علم التدرج الاجتماعي

تأليف: الأستاذ الدكتور معن خليل العمر

لكي نكون باحثين اجتماعيين لبناء علمنا وعصرنا، علينا أن نبحث في عواقب عدم استواء الأمم في هذا القرن لأنه هو المسبب للاستعمار الجديد على دول الأطراف والجنوب

المقدمة

لم يكن هناك مجتمع إنساني في تاريخ البشرية عاش في مرحلته التطورية وهو خالي من التدرج الاجتماعي الذي يتراوح بين طبقتين أو ثلاث طبقات. يعني لم يحصل وان وجد مجتمع متساوٍ في جماعاته الطبقية. أقصد جميعهم من الأغنياء أو الفقراء. لأن هناك اختلافات موقعيه ودورية ونفوذية وسلطوية ومالية وعرقية وقومية بين الأفراد فضلاً عن تمتعهم بمهارات وكفاءات وطموحات مختلفة مما تجعل مساعيهم وراء المال عبر العمل يكون مستمراً. علاوة على نزعته الغريزية بالامتلاك سواء كان مادياً أو معنوياً أو بشرياً أو سلطوياً لكي يشعر بقوة مهارته أو كفاءته وثقل وزنه في اسرته ومجتمعه المحلي. هذا التملك منه ما هو موروث عن الاسلاف في الثروة المالية أو الاعتبار الاجتماعي أو الخلفية التاريخية (العرقية أو القومية او الطائفية) نجده في المجتمعات التقليدية العريقة في ثقافتها مثل الثقافة الهندية أو الصينية أو العربية بل حتى نجدها في المجتمعات الصناعية الكبرى مثل المجتمع الأمريكي والبريطاني والاسباني والفرنسي عند اثرياء المال والعقار والشركات والمصانع.

    لكن الشيء المؤسف ان علماء الاجتماع لم يخصصوا جهداً متميزاً وكبيراً لهؤلاء الذين لهم نفوذاً وثروةً كبيرة قد يكون خوفاً منهم أو عدم استطاعتهم بالحصول على معلومات منهم أو عليهم، أقصى درجة وصل اليها عالم الاجتماع الأمريكي (رايت ميلز) في دراسته لأصحاب الياقات البيضاء أي المسؤولين البيروقراطيين في التنظيمات الرسمية في المجتمعات الصناعية المتقدمة (وكارل ماركس وانجلز) عن أصحاب رؤوس الأموال في المجتمع الرأسمالي لكنهم لم يدرسوا قادة المجتمعات الشمولية الطغاة وفسادهم وتعسفهم وتسلطهم على عامة الناس.

    في تقديري هذا العنوان يشكل ثغرة واسعة في بحوث وأدبيات علم الاجتماع القديم والحديث علينا استدراكه وملئه بالحقائق والوثائق لا سيما وقد برز على سطح المجتمع المعاصر (التدرج الأممي) بفضل وبسبب العولمة الثانية وسقوط المعسكر الاشتراكي واستفراد المعسكر الرأسمالي الأمريكي والشركات العابرة للحدود الوطنية والإقليمية مع ظهور الاستعمار الجديد الذي استولدته العولمة الثانية المتمثل في انتقاء عملاء سُذج سياسياً وشحاتين مالياً ومتسولين اجتماعياً ونكرات شعبياً لتنصبّهم على مواقع قيادية في مجتمعات غنية بمصادرها الطاقيّة الطبيعية لكي يستغلوهم في استنزاف هذه المصادر وتكبلهم بالقروض والديون فارضين على شعوبهم الضرائب الثقيلة والبطالة المزمنة والفقر المدقع.

   لذلك خصصت الفصل الأكبر نوعاً وكماً في مضمونه فصل يدعى (عدم استواء طبقات الأمم) الذي يعكس أحدث مشكلة أممية نعيشها في بداية القرن الحادي والعشرين. إضافة الى فصول أخرى تتناول الفوارق الفردية والأسرية والطائفية والطبقية في عدة مجتمعات إنسانية موضحاً فيها علاقة التملك بالاستغلال (الفردي والطبقي والسياسي والديني والطائفي) الذي يشكل عائقاً لحركة الحراك الاجتماعي الصاعد والأفقي وهذه مشكلة اجتماعية تنذر بالخطر لأنه يسبب اختناقاً وتوتراً يؤدي الى انفجار شعبي ضد الطبقة الحاكمة والغنية.

   احتوى هذا المؤلف على عشرة فصول اختص الأول بأنواع التدرجات ومفاهيمها وتناول الثاني نسق التدرج الاجتماعي وأخذ الثالث ثنائيات تدرجية غير منسجمة، أما الرابع فقد فصّل قيمة التملك في التدرج الاجتماعي في مجتمعات مختلفة بينما الخامس اختص بالنماذج الطبقية في العالم الحديث وسأل السادس فيما إذا كان هناك تدرج في المجتمع العربي؟ بينما شرح السابع عدم استواء طبقات الأمم في حين اختص الثامن بعرض الفقر الكوني والعولمة، لكن التاسع تناول عدم الاستواء الاجتماعي عند المسنين وعرض العاشر نظريات علم الاجتماع في التدرج الاجتماعي.

    ولا أنسى جهود زوجتي جيهان عاصم الطائي تفرغها الملتزم بطباعة هذه المسودة وتدقيقها الحريص على متنه ومضمونه يعجز لساني عن شكري لجهدها وتفرغها لإنجاز طباعته، مني لها كل الحب والاعجاب بدقة عملها.

   أخيراً أسأل الحق الذي منح كل الحق ان يسدد خطانا وان يتوج بالنجاح مسعانا وان يوفقنا الى المعرفة التي هي غايتنا الأولى والأخيرة في كل ما نزاوله وبالله العون ومنه التوفيق.

                                                                 الأستاذ الدكتور معن خليل العمر

                                                               سدني – استراليا    2020

الفصل الأول

أنواع التدرج الاجتماعي ومفاهيمه

1 / أ – بدايات دراسة التدرج الاجتماعي في علم الاجتماع

1 / ب – المتغيرات المسببة لعدم الاستواء الاجتماعي

1 / ت – ما ينجم عن الاختلاف الطبقي على الأفراد

1 / ث – أنواع انساق التدرج الاجتماعي

1 / ج – الحراك الاجتماعي وانواعه

1 / ح – التدرج الاجتماعي ضمن المجتمع الواحد

1 / خ – الصيت أو الجاه الاجتماعي

الفصل الأول                                    

أنواع التدرج الاجتماعي ومفاهيمه

1 / أ – بدايات دراسة التدرج الاجتماعي في علم الاجتماع

     على الرغم من وجوده التاريخي في حياة المجتمعات الغابرة والحديثة البعيدة والقريبة، إلا ان علماء الاجتماع الغربيين تناولوه بعد منتصف القرن الماضي أي (القرن العشرين) باستثناء عالم الاجتماع النرويجي “ثورستاين فبلن” الذي تنبه الى التفاوت الطبقي. أما علماء الاجتماع الامريكان فكان لديهم معتقد مفاده بإن جميع الأمريكان لهم فرص متساوية في تحسين وضعهم المعاشي وهذا ما أكد عليه عالم الاجتماع الأمريكي “هارلورد كيربو Harold Kerbo” عام 1983 حيث قال بإن رواد علم الاجتماع في الولايات المتحدة أهملوا قضية عدم المساواة الاجتماعية لغاية الصدمة الكبرى التي أحدثت الكساد الاقتصادي العالمي 1930 الذي أجبر علماء الاجتماع بالبحث والسؤال عن مجتمع بدون طبقات. ومن عام 1930 لغاية 1940 كانت هناك دراستان مختلفتين حددت وجود عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع الأمريكي الأولى: كانت ميدانية قام بها كلٍ من “روبرت وهيلين ليند Robert and Helen Lynd” التي وجدت اختلافات جوهرية بين افراد المجتمع الأمريكي، أطلقوا اسم على دراستهم بـ “ميدلتاون Middeltown” حددا فيها القاعدة الاقتصادية للطبقة أوضحا فيها أنماط وبناء عدم المساواة في مدينة انديانا الأمريكية في منتصف العقد الثالث من القرن الماضي.

     استخدمت هذه الدراسة عدة طرق منهجية في جمع المعلومات والبيانات عن البناء الاجتماعي وانماط عدم المساواة والسلوك الاجتماعي لأفراد مجتمع هذه المدينة. إذ وجدت (الدراسة) ليس فقط ميدلتاون كانت طبقية. أي ذا تقسيم المدينة الى طبقات بل كذلك هناك مناصب طبقية كان لها التأثير البالغ على حياة الأفراد عندها خلصت الى ان هناك تشكيلة متألفة من طبقتين هما الطبقة الشغيلة (العمالية) التي تشكل 70% من سكان المدينة وطبقة رجال الاعمال التي تشكل 30% المفتاح الرئيسي في هذه الدراسة هو ان الخلفية التاريخية التي سادت مجتمع هذه المدينة نشؤها الذي يرجع الى عام 1890 أي بحوالي 35 سنة قبل دراستها التي قدمت مؤشرات عن أهم الاحداث التي سادت البناء الاجتماعي لهذه المدينة. وبناءً على ذلك وصلت الدراسة الى خلاصة مفادها ان البناء الطبقي لمدينة ميدلتاون أصبح أكثر ظهوراً في عام 1920 حيث أصبحت أكثر المدن الصناعية تطوراً في الصناعة مما أثر ذلك البنيان الطبقي السابق. فالشغيلة زاد عددها وكبر حجمها ففي عام 1890 كانت مدينة ميدلتاون مدينة حضرية بكل معنى الكلمة فيها فرص عمل متساوية وتحسن في ظروف العمل مما دفع بالعمل الى الاندفاع والتحمس في أداء عملهم الصناعي، بذات الوقت تطور مستوى إدارة العمل بشكل سريع. وفي عام 1920 تطور الوضع لدرجة ان جميع الشركات انخرطت في العملية الإنتاجية الصناعية وانشاء معامل ومصانع مما نتج عن ذلك انخراط معظم الأفراد بالانتماء الى الطبقة العمالية.

    فيما بعد رجع “ليندز” الى المدينة ميدلتاون مرة ثانية واقام فيها دراسة ثانية في عدم الاستواء الاجتماعي في المجتمع الأمريكي وكان عنوانها (التحول في ميدلتاون 1937) قدم فيها صورة مغايرة لما كتبه في دراسته الأولى حول البناء الطبقي مع بقاء الطبقتين الأخيرتين (الوسطى والعليا) على حالهما لم يحصل تغير فيهما حيث أصبح البناء الطبقي أكثر تعقيداً بسبب التطور الذي حصل للمدينة لدرجة انه استطاع ان يصنف مجتمع المدينة الى ست طبقات وهي: –

1 – الجماعة أو الطبقة الأولى تضم المُلاك الأغنياء من ذوي الاعمال المحلية الكبرى مثل مُلاك المصانع والبنوك ومدراء الشركات.

2 – الجماعة أو الطبقة الثانية تضم مُلاك المصانع المحلية الأصغر والتجار والمهنيين وأصحاب الرواتب العالية والمؤسسات العمومية.

3 – الجماعة أو الطبقة الثالثة وتشمل المدراء المحليين للإدارات المحلية ذات الحجم المتوسط والمهنيين المحترمين والموظفين وعمال الخدمات.

4 – الجماعة أو الطبقة الرابعة وهم عمال محليين ارستقراطيين وعمال الحرف المتقدمة وباعة الجملة.

5 – الجماعة أو الطبقة الخامسة التي تضم الطبقة العمالية والموظفين في الاعمال الماهرة وغير الماهرة والأجيرين.

6 – الجماعة السادسة وهم من العمال الموسميين وليس الدائمين بل من الباعة المتجولين.

  هذه الدراسة في الواقع جذبت انتباه العديد من الساسة والاقتصاديين ممن لهم ميل ماركسي بذات الوقت لم تعجب الأخرين لأن تحليلها كان دون المستوى.

  لكن مع بداية العقد الرابع من القرن الماضي (العشرين) ظهرت مجموعة من علماء الاجتماع الأمريكان أمثال “لويد ويرنر Lioyd Warner) الذي بدأ بدراسات جامعة متسلسلة عن موضوع عدم الاستواء الاجتماعي في المجتمع الأمريكي. إنما فيما بعد سميت بـ (التحليل المتدرج) التي أشارت الى عدم المساواة الاجتماعية التي افترضت بإن المجتمع في تغير دائم وينقسم الى عدة طبقات وكل طبقة تتألف من مجموعة افراد مشتركين بصفات وخصائص مشتركة يساهم فيها الدخل والاعتبار الاجتماعي والنزاهة (الشرف).

   هذا الطرح تبناه المفكرين الذين لديهم رؤية طبقية بشكل متدرج مصنفين الى مرتبة عليا ودنيا وكل ذلك يعتمد على كيف يقيسوا هذه الخصائص مثل الملكية ونوعياتها التي يملكوها؟

درس “ويرنر ” وزملائه مدينة نيوربري بورت Newbury port في ولاية ماساجيوست التي تعرف بـ (يانكي ستي Yankee city) وكان هؤلاء الباحثين مهتمين ايضاً بعدم المساواة الاجتماعية فكانت دراستهم مبنية على احتمالات مختلفة عما كانت دراسة “لاندز Lynds” الذي طرح “ورنر” احتمال مفاده بإن معظم الأنواع الخاصة بعدم المساواة تؤدي الى المكانة الاجتماعية كذلك دراسة مدينة يانكي ستي الموجهة نحو تقصي عدم المساواة في الاعتبار أو الهيبة الاجتماعية أكثر من البعد أو القيمة الاقتصادية في عدم الاستواء الاجتماعي الاحتمال الخاص بنسق القيم الاجتماعية المتضمن نمط تفاعلهم ومواقفهم واتجاهاتهم ووعيهم جميعها بلورت عدم الاستواء الاجتماعي.

    بيد أن “ويرنر” وزملائه حددا دراستهم لستة طبقات اجتماعية متميزة في مدينة يانكي ستي وهي:

الطبقة العليا من العليا والطبقة الدنيا من العليا والطبقة العليا من الوسطى والطبقة الدنيا من الوسطى والطبقة العليا من الدنيا والطبقة الدنيا من الدنيا. اما معايير تحديد مواقع الأفراد الطبقية فكانت تسمى تقييم المشاركة evaluated participation

الذي يقوم بوضع الأسرة أو الفرد في طبقة معينة بناءً على سمعته أو سمعتها وانماط تفاعلاتهم الاجتماعية ومدى مشاركتهم في المجتمع المحلي وعضوياتهم في الجمعيات غير الرسمية.

   اخيراً بلور “ويرنر” وزملائه نظاماً أخر في تحديد مواقع الطبقة أما المنهج الثاني فكان مبنياً على أربعة عوامل رئيسية وهي مهنة الفرد ومقدار دخله ونوع سكناه والمنطقة السكنية التي يقطن فيها حيث وضعوا قائمة تتضمن تدرج المهنة ومصادر الدخل ونوع السكن والمنطقة السكنية بناءً على معايير وقيم المجتمع المحلي المدروس وتحديد مرتبة الأفراد أو مراتب أسرهم طبقاً الى مستويات مشاركاتهم على هذه الأربعة مقاييس وعلى هذه القاعدة الخاصة بالخصائص حدد الباحثين البناء الطبقي لمدينة “يانكي” والمجتمع الأمريكي بشكل عام وهي ما يلي:

1 – المرتبة الطبقية العليا من العليا: ذات الأسرة الكبيرة – الممتدة والمساكن الكبيرة في مناطق حضرية والمنحدرين من انساب وأسر معروفة في المنطقة (أي الخلفية التاريخية للأسرة).

2 – المرتبة الطبقية الدنيا من العليا: التي تضم الأثرياء الجدد من ذوي الدخول غير المضمونة وفي هويتهم ونسبهم وسلوكهم الذي يتصف بالأدب القليل والغير مهذب ويتصرفوا على سجيتهم.

3 – المرتبة الطبقية العليا من الوسطى: التي تضم رجال الاعمال والمهنين وأفراد الأسر الذين يقطنوا في مناطق غنية ويقوموا بترميم منازلهم بأيديهم ليس لديهم جنانيين يهتموا بحديقة المنزل ولا عندهم خدم يخدموهم في منازلهم لكنهم يتمتعوا بقيم تربوية ولهم مشاركات في مجتمعهم المحلي وتقديم الخدمات والمساعدات له.

4 – المرتبة الطبقية الدنيا من الوسطى: التي تضم رجال الاعمال أقل من الموظفين الإداريين وشبه مهنيين مثل المعلمين والمشرفين على عمال المصانع الذين يمتلكوا منازل حديثة في منطقة سكنية خاصة بالطبقة الوسطى وأعضاء في كنيسة حديثة في منطقة سكنية خاصة.

5 – المرتبة الطبقية العليا من الدنيا: التي تشمل العمال والموظفين الصغار يملكون أو يؤجرون مساكن في وسط منطقة الطبقة العاملة يقومون بأعمال شاقة ومحترفة لكنهم يبقوا خارج المشاكل المتعبة.

6 – المرتبة الطبقية الدنيا من الدنيا: التي فيها المهمشين والعمال الموسمين يقضوا معظم اوقاتهم منتظرين طلبات العمل لا يملكوا مساكن يسكنوا بل يؤجروا مساكن لهم في أفقر المناطق في المدينة.

   في الواقع انها مثلبة نسجلها في تاريخ علماء الاجتماع الامريكان في عدم تناولهم هذه الظاهرة المسببة لعدة مشكلات اجتماعية واقتصادية وصحية على ابناء الطبقة الفقيرة إلا بعد الربع الأخير من القرن العشرين باستثناء بعض الدراسات الفردية المعدودة لبعض المدن الامريكية. لكنهم لم يدرسوا مصادر الطبقة الغنية في امتلاكها لوسائل الإنتاج في المصانع والمعامل لا سيما وأن المجتمع الأمريكي مجتمع صناعي ومتحضر يعاني الكثير من المشكلات العمالية (طبقية وصحية وسكنية وتربوية) والسبب في ذلك لا يرجع الى اهمالهم لا بل لأنهم يجاملوا وينافقوا لأبناء الطبقة الغنية ولم يدرسوا الطبقة الفقيرة بل وصفوا نمط عيشهم فقط دون تسجيل معاناتهم بل درسوا انحرافاتهم وتفكك أسرهم لكنهم لم يشخصوا سببه الرئيسي الفقر ولم يسجلوا اضطهاد مُلاك وسائل الإنتاج للعمال وتأثيرهم على القوة الشرائية بل اكتفوا بسرد استعراضي للفئات الاجتماعية دون الدخول في رصد حراكهم العمودي (ان وجد) وهذا يعني ان علماء الاجتماع الأمريكان الرأسماليين يتجنبوا بعمد عدم تناول موضوع صراع الطبقات واستغلال الأغنياء للفقراء وحركات الفقراء العمالية لكيلا يتهموا بالشيوعية أو الماركسية. لذلك لا نستطيع ان نطلق عليهم بإنهم فعلاً أبناء علمهم أو عصرهم (هذه التسمية تطلق على الرواد ومنظري النظرية الوظيفية والتفاعلية الرمزية) وليس على الباحثين الاجتماعيين الامريكان الذين تناولوا دراسة عواقب عدم الاستواء الاجتماعي بين الأمم.

1 / ب – المتغيرات المسببة لعدم الاستواء الاجتماعي

  سواء اعتبرنا عدم الاستواء الاجتماعي يمثل ظاهرة اجتماعية تسود كافة المجتمعات الإنسانية بدءً بالبدائية مروراً بالريفية وصولاً بالصناعية والمعلوماتية أو اعتبرناها مشكلة اجتماعية تمثل عدم العدالة في التعامل والتعالق الاجتماعي مسببة صراعات اجتماعية متنوعة ومتعددة فإن لها أسباب تخلقه وتنميه وتعززه وهي ما يلي: –

1 – الدخل: هذا المتغير تحدده الإحصاءات الرسمية للموظفين والعمال والمستثمرين الذين يطلق عليه “دخل السوق” market in come ومن خلاله يمكن تصنيف الأفراد والأسر الى أصناف أو مراتب متدرجة (عليا ووسطى ودنيا) موضحة عدم المساواة الاقتصادية في المجتمع.

2 – الاعتبار الاجتماعي prestige (أو الهيبة أو الصيت أو العزّوة) يوضح هذا المتغير الاجتماعي السمعة والنزاهة للمكانة الاجتماعية التي يشغلها الفرد وارتباطها بشبكة من التفاعلات والعلاقات والاحترام والتقدير الذي يتمتع به صاحب الاعتبار مثل القضاة وأساتذة الجامعة والمحامين والعلماء أكثر من العمال والفلاحين ومنظفي الطرق والبنايات. معنى ذلك ان النزاهة والتميز الاجتماعي مقترن مع المهنة والمنصب الذي يشغله الفرد علماً بإن المنصب له تدرج متسلسل يحدد فيه تميّز واعتبار شاغله.

3 – النفوذ أو السطوة power: عندما يمتلك الفرد دخلاً معيناً واعتباراً خاصاً فإن ذلك يمنحه قوة التأثير على الأخرين الذين هم أقل منه درجةً ومالاً. يعني لديه نفوذ التأثير على الأخرين، فمثلاً الأفراد الذين يشغلون مناصب عليا في المؤسسات الرسمية يكونوا من أصحاب القرارات واطاراً مرجعياً يرجع اليه الأفراد الذين هم أقل منه درجةً. وهذا لون أخر من النفوذ لأن الأخرين يخضعوا لقراراته. فالنفوذ إذن يعني امتلاك الصلاحيات والمؤهلات في التوجيه والتأثير على سلوك الأخرين مثل المدربين والمدرسين والعلماء والقضاة والإداريين والتجار والمحامين. ليس هذا فحسب بل حتى الاعجاب يمثل أحد أوجه النفوذ الاجتماعي فمثلاً المشاهير من الرياضيين وابطال كرة القدم والفنانين المطربين والممثلين لهم معجبين بين الجماهير، يُعّد هذا نفوذاً اجتماعياً إنما من نوع أخر لا علاقة له بالمال أو الهيبة فمثلاً المطربة أم كلثوم وعبد الوهاب وفريد الأطرش وفيروز ووردة الجزائرية وكاظم الساهر لهم نفوذاً اجتماعياً لأن لهم معجبين وجمهور.

    فضلاً عن ذلك فإن النفوذ يتمتع به افراد الطبقة الحاكمة وهو على نوعين شخصي وسياسي، يستند (الشخصي) على موقع الفرد في مؤسسة معينة له مكانة مرموقة فيها، بينما الثاني (النفوذ السياسي) فإنه يعتمد على الحدث السياسي السائد في النسق السياسي بمعنى القدرة المؤثرة على الكيان الحكومي السياسي والقضايا الاجتماعية الكبرى داخل البناء الاجتماعي ككل. باختصار شديد يكون النفوذ الشخصي (السطوة الشخصية) أدنى وأقل تأثيراً من النفوذ السياسي (السطوة السياسية) لأنه يأخذ ابعاداً رسمية وشاملة.

4 – السلطة Authority: الحديث عن النفوذ (السطوة) يجلبنا للحديث عن السلطة لأن الأخير مرتبط بالتأثير القانوني على مستوى تفكير وسلوك الأخرين (افراد وجماعات) بمعنى أن السلطة يتم رؤيتها على انها حالة ضرورية للنفوذ ذلك لأنها تتموقع بالأنشطة الرسمية والعقوبات الاجتماعية المرتبطة بالعلاقات الاجتماعية والبناء الاجتماعي.

   ولا جرم من القول بإن وجود السلطة في المجتمعات الصناعية الحديثة تمثل حالة ضرورية بسبب تشابك وترابط علاقات مؤسساته وانساقه بعضها ببعض المقترن باحتياج نظامه الى تقسيم عمل متخصص في مهنته ومهاراته وكفاءاته مثل الجامعات المتضمنة نظام تقسيم عمل يستلزم تدرجاً في اتخاذ القرارات عند تقديمها خدمات مهنية وعلمية وثقافية للمجتمع لأن سلطتها تختلف عن السلطة الأسرية.

   بذات الوقت ترتبط السلطة بنسق المكافئات الاجتماعية التي تمثل مفتاح المكافئة اثناء العمل المهاري والكفوء والتدريب الشاق والجهود المكثفة. هذه المكافئة تصدر من قبل أصحاب النفوذ الشخصي (السطوة الشخصية) معنى ذلك ان السلطة لها بُعّد مؤسسي للنفوذ (السطوة) لأن لها ضرورة وظيفية لأدوار المؤسسة الرسمية. وإزاء ذلك يهتم التدرج الاجتماعي بمفهوم السلطة في المجتمعات الصناعية لأن هناك ادواراً متنوعة ومتخصصة يعتمد عليها التدرج الاجتماعي وبالذات تلك التي تملك مواقع أو مناصب موزعة على التدرج الاجتماعي. أخيراً أقول ان النفوذ والسلطة مرتبطتين بالتدرج الاجتماعي إذ كلما ارتفعت مراتب التدرج ارتفعت معها درجات النفوذ والسلطة والعكس صحيح.

1 / ت – ما ينجم عن الاختلاف الطبقي على الأفراد

   للانتماء الطبقي تنشيئي – تطبيعي على سلوك ومواقف ومعايير وتفكير منتمية في معظم مجالات حياته الخاصة والعامة سواء كانت في علاقاته مع الأخرين أو على صحته الجسدية والنفسية ومرئياته للأحداث التي يواجهها وميله للتعلم واكتساب المهارات بل وحتى في إيمانه الديني وانفتاحه الثقافي والعرقي وسواها.

ففي مجال الصحة: يعاني أطفال الطبقة الفقيرة في سنة ميلادهم الأولى الكثير من الأمراض والتوعكات الصحية وسوء التغذية والاهمال الرعائي وما شابه لأن أسرته غير قادرة على تغطية ومعالجة ما يتعرض له من مؤثرات صحية وغذائية أكثر بكثير مما يتعرض له أطفال الأسر المنحدرين من أسرة ميسورة الحال والمال. فضلاً عن ان عمر أبناء الأسر الميسورة يعيشوا خمس سنوات أطول من أبناء الأسر الفقيرة لأنهم يحصلوا على رعاية طبية أفضل وتغذية صحية أرقى علاوة على تعرض أطفال الأسر الفقيرة الى العنف بكل انواعه (اللفظي والجسدي والعاطفي) أكثر من أطفال الأسر الميسورة ومعالجته طبياً بشكل مستمر دون اهمال. هذه الاختلافات ترجع الى ما يقدمه الانتماء الطبقي للأطفال الذين يعيشون في محيطها وبيئتها.

    ثم هناك تأثير بالغ الأهمية يبرز على مستوى القيم والمواقف لأن كل طبقة اجتماعية لها معايير وقيم خاصة بها تختلف عن الطبقة الأخرى. فالفرد المتقدم بالسن وغني مالياً تكون لديه خبرة غزيرة وغير عادية متأتية من تاريخ عائلته الثرية الذي استورثه من اجداده الذين أورثوه مكانته وجاهه وثروته وامتيازات تحدد نوع ذوقه وسلوكه واعتباره الموروث فلا يهتم بعرض ثراءه أمام الناس لأن اسم عائلته منحته اعتباراً معنوياً وجاهاً وصيتاً عالياً لا يحتاج الى تعريف الناس عليه لأنه معروف عائلياً وتاريخاً فلا يبذل جهداً أو يصرف مالاً لإبراز نفسه امامهم.

   بينما الحديث عن غناه وثروته يذهب الى ممارسة الاستهلاك المظهري للتباهي والتفاخر في تعريف نفسه أمام الأخرين مثلاً لبس الملابس ذات العلامات العالمية واقتناء سيارة جديدة وغالية والسكن في فلّه أو قصر زاهر وفي منطقته سكنية متميزة تقع في ضواحي المدينة واحياناً يملك طائرة في تنقلاته وسفرياته ويرتاد المطاعم من صنف الخمسة نجوم فأكثر ويحصل على عضويات ونوادي النخبة كل ذلك لكي يّعرف بشخصه أمام الناس ويقول لهم بإنه منتمي الى الطبقة الغنية لأنه لا يملك الإرث الأسري المنقول له من اسلافه لذلك يكون محتاج الى التعريف بمكانته الحديثة عن طريق الاستهلاك المظهري للتباهي والتفاخر وإبراز غناه من خلال أزياء ملابسه ذات الماركات العالمية والنفيسة لاحتياجه اليها أمام الناس ويكون أكثر انفتاحاً وتسامحاً مع السلوكيات المستحدثة التي تتعارض مع المعايير الموروثة مثل السحاق واللواط والزواج المثلي وبدون عقد رسمي والحبل بدون زواج على نقيض الغني الذي ورث غناه عن اجداده وكبير في السن يكون غير متسامح مع هذه السلوكيات المستحدثة بل يرفضها. هذا على صعيد الأغنياء من الطبقة العليا، اما على صعيد الطبقة العمالية والدنيا فإن الحالة تشبه التي قبلها من حيث التسامح والسلوك والمواقف والمعايير فأبناء الطبقة العمالية الذين ترعرعوا في بيئة عمالية يمارسوا الأشراف والرقابة الإدارية على العمال في المعامل لا يكون لديهم ميلاً للدخول في الكليات والدراسة فيها وتكون مواقفهم متشددة وأقل تسامحاً من الظواهر والسلوكيات المستحدثة لأنهم تنشئوا في بيئة فيها مراقبة للسلوك والتوجيه المباشر والالتزام به.

   زبدة القول من هذه الأمثلة أنها تقول لنا بإن الانتماء الطبقي ينجم عنه تأثيرات متنوعة على سلوك منتميها سواء كان في سلوكهم أو معتقدهم أو مواقفهم أو علائقهم الاجتماعية. فأبناء الطبقة الاجتماعية العليا تكون لديهم خبرة غزيرة ويتمتعوا بثقة عالية بأنفسهم ويتعاملوا مع مجريات الحياة بكامل دقائقها لكي يّعرفوا مستواهم المالي والطبقي أكثر من أبناء الطبقة الفقيرة. هذه الافرازات تطرحها الانتماءات الطبقية.

 هذا ما ينجم عن المال والثروة والانتماء الطبقي في المجتمعات الرأسمالية الغربية الصناعية والحضرية في منح صاحبها جاهاً واعتباراً وصيتاً. لكن في المجتمع العربي (التقليدي والمحافظ) لا تكن الثروة والمال جالباً للجاه والاعتبار الاجتماعي بل يأتي عن طريق العلم والاخلال الحسنة وحمل النسب الأصيل. لأن المجتمع الطبقي يحتاج الى الاستهلاك المظهري لإبراز الانتماء الطبقي لكن في المجتمع العربي الذي ليس فيه تدرج طبقي ولا اجتماعي فإن جاه واعتبار افراده ينجم الأخلاق الحسنة والمعاملة الطيبة والنسب الأصيل وشجرة العائلة والأمانة والنزاهة.

