الأداء السلوكي أو الإنجاز المهني أو المدرسي) فإن ذلك سوف يولد عنده فكرة مفادها بإنه غير قادر على التغلب على الشروط الخاصة بالنجاح فيبدأ التفكير بانتهاك بعض القواعد القانونية لكي ينجح في عمله أو علاقاته أو خبراته فيتبلور عنده الاستعداد للجنوح إلا انه لا يقدم عليه. لكن عندما يتكلم الاخرون (أهله أو أصدقائه او زملائه أو معارفه) عنه بالقول انه شاب فاشل أو خائب أو سيء الحظ. ولما كان في مرحلة عمرية مليئة بالطاقة والحيوية إلا انها مقيدة أو مخنوقة بالفشل المتكرر عندئذٍ يشعر بالحسرة والأسى. وهذا وحده يمثل مؤثراً يدفع استعداده للجنوح الى الانخراط فيه لكي يغطي فشله المتكرر ويخفف من لغط الناس عن فشله المتكرر. وهذا يدعونا الى القول بإنه لا يوجد شاب ناجح في عمله ويتمتع باحترام أصدقائه وزملائه ويكون جانحاً وذلك لأن النجاح والاحترام يشكلان قاعدة للحصانة الذاتية والنفسية من انتهاك القواعد القانونية وعدم السقوط في وهد الجنوح بينما الشاب الذي يتكرر فشله في أداء عمله أو ممارسة سلوكيات محترمة ومقبولة اجتماعية ولا يمتلك خبرة اجتماعية في التعامل مع الأخرين فإن الاخرين يقل احترامهم له بسبب فشله المستمر وكل ذلك يكّون عنده ميلاً لانتهاك القواعد القانونية (الجنوح) لكي يعوض عن فشله ويكسب احترام الناس. وهذا يعني انه هناك علاقة قوية بين تكرار الفشل والجنوح. أقول لم نجد شاباً ناجحاً وهو جانح ولم نجد ايضاً جانحاً وهو ناجح في عمله بل نجد الفاشل يمسي جانحاً ونجد الجانح يضحى فاشلاً.

3 – التسرب المدرسي: التسرب المدرسي هو أحد أهم العوامل المؤدية إلى الجنوح الأحداث فالمدرسة ليست مكانًا للتعلم فقط، بل هي نظام وروتين يومي يملأ الجدول اليومي للأطفال ويحدد لهم هدفًا لإنجازه، كما أن روتين الاستيقاظ المبكر ثم الإفطار والذهاب إلى المدرسة يعلّم الأطفال طريقة اختيار روتين جيد للمستقبل، كما أن الأطفال الذين لا يملكون أهدافًا يومية يكون لديهم وقت فراغ كبير، مما يؤدي إلى تعلّم عادات سيئة، فإذا لم يتعلم الأطفال احترام النظام واتباع روتين يومي، سيؤدي ذلك إلى غرس شعور عدم الانتماء إلى المجتمع.

4 – ضعف البنية التعليمية: تعاني المدارس من نقص التمويل، كما تعاني من الاكتظاظ، وهو ما يسبب ضعف النظام وقلة الانتظام، فعدد الطلاب الكبير يمنع المعلمين من الانتباه لجميع الطلاب، ويصعب عليهم حل جميع مشاكلهم، إذ تؤدي الفوضى الحاصلة إلى تصرف الأطفال بشكل دفاعي بسبب خوفهم من البيئة المحيطة، وتجدر الإشارة لدور الوالدين في المشاركة في الأنشطة المدرسية، مما يقلل الأعمال المتأخرة، فعندما يشعر الطفل أنه يوجد شخص بالغ في حياته فإنه يميل إلى أداء أعماله لأنه يعلم بأنه يوجد من يتابع أفعاله.

5 – العنف المنزلي: هو أحد أكبر العوامل المسببة لجنوح الأحداث، إذ إن الأشخاص الذين يتعرضون للعنف يمارسونه أيضًا، فالمراهقون الذين يتعرضون للعنف أو الذين يشاهدون أشخاصًا آخرين يتعرضون للعنف يصابون بالإحباط، مما يؤدي إلى عكس سلوك العنف على غيرهم.

6 – العنف من البيئة المحيطة: ويُقصد بذلك أن الحي الذي يعيش فيه الطفل أو المراهق حي يعاني من العنف، فعندما ينشأ الأطفال في مثل هذه الأحياء يكون عليهم التصرف بعنف من أجل الحفاظ على حياتهم من أجل البقاء، فالشخصيات المسالمة في تلك الأحياء يمكن التنمر عليها.

