لماذا يتذمر العراقيون من حاضرهم ويتحسروا على ماضيهم ولا يستشرفوا مستقبلهم؟

الأستاذ الدكتور: معن خليل العمر

  انتاب العراقيون بعد الغزو الأمريكي والهيمنة الإيرانية ثلاث مشاعر متنافرة في مضامينها وهي: التذمر والتحسر وعدم استشراف المستقبل.

   ففي أولى هذه المشاعر (التذمر) عبروا عن استيائهم وسخطهم وعدم رضاهم عما يحصل في مجتمعهم وبلدهم من قبل عملاء الأجنبي وأذياله الجهلة والدهماء من قتل وسلب ونهب وفساد ومحسوبية ومنسوبيه مشتكين ومتبرمين لما يحصل لهم.

   في الواقع أوقد هذا التذمر لديهم الوعي والإدراك لما يحصل من تدمير وتخريب وتزوير واحتيال واستغلال نفوذ فرفع من امتعاضهم وسخطهم وغيظهم واحباطهم فأضحى المتذمر ممتعضاً من عدم نزاهة المسؤولين وجشعهم المالي وفقدان مصداقيتهم وشفافيتهم وتفاقم كذبهم وعدم انصافهم ومفاضلتهم لبعض الفئات على الأخرى.

   أما ثاني هذه المشاعر (التحسر) فإنه عبر عن استذكارهم لفترة ما قبل الغزو والاحتلال الذي أوقف العجلة الاقتصادية وأفقد الامن والأمان واقصى الشهامة والنخوة والصدق والأمانة وإزال احساسهم بوجود دولة ذو كيان ومزق النسيج الاجتماعي وأرغمهم على قبول الحالة الراهنة. شعورهم هذا عبروا عنه بالتباكي والحزن والشكوى واهات الألم والرثاء لأنهم شاهدوا مثالب المحاصصة والاقصاء الديني والطائفي والقومي والفوضى السياسية التي دمرت وطنهم وفككت بناء مجتمعهم وعتمت رؤيتهم لمستقبل واعد. فدفعوا ثمن عدم التعايش الثقافي وزعزعة التماسك الاجتماعي وعدم قيام دولة وطنية وإلغاء الاخر.

   أما ثالث هذه المشاعر (عدم استشراف المستقبل) الذي تم حجبه بالمشاعر السابقة (التذمر والتحسر) فاختفت لديهم الرغبة واضمحل الاستعداد لتخطيط وتصميم اهداف خلاقة في البصيرة والإدراك وفق أفق زمني معلوم واشراك عموم الناس في الاقتراح والتخطيط وتقييم الصور البديلة وعدم التعصب والمطالبة بالنزاهة الشفافة والاستقامة والانصاف والمعايشة السلمية تحت مظلة الوطن والمواطنة.

   اصابت هذه المشاعر العراقي أستلاب هويته الوطنية بسبب ما تنشئ عليه من قِبل حكامه السابقين والحاليين الذين نشئوه على التعصب والتحييز الفئوي والذي تضاعف من قبل المستعمر والمحتل الأجنبي (الأمريكي والإيراني) ومن قِبل اذنابه ووكلائه من العراقيين ممن لا يحملون الهوية الوطنية.

   باختصار شديد أقول ان ارتقاء الفساد والمحسوبية والمنسوبية والحزبية الكارتونية والطائفية الزائفة في حياة المجتمع العراقي المحتل قد اقترن مع انهيار سريع في الهوية الوطنية والانتماء الوطني. فالارتقاء والانهيار أديا الى ضمور الروح الوطنية ووئد النزعة العراقية والتحسر والتذمر وعدم استشراف المستقبل. هذا الارتقاء والانهيار كان بسبب السلوك السياسي لحكام العراق وعدم وجود ساسة محنكين في إدارة فن السياسة وليس لديهم قاعدة شعبية، بل يملكون تجمعات صغيرة من الاهل والاقارب وأبناء مسقط رأسهم، عارضوا سياسة الحاكم وسُجنوا واعتبروا السجن مدرسة سياسية لهم في حين انها في الواقع لم تكن أكثر من قفص اجتماعي يُّضيق أفق مرئياتهم ويُّعصب مواقفهم ويُّعتم نظرهم حيث ان أغلبهم من طلبة المدارس الثانوية والفاشلين في الدراسات الجامعية وليس لديهم خبرة في الحياة المهنية أو من العسكريين غير البارزين في العلوم العسكرية بل المتعطشين للتحكم والسيطرة.

   بعد هذا الاستطراد أجيب على السؤال الذي طرحته في العنوان وأقول: أن حاضر العراقيين قد أصبح مأساويٌ وظالم وقاهر للحريات الشخصية والاماني الوطنية لذلك يتذمرون من خضوعهم له والذي بدوره يدفعهم للتحسر على ماضيهم الذي فقدوه والذي كان أقل قساوةً وظلماً عليهم مما جعلهم يفقدون حلمهم وأملهم بالعيش في مرحلة تطورية نظيفة وصحية تحمي حقوقهم الوطنية والتعامل معهم على انهم مواطنين من الدرجة الأولى وأبناء بلد لا يحكمهم طغاة أو أذناب ووكلاء للقوى الأجنبية.

   هذه الحالة غير السوية عاشها ويعيشها العراقيين طوال قرن من الزمن سببه المدعّين بالسياسة والطائفية والقومية المتطفلين على النسق السياسي وهم ليسوا برجال دولة أو قادة سياسيين وطنيين، فقد لوثوا النفسية العراقية وعقليتها وجعلوها انتهازية ومنافقة ومتلونة في مواقفها السياسية، أوهنت النزعة العراقية عندها فقربتها من معين الفساد وأبعدتها عن القواعد الضبطية العرفية والدينية فحولت الممنوع الى مسموح والمسموح الى ممنوع والحرام الى حلال والحلال الى حرام والنصرة الى غدر فأصابتها عدة امراض نفسية واجتماعية تحتاج إصلاحها الى قادة وحكام يتخلون عن فرديتهم ويتحلون بتضحيتهم ونزاهتهم ويتجلون بسموا اخلاقهم واستقامتهم.