   وعلى هدى ما سبق فإن مواقف الناس واتجاهاتهم السياسية تتأثر تباعاً بانتماءاتهم الطبقية وبالذات مع أبناء الطبقة الثرية – العليا – التي تمس ثروتهم واستثماراتهم إذ يكونوا محافظين في موقفهم تجاه القضايا الاقتصادية التي تعرقل نشاطهم واستثماراتهم التجارية والاقتصادية وبالذات مع فرض زيادة الضرائب الذي يجعلهم معترضين عليها ومتهربين منها، لكن موقفهم من إجازة الإجهاض أو الزواج المثلي أو الانجاب بدون عقد زواج رسمي يكونوا متسامحين ومتحررين من القيود والضوابط العرفية والوضعية أكثر تحرراً من أبناء الطبقة الفقيرة الذين يكونوا محافظين ومعترضين على هذه السلوكيات المتعارضة مع ثقافتهم الاجتماعية بذات الوقت يكونوا مؤيدي لمشاريع الحكومة الاقتصادية وبرامجها الاجتماعية الإنمائية لأنها تخدم مصالحهم الطبقية مع ذلك فإنهم لا يفضلوا الانتماء الى التنظيمات السياسية والتصويت الانتخابي وهذا مالا نجده عند أبناء الطبقة الغنية الذين يتسابقون للانضمام الى التنظيمات السياسية من أجل التصويت الانتخابي للحصول على تمييز سياسي وجاه أكثر في المحافل السياسية.

   ولكي نحيط علماً أغرز عما نجم من تأثيرات الاختلافات الطبقية على افرادها ندخل الى محيط الأسرة سنجد انها (الطبقة) تقوم بتهذيب علاقاتها وحجمها ومصاريفها. مثال كان حجم الأسرة في الطبقة الفقيرة أكبر من حجم الأسرة في الطبقة الوسطى والعليا ذلك راجع الى زواجها المبكر وعدم استخدامها لوسائل مانع الحمل. ليس هذا فحسب بل ان الطبقة العمالية تدفع بأبنائها نحو التماثل والتماهي والتطابق مع المعايير والقيم التقليدية الموروثة واحترام كبار السن ورموز السلطة الأبوية وتعليم أبنائها على أنماط ثقافية تقليدية موروثة، على نقيض تربية أبناء الطبقة الوسطى والعليا التي تعلمهم الإفصاح والتعبير عن آرائهم ومواقفهم وأفكارهم بكل حرية وبدون مجاملة وتحثهم على ابراز مؤهلاتهم.

   هذه من جانب ومن جانب اخر فإن دخل الأسر كلما زاد، زاد الأبوين من تعليم أبنائهم على التسامح واحترام الرأي الأخر. فالأسر التي يكون دخلها المالي السنوي أكثر من 99.730 دولار تصرف منه 477.100 على تربية أطفالهم الذين ولدوا عام 2010 لغاية ما يصلوا الى سن الثامنة عشر.

أما أبناء أسر الطبقة الوسطى ذات الدخل السنوي 75.000 دولار (في المجتمع الأمريكي) يصرفوا منه 286.860، بينما أسر ذات الدخل الواطئ فإن أسرهم تكسب 57.600 دولار في السنة يصرفوا منه 206.180 دولار بمعنى ان الامتيازات تؤدي الى امتيازات أخرى من أجل إعادة بناء الأسرة.

ليس هذا فحسب بل ان الاختلافات الطبقية تؤثر على علاقة الزوجين فيما بينهم فالزوجين في أسر الطبقة الدنيا يتقاسمون المسؤوليات الأسرية طبقاً للاختلافات الجنسية التقليدية. بمعنى ليست متساوية بل مسؤوليات الرجل تكون خارج المنزل ومسؤوليات الزوجة تكون داخل المنزل في حين زوجيّ الطبقة الوسطى يكونوا على نقيضهم حيث تكون مسؤولياتهم متناصفه ومتساوية يشتركوا في أغلب الأنشطة معاً معبرين عن مودتهم ومحبتهم والاشتراك في أنشطة مشتركة اثناء اشغال وقت الفراغ.

1 / ث – أنواع أنساق التدرج الاجتماعي

   يستخدم علماء الاجتماع مصطلح نسق التدرج المفتوح Open stratification system ونسق التدرج المغلق Close stratification system للإشارة الى معدل حركة الحراك الاجتماعي social mobility في المجتمع. فمثلاً ينطوي النسق المفتوح على ان موقع كل فرد يكون متأثر من قبل مكانة الشخص المكتسبة achieved status هذا النسق في الواقع يشجع على التنافس بين افراد المجتمع، فمثلاً المجتمع الأمريكي يكون متجهاً نحو أنقاص العوارض والمعوقات التي تواجه المرأة والرس والعرق والأفراد الذين ولدوا في الطبقة الاجتماعية الدنيا لكيلا يبقى مجتمعاً عنصرياً متعصباً ضد المرأة وأقليات المجتمع.

    مقابل هذا النسق وفي الطرف المقابل له والمتطرف في حراكه الاجتماعي هو النسق المغلق Closed system الذي سمح بالقليل من المحاولات في التحرك للأعلى، خير مثال على ذلك النسق التدرجي الطائفي والاسترقاقي. في مثل هذه المجتمعات تكون المواقع الاجتماعية قائمة على المكانات الموروثة – المنسبة ascribed statues التي لا تقبل التغيير ولا تقدر عليه مثل الرس أو العرق أو الخلفية العائلية التي تكون حاضنة لنسق التدرج المغلق.

  النوع الثالث من الانساق الاجتماعية هو نسق تدرج المُنصّبين Appointed stratification system الذي يعني تنصيب أفراد غير مؤهلين مهنياً وخبراتياً وعلمياً في مناصب تستوجب إشغالها من قبل أفراد ذوي كفاءات واختصاصات، إلا ان حاكم المجتمع التقليدي أو المحافظ أو الشمولي أو الدكتاتوري يقوم بتنصيب أعوانه واقربائه والمنافقين له والمداهنين لحكمه ينصبهم بمناصب متدرجة لذلك اسميته بالتدرج المنصّب الذي لا يشبه المفتوح ولا المغلق إنما هو قريب منه.

يستخدم هذا التدرج المكانة الممنوحة given status لا هي مكتسبة ولا هي موروثة بل معينة على أساس الانتماء الحزبي أو الصداقة أما حراكه الاجتماعي فلا يكون آخذاً بالتدرج الهرمي للوظيفة ولا على أساس الوراثة بل على أساس الصداقة الشلليه أو الحزبية أو الإقليمية إنها سادت المجتمع العربي منذ استقلاله من السيطرة الأجنبية الاستعمارية ولغاية الان. ومن نافلة القول ان هذه المكانة الممنوحة تسحب منه متى ما غير الحاكم رأيه فيه فهي إذن مرحلية ولفترة محدودة وعندما يغادرها يخسر سلطته ونفوذه واحترامه التي كان يتمتع بها وهو في منصبه المنصّب عليه فيرجع نكرة كما كان قبل منحه المنصب.

   لقد استحدثت هذا النوع من التدرج الاجتماعي لأني وجدته قائماً وسائداً في مجتمعنا العربي ولم أجده في أدبيات علم الاجتماع الغربي التي اقتصرت على التدرج المفتوح والمغلق.

لا تفوتني الإشارة الى حالة المجتمع العراقي بعد الاحتلال الأمريكي له بعد عام 2003 التي تمثل نموذج نسق التدرج الطائفي (الشيعي) ومناصب المؤسسات الرسمية – الحكومية سواء كانت مناصب عليا أو وسطى فإنها تمثل مكانات غير مكتسبة بل منسبة تفرضها الطائفة الشيعية وبالذات حزب الدعوة الشيعي غير منفتحة على التغير ولا تريده لأن هذه المكانات لا تملك المؤهلات والكفاءات والخبرات المهنية بل مجرد كونهم ولدوا في عائلة شيعية لا يفقهوا المذهب الشيعي بل مجرد شيعة اسماً فقط لذلك لا يعرفوا التطور ولا التنمية بل يعرفوا فقط كيفية استغلال مناصبهم في الاثراء المالي والإفساد المؤسسي وسرقة المال العام فضلاً عن ابتكار عوائق وعقبات لعرقلة حراك الطائفة السنية أو أبناء الديانة المسيحية واليزيدية والصائبة.

    الحالة مشابهة في شمال العراق التي يقطنها الأكراد لهم نسق تدرجي مغلق عليهم فقط وبالذات من الحزب الكردي الحاكم الذي يشغل افراده المناصب الرسمية العليا لا يملكوا المؤهلات ولا الكفاءات الإدارية أو العلمية ويعيقوا حراك الاخرين سواء كانوا من الاكراد غير الحزبين أو العرب أو التركمان أو المسيحين. يعني لهم نسق تدرجي مغلق مستخدماً المكانات المنسوبة وليس المكتسبة. هذا النسق المغلق في الواقع أكبر معوق للتغير بسبب عدم قدرته على ذلك لأنه لا يخدم مصالحه الذاتية غير الوطنية ولا الإنسانية لذلك أصاب المجتمع العراقي الحديث حالة النكوص والتقوقع بقواقع عشائرية وإقليمية وعرقية وطائفية احتماءً بها لأن الحكومة مشغولة بإفسادها وسرقاتها للثروة الوطنية واعتمادها على قوى أجنبية (إيرانية وامريكية) في المشاركة بتقسيم كعكة العراقيين الغنية بالمطيبات الطبيعية.

    زبدة القول هو أن نسق التدرج الاجتماعي يكون على نوعين: مفتوح ومغلق، يعتمد الأول (المفتوح) على المكانات المكتسبة بينما يعتمد الثاني (المغلق) على المكانات المنسبة (الموروثة). يشجع الأول على التنافس الحر من أجل التغيير والحراك العمودي، بينما يمنع الثاني التنافس الحر من أجل عدم التغيير الذي لا يخدم مصالحه الفئوية فيكون الحراك الاجتماعي فيه كهربائياً سريع في صعوده يرفع فيه أبناء الطائفة الحاكمة وهذا هو جوهر الجور الاجتماعي والظلم الإنساني والاجحاف الوطني والتمزيق النسيجي للمجتمع.

1 / ج – الحراك الاجتماعي…. وانواعه

   يعني الحراك الاجتماعي انتقال الفرد من منصب تدرجي الى أخر مؤثراً على مكانته الاجتماعية واعتباره الاجتماعي ونفوذه ودخله وهو على سبعة أنواع لا تحصل مرة واحدة في مجتمع واحد وفي فترة زمنية واحدة، بل بعضها تحصل في المجتمعات الريفية والطائفية وأخرى تحصل في المجتمعات الحضرية والصناعية وهي ما يلي: –

1 – الحراك الأفقي Horizontal mobility: الذي يشير الى وراثة الفرد منصباً أو مهنةً من والده أو جده مثل أبن الفلاح يصبح فلاحاً وأبن الاقطاعي يصبح اقطاعي داخل مجتمعه وأبن التاجر الهندوسي يصبح تاجراً هندوسياً داخل طائفته ويرث ايضاً اعتبار والده ونفوذه ودخله لا يسمح له بالانتقال الى أو اشغال منصب والده أو اسرته. هذا الحراك لا يتطلب مؤهلات وكفاءات وخبرات مهنية بمعنى تكون موروثة – منسبة.

2 – الحراك العمودي Vertical mobility: الذي يشير الى اكتساب الفرد مكانة يحصل عليها بجهوده المهارية ودراسته العلمية ليطور قدراته الذكائية حتى ينجز ما يصبوا اليه ليحصل على مهنة ومكانة مختلفة عن مهنة ومكانة والده أو جده أو اسرته، لا يرث منهم مكانتها أو مهنتها أو اعتبارها. مثال ابن العامل يصبح طبيباً أو أبن الفلاح يصبح ضابطاً في الجيش أو الشرطة أو ابن البقال يضحى مهندساً. بمعنى تكون حركته على التدرج الاجتماعي حرّه غير مقيده. هذا الحراك يسود المجتمعات الحضرية والصناعية والمعلوماتية.

3 – حراك اجتماعي صاعد Upward mobility: يبرز هذا الحراك في المجتمعات الحضرية والصناعية والمعلوماتية لأنه يعتمد على كفاءة وجدارة الفرد في انجاز مهاراته وتحقيق طموحاته.

4 – حراك اجتماعي هابط Downward mobility: الذي يسود المجتمعات الحديثة في التحضر والتصنيع بسبب فقدان الفرد ثروته او تجارته أو يطرد من المهنة فيصبح عاطل عن العمل فتنزل مكانته واعتباره الاجتماعي.

5 – حراك اجتماعي عمودي يحدث بين جيلين Intergenerational mobility: الذي يعني تغيراً في منصب الفرد أو موقعه الاجتماعي للأطفال بالقياس مع ابائهم مثل سباك ابن طبيب أو عامل بناء أبن مدير شركة هذا حراك هابط يحصل بين جيل الأبناء والاباء، ثم هناك حالة النجم السينمائي ووالده عامل في البناء هذا الحالة تعبّر عن حراك اجتماعي عمودي صاعد Upward ايضاً بين جيلين أي الأبناء وابائهم.

6 – حراك يحصل ضمن الجيل الواحد يسمى Intrageneration mobility: مثل معلم ابتدائية يدخل الى سلك التعليم وبعد عام يصبح مديراً عاماً لمديرية تربية المحافظة. هذا النوع من الحراك يكون صاعداً ضمن الجيل الواحد أو الشخص الواحد.

بذات الوقت هناك حراك اجتماعي هابط ضمن الجيل الواحد مثل تاجر خسر تجارته فاضطر ان يعمل كسائق سيارة أجرة (تاكسي) وهكذا، بقيَّ ان أقول بإن أول من ميّز بين الحراك الافقي والعمودي هو عالم الاجتماع (بيترم سروكن) 1957 من أصل روسي، إلا ان معظم علماء الاجتماع الغربيين يركزوا على الحراك الاجتماعي العمودي أكثر من الأفقي وذلك لأنه أكثر رواجاً وتسيداً وحدوثاً في المجتمع الغربي على نقيض المجتمعات البدوية والريفية والطائفية والدينية.

7 – حراك اجتماعي الكتروني: يسود هذا النوع من الحراكات في مجتمعات يحكمها الحزب الواحد أو الشخص الواحد أو العائلة الواحدة أو الطائفة الدينية الواحدة (مثل المجتمع العربي) الذي يرفع بموجبه الفرد الذي من بطانة الحاكم أو من اسرته واقاربه أو طائفته دون الرجوع الى كفاءته ومهارته ودراسته واختصاصه (إن وجدت) ليرفعه الى مواقع عليا وقيادية، بنفس الوقت يزيحه من منصبه المُنصّب فيه ليجعله في أسفل التدرج المهني والاجتماعي بسرعة فائقة حسب مزاج ومصلحة الحاكم لذلك تكون المواقع التدرجية لهذه التجمعات أكبر عائقاً في تقدم وتطور المجتمع. هذا النوع من الحراكات طرحته من خلال ملاحظات لما حصل ويحصل في مجتمعنا العربي.

   هناك معتقد يتصور ان المجتمع الأمريكي المتحضر والمتقدم صناعياً متميزاً بحراك اجتماعي صاعد دائماً يعني انه بلد فرص العمل الحر. الجواب، كلا، لأن هذا المعتقد غير دقيق لأن المجتمع الأمريكي يضم عدة اعراق وقوميات مختلفة وبينهم تعصبات وصراعات مستترة وعلنية لها جذورها في التاريخ الأمريكي فضلاً عن مفاضلتهم للرجل على المرأة في العمل خارج المنزل فلو أخذنا الحراك المهني نجد ان شيوعه وانتشاره ضمن الجيل الواحد عند الذكور أكثر من الاناث، بذات الوقت يمتهنون مهن ذات مستوى عالٍ أعلى من مهن ابائهم. أعني حراك صاعد ما بين الجيلين وان أصحاب المهن العالية من الأبناء يكونوا أعلى وأرقى من مهن ابائهم. فالطفل الذي هو أبن العامل نجده يصبح فناناً او تقني متميزاً لكنه لا يصل الى درجة الاحتراف العالي. لكن الأمريكيان من أصول افريقية يكون حراكهم بطيء ومتعثر ومحدود بسبب التعصب العرقي ضدهم من قبل البيض فضلاً عن أداء السود يكون أدنى درجة من أداء البيض من الرجال وهذا ما يسبب لهم (أي السود) هبوطاً في حراكهم المهني والاجتماعي وأقل صعوداً على الحراك من البيض. هذه النتائج ظهرت في دراسات قام بها علماء اجتماع امريكان هم “بيتر بلاو ودنكن” عام 1967 و “فيذرمان” عام 1978.

   أما التأثير التعليمي: فإنه فعّال أكثر من تأثير الخلفية الأسرية التي تحرك الحراك بين الجيلين بشكل ملحوظ وبالذات عند الذكور الذين يدخلون الكليات إذ حققوا ارتفاعاً في درجاتهم أكثر من الذين لم يدخلوا الكليات لدرجة ان أبناء هؤلاء الذين تخرجوا من الكليات ارسلوا أبنائهم الى الكليات ايضاً ليكونوا مثلهم، لكن الإعاقة الأكبر في المجتمع الأمريكي تصدر من تأثير الأرساس أو الأعراق على حركة الامريكان من أصل افريقي على التدرج الاجتماعي إذ عدد السود ممن لديهم عمل ناجح أقل بكثير من البيض لأن التعصب العرقي لعب دوراً جوهرياً في توسيع التفاوت والفجوة بين البيض والسود وبالذات عند أبناء الطبقة الوسطى والدنيا وان والدي السود لا يساعدوا أبنائهم مالياً في تكملة دراساتهم على عكس البيض، لكن أبناء الطبقة الوسطى نمت بسرعة في العقد السابع من القرن العشرين بفعل تأثير الحركات الخاصة بحقوق الانسان ضد التميز العنصري لكن مع ذلك بقيَّ الحراك هابطاً عند السود أعلى من البيض.

   أخيراً لا تتمتع المرأة الامريكية بفرص عمل حر ومتاحة بل مقيدة ومحددة أكثر من الرجال وان عملهنَّ يكثر في اعمال ذات أجور منخفضة وغالباً ما تكون في المكاتب كسكرتارية لا يسمح لها بالصعود على السلم التدرجي مع قلة عددهنَّ ممن لديهنَّ اعمال خاصة لذا فهي في حالة فقر دائم أكثر من الرجال. [Schaefer. 2013. Pp. 230 – 231]

  إذن يمكن القول بإن الحراك الاجتماعي ليس دائماً متساو عند جميع فئات المجتمع بل يتأثر بالمؤثرات المتعددة مثل نوع المهنة والرس ومستوى التعليم والنوع الجنسي واحياناً التقاليد الموروثة والدين والثقافة الاجتماعية.

1 / ح – التدرج الاجتماعي ضمن المجتمع الواحد

   أوضعنا فيما سبق التدرج بين الأمم والدول والقارات لا من الناحية الجغرافية بل من الناحية الاجتماعية والاقتصادية. أي ميزنا بين الأمم الفقيرة والأمم الغنية. جاء الان ان نوضح الفجوة الواسعة بين الأغنياء والفقراء داخل المجتمع الواحد وبالذات في الدول النامية لأن الفجوة عندهم واسعة وكبيرة وذلك لأن هذه الدول تابعة ومعتمدة على الدول الصناعية المتقدمة وعلى الاقتصاد العولمي فضلاً عن إن قادة هذه الدول (النامية) يتعاملون بكثافة مع الشركات ذات الجنسيات المتعددة المستغِلة لعمل العمال الزراعيين والصناعيين فضلاً عن الاستثمارات الأجنبية في هذه البلدان تزيد من عدم الاستواء الاقتصادي بين أبناء البلد الواحد. أعني توسع الفجوة بين الأغنياء والفقراء خير مثال ذلك اليابان التي تتجلى فيها هذه الفجوة.

    نأتي الان الى موضوع توزيع الثروة والدخل، ففي الدول الغنية التي تمثل 10% من سكان العالم يكون 40% من سكانها يحصلوا على دخل عالٍ أما باقي السكان فدخلهم واطئ. الدول الغنية في العالم هي بوليفيا، البرازيل، شيلي، كولومبيا، كواتملا، هندوراس، غينيا، ساو، ليسونا، مالي، المكسيك، نيكارغوا، زامبيا، زمبابوي. أما حياة المرأة في الدول النامية فإنها تعيسة وبائسة. الباحث الانثروبولوجي “كارونا جانان أحمد” من الهند درست المرأة في الأمم النامية فوجدتها أنها تواجه تحيزاً جنسياً ضدها منذ ولادتها إذ لم يتم تغذيتها مثل تغذية أخيها الذكر عند طفولتها ولا تفتح أمامها فرص التعليم ولا المعالجة في المستشفيات الحكومية إلا في الحالات الخطرة وان أجور عملها خارج المنزل بخس وعندما حصلت الأزمة الاقتصادية في الدول الأسيوية أبان العقد الثامن من القرن العشرين أول من تم الاستغناء عنهم من العمل هي المرأة لذا فهي الأكثر استغلالاً بين الصين وبعض أرياف الهند ولا جرم من الإشارة الى وأد البنات وهنَّ أطفال في الصين وبعض ارياف الهند وفي الباكستان 1/3 المدارس فيها تمارس الفصل الجنسي بين الطلبة أي مدارس خاصة بالبنات و1/3 الأخر منهنَّ ليس لديهنَّ بنايات للمدارس وفي غينيا وتنزانيا لا يحق للمرأة ان تمتلك منزلاً بحكم القانون. [Schaefer. 2003. P. 251]

1 / خ – الصيت أو الجاه الاجتماعي Prestige

  احياناً يُطلق عليه الناس بالهيبة ويسميه علماء الاجتماع بالاعتبار الاجتماعي لا يمكن اعتبار الصيت الاجتماعي الوجه الاخر للدخل المالي أو الثروة لأن الأخير يمثل الوجه المادي بينما يمثل الصيت الوجه المعنوي لأنه مرتبط بسمعة واعتبار المهنة التي شغلها الفرد. لقد وجدنا عدم اتساق الأفراد في جميع المجتمعات الإنسانية – بدون الاستثناء – قائم وسائد إنما درجات مواقعهم محددة من قبل ثروتهم وسلطتهم ونفوذهم.

   أما هيبة منصبهم فإنها تصدر من احترام وتقدير افراد المجتمع لخدمته وأسلوب خدمتهم المهنية في التعامل مع الأخرين. فمثلاً في المجتمع الصيني وبالذات بكين وجد كلٍ من “نان لين ووين كي” عام 1988 أن صيت الطبيب وليس البيطري يتمتع بسمعة عالية أعلى من ضابط الشرطة الذي يتمتع بسمعة متوسطة بالقارنة مع الطبيب. لكن جامع القمامة يحصل على سمعة أدنى على التدرج الاجتماعي البكيني. وفي المجتمع الأمريكي يحصل الأستاذ الجامعي على سمعة عالية على الرغم من أن راتبه الشهري غير عالي. وإن عمال النسيج في المجتمع الصيني يحصلوا على صيت أعلى مما يحصل عليه عمال النسيج في أوروبا وأمريكا. [Schaefer. 2003. P.251]

   زبدة القول هو ان الصيت يرتبط بهما الفرد المهني أكثر مما يرتبط بدخله المالي وبمدى استفادة الأخرين منه ولحاجتهم الى وظيفته ولا دخل للمال لحصول الفرد على سمعته أو صيته، لا جرم من التعمق أكثر في تبصير القارئ بهذا المفهوم الحيوي في التدرج الاجتماعي.

  تستخدم المقاييس الاجتماعية كمعايير معنوية في تحديد منزلة أو مكانة الفرد في محيطه الاجتماعي وعصر زمانه، لكن هذه غالباً ما تتبدل وتتغير حالها حال التغيرات الدائرة في المجتمع، وعادةً لا تكن واحدة أو ثابتة بل متعددة ومتنوعة لا تشبه ثروة الفرد التي تكون واحدة مقصورة على المال والاملاك. فضلاً عن ذلك فإن الاعتبار أو الجاه الاجتماعي يوسم صاحبه بوسمة إيجابية في حياته وبعد مماته تتداولها الالسن، بينما تزول مكانة الفرد بزوال ثروته وتهبط مكانته ونفوذه وسيطرته علماً بإن المقاييس الاجتماعية أصعب تحديداً من المقاييس المادية لأن الأولى تخضع لحجم شعبية ومحبة واحترام العامة لصاحب السمعة الاعتبارية.

    لقد حدد “ابو حامد الغزالي” المتوفي عام 505هـ الذات الاجتماعية في تفاعلها مع الأخرين قبل أكثر من ألف عام ومن خلال مقاييس اجتماعية لصاحب الجاه والعزّوة والاعتبار الاجتماعي في ذلك الحين التي لا تختلف عن المقاييس الاجتماعية الآن لأن المجتمع العربي مجتمع تقاليدي غير مادي ولا رأسمالي. وسوف اترجم نصوصه التي ذكرها بلغة العصر لكي تكون ميّسره ومبسطة للقارئ الان إذ كانت مقاييس الجاه عنده ما يلي: –

1 – ملكة العلم.  2 – ملكة الاخلاق الحسنة.   3 – حمل النسب الأصيل

4 – ذا صورة جميلة.   5 – ذا قوة بدينة. أما المال فلم يذكره لقياس الجاه!!!

ثم حدد مؤشرات امتلاك الجاه مثل: –

1 – المدح.   2 – الثناء.   3 – الاطراء.   4 – التوقير.   5 – تقديم الخدمات.

6 – إعطاء الإعانات.   7 – الطاعة.

   إذن من يملك أحد هذه المقاييس ويحصل على أحد هذه المؤشرات من قبل الناس يكون له اعتبار اجتماعي prestige وسمعة اجتماعية رفيعة الجانب esteem وذا نفس عزيزة ومشرفة honour ومنزلة عالية superiority تفوق مالك المال والثروة. ثم عقد مقارنة بين الجاه والمال فقال عنهما بإن المال لا يوصّل صاحبه الى الجاه لأن الجاه غير معّرض للسرقة والاغتصاب والطمع فيه بينما المال معّرض للسرقة والطمع فيه، كذلك يكون الجاه متنامي لا ينكص ولا يقل على عكس المال الذي يقل أو يزول. وهذا يعني ان الاعتبار الاجتماعي يعلوا على المال ويؤدي الى النفوذ الصادق لا الزائف كالمال.

   أنتقل الان الى تقديم نصوص الغزالي في الجاه حيث قال فيه “الجاه يملك القلوب المطلوب تعظيمها وإطاعتها. أي يقدر على ان يتصرف فيها ليستعمل بواسطتها اربابها في اغراضه ومآربه وصاحب الجاه يطلب الطاعة طوعاً وطالبه يطلب أن يسترق الاحرار ويستعبدهم ويملك رقابهم ويملك قلوبهم. ويأتي الجاه عن طريق العلم أو حُسن الخلق أو حُسن النسب أو جمال الصورة أو قوة البدن أو شيء مما يعتقده الناس كمالاً. فإن هذه الاوصاف كلها تعظم محله في القلوب فتكون سبباً لقيام الجاه. أما ثمرات الجاه فتكون في المدح والاطراء والثناء والخدمة والاعانة والتعظيم والتوفير فإن المعتقد بالجاه لا يبخل ببذل نفسه في طاعة صاحب الجاه بقدر اعتقاده فيكون سخره لنفسه. والفرد يحب الجاه محبوباً أكثر من حبه للمال وذلك من خلال ثلاثة أوجه وهي: –

1 – ان التوصل بالجاه الى المال أيسر من التوصل بالمال الى الجاه. فالعالم أو الزاهد الذي تقرر له الجاه في القلوب لو قصد اكتساب المال تيسر له فإن أموال ارباب لقلوب مسخرة للقلوب ومبذولة لمن اعتقد فيه الكمال.

2 – ان المال معرض للبلوى والتلف بأن يسرق ويغصب ويطمع فيه الملوك والظالمة ويحتاج الى الحفظة والحراس والخزائن ويتطرق اليه أخطار كثيرة. وأما القلوب إذا ملكت فلا تعّرض لهذه الآفات فهي على التحقيق خزائن عتيدة لا يقدر عليها السراق ولا تتناولها أيدي النُهاب والغصاب.

3 – ان مُلك القلوب يسري وينمي ويتزايد من غير حاجة الى تعب ومعاناة، فإن القلوب إذا أذعنت لشخص واعتقدت كما له بعلم أو عمل أو غيره أفصحت الالسنة لا محالة بما فيها فالجاه أبدأ بالنماء بنفسه ولا مرد لموقعه والمال واقف ولهذا إذا عُظّم الجاه وانتشر الصيت وانطلقت الالسنة بالثناء استحقرت الاموال في مقابلته”. [ص. ص. 1233 – 1235]

   باختصار شديد يميل الفرد للجاه أكثر من المال لأنه إذا عظّم الأول (الجاه) انتشر صيته عندها تنطلق السنة الناس بالثناء والمدح والاطراء وهذا برهان على احتقار الفرد والمجتمع للمال وتعظيمهم لاعتبار الفرد الاجتماعي.

انتقل بعد ذلك الى مفهوم مرتبط بالجاه طرحه الغزالي ايضاً وهو

الفصل الثاني

نسق التدرج الاجتماعي

 

2 / أ – حاجة المجتمع له

2 / ب – جذوره التاريخية

2 / ت – اركانه …. التملك وجدارة الاستحقاق

2 / ث – صفاته العامة

2 / ج – انماطه

         1 – العبودية أو الاسترقاق

         أ – العبودية في العصور الغابرة

        ب – العبودية في العصر الحديث

        ت – اشكال العبودية في العصر الحديث

        ث – أنواع العبودية والاسترقاق

       2 – الطائفة الدينية والعرقية

       3 – الطبقة الاجتماعية

2 / ح – معايير قياس الانتماء الطبقي

2 / خ – عدد الطبقات الاجتماعية

الفصل الثاني

نسق التدرج الاجتماعي

 

2 / أ – حاجة المجتمع له

  كلما يتقدم المجتمع في تطوره وتمدنه يضحى محتاجاً الى تأسيس مؤسسات رسمية متعددة ومتشعبة تتطلب اقسامها اشخاص مؤهلين ومحترفين في اختصاصاتها المتقدمة ممن لهم مهارات فائقة وخيرات مهنية ميدانية ومتدربين على أدائها. وإزاء هذه الحاجة المتطورة تقدم هذه المؤسسات مكافئات مادية وتنظيمية تمنحه الزهو والتألق والتنفذ. ولكي يستمر المجتمع في نموه المتطور يكافئ هذه المؤسسات بمنحها التفوق على باقي التنظيمات الاجتماعية، عندئذٍ تبلور هذه المكافئات المادية والتنظيمية علو وارتقاء في مكانة ودور وراتب ونفوذ شاغليها فينتج مراتب عليا على السلم الاجتماعي (التدرج الاجتماعي).