7 – ضغط الأقران: يتأثر المراهقون بأقاربهم وأصدقائهم، فإذا كان أصدقاؤهم يمارسون سلوك الجانحين سيشعر الأطفال في الرغبة بمجاراتهم، لذلك على الأهل المشاركة في العديد من الأنشطة مع أولادهم وذلك للتعرف على أصدقائهم وإبقائهم بعيدين عن التأثيرات السلبية.

8 – العوامل الاجتماعية والاقتصادية: إن الأشخاص الذين يفتقرون للحاجات الأساسية يميلون لارتكاب الجرائم للحصول على حاجاتهم الضرورية، مثل الطعام والشراب، لهذا تكثر الجرائم في الأحياء الفقيرة.

9 – تعاطي المخدرات: الأشخاص الذين ينشؤون وهم يشاهدون والديهم أو أقاربهم أو أصدقائهم يتعاطون المخدرات تكون نسبة تعاطيهم لها عالية، مما يؤدي إلى ارتكاب الجرائم عند حاجتهم لأخذ جرعة من المخدرات بسبب الأعراض الانسحابية التي تؤثر عليهم. [https://hyatok.com]

ب – أنماط جنوح الأحداث: ينقسم الجنوح لأربعة أنواع، ولكل نمط أسبابه الخاصة:

  • الجنوح الفردي: في هذا النمط من الجنوح يشارك فرد واحد في النشاط غير القانوني، ويعزو كثير من الأطباء النفسيين سبب الجنوح إلى أنماط التنشئة الأسرية.
  • الجنوح المدعوم من قبل المجتمع: في هذا النمط من الجنوح يخترق فرد مع مجموعة من الأفراد القانون، ويعزو الأطباء النفسيون سبب هذا الجنوح إلى ثقافة الحي أو المجتمع الذي يعيش فيه الجانح.
  • الجنوح المنظم: ينتمي الشخص الجانح في هذا النمط إلى مجموعة منظمة من الأشخاص الذين يشجعون على أداء سلوك خرق القانون، وتحكم هذه المجموعة قواعد وأنظمة، ويحصل الجانح على مكافآت من قبل الجماعة عند إتمام المهمة.
  • الجنوح المرتبط بالموقف: لا توجد في هذا النمط مشاكل أسرية أو مشاكل نفسية عميقة، بل يكون هذا النمط مستقرًا في تكوينه النفسي، إذ يسلك سلوكًا منحرفًا مما يؤدي إلى ارتكابه أعمالًا مخالفة للقانون بسبب عدم تقديره للمواقف أو نتيجةً لعوائق اعترضت طريقه نحو أهدافه. [https://hyatok.com]

السؤال الذي يتبادر الى ذهن السامع أو القارئ هو ما الذي يجعل الشاب (الصبي أو الحدث) ان ينتهك معايير وقواعد القانون؟ ولماذا هذه المرحلة العمرية… وهي بداية نموها واكتسابها الضوابط الاجتماعية؟ ولماذا تتعامل المؤسسات العقابية – الجزائية مع المارقين على قوانينها تعاملاً خاصاً؟ ولماذا تهتم المؤسسات العلاجية والاصلاحية برعايتهم وإعادة تأهيلهم؟ وسواها من هذه الأسئلة التي تتعلق بهذا النوع من المروق والسقوط في وهاد الجنوح؟ ولماذا سمي انتهاك الشباب للقواعد القانونية بالجنوح ولم يسمَّ بالجريمة؟ جميع هذه الاستفسارات والتساؤلات سنجيب عليها في هذا الباب.