     انتقل الان الى عرض تنظيمات أصحاب السلوك السياسي التي تشكلت منذ استقلال العراق ولحد الان. اعتبرها تكتلات فورية سريعة التجهيزinstant collection  وليست أحزاب وليدة وذات قاعدة شعبية صادقة هدفها ارقاء الوعي عند العراقيين وتوحيد صفوف الفئات المختلفة. 

   أنها أحزاب سريعة الذوبان أي كارتونية تضع لها اهدافاً سرابيه عسيرة التحقيق وبعيدة المنال من أجل دغدغة عواطف الشباب والمتعلمين لكي تصل الى السلطة كهدف رئيسي وليس لإصلاح وانماء وارقاء وعي الجماهير ومعالجة البطالة والفقر وإصلاح التعليم وبناء دولة ذات سيادة وبرنامج سياسي بناء، فلم تكن متمتعة بشعبية صادقة لأنها كانت تتشكل من خلال العلاقات الشلليه والقرابية (القبلية أو الإقليمية) أو الطائفية أو الدينية أو القومية تتخذ موقف المعارضة للحكومة لكنها تنتهي: -

أ – بعد دخول بعضاً من أعضائها في الوزارة أو الوظائف العليا في الدولة.

ب – أو تختفي بعد سحب الترخيص الذي مُنح لها.

ت – أو عدم قدرتها على مواكبة التطورات السياسية في البلاد.

ث – أو عدم وجود أثر كبير لها في المحيط السياسي في العراق.

ج – أو عدم حصولها على الأغلبية.

ح – أو زوال الحزب بعد استقالة زعيمه أو مؤسسه لعدم وجود انصار له سوى النواب وبعض زعماء القبائل.

  للتعرف على نماذج هذه الأحزاب التي ظهرت في العهد الملكي هي ما يلي: -  

1 – جبهة الاتحاد الوطنيجبهة وطنية تشكّلت عام 1956م من الأحزاب الوطنية والتقدمية المناهضة للحكم في العراق والأحلاف العسكرية. وقد ضمت حزب البعث العربي الاشتراكي والحزب الشيوعي وحزب الاستقلال الوطني الديمقراطي. وقد جاء تأليف الجبهة رمزًا لتصاعد النضال الشعبي ضد نوري السعيد، وتجاوبًا مع تعاظم التيار الجماهيري التحرري العربي في البلدان العربية، ومعارضتها لحلف بغداد. وقد مهّد قيام هذه الجبهة لثورة 14 يوليو 1958م إلا أن الجبهة انتهى دورها بعد استئثار عبد الكريم قاسم بالسلطة.

2 – الجبهة الشعبية المتحدة: تكتل سياسي عراقي معارض تكوّن عام 1951م من مجموعات من الجبهة الدستورية البرلمانية وجبهة المعارضة البرلمانية والحزب الوطني الديمقراطي وبعض أعضاء حزب الأحرار برئاسة طه الهاشمي وبالتعاون مع الحزب الوطني الديمقراطي. وكان من أهداف الجبهة إبعاد العراق عن التكتلات الدولية وتحقيق نظام ديمقراطي دستوري والتعاون العربي وصيانة عروبة فلسطين واستكمال سيادة العراق واستقلاله. وأصدرت الجبهة جريدة الجبهة الشعبية المتحدة وجريدة الدفاع. انتهت الجبهة بعد دخول بعض أعضائها في الوزارة.

3 – جبهة القوى الوطنية والتقدمية: أعلنها حزب البعث العربي الاشتراكي العراقي في 15 نوفمبر 1971م. وفي 17 يوليو 1973م وُقِّع بيان مشترك بين حزب البعث والحزب الشيوعي العراقي وتحققت بذلك الجبهة الوطنية والقومية التقدمية التي اكتملت فيما بعد بانضمام الحزب الديمقراطي الكردستاني والقوميين والوطنيين المستقلين. وبعد اكتشاف التنظيم الشيوعي السري في الجيش والقضاء عليه في منتصف السبعينيات، انسحب الشيوعيون من الجبهة.

4 – حزب الاتحاد الدستوريحزب سياسي عراقي أسسه نوري السعيد عام 1951م، وتولى رئاسته وأصدر الحزب صحيفتين تنطقان باسمه إحداهما في بغداد باسم الاتحاد الدستوري، والثانية في الموصل باسم الدستور. ولم يدم الحزب طويلاً إذ إنه أُلغي بعد انتفاضة عام 1952م التي تسلم فيها نور الدين محمود رئيس أركان الجيش الحكم ورئاسة مجلس الوزراء وألغى الأحكام العرفية. 

5 – حزب الاتحاد الوطنيحزب سياسي عراقي نشأ في أبريل 1946م وكان من أهم أعضائه عبد الفتاح إبراهيم رئيس لجنته السياسية، وناظم الزهاوي، وجميل كبة، وغيرهم. أصدر الحزب صحيفة تنطق باسمه سمَّاها السياسة ثم صوت السياسة. غير أن هذا الحزب ما لبث أن اختفى من الساحة السياسية حين سحبت وزارة صالح جبر الترخيص الذي مُنح له من قبل بمزاولة النشاط السياسي وذلك في 27 سبتمبر 1947م وانتهى بعد ذلك أمر الحزب.

6 – حزب الأحرارحزب عراقي يميني تم تشكيله في أبريل 1946م. كان رئيسه الفعلي المحرك سعيد صالح وأما الرئيس الاسمي فهو توفيق السويدي. أصدر الحزب صحيفة باسم صوت الأحرار كانت تنطق باسمه، ولكن ترخيص الحزب سُحب عام 1948م وتوقفت الصحيفة عن الصدور في العام التالي.