    بتعبير أخر، التدرج الاجتماعي يكون صنيعة تقدم وتطور المجتمع في مكافئاته لإصحاب المهارات المهنية والعقول النيرة والكفاءات العالية في المجتمعات الصناعية الرأسمالية. باختصار شديد تكون معايير التدرج الاجتماعي الجوهرية والاصلية عبارة عن مهارة وكفاءة وخبرة المهنيين في عملهم الذي يؤهل صاحبها المكانة الرفيعة والراتب العالي والمخصصات الإضافية من إيفادات وسفريات ومسكن ومواصلات ومكافئات وسواها التي بدورها تمنحه الارتقاء على التدرج الاجتماعي.

    إذن يمكن القول بإن العامل الاقتصادي ليس هو المسبب للمرتبة الطبقية لأفراد المجتمع بل المهارة والكفاءة والخبرة هي التي تستدعي العامل الاقتصادي، والأخير (العامل الاقتصادي) يحدد المكانة الاجتماعية على التدرج الاجتماعي. ومن نافلة القول ان عبارة عدم الاستواء المترجمة عن inequality ليست بمثلبة اجتماعية بل هي تحصيل حاصل لما يحتاج المجتمع المتقدم والمتطور من مؤسسات وتنظيمات في اقسامها وتخصصاتها التي تطلب وتحتاج اشخاص يديروها ويطوروها وهذا عمل ليس بالسهل بل الشاق والمتعب ذهنياً أكثر مما هو حركياً أو جسدياً. وهنا أستطيع ان أقول بإن المجتمع كلما تقدم في حركته وتطوره في علومه وابتكاراته بلور تدرجاً اجتماعياً حاداً. وكلما تخلف المجتمع في حركته وبقيَّ مستقراً في مرحلته التطورية فإنه لا يستطيع ان يبلور تدرجاً اجتماعياً حاداً مثل المجتمع البدوي والريفي. ولما كان الأفراد مختلفين في ذكائهم ومهاراتهم وطموحاتهم فإن ذلك يجعلهم مختلفين في اختيار اعمالاً تتناسب طرداً مع مؤهلاتهم المهارية والذكائية وهذا بدوره يدّر عليهم مكافئات مادية ومعنوية مجزية يجعل وضعهم الاقتصادي مختلفاً عن الأخرين الذين لهم أقل المؤهلات أو ليس لديهم منها.

   لذلك لا يوجد مجتمع متساوٍ في مراتبه ومستوياته الطبقية، وبناءً على هذا المستوى المادي ينشئ المستوى الاجتماعي للأفراد يطلق عليهم بـ (التدرج الاجتماعي) الذي يمثل المحطة الأخيرة لتفاعل مهارة الفرد وكفاءته مع متطلبات مستويات المواقع المؤسسية الحديثة والمتطورة التي تكافئه المجتمع لأصحاب أو شاغلي المواقع المؤسسية المتطورة.

بتعبير أخر، تقدم المؤسسة الرسمية مكافئة مادية ومهنية وبناءً عليها يقدم المجتمع مكافئة اجتماعية مرموقة مثل رئيس القضاة والقضاة والمحامين والأطباء ورؤساء الجامعات وعمداء الكليات والأساتذة والمهندسين ومدراء الإدارات والصناعيين والتجار الكبار ورجال الاعمال. فعدم المساواة لا تعني عدم العدالة الاجتماعية لأن المجتمع هو الذي كافئ هؤلاء في ضوء مكافئة المؤسسات الرسمية والأخيرة كافأت الأفراد الذين يستطيعوا أداء مهامها المتقدمة التي لا تمنح بسهولة ومن أي فرد عادي. أعني التدرج الاجتماعي أحد المؤشرات الاجتماعية على تقدم المجتمع الصناعي والحضري وغيابه أو بساطته يعني انه مجتمعاً ريفياً تقليدياً ومحافظاً.

   هكذا يتشكل التدرج الاجتماعي في المجتمعات الرأسمالية الصناعية المتقدمة. لكن هناك تدرج اجتماعي في المجتمعات الشمولية والتقاليدية لا تأخذ بهذا المنهج الموضوعي والعلمي بل يتشكل حسب قرارات وأوامر تصدر من حاكم الدولة الدكتاتور الأوحد الذي يعين اعوانه الذين لا يملكون المؤهلات ولا الخبرات والمهارات المؤسسية أو المهنية التقاليدية مثل المجتمع العربي الذي يكون خاضعاً للأسرة البطريقية الممتدة تقوم بإشغال إدارات وشركات ومؤسسات رسمية على أساس العلاقات القرابية – الدموية وليس حسب المؤهلات والمهارات والخبرات فيتشكل تدرج اجتماعي شاذ يمارس فيه التسلط والقهر والاستبعاد والتهميش وإعاقة نمو المؤسسات.

2 / ب – جذوره التاريخية

 حريًّ بنا ان نبدأ حديثنا عن عدم الاستواء الاجتماعي (الجور الاجتماعي) بإنه يمثل حالة اجتماعية لها عمقاً وجذوراً تاريخية في حياة المجتمعات الإنسانية كافة لأنها تصّور الغنى والفقر بين الناس وذلك عدم وجود مساواة بينهم.

أما لماذا هذه الحالة المستديمة في المجتمع البشري؟ فإنه يرجع الى كون الأفراد يختلفون في مداخيلهم المالية وصيتهم (اعتبارهم) الاجتماعي ونفوذهم (سطوتهم) الاجتماعي التي يكون مصدرها الاكتساب أكثر من الوراثة (لا نقصد بها الوراثة الجينية بل الإرث المادي والمعنوي عبر النسب والانتماء الاجتماعي لأسرة أو قبيلة أو جماعة أو طبقة أو منصب عالي).

   جدير بذكره في هذا السياق الى ان رواد علم الاجتماع الغربي لم يتناولوا في طروحاتهم أو نظرياتهم ودراساتهم هذا الموضوع في بداية الأمر بل تناولوا مواضيع أكثر أهمية – في نظرهم – منه مثل التغير الاجتماعي والتطور التاريخي للمجتمعات والثقافة الاجتماعية والمدنية والتحضر باستثناء عالم الاجتماع نرويجي “ثورستان فبلن” كتب في هذا الموضوع، ثم جاءت الأزمة الاقتصادية العالمية وما أفرزته من كساد اقتصادي عام 1930 نبهت علماء الاجتماع الى تناول هذا الموضوع وهذا يشير الى ان علماء الاجتماع لا يتناولون كل شيء إلا إذا حدث في المجتمع وسبب تغيراً فيه أو إشكالية نسقية أو بنائية.

   أما إذا رجعنا الى العمق التاريخي لعدم الاستواء الاجتماعي (التدرج أو التفاوت أو الجور) نجده يوضح التفاوت الاجتماعي بين الناس. مثال على ذلك مع بداية نشوء القرية في الالفية الرابعة قبل الميلاد لم يكن هناك تدرجاً يعكس عدم الاستواء الاجتماعي بين الأفراد لأن المجتمع كان فردياً يعيش على ما تنتجه الزراعة فلم يكن عنده فائض الإنتاج بسبب عدم تملك الفرد لوسائل الإنتاج لأن وسائل الإنتاج كانت مشاعة للجميع فسادت المساواة لكن مع تطور أدوات العمل وباقي وسائل الإنتاج ازدادت الإنتاجية فتحقق فائض الإنتاج عندئذٍ تبلور التفاوت الاقتصادي والاجتماعي وتولدت الخبرة المهنية (الزراعية والصناعية البدائية) فتحول العمل من المشاع العام الى الخاص مما أدى الى ظهور نظام تقسيم العمل الذي دعا الى ظهور فوارق اجتماعية بين الأفراد فتحول المجتمع من المتجانس الى اللا متجانس.

ثم جاءت سيطرة المعابد التي جمعت بين السلطة الدينية والدنيوية مما أصبحت جميع وسائل الإنتاج الرئيسية ملكاً عاماً لمؤسسة المعبد. فكان الكهان (جمع كاهن) مُلاكاً لفائض الإنتاج وهنا أصبحت فئة مؤسسة المعبد لها امتيازات خاصة. أما عامة الشعب فهم من المزارعين والحرفيين وعمالاً ليسوا من طبقة الكهنة ومن هنا تبلور نشوء الطبقة الاجتماعية في العراق القديم.

   في الواقع يعتمد عدم الاستواء الاجتماعي (التدرج المتفاوت) على القاعدة الاقتصادية ثم تحول الى القاعدة المهنية. أي الشعور الطبقي بالانتماء مع وجود المهنة والدخل. إلا ان القاعدة الاقتصادية (الدخل والمُلكية والميراث والإنتاج) كانت سبباً في وجود التفاوت الطبقي الاجتماعي.

   أما الصراعات الطبقية فبدأت مع بدايات النصف الأول من الالفية الثالثة قبل الميلادي في العهد السومري ثم تحول الى السيطرة على مزارع المعبد من يد هيئة رجال الدين الى يد الأمراء ثم جاءت الحروب فعززت التفاوت المتدرج بعدها جاء دور التجار.

   وعلى الجملة نقول ان الحالة الاقتصادية تأتي بالمرتبة الأولى في نشوء التفاوت الاجتماعي المتدرج التي توّلد (الحالة الاقتصادية) المكانة الاجتماعية التي جاءت بالمرتبة الثانية. لكن في المجتمعات البدوية والريفية يكون النسب العريق والجد المشترك السبب الرئيسي في تحديد قواعد التفاوت الاجتماعي المتدرج أي عدم الاستواء الاجتماعي.

2 / ت – أركانه…. التملك وجدارة الاستحقاق

   ماذا يعني ذلك؟ يعني لا يستوي الذين يملكون الموهبة والمهارة واللوذعية مع الذين لا يملكونها، ولا يتساوى الذين يملكون ناصية العلم والمعرفة مع الذين لا يملكونها، ولا يتوازى الذين يملكون المال والثروة والنفوذ والسلطة مع فاقديها، ولا يتشابه مالكي الجاذبية الجمالية مع فاقديها، ولا يقترن الأقوياء مع الضعفاء.

لاحظ هنا ان محور عدم الاستواء (او التدرج الاجتماعي) يتمثل في التملك وعدم التملك هو المحك والمعيار الأساسي في تموضع الأفراد والأسرة والطوائف والطبقات والدول على مواضع ليست بمستوى افقي بل عمودي. والتملك هنا يأخذ عدم ملكيات (المال، الثورة، النفوذ، السلطة، الجمال، القوة، العلم، المعرفة) تتسع دائرة التملك كلما ارتقى المالك على المواضع الصاعدة وتتضيق دائرة التملك كلما هبط المالك على المواقع النازلة تصل الى القاعدة التي تقبع فيها معدمي التملك (العبيد والعاطلين عن العمل والمنبوذين وفاقدي وسائل الإنتاج) هذا التملك يمنح صاحبة الاعتبار الاجتماعي (الزهوة والهيبة والاحترام الاجتماعي) والسطوة.

   كذلك لاحظنا في هذه الإجابات تكرار عبارات تعبّر عن معنى واحد وهي (عدم الاستواء وعدم التوازن وعدم التشابه وعدم الاقتران). هذه العدميات تترجم غياب المساواة في تلك الأشياء مولداً اختلاف (لا تباين) الأفراد والجماعات والطبقات والطوائف والدول في ملكياتهم ومرّد هذا الاختلاف يعود الى الطموح الذاتي والدوافع الشخصية وبالذات عند الضعفاء والفقراء والخاملين والكسالى الذين هم يجعلوا من الأخرين ان يكونوا أقوياء وأغنياء ومتنفذين فضلاً عن تطورات المجتمع وسرعة عجلة تغيره هما اللذان ينتجا عدم الاستواء المتدرج الذي يأخذ الشكل الهرمي (صاحب القاعدة العريضة والقمة الصغيرة والضيقة والوسط المتوسط) منصّبة الأفراد والجماعات والطوائف والطبقات والدول عل مواقع هذا الهرم المتدرج.

    ومن اجل استجلاء أكثر عما تقدم نقول عنه بإنه يمثل مجموعة مواقع أو مراتب أو منازل أو مكانات متدرجة يشغلها الأفراد أو الجماعات أو الطوائف أو الطبقات أو الدول تعكس مكانتهم الاجتماعية المتمثلة بامتلاك الثروة أو النفوذ أو السلطة أو العلم أو الصحة والتمتع بها. بمعنى انه يشكل نسقاً تراتبياً بضم مواقع الأفراد على سلم متدرج أخذاً شكلاً هرمياً ذا قاعدة عريضة فيها العوام والطبقة الدنيا والفقراء والعاطلين عن العمل والمعدمين بينما القمة تتألف أو تضم مواقع ضيقة وقوية فيما تملك من مقومات التحكم والتسلط (ثروة، نفوذ، سلطة) أما باقي وسط الهرم فإنه يشمل متوسطي الحال والمال من الموظفين الحكوميين والأطباء والمهندسين والمحامين والمدرسين والمعلمين وأصحاب الدخل المحدود. هذا على صعيد التملك أما على صعيد الاستحقاق meritocracy فإنها تعني المقدرة واللوذعية والكفاءة العلمية المتخصصة في عمل محدد المشحونة بالمعرفة العميقة والدقيقة فيه وهذه الخاصية لا تتوفر عند الفرد عن طريق الوراثة والأسرة بل عن طريق الاكتساب والتعلم والممارسة والمتابعة. انها احدى متطلبات الحياة العصرية الحديثة التي تحتاجها المدن الصناعية والتكنولوجية وليس المجتمعات التقليدية أو المحافظة أو الريفية أو الطائفية وبناءً على ذلك فهي (الجدارة) تمثل أبرز المقومات أو المعايير العلمية في تحديد درجات أو مقامات عدم الاستواء التدرج الاجتماعي لأنها المجتمعات الصناعية تكون بأمس الحاجة الى تنمية طاقاتها المفتوحة في بناء قدراتها التقنية التي لا تحتاج الى المهارات التقليدية الموروثة بل المتجددة والمكتسبة المقامة على المهارة والكفاءة الشخصية. وهذا يتطلب من المجتمع الصناعي توسيع حوافز العمل ومنح المكافئات غير المتساوية المقامة على أساس انجاز وأداء الفرد وهذا ما يسمح له بالارتقاء على التدرج المهني والاجتماعي لا سيما وان الحراك الاجتماعي السائد فيه متصف بالعمودي وليس الافقي وان نسقه الاجتماعي مفتوحاً وليس مغلقاً لذا تكون حركة الأفراد في هذا المجتمع مستمرة وحيوية ومتنافسة مستخدمة أفضل الاداءات والإنجازات. إذن نستطيع القول بإن الركن الركين في النسق الطبقي هو جدارة الاستحقاق الفردي الذي يتطلب الالتصاق والولاء بالجدارة المهنية وليس بشيء أخر مثل النسق الطبقي أو النسق الطائفي لأن الجدارة لا تهمل موهبة الفرد ولا مهارته المهنية مثلما يعمل النسق الطائفي الذي لا يقيم وزناً لمهارة وجدارة الشخص ولا حتى موهبته أو مصلحته لأن منزلته الطائفية تهمل كل ذلك ملتزمة فقط بإرثها الموروث من اسلافها وهذا لا يشجع على تنمية وتطوير المجتمع الطائفي أو الريفي.

   بقيَّ أن أشير في هذا السياق الى ان المجتمعات الصناعية الرأسمالية لم تتخلى كلياً وبشكل مطلق عن بعض الخصائص الطائفية بل احتفظت ببعض الأسس الطائفية مثل الإرث المالي أو الميراث المادي الموروث من الأجيال السالفة من أجل الحفاظ على طبيعة الأسر المحافظة والوحدة الاجتماعية لها. وهذا يشير الى ان العامل الاقتصادي لا يحرك كل شيء في المجتمع الصناعي لكن لا ننسى ان جدارة الاستحقاق هي التي تجذب الأفراد بالتحرك على السلم الاجتماعي فتسحب الأسر والجماعات نحو التقارب والتزاوج فحلّت محل ضوابط النسق الطائفي في المجتمع الطائفي والريفي.

    غني عن البيان بعد هذا الاستطراد ان نقول ان انجذاب الافراد نحو بعضهم للبعض حالة طبيعية في كل المجتمعات وتحركها مفاعيل مختلفة فتارة تكون الطائفة الدينية وتارة تكون جدارة الاستحقاق واحياناً تكون المصالح المادية. أي ان النتيجة واحدة لكن الأسباب مختلفة كلٍ حسب نوع وطبيعة المجتمع الذي يعيشوا فيه الأفراد.

2 / ث – صفاته العامة

لإيلاء عناية واهتمام أوفر عن نسق عدم الاستواء الاجتماعي نعرض صفاته العامة التالية: –

1 – انه يعكس سمة المجتمع العامة من حيث كونه طبقي أو طائفي أو صناعي أو ريفي أو ديكتاتوري أو ديمقراطي أو شمولي أو رأسمالي أو اشتراكي.

2 – انه موروث ينتقل من جيل الى أخر بالوراثة مثل طبقة العبيد وكبقة الاقطاعيين وأصحاب رؤوس الأموال الغنية وظيفة الفلاحين والطائفة الدينية والارستقراطية في المجتمعات الصناعية الرأسمالية في أوروبا مثلاً.

3 – انه يسود جميع المجتمعات الإنسانية على الرغم من كونه يختلف من مجتمع لأخر. يعني يختلف في مقاماته ومواقع فئاته. فالغنى في المجتمع الصناعي غير الغني في المجتمع التقليدي لكن كلاهما يسودهما التدرج.

4 – يتضمن حراك اجتماعي يرتفع ويهبط باستمرار. بمعنى يرفع الأفراد أو الفئات الى مراتب أو منازل أو مقامات أعلى ويهبّط بالأخرين الى الأدنى. أي انه ليس بتدرج جامد ومتصلب أو مغلق على نفسه.

5 – انه يمثل عدم المساواة أو التكافؤ أو التوزان بين الأفراد في ثروتهم ونفوذهم ووجاهتهم وسلطتهم داخل المجتمع.

6 – وفي ضوء عدم مساواتهم هذه تتحدد علاقاتهم نوعاً وكماً وتتبلور منافساتهم من أجل الارتقاء بمناصبهم وثروتهم ونفوذهم ووجاهتهم واحياناً يوقد (يشعل) فتيل الصراع فيما بينهم بسبب استغلال الأعلى للأدنى والمالك للفاقد (الثروة أو السلطة أو النفوذ).

7 – انه على نوعين بشكل عام هما تدرج ضمني (أي ضمن الفئة الواحدة أو الطبقة ذاتها أو الطائفة نفسها) وتدرج بيني (أي بين الفئة والأخرى أو الطبقة والثانية او بين الطوائف المتعددة).

8 – لا يعرف السكون أو الهجوع لأنه يخضع للمتغيرات الخارجية (كوارث طبيعية أو احتلال أجنبي أو استعمار خارجي أو اختراعات علمية وتكنولوجية) ويتأثر بالمتغيرات الداخلية (مثل الثورة أو الحركات الاجتماعية والسياسية او الانقلابات العسكرية).

9 – لا يتضمن التدرج الاجتماعي فقط عدم المساواة في التملك بل عدم المساواة حتى في المعتقدات والأعراف والعادات الشعبية.

   مرادي من هذا العرض لخصائص التدرج هو القول بإنه يعطي الصورة الخاصة والعامة للمجتمع الذي يسود فيه، يسمح لأفراده بالارتقاء على درجاته والهبوط منها. فهو إذن يسود كل المجتمعات الإنسانية ويميزها بعضها عن بعض. اما مفاصله فهي الإرث الأسري الموروث من الإباء أو الثروة أو المال أو النفوذ أو السلطة أو القوة أو الجمال أو الكفاءة العلمية أو العلاقات الاجتماعية أو الاعتبار الاجتماعي. فهو إذن ليس من صنعة الفرد بل من صنيعة المجتمع وهو الذي يمنح افراده منازلاً أو مقامات أو مناصب أو مكانات مترتبة على مراتب متدرجة ومتسلسلة تكريماً لهم واحياناً تأديبياً لهم إذا خالفوا ضوابطه العرفية أو الوضعية لكن إذا نما هو مع ضوابطه العرفية والوضعية أو قدموا خدمة مجتمعية أو إذا تميزوا بميزة فريدة تخدم الإنسانية أو الثقافة الاجتماعية عندئذٍ يكرمهم بمنحهم وجاهة واعتبار اجتماعي متميز وعالٍ مما تساعده على ارقائه الى مرتبة هرمية أعلى.

2 / ج – أنماطه

لهذا النسق ثلاث أنماط مختلفة في نوعها وتاريخها وثقافتها لكنها متشابهة في تنميطها تلك هي: نمط العبودية Slavery ونمط الطائفة Caste ونمط الطبقة الاجتماعية Social class انها لا تمثل المساواة والعدالة الاجتماعية بل الاختلاف والتباين والمفاضلة. ولكي نفهم هذا الاختلاف بين هذه الأنماط علينا أن نميز بين نوعين من المكانات الاجتماعية وهما: الأولى يحصل عليها الفرد عن طريق الوراثة Ascribed status من ابائه وأجداده والثانية يحصل عليها الفرد من خلال جهده واجتهاده وتعلمه بمعنى مكتسبة اعتماداً على نبوغه وسجيته وكفاءته إذ ان الفرد يرث ثروته من اسلافه ويرث ايضاً نوع جنسه (ذكر أو انثى) كذلك يرث لون بشرته من عرقه لكنه لا يرث علمه أو دراسته أو مهارته بل عليه ان يبحث عنها ويتعلمها ويكتسبها عن طريق ذكائه ولوذعيته.

    معنى ذلك ان الوراثة البيولوجية والاجتماعية والكفاءة الماهرة يمثلان متغيرات تلعب دوراً حاسماً في تحديد مكانة الفرد على السلم الاجتماعي يتساوق مع المكانة الموروثة والثاني عمودي يتساير مع المكانة المكتسبة. ومن نافلة القول ان الحراك والمكانة يرتبطان مع نوع نسق التدرج (حيث هناك نسق تدرجي مفتوح Open stratification system ونسق تدرجي مغلق Closed stratification system) إذ تتفاعل المكانة الاجتماعية المكتسبة والحراك العمودي مع التدرج المفتوح. هذه هي ميكانيكية نسق التدرج الاجتماعي.

  بعد هذا الاستطراد أعرج الى تقديم انماطه الرئيسية الثلاثة: –

1 – العبودية أو الاسترقاق Slavery pattern: يبحث علم الاجتماع في موضوع الظلم الاجتماعي والجور البشري والاستلاب الحقوقي للفرد والتحكم بحريته وتجريده من كل حقوقه تحت مسمى “التدرج الاجتماعي” لأنه أكثر اشكال عدم الاستواء الاجتماعي بسبب تطرفه اللاإنساني مع قبول المجتمع له وعدّه أحد أنواع الغنى والترف والقوة متضمناً طرفين متناقضين في المُلكية والقوة وهما السيد والعبد، القوي والضعيف، الغني والفقير، المالك والمملوك، المنتصر والمهزوم. بمعنى انطواء التدرج على علاقة غير متوازنة ولا متكافئة بين فردين أو جماعتين أو طائفتين أو طبقتين أو مجتمعين أو دولتين مما ينجم عن هذه العلاقة المتغطرسة والمتنفذة والمتحكمة والمتجبرة من استغلال غير انساني واذلال بشري وابتزاز قهري وامتصاص طاغي لخدمة مصالح المالك والمتغطرس على حساب ادمية الانسان الفاقد الملكية المادية والحرية الشخصية.

    لنقترب قليلاً عما ذكرناه انفاً وندخل تاريخ المجتمعات لأنه يتضمن هذه العلاقة غير المتوازنة واللاإنسانية بالذات عندما برزت الحاجة الى الأيدي العاملة عندها برزت النزعة الى استعباد الضعفاء والمساكين والمجردين من الأملاك بعدها ظهرت الحاجة الى الخدمة المنزلية تلتها الحاجة الانشائية والبنائية للصروح والقلاع العملاقة للدفاع عن الأمم الغابرة وحكامها ومع تطور الحروب ظهرت الحاجة الى امداد المستعمرات بالعناصر البشرية الخانعة والمضطهدة عندها راجت أسواق النخاسين المتخصصة ببيع العبيد بدون تحرج بل علانية ومشروعة اجتماعياً. هذا على صعيد العصور الغابرة لكن هذه الحالة اللاإنسانية لم تندثر أو تزول بل ظهرت بشكل أخر في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين بإشكال لم تكن سائدة قبل قرون (ما قبل التاريخ والقرون الوسطى) تمارسها عصابات إجرامية منظمة ودولية في العالم المتحضر والمتمدن في أوروبا وأمريكا حيث أصبح الاستعباد أو الاسترقاق على شكل الاتجار بالبشر والزواج القسري واسترقاق الأطفال وعبودية الديون المالية والاستغلال الجنسي التجاري وزواج الأطفال القسري وممارسة بيع الأطفال والنساء ومن أجل استغلالهم جسدياً وجنسياً لفترات طويلة من الزمن لكن هذه الاشكال الاسترقاقية لم تُدرس من قبل علماء الاجتماع تحت مسمى (عدم الاستواء الاجتماعي بل على انها أحد أشكال الجرائم المستحدثة).

أ – العبودية في العصور الغابرة

 تجارة الرقيق Slave-trade العبودية أو الرق كانت سائدة في روما أيام الإمبراطورية الرومانية. فالعبيد قامت علي أكتافهم أو أيدهم فبنت الحضارات الكبري بالعالم القديم. فالعبودية كانت متأصلة في الشعوب القديمة. وفي القرن السابع جاء الإسلام وكان من أولوياته التعرض للرق والعبودية بشكل مباشر. فدعا الرسول إلى حسن معاملة الأسرى والعبيد والرفق بهم. وجعل لهم حقوقهم المقدرة لأول مرة في التاريخ الإنساني. وفي القرن 15 مارس الأوربيون تجارة العبيد الأفارقة وكانوا يرسلونهم قسرا للعالم الجديد ليفلحوا الاراضي الأمريكية. وفي عام 1444م كان البرتغاليون يمارسون النخاسة ويرسلون للبرتغال سنويا ما بين 700 – 800 عبد من مراكز تجميع العبيد على الساحل الغربي لأفريقيا وكانوا يخطفون من بين ذويهم في أواسط افريقيا. وفي القرن 16 مارست إسبانيا تجارة العبيد التي كانت تدفع بهم قسرا من أفريقيا لمستعمراتها في المناطق الاستوائية بأمريكا اللاتينية ليعملوا في الزراعة بالسخرة. وفي منتصف هذا القرن دخلت إنجلترا حلبة تجارة العبيد في منافسة وادعت حق امداد المستعمرات   الإسبانية بالعبيد وتلاها في هذا المضمار البرتغال وفرنسا وهولندا والدنمارك. ودخلت معهم المستعمرات الأمريكية في هذه التجارة اللاإنسانية. فوصلت أمريكا الشمالية أول جحافل العبيد الأفارقة عام 1619 م. جلبتهم السفن الهولندية وأوكل إليهم الخدمة الشاقة بالمستعمرات الإنجليزية بالعالم الجديد.وفي  التوسع الزراعي هناك في منتصف القرن 17 زادت أعدادهم. ولا سيما في الجنوب الأمريكي. وبعد الثورة الأمريكية أصبح للعبيد بعض الحقوق المدنية المحدودة. وفي عام 1792 م كانت الدنمارك أول دولة أوربية تلغي تجارة الرق وتبعتها بريطانيا وأمريكا بعد عدة سنوات. وفي مؤتمر فينا عام 1814 م عقدت كل الدول الأوربية معاهدة منع تجارة العبيد. وعقدت بريطانيا بعدها معاهدة ثنائية مع الولايات المتحدة الأمريكية عام 1848 م لمنع هذه التجارة. بعدها كانت القوات البحرية الفرنسية والبريطانية تطارد سفن مهربي العبيد. وحررت فرنسا عبيدها وحذت حذوها هولندا وتبعتها جمهوريات جنوب أمريكا ما عدا البرازيل حيث العبودية بها حتى عام 1888م وكان العبيد في مطلع القرن 19 بتمركز معظمهم بولايات الجنوب بالولايات المتحدة الأمريكية. لكن بعد إعلان الاستقلال الأمريكي اعتبرت العبودية شراً ولا تتفق مع روح مبادئ الاستقلال. ونص الدستور الأمريكي على إلغاء العبودية عام 1865م. وفي عام 1906م عقدت عصبة الأمم (League of Nations) مؤتمر العبودية الدولي حيث قرر منع تجارة العبيد وإلغاء العبودية بشتى أشكالها.

أشار المؤرخ الفرنسي (فرناند بروديل) إلى أن العبودية مستوطنة في إفريقيا وجزء من بنية الحياة اليومية. “جاء الرق بأشكال مختلفة في مجتمعات مختلفة: كان هناك عبيد المحاكم، والعبيد أدرجوا في الجيوش الأميرية، والعبيد المحليين والعائلات، والعبيد الذين يعملون في الأرض، و في الصناعة، وسعاة ووسطاء، وحتى كمتداولين”.خلال القرن السادس عشر، بدأت أوروبا تتفوق على العالم العربي في حركة التصدير، على حركة العبودية من أفريقيا إلى الأميركتين. استورد الهولنديون العبيد من آسيا إلى مستعمرتهم في جنوب إفريقيا. في 1807م بريطانيا، امتدت أراضي استعمارية واسعة ، على الرغم من كونها ساحلية بشكل رئيسي في القارة الأفريقية (بما في ذلك جنوب أفريقيا)، فجعلت تجارة الرقيق الدولية غير قانونية، كما فعلت الولايات المتحدة في عام 1808م. [https://ar.wikipedia.org]

قصة العبودية…. متى بدأ الإنسان يستعبد الإنسان

يمتدّ تاريخ العبودية عبر العديد من الثقافات والجنسيات والأديان من العصور القديمة وحتى يومنا هذا. غير أن المواقف الاجتماعية والاقتصادية والقانونية للعبيد تختلف اختلافًا كبيرًا في نُظم الرقّ المختلفة في أوقات وأماكن مختلفة.

ويمكننا القول إن العبودية والرق دخلت تاريخ البشرية مع بداية الحضارة. فالصيادون والمزارعون البدائيون كانوا لا يحتاجون أو يستفيدون من العبيد. فهم يقومون بجمع أو زراعة ما يكفيهم من الغذاء لأنفسهم. وبالتالي فإن زوجًا آخر إضافيًا من الأيدي يعني وجود فم إضافي بحاجة إلى إطعامه، ولا أحد في ذلك الوقت كان مستعدًا لذلك، فلا توجد ميزة اقتصادية في امتلاك إنسانٍ آخر.