ت – النظريات التي فسرت جنوح الاحداث

نظرية روبرت مرتون 1957: تحمّل هذه النظرية اضطراب المعايير الاجتماعي التي جاءت بها استجابة لنظرية (أميل دوركهايم) في نفس الضرب والطرح مع بعض الإضافات إذ قال (مرتون) ان اضطراب المعايير الاجتماعية ينجم عن كسر أو تهشيم انساق البناء الاجتماعي ومفاصلة الرابطة بينهما وهذا غالباً ما يقع عندما يحصل هناك انفصال حاد بينهما وهذا غالباً ما يقع عندما يحصل هناك انفصال حاد بين المعايير الثقافية والأهداف الثقافية وبين طاقة البناء الاجتماعي وأفراد المجتمع بالتصرف حسب المعايير البنائية، عندما يعيش الشاب في وسط مجتمع تَكَسَرَ بناؤه الاجتماعي وتبعثرت معاييره الاجتماعي وباتت في اضطراب متوتر عندئذٍ يضطر الى تبني طرقاً منحرفة للوصول الى أهدافه. من هذا المنطلق سَمى (مرتون) هذا التبني بالتبني المبدع Innovation الذي يعني ان الشاب ينظر الى أهداف المجتمع نظرة احترام وتقدير ويريد الوصول اليها إلا انه يرفض استخدام الوسائل السائدة والمتبعة من قبل أفراد مجتمعه بالوصول الى هذه الأهداف وإزاء هذا الموقف يلجئ الشاب الى تبني وسائل غير قانونية (منحرفة) بسبب الاضطراب المتوتر للمعايير الاجتماعية التي سببها انهيار البناء الاجتماعي. فالفرد الفقير المنحدر من طبقة دنيا جُبّل على ان يقبل ما عنده ولا يسأل عن حقوقه ويطالب بها. لكن مع غياب المعايير الاجتماعية يذهب الى البحث عن وسائل جانحة ومنحرفة لكي يُحَسّن وضعه الاقتصادي ويحقق اهدافاً غير التي وضعتها له طبقته الدنيا. إلا ان النقاد يوجهون سهامهم الى هذه الحالة حيث قالوا ان الانفصال الحاد الذي يحصل بين الأهداف العامة والوسائل المتاحة الخاصة بالطبقة الدنيا لا يمكن الأخذ بها في تفسير جنوح الاحداث. لكن على الرغم من كل ذلك فإن الخيبة أو الفشل أو الإحباط يكون مقترناً مع الاستعداد الجنحي. بتعبير أخر، إذا كان الشاب محبطاً معنوياً في بحثه عن مصدر رزق فإن هذا الإحباط يبلور عنده استعداداً للانخراط في أنشطة جانحة من أجل ان يحصل على المال. فالاستعداد هنا جاء بسبب الإحباط المعنوي والخيبة في العثور على مصدر رزق يعيش منه.

نظرية الثقافة الفرعية Subculture Theory: تقول هذه النظرية ان فشل الشاب في تحقيق اهداف اجتماعية عبر وسائل مشروعة تدفعهم للوقوع في وهد الجنوح. لكنه عندما يعرف بإنه غير قادر على تحقيقها عبر وسائل مشروعة يقول بإن وشائل طبقته لا تستحق ان يستخدمها لأنها غير مجدية. أنه بمجرد شعوره بهذا الشعور يبدأ يفكر بتبني وسائل غير مشروعة. وهذا ما لاحظه (كوبرين) عند أبناء الطبقة الوسطى عندما يفشلون بالوصول الى أهداف ناجحة ومشروعة تسود طبقتهم مما يجعلهم ذلك يُفصحون ويعبرون بشكل سلبي عن حكمهم الرافض لها في تجمعاتهم ومجالسهم ووسائل أعلامهم. أي عبر ثقافتهم الفرعية وغالباً ما يربط علماء هذه النظرية بين عمليات التخريب والتهديم وجنوح الاحداث أكثر من ربطهم بين السرقة والنشل بالجنوح. وأضاف كلٍ من (كلووارد وأهلين 1960) الى ما تقدم فقالا هناك علاقة بين الثقافة الفرعية الخاصة بالمدمنين على المخدرات خاصة بالشباب في المناطق الحضرية الفقيرة والموبوءة بالجرائم التي تجمع المنسحبين من نسق القيم الاجتماعية السائدة والمشروعة وحال إرساء الشباب قواعد لقيمهم الثقافية الفرعية تبرز عندهم أو أمامهم فرص للجنوح أو أنشطة جانحة يكون إنجازها مُرضياً لثقافتهم الفرعية الخاصة بهم التي تكون عبر الوسائل البديلة من صنيعة الزمر الشبابية التي تتسكع في الطرقات والأزقة. بتعبير أخر يدفع فشل الشباب في تحقيق أغراضهم وأهدافهم المجتمعية الر رفض الوسائل الاجتماعية المشروعة التي توصلهم الى أهداف مجتمعهم المشروعة. لكن وجودهم في طبقة اجتماعية واحدة وفي منطقة سكنية خاصة بهم تجعلهم يبلورون عناصر ثقافية خاصة بثقافتهم الفرعية فتسحبهم من نسق القيم الاجتماعية السائد في طبقتهم وتغذيتهم في ذات الوقت بالوسائل غير المشروعة.