7 – حزب الإخاء الوطني: تجمُّع سياسي أسسه ثلاثة من الزعماء السياسيين العراقيين هم ياسين الهاشمي وناجي السويدي ورشيد عالي الكيلاني في 25 نوفمبر 1930م. ولكن عندما تولى ياسين الهاشمي الحكم حله مع بقية الأحزاب السياسية في مارس 1935م.

كانت أهم أهداف الحزب معارضة الحكومة القائمة وتشجيع الصناعة الوطنية. وكانت معارضته لحكومة نوري السعيد قوية، واستمرت حتى عام 1933م إلى أن ألّف رشيد عالي الكيلاني حكومته الأولى. أصدر الحزب جريدة ناطقة باسمه وأعطاها اسم الإخاء الوطني.

8 – حزب الاستقلالحزب سياسي عراقي أنشئ في أبريل 1946م برئاسة محمد مهدي كبة وكان من أعضائه فائق السامرائي وخليل كنة وصديق شنشل وغيرهم وأخرج الحزب جريدة ناطقة باسمه هي لواء الاستقلال التي ظلت تصدر حتى عام 1954م حين أُلغي امتيازها. كان هذا الحزب يعارض الحكم السائد في العراق، ولكن رئيسه اشترك في الوزارة التي ألّفها محمد الصدر في يناير 1948م. انضم إلى الجبهة الوطنية سنة 1956م، ولكنه لم يستطع مواكبة التطورات السياسية في البلاد. وفي أواسط الخمسينيات، هجره معظم الشباب المتحمس للفكر القومي الذي مثلته أفكار حزب البعث العربي، وفي نهاية الخمسينيات لم يصبح لحزب الاستقلال قوة سياسية يعتدّ بها.

9 – حزب الاستقلال الوطنيحزب نشأ في العراق في سبتمبر 1924م وكان رئيس الحزب عند تأسيسه عبد الله العمري، وكان الحزب ينشط في الموصل. أما أهم أهداف الحزب فقد كانت الدفاع عن أراضي الوطن وحدوده خاصة في النزاع الذي كان بين العراق وتركيا في نواحي الموصل التي كان الحزب يؤمن بعروبتها. أنشأ الحزب جريدة تتحدث باسمه هي جريدة العهد، وكان صدورها في نهاية عام 1925م وأسس الحزب جمعية للدفاع عن الوطن.

10 – حزب الأمة: حزب سياسي أنشأه في العراق ناجي السويدي ومحمد جعفر الشبيبي في أغسطس 1924م لم يكن له أثر كبير في المحيط السياسي بالعراق.

11 – حزب الأمة الاشتراكيأنشئ في العراق عام 1951م برئاسة صالح جبر وهو حزب من كبار ملاك الأراضي والرأسماليين الذين اختلفوا مع نوري السعيد فانفصلوا عنه وألّفوا هذا الحزب دون أن يغيروا من مبادئ حزب نوري السعيد شيئًا، وكان لهم ولاء للملكية. أصدر التجمع جريدة تنطق باسمه تسمى الأمة أيضًا، ولكن هذه الجريدة مُنعت من الصدور حين تولى نور الدين محمود الحكم وأعلن الأحكام العرفية عام 1952م.

12 – حزب البعث العربي الاشتراكي في العراقتأسس في أوائل الخمسينيات وشارك في جبهة الاتحاد الوطني التي قادت ثورة 14 تموز (يوليو) 1958م، وأعلنت قيام الجمهورية وأسقطت حلف بغداد، وطردت القوات البريطانية من قاعدتي الشعيبة والحبَّانيّة.

 وبعد أن استأثر الشيوعيون ونظام عبد الكريم قاسم بالسلطة في العراق، قاومهم البعثيون وتمكنوا من إسقاطهم من الحكم في 8 فبراير 1963م، وبقي حزب البعث في الحكم لتسعة أشهر، حيث أُطيح به بعدها في 18 نوفمبر من نفس العام في انقلاب عسكري قاده الرئيس العراقي عبد السلام عارف. وفي 17 تموز (يوليو) 1968م تمكن الحزب بقيادة أمين سره آنذاك أحمد حسن البكر من السيطرة على السلطة في العراق من جديد. 

13 – حزب التقدمنشأ في العراق وكان مواليًا للإنجليز. أسس هذا الحزب عبد المحسن السعدون في منتصف عام 1925م وذلك للحصول على تأييد في البرلمان لحكومته. ولكن رغم ذلك لم ينجح عبد المحسن في الحصول على الأغلبية، فاستقال من رئاسة الوزارة، ثم انتهت بعد ذلك مهمة الحزب.

14 – الحزب الحر العراقييعتقد أن هذا الحزب كان يوالي بريطانيا. أسس الحزب محمود النقيب بإيعاز من الإنجليز في عام 1922م ولم يعد الحزب ذا فائدة للبريطانيين بعد أن استطاعوا القضاء على الحركات التحررية وإبرام المعاهدة البريطانية العراقية التي تضمنت بنود الانتداب البريطاني في العراق. تضاءل الحزب بعد استقالة زعيمه ومؤسسه محمود النقيب وآل أمره إلى الزوال في سنة 1922م.

15 – حزب الشعب العراقي (1925م): أنشئ في 20 نوفمبر عام 1925م، وقد أسس هذا الحزب ياسين الهاشمي على إثر خروجه من الوزارة في تلك السنة. عارض الحزب معاهدة 11 يناير عام 1926م، وأسقط مرشحها حكمت سليمان، ونجح مرشحه رشيد عالي الكيلاني لرئاسة المجلس النيابي.