وبمجرد أن بدأ الناس يتجمعون في البلدات والمدن، فإنّ فائض الغذاء الذي جرى توفيره في الريف، أتاح نشأة مجموعة واسعة من الحرف اليدوية في المدينة. في مزرعة كبيرة أو في ورشة عمل، وأصبح هناك فائدة حقيقية في وجود مصدر موثوق للعمالة الرخيصة، لا تكلف أكثر من الحد الأدنى من الغذاء والسكن، وهذه هي شروط الرق. وكل الحضارات القديمة استخدمت العبيد، وهو ما يثبت أن الحصول عليهم كان أمرًا سهلاً.

كانت الحرب هي المصدر الرئيسي للإمدادات العبيد، وكانت الحروب متكررة ووحشية في الحضارات المبكرة. عندما تسقط بلدة ما في يد جيش معادي، فمن الطبيعي أن يأخذ هذا الجيش العبيد من أولئك السكان الذين يمكن أن يكونوا عمالاً مفيدين، أو النساء الذين يستغلون للترفيه والجنس، ويتم بعدها قتل البقية.

هناك العديد من الطرق الأخرى التي جرى بها الحصول على العبيد؛ فالقراصنة قاموا بتقديم أسراهم للبيع. ويجوز الحكم على المجرم كذلك بالرقّ. والدَّين الذي لا يمكن دفعه يمكن أن يكون سببًا في نهاية حريتك. ويبيع الفقراء أطفالهم، وأبناء العبيد هم أنفسهم من العبيد، وذلك لأنه في ظل الإمدادات الرخيصة من العمالة المتاحة من خلال الحروب، فلم يكن من الممكن لملاك العبيد أن يسمحوا لعبيدهم أن يقوموا ببناء أسرة والتشتت في موضوع تربية أطفال.

ويمكن تعريف الرق على أنه تقييد شخص بشخص آخر، أو أسرة أخرى عن طريق الإكراه. وهو مصطلح يتعلق بالعبيد كسلع يتم شراؤها وبيعها. بالنسبة للكثيرين منا، نسمع كلمة “الرقيق” فتثير في أذهاننا على الفور تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي، عندما تم بيع الأفارقة إلى “العالم الجديد” ابتداء من أوائل القرن 17. ومع ذلك، يجب أن نتذكر أن العبودية لم تبدأ أو تنتهِ هنا، وأنه ليس كل العبيد على مدى الإنسانية تناسب هذا التعريف، فهناك أشكال مختلفة أخرى للعبودية.

البداية من العراق

يعود تاريخ الاسترقاق في بلاد ما بين النهرين إلى حوالي 10 آلاف سنة، حيث كانت قيمة العبد الذكر بُستان نخيل التمر. كما كانت تستخدم النساء من العبيد في تلبية المطالب الجنسية للأسياد. وكان هؤلاء العبيد يكتسبون حريتهم فقط عندما يموت سيدهم.

وتشير الدراسات لوجود أدلة على أنّ الرق سبق السجلات التاريخية المكتوبة، وكانت موجودة في العديد من الثقافات. وحوالي عام 3500 قبل الميلاد ظهر العبيد في الحضارة السومرية، وكانوا يشكلون أغلبية السكان وهم مسؤولون عن جميع الأعمال اليدوية.

ومع نمو المدن السومرية في عدد السكان واتساع نطاقها، اختفت الأراضي البكر التي كانت تفصل بين المدن بعضها وبعض. وكان السومريون من مدن مختلفة غير قادرين أو غير راغبين في حل نزاعاتهم على الأرض وتوافر المياه، فاندلعت الحروب بين المدن السومرية، وهي الحروب التي رأوا أنها قامت بين آلهتهم.

في نهاية المطاف، اتخذ السومريُّون العبيد من السومريين الآخرين الذين جرى أسرهم في حروبهم بعضهم بعضًا، ولكن في الأصل حصل السومريون على العبيد بعد محاربة الشعوب خارج سومر. وكان الاسم السومري للأنثى من العبيد “فتاة جبلية”، وكان الرجل من العبيد يسمى “رجل الجبل”. وكان السومريون يستخدمون عبيدهم أساسًا عمال منازل ومحظيات. وبرروا العبودية كما فعل آخرون بقولهم: “إن آلهتهم قد منحتهم النصر على شعبٍ أدنى”.

وتتعلق المعلومات عن العبيد في المجتمعات المبكرة أساسًا بوضعهم القانوني، فهم ليسوا إلا جزءًا من ممتلكات المالك القيِّمة. قانون حمورابي، من بابل في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، يعطي تفاصيل مذهلة “تقشعر لها الأبدان” عن المكافآت والعقوبات المختلفة للجراحين العاملين سواء على الرجال الأحرار أم العبيد، فالقانون يكشف أن النظام لم يكن مجرد وحشية بلا هوادة. فمن المثير للدهشة أن العبيد البابليين كان يسمح لهم بتملك الممتلكات.

وظهرت في وقت مبكر عمليات إلغاء الرق والعبودية في اثنين من الطوائف اليهودية، الإسينيون والثيرابيتيون، الذين كانوا يقومون بتحرير العبيد عبر دفع الأموال لملاكهم.

اليونان القديمة.. الاعتماد الأكبر على العبيد

لكن الحضارة الأولى التي نعرف الكثير عن دور العبيد فيها هي اليونان القديمة. فقد اعتمدت كلتا الدولتين الرائدتين في اليونان – اسبارطة وأثينا – اعتمادًا كاملًا على العمل الجبريّ، على الرغم من وصف النظام في اسبارطة بشكل أفضل بأنه “رق خدمي” وليس استرقاقًا أو عبودية كاملة. الفرق هو أن شعب “الهيلوتس” في اسبارطة هم شعب غزوٍ وحروب، يعيشون على أرضهم التي ورثوها، ولكنهم أجبروا على العمل من أجل أسيادهم المتقشفين. ووجودهم هو نهج ريفي تقليدي تبقى فيه حقوق معينة مرتبطة بها.

وعلى النقيض من ذلك، ليس لعبيد أثينا أي حقوق تقليدية. ولكنّ حالتهم كانت تختلفُ اختلافًا كبيرًا وفقًا للعمل الذي يقومون به. أكثر العبيد غير المحظوظين في أثينا كانوا هم عُمَّال المناجم الذين كانت تتسبب أعمالهم هذه في وفاتهم، فقد كانت المناجم مملوكة للدولة ولكنها مستأجرة لرجال أعمال من القطاع الخاص. وعلى النقيض من ذلك، يمكن لفئات أخرى من العبيد – ولا سيما أولئك الذين تملكهم الدولة مباشرة مثل الرماة السكوثيون الثلاثمائة الذين يمثلون قوة الشرطة في أثينا – أن يكتسبوا مكانة معينة.

غالبية العبيد في أثينا هم خدم المنازل، ثروتهم تعتمد كليًا على العلاقة التي تتطور مع ملاكهم. في كثير من الأحيان تكون هذه العلاقة قريبة، العبيد الإناث يقومون برعاية الأطفال أو العمل كمحظيات، والعبيد الرجال يعملون في خدمة الأسرة.

لا يعمل أي أثيني حر في مجالات الخدمة وغيرها، لأنَّه من المخجل أن يكون خادم رجلٍ آخر. ويطبق هذا الأمر أيضًا على الأعمال الفرعية في أي شكل من أشكال العمالة. ونتيجة لذلك، فإن العبيد الذكور في أثينا يقومون جميعًا بأعمال السكرتارية أو الأعمال الإدارية، في هذه السياقات هم مساعدون شخصيون لشخص آخر. وتشمل هذه الوظائف مواقع النفوذ في مجالات مثل الأعمال المصرفية والتجارة.

الإمبراطورية الرومانية.. وحشية وانتشار أكبر

الثغرة نفس، التي يوفرها احترام الذات من قبل المواطنين الأحرار، هي التي وفرت فرصًا أكبر لوجود وانتشار العبيد في الإمبراطورية الرومانية. العبيد الأكثر تميزًا كانوا هم موظفي السكرتارية للإمبراطور. في القرنين الأخيرين قبل الميلاد  – قبل بداية عصر الإمبراطورية – استخدم الرومان في ظل الجمهورية العبيد على نطاقٍ أوسع من أي وقتٍ مضى، وربما مع وحشيةٍ أكبر. في المناجم يتمُّ جلدهم في ظلِّ عملٍ متواصل من قبل المشرفين؛ في الساحات العامة هم مجبرون على الانخراط في قتالٍ مرعب مثل المصارعين. هناك العديد من انتفاضات الرقيق التي وقعت في هذين القرنين، والأكثر شهرة منهم بقيادة سبارتاكوس.

أوروبا في العصور الوسطى.. الكنيسة تتغاضى عن العبودية

في أوائل العصور الوسطى كانت الكنيسة تتغاضى عن العبودية، ولم تكن تعارض هذا الأمر إلا عندما استعبد المسيحيون من قبل من اعتبرتهم الكنيسة كفار.

اقتحم الفايكنج بريطانيا منذ عام 800 ميلادية وقاموا ببيع أسراهم إلى الأسواق في اسطنبول وإسبانيا الإسلامية. لم يكن الدين عائقًا أمام تجارة الرقيق سواء من المسيحيين أم المسلمين أم اليهود. وتسبب وباء الطاعون (الموت الأسود) في زيادة الطلب على العبيد المحليين في إيطاليا.

وكان العبيد غالبًا ما يكونون مشتبهين بهم وراء تسميم أسيادهم، وكانت العقوبات التي تنزل عليهم رهيبة. فأحد المتهمات من العبيد جرى سلخ وتقطيع لحم جسدها حية وهي تجر في شوارع فلورنسا. في القرن السادس عشر حاول البابا بولس الثالث وقف البروتستانتية عن طريق تحفيز أولئك الذين تركوا الكنيسة الكاثوليكية وهم عبيد.

التجارة عبر الأطلسي.. بداية العبودية الحديثة

افتتح البرتغاليون تجارة الرقيق في المحيط الأطلسي، والتي ستنضم إليها إسبانيا قريبًا. وأدَّى غزو كريستوفر كولومبوس لمنطقة البحر الكاريبي إلى محو الثقافة الأصلية الموجودة هناك، قبل أن تتدفق الأمم الاستعمارية الأخرى في الأميركتين لنهبها.

هنا كانت الحاجة لجلب الرقيق من أجل العمل في إنتاج السكر والقطن والتبغ. ومع وفاة الهنود الحمر، تم استيراد العبيد الأفارقة، 900 ألف نزلوا شواطئ الأميركتين بحلول عام 1600. الدول الأفريقية التي زودت الأميركتين بالعبيد كان لديها هي نفسها تاريخ طويل من العبودية. وتوافد المستعمرون الأوروبيون على السواحل الغربية من أفريقيا لتجارة الخمور والتبغ والأسلحة والحلي، بالإضافة لتجارة البشر.

وهكذا بدأ ما يعرف بـ “الممر الأوسط” سيئ السمعة، حيث سيتم تحميل العبيد في بطون السفن. وكان البريطانيون هم المستعبدون الرئيسيون، حيث جلبوا بضائع من إنجلترا من أجل جلب العبيد الأفارقة ثم قاموا بعد ذلك بتوريدهم إلى المستعمرات الإسبانية والبرتغالية في العالم الجديد. وقد بنيت هذه التجارة الثلاثية ثروة بريطانيا.

حركات الإلغاء

شهد القرن الثامن عشر ولادة المجموعات الإلغائية في العالم الغربي، أو محاولات الغاء تجارة العبيد. وفي عام 1804 جعلت الدنمارك تجارة الرقيق غير قانونية؛ تلتها بريطانيا في عام 1807 والأمريكيين بعد عام.

تأسست منظمة مكافحة الرق الدولية عام 1839 قبل بضع سنوات من الإلغاء التام لتجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي. لكن – رغم هذا – فإن عمليات تهريب الرقيق والعبودية ظلت مستمرة. في ذلك الوقت كان المناخ الاقتصادي آخذًا في التغير، وسعت الصناعات البريطانية بعد الثورة الصناعية، التي بنيت على أرباح الاسترقاق الزراعي، إلى إيجاد قوة عاملة في الوطن.

حركة العبيد في الولايات المتحدة

ساعد العبيد أمريكا في الحصول على حريتها من البريطانيين خلال حرب الاستقلال الأمريكية، ولكن من دون الحصول على امتيازات خاصة بهم. شعار “كل الرجال يخلقون على قدم المساواة” كان حلقة جوفاء، حتى إن الرئيس توماس جيفرسون الذي كتب هذا الشعار كان هو نفسه يملك العبيد.

لقد أحدث اختراع محلاج القطن ثورة في ثروات الجنوب الأمريكي، ففي عام 1860، جرى اقتطاع حصاد قطني بقيمة 200 مليون دولار من قبل العبيد الذين يعملون تحت كرابيج أسيادهم. كان العبيد يفعلون كل وظيفة يمكن تخيلها مع توظيف العبيد المهرة من أجل مزيد من الربح.

هرب بعض العبيد تحت غطاء الليل وسافروا عبر الأراضي البرية إلى الولايات الشمالية وكندا، وخلال الحرب الأهلية في عام 1861، كانت هذه البداية لنهاية العبودية في الولايات المتحدة، وقد مات فيها أكثر من 38 ألف من السود العبيد. وألغى التعديل الثالث عشر للدستور الأمريكي الرق نهائيًا.

تغير الشكل واستمرت العبودية

غير أن الرق استمر في أجزاء أخرى من العالم بعد التحرر في أمريكا الشمالية. ازدهرت العبودية الأصلية في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، بالإضافة إلى استعباد ذوي الديون والسخرة في المستعمرات الأوروبية والرق المحلي في نيجيريا وشبه القارة الهندية، وقد فقد تسعة ملايين شخص حياتهم للعمل الإجباري والإبادة الجماعية في الكونغو البلجيكية.

وفي الصين، استمر نظام استرقاق الأطفال يعرف باسم “موي تساي”، إذ يباع الأطفال للعمل المنزلي، حتى النصف الثاني من القرن العشرين. وفي بيرو الفظائع التي ارتكبتها شركة بريطانية ضد الهنود الأصليين المستعبدين للاستفادة من المطاط أدى إلى مقاطعتها. وتشير التقديرات إلى أن كلّ طن من اللاتكس تنتجه شركة الأمازون في بيرو قد كلف حياة سبعة أشخاص.

علامات. [https://www.sasapost.com]

ب – العبودية في العصر الحديث

ثلاثة أرباع دول الاتحاد الأوروبي أصبحت تعاني من أزمة ما يُسمى بالعبودية الحديثة، حيث إن هناك 20 دولة من ضمن 28 دولة هم الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، تفشَّى فيها خط العبودية خلال الآونة الأخيرة، وخاصة في الفترة منذ عام 2015 وحتى الآن، وذلك طبقًا لأحدث الدراسات التي نشرها تقرير مؤشر العبودية الحديثة العالمي 2017، والذي يشرح ويُقدِّم تحليلًا لوضع الرقيق، ووجودهم، والانتهاكات ضدهم، وقوة القوانين المانعة لتجارة الرق حول العالم، وتحديدًا في 198 دولة.

ويعتقد البعض أن أيام العبودية تمثِّل ماضيًا رحل، ولكن هناك الملايين من الأشخاص في العالم الحالي يعيشون تحت ظروف تفرض عليهم العبودية، ويُتاجر بهم كسلع، كما يُستغلون من قبل آخرين، ليس هذا في دولة أو اثنتين، ولكن في معظم دول العالم، بل في مقر الحريات والحقوق في نظر الكثيرين وهو أوروبا، خاصةً في دول مثل رومانيا، واليونان، وقبرص، وإيطاليا، وبلغاريا، وبولندا.

وتعتبر كلًا من رومانيا، وإيطاليا، الأسوأ في هذا العام من ضمن دول الاتحاد الأوروبي، حيث تدهور حال رومانيا أكثر من أي بلد عن العالم خلال عام 2016 لتنخفض 56 مركزًا في الترتيب في عام واحد فقط، لتصبح رقم 66 على مستوى العالم ضمن أخطر الدول في مؤشر العبودية الحديثة في العالم، كما تدهورت إيطاليا أيضًا لتقفز 16 مركزًا كاملة أيضًا، لتصبح في المركز 166 عالميًا.

ويصدر تقرير المؤشر سنويًا عبر شركة تحليل المخاطر والاستشارات الدولية، البريطانية فيرسك مابلكروفت، والتي تأسست عام 1975. تقرير هذا العام وصف الوضع في عام 2016 بأنه كان الأسوأ على الإطلاق في القرن الواحد والعشرين، حيث إن هناك حوالي 60% من دول العالم تُصنَّف في فئة عالية، أو فئة شديدة الخطر، فيما يخص أعداد الرقيق في العصر الحديث، والانتهاكات ضدهم.

السبب الرئيسي وراء إصدار مثل هذه التقارير السنوية هو سبب اقتصادي بحت؛ حيث تستهدف الشركة تحديد البلاد التي تعمل على استغلال البشر، والمعروفة بالعبودية الحديثة، وذلك من أجل تجنبها عندما يتعلق الأمر بالشركات الأخرى التي تعمل لصالحها فيرسك مابلكروفت، وتقدم لها المشورة، وذلك لمنع أي حوادث، أو مشكلات تستهدف العمليات التجارية، أو سلاسل التوريد، في وقت لاحق، أو في المستقبل القريب.

كيف يمكن تعريف مصطلح «العبودية الحديثة»؟

قد يعتقد الكثيرين أن العبودية قد انتهت منذ زمنٍ طويل، ولكنهم مخطئين. قد يظنون أنها انتهت في القرن التاسع عشر، أو حتى في بدايات القرن العشرين على أقصى تقدير، وذلك بعد عقد معاهدة الرق عام 1926، والتي تعتبر الوثيقة الدولية الأولى في العالم لوقف تجارة الرق، حين صدرت عن عصبة الأمم.

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عن الأمم المتحدة عام 1948، ونص على أبرز حقوق الإنسان، المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، لم ينس ذِكر تجارة الرق والعبيد أيضًا، برغم أنه في حينها كانت معظم دول العالم تعمل على التخلِّي عنها فعلًا؛ فقد ذكر في مادته الرابعة: “لا يجوز استرقاقُ أحد أو استعبادُه، ويُحظر الرق والاتجار بالرقيق بجميع صورهما”.

في الواقع، وبعد مرور حوالي 150 عامًا على أولى محاولات وقف تجارة الرق والعبودية، فإن هناك الملايين من الرجال والنساء والأطفال المستعبدين حول العالم بطرق مختلفة معاصرة؛ فليس شرطًا أن تكون العبودية في صورة وجود نخّاس ليعرض أفرادًا لبيعهم لآخرين، ولذلك ظهر مصطلح العبودية الحديثة ليُعبِّر عن الأشكال المختلفة التي تصف العبودية بشكلها الحديث.

 45.8  مليون شخص حول العالم هم ضحايا العبودية الحديثة

ربما تختلف النصوص التعريفية للعبودية الحديثة من مؤسسة إلى أخرى، ولكن تظل المعاني واحدة، وهي التي يمكن تعريفها بتعريف أنواعها؛ فهناك أنواع متعددة من العبودية الحديثة مثل عبودية الدَيْن، والعمل القسري، والاسترقاق القائم على النسب، والاستغلال الجنسي للنساء، والاتجار بالبشر، واستعباد الأطفال، والزواج المبكر، والزواج القسري.

اتفاقية الأمم المتحدة التكميلية الصادرة عام 1956 نصت على أن: “عبودية الدَيْن، والرق، والزواج القسري، واستغلال الأطفال، هي ممارسات متعلقة بالرق، ويجب إلغاؤها وتجريمها”، ويقصد بعبودية الدين هو أن يعمل الشخص طول حياته لدى آخر، فقط من أجل سداد ديون من سبقوه كأجداده أو آبائه، فلا يتقاضى أجرًا، وإنما تُحسب الأيام التي يعملها هو وعائلته بالإجبار على أنها ضمن الدين الذي يجب عليه سداده، وعادةً ما يعمل طوال عمره، ليتوارث أبناؤه من بعده الأمر ذاته. وينتشر هذا النوع من العبودية الحديثة بشكل رئيسي في بعض الدول الأفريقية ودول أمريكا اللاتينية كالبرازيل.

أكثر من 1.5 مليون شخص هم ضحايا العبودية الحديثة في الاقتصاديات المتقدمة في العالم

اتفاقية العمل الجبري 1930، الصادرة من مؤسسة العمل الدولية، نصت على أن العمل القسري، وهو أحد أشكال العبودية الحديثة، يمكن تعريفه على أنه “كل عمل أو خدمة تُفرض من أي شخص تحت تهديد أي عقوبة، أو كل عمل لم يقدم الشخص نفسه طوعًا للقيام به”.

ولذلك يمكن تعريف الشخص باعتباره أحد الرقيق إذا اضطر للعمل عن طريق الإكراه، أو التهديد العقلي أو البدني من صاحب العمل، أو في حالة أن تمت معاملة الشخص كسلعة يمكن بيعها أو شرائها أو اعتبارها نوعًا من أنواع الممتلكات، أو في حالة التقييد الجسدي عن طريق فرض قيود على التنقل، أو في حالة الاستغلال من أجل ممارسة البغاء، أو الزواج القسري والمبكر، أو في حالة إزالة أحد أعضاء الجسد بالإجبار والقوة.

أكثر من مليون شخص تحت وطأة العبودية في أوروبا

رغم تاريخها الطويل في مكافحة الرق والعبودية وقمع الحريات، لا تزال أوروبا وجهة ومصدر لاستغلال الرجال والنساء والأطفال في العمل القسري، والاستغلال الجنسي التجاري؛ فوفقًا لأحدث نتائج المركز الإحصائي للاتحاد الأوروبي (Eurostat)، وهو المصدر الأول للإحصائيات حول أوروبا، فإن هناك 65% من الأشخاص المسؤولين عن العبودية الحديثة في أوروبا من دول الاتحاد الأوروبي، وينحدر معظمهم من منطقة أوروبا الشرقية مثل رومانيا، وبلغاريا، واليونان، وقبرص، وليتوانيا وسلوفاكيا. أمَّا المسؤولين عن العبودية الحديثة من غير الأوربيين، فإنهم ينحدرون من نيجيريا، والصين، والبرازيل.

ولا يزال العمل القسري، والاستغلال الجنسي التجاري هما أكثر أشكال الرق الحديث أو العبودية الحديثة انتشارًا في أوروبا، ومع ذلك، فقد ظهر مؤخرًا شكل آخر، وجرى تعريفه على أنه يقع تحت طائلة العبودية الحديثة، وهو زواج الأطفال القسري، وهو النوع الذي يحدث عادةً في تركيا.

ومن المتوقَّع أن تظهر أشكال أخرى للاستغلال والعبودية الحديثة في أوروبا في الوقت الحالي، خاصةً بعد تدفق مئات الآلاف من اللاجئين والمهاجرين منذ عام 2015 إلى أوروبا، حيث تشير دراسة أجرتها المنظمة الدولية للهجرة تشير إلى أن الأشخاص الذي ينتقلون من مناطق نزاع إلى أوروبا، أو من خلال أوروبا، هم الأكثر عرضة للاستغلال والعبودية الحديثة، وهم مستهدفون بالفعل، نظرًا لتعلقهم بأي قشة للنجاة من الصراع في بلادهم.

وقد أدى تدفُّق اللاجئين مؤخرًا إلى إحداث توترات في إجراءات الحماية الأوروبية، مما خلق ثغرات عديدة تستغلها الشبكات الإجرامية الأوروبية بسهولة من أجل الاتجار بالبشر، واستغلالهم بأشكال متعددة.

بعد تسجيل حوالي 10 آلاف طفل باعتبارهم لاجئين في أوروبا، فُقد منهم حتى الآن أكثر من 6 آلاف طفل لاجئ، غالبًا ما تم بيعهم أو استغلالهم جنسيًا، وهم ضحايا للعبودية الحديثة، وبحسب الاتحاد الأوروبي؛ فإن عدد طالبي اللجوء الذين وصلوا إلى أوروبا منذ عام 2015 وصل إلى 1.3 مليون شخص، وعلى الوجه الآخر، يُقدَّر عدد ضحايا العبودية الحديثة في أوروبا بحوالي مليون وربع المليون شخص، ما زالوا تحت وطأتها حتى الآن، معظمهم من الإناث؛ حيث قدَّرت سلطات الاتحاد الأوروبي نسبة الإناث ضمن ضحايا العبودية الحديثة بحوالي 80% من المجموع، وخاصةً النساء الرومانيات الذين غالبًا ما يتعرضن للاستغلال الجنسي التجاري في أوروبا، كما أنهن بعد ذلك يقمن بتجنيد معارفهن، أو أصدقائهن، أو أقاربهن، وغالبًا ما يتعرضن للعنف في حالة الرفض.

الفتيات الأفريقيات، وخاصةً النيجيريات، يتعرضن أيضًا لأشكال مختلفة من العبودية الحديثة في أوروبا، فلا يقتصر الأمر على الفتيات الأوروبيات فقط، فقد يتعرضون لما يُعرف باسم الاستعباد المنزلي، والاستغلال الجنسي التجاري، وينتشرون في دول إيطاليا وبلجيكا وإسبانيا والسويد وهولندا.

الأطفال أيضًا يأتون في المركز الثاني بعد النساء باعتبارهم أكثر الفئات تعرضًا للعبودية الحديثة، وخاصةً أطفال اللاجئين، فبعد تسجيل حوالي 10 آلاف طفل باعتبارهم لاجئين في أوروبا، فُقد منهم حتى الآن أكثر من 6 آلاف طفل لاجئ، غالبًا ما تم بيعهم أو استغلالهم جنسيًا، وهم ضحايا للعبودية الحديثة.

وفي حين لم يتم الاتجار بجميعهم، فإن البقية يتعرضون للاستغلال الجنسي، والسخرة في أعمال الزراعة والمصانع في أوروبا، ولم ينج الرجال من العبودية الحديثة أيضًا، فغالبًا ما يتعرضون للعمل القسري في جميع أنحاء أوروبا، في الزراعة، والصيد، والمحاجر، والبناء، والصناعات المختلفة، فضلًا عن العمل المنزلي أيضًا.

وغالبًا ما يقوم صاحب العمل، في حالة العبودية الحديثة لللاجئين والمهاجرين، باحتجاز جوازات سفر الضحايا، ومصادرة هواتفهم المحمولة، وإجبارهم على العمل يوميًا حوالي 13 ساعة، ولمدة ستة أيام في الأسبوع، وهو الحال في بولندا، وبريطانيا، وليتوانيا.

كيف وصلت أوروبا إلى هذا الحد؟

من المعروف أن البلدان الأوروبية تحتل المراكز الأولى والمتقدمة في المؤشرات العالمية المختلفة، كمؤشرات السلام، والديمقراطية، ومكافحة الفساد، وحقوق الإنسان، وتوفير الخدمات الاجتماعية، والأمان، وغيرهم، وبالتالي فهي عوامل تجعل منها وجهة للمهاجرين واللاجئين، ولكن ليست جميع الدول الأوروبية سواء، فتوجد مناطق تتسم بقدر من الخطورة بحسب المؤشرات مثل كوسوفو، وتركيا، وألبانيا، والبوسنة والهرسك، واليونان، ورومانيا، وقبرص، وأوكرانيا، يمثل مستويات عالية من الجريمة والفساد والتمييز، بالإضافة إلى عدم الاستقرار السياسي، والثقة المنخفضة في النظام القضائي.

بخلاف السائد، يمكن أن يكون الجميع ضحايا للعبودية الحديثة، دون اقتصارها على عمر، أو جنس، أو عرق معين، فعلى سبيل المثال، حدد البرلمان الأوروبي في ألبانيا، والبوسنة والهرسك، الفساد والنظام القضائي على أنهما التحديان الأكبر للبلدين من أجل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وفي اليونان، استمر الاضطراب الاقتصادي والسياسي في تأثيره على الوضع هناك، فقد ارتفعت معدلات البطالة إلى أكثر من نصف الشباب، حيث بلغ معدل البطالة بين الشباب نسبة 51.9% بحسب آخر إحصائيات في يناير (كانون الثاني) 2016م. كل هذه الأسباب دفعت العديد من مواطني هذه الدول للعمل بطرق غير مشروعة من أجل الحصول على الأموال والتمتع بظروف أفضل من تلك التي يتمتعون بها، خاصةً في ظل أزمة اللاجئين والمهاجرين إلى أوروبا، والتي بدأت منذ عام 2015م، والتي أثرت على أوروبا سياسيًا، واقتصاديًا، واجتماعيًا، مما أثر بالتبعية على الاتحاد الأوروبي أيضًا، فقد وصل أكثر من مليون مهاجر ولاجئ عبر البر والبحر إلى أوروبا بين عامي 2015 و2016، كما سجلت المنظمة الدولية للهجرة أكثر من 2410 حالات وفاة بالغرق في البحر المتوسط حتى الآن منذ بداية العام الجاري، وذلك ضمن صفوف اللاجئين أثناء عبورهم إلى أوروبا من أماكن الصراع المختلفة في الشرق الأوسط وأفريقيا، فمعظمهم مواطنون سوريون، وإريتريون، وصوماليون، بالإضافة إلى الأفغان والباكستانيين، وذلك بحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR).

الطريق إلى أوروبا صعب ومليء بالمخاطر، وحتى في حالة وصولك سليمًا إلى هناك، فلا ضمان لدخولك الأراضي الأوروبية، أو منحك طلب اللجوء وبالتالي، انتقل عدد كبير من طالبي اللجوء والمهاجرين من الطرق الرسمية، إلى الاستعانة بمهربين، وذلك لتسهيل مرورهم إلى داخل أوروبا، الأمر الذي أدى إلى استغلالهم من قِبل هؤلاء الوسطاء والمهربين طوال الطريق، فضلًا عن الحصول على مبالغ كبيرة مقابل إدخالهم إلى أوروبا.

حصلت مفوضية الأمم المتحدة لللاجئين على شهادات تفيد بأن طالبي اللجوء والمهاجرين الذين استعانوا بمهربين أو وسطاء هم الأكثر تعرضًا للسرقة في الطريق، بالإضافة إلى تعرضهم للاستغلال الجنسي، أو ما يُعرف بمصطلح الجنس من أجل البقاء، بحيث تُجبر النساء على ممارسة الجنس من أجل دفع المهربين للاستمرار في الرحلة إلى داخل أوروبا، كما حصلت أيضًا المفوضية على بلاغات من حالات عديدة تفيد بأن الفتيات القاصرات، وخاصةً الباكستانيات، اللاتي لا يرافقهن ذويهم خلال رحلة الهجرة إلى داخل أوروبا وغالبًا ما يتم تصويرهن عاريات، ونشر صورهن على شبكة الإنترنت في مقابل طلب الأموال من أسرهن لحذف الصور.