نظرية الاغتراب Alienation Theory: لتوضيح هذه النظرية نطرح سؤالاً مفاده ما الذي يجعل الشاب ميالاً للانحراف؟ هناك أكثر من احتمال للإجابة على هذا السؤال وهي أما أن يفشل الشاب في تحقيق النجاح في المدرسة أو يخفق في الحصول على محبة والديه أو أحدهما أو عدم احترام الذات. جميع هذه الاحتمالات تساهم في ميل الشاب نحو الانحراف بيد أن هذا الميل ينعكس على المواقف السلبية نحو الأنماط الاجتماعية مثل الاغتراب أو الانجذاب نحو الانحراف.

وجد (كابلان وزملائه 1984) ان الشاب الذي يفقد دوافعه أو لا توجد عنده دوافع تدفعه للتماثل مع قواعد معيارية مرفوض من قبل الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه وهذا بدوره يولّد عن الشاب رفضه لذاته وانكسارها فيصبح عنده رفض متبادل يبلور عنده الشعور بإنه غريب وهو يعيش في وسط جماعته ومجتمعه ويشعر ايضاً بإنه مرفوض من أسرته ومدرسته وانه بالمقابل لا يتماثل مع معاييرها ومقاييسها وكل ذلك يجعله غير قادر على انجاز المستويات المجتمعية التي يتعامل معها وهذا وحده كافٍ في خلق ميل نحو الانحراف عنده. [Kaplana. 1985. P.44]

نظرية الاتراب (أصحاب الانحراف) Delinquent Associates Theory  

إذا فشل الشاب في حصوله على اعتبار ذاتي من خلال عدم نجاحه حسب معايير مجتمعه فإن ذلك (الفشل) يقوده نحو البحث عن هذا الاعتبار (الذاتي) إنما من خلال معايير منحرفة كبديل للمعايير المجتمعية السليمة. وإذا انجذب الشاب نحو هذه المعايير المنحرفة البديلة فإن ذلك يؤدي الة الاكثار من الأصدقاء والأصحاب المنحرفين سواء كانوا في المدرسة أو المنطقة السكنية أو سواها. جدير بالذكر في هذا السياق هو ان الشاب الذي يحب دروسه ويقوم بواجباته المدرسية ولا يتغيب عن دوامه وحاصل على احترام ومحبة معلميه ويهتم بتفوقه بين أقرانه الطلبة لا يكن لديه أصدقاء المنحرفين بل يكون منجذباً نحو المدرسة والأسرة. أي ملتزماً بممارسة معايير مجتمعه السائدة ومتمتعاً باعتبار ذاتي عند المعلمين وزملائه الطلبة ووالديه. لا يحتاج الى البحث عن معايير بديلة لمعايير مجتمعه بل يتزايد اعتباره الاجتماعي لذاته كلما تعلق بنجاحه المدرسي والعلائقي وهذا بدوره يبعده عن أصدقاء السوء (المنحرفين) ويزيد من الأصدقاء الأسوياء وأصحاب الاعتبار الاجتماعي الجيد والعالي. ويضيف (كابلان زملائه) فيقولون إن فرص الانحراف تظهر عندما يشعر الشاب بإنه مرفوض من قبل الأفراد الذين حوله وانه مرفوض في نظر معايير الأسرة والمدرسة. أي انه يعرف بإنه لا ينسجم مع مقاييس أسرته ومدرسته وإنه مرفوض من قبلهم وليس لديه اعتبار ذاتي عالي بينهم. بتعبير أخر أنه يعلم بإنه منحرف عن معايير أسرته ومدرسته.

ولكيلا نجول عكساً مع طرحنا السلف نقول بإن السلوك الجانح يتبلور عن: –

أ – العجز أو عدم القدرة على تحقيق الأهداف الاجتماعية ذات القيمة العالية في نظر أغلب الناس.

ب – شعور الشاب بإنه مرفوض من قبل المحيط المدرسي الذي بدوره يؤهله لتبني سلوك منحرف.

ت – شعور الشاب بإنه رافض المحيط المدرسي الذي بدروه يبلور عنده ميلاً للانخراط في السوك الانحرافي.