ضعف الحزب حين تولى كبار قادته المناصب الوزارية والوظائف العليا في الدولة، وحُلَّ في نهاية الأمر عام 1928م. وكان الحزب قد أصدر جريدة ناطقة باسمه هي نداء الشعب، ولكنها توقفت عن الصدور 1927م.

16 – حزب الشعب العراقي (1946م): تأسس عام 1946م وكان رئيسه عزيز شريف، ولكنه حُلَّ في عام 1947م على يد حكومة صالح جبر.

17 – الحزب الشيوعي العراقيبدأ نشاطه في 31 مارس 1934م حين اجتمعت أعداد من الحلقات الماركسية وأعلنت عن تشكيل تنظيم سياسي لمحاربة الاستعمار. وفي العام التالي، اتخذ التنظيم لنفسه اسم الحزب الشيوعي العراقي، وأصدر بعد ذلك صحيفة سرِّية باسم كفاح الشعب.

   وقف الشيوعيون مع ثورة رشيد عالي الكيلاني سنة 1941م وطلبوا منه إيقاف الهجوم على اليهود الذين كان بعضهم ضمن الحزب الشيوعي العراقي مع كثير من الأقليات العرقية والدينية في العراق، وقد كانوا عصب الحزب الشيوعي. وكان الحزب يريد ألا يؤيد رشيد عالي الكيلاني دول المحور.

   بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945م لم يطالب الحزب الشيوعي العراقي بإلغاء المعاهدة العراقية الإنجليزية وفي يناير 1947م، قبضت أجهزة الأمن العراقية على معظم أعضاء الحزب الشيوعي واتهمتهم بتلقي مساعدات من الاتحاد السوفييتي (السابق) وقضت عليهم.

   ولما تزعم عبد الكريم قاسم حكومة ثورة العراق عام 1958م، وقف الحزب الشيوعي مؤيدًا له، وكان عبد الكريم قاسم يزرع الفرقة بين الشيوعيين والقوميين العرب، وساير الشيوعيين الذين سارعوا في التصدي لحركة عبد الوهاب الشوَّاف القومية العربية التي أحدث الشيوعيون فيها مجازر رهيبة في بغداد في مارس 1959م.

   في عام 1972م، دخل الحزب الشيوعي في الجبهة الوطنية التي شُكِّلت، واعترف الحزب بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي، وقبل الشيوعيون بعدم العمل داخل صفوف الجيش وإلا تعرضوا لعقوبة الإعدام.

18 – حزب العراقيأسسه نوري السعيد وذلك ليجد منه التعضيد وهو على أبواب إبرام معاهدة مع الإنجليز عام 1930م. تضاءل نفوذ هذا الحزب على إثر استقالة مؤسسه من الوزارة في 27 أكتوبر 1932م.

19 – حزب الوحدة الوطنيةأنشأه في العراق علي جودت الأيوبي بمجرد أن عُين رئيسًا للوزراء في أغسطس 1934م، فحلَّ المجلس النيابي الموجود واستبدل به مجلسًا آخر. وكان الهدف المعلن من تأسيس هذا الحزب هو جمع أحسن ما في الأحزاب من أهداف ووضعها في حزب واحد ليحكم البلاد لتحقيق تلك الأهداف.

لم يجد الأيوبي أنصارًا له سوى النواب وبعض زعماء القبائل فقدم استقالته، وانتهى الحزب مع تلك الاستقالة.

20 – الحزب الوطني العراقيتم تشكيله في أغسطس 1922م برئاسة محمد جعفر أبو التمن. وقد عارض الإنجليز في بادئ الأمر قيام هذا الحزب. ومن أهم نشاطات هذا الحزب ما قام به من معارضة لوزارة نوري السعيد سنة 1930م. ولكن ما لبث بعدها أن ضعف موقفه السياسي وتوارى. [https://www.marefa.org]

   أما الأحزاب التي تشكلت بعد الاحتلال الأمريكي والإيراني فكانت تتصف بما يلي: 

أ – لم تكن لها قاعدة سياسية.

ب – تحدثت باللسان الطائفي.

ت – ليس لها برنامج سياسي وطني.

ث – ليس لديها مشروع بناء دولة.

ج – هدفها الصعود الى السلطة وممارسة نفوذها والاستئثار بها وسرقة المال العام واعتباره غنيمة.

ح – لم تدعوا للتعايش الوطني.

خ – يغلب عليها الانتقام والثأر ممن حكمهم.

د – لم تضم أعضاء متمأسسين تمأسس سلوكي عقائدي.

ذ – تغلب عليهم سلوكية المعايير القبلية والطائفية وليس العقائدية.

ر – فاقدي التخطيط المستقبلي.

ز – هشاشة بنيانها التنظيمي. 

س – افتقار أعضائها لممارسة فن مهارة السياسة.

   هذه الأحزاب هي: -

1 – حزب الدعوة الإسلامية.

2 – حركة الوفاق الوطني العراقي.

3 – التيار الصدري.

4 – المجلس الأعلى الإسلامي العراقي.

5 – الحزب الإسلامي العراقي.

6 – الحزب الشيوعي العراقي.

7 – حزب الامة العراقي.

8 – الحركة الديمقراطية الآشورية.

9 – مؤتمر صحوة العراق.

10 – المؤتمر الوطني العراقي.

11 – الجبهة العراقية للحوار الوطني.

12 – الحزب الديمقراطي الكردستاني.

13 – جبهة التوافق.

14 – الجبهة التركمانية العراقية.

15 – الاتحاد الوطني الكردستاني.

16 – الحركة الوطنية للإصلاح والتنمية (الحل).

17 – الحزب الوطني الآشوري.

18 – حزب الفضيلة.

19– حزب الليبرالي الايزدي.

20 – منظمة العمل الإسلامي.

21 – تجمع الوحدة الوطنية العراقي.

22 – الحزب الوطني العراقي.

23 – الحزب الدستوري العراقي.