إلى متى قد يستمر هذا الوضع؟

قد يستمر هذا الوضع حتى تبذل دول أوروبا الشرقية جهودًا كتلك التي بذلتها أوروبا الغربية من أجل مكافحة ووقف العبودية الحديثة، فقد عملت حكومات البلدان في أوروبا الغربية على توفير الموارد، والحماية اللازمة للاجئين والمهاجرين الذين يصلون إليها، إلى جانب وجود إرادة سياسية حقيقية من أجل وقف العبودية الحديثة؛ بالإضافة إلى إنشاء فريق من الخبراء تابع للمجلس الأوروبي، وهو المعني بمكافحة الاتجار بالبشر، ووضع آليات خاصة لرصد مثل هذه الجرائم، من أجل إبلاغ الحكومات المسئولة عنها لتحمل التزاماتها بموجب اتفاقية مجلس أوروبا بشأن الاتجار بالبشر، والتي وقَّع عليها 45 بلدًا أوروبيًا لمكافحة جرائم العبودية الحديثة.

وفي الواقع، تُجرِّم جميع الدول الأوروبية جميع أشكال العبودية الحديثة؛ إمَّا بالقوانين الجنائية، أو في التشريعات المحددة الخاصة بالاتجار بالبشر، فضلًا عن وجود خدمات دعم للضحايا من الحكومات في عدد كبير من الدول، ولكن المشكلة الكبرى تكمن في الفساد الموجود في العديد من الدول الأوروبية، والتي لا تهتم بتنفيذ القوانين، أو تتواطأ في تنفيذه، بالإضافة إلى الأحكام القضائية المتساهلة في حال تنفيذه، وغياب أي آليات لتقديم الحماية ولدعم للضحايا.

ويُقصد بالفساد في هذه الحالة تورط الحكومات والمؤسسات الحكومية والمسؤولين في العديد من الدول الأوروبية؛ فعلى سبيل المثال، في ليتوانيا، شرعت الشرطة الليتوانية في إجراء تحقيق مع مدير دار للأيتام تديرها الدولة، والتي ثبت أنها تدير شبكة للاتجار بالأطفال جنسيًا. [https://m.annabaa.org]

ت – اشكال العبودية في العصر الحديث

بعد مضي أكثر من قرنين على حظر العبودية، لا يزال نحو 29.8 مليون شخص على مستوى العالم يتعرضون لأشكال جديدة ومتنوعة من العبودية، بحسب مؤشر جديد يقوم بتصنيف 162 دولة.

وقد ذكرت النسخة الأولى من تقرير (أعدته مؤسسة “ووك فري فاوندايشين” الاسترالية التي تهتم بحقوق الإنسان) بعنوان “مؤشر الرق العالمي“، أن هايتي والهند ونيبال وموريتانيا وباكستان تضم  أعلى معدل لانتشار الرق في العصر الحديث. أما من حيث الأعداد المطلقة، فإن أكبر عدد من الأشخاص الذين يتم استعبادهم موجود في الصين وإثيوبيا والهند ونيجيريا وباكستان. وفي الهند، يُعتقد أن ضحايا العبودية الحديثة يناهز الـ 14 مليون شخص.

وعلى الرغم من ذلك، يذكر التقرير أن العبودية المعاصرة “غير مفهومة جيداً ولذلك تظل مستترة داخل المنازل والمجتمعات المحلية وأماكن العمل”.

وفي هذا الصدد، قالت “غولنارا شاهينيان”، مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بأشكال الرق المعاصر، وأسبابه ونتائجه أن “الرق المعاصر.. غالباً ما يحدث في المناطق التي يصعب الوصول إليها من الدولة أو ما يعتبر عالماً خاصاً، كما هو الحال في حالة العبودية المنزلية.

وأضافت أنه “في عالم اليوم، يأخذ الرق صوراً مختلفة: كالاتجار بالبشر والعمل القسري والسخرة والعبودية… حيث يتم التحكم في هؤلاء الناس وإجبارهم على العمل ضد إرادتهم وكرامتهم ويتعرضون للحرمان من حقوقهم”.

وفي السطور التالية، تسلط شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) الضوء على الأشكال الرئيسية للرق في العصر الحديث:

العمل القسري: تصنف منظمة العمل الدولية العمل الإلزامي أو القسري بأنه أي “أعمال أو خدمات تفرض عنوة على أي شخص تحت التهديد بالعقاب والتي لم يعرضها الشخص بنفسه طوعاً”.

وتوجد الأشكال الشائعة من العمل القسري في الصناعات التي تفتقر إلى التنظيم أو التي تستخدم اليد العاملة على نحو كثيف مثل الزراعة ومصائد الأسماك والتشييد والتصنيع والأعمال المنزلية وصناعة الجنس. وقد سلط تقرير منظمة العمل الدولية لعام 2013، الضوء على بعض الشروط القاسية التي يُرغم الناس بموجبها على العمل في قطاع مصائد الأسماك. ويمكن تطبيق هذه الفئة على أشكال متعددة من الرق، حيث يجبر الأشخاص على العمل باستخدام أساليب متنوعة، غالباً ما تشمل التهديد بالعنف أو عبودية الدين.

وتشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن عدد ضحايا العمل القسري يصل إلى نحو 21 مليون شخص.

عبودية الدين: تعد أكثر أشكال الرق المعاصر شيوعاً، وذلك وفقاً للجمعية الدولية لمكافحة الرق، وهي منظمة غير حكومية تتخذ من لندن مقراً لها، حيث تقول أن “الشخص يصبح عامل سخرة عندما يُطالب بالعمل كوسيلة لسداد قرض حصل عليه. ثم يخدع الشخص أو يضطر للعمل مقابل مبلغ زهيد جداً من المال أو من دون أجرة، وغالباً ما يكون ذلك لمدة سبعة أيام في الأسبوع”.

في ذات السياق، تشير تقديرات بنك التنمية الآسيوي إلى أن عدد عمال السخرة في باكستان يصل إلى 1.8 مليون شخص، يعملون بشكل أساسي في قمائن الطوب وفي الزراعة ومصائد الأسماك والتعدين. وفي القطاع الريفي في البرازيل، كشف تقرير صدر عن الأمم المتحدة في عام 2010 أنه تم إغراء الكثير من العمال الفقراء للعمل في المناطق البعيدة عبر وسطاء قاموا بتحصيل مبالغ مقدمة على مرتباتهم، واعدين إياهم بأجور عالية. غير أن العمال وجدوا أنفسهم مضطرين لأخذ ديون كبيرة لتغطية تكاليف الانتقال والغذاء، دون وجود أي مؤشر واضح لكيفية حساب تلك الديون أو الأجور. وتحدث ممارسات مماثلة لتلك في بنجلاديش.

الاتجار بالبشراتفاقية الأمم المتحدة المعنية بمكافحة الجريمة المنظمة عبر الحدود الوطنية تعرّف الاتجار بالبشر بأنه “تجنيد أو نقل أو تحويل أو إيواء أو استلام أشخاص”، عن طريق التهديد أو استخدام القوة أو وسائل أخرى للإكراه “بغرض الاستغلال”.

وفي جمهورية بنين، تشير تقديرات المكتب الدولي للهجرة، إلى أن عدد ضحايا الاتجار بالبشر يصل إلى أكثر من 40,000 طفل. ويفيد المؤشر العالمي للرق أنه يتم تهريب والاتجار بالعديد من هؤلاء الأطفال في دول داخل المنطقة، وكذلك تهريبهم من المناطق الريفية إلى المناطق الحضرية داخل الدولة الواحدة.

الزواج القسري: يحدث هذا النوع من الزواج عندما لا يدخل الفرد في الزواج بموافقة حرة وكاملة. وتصنف “الاتفاقية التكميلية لإبطال الرق” لعام 1956 أي ممارسة يتم فيها “وعد امرأة أو التخلي عنها، دون أن يكون لها الحق في الرفض، من أجل الزواج نظير دفع مبلغ من المال أو مقابل عيني لوالديها، أو الوصي عليها، أو الأسرة أو أي شخص آخر أو مجموعة” بأنها عمل غير قانوني. كما تحظر الاتفاقية تنازل الزوج عن زوجته مقابل مبلغ من المال، وتحظر أيضاً الاستيلاء على إرث المرأة بعد وفاة زوجها. وعلى الرغم من أن التعريف لا ينطبق إلا على النساء والفتيات (اللاتي يتحملن العبء الأكبر من الزواج بالإكراه) إلا أن هناك دعوات لأن يشمل هذا الرجال والفتيان أيضاً.

استرقاق الأطفال: استرقاق الأطفال واستغلالهم، بما في ذلك استخدام الأطفال في الصراعات المسلحة، هو صنف آخر من الأصناف الشائعة للرق المعاصر. ويشمل أسوأ أشكال عمل الأطفال، وفقاً لتعريف منظمة العمل الدولية، بيع الأطفال والاتجار بهم، والعمل القسري، والعبودية والاستخدام الإجباري للأطفال في الصراعات المسلحة. وفي هايتي، يتم إرسال الأطفال من الأسر الريفية إلى المناطق الحضرية للعمل كخدم في المنازل لمساعدة الأسر الأكثر ثراءً، وقد يتعرضون  في مثل هذه الحالات للاستغلال. ويشير المؤشر العالمي للرق إلى أن طفلاً من بين كل 10 أطفال في هايتي يتعرض للاستغلال.

وفي حين أن استرقاق الأطفال لا يزال يمثل مشكلة كبيرة، إلا أن عدد الأطفال العاملين في العالم قد انخفض إلى 168 مليون في عام 2012 مقارنة بـ 246 مليون في عام 2000، وذلك بحسب منظمة العمل الدولية.

العبودية: هي حالة يعتبر فيها شخص أو مجموعة من الأشخاص ملكاً لمالك العبيد وتمكنه من الاتجار بهم، لكنها أقل صور العبودية شيوعاً في الوقت الحاضر. وفي مثل هذه الحالات، يتحكم مالك العبيد في الضحايا وذريتهم، وبالتالي يصبح هؤلاء الأفراد في الغالب مستعبدين منذ الولادة.

وعلى الرغم من أنه قد تم أخيراً تجريم الرق في موريتانيا في عام 2007، وهو ما أدى إلى عتق رقاب الكثير من الناس، ولكن لم تتم إدانة سوى عدد قليل من ملاك العبيد بتهمة ممارسة هذه الجريمة. ولا تزال العبودية تمثل مشكلة خطيرة في الدولة، إذ تفيد تقديرات المؤشر العالمي للرق بأنه لا يزال هناك ما بين  140,000 إلى 160,000 عبد في موريتانيا. [http://www.thenewhumanitarian.org]

    إن سياق الحديث يلزمني ان لا اغفل هذا الباب مالم أسبر غور موضوعه لكي أصل الى كبده لأن بغيتي بعد ان عرضت تفاصيل العبودية أن أقول يمثل العبيد أو الرقيق ادنى درجة ومستوى من طبقة الدنيا من الدنيا لأنهم مملوكين كالسلعة التجارية المشتراة من السوق بسبب سلب كرامتهم وحريتهم وإنسانيتهم لا يتم التعامل معهم على انهم من البشر بل يباعوا كما تباع الأغنام والانعام ويتم شرائهم بنفس القيمة البخسة، أنهم يقابلوا فئة المنبوذين في الطوائف الهندية والطبقة الفرعية من الطبقة الدنيا في المجتمع الصناعي الحديث.

   لكن في العصر الحديث باتوا ضحايا العصابات الإجرامية الدولية المنظمة التي تقابل الأسياد في العصور الغابرة لا يتم تشغيلهم في تشييد الصروح والقلاع للحكام أو الملوك ولا يحصل ارسالهم الى المستعمرات الجديدة ولا يُستخدموا في الصيد بل يتم تسخيرهم في خدمة المنازل والزواج القسري والتجارة الجنسية لصالح العصابات الإجرامية الدولية.

  نستشف من العرض الآنف الذكر ان الحروب والقرصنة التي كانت تمارس السبي والتأسير والاختطاف تدل على تجبر وتسلط الأقوياء على الضعفاء لكن في الوقت الراهن ظهرت منظمات إجرامية دولية حلّت محل الحروب والقرصنة لتحصل على الضحايا من الضعفاء وبالذات من الأطفال والنساء والأقليات الدينية والعرقية تستخدمهم كعبيد أرقاء لها مستفيدة منهم كمصدر مالي لها دون أجور لهم حيث يتم الزامهم بالعمل في الزراعة والنوادي الليلية والزواج القسري والاتجار الجنسي مما حصّل تغير موضوع العبودية من التدرج الاجتماعي الى أحد مواضيع علم الإجرام الحديث.

   لكن لماذا تحصل العبودية في المجتمع الإنساني والإنسان (حيوان عاقل) و (حيوان اجتماعي) كما يسميه الفلاسفة القدامى؟ الجواب كالاتي: لقد ذكرت في سياق حديثي انها مرتبطة بالتملك وهي أحدى غرائز الإنسان البيولوجية مثل ان يملك قوة جسورة أو جاذبية أم مال أو سلطة أو عقار أو أيدي عاملة لكي يجني الثروة المالية والمنزلة المرموقة والصيت العالي والمحترم والسلطة المتنفذة المقترنة بالشعور الحاكم على الناس التابعين له لأنه في مجتمع ويتفاعل مع افراده، لذا فإن الرغبة في التميز والتفوق تكون عنده ممثلة دافعاً قوياً لكي يرتفع في أعين المحيطين به وان لا يحطوا من قدره وقيمته عندئذٍ تدفع كوامنه ومؤهلاته وكفاءته ومهاراته لتسخيرها لكي يرتقي أو يرتفع على درجات الحراك الاجتماعي ويكون أحسن من غيره لذلك يدلف الى مدار التملك حسب مهارته وهناك تكون الحاجة الاجتماعية مصدراً للتملك، فإذا عاش في مجتمع صراعي فإن حاجته للقوة والتغلب تكون ملّحة وضرورية ومنها يحصل على العبيد من الأسرى ويستغلهم في خدمته وراحته ورفاهيته.

   أما العصابات الإجرامية العابرة للحدود (الدولية) فإنها تتحين الفرص لكل أزمة تحصل في أي بلد لكي تحصل على عدد من الضعفاء والمضطهدين في مجتمعات فيها صراعات وحروب وتمييز عرقي لتتحايل عليهم في تهريبهم الى دول أخرى واستغلالهم لكي تتربح منهم وتحويلهم الى مصدر للاغتناء وهنا لا يتم مراعاة المشاعر الإنسانية أو الأخلاقية بل الأساليب التجارية والاحتيالية فالضعيف والمضطهد والأقلي والفقير مالياً يقع في شباك مصائد المجرمين المحترمين والمنظمين ليتم تحويلهم الى عناصر استثمارية مربحة.

   إذن الاسترقاق أو العبودية لا علاقة لها بالثقافة الاجتماعية ولا التقدم التكنولوجي والعلمي ولا التمدن بل مرتبطة بغريزة التملك البشري عن طريق التهريب البشري أو انهيار أنظمة سياسية أو حصار اقتصادي أو حرب أهلية أو تمييز عرقي أو طائفي عندها ينبري محترفي الإجرام الدوليين لاقتناص ضحايا هذه الاحداث وأخذهم الى مجتمعات أخرى للاستثمار بهم في مشاريع غير إنسانية لا تقيم وزناً لكرامة الإنسان أعني أشبه بما كان العبيد أبان الإمبراطوريات البائدة (اليونانية والرومانية).

   أخيراً أدلف الى تناول أنواع الاسترقاق كما يراها علماء الاجتماع وهي:

 أنواع العبودية والاسترقاق

تعاني المجتمعات الفقيرة من العديد من المشاكل الاجتماعية مثل المجاعة والأمية والاسترقاق. ففي عام 1833 تخلصت بريطانيا من الاسترقاق وتبعتها الولايات المتحدة الامريكية في عام 1865 وكان هناك 12.3 مليون رجل وامرأة و 215 طفل يعملوا بالأعمال الخطرة. هذه مجرد معلومة عن البلدان الغنية التي كانت تمارس الاسترقاق مع افرادها لكنها تخلصت منه. إنما على الصعيد العالمي هناك معاداة صريحة للاسترقاق الذي أخذ الاشكال والألوان التالية وهي:

1 – رقيق العبيد Chattel slavery: الذي يعني تملك العبيد وهذا منافي للقوانين في كل أرجاء العالم إذ وقع الملايين من الأفراد على عدم بيع وشراء الأفراد المنحدرين من طائفة معينة أو عرق خاص. بمعنى ضد استعباد الإنسان للإنسان. لكن مع ذلك فما زالت بعض الدول الأسيوية والشرق الأوسط وأفريقيا مثل موريتانيا التي فيه 500.000 فرد مستعبد وهذا العدد يمثل بحدود 20% من الحجم السكاني لموريتانيا. وانه من نافلة القول ان الفرد المستعبد يكون ملك للمستعِبد ليس له الحق في تملك نفسه ولا رعاية أطفاله.

2 – العبودية المفروضة Slavery imposed: هذا النوع من العبودية يكون مفروضاً من قبل الحكومة، بمعنى أنها تفرضه على المجرمين كعقوبة عندما تحتاج للأيدي العاملة للعمل في اشغال خدمية خاصة بها. فالصين مثلاً تفرض الاسترقاق على المدمنين على المخدرات والمنخرطين بالأعمال الجرمية وعلى المومسات كذلك كوريا الشمالية تفرض الاسترقاق على مواطنيها على اية سبب تراه مخالفاً لأوامرها.

3 – استرقاق الأطفال في الأسر الفقيرة Child slavery هذه الأسر الفقيرة تُلزم أطفالها بالعمل في الشوارع والساحات العامة والأسواق الشعبية ليقوموا ببيع السلع البسيطة والمفردة أو تقديم اعمال خدمية مثل غسل السيارات أو تنظيف المباني أو حمل المشتريات للزبان في الأسواق حيث هناك بحدود 215 مليون طفل يعمل في الشوارع منهم ما يقارب 115 مليون بنت تعمل في اعمال خطرة. وفي عام 2011 صرحت وزارة العمل في الولايات المتحدة بوجود (130) صناعة يعمل فيها الأطفال مثل مصانع الأقطان والتبغ وقصب السكر والقهوة.

4 – عبودية الديون Debt bondage التي تعني ان العامل يستلم راتب أقل من الجهد الذي يبذله في العمل مثل تقديم الطعام والسكن مع دفع أجور ضئيلة له. تحصل هذه العبودية في مجتمعات ذات دخل واطئ يمكن تسميتها بعبودية العمل الرخيص.

5 – عبودية الزواج القسري Servile forms of marriage: أي أجبار البنت من قبل اسرتها بزواجها من شخص لا تختاره هي يعني اقهارها واخناعها عنوةً مما يعبر عن اذلالها والتعامل معها وكأنها سلعة لا رأي لها هذا النوع من الزواج يمارس في الهند وتايلاند وبعض المجتمعات الأفريقية التي فيها أسر ترغم بناتها على الزواج من شخص لا تختاره هي او ليس لها رأي في زواجها مما يجعل هذه الزيجة تنتهي بالعمل الاسترقاقي للزوجة في أسرة زوجها أو تجبر على ممارسة البغاء. فهو أي هذا الزواج يكون محقراً لكرامة البنت ووجودها كإنسانة.

   فضلاً عما تقدم هناك نوع أخر من الاسترقاق الذي يحصل في عملية الاتجار بالبشر human trafficking التي تقوم بنقل الرجل أو المرأة أو الطفل من موطنه الى بلد أخر لاستخدامه في اعمال قسرية وغير إنسانية سواء كان للرجل أو النساء أو الأطفال حيث يتم جلبهم الى مدن وبلدان جديدة عليهم موعدين بوعود كاذبة ومغرية في الحصول على اعمال يحلموا بها لكنهم عند جلبهم للبدان الأخرى يتم اجبارهم على ممارسة البغاء أو بيع المخدرات أو القيام بأعمال خدمية أو خطرة ثم هناك حالات أخرى يقوم الأبوين بتبني أطفال من بلدان غير بلدهم من أجل اجبارهم على القيام بأعمال في محلات ذات sweat shops اعمال شاقة وكادحة بأجور منخفضة وفي أجواء غير صحية. هذا النوع من الاسترقاق تقوم به عصابات إجرامية دولية منظمة تجول انحاء العالم وإزاء هذه المشكلة اللاإنسانية صاغت الأمم المتحدة في عام 1948 قانون خاص بحقوق الإنسان يمنع فيه الاتجار بالأفراد.

الطائفة الدينية والعرقية

 للطائفة نسقاً فرعياً ويُحدد فيه درجاتها ذات التوجه الديني أو العرقي الثابت والمحدد والمتصلب لا يقبل التغيير ولا التطوير لأنه موروث عن الاسلاف ويمثل الثقافة التقليدية خير مثال على ذلك المجتمع الهندي المتكون من أربعة طوائف دينية رئيسية يُطلق عليها Varnas ثم هناك طائفة دينية خامسة تمثل المنبوذين المطرودين من الطائفة الهندوسية لخرقها تقاليديها ونظمها يُطلق عليهم out caste يعني لا طائفة له بل يشار اليه بالنجس untouchable أقول طائفة النجسين لأنهم في نظر الطوائف الهندوسية الأخرى يُعد وضيعين وقذرين ليس لهم مكانة على درجات النسق التدرجي. بمعنى انهم أدنى طائفة يحضر الاتصال بهم لأنهم يمتهنون عمل حرق الموتى وإزاء ذلك تكون مكانتهم الطائفية موروثة ascribed status يحصلّوا عليها عن طريق ولادتهم في أسرهم من والديهم. علاوة على ذلك فإن هذه الطائفة تميز افراداها بشكل متباين وليس بتعامل واحد فمثلاً سائق السيارة الفارهة والجديدة (وهو من المنبوذين) يتمتع باعتبار اجتماعي طائفي أعلى من سائق السيارة للأجرة وهو من المنبوذين والأخير له اعتبار اجتماعي طائفي اعلى من سائق التكتك. هذا النبذ الاجتماعي الموصوم بالنجاسة يقابله باقي الطوائف الهندية بامتلاك حدود طائفية بارزة وواضحة بل تكون عضوياتهم محددة لحرف وصناعات واعمال خاصة بالطائفة كذلك تقنن زواجهم من نفس الطائفة وليس من خارجها. هذا التحديد المقنن له ادوار وظيفية دينية.

   جدير بذكره في هذا السياق عن النسق الطائفي الحاد والصارم لم يبقى على جموده وتعصبه وصرامته وذلك بسبب: –

1 – صدور قانون هندي عام 1950 عالج فيه طائفة المنبوذين حث فيه الهندوس على عدم التعصب ضدهم حيث كان المجتمع الهندي قبل ذلك الحين يستبعدهم من الدخول الى المعابد والمدارس والوظائف العامة.

2 – عمل المرشحين للانتخابات السياسية والبلدية في المدن الهندية على استقطاب المنبوذين والدفاع عنهم وإزالة الحيف عنهم.

3 – توسع عمليات التحضر والتصنيع في المدن الهندية التي احتاجت للأيدي العاملة الرخيصة فجذبت المنبوذين من مناطقهم الزراعية للاستيطان في هذه المدن التي لا تلزم بالتعصب الطائفي في التعليم والعلاج الطبي في المستشفيات والعمل في المصانع واستخدام المواصلات العمومية.

4 – تقبل الطوائف الأخرى هذا الانفتاح على المنبوذين،

5 – وصل بعض المنبوذين الى بعض المناصب العليا في الحكومة الهندية مما شجع باقي المنبوذين على إزالة التعصب ضدهم.

   جميع ذلك عمل على عدم التمسك بشدة بالتعصب الطائفي معهم فصغرت الفجوة فيما بينهم.

  جدير بذكره في هذا المقام الى ان عند مقارنة المنبوذين مع العبيد – الرقيق نجد ان المنبوذين تم وصمهم من قبل أبناء مجتمعهم ودينهم وعرقهم، بينما العبيد تم وصمهم من قبل مجتمعات غير مجتمعهم وليسوا من عرقهم ودينهم. ثم تمت ممارسة الظلم والجور والتعذيب الجسدي وتشغيلهم بإشغال شاقة والاتجار بهم والخدمة من قبل افراد من غير مجتمعهم، بينما المنبوذين تم استثنائهم واستبعادهم دون استعبادهم فلم يمارس الهنود التعذيب الجسدي عليهم أو تشغيلهم بأشغال الشاقة. كلاهما يقعا على نفس الدرجة المنحطة على التدرج الاجتماعي وكلاهما خضعا ويخضعا لعدم المساواة أو الاستواء الاجتماعي ولم يتم التعامل معهما على انهما من البشر. إلا انهم يتشابهوا في زواجهم الداخلي من نفس الطائفة أو الطبقة وامتهانهم مهن حقيرة ومنعهم من التسجيل والدراسة في المدارس أو العلاج في المستشفيات واستخدام المواصلات العامة. يعني الأدنى يبقى الأدنى لا يسمح له بالصعود على السلم الاجتماعي العمودي بل الأفقي (مع بعض الاستثناءات الفردية).

تعج الهند بالكثير من الأديان والمعتقدات، ولم يتمّ التعرّف حتى هذه اللحظة على الديانات الهنديّة التي سبقت الديانة الفيديّة، ولم تكن الديانة البوذيّه هي طليعة الديانات على تلك الأرض بل سبقتها دياناتٌ عدّة ومختلفة لم يتمّ التعرف منها إلا ما وجد في العصر الفيدي، وتتوزع الهند ما بين طوائفٍ عرقيّة ودينيّة بحيث يحمل كلٌ منها تاريخاً غنياً ثرياً بالأحداث والجذور العميقة القديمة قدم الإنسان نفسه.
الطوائف العرقيّة تقسم هذه الطوائف إلى : الدرافيديّة: هي ديانة برهميّة، أخذت كلمة فيدا من اللغة السنسكريتيّة وتعني علماً أو معرفة أو قانوناً، ولهذا الدين كتبٌ أربعة سميت أناجيل البراهمة، وتختلف الآراء في الفترة التي وجدت أو وضعت فيه تلك الأناجيل، وهي مؤلفة من أسفارٍ أربعة، وهي: الساما فيدا. الريجا فيدا. الأثارا فيدا. الباجورا فيدا. قد أطلق على تلك الديانة اسم (الهندوكيّة)، لكنّ المنتمين للديانة يستخدمون كلمة دراما للتعريف عن ديانتهم، والتي تعني التفكير والحياة أو نهج الحياة. يعتبر الفيديّون من أقدم الشعوب التي استوطنت شبه القارّة الهنديّة، ويعتقد بأن يكونوا من شعوب البحر الأبيض المتوسط  ذوي البشرةِ السمراء، وقدموا إلى الهند من الجهة الشماليّة الغربيّة، حيث عملوا على تأسيس حضارةٍ مدنيّةٍ هناك وتحديداً في وادي نهر السند والتي ازدهرت سنة ألفين وخمسمئةٍ قبل الميلاد. الآريّة: وصلت إلى الهند عن طريق البنجاب سنة ألفٍ وخمسمئةٍ قبل الميلاد، ووصلت أولى القبائل الآريّة على الأرجح من المناطق الواقعة إلى الجنوب من روسيا واستوطنت الهند، وقد تميّزت عن الشعوب الأصليّة التي تقطن المنطقة بلون بشرتها الفاتح، والتنظيم الاجتماعي الذي كانت تتبعه وتقدمها في آليّة استخدام الأدوات الزراعيّة والصناعيّة، بالإضافة لما ذكر فهناك عددٌ من العرقيّات الصغيرة الأخرى والتي لا تتجاوز في انتشارها الثلاثة بالمائة من سكان الهند. الطوائف الدينيّة تقسم إلى: –

 الهندوسيّة: تعتبر من أقدم الديانات الهنديّة وأوسعها انتشاراً، ويقسم الهندوس إلى ثلاثة أقسام أو جماعات، هي: عبدة الآلهة شيفا، وعبدة الآلهة فيشنا، وعبدة الآلهة شاكتي. لهذه الديانة عددٌ من الجماعات والفرق، وكل منها شكلت عبادة خاصة بها، وتقوم الحياة الاجتماعيّة لأتباع هذه الديانة على نظامٍ قديم في الهند يطلق عليه فارنا أو الطبقات، وبناءً عليه فإنه يتمّ تقسيم المجتمع إلى عدد من الطبقات، هي: الطبقة البيضاء (البرهميين) وتضمّ العلماء والقساوسة. الطبقة الحمراء (الكاشتري) وتضم الإداريّين والجنود والحكّام. الطبقة الصفراء (الفيزيّـــة) وتضم التجار والمزارعين والفلاحين. الطبقة السوداء (الســودرا) وتضم العمّال المهرة كالنساجين والخزافين والخدم وصانعي السلال. (الشودرا) وتضم القائمين بالخدمات الدونيّة، ويعرف هؤلاء أيضاً بالمنبوذين.

البوذيّة: هي ثاني أقدم ديانة في الهند، وتعتبر حركةً دينيّة إصلاحيّة أبصرت النور في القرن السادس قبل الميلاد بالتزامن مع ظهور أوّل إمبراطوريّة هنديّة وهي إمبراطوريّة موريا، وقد أصبحت البوذيّة هي الديانة الرئيسيّة في الهند، وقد اختلطت مظاهرها بالهندوسيّة.

الجينيّة: تعتبر واحدة من الديانات المنتشرة في الهند، لكنّ عدد أتباعها قليلون، وقد كان قيام هذه الديانة في وقت ثورة الطبقة المحاربة على طبقة البراهمة لسيطرتهم واستحواذهم على كافة الامتيازات في البلاد، فقام مهاويرا الذي ينتمي إلى الطبقة المحاربة بتأسيس الديانة الجينيّة التي تختلف عن الديانة الهندوسيّة البراهميّة، وعلى وجه الخصوص في طريقتهم في التقسيم الطبقي للناس، بالإضافة لعدم الاعتراف بالآلهة الهندوسيّة ولا بموضوع تناسخ الأرواح. دعت الديانة الجينيّة إلى التجرّد من شرور الحياة وأنانيتها وشهواتها، حتى تصل النفس الإنسانيّة إلى حالةٍ من الجمود والخمول فلا تشعر بعدها بأي أمرٍ يحدث حولها. كما وأن لها إسهامات لا يستهان بها في التراث الهندي العقلي والثقافي.

الإسلام: دخل الإسلام على الهند في القرن الحادي عشر للميلاد، حيث قدم من إيران، وآسيا الوسطى، وأفغانستان، حيث توجه الحجاج بن يوسف بحملةٍ قويّة إلى الهند بغرض فتحها، وقد ترأس تلك الحملة ابن أخيه محمدٍ بن يوسف الثقفي، واستطاع من خلالها ضم العديد من الأجزاء الهنديّة.

السيخ: تعني كلمة السيخ (التابع)، وهذا المعنى يعرّف بهدف الديانة التي تتبع تعاليم عشرة من المعلمين الروحيين، ويحتوي الكتاب المقدّس للسيخ على تلك التعاليم. المسيحيّة: انتشر الدين المسيحي في الهند بعد دخول الإنجليز إليها وتردد البعثات التجاريّة القادمة من الغرب، ويكثر معتنقو الدين المسيحي في جنوب الهند بشكلٍ خاص أكثر من الشمال، ولا يعني انتشار الدين المسيحي في الهند من قبل الإنجليز بأنه لم يكن موجوداً في السابق. يشكل عدد المسيحيين في الهند ما نسبته 2.3% من المجموع العام للسكان في الهند يقطن معظمهم في المناطق الحضريّة من البلاد، والتركيز العالي لهم في ولايات كيرالا، وتاميل نادو، وجياو، بالإضافة لهذا فإن المسيحيين يشكلون الغالبيّة العظمى في عددٍ من الولايات الصغيرة الواقعة في شمال البلاد وهي ميغالايا، وناجلاند، وميزورام. [https://mawdoo3.com]

الطبقة الاجتماعية Social class

   هي مستوى اجتماعي مُقام على قاعدة اقتصادية له خصائص تمنحه التأثير على الحراك الاجتماعي. انها (الطبقة) نقيض نسق الاسترقاق وعكس الطائفة من حيث الحدود. بمعنى ان حدود العبودية والطائفية مغلقة ومانعة لأفرادها بالخروج منها بينما حدود الطبقة تكون مفتوحة وغير ممانعة لأفرادها بالخروج منها عندما يريدوا التحول من مستوى اجتماعي معين الى أخر مع ذلك فإن النسق الطبقي محافظ على استقراره المتدرج وانماط تقسيمه الطبقي، فضلاً عن تميزه بعدم المساواة في الثروة والنفوذ.

   علاوةً على ما تقدم يرى البعض أن الدخل المالي هو المعيار الأكثر مقياساً في تحديد المستوى الطبقي لأفراد المجتمع لا سيما وان الاقتصاد هو القاعدة الكبرى للتميز الطبقي. لكن هناك عالم اجتماع امريكي معاصر (دانيال روسيدس Danial Rossides) عام 1997 قدم نموذجاً طبقياً يصف فيه النسق الطبقي في المجتمع الأمريكي متألف من خمس طبقات وهي: الطبقة العليا، والطبقة العليا من الوسطى والطبقة الدنيا من الوسطى والطبقة العاملة والطبقة الدنيا. لا توجد بينهم حدود فاصلة وقاطعة مثلما موجودة بين الطوائف الدينية والعرقية علماً بإن هذا النموذج يرينا ان الدخل وحده غير كافٍ في تحديد الطبقات بل هناك معايير أخرى. وبشيء من التفصيل نشير الى انطواء تصنيف (روسيدس) على ما يلي: الأثرياء جداً يمثلون نسبة تتراوح ما بين 1 و2% من حجم السكان الأمريكي محتلين الطبقة العليا اعضاءً في نوادي خاصة بهم ومتآلفين في دائرة اجتماعية تجمعهم. على نقيضهم أعضاء الطبقة الدنيا التي حجمها يتراوح بين 20 و25% من المجتمع الأمريكي تضم اعراقاً مختلفة تجمع بين الزنوج واللاتينيين (من أمريكا اللاتينية) ومن الأمهات العازبات يعيش معهم أطفالهم ويعملوا أبناء هذه الطبقة بأعمال منظمة غير متقطعة لكن أجور عملهم واطئة – متدنية وفي ضوء ذلك تكون هذه الطبقة ينقصها الدخل والثروة وبالتالي أنها غير مؤثرة أو ضاغطة على الهيئة السياسية من السياسيين بسبب كونها لا تملك ثروة ولا هم من أصحاب الدخول العالية والاعمال الرفيعة المستوى.

   إن سياق الحديث يلزمني أن أقول بإن كلا الطبقتين المتباعدتين على تدرج السلم الاجتماعي العام (الأمريكي) يعكسا أهمية المكانة الموروثة أو المنسبة (أي المأخوذة من الخلفية التاريخية للأسرة أو العشير أو العرق أو القومية أو الإقليمية) والمكانة المكتسبة. فالثروة والمنصب والنفوذ يخضعون لهاتين المكانتين فأفراد المكانة الموروثة يأخذوا هذه المكاسب الثلاثة (ثروة، منصب، نفوذ) دون عناء أو تقديم خدمات أو توفر كفاءة معينة أو امتلاك مهارة وجدارة خاصة على عكس أصحاب المكانة المكتسبة التي يكتسبها الفرد بجهده وكفاءته ودراسته ومهارته دون الحاجة الى الاعتماد على مكانة أسرته أو عشيرته أو عرقه أو قوميته. ففي المجتمع الزراعي – الريفي تكون المكانة الموروثة سائدة فيه وحراك شاغلها يسير بالاتجاه الأفقي لا العمودي (أي ابن الاقطاعي يورث مكانته الاقطاعية من والده وابن الفلاح يظل فلاح لا يسمح له بالصعود الى مكانة أعلى) بينما المجتمع الحضري والصناعي تسوده المكانة المكتسبة عن طريق المهارة والخبرة والاجتهاد الشخصي.

    وفي هذا الباب هناك عالم اجتماع حديث اسمه (ريتشارد جينكنس Richard Jenkins عام 1991) أوضح بإن أصحاب المكانة الموروثة وبالذات أبناء الأقليات العرقية يكون موقعهم في أدنى درجة من درجات السلم الاجتماعي والمهني وتكون أجورهم زهيدة حتى ولو كان عملهم متميزاً أو ذا انجاز عالٍ لأنه ورث مكانته من خلفيته الأسرية وأصوله العرقية. أي ان عرقه يؤثر سلباً على موقعه التدرجي حتى ولو كان من المتميزين في العمل. هنا يكون عرقه الذي يمنحه المكانة المنسوبة – الموروثة معيقة لحراكه الاجتماعي ومعطلة لترقيته ومحجمة لأمور عمله.

   وما بين هاتين الطبقتين – العليا والدنيا – هناك طبقات حددها (روسيدس) في نموذجه الطبقي كلاتي الطبقة العليا من الوسطى والطبقة الدنيا من الوسطى وطبقة العمال، فطبقة العليا من الوسطى يتراوح حجمها المجتمع الأمريكي ما بين 10 لغاية 15% معظم افرادها من المهنيين في المهن الطبية والقضائية والهندسية المعمارية وغالباً ما يشتركون ويساهمون في الأنشطة السياسية بشكل مكثف ويمارسوا الأدوار القيادية في التنظيمات التطوعية.

   أما الطبقة الدنيا من الوسطى التي يتراوح حجمها ما بين 30 و35% معظم افرادها من المعلمين في السلك التربوي الابتدائي ومن الممرضات وملاك الاعمال الحرة الصغيرة ومن الموظفين الصغار في مسؤولياتهم التنظيمية معظمهم لا يحملوا الشهادات الجامعية لكنهم يرسلوا أبنائهم اليها.

   أما الطبقة العمالية فقد حددها (روسيدس) على ان حجمها يتراوح ما بين 40 و45% اغلبهم من العمال اليدويين وبعضهم من عمال الكهرباء الذين تكون اجورهم أعلى من أجور افراد الطبقة الدنيا من الوسطى ولها باع طويل في الأنشطة والحركات العمالية. لكن حصل تحول من هذه الطبقة إذ بدأوا يعملوا في وسائل المواصلات الناقلة والشاحنة للسلع والبضائع. [Schaefer. 2003. Pp. 215 – 216]

   ومن نافلة القول إن هذا التصنيف الطبقي (لروسيدس) قال لنا بإن أصحاب المكانة الموروثة – المنسبة لا يستطيعوا ان يكسبوا المكانة المكتسبة المبنية على الإنجاز والكفاءة والخبرة المهنية. معنى ذلك ان المجتمع الأمريكي مجتمعاً عنصرياً متعصباً ضد الأقليات ومنحازاً لصالح افراد المكانة المكتسبة وتعني ايضاً ان الطبقية تتماشى مع العنصرية ومع الحراك الاجتماعي الافقي لكنها تتنافر مع الحراك الاجتماعي الهابط.

   لكن (روسيدس) ربط الطبقية بالدخل والمهنة فقط ولم يفسرها بامتلاك وسائل الإنتاج وفقدانه وذلك لكي يميز عمله عن عمل (كارل ماركس) ونظريته الاجتماعية لكن مع كل ذلك فإن (روسيدس) قدم الملامح العامة والرئيسية للطبقة الاجتماعية الأمريكية.

2 / ح – معايير قياس الانتماء الطبقي

   غالباً ما يقيم الأفراد مستواهم وانتماءهم الطبقي من خلال اناقة ملابسهم وسعة مسكنهم وتنوع طعامهم ونوع سيارتهم والمحلات التجارية التي يتسوقوا منها لكي يظهروا أمام اصدقائهم ومعارفهم. لكن هذا التقييم ذاتي وشخصي وليس موضوعي الذي يعتمد عليه علماء الاجتماع في دراستهم للتدرج الاجتماعي لأن المنهج الموضوعي يستخدم معياراً هادفاً ومتجرداً من التحيز لا علاقة له بالحالة المدروسة. نبدأ اولاً بالمعيار الموضوعي: يقيس هذا المعيار موقع الطبقة على التدرج الطبقي من خلال استخدام الأساليب الإحصائية ذات المصنفات المحددة مثل نوع المهنة، التحصيل الدراسي ومستواه، كمية الدخل المالي، مكانة الإقامة هذه هي مفاتيح المعيار الموضوعي التي بواسطتها يستطيع الباحث تحديد الانتماء الطبقي للفرد المبحوث وموقع طبقته على التدرج الاجتماعي.

   يبدأ الباحث الاجتماعي عمله في قياس الانتماء الطبقي من تحديد المؤشرات الدالة على انتماءه وعبرها يتوصل الى صيته أو اعتباره الاجتماعي Prestige الذي يحصل عليه الفرد من خلال اشغاله موقعاً مهنياً الذي يكون أكثر دقة من معيار الدخل أو الثروة لأن دلائل الصيت تشير الى الاحترام والتقدير والاعجاب في اتقان عمله في مهنته.

ثم هناك التثمين المبجل Esteem الذي يشير الى السمعة الحسنة والمكانة المرموقة وذا قيمة عالية الأداء المهني فالحلاق مثلاً له تثمين مبجل عند زبائنه لكنه لا يملك نفس التثمين عند الأطباء أو المحامين الذي لا يكونوا زبائن عنده.

   ومن أجل استجلاء عما تقدم ومن باب التحديد الدقيق نقول نستطيع تحديد الانتماء الطبقي للفرد لا من خلال حكمه على نفسه ولا من خلال دخله المالي أو ثروته بل من خلال صيته الاجتماعي المستخلص من اداءه في عمله المتضمن تقدير واعجاب المراجعين لعمله والعاملين معه ورئيسه المباشر هذا بدوره يرفع من تثمينه بشكل مبجل. هذه المواصفات (الصيت والتقدير والاعجاب) هي احدى معايير تحديد الانتماء الطبقي للفرد يعني انه معيار معنوي – اعتباري وليس مادي أو مالي.

الصيت المهني والنوع الجنسي (الجندري)

لعدة سنوات أهملت الدراسات الاجتماعية مهنة المرأة ودخلها المالي في تحديد مستواها الاجتماعي. لكن في عام 1978 قامت كلٍ من “ماري باويرس وجوان هو لمبريغ” بدراسة شاملة لـ (589) مهنية اختبروا فيها مشاركة المرأة في سوق العمل وهي أجورها معتمدين على مكانة مهنتها. وجدت هذه الدراسة بإن هناك مهن تسودها النساء فقط مثل السكرتارية المكتبية ورعاية الأطفال والتعليم الابتدائي والعاملات الاجتماعيات جميعها أدت الى ارتقاء عام لمكانتها وانتماءها الطبقي. ثم جاءت المنظمات الانثوية العالمية لتعزز مكانتها (أي مكانة المرأة) في سوق العمل فأثرت على الأمم المتحدة في دعمها للمرأة عالمياً فظهرت دراسات حول مشاركة المرأة في ميزانية الأسرة مع زوجها التي تؤدي بالتالي الى رفع مكانتها الطبقية وعكست دورها في الاقتصاد والسياسة، لذلك تم اعتبار الصيت المهني للمرأة معياراً موضوعياً يمكن استخدامه في دراسة صيت المرأة في العمل معتبراً هذا المقياس شارحاً مشاركة المرأة في الاقتصاد وفي سوق العمل لقياس الانتماء الطبقي. بمعنى عندما تساهم الزوجة في ميزانية الأسرة مع زوجها من خلال عملها خارج المنزل فإن ذلك يعتبر انتماءً طبقياً لها ولزوجها ويزيد من صيتها. إذ ان خروج المرأة للعمل في سوق العمل الأوروبي والأمريكي دفعها للسيطرة على العديد من المهن التي كان يشغلها الرجل فحصلت على صيت (اعتبار اجتماعي) عالٍ من خلال سيطرتها هذه ومن خلال مساهمتها في رفع مستوى معيشة اسرتها. فكلما توسعت وتنوعت اعمال المرأة رفعت من انتماءها الطبقي والعكس صحيح.

والمقاييس الموضوعية الأخرى التي تم استخدامها في قياس الانتماء الطبقي هي المقاييس الإحصائية والأجهزة والبرامج الحاسوبية (الكمبيوتر) إذ لم يبقى علماء الاجتماع مركزين اهتمامهم على معايير الدخل السنوي والمستوى التعليمي في تقييم الانتماء الطبقي للفرد بل استخدموا الان قيمة السكن المسكون فيه ومصادر الدخل والمملوكات الموجودة وعدد سنين الخدمة في المهنة ونوع الخبرة.

   هذا من جانب ومن جانب أخر فإن اهتمام علماء الاجتماع بات مكموناً في اختلاف الافراد في نفوذهم وصيتهم الاجتماعي وفرص عيشهم في المجتمع من أجل معرفة عدم استواءهم الاجتماعي أكثر من دراستهم بالتدرج الاجتماعي لأنه تم دراسته من الأوائل علماء الاجتماع واشبع بحثاً جاء الان دور الجيل الجديد من لباحثين الاجتماعين لدراسة عدم الاستواء الاجتماعي الناجم عن التدرج وما يطرح من اختلاف نفوذهم وصيتهم وفرص عملهم. هذه خطوة جديدة تمثلت في اهتمامات علماء الاجتماع التي لم تنحصر ولم تقتصر على دراسة المستويات الطبقية المختلفة بل على ما هو مستجد في نتائجها وتأثيراتها على الحركات الاجتماعية والتغير الاجتماعي.

   زبدة القول: لا يمكن قياس طبقات المجتمع بشكل كيفي بل بشكل كمي – احصائي ليس للدخل السنوي للفرد كما كان في السابق بل من خلال تحديد مفهوم (الانتماء) المستخلص من الصيت (الاعتبار والوجاهة الاجتماعية) المتضمن احترام وتقدير واعجاب الناس بعمل الفرد وعلاقته بالناس ثم هناك معيار الأداء المهني سواء كان للرجل أو للمرأة التي حصلت على تقدير أعلى من السابق من خلال عملها خارج المنزل لرفع مستوى اسرتها الى مستوى طبقي أرقى. ثم هناك استخدام قيمة السكن ومصادر الدخل ونوع الممتلكات وعدد سنين الخدمة في المهنة ونوع الجيرة كلها مجتمعه لتكون معايير لقياس الانتماء الطبقي في الوقت الراهن ولم يستعمل علماء الاجتماع معيار السلطة (السياسية أو العسكرية أو الأمنية) كمعيار لقياس الانتماء الطبقي. لأن قياس الانتماء الطبقي لا يحدد عدد درجات الطبقات على السلم التدرجي بل لتحديد عدم الاستواء الاجتماعي بين الأفراد واختلاف نفوذهم وصيتهم وفرص عملهم الذي كان مفقوداً في الدراسات السابقة عن التدرج الاجتماعي. أخيراً أقول ان قياس الانتماء الطبقي لا يقيس التدرج الاجتماعي بل يدرس ما يفرزه من اختلاف مؤثرة على الحياة الاجتماعية.

2 / خ – عدد الطبقات الاجتماعية

  من أبرز الأسباب التي تسبب وجود الطبقات الاجتماعية هي عدم المساواة في توزيع الثروة داخل المجتمع التي تعكس علاقة غير متوازنة بين الأغنياء والفقراء لأنها تعمل على هيمنة مالكيها على فاقديها فتجعل الأخيرين تابعين للأولين (أي لمالكي الثروة) ولا تمنحهم الحرية من صعودهم على السلم الاجتماعي. بمعنى تجعل حراكهم الاجتماعي بطيئاً ومحدداً ومقنناً الذي بدوره يدعم النظام الرأسمالي في المجتمع. لكن هذه الطبقات لا تبقى محافظة على تماسكها الطبقي بل تنقسم داخلياً الى اقسام جزئية مراعةً لمصالحها الاقتصادية مثال على ذلك داخل الطبقة البرجوازية هناك الصناعيين ورجال المال وأصحاب البنوك والتجار الكبار وهذا ما أفرز مجموعة جديدة من الماركسيين نقحوا مرئيات وطروحات ماركس التقليدية في الطبقات حصل هذا في أواخر القرن العشرين في المجتمع الرأسمالي، إذ أضافوا طبقة ثالثة للطبقتين التي طرحهما ماركس وهي البرجوازية وأشاروا الى الصراعات البينية بين فئات الطبقة البرجوازية بسبب ارتفاع مستوى المعيشة وارتفاع أجور العمال والاستثمارات العقارية رافضين التحكم والسيطرة على ايجار العقارات وأجور العمل فظهرت فئات تمثل المزارعين والتجار الصغار والحرفيين المستقلين والموظفين من أصحاب التخصصات المهنية الدقيقة ليس لهم انتماء طبقي.

   كذلك ظهر انقسام طبقي داخل الطبقة العمالية للعمال الذين يملكون مهارات مختلفة ومتنوعة ليس لها علاقة مباشرة بعملية الإنتاج مثل المتسولين والمشردين وأخرين يعيشوا بشكل غير قانوني يطلق عليهم Lumperiprdetariat يشعر هؤلاء بالاعتراف وهم مستقلين عن باقي الطبقات. ليس هذا فحسب بل هناك طبقة جديدة أخرى تضم موظفين من أصحاب الياقات البيضاء الذين يحتلون مواقع على التدرج البيروقراطي المؤسسي الرسمي الذي يبيعوا كفاءاتهم وخبراتهم لكي يعيشوا من خلال مساهمتهم في العملية الإنتاجية العلمية. ثم هناك طبقة خاصة بالأعمال الخدمية في المجال التعليمي والصحي والقضائي في المجتمع الرأسمالي أطلق عليهم اسم الرأسمالية الفرعية Sub capitalist التي تضم المحامين والمحاسبين ومدراء المال.

   معنى ذلك هناك طبقات جديدة في المجتمع الرأسمالي الصناعي عبر العملية والرأسمالية لا تبيع قواها العملية وغير منخرطين في عملية فائض القيمة وان عملها لا يساهم في عملية الإنتاج. بتعبير أخر انها لا تمثل الطبقة العمالية لأنها لا تنتج سلعاً فهي إذن تمثل طبقة جديدة.

   إذن عناك تدرج طبقي جديد برز في المجتمع الرأسمالي الصناعي يختلف عما طرحه ماركس يتضمن: –

1 – طبقة الموظفين البيروقراطيين (أصحاب الياقات البيضاء).

2 – طبقة أصحاب الخدمات المدنية (تعليمية وقضائية).

3 – طبقة المعدمين.

هذه الطبقات لا تمثل فائض القيمة لأنهم لا ينتجون سلعاً بل خدمات مهنية لكل افراد المجتمع وغير مستغلين من قبل الطبقة البرجوازية.

الفصل الثالث

ثنائيات تدرجية غير منسجمة

استهلال

3 / أ – عدم الاستواء بين الذكر والانثى

3 / ب – عدم استواء الغني والفقير

3 / ت – ثنائية علاقة الحاكم بالمحكوم

3 / ث – الفجوة الحداثية بين أبناء المدينة وأبناء القرية

3 / ج – تحكم العولمة في الاقلمة

3 / ح – طغيان الأغلبية على الأقلية وتغّول الأقلية على الأغلبية

3 / خ – الطبقة البرجوازية والطبقة البروليتاريا

3 / د – دول الشمال ودول الجنوب

3 / ذ – دول المركز ودول المحيط

3 / ر – مصادر تدرج الثنائيات

3 / ز – المخرجات الناتجة عن التدرج الثنائي غير المنسجم

الفصل الثالث

ثنائيات تدرجية غير منسجمة 

 

استهلال

من المواضيع الشائعة في علم الاجتماع القديم والحديث موضوع الثنائيات التي تمثل آلية منهجية لدراسة بعض أوجه الظاهرة الاجتماعية وبخاصة الوجه ونقيضه أو الوجه وبديله أو الوجه وقرينه لتعطي معلومات اجتماعي متقابلة لتمثل وجهي الظاهرة. وفي موضوعنا هذا يعني بها دراسة التدرج الاجتماعي (كظاهرة اجتماعية – قديمة وحديثة) لكن هذه الثنائية تنطوي على علاقة استعلائية واستغلالية واحياناً صراعية لكن لا توجد قطيعة بينهما إنما تظهر بسبب التغير السريع الذي يحدث في المجتمع وتناقض متغيراتها مثل المصالح والمواقع والأدوار والقيم الثقافية الموروثة وعدم تجانس افراد وفئات وطبقات المجتمع انها حالة تمثل عدم التجانس الاجتماعي. أعني عدم الاستواء الاجتماعي بسبب عدم تساوٍ أو تكافؤ مكانات الأفراد الاجتماعية على السلم الاجتماعي إذ وجد اختراق ذو مدايات متباينة في مسافاته الاجتماعية حيث تتحدد وتتقرر من قبل الدخل الاقتصادي والثروة والنفوذ الاجتماعي والتحصيل الدراسي والانتماء السياسي للفرد. فمكانات الأفراد لا تتساوى داخل المجتمع بل تتدرج حسب مكوناتها (دخل وثروة ونفوذ وما شابه) وهذا يعني ان علائق بعضها ببعض لا تكون من مستوى واحد بل مختلفة باختلاف درجات موقعها على السلم الاجتماعي وبالوقت ذاته لا تكون أدوارها واحدة بل تتأثر بموقعها على السلم الاجتماعي ايضاً فتوزيع المكانات الاجتماعية يحدد ويقرر حجم الاختلافات الاجتماعية ودرجتها. فكلما كانت المسافة الاجتماعية بعيدة بين المواقع الاجتماعية زاد حجم ودرجة الاختلافات الاجتماعية وعدم التكافؤ الاجتماعي في الان والعكس صحيح.

   فالاختلافات المتنوعة المتصفة بعدم التكافؤ والاستواء بين الأفراد والعوائل والمكانات ومواطن الإقامة والحجم السكاني والقوة والنفوذ، حالة سائدة كجزء من الطبيعة البشرية في بدائيتها وحضريتها وتقدمها الصناعي لأن الكل يريد ان يكون متفوق على الأخر عن طريق تملكه صفة جاذبه أو قوة نفوذية أو ثروة مالية أو اشغاله موقع وظيفي أو له نوع بيولوجي معين يمنحه الشعور بالتفوق والتنفيذ على الاخرين سواء كان ذلك على الاخرين من اسرته أو عشيرته أو جيرانه أو المجتمع الاخر. هذا التملك يدفعه للحصول على مصدر تملك اخر يزيد من تملكه الأول ولأن الأول يستولد تملك أخر لكي يبقى على تفوقه أو يزيد منه لا يرغب ان يضعف أو يقل في تملكه لما يملك إنما يبحث دائماً عن مسالك وطرق جديدة لزيادة تفوقه المالي والنفوذي أو العلمي وهكذا. فالثري يريد ان يملك نفوذاً وسلطة ونساء واعتبار اجتماعي وأبناء وأراضي وعقار لا طمعاً بها بل لكي يتكسب معنوياً منها ليوسع دائرة شهرته وصيته لأن الانسان لا يريد ان تسحقه مسيرة المجتمع بل يريد ان يبرز فيها ويخلد اسمه بين الناس حتى بعد مماته لأنه عارف بإنه زائل ومغادر الدنيا مع ذلك فإنه يصر على ان يكون معروف من قبل كل الذين يعيش بينهم.

    بعد هذا الاستطراد أدلف الى مدار عرض وشرح بعض الثنائيات المتدرجة في علم الاجتماع منها ما يلي:

3 / أ – عدم الاستواء بين الذكر والانثى

   تنطوي هذه الثنائية على عرض عدم المساواة المتكافئة بين الرجل والمرأة في حقوقهم وواجباتهم حيث تكون واجبات المرأة أضعاف مضاعفة على حقوقها، بينما يكون للرجل حقوق أكثر من واجباته بالمقارنة مع المرأة وذلك راجع الى الإرث الثقافي الذي يركز على السلطة البطريقية (سيادة الرجل على المرأة) وتربيتها على ان تكون مخلوقة غير مستقلة اقتصادياً معتمدة على الرجل في عيشها لقاء التزامها بتنفيذ أوامره ومنحه عواطفها له إنما ليس لها أي تأثير عليه، كل ذلك يجعلها خاضعة لضغوط اجتماعية صارمة ومتزمتة. وإزاء ذلك تكون خانعة وخاضعة للرجل الذي لم يكن مصدر ضعفها الجسمي أو الوهن البيولوجي بل وضعها الاجتماعي المتدني في المجتمع لذا باتت مستغَله وجعلها أدنى من الرجل في علاقتها معه سواء كان ذلك في الأسرة أو العمل أو اللعب او الأداء العلمي أو المناصب التنظيمية، معنى ذلك ان هذا التمييز والتفاوت المتفوق صادر من الإطار المرجعي الثقافي الذي دعمه وعززه الرجل في كافة مناشطه الأسرية والدينية والسياسية والثقافية والعلمية والتنظيمية. انه تدرج ثابت لم يحصل وان تفوقت المرأة على الرجل (باستثناء عصر سيادة المرأة قبل عدة قرون من الزمن) على الرغم من كونها منجبته امه واخته وشريكة حياته وابنته لكن مع ذلك فإنه يريد ان يبقى هو السيد المتسيد المطاع منها لا بدافع القوة الجسدية أو احتلال الثروة المالية بل بوجود عناصر ثقافته التي تدفعه نحو ذلك بذات الوقت تحث الانثى على ان تكون معتمدة عليه وخنوعه له وتمنحه عواطفها وترعاه وتخدمه منذ صغره لحين وفاته.

    أنها عبودية ثقافية واسترقاقيه اجتماعية طاغية في معظم مجتمعات العالم لدرجة انها تسلبها نسبها (في المجتمعات الغربية) حيث تجعلها تسقط لقبها الأخير ليحل محله لقب زوجها عند زواجها وعند الأم العربية تُكنى باسم ابنها عندما تلد ولداً أكثر مما تُكنى باسم ابنتها وهذه احدى حالات تذويب كيانها وشخصها في الحياة الاجتماعية والنسيج الاجتماعي.

   باختصار شديد ان تفوق وتسيد وتسلط الرجل على المرأة في المجتمعات الإنسانية يرجع الى آليات الثقافة الاجتماعية مثل التنشئة الأسرية والدينية والمدرسية والتنظيمية ونظام تقسيم العمل والأنشطة الاقتصادية والوسائل الترفيهية وسواها وليس الى امتلاك وسائل الإنتاج عنده وفقدانه عندها وليس الى امتلاك المال والثروة وغيابها عندها كذلك لا ترجع الى امتلاكه وسائل السلطة والنفوذ وهي لا تملكها. أقول ان سبب التدرج الجندري بين الرجل والمرأة يختلف عن التدرج الطبقي أو الطائفي أو الأممي ولكي نثبت ما طرحناه آنفاً نقدم مفهوم الجندر … نشأته ومنشأه وتميزه عن الجنس وتطوره وتدرجه لكي نبين كيف حصل هذا التدرج الاجتماعي الذي ولٍدَّ في الخلية الأولى للمجتمع (الأسرة) واستمر في تدرجه في المجتمع المحلي والمدرسة والعمل خارج المنزل والعلاقات الاجتماعية وسواها.

مفهوم الجندر: تُستعمل عبارة الجندر للتعبير عن النوعية الاجتماعية والثقافية والنفسية للمرء (ذكر أو انثى) المقترنة مع الذكورية (Masculinity) والانوثة (Feminine) هذه التعابير تكون محمولة في تفكيرنا الذي حددها ووصفها المجتمع الذي نعيش فيه، من هذا التحديد والتوصيف الاجتماعي نستدل على السلوك الخاص بالذكر وبالأنثى. بمعنى ان السلوك الأنثوي أو الذكري ليس من تفكيرنا الخاص بل مما يحدده المجتمع له ويلقن عقولنا به وهنا تكون عقولنا عبارة عن واسطة ناقلة لتحديد وتوصيف عبارة الجندر في مجتمعنا الذي نعيش فيه.

     بدأ مصطلح الجندر كمصطلح لغوي مجرد، ثم تطور استخدامه إلى أن أصبح نظرية وأيديولوجية، حيث بدأت المرحلة الأولى بتعريف الجندر كمصطلح لغوي يستخدم لتصنيف الأسماء والضمائر والصفات، أو يستخدم كفعل مبني على خصائص متعلقة بالجنس في بعض اللغات وفي قوالب لغوية بحتة. ثم ظهر الاتجاه الثاني لتعريف الجندر على أنه: “يرجع إلى الخصائص المتعلقة بالرجال والنساء والتي تتشكل اجتماعياً مقابل الخصائص التي تتأسس بيولوجياً (مثل الإنجاب)”.

     ولم يتم تناول مسألة الفصل بين الأبعاد البيولوجية والاجتماعية، بل كانت الأولوية لدى قيادات الحركة النسوية العمل على هدم المفهوم السائد آنذاك وهو أن الخواص البيولوجية الجينية لكل من الرجل xy والمرأة xx هي الفيصل الوحيد في تحديد الأدوار التي يقوم بها كل من الرجل والمرأة في المجتمع، وتبعاً لذلك فقد كان الجندر مبنيًا على أساس الجنس، وبالتالي فإنه يتشكل بيولوجيًا أكثر منه اجتماعياً، وتجاوز المصطلح خلال المرحلة الثانية من استخدامه حدود الترابط بين مصطلحي الجنس والجندر، حيث بدأ التيار المتطرف من حركة فيمنيزم Radical Feminism  بتقديم تعريف جديد لمصطلح الجندر يميزه عن كلمة الجنس؛ فأصبح يطلق على دور ومكانة كل من الرجال والنساء الذي يتشكل اجتماعياً، وبالتالي فهو قابل للتغيير. وأصبح يمثل مفهوم الجندر اتجاهاً جديداً في دراسات المرأة، يرى البعض أنه طرح ليحل محل مفاهيم كانت موجودة من قبل مثل النسوية Feminism أوWomenism، والتي أشارت إلى كفاح المرأة من أجل تغيير الأوضاع غير المتساوية بينها وبين الرجل، ويرى بعض آخر من غلاة الحركة النسوية التقليدية أن الجندر خروج عن الهدف المقدس الذي تسعى إليه المرأة في كفاحها ضد هيمنة المجتمع البطريكى (الأبوي)، ويرى آخرون أن مفهوم الجندر منعدم النسب لا أصل له ولا تاريخ، و أيًا كان الأمر فإن الإضافة التي تميزت بها دراسات الجندر أنها موجهة لكل من الرجل والمرأة من أجل إزالة الفجوة النوعية بينهما.

   ويُعد مصطلح (الجندر) الأكثر شيوعاً الآن في الأدبيات النسوية، يترجمه البعض إلى النوع الاجتماعي أو “الجنسوية”، وقد تم تعريب هذا المصطلح، وهو يشير إلى الخصائص النوعية وإلى الإقرار والقبول المتبادل لأدوار الرجل والمرأة داخل المجتمع والتركيز على الجندر بدلا من التركيز على المرأة وثيق الصلة بالرؤية التي تقول: إن مشكلات المرأة لا تعود بشكل أولى للفوارق البيولوجية بينها وبين الرجل، ولكن بدرجة أكبر إلى العوائق الاجتماعية والفوارق الثقافية والتاريخية والدينية، وعليه فإن التقسيم النوعي وفقاً لمفهوم “الجندر” ليس تقسيماً بيولوجياً جامداً، وإنما يستند إلى السياق العام الواسع الذي يتم من خلاله التقسيم الاجتماعي للعمل.

ويقصد أيضاً بالنوع الاجتماعي (Gander) مجموعة من السلوكيات والمفاهيم مرتبطة بالإناث والذكور ينشئها وينشرها المجتمع، وأن كل المجتمعات الثقافية تحول الفروقات البيولوجية بين الإناث والذكور إلى مجموعة من المفاهيم حول التفرقة والنشاطات التي تعتبر ملائمة.

    كما ترى فلسفة الجندر أن التقسيمات والأدوار المنوطة بالرجل والمرأة، وكذلك الفروق بينهما من ثقافة المجتمع وأفكاره السائدة، ويمكن تغيير هذه الأدوار وإلغاؤها تماماً، بحيث يمكن للمرأة أن تقوم بأدوار الرجل، ويمكن للرجل أن يقوم بأدوار المرأة، وهذا يعني أن فلسفة الجندر تتنكر لتأثير الفروق البيولوجية الفطرية في تحديد أدوار الرجال والنساء.

     وخلاصة الأمر أن الفلسفة الجندرية تسعي إلى تماثل كامل بين الذكر والأنثى، وترفض الاعتراف بوجود الفروق، وترفض التقسيمات حتى التي يمكن أن تستند إلى أصل الخلق والفطرة، فهذه الفلسفة لا تقبل المساواة التي تراعي الفروق بين الجنسين، بل تدعو إلى التماثل بينهما في كل شيء.

وللجندر بعد اجتماعي وتاريخي، لذلك ينبغي إدراك الجندر، ليس فقط كخاصية ثابتة للأفراد ولكن كجزء من عملية مستمرة بواسطة ما يبنيه الفاعلون غالباً بأساليب متناقضة، كما أن الجندر هو خطاب ثقافي، وبذلك فهو عرضة للنضال والممارسة المستمرين.

    كما ذهبت “دي لورليتث” إلى أن مفهوم الجندر هو بناء اجتماعي وثقافي أيضاً، وأن ذلك عملية تاريخية مستمرة تدار في كل المؤسسات المجتمعية في كل يوم من الحياة، وسائل الإعلام والمدارس، والأسر، والمحاكم.. الخ، وأكدت أن مفهوم تكنولوجيا الجندر Technology of sex بناء ثقافي اجتماعي وأجهزة دلالية، ونظام من التمثيل الذي يحدد معني الأفراد في المجتمع بإتباعها.

نشأة الجندر: أتت مسألة الجندر في إطار أجندة عالمية تتحدث عن حقوق الإنسان والمرأة والطفل منذ انهيار القطبية الثنائية، وهناك إشارة إلى أن مصطلح الجندر بدأ في الظهور لأول مرة في الغرب في بداية السبعينيات في الدراسات الخاصة بالتنمية، واستخدم تعبير الجندر في التنمية Gender Development in   كمقابل لتعبير النساء في التنمية Women in Development، ثم انتقل هذا المصطلح إلى المنطقة العربية في النصف الثاني من الثمانينيات وقد أصبح معروفًا في النقاش حول التنمية

وأطر العمل عبر أدبيات المنظمات الدولية المشتغلة في مجالات التنمية، وتعتبر قضية النوع الاجتماعي (الجندر)، فلسفة نسويه غربية تعبر عن أزمة الفكر الغربي في مرحلة ما بعد الحادثة، وتشير الأدبيات إلى أن مصطلح الجندر “النوع الاجتماعي” استخدم لأول مرة من قبل “آن أوكلي” وزملائها من الكتاب في سبعينيات القرن الماضي، وذلك لوصف خصائص الرجال والنساء المحددة اجتماعياً في مقابل تلك الخصائص المحددة بيولوجيًا.

غير أن البعض يرجح أن استخدام المصطلح وانتشاره في الأدبيات العالمية كان خلال فترة الثمانينيات من القرن الماضي، وهي الفترة التي اتسمت بمناقشات مكثفة حول أثر سياسات التكيف الهيكلي على أوضاع المرأة، ويرجع الفضل في استخدام مصطلح “الجندر” إلى منظمة العمل الدولية وكان يشير إلى العلاقات والفروقات بين الرجل والمرأة التي ترجع إلى الاختلاف بين المجتمعات والثقافات والتي هي عرضة للتغيير طوال الوقت.

وكاتجاه عام فإن المصطلح يشير إلى التفرقة بين الذكر والأنثى على أساس الدور الاجتماعي لكل منهما تأثراً بالقيم السائدة، وهم يرون أن هذا المصطلح يشير إلى الصور النمطية الثقافية للرجولة والأنوثة أي أن الثقافات السائدة هي التي تحدث التغيير في فكرة الأنثى حول نفسها ودورها في المجتمع، وبالتالي ما ينال المرأة من ظلم وتدني في المكانة وعدم حصولها على حقوقها سببه النمطية Stereotype التي يضعها المجتمع وثقافته فيما يخص دور المرأة أو دور الرجل، ولما كانت قضية عدم المساواة هي أساس الجدل الدولي المثار حول قضايا المرأة مما استدعي تخصيص العديد من الدراسات والأبحاث لمعرفة السبب في كون قضية التمييز وعدم المساواة قائمة حتى الآن. ولما كانت المرأة هي الطرف المضحي به في العملية الحياتية على كافة المستويات؛ كان لا بد من ظهور ما يسمي بدراسة أوضاع المرأة، التي تحولت إلى دراسة قضايا المرأة وانتهت إلى ضرورة النهوض بالمرأة باعتبارها تمثل نصف سكان العالم، وأن تخلف معظم الشعوب يعود في أحد أسبابه لعدم إشراك المرأة في التنمية وتعطيل قدراتها.

   وكانت اتفاقية إلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة في نهاية عام 1979م، والتي صدقت عليها معظم دول العالم سنة 1981، تهدف إلي أن تحصل المرأة على حقوق متساوية مع الرجل في كافة الميادين ، ويعتبر إدماج فصل مستقل عن المساواة والجندر والإنصاف وتمكين المرأة في برنامج عمل المؤتمر الدولي للسكان والتنمية ICPD المنعقد في القاهرة سنة 1994م، دليلا على الاعتراف بأهمية التحليل الذي يعتمد على الجندر كان النهج القديم الذي يتحدث عن المرأة والتنمية كمدخل للقضاء على التمييز ضد المرأة، هو ما عنت به العديد من الدراسات خاصة المصاحبة لمؤتمر المرأة العالمي في بكين عام 1995م، وظهرت أداة التحليل الحديثة المعروفة باسم الجندر، واستبدلت مذهبية المرأة في التنمية إلى النوع الاجتماعي “الجندر”  مما يعد محاولة جادة لصياغة نظرية “عالمية – حول  أوضاع عدم المساواة النوعية.

منشأه: حتى نستطيع أن نفهم معنى وأبعاد مصطلح الجندر (النوع)، لابد من الإلمام بتاريخ الحركات الأنثوية التي ارتبط المصطلح بها، وبيان المراحل التي مرت بها تلك الحركات منذ بداية ظهورها على المسرح السياسي والاجتماعي والثقافي، وحتى وصولها إلى شكلها الحالي بمطالباتها المعروفة، وكيفية تطور أطاريحها، وتأثرها بالمفاهيم التي سادت في تلك المراحل.

    إن الفارق بين الدعوة إلى تحرير المرأة وإنصافها، والحركات التي تبنت هذه الدعوة سواء في البلاد الغربية أو الشرقية وبين النزعة الأنثوية المتطرفة (Feminism) التي تبلورت في الغرب في ستينيات القرن العشرين، والتي تقلدها قلة قليلة من النساء الشرقيات، والحركات التي تبنت هذه النزعة المتطرفة… إن الفارق بين هاتين الدعوتين والحركتين وفلسفتهما ومطالبهما هو الفارق بين العقل والجنون!

فأقصى ما طمحت إليه دعوات وحركات تحرير المرأة، هو إنصافها… من الغبن الاجتماعي والتاريخي الذي لحق بها، والذي عانت منه أكثر كثيرا مما عانى منه الرجال مع الحفاظ على فطرة التميز بين الأنوثة والذكورة، وتمايز توزيع العمل وتكامله في الأسرة والمجتمع، على النحو الذي يحقق مساواة الشقين المتكاملين بين الرجال والنساء… وذلك حفاظا على شوق كل جنس إلى الآخر، واحتياجه إليه، وأنسه بما فيه من تمايز، الأمر الذي بدونه لن يسعد أي من الجنسين في هذه الحياة. دون إعلان للحرب على الدين ذاته، ولا على الفطرة التي فطر الله الناس عليها عندما خلقهم ذكرانا وإناثا… وأيضا دون إعلان للحرب على الرجال.

أما النزعة الأنثوية المتطرفة (Feminism) أو الأنثوية الراديكالية والتي تبلورت في ستينات القرن العشرين فتعرف بأنها: “حركة فكرية سياسية اجتماعية متعددة الأفكار والتيارات، ظهرت في أواخر الستينات، تسعى للتغيير الاجتماعي والثقافي وتغيير بناء العلاقات بين الجنسين وصولا إلى المساواة المطلقة كهدف استراتيجي وتختلف نظرياتها وأهدافها وتحليلاتها تبعا للمنطلقات المعرفية التي تتبناها، وتتسم أفكارها بالتطرف والشذوذ، وتتبنى صراع الجنسين وعدائهما، وتهدف إلى تقديم قراءات جديدة عن الدين واللغة والتاريخ والثقافة وعلاقات الجنسين”. وقد تغلغلت هذه الفلسفات والأفكار والدعاوى بشكل غير عادي في المجتمعات الغربية خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين.

ونجحت هذه الحركات الأنثوية الغربية في الضغط على المؤسسات الدينية الغربية تلك التي خانت رسالتها حتى أصدرت في 1994م طبعة جديدة من العهدين القديم والجديد، سميت الطبعة المصححة، تم فيها تغيير المصطلحات والضمائر المذكرة وتحويلها إلى ضمائر محايدة!…

3 / ب – عدم استواء الغني والفقير

   هو عدم تكافؤ مادي بين الأفراد بمعنى هناك افراد يملكوا المال والعقار وأخرين لا يملكوه، أقول التملك وليس الجدارة يفرق بينهما ويبلور تفوق وتسلط الملاك – الأغنياء على الفقراء المعدمين من الامتلاك ويجعلهم مستغلين من قبل الأغنياء. انها حالة شائعة تسود كل المجتمعات بدون استثناء إنما اختلاف بالدرجة لا بالنوع عدم الاستواء هذا لا يعتبر طبقي لعدم وجود تنظيم رسمي ينظم مناشطهم مثل نقابة خاصة بالأغنياء وأخرى بالفقراء ولا يوجد حزب سياسي خاص بكلٍ منهما  كذلك لا يوجد شعور جمعي يجمعهم ليعبروا عن مراميهم وحاجاتهم وطموحاتهم. لكن هناك من الأغنياء يقبعون في قمة الهرم الاجتماعي والفقراء في قاعدته، أما المسافة المادية بينهما فإنها واسعة ومشاعة مقترنة معها مسافة اجتماعية مترامية الأطراف لكن لا يصاحبها حراك اجتماعي صاعد أو هابط بل أفقي عند الاثنين (الأغنياء والفقراء) أما معيار عدم التساوٍ هذا فهو الثروة المالية والعقارية والمهنية أكثر من السلطة والنفوذ والاعتبار الاجتماعي.

فهو إذن معيار مادي أكثر مما هو معنوي أو اعتباري يقاس بالمال والمُلك المادي (أراضي، بنايات، شركات، مصانع، تجارة وسواها). ولما كان موضوعنا ينكب على التعريف بالتدرج الاجتماعي ليس فقط من زاوية مواقعهما على الهرم الاجتماعي فإننا سوف نتناول موضوع الصلة بينهما من حيث الاستغلال والاستعلاء والاستثمار واستعباد والقسوة والظلم الخالي من المعاملة الإنسانية الشفافة والمسالمة. نبدأها بالفروقات الحاصلة بينهما وهي:

الغني والفقير: يختلف الناس عن بعضهم في كثير من الأمور، ومنها اختلاف طبقاتهم الاجتماعية بناءً على ما يمتلكه كل منهم من أموال وأملاك وعقارات، فيوجد الغني والفقير والمتوسط بينهما، وقد تجد أحد الأشخاص غنيًّا ويملك الكثير، بينما جاره أو حتى شقيقه شخص فقير لا يملك سوى ما يكفي بالكاد عائلته ليعيش حياةً متواضعةً وبسيطةً للغاية قد تجعله لا يحصل على ما يكفي لسد جوع أطفاله، كما يُحرم من أقل أنواع الرفاهية والمتعة في الحياة لغلاء المعيشة، لكنّ الغني والفقير لا يختلفان عن بعضهما فقط بما يملكانه من أموال وماديات، بل توجد الكثير من الفروقات بينهما، وفي السطور التالية سنتعرف إلى بعض هذه الفروقات. الفروقات بين الغني والفقير: لكل من الغني والفقير نظام حياة مختلف عن الآخر، سببته ظروف حياته والطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها، وبالتالي توجد عدة فروق بينهما إلى جانب المستوى المعيشي والأموال، ومن هذه الفروق: –

 العمل: يعمل معظم الفقراء بأعمال شاقة للحصول على أبسط متطلبات الحياة، أما الأغنياء فيستغلون حاجة الفقراء، ويجعلونهم يؤدون مهامًّا خطرة أو متعبة حتى لا ينقص الإنتاج عما يريدون، ومعظمهم يكتفي بدور الرئيس الذي يصدر الأوامر فحسب.

المعاملة: يعاني الفقراء غالبًا من معاملة الآخرين لهم بسوء أو النظر إليهم نظرةً دونيةً، ومن جهة أخرى، يحظى الأغنياء بمعاملة ممتازة نظرًا لمكانتهم الاجتماعية. الحياة: يؤمن الفقراء بأنّ كل ما يحدث معهم هو من القدر وبفعل الصدفة لا أكثر، بينما يرى الأغنياء أنّ كل شخص قادر على التحكم بمجرى حياته.

الهدف: يسعى الفقراء فقط للحصول على ما يكفيهم ليحظوا بأبسط متطلبات الحياة، بينما يسعى الأغنياء للحصول على كل ما يمكنهم الحصول عليه قدر الإمكان. الأفكار السلبية: الأفكار السلبية ملازمة للفقراء وهم يتوقعون دائمًا الفشل والخسارة، أما الأغنياء فيطمحون دائمًا للأفضل ويسعون للمزيد من الربح.

المال: يسعى الفقراء للحصول على عمل محدد يؤمن لهم فقط دخلًا ثابتًا شهريًّا، أما الأغنياء فيهتمون بزيادة ما لديهم من خلال إنجازات متزايدة يحصلون مقابلها على مال أكثر.

الشك والثقة: يشعر الفقراء على الدوام بالشك بكل من حولهم والضعف أمامهم، أما الأغنياء فيثقون بأنفسهم ولا يهتمون بما يقوله أو يفعله من حولهم.

المغامرة: يشعر الفقراء طول الوقت بالخوف ولا يجرؤون على تجربة أي جديد خوفًا من ضياع ما لديهم فيعيشون في روتين حياتي ثابت، أما الأغنياء فيستمرون بممارسة كل جديد ويجددون حياتهم باستمرار.

السعر والجودة: يهتم الفقراء بالسعر دون الاهتمام بجودة السلعة، بينما يختار الأغنياء أفضل السلع وأجودها بغض النظر عن سعرها.

الفشل: لا مشكلة لدى الأغنياء إن فشلوا، بل ذلك يعطيهم دافعًا للمحاولة من جديد، لكنّ الفقراء في حالة فشلهم يحبطون ويتجنبون الأمر الذي فشلوا فيه تمامًا خوفًا من فشل جديد.

طلب المساعدة: حين يحتاج الفقراء مساعدةً في أمر ما يطلبونها من أقاربهم ومعارفهم الذين قد يكونون لا يعرفون شيئًا في المجال المطلوب، مما قد يسبب فشلهم، بينما الأغنياء حين جهلهم لكيفية التصرف في أمر ما يبحثون عن المتخصصين فيه، مما قد يدفعهم للأمام ويزيد نجاحهم.

وقت الفراغ: يمضي الفقراء أوقات فراغهم في أمور قد لا تفيد، كمشاهدة التلفاز، أما الأغنياء فيسعون على الدوام إلى التقدم وزيادة معرفتهم، فيمضون أوقات فراغهم في أمور تزيد معارفهم وتنمي مهاراتهم كالقراءة، وممارسة الرياضات، وتنمية مهاراتهم في أمور معينة.

الوقوع في المشكلات: عند الوقوع في أي مشكلة، يلوم الفقراء ظروفهم ومستواهم المعيشي، أو البيئة المحيطة، بينما حين يقع الأغنياء في أي مشكلات يتداركون الأمر في أسرع وقت ويبحثون عن الأسباب والحلول المنطقية. [https://hyatoky.com]

بعدها نسأل سؤال مفاده ماذا يجني الأغنياء من فقر الفقراء؟ نقول  أن الفقراء يمثلون هدفا لاستثمارات الأغنياء وتجارتهم ، وذلك على مستويات: –

 المستوى الأول :الفقراء يمثلون الطاقة الإنتاجية التي يمكن استغلالها لتحريك المصانع والتجارة التي يديرها الأغنياء ، ويقبضون أرباحها ، ويقدمون للفقراء ما يقيم أودهم وما يمنحهم فقط إعادة إنتاج الطاقة المطلوبة لتحريك عجلة الإنتاج .
المستوى الثاني :الفقراء يمثلون مستودعا ضخما للمواد الخام التي تدخل في الصناعة وتتحول إلى تجارة يديرها الأغنياء ، ويجنون أرباحها ، ويقدمون للفقراء أثمانا بخسة لا تغطي في كثير من الأحيان تكلفة زمنهم وعمرهم الذي بذلوه في إنتاج هذه المواد الخام.

 المستوى الثالث :الفقراء يمثلون الرصيد البشري الذي يأتي منه الحراس والخدم وكل الوظائف الدنيا التي توجه لخدمة الأغنياء وتقدم ديكورا اجتماعيا لحياتهم ليمنحها الإحساس بالترف والفوقية.

 المستوى الرابع :الفقراء يمثلون السوق الأكبر لصناعة وتجارة الأغنياء ، فغالبية المصانع تستهدف إنتاج غذائهم وإنتاج احتياجاتهم الاستهلاكية الأخرى ، وغالبيتها مصنعة أصلا من المواد التي باعوها للأغنياء ، فعادت إليهم بشكل مختلف وبسعر أعلى .

المستوى الخامس :الفقراء يمثلون كما إنسانيا يتيح للأغنياء متعة نفسية عالية منطلقة من ما يسمى بالأعمال الخيرية والإنسانية ، في حالات المجاعات الجماعية التي تصيب الفقراء والكوارث الطبيعية والحروب الأهلية وكلها مطاحن تطحن الفقراء فقط ، ويندر أن تصل إلى الأغنياءhttps://sudaneseonline.com]]

لا أجد بأساً من تقديم مثال على اشهر اثرياء العالم في عصرنا الحالي ومقدار ثروتهم. قالت منظمة أوكسفام البريطانية إن أغنى ثمانية أشخاص في العالم يملكون ثروة تضاهي ما يملكه 3.6 مليار شخص، ممن يشكلون نصف أفقر سكان الأرض. وقالت المنظمة إن أرقامها، التي أثارت شكوك النقاد، تستند على بياناتٍ منقحةٍ، فيما وصفت الفجوة بين الأغنياء والفقراء بأنها “أكبر بكثير مما كان متوقعا”. ويتزامن تقرير المنظمة مع انطلاق المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.

وفي معرض التعليق على التقرير، قال “مارك ليتلوود”، من معهد الشؤون الاقتصادية في بريطانيا، إنه يتوجب على أوكسفام التركيز على وسائل دعم النمو الاقتصادي. وأضاف مدير المعهد البحثي، المعني بشؤون السوق الحرة، أنه “كمؤسسة تعنى بمكافحة الفقر، تبدو أوكسفام منشغلة على نحو غريب بالأغنياء.” وأضاف أنه بالنسبة للمهتمين بـ “استئصال الفقر تماما”، فإن التركيز يجب أن ينصب على الإجراءات التي تُشجع النمو الاقتصادي. وقال “بن ساوثوود”، مدير وحدة الأبحاث في معهد آدم سميث، من ناحيته، إن الذي يهُم هو رفاهية فقراء العالم التي تشهد تحسنا كل عام وليس ثروة أغنى الأغنياء. وأضاف: “تضللنا كل عام إحصائيات أوسكفام بشأن الثروة. فالبيانات صحيحة، إذ أنها مستقاة من بنك كريدي سويس السويسري، لكن تفسيرها ليس جيدا.”

أغنى ثمانية أشخاص في العالم

بيل غيتس (الولايات المتحدة): المؤسس المشارك في عملاق البرمجيات مايكروسوفت بصافي ثروة 75 مليار دولار-

أمانسيو أورتيجا (أسبانيا): مؤسس شركة الأزياء “إينديتيكس” صاحبة ماركة “زارا” الشهيرة للملابس بصافي ثروة 67 مليار دولار-

وارن بافيت (الولايات المتحدة): أكبر مساهم في شركة “بيركشاير هاثاواي” للاستثمار بصافي ثروة 60.8 مليار دولار-

كارلوس سليم حلو (المكسيك): مالك شركة غروبو كارسو بصافي ثروة 50 مليار دولار-

جيف بيزوس (الولايات المتحدة): المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة أمازون بصافي ثروة 45.2 مليار دولار-

مارك زوكربيرغ (الولايات المتحدة): المؤسس المشارك في عملاق التواصل الاجتماعي فيسبوك بصافي ثروة 44.6 مليار دولار-

لاري إليسون (الولايات المتحدة): المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة أوراكل للبرمجيات بصافي ثروة 43.6 مليار دولار-

مايكل بلومبيرغ (الولايات المتحدة): مالك شركة “بلومبيرغ إل بي” بصافي ثروة 40 مليار دولار. [https://www.bbc.com]-

أجد من الطريف ان أنهي مبحثي هذا عن مثال اجتماعي يوضح علاقة الغني بالفقير في المجتمع العراقي حسب ما وصفها عالم الاجتماع العراقي “علي الوردي” من خلال علاقة الشيخ (الاقطاعي) بالفلاح (الفقير). حيث قال: “ليس المقصود هنا بالفرد بل بمكانته الاجتماعية” حيث كانت العلاقة بين الشيخ والفلاح قائمة على الاستغلال أي بين مالك الأرض وفاقدها أو بين مالك الإنتاج والأيدي العاملة التي يتحقق الإنتاج بجهدها أو بين المقربين من السلطة والمبعدين عنها. وقد أرجع “الوردي” ذلك الى عاملين هما: –

 – قوة الحكومة المركزية في السيطرة على المجتمع

 – تحديد الأرض وتسجيلها باسم الشيخ

أي ان الأرض أصبحت ملكاً خاصاً للشيخ بقوة القانون وبحمايته ضد أي منافس يطمع في اغتصابها منه وبذا ترك الشيخ عشيرته واستقر في العاصمة بغداد يتقرب فيها من الحاكم ويعمل على تدعيم كيانه وهذا يعني ان الشيخ ترك وكلاءه في القرية ليشرفوا على استغلال رعيته فيه لا يزورها إلا قليلاً فلم تبق مصلحته الخاصة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمصلحة قبيلته ولم ينل مكانته الاجتماعية منها بمقدار ما يخدمها ويحرص على منفعتها. بينما كانت علاقة الشيخ بالفلاح في العهد العثماني قوية جداً وذلك راجع – في رأي الوردي – الى: – 

 – ضعف الحكومة المركزية

 – عدم وضوح حدود للأراضي لأن معظمها غير مسجل

 – استحواذ القبلية على الأراضي بالقوة واستثماره لها

– سيادة النظام العشائري

وفي ضوء ذلك فإن الشيخ يتعاون مع الفلاح على زراعة الأرض ويتقاسمان الحاصل بعد ذلك على أساس العرف المتفق عليه ولم تكن حصة الشيخ من انتاج الأرض إلا ما كان يساعد على القيام بواجبات الزعامة المتعاون عليها. [العمر. 2001. ص. 162]

3 / ت – ثنائية علاقة الحاكم بالمحكوم

  هي علاقة تفاعلية متبادلة بين طرفين تتضمن التأثير والتأثر يكون الحاكم قابع في قمة الهرم التدرجي والمحكوم في قاعدة الهرم الاجتماعي. هنا يداهمني سؤال مفاده من يؤثر بمن؟ في الواقع هناك من يرى ان الحاكم يؤثر بالمحكوم، فإذا كان قاسياً وظالماً يكون المحكوم منصاعاً وخانعاً ومطاوعاً. لكننا نرى العكس هو الصحيح، أي المحكوم هو الذي يحدد نوع حكم الحاكم واسلوبه في التعامل معه (أي مع المحكوم) لكن كيف يتم ذلك؟ نقول إذا كان المحكوم أمي وجاهل ويؤمن بالغيبيات والماورائيات فإن الحاكم سوف يتعامل معه بأسلوب صارم وجازم ومتصلب وناهي لكي يخيفه ويرهبه ويرعبه ليجعله منصاعاً لا يعترض ولا يخالف أوامره بل ينقاد له انقياداً ذليلاً متصوراً انه يمثل القوة المطلقة والعنفوان الطاغي فلا يتجرأ ان يخرج عن طاعته لكنه لا يعرف بإنه هو المحكوم جعل الحاكم ان يتصرف معه بهذا الأسلوب الشرس والقاسي والمتغطرس ولا يعلم بإن الحاكم في حقيقته بإنه جبان وضعيف ويخاف من خياله (ظله) إنما وجد المحكوم غير واعياً بذاته وحاله وساذجاً وسهل قيادته وانه (امعة) منشئ على معايير تقليدية عتيقة وسلطة ابوية ذكورية في اسرته ومعتقداته التراثية عندئذٍ يذهب الحاكم الى معاملته معاملة السيد والأمر الصارم مستخدماً الأعراف والتقاليد والقيم الدينية للسيطرة عليه لتحقيق غاياته السياسية التي تخدمه مصلحته بذات الوقت يتصنع ويدعي في كل تصرفاته بالاستقامة والفضيلة والنزاهة والعدالة والتماهي مع تعاليم دينه ومعايير ثقافة مجتمعه. يطلق على هذه الحالة بمصطلح (الاستعمار الداخلي) لأنه يشبه الاستعمار الأجنبي الذي يستنزف كافة طاقات البلد المستعمر لتعزيز حكمه ويعني ايضاً ان عامة الناس هم الذين جلبوا المستعمر لحكمهم بسذاجة فجة وجهل طاغي.

   أما إذا كان المحكوم واعياً ومثقفاً وله انتماء سياسي مستخدماً المنطق الموزون والفكر العقلاني الرشيد عندها لا يستطيع الحاكم ان يحكم بأحكام متطرفة وصارمة ومطلقة وجازمة بل معتمداً على النظريات السياسية الحديثة في التعامل الشعبي ويميل نحو الاحتكاك الحضاري مع التطور العلمي والحداثي لكي يستطيع ان يكون مقبولاً من قبل المحكوم الذي يكون ولائه للوطن وأهله (شعبه) لا الى السلطة البطريقة الذكورية المتوارثة بل التوق نحو المستقبل الواعد المتماشي مع عجلة الزمن ومتطلع لخدمة مستقبل بلده ومجتمعه وعندها يضطر الحاكم ان يخضع لهذا المؤثر الحداثي الرشيد وان يوائم بين سلطته وإرادة المحكوم وإلا فإنه يواجه معارضة شديدة ونقد لاذع وتعري فضائحه عندها لا يستطيع ان يتصنع ويكتم ويدعي بالفضائل والنزاهة والأمانة.

هذا النوع من الحكام يمكن ان نسميه بـ (الحاكم الشعبي) لأنه منتخب من الشعب ويستجيب لطلباته وملبي لحاجاته ويتعامل معه تعاملاً وطنياً مسؤولاً امامه. انه نقيض الاستعمار الداخلي يكون متواجداً في المجتمعات التي تكون نسبة المتعلمين فيه عالية وروح المواطنة طاغية بين الناس مع وجود السلطة الرابعة (وسائل الاعلام) واحدة لكل تصرفات الحاكم.

    تحليلي هذا منطلق من زاوية المحكوم، أذهب بعد ذلك الى زاوية الحاكم فإذا كان الحاكم واصلاً الى سدة الحكم بواسطة الانقلاب العسكري أو المؤامرة السياسية فإنه لا يستطيع ان يكون عادلاً ومنصفاً في حكمه لأنه جاء بأسلوب قمعي وعنفي فيكون امامه معارضة شديدة من انصار الحكم السابق فيلجأ الى الأسلوب القمعي الفردي المطلق مع الجميع خوفاً من زوال حكمه الذي حصل عليه بقوة الاستحواذ فيكون ظالماً ومتعسفاً وقامعاً ومتحذلقاً ومتصنعاً وكتوماً ومدعياً بالفضائل وواعداً بالوعود الحلمية غير الصادقة. بمعنى يكون المحكوم مظلوماً وخائفاً ومنصاعاً لحاكم متفرد ومطلق ومتعسف لا يهمه الوطن ولا المواطنة ولا المحكوم. فتكون علاقتهما خاضعة للانقلابات والانتفاضات والحكم العسكري وغياب الحكم المدني مستخدماً القوانين العرفية ومدعياً بالأعراف البالية والتعاليم الدينية من أجل تدعيم وتعزيز حكمه والزام المحكوم بطاعته باسم العرف والتقاليد والدين. أعني علاقة استبدادية ذات حكم فردي اوتوقراطي ليس لحكم الحاكم حدود ولا تفرض عليه قيود ولا يلتزم بقانون (أن وجد) إنما أقواله وافعاله هي بنود القانون المرعي يتعامل مع رعيته كقطيع من الغنم لا كمواطنين لهم حقوق على الحاكم. (انه الاستعمار الداخلي).

   أما إذا كان هناك قانون يحكم الحاكم فإنه لا يستطيع ان يكون طاغية وإنما جماعة قليلة من الارستقراطية أو حكم القلة من اسرته واقربائه أو أعضاء حزبه يعني حكم الاوليفاركسية يقوم بتدجين وضبط المحكومين الذين يمثلوا الانسان المقهور. لكن إذا كان الحكم راعياً وموجهاً ومربياً وحامياً ونزيهاً واميناً على مصالح رعيته عندها تكون علاقته بهم علاقة ميكانيكية مترابطة معبرة عن احتياجاتهم وطموحاتهم لأنه متضامناً معهم ليس منفصلاً عنهم تربطهم ثقة متبادلة ورضى متعادل. هذا النوع من الحاكم لا يكن هكذا إلا إذا كان منتخباً شعبياً وملتزماً بدستور البلد وقانون وضعي (هذا هو الحاكم الشعبي).

   لكن إذا كان الحاكم مغتصباً للحكم فإنه لا يكون راعياً ولا أميناً ولا حريصاً على بلده ورعيته بل مدعياً متصنعاً بتحقيق اهداف سرابيه وحلمية طوباوية مستخدماً القوة والقسوة المطلقة مع معارضيه والمثقفين الواعين الذين لا يتحملوا ظلمه وطغيانه فلا تكن بينهم ثقة متبادلة ولا رضى متكافئ.

   إذن علاقة الحاكم بالمحكوم ليست انسيابيه تحصل بين القمة والقاعدة بل تخضع لخصائص وطبيعة المحكومين ومستوى ثقافتهم ووعيهم ووطنيتهم وتفكيرهم ونسيجهم الاجتماعي لأنه لا يوجد مجتمع متألف من طبقة واحدة أو طائفة واحدة أو عرق واحد أو رس واحد بل عدة طبقات وطوائف واعراق وارساس لذا يكون رضاهم ضروري ومهم في حكم حاكمهم وبدون ذلك لا يستقر الحاكم في حكمه. أعني ان النسيج الاجتماعي للمحكومين ورضاهم هو الذي يحدد نوع وطبيعة حكم الحاكم لهم فإذا أخذ بهذه الخصائص الديمغرافية عندئذٍ يكون حكمه عادلاً ومنصفاً لأنه كسب ود رضى المحكومين علماً بإن هذا الرضى لا يتبلور إلا إذا غرس الحاكم الثقة عندهم عبر اعماله وليس أقواله عبر صدقة وليس ادعاءاته.

فإذا كان المحكومين من المحافظين والتقليدين غير المجددين أي الملتزمين بأعرافهم وتقاليدهم تحكمهم المعايير والقيم العرفية الموروثة فإن الحاكم هنا يكون مستخدماً أساليب حكم عرفية لا وضعية معتمداً على السلطة البطريقية – الذكورية المطلقة في التعامل معهم كولي الأمر الذي يطاع ولا يعترض على أوامره ويكون المحكومين مذعورين ومنصاعين وصاغرين لأوامره.

    زبدة القول: هو ان مستوى وعي وثقافة وانفتاح وانغلاق عقلية المحكومين هي التي تصوغ وتبلور صيغة حكم الحاكم وليس أسلوب حكم الحاكم يتحكم في عقله ووعي المحكومين. هذا هو التدرج الاجتماعي المقام على نوع التفاعل بين القمة والقاعدة وليس مبني على مالك السلطة وفاقدها إنما فاقدي السلطة هم الذين يحددوا مالكها ويمنحوها له.

لا أجد بأساً من تقديم حالة علاقة الحاكم بالمحكوم قدمها “د. الوردي” تمثل الفجوة بينهما في فترتين زمنتين مختلفتين عن المجتمع العراقي وهما الفترة العثمانية التي سميت بـ (الرجل المريض) حيث كانت عقول الناس مريضة مثلها إذ كانوا يتحملون جور الحاكم وهم مؤمنون بإن ذلك مكتوب عليهم في لوح القدر وقد اعتقد كثيراً منهم بإن الظلم الواقع عليهم إنما هو من سوء اخلاقهم وقلة عباداتهم وتقواهم. كان الناس بعبارة أخرى لا يفرقون بين المصيبة التي تأتيهم من الحكومة والتي تأتيهم من الطبيعة فلم هناك فرق مثلاً بين التجنيد الإجباري والطاعون الذي يحصد ارواحهم حصداً وكلاهما في نظرهم من نوع واحد. [العمر. 2001. ص. 163]

   ما قدمه “الوردي” من مثال على الفجوة القائمة بين الحاكم العثماني والمحكوم العراقي أعده صورة حيّه تؤكد على ما ذكرته انفاً عن ان المستوى الاجتماعي والثقافي للمحكومين (الرعية) ومعتقداتهم تكون بمثابة مؤشر محفز على تحديد نوع سياسة الحاكم لرعيته. فإذا كانت معتقداتهم غيبية ذات تصورات خيالية ذات نزعة غير عقلانية بل روائية خرافية وهمية فإن ذلك يدفعه لحكمهم وكأنهم قطيع من الغنم لا عقل لهم بل يجمعهم سلوكاً جمعياً غير معقلّن عندها يستخدم القوة والعنف والعقاب معهم مع الادعاء باستخدام المعايير العرفية التقليدية في سيطرته عليهم لكي يخدم حكمه. فيقوم بالتصنع والادعاء بالفضيلة والنزاهة والعدالة لكنه يسخرهم ويستغلهم لتعظيم حكمه فيبقيهم على سذاجتهم ومعتقداتهم الخرافية والماورائية لأنهم غير متعلمين وجهلة وغير مطلعين على الثقافات الأجنبية فلا توجد عندهم رؤى علمية وتفكير عقلاني لذلك وجدهم الحاكم العثماني لا يفرقون التجنيد الالزامي ومرض الطاعون وان كل مصائبهم حدثت بسبب سوء اخلاقهم وقلة عبادتهم وتقواهم، بتعبير اخر ينقدوا ذاتهم وسلوكهم ولا يحللوا ظلم الحاكم واستبداده. إذن نقول بإن حكم الحاكم العثماني لم يأتي من عنده بل من سذاجة عقلية الرعية الفجة (العراقيين) التي دفعت الحاكم العثماني التحكم بهم بكل تعسف وجور.

    نعود مرة ثانية الى ملاحظة “الوردي” للفجوة بين الحاكم والمحكوم في المجتمع العراقي حيث قال: “لكن بعد مجيء الحكومة الوطنية فإن عقول الناس قد تغيرت أسرع مما تغيرت به طبيعة الحاكم فأصبح المواطن لا يكتفي بانتقاد الحكومة على اعمالها الخاصة بل يرى كذلك ان لها يداً في الكوارث الطبيعية. إن المطابع والمدارس ومحطات الإذاعة أخذت تمطر العقول بأفكار لم يكن لأبنائها بها من عهد”. [العمر. 2001. ص. 163]

   نعلق على هذا التبدل الذي حصل عند العراقيين بعدما تعلموا وتفتحت قريحتهم وتوسع وعيهم بواسطة تأثير وسائل الاعلام المقروءة والمسموعة ودخولهم لما يقوم به الحاكم الوطني. أي تحول مستواه الفكري من السذاجة الفجة الى التمنطق والتعقلن مما جعله يرصد أحكام الحاكم وينتقدها ويعترض عليها مما تجعل الحاكم اخذاً بنظر الاعتبار تحركات رعيته. هذه الحالة توضح ايضاً ان الرعية عندما تكون واعية بحكم الحاكم تجعله يأخذ بعين الاعتبار وعيها وتحليلها للأحداث وربطها بمحيطها لكن عندما يكون وعي الرعية غائباً أو ساذجاً أو خرافياً فإن حكم الحاكم يكون محتقراً لرعيته التي لا تفهم ولا تفقه الأمور على  حقيقتها.

    اخيراً نقول عن هذه الثنائية المتدرجة ان معيارها يكون متمثلاً بالتحكم المتسلط ليس عن طريق الامتلاك الثروة بل بامتلاك السلطة الممنوحة له من المحكوم (سواء بعلمه أو بجهله، بإرادته أو باستسلامه).

3 / ث – الفجوة الحداثية بين أبناء المدينة وأبناء القرية

   تقاس هذه الفجوة بواسطة استغلال أبناء المدينة لأبناء القرية في الاعمال التجارية في تجارة المفرد وتوفير فرص العمل التي لا يتجاوز الاعمال اليدوية والعضلية والكتابية البسيطة واحتكار المنتجات الزراعية والصناعات اليدوية حيث تعتبر المدينة المطبخ الواسع الذي يستهلك جميع احتياجاته من الريف حيث توفر القرية جميع احتياجات المدينة من خضراوات وفواكه ولحوم من خلال استغلال أكبر جزء من الأراضي الزراعية ذلك لكون المدينة أكبر حجماً من القرية واشتمالها على الأبنية السكنية العالية والضخمة الواقعة ضمن مخطط تنظيمي معين مع وجود شوارع وطرق واسعة واحتوائها على المرافق الصحية والعامة الحكومية والأهلية وتعداد سكانها أكبر من تعداد سكان القرية معظمهم يعملوا في المهن التجارية والصناعية والوظائف الحكومية فالمدينة هي المركز التجاري الذي يستقطب سكان القرية كل ذلك يبلور نوعاً من الشعور بالامتلاك أمام عدم الامتلاك عند أبناء القرية والشعور بالتحضر والحداثة في السلوك والتفكير ونمط العيش والسمو والاستعلاء عند أبناء المدينة لدرجة ان أبناء المدينة لا يفضلوا الزواج من أبناء القرية بسبب استعلائهم عليهم والموقف ذاته عند أبناء القرية في مصاهرتهم من أبناء المدينة بسبب شعورهم بإن أبناء المدينة متحررين من المعايير التقليدية المحافظة وهذا أكبر سبب للتدرج الاجتماعي فيما بينهم.

   فلا جرم من القول بإن الفجوة القائمة بينهما لم تكن بسبب التفاوت الطبقي او الاختلاف العرقي أو التباين الرسي أو الصراع الطائفي بل بسبب اختلاف ونمط العيش بينهما وما يفرزه من اختلاف طرق تفكيرهما وذوقهما وسلوكهما ومستوى وعيها وتعليمها وكلاهما من مجتمع واحد وقد يكون من دين واحد. ظاهرياً يمثل هذا التفاوت اختلاف جغرافي لكن واقعياً يعبر عن اختلاف نمط عيش ليس إلا.

   وتحت هذا الموضوع سنعرض امثلة على بعض القرى والجزر والمنتجعات في ارجاء العالم ثم هجرها بسبب الحريق الذي أصابها أو توقف النشاط الاقتصادي الرئيسي فيها أو بسبب اشتباكات وقعت بين المتمردين والقوات الحكومية أو بسبب التطهير العرقي فيها. هذه الأمثلة توضح بإن أبناء القرى والمنتجعات يتعرضوا الى الاستغلال أو التطهير أو التهجير أكثر من أبناء المدن الذي يعبر عن الاستقواء على أبناء القرى أكثر من الاستقواء على أبناء المدن موضحاً ذلك أحد أوجه تعسف التدرج الاجتماعي الذي تتباين معاييره في عدم الاستواء بين أبناء المجتمع الواحد.

أكبر من 10 مدن مهجورة ومرعوبة في العالم

 وفقاً لويكيبيديا فإن مدينة الأشباح هي عبارة عن :”مدينة أو قرية أو بلدة كانت مليئة يوماً بالسكان لكنهم هجروها لسبب معين وما زالت تحتفظ ببقايا مرئية كثيرة تدل على وجودهم”. بناءً على هذا الحديث فأنت تتوقع أنهم غادروها بعيداً عن الزحام وعن تعقيدات الحضارة. لكنك على الأغلب مخطئاً فهل تعلم أن مدينة سياتل الحالية تم بناؤها فوق سياتل أخرى؟! مترو الأنفاق الموجود حالياً في سياتل هو عبارة عن شبكة من الممرات التي كانت موجودة قديماً وأصبحت تعرف فيما بعد بوسط مدينة سياتل. فقد كانت هذه الممرات الشوارع الفعلية للمدينة حتى حدوث حريق سياتل الكبير عام 1889. بعدما دُمر 31 مجمع سكني في المدينة التي كانت مبنية كلياً من الخشب أعيد بناء المدينة بالطوب وامتدت مساحة الشوارع أكثر بـ 22 قدم. تنتشر في الولايات المتحدة مدن الأشباح هذه، ففي ولاية تكساس وحدها هنالك 450 من هذه المستوطنات المهجورة. لكن أمريكا هي واحدة من الأماكن القليلة التي يتم ترك مدن الأشباح فيها بدون تطوير عندما يتوقف النشاط الاقتصادي الرئيسي في تلك المنطقة. وفي أجزاء أخرى من العالم قد تم ترك البلدات التي كانت تعج بالحركة وأصبحت غير صالحة للسكن بسبب قوى الطبيعة أو الاضطرابات المدنية أو كوارث من صنع الإنسان. ومن الأمثلة على ذلك التخلي عن بلدة أفريقيا الوسطى باوا، عقب اشتباكات بين المتمردين والقوات الحكومية في عام 2007 حيث فر كل السكان وعددهم 17000 نسمة لإنقاذ حياتهم وظلت البلدة خالية منذ ذلك الحين .تتناثر في الأرض العديد من هذه المستوطنات المهجورة وفيما يلي سيتم ذكر أكثر 10 مدن مهجورة ومرعبة في العالم:

 تاورغاء، ليبيالغاية عام 2006 كان عدد سكان هذه المدينة لا يزال 24,223 نسمة لكنها اليوم غير مأهولة تماما. تقع تاورغاء على بعد 38 كم من مصراتة وكانت تشتهر بأكثر أشجار النخيل والفواكه شهرة عبر التاريخ وتتميز بموقعها الرائع على بعد بضعة أميال من البحر. وقد غادرها السلام عندما نزلت القوات المعارضة للقذافي إلى البلدة في عام 2011 واتهمت سكانها بمساعدة قوات القذافي. وعلى الرغم من انكار سكان المدينة ذلك فقد مُنحو مهلة لمدة 30 يوما: إما الخروج من المدينة أو مواجهة التطهير العرقي. لم يهدر المتمردون وقتهم في فتك المدينة بأكملها منذ ذلك الحين وُصف ما فعلوه بجريمة الحرب. تقف في هذه الأيام المجمعات السكنية الفارغة بزجاجها المكسور والألغام (المضادة لمكافحة للأفراد) المتناثرة.

كونسونو، إيطالياكان حلم رجل الأعمال الإيطالي ماريو بانو السامي إنشاء مدينة ألعاب وهي نسخة مصغرة من لاس فيغاس في إيطاليا. وقد بدأ الأمر مثالياً عندما وجد المكان المثالي في كونسونو (Consonno) وهي قرية صغيرة تضم 200 فرد فقط وتقع على بعد ساعة خارج ميلانو. وقام بدفع 22.5 مليون ليرة في عام 1962  (حوالي 16,600 دولار)، وقام بجرف القرية بأكملها لإفساح المجال لمتنزه التسلية المستقبلي. كانت كونسونو قرية نادرة آنذاك بحيث كان هناك طريق واحد فقط يؤدي اليها. ومع ذلك لم يلغِ هذا السبب حلم بانو. في عام 1972 غطت الانهيارات الأرضية الطريق ومنعت وصول الجرافات والمعدات الثقيلة الأخرى. في هذا الوقت نقصت الموارد المالية لدى مانو حتى تخلى عن المشروع. وقد أعيد فتح الموقع لفترة وجيزة في عام 1980 لتكون بمثابة دار للرعاية ولكن قد سقطت الكثير من المباني والمرافق بسبب حالتها السيئة وتم إغلاق المشروع للمرة الأخيرة في عام 2007. [https://www.arageek.com/]

3 / ج – تحكم العولمة في الأقلمة

   ينطوي التحكم هنا على استجابة الاقلمة للعولمة وتعزيزها الى درجة تحد من توقعات استجابة الدولة ذات التوجه الفردي للمنافسة.

في الواقع تعتبر العولمة Globalization مزيجاً متبايناً من الروابط والعلاقات المتداخلة التي تتجاوز الدولة القومية (وضمنياً المجتمعات) وهو ما يصنع النظام العالمي الحديث. انها تحدد عمليات يمكن ان يترتب عليها ان يكون للأحداث والقرارات والأنشطة في جزء ما من العالم نتائج مهمة بالنسبة الى الأفراد والجماعات في أجزاء أخرى بعيدة عن الكرة الأرضية.

إن تعريفات العولمة متعددة الأبعاد فهي سياسية وايديولوجية واقتصادية وثقافية وغالباً ما تكون صوراً (كاريكاتورية) في المجادلات المعقدة. ويمكن (عولمة) كثير من الأشياء كالبضائع والخدمات والأموال والبشر والمعلومات والتأثيرات في البيئة وكذلك الأشياء المجردة مثل الأفكار والأعراف السلوكية والممارسات الثقافية. فالعولمة يمكن أن تتحقق من خلال أربع طرق على الأقل: تفاعلات من جانبيين والمحاكاة والاتصالات من طرف واحد والمماثلة المؤسسية (أي النزعة الى اكتساب الشكل نفسه) أما المثل الجوهري لكل هذه العمليات الأربعة في حالة تحققها فيوجد في توسيع ما يمكن ان نطلق عليه عولمة السوق والتي تتسم بإن لها أسواق على مدار الأربعة والعشرين ساعة أو المؤسسات غير التابعة للدولة. وكذلك التوسع غير المحدود وإعادة تحديد مواقع الاستثمار الأجنبي المباشر بشكل متواصل وبروز مجتمع المعلومات العالمية والمنافسة التي يحددها قانون السعر الواحد.

   اما الأقلمة Regionalization فهي نشاط بين الدول يتراوح بين تنسيق قوى للسياسة وان يكون اولياً كالنموذج القائم في أسيا – المحيط الهادئ الذي سبق الانهيار الاقتصادي في المنطقة – وبين التكامل التام للدول في اطار سوق مشتركة على الاتحاد الأوربي.

   تمثل الأقلمة نشاطاً دون نشاط الدولة او دون الأنشطة الوطنية والذي يصبح فيه (المحلي) أكثر من ارتباطاً بالإقليمي أي العمليات السياسية والاقتصادية دون الوطنية.

الأقلمة مشروع بنائي المستوى فهي تتعلق بالمستوى القانوني في الدولة أما على المستوى الواقعي فهي تتحرك من خلال الشركة في اطار شبكة داخل الأسواق وان الأقلمة هي مظهر دال على العولمة وتتشابك معها ولا يمكن فهم واحدة في غياب الأخرى. أنها (الأقلمة) مرحلة وسيطة ومهيئة في العلاقة بين الدول من جهة وبين اقتصاد العولمة من جهة أخرى. وإن العولمة حافز للأقلمة سواء كانت ذات طبيعة واقعية خاصة أو طبيعة قانونية عامة وعلى المستوى الحكومي شهدت دول بعينها تقدمها في سياسات الأقلمة هو تعزيز مصداقية الكيانات الأعضاء في منطقة من المناطق إزاء اطراف خارجية وبخاصة المصادر المهمة التي يحتمل الحصول منها على الاستثمار الأجنبي المباشر وبهذا المفهوم فإن الأقلمة تمثل استجابة للعولمة وابرام اتفاقيات مع الجيران الإقليميين يوفر قاعدة سلوك للسياحة في وجه الضغوط المحلية بهدف التوصل الى استقلال السياسة على المستوى الأقليمي بصورة جماعية وهي السياسة المفقودة على المستوى المحلي.

 إن العولمة فوق هيكلية أقوى من الأقلمة والالتزام بمبدأ تحرير السوق العالمية يعتبر عنصراً جوهرياً للمناخات المواتية للمصلحة المشتركة على المستوى الأقليمي. والعولمة تعزز الاتجاه نحو الأقلمة الى درجة انها تحد من توقعات استجابة الدولة ذات التوجه الفردي للمنافسة العالمية وتشجع على الاستجابة الجماعية ولهذا بينما تكون العولمة هي القوة الهيكلية الأقوى يكون هناك دور أكبر للوكالة الواعية في الأقلمة مما هو في العولمة وتبدو الأشياء على المستوى الأقليمي لا العالمي أساس قيادياً من منطلق سياسي ويكاد الامريكيون متناقضون في حقبة العولمة عندما تصبح المسافة قيداً أقل أهمية على العلاقات الاقتصادية حتى ان العلاقات الإقليمية تتنافى عملياً ونظرياً. [فريدمان. 2000. ص. 60]

3 / ح – طغيان الأغلبية على الأقلية وتغّول الأقلية على الأغلبية

    من أحدى افرازات التدرج الاجتماعي أو عدم الاستواء الاجتماعي الذي يسود المجتمعات الإنسانية هو ممارسة (التأثير الاجتماعي) لا عن طريق امتلاك الثروة والعقارات أو السلطة أو المكانة الاجتماعية، بل عن طريق الحجم السكاني وتنوع قومياته وأديانه الذي يتم استخدامهم وأديانه الذي يتم استخدامهم في ممارسة التأثير الاجتماعي الذي يأخذ عدة صور منها مهادنة الأقليات أو القدرة على عرقلة التشريعات المختلفة جوهرياً عن القدرة على سن التشريعات رغم إرادة الأغلبية او استخدام حق النقض أو عرقلة التعديلات الدينية للأغلبية او ممارسة النقد من أجل النقد أو التصلب بالرأي أو خلق أزمات تشويش مستمر لا تنتهي وسواها.

   إذن يحدث تأثير عندما يؤثر افراد أقلية ما على الأغلبية لقبول معتقدات أو سلوك هذه الأقلية. وهناك نوعان من التأثير الاجتماعي عما تأثير الأغلبية (الامتثال) والثاني تأثير الأقلية (الأبتكار) يشير تأثير الأغلبية الى محاولتهم للوصول الى امتثال الأقلية، في حين يكون تأثير الأقلية هدفه تحويل الأغلبية لتبني تفكير أو موقف الأقلية على عكس الأنواع الأخرى من التأثير. إذ يشتكل تأثير الأقلية – في أغلب الأحيان – على تحول شخصي من الرأي الخاص. ويُعد تأثير الأقلية كذلك مكوناً محورياً في سياسات الهوية.

   وما دمنا في حدود عرض موضوع التدرج الاجتماعي نقول بإنه ليس دائماً تتفوق الأغلبية على الأقلية ولا تتفوق الأقلية دائماً على الأغلبية، بل هناك ظروف بنيوية تحدد ذلك إنما في كلا الحالتين يحصل تغلب احدهما على الأخر ويمارس سلطته ونفوذه عليه وبالمقابل يمارس المغلوب عليه المعارضة والصراع معه وهكذا لكن الشيء السائد هو ان الأقلية الحاكمة تكون دائماً في قمة الهرم وتكون الأغلبية المحكومة في قاعدة الهرم.

   وبعد هذا الاستطراد أدلف الى توضيح عنوان هذا الموضوع بشكل مفصل.

فلسفة حكم الأغلبية: من أكثر الانتقادات شيوعاً والتي توجه إلى الديمقراطية هو خطر (طغيان الأغلبية) وأول من نحت هذا المصطلح هو “ألكسيس دو تاكفيل” في كتابه “الديمقراطية في أمريكا، الذي ألفه عام 1831” ولكن العبارة مع ذلك تُنسب إلى جون ستيوارت ميل، إذ وردت في كتابه “حول الحرية” الذي ألفه عام 1859 وكانت حينها تشير إلى الانسجام الاجتماعي وليس إلى الحكم الديمقراطي. لم تكن قضية الأغلبية بخافية على الديمقراطيات اليونانية القديمة. وهي قضية منفصلة عن المعيار العالمي لحق التصويت ولكنها تتضمن حقاً دستورياً واسعاً لأنه بخلاف ذلك ستكون هناك أقليات متناحرة. ويمكن تطبيق هذا الحق في الديمقراطية المباشرة والنيابية. يتضمن (طغيان الأغلبية) القول بأن حكومة تعكس وجهة نظر الأغلبية بإمكانها اتخاذ إجراءات لقمع أقلية معينة. وهذه الأغلبية في بعض الأحيان هي أغلبية نسبية من الناخبين وهي تعد لذلك أقلية. وهنا تمارس إحدى الأقليات طغيانها على أقلية أخرى باسم الأغلبية. إن الأغلبية المهيمنة سياسياً (وهي إما أغلبية حقيقية أو نسبية) قد تقرر بأن أقلية معينة – سواء كانت دينية أو سياسة أو عقائدية أو من يحملون فكر الأقلية، يجب تجريمها إما بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وهذا يقوض الفكرة القائلة بأن الديمقراطية تخويل للناخبين ككل. والامثلة المحتملة على طغيان الأغلبية تتضمن:

  • أصدرت عدد من الدول الأوروبية قرارات تحظر استخدام رموز دينية شخصية معينة. ينظر البعض لهذا الحظر على أنه موجّه إلى الأمور التي تعد رموزاً إسلامية – كالحجاب والبرقع والنقاب. وقد تم حظر استخدام الرموز المشار إليها آنفاً في المدارس العامة في فرنسا حسب قانون العلمانية والرموز الدينية الواضحة. يرى معارضو الحظر أن فيه انتهاكاً لحق الحرية الدينية، أما مؤيدوه فيرون فيه جزءاً من نشاطات فصل الدين عن الدولة.
  • منع المواد الإباحية يحدده مدى استعداد الأغلبية للقبول بها. ففي الولايات المتحدة يعد توزيع المواد الإباحية أمراً محظوراً إذا انتهك المنشور “المقاييس الاجتماعية” للحشمة.
  • القانون الخاص بالإجهاض إنما تحدده المواقف الدينية للأغلبية. فبالنسبة لمؤيدي “الحياة” من مناوئي الإجهاض تعد الأجنة غير المولودة أقلية مظلومة وعاجزة ومحرومة من حقوقها لذا فإن فرض حظر على الإجهاض يعتبر استخداماً صحيحاً لسلطة الدولة.
  • الاستخدام الترفيهي للعقاقير والمخدرات أيضاً مقنن (أو يمكن تحمله على الأقل) إلى الدرجة التي تراها الأغلبية مقبولة. وقد يرى من يتعاطى العقاقير والمخدرات أنفسهم أقلية مضطهدة، أو ضحايا تجريم غير مبرر.
  • معاملة المجتمع للشاذين جنسياً تدخل هي الأخرى في سياق النقطة السابقة. فقد كان يتم تجريم أفعال الشذوذ الجنسي في الديمقراطيات بشكل واسع حتى قبل عدة سنوات خلت، وفي بعض الديمقراطيات لا زالت تلك الأفعال موضع تجريم وهو ما يعكس العادات الدينية أو الجنسية للأغلبية.
  • شهدت الديمقراطية الإثنية وكذلك الولايات المتحدة في بدايات تأسيسها نظام العبودية.
  • تم انتقاد تجنيد الناس في الولايات المتحدة في بدايات حرب فيتنام على أنه اضطهاد لأقلية محرومة من حقوقها وهم الشبان بين 18 – 21 عاماً. وكردّ على ذلك تم رفع عمر من يشملهم التجنيد إلى 19 عاماً فيما تم خفض من يحق لهم التصويت في عموم البلاد (إلى جانب خفض من يحق لهم شرب الكحول في عدد من الولايات). وفي الوقت الذي لم يعودوا فيه محرومين من حقوقهم فإن الخاضعين للتجنيد ظلوا أقلية.
  • الأغلبية هي غالباً من يفرض الضرائب على الأقلية الغنية بنسب عالية متزايدة، وذلك بنية تحميل الاغنياء عبئاً أكبر لأغراض تحسين الأوضاع الاجتماعية. وهو ما تتم معادلته من قبل الأغنياء بلجوئهم إلى خبرات المختصين (مستشاري الضرائب والمحامين).

في الديمقراطيات الغربية المزدهرة يشكل الفقراء أقلية بين السكان، وقد تحرمهم الأغلبية من الذين يرفضون التحويل الضريبي. وينطبق ذلك على وجه الخصوص في الحالات التي يشكل فيها الفقراء طبقة سفلى متميزة حينها قد تلجأ الأغلبية إلى استخدام العملية الديمقراطية بالنتيجة لحرمانهم من حماية الدولة. الديمقراطية الإثنية الكلاسيكية هي التي أعدمت سقراط بتهمة عدم التقوى، أو بمعنى آخر لكونه يحمل رأياً مخالفاً رغم أن مدى ارتباط هذا المثال بالديمقراطية المعاصرة لا زال موضع جدل.

من الأمثلة التي غالباً ما يَشار إليها في الحديث عن طغيان الأغلبية هو مجيء “أدولف هتلر” إلى السلطة عن طريق إجراءات ديمقراطية مشروعة. فقد حصل الحزب النازي على الحصة الأكبر من أصوات الناخبين في جمهورية فايمار في عام 1933. وقد يعد البعض هذا مثالاً على “طغيان الأغلبية” بما أن “هتلر” لم يحصل قط على غالبية الأصوات، ولكن الشائع بالنسبة لنظام تعددي للممارسة السلطة في الديمقراطيات، ولهذا فإن بروز نجم “أدولف هتلر” لا يمكن اعتباره غير ذي علاقه بما نناقشه هنا. ولكن مع هذا فإن انتهاكات نظامه الواسعة في مجال حقوق الإنسان إنما حدثت عقب إلغاء الحكم الديمقراطي. كما أن دستور جمهورية فايمار في حالة “طوارئ” سمح للقوى الدكتاتورية بالظهور وبإيقاف العمل بأساسيات الدستور نفسه من دون الرجوع إلى تصويت أو انتخابات، وهو ما ليس مسموحاً به في معظم الأنظمة الديمقراطية الليبرالية. يردّ مؤيدو الديمقراطية على الانتقادات الموجهة إلى “طغيان الاغلبية” بعدة نقاط: أولها، وجود الدستور في العديد من الدول الديمقراطية يعمل كوقاية ضد طغيان الأغلبية. وعلى العموم يتطلب إجراء التغييرات في تلك الدساتير موافقة الأغلبية الساحقة للنواب المنتخبين، أو موافقة قاض وهيئة محلفين للتأكد من أن الأدلة والإجراءات المطبقة من قبل الدولة لإجراء التغيير المذكورة قانونية، أو تتطلب تصويتين مختلفين من قبل النواب بين عمليتين انتخابيتين