إذن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو لماذا يفشل الشاب؟ هل هناك مؤثرات اجتماعية عامة لا دخل له فيها تدخل في فشله؟ الجواب، نعم لأنه لكل هدف توقعات ولكل دور توقعات وهناك مصادر اجتماعية لتحقيق هذه التوقعات فإذا كانت غير متناسبة (هذه التوقعات) فإن الفشل يكون حليف الشاب واحياناً تكون قدرة الشاب محدودة لا تساعده على تحقيق توقعات الأهداف فيفشل والأخير يقوده نحو الجنوح. إذا احياناً تكون المصادر محدودة لكن توقعات النجاح عالية صعبة التحقيق فيفشل الشاب واحياناً أخرى تكون توقعات النجاح عالية لدرجة انها تؤثر على نوع وعدد المصادر المناسبة للنجاح فيفشل الشاب والحالة ذاتها عندما تكون طموحات الشاب عالية وآفاقه ومصادره لتحقيقها ضعيفة ومحدودة وبالذات عندما تكون حركة التغير سريعة تتطلب عدة مصادر لتحقيق طموحاته المنبثقة من متطلبات الحياة المتغيرة مع ندرة المصادر المتاحة له في مواجهة متطلبات الحياة المتجددة. الملاحظ هنا ان الذكور من الشباب أكثر عرضة للجنوح من الاناث عندما يفشلون في التقدم المدرسي وذلك بسبب كثرة متطلبات التغير الاجتماعي من الذكور وتفاقم مسئولياتهم الدورية والموقعيه من الاناث. لذا عادةً ما يكون عدد الجامحين من الذكور أكثر من الاناث لأن المواقع المهنية التي تشغلها الاناث أقل من الذكور وان مسؤولية هذه المواقع أقل من مسؤولية المواقع المهنية التي يحدثها الذكور وان متطلبات الحياة المتغيرة تحتاج الى مسؤوليات الذكور أكثر من الاناث، وحتى عندما تفشل الاناث في تحصيلهنَّ الدراسي فإن احتمال انحرافهنَّ في تيار الجنوح يكون قليلاً أو ضعيفاً (عند مقارنتهنَّ مع الذكور الفاشلين في تحصيلهم المدرسي). لقد ذكرنا في سياق حديثنا عن المصادر (قلَّتها وندرتها وتناسبها وكثرتها) التي عنينا بها ما يلي: تكفل الوالدين بالصرف وإعالة الشاب، المستوى التعليمي والقيم التربوية التي يحملها الشاب، المساعدات المالية سواء كانت من المؤسسات التعليمية الحكومية أو الجهات الخيرية أو سواها والخلفية التعليمية أي تحصيله الدراسي وتفوقه فيه والتأثيرات الأسرية وعلاقته بأفرادها، إذ كلما كانت جيدة وخالية من المشاكل والصراعات والخلافات كان مصدره هذا مشجعاً على النجاح وعدم السقوط في وهد الجنوح فضلاً عن الصحة الجسدية والنفسية. أعني لا يشكو من اعتلال عضوي في صحته وجسده أو يعاني من عقدة نفسية وسواها. هذا ما قصدناه بالمصادر التي تساعد الشاب على عدم الفشل في تحقيق طموحاته وأهدافه وبالتالي لا يهوى في مهاوي الجنوح. ثمة سبب أخر يواجه الشاب في حياته اليومية مما يدفعه للجنوح وهو عدم قدرته على مواجهة وتحقيق التزامات الدور الاجتماعي الذي يمارسه ذات المتطلبات المتعددة والمتنوعة وإزاء هذا الموقف الذي يجمع بين عجز قدرته وتعدد مطالب دوره فإن احتمال فشله في أداء دوره يكون قائماً ومتوقعاً وبالتالي يؤدي الى الجنوح. هذا من جانب، ومن جانب أخر فإن التوقعات الدورية تنمو وتتطور بشكل أسرع من نمو قدرة الشاب ومهاراته في تحقيق التوقعات الدورية وهذه عقبة أخرى تواجه الشاب فتؤدي الى فشله في أداء مسؤوليات دوره فيضطر تحت هذا المؤثر الى الجنوح. لا جناح إذن من القول بإنه كلما تغير المجتمع تغير معه الأهداف المدرسية والمهنية والأسرية والصداقيه والمالية. أعني تتغير مسؤولياته في الواقع ذاته مع هذا التغير الاجتماعي تتغير طموحات الشاب في نوعها وكمها ويترافق مع هذه التغيرات السريعة تغير بطيء في مؤهلات الشاب ومهاراته بحيث لا تستطيع الاستجابة لكل هذه التغيرات فيحصل عنده ميل للجنوح والميل يكون أكثر وضوحاً إذا كانت مصادره (مشاكل أسرية ودعم مالي وخلفية تعليمية وصحته الجسدية والنفسية) غير مشجعة على مواجهة مثل هذه التغيرات فإن الميل نحو الجنوح سيكون أسرع وأوضح يعجل من سقوطه في وهد الجنوح. غايتي في كل ما قدمته حول دوافع اقتراف الفعل الجانح هو القول بإن الشاب لا يدخل الى عالم الجنوح برغبته أو بشكل مفاجئ بل هناك خمسة عوامل تدفعه بالتدريج نحو الصول الى هاوية الجنوح وهي عندما يتفاعل ويتضافر عوامل المصادر مع قدرته. أي عندما لا يتكفل والده بإعالته ويقترن مع هذا اعتلاله النفسي أو الصحي متفاعلاً مع بطء أو عجز قدرته على العمل في ممارسة توقعات دوره ذات التبدل السريع وهذا بدوره يعوق طموحه وإزاء ذلك يفشل في أداء دوره المناط له (في العمل أو الدراسة أو الأسرة) عندئذٍ يتبلور عنده ميلاً نحو الجنوح.