24 – حزب التحرير الإسلامي – ولاية العراق.

25 – حزب النشور.

26 – الحزب الليبرالي الديمقراطي العراقي.

27 – الحزب الديمقراطي الايزيدي"PDÊ".

28 – الحركة الايزيدية من اجل الإصلاح والتقدم.

29 – حزب التقدم الايزيدي.

30 – الحزب الايزيدي من اجل الحرية والديمقراطية. 

31 – الحزب السوسيايستي الكردستاني.

32 – حركة جيل الجديد.

33 – حزب المستقبل الايزيدي.

34 – الاتحاد الوطني الكردستاني. [https://areq.net]

   المستعرض لهذه الاعداد الهائلة من الحركات الاجتماعية في العراق يتوصل الى حقيقة مفادها أنها لا تعمل خدمة المجتمع بل خدمة أعضائها فقط في صعودهم الى السلطة واقصاء بقية الأحزاب لأنها تجمعات شلليه مصلحية باحثة عن المناصب الحكومية العليا والاغتناء بالمال العام لذلك لم تكن لديهم قواعد شعبية صادقة في انتمائها لهم مما أدى الى كثرة الانقلابات السياسية وهدر المال العام واقصاء المثقفين الواعين والداعين للوحدة الوطنية مما يسر للطامعين الأجانب استغلالهم والدخول الى قلب العراق واستغلال موارده الطبيعية والتحكم في سياسته الخارجية والداخلية فمزقوا النسيج الاجتماعي.

   وإزاء هذه الصورة البانورامية التي سادت العراق لأكثر من قرن من الزمن لم يظهر في العراق سياسيين محنكين ووطنين، بل لاعبي أدوار رسمية متطفلين على النسق السياسي يدّعون بأنهم سياسيين لكنهم في الواقع انتهازيين هدفهم المعلن خدمة العامة، ولكن هدفهم المستتر هو القفز الى سدة الحكم والاستئثار بها ونهب المال العام.

   إن سياق الحديث يلزمني ان لا أغفل حقيقة اطوار وأفول الحركات الاجتماعية. ففي حالة اطوارها تمر بأربعة مراحل هي: -

1 – طور الاستجابة الجماهيرية.

2 – طور الإثارة أو المرحلة الشعبية.

3 – طور التنظيم الرسمي.

4 – طور التمأسس.

  أما أطوار أفولها في: التطبيع والتسخير والدمج والتصفية الجسدية والتنافس والتفرد ثم هدر الثروة الوطنية وهدر الطاقة البشرية وتنتهي بموت أو اغتيال زعيمها.

   إلا ان جميع التكتلات الفورية (الأحزاب السياسية العراقية قاطبةً) لم تمر بهذه الاطوار التي حددها علماء الاجتماع لذلك أفلتْ بشكل سريع حال زوال زعيمها وهذا برهان قاطع على انها لا تتوفر فيها شروط نشوء وارتقاء الأحزاب السياسية. انتهينا من تسجيل السمة السلبية لإصحاب السلوك السياسي.

    اتحول بعد ذلك الى تسجيل سمة سلبية ثانية عند هؤلاء المتطفلين على السياسة وسماسرة التكتلات الفورية موضحاً عدم قناعتهم بتنظيمهم ولم يمثلوا ايمانهم بعقيدة فكرية معينة وهذه السمة السلبية اتصف بها أصحاب السلوك السياسي وهي المعارضة السياسية لنظام الحكم ثم الانتقام والتصفية الجسدية للحاكم وبطانته من أجل استلام الحكم وبعد ذلك يندمون على ما فعلوه من سفك دماء رجال النظام السابق أو افسادهم للمؤسسة التي يعملون فيها مثل البرلمان. نذكر بعض من هؤلاء الذين ندموا على ما فعلوا: -

1 – عبد الستار العبوسي: ضابط عسكري قتل الملك فيصل الثاني وعائلته عام 1958 وفي عام 1970 شعر بالندم فأقدم على الانتحار بأطلاق النار على نفسه من مسدس صغير (5) ملم وكان في وقتها برتبة عقيد بالجيش العراقي. [وكيبيديا] 

2 – صدام حسين: اشترك في محاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم وكان معارضاً لحكمه لكن عندما أضحى رئيساً للجمهورية اعترف بأن الزعيم قاسم كان حاكماً نزيهاً ووطنياً مخلصاً لبلده ولشعب العراق.

3 – نوري المالكي: وقع على امر اعدام صدام حسين وفي 7/10/2021 أعترف بذنبه الذي لا يغتفر في اعدام صدام وقال لو لم يعدم فكان أفضل (صرح ذلك على شاشة تلفزيون الحدث) واعترف ايضاً على شاشة تلفزيون البغدادية بأن جميع أعضاء الطبقة السياسية في العراق فاسدون بما فيهم هو – نوري – لا يصلحوا لقيادة العراق ووجوب مغادرتها لمسرح الحكم حيث قال: "هذه الطبقة السياسية وانا منها ينبغي ان لا يكون لها دور في العملية السياسية لأنهم فشلوا فشلاً ذيعاً في الحكم بمن فيهم انا".

4 – حيدر العبادي: رئيس الوزراء السابق الذي اعترف بإن الفساد في العراق هو فساد مؤسسي وانه أخطر من داعش على العراق واعترف ايضاً ببيع المناصب وانشاء مناصب جديدة داخل وزارات معينة لغرض بيعها علناً ووضع حصص للكتل السياسية في مختلف العقود الحكومية ولكل حزب حصة في ذلك.

5 – الدكتور محمود المشهداني: (رئيس مجلس النواب سابقاً) قال انه لا هو ولا الحزب الإسلامي يملكون مشروعاً سياسياً في بناء دولة العراق، بل فقط جئنا للانتقام من نظام صدام حسين والقفز على السلطة وكسب المكاسب المادية لأننا – حسب قوله – لسنا رجال دولة، بل مجرد معارضين للحكم. 

6 – فائق الشيخ علي (برلماني): اعترف على شاشة التلفاز بأن لا يوجد للشيعة تصور لبناء دولة أو مشروع لإقامة حكومة وطنية، بل لديهم أنشطة طائفية في اللطم والعزاءات وأكل القيمة بدليل حكم الشيعة العراق بعد عام 2003 ولحد الان ولم يبنوا مدرسة، أو مستشفى، أو شبكة مواصلات، أو إعادة الكهرباء، أو مساعدة الفلاحين، أو محاربة البطالة. وفائق الشيخ شيعي معارض لنظام صدام حسين. 

7 – مشعان الجبوري وحيدر الملا وحنان فتلاوي نواب برلمان اعترفوا باستلامهم لرشاوي من المستثمرين ورجال الاعمال لتحرير طلباتهم الفاسدة وكان هذا الاعتراف على شاشة التلفاز.

8 – بهاء الاعرجي: (نائب رئيس الوزراء سابقاً) اعترف على شاشة التلفاز بإن القيادات السياسية التي جاءت الى العراق بعد الاحتلال كانت بلا قاعدة سياسية واسهل طريقة لبناء قاعدة شعبية هي التحدث بلسان طائفي لذلك عملت جميع القيادات على هذا الأساس ومن هنا تأسست الطائفية وترسخت.

9 – عادل عبد المهدي: (رئيس الوزراء سابقاً) اعترف علناً بإن التحدث بلسان شيعي طائفي خلق قاعدة شعبية كبيرة أكثر مما كنا (حسب قوله) بعثيين لا نستطيع ان نكسب بعثي واحد خلال سنة.

10 – بهاء الجوراني: سياسي ورجل اعمال ومستثمر في الصناعة والكهرباء اعترف بإنه أحد أبرز أعمدة الفساد الكبرى في العراق وهو صاحب عقد أبراج نقل الكهرباء واعترف عن أسماء وشبكة المافيا التي تسرق وتنهب المال العام عن طريق العقود الوزارية مثل محمد تميم وزير التربية.

   تميط هذه الحالة المرضية اللثام عن أصحاب السلوك السياسي لأنهم لم يكونوا متزنين وناضجين فكرياً ولا ملتزمين تنظيمياً ولا حتى وطنين، بل متهورين وحمقى وذو أفق ضيق ولا يجيدون فن الحوار والإدارة السياسية مع أصحاب الرأي الاخر مما يقدموا على التصفية الجسدية والاقصاء خوفاً على فقدانهم لمناصبهم من قبل معارضيهم ومنافسيهم لكن بعد ان شغلوا تلك المناصب حصل عندهم أشبه بالصحوة وتأنيب الضمير على ما فعلوه ضد افراد لم يكونوا مجرمين في نظر القانون الوضعي. أعني انهم ليسوا أصحاب فكر وعقيدة وروح وطنية، بل جاءوا من خلفيات فاشلة في كفاحها وناقمين على كل شخص ناجح أو متميز أو له شعبية، يتستروا بستار القومية تارةً والطائفية تارةً أخرى والوطنية احياناً. لكن حقيقة أمرهم هو المثابرة بالحصول على مناصب لا يستطيعون الحصول عليها بالطرق القانونية، بل عن طريق العنف والغدر والاحتيال. هذه السمات تخص حكام العراق ما قبل عام 2003 أما حكامه بعد الاحتلال فقد وصفهم وشخصهم (نيغرو بونتي) سفير أمريكا في العراق بأنهم لصوص وكذابون ومحتالون لا يفصحون عما يريدون لأنهم ذئاب مسعورة حاذقون في الاحتيال فارغون فكرياً وفاشلون سياسياً يعلمون علم اليقين بأنهم معزولون عن الشعب لا يحضون بأي تقدير من المواطنين.

   وإزاء هذا التصرف الشائن كان المجتمع العراقي أكبر ضحية في تقديمه الخسائر البشرية والعلمية والثقافية فضلاً عن خسائره المالية والطبيعية فبددوا ثروات هائلة لخدمة اغراضهم المريضة وكانوا أكبر عقبة كأداة في تقدم العراق والعراقيين وسرقة موارده وتشويه سمعته التاريخية وتلويث اجوائه الاجتماعية وتهجير كفاءاته العلمية فأعاقوا حركة التقدم في العراق لفترة قرن من الزمن وفتحوا الأبواب للطامعين الأجانب فيه.

  ومن أجل استجلاء أكثر عما تقدم ومن باب الاغناء والافاضة نعكف الان الى مدار السمات الشخصية لإصحاب السلوك السياسي وهي: -

1 – التقلب بين الاندفاع والتراجع في المواقف السياسية.

2 – الاندفاع المتهور والصحوة الذاتية.

3 – الانتقام والندم عليه.

4 – الترحم على ما اقترفوه من جرائم سياسية ضد الوطنيين الاحرار.

5 – فاقدي الرؤية المستقبلية.

6 – ليس لديهم برنامج لبناء الدولة العراقية.

7 – غياب الروج الوطنية والهوية العراقية.

8 – غير متمأسسين تنظيمياً في لسلوكهم الحزبي.

9 – تتغلب عواطفهم على تفكيرهم في العمل السياسي.

10 – شغوفين بالسلطة والتحكم فيها وليس لبناء وطن وخدمة شعب.

11 – مسجونين في قفص العلاقات القرابية لم يتحرروا منها الامر الذي لم يكتسبوا أخلاقية المؤسسات الرسمية ولم يتثقفوا بثقافة علمية يستفيدون منها في حكمهم.

12 – أنهم أميون في وطنيتهم وجهلة في استشرافهم للمستقبل، يحنوا للماضي الذي خربوه ودمروه ويحزنوا على ما حصل لهم من تخلف وفساد وخراب.

13 – استخدموا عنفهم في حكمهم متصورين انه يعزز حكمهم ولا يجيدون فن التفاوض واحترام الرأي الاخر ولم يتعظوا من اخطائهم واخطاء حكامهم القدامى في حكمهم للعراق.

   يعني كل حاكم يستنسخ سياسة الحاكم الذي قبله الذي عارضه وانقلب عليه وقتله، استمرت هذه الحالة الشاذة فترة نصف قرن ونيف أشبه ما يكونوا برائحة الثوم التي لا تتأثر بتغير المكان أو الزمان لأن رائحته واحدة. ان سلوك جميع حكام العراق هكذا متصفين بالعنف واقصاء الرأي الاخر وتلميع سلطتهم لينتج معارضين لهم. فكل حاكم يبلور معارضة في الحكم لكنه متطابق معه في تعامله مع العراقيين يعني لم ينجبوا حكاماً بمعنى الحكمة والنزاهة والوطنية.

  هذه الحالة الشاذة جعلت العراقيين يطربوا على الألوان الغنائية الحزينة والشعر الذي يجلد الذات والنظرة السوداوية للحياة والبكاء على الاطلال والحنين للماضي حتى ولو كان تعيساً حزين في افراحه ومسراته لا يجيد النكتة والطرافة يخشى وجود الغرباء في مجالسه، يشك في حضورهم لكن بعدما يطمأن على وجوده ينفتح عليه ويكرمه.

   اما النسق السياسي في البناء الاجتماعي العراقي فأصبح مفتوحاً لكل من ليس لديه مهنة يمتهن بها، يمارس العمل فيه كل من هب ودب دون قيود أو ضوابط إنما لهم رغبة جامحة بالاستيلاء على السلطة وجني غنائمها والحصول على عسلها والتمتع بالجاه والنفوذ والتحكم برقاب الناس مثل العسكري المتعطش للسلطة ومنهم رجال الدين المعممين من الدجالين أو شيوخ العشائر أنهم أشباه الاميين والمراهقين البلطجيين والعاطلين عن العمل الذين لا صفة لهم أو التلميذ الفاشل في دراسته ولم يكمل مرحلته الدراسية الإلزامية والطبيب والمهندس والمتعلم والمثقف اللاهث وراء المناصب.

   هذه المتغيرات الحاصلة عند أصحاب السلوك السياسي أثرت سلباً على المواطن العادي فجعلته يتسم بالشخصية المزاجية الحادة والانقلابية السريعة يفرح ويبتهج عند مغادرة الحاكم للسلطة وغالباً ما يكون بالقتل ويفرح ويبتهج عند تسلم الحاكم للسلطة، ينافق الحاكم وبطانته من أجل التكسب المالي والمهني، انتهازي الفرص يخضع للمحسوبية والمنسوبية مما جعلته لا يخلص في عمله ولا يحترم الوقت في الإنتاج ويخشى القوة والبطش، لا يعمل بشكل تلقائي ومنظم في عمله، يهاب أصحاب المواقع العليا ويهلع من رجال الامن والمخابرات الحكومية المتسلطة عليه في كل مكان، حزين في طربه وصريح في تفكيره وعميق في مشاعره، غير طليق اللسان في تعابيره (مثل المصري واللبناني) بسبب الكوابح الرسمية والعائلية عليه، شاعري القول جدي التصرف لا يجيد اطلاق المزحة او النكتة إنما يستجيب اليها، يحترم الكبير في السن ويحب موقع الصدارة والقيادة في الاجتماعات، غير منغلق على ثقافته المحلية بل يتطلع للتثاقف واكتساب الحداثة وابتكاراتها.

   ومن نافلة القول ان نشير الى ان جميع حكام العراق وبدون استثناء جاءوا الى السلطة عن طريق الانقلاب العسكري أو الانشقاقات الحزبية، لا يملكون سوى معارضة النظام الذي لم يفسح لهم المجال بالمشاركة في السلطة، ليس لديهم مشروع بناء دولة ولا خطة استراتيجية إصلاحية أو ارقاء الهوية الوطنية، معظمهم من الفاشلين في الدراسة ومن أرباب السجون السياسية، لا يوجد عندهم انفتاح ذهني، منغلقين على أعضاء تجمعاتهم الحزبية المتطرفة لا يهمهم سوى الاستحواذ على السلطة وعند وصولهم لها لا يعرفون مسؤولياتهم القيادية في البناء والانماء والتطوير عندها أدركوا بأن وجودهم في السلطة بات عائقاً للتكتلات الأخرى مما يشعرون بأن معارضتهم للنظام السابق كان خطأً وأنهم تشرعوا في ذلك فندموا على ما فعلوه لأن أفق تفكيرهم هو المعارضة من أجل الوصول للسلطة وعندما وصلوا اليها ظهر انه ليس لديهم دراية في بناء الدولة وإرساء العدالة الوطنية والتسامح ولا عندهم مشروع إصلاحي لأنهم بلطجية وثعالب، فارغون فكرياً لا يفقهون فن السياسة لذلك أصبحوا مطايا لتوجيهات الأجنبي (البريطاني والامريكي والإيراني) الذي استغل جهالتهم وانعدام وطنيتهم فبددوا ثروات مالية هائلة لتلميع صورتهم وتحصين كراسيهم بأجهزة أمنية متعددة ومتنوعة. ولكي يخرجوا من محاسبة الشعب لهم أدخلوا البلد في حروب أهلية – داخلية وخارجية لإشغالهم بالخطر الخارجي المفتعل وكان كل حاكم يغتال العلماء والأطباء والمهنيين وأصحاب الخبرة الذين عملوا مع الحاكم السابق وهذه أكبر خسارة علمية وبشرية اقترفها حكام العراق الجهلة الذين لا يعرفون سوى البطش والتصفية الجسدية والمعتقلات والتشريد وتهجير العلماء والكفاءات استمرت هذه الحالة من عام 1921 لغاية 2022 وربما أبعد.

  أنهم السبب الأكبر والرئيسي في التخلف العلمي والثقافي الذي أصاب المجتمع العراقي على الرغم من امتلاكه العقول النيرة والذهنية التواقة للعلوم. أما لماذا لم يستشرف العراقيين مستقبلهم ولديهم الوعي بواقعهم ويتذمروا منه؟ نقول أن ذلك يرجع الى ان الحكام أغلقوا عليهم التفاعل مع العالم الخارجي (باستثناء الفترة الأخيرة التي بدأت في العقد الثاني من هذا القرن) بالاتصال الخارجي عبر الانترنت فتفتقت رؤاهم إلا ان الحكام الذئاب الذين فرضتهم أمريكا وايران قمعوا انتفاضة الشباب التشرينية بالنار والحديد.

  أما المصدر الرئيسي لهذا البلاء الذي أصاب العراقيين هو ان الفريقين حكام العراق واسيادهم الأجانب البريطانيين والامريكان والإيرانيين حولوا ثروات العراق النفطية التي وهبها الله للعراقيين نعمة الى نقمة لأن كلاهما طامعين بالمردود المالي لهذا المصدر الطبيعي فلم يستخدموه لترفيه شعبهم، بل لأفقاره وجعله يبحث عن لقمة العيش خارج بلده.

  فلو لم تكن هذه الثروة النفطية في العراق لما تكالب عليه الذئاب والمحتالين والحرامية ولم تطمع في العراق القوى الأجنبية لاستعماره ونهب خيراته، بل كان يعتمد على عقول وذهنية عقلائه وعلمائه ومفكريه في بناء حضارة عراقية متميزة كما كانت في العصور القديمة التي لم يكن فيها النفط موجوداً.

   هناك ظاهرة سياسية في غاية الغباء والتبلد الذهني اتصف بها حكام العراق وهي معارضتهم للنظام السياسي القائم لأنه مفروض عليهم ويستخدم الأجهزة القمعية ضد كل معارض له ولا يحترم الرأي الاخر وجعل المؤسسات الرسمية تحت منظوره الأمني والحزبي ويمارس المحسوبية والمنسوبية (القبلية والطائفية والحزبية والإقليمية والعرقية) ويجعل الحاكم في العراق شمولياً غير منفتح على العالم الاخر ويستحدث أجهزة امنية واستخباراتية عديدة فضلاً عن ذلك يؤسس تنظيم عسكري شعبي تطوعي من المؤيدين للنظام مثل: -

1 – المقاومة الشعبية أبان حكم عبد الكريم قاسم.

2 – الحرس القومي أبان حكم البعث الأول.

3 – الجيش الشعبي أبان حكم البعث الثاني.

4 – الحشد الشعبي أبان الحكم الطائفي.

5 – مليشيات وكتائب طائفية متعددة تخدم أحزاب السلطة.

6 – جيش القدس وفدائي صدام.

7 – مليشيات الصحوات.

8 – الحشد العشائري.

9 – مليشيات البشمركة الكردية.

  هذا التنظيم يستخدمه الحاكم للسيطرة على الشارع والتجسس على المواطنين في الأماكن الخاصة والعامة وكل حاكم يطبق نفس سياسة الحاكم الذي قبله الذي ثار عليه من قبيل الفساد والمحسوبية والمنسوبية والقمع والتجويع.

   في الواقع لا أفهم لماذا ينقلبون على النظام ومن ثم يمارسون بنفس النهج الذي سار عليه من تسلط قمعي وظلم وتهجير وتصفية جسدية وتلميع صورة الحاكم وجعل الحاكم هو الوطن والإخلاص للحاكم لا الإخلاص للوطن. لا تغيير في حكم حكام العراق لا في التفكير ولا في الإدارة بسبب الجهل بالسياسة والعمالة للأجنبي وكأن المجتمع العراقي يراوح في مكانه لا يتقدم بسبب حكامه البلداء والأميين بالسياسة وعند تبوئهم للسلطة يتحسروا على ماضيهم لأنهم لا يجيدون إدارة البلاد، بل يجيدون القتل والقمع والتصفية الجسدية وبناء السجون وابتكار أحدث أساليب التعذيب الجسدي لكل من يعارضهم.

   لا اريد ان اترك هذا المقال مالم أشير الى استشراف مستقبل الأجيال العراقية القادمة التي سوف ترفض دعاة الشعارات الطائفية، أو القومية، أو العشائرية، أو الحزبية الذين سبق لهم وان حكموا العراق لمدة قرن من الزمن ولم يقوموا ببناء وطن ولا تطوير مجتمع ليساير الحراك العلمي العالمي الصاعد، بل عوقوه ونهبوا خيراته وبددوا ثرواته لخدمة حكمهم الفردي واللاوطني. يعني جيل لا يمثل ولا يؤمن بهذه الادعاءات الزائفة والكاذبة والمضللة، جيل يبحث عن هويته الوطنية والعلمية وليس الميتافيزيقية (ما وراء الطبيعة) ولا اللاهوتية ولا العرقية، بل وحدة الوطن وتفاعل مكوناته السكانية. أقول جيل لا يتماهى مع الاطار المرجعي السابق، بل مع اهداف مستقبلية يرسمها هو بنفسه وليس الطامعين الأجانب فيه معتمداً على كفاءاته ومهاراته الشخصية وليس على عوائد البترول.

   علماً بإن العراق على الرغم من خضوعه للجلاوزة الطغاة غير الوطنيين والنرجسيين إنما أنجب علماء ومفكرين وباحثين وأطباء ومهندسين يشهد العالم الغربي المتقدم بإنتاجهم ولكن برزوا خارج العراق وليس داخله.