المصادر العربية

 

1 – العمر، معن خليل. 2014. “علم اجتماع الثورة” – دار وائل – الأردن

2 – العمر، معن خليل. 2000. “معجم علم الاجتماع المعاصر”. دار الشروق – الأردن.

3 – العمر، معن خليل. 2005. “التفكك الاجتماعي” – دار الشروق – الأردن.

المصادر الإنجليزية

1 – Kendall, Diana. 2007. “Sociology in our times”. Thomson wads worth, Australia.

2- Brake, Michale. 1993. “Youth culture”. Routhledge and Kegan Poul. Ltd. New York

3 – Berge, Bennett. 1972. “On the youth fulness of youth culture”. Youth and sociology (eds.) Manning P. and Truzzi, Marcell, Prentice – Hall. London

4 – Giddens, Antony. 1994. “Sociology”. Polity press. UK

5 – Clinard, Marshall. 1963. “Sociology of deviant behaviour”. Holt Rinehart and Winiston, Inc. New York

6 – Mcarthy, Sherrien and Hutz, Clandio Simon. 2006. “Preventing teen violence”. Praeger Westpot connecticnt. U.S.A

7 – Kaplan, Howard. 1984. “Patternce of Juvenile delinquency”. Volume 2 sage Pub. Beverly Hills.

المصادر الالكترونية

 

1 – www.chabiba.tn

2 – www.ar.m.wikipedia.org

3 – www.brimoqreine.net

4 – www.un.org

5 – www.makalcloud.com

6 – https://ar.justinfeed.com

7 – www.albayan.ae

8 – www.regus.com

9 – www.math.ac.com

10 – www.almothaqaf.com

11 – www.roselyoussef.com

12 – www.bbc.com

13 – www.ra2ej.com

14 – https://www.idazat.com

15 – www.pulipt.alwatanvoice.com

16 – www.facebook.com

17 – www.aljazeera.com

18 – https://www.tawasulpg.com

19 – www.dkhlak.com

20 – https://www.aram-grp.com

21 – www.archive.aawsat.com

22 – www.orientxxi.info

23 – www.aa.com

24 – https://www.aljarida.com

25 – www.beriutinsghts.com

26 – www.bidayat.mag.com

27 – www.badelwad.com

28 – www.al-ain.com

29 – https://dw.com

30 – www.komala.org

31 – www.hrdoegypt.org

32 – www.minbaralhurriya.org

33 – www.holol.net

34 – www.alqabas.com

35 – www.al-khaleeg.com

36 – www.mawdoo3.com

37 – www.blogs.aljazeera.net

38 – www.mabarrat.org

39 – www.islam4u.com

40 – www.kapitalis.com

41 – www.alriyadh.com

42 – www.books.google.com

43 – www.yallafeed.com

44 – www.saudigam.com

45 – www.elaph.com

46 – www.annabaa.org

47 – www.alghad.com

48 – www.alyaum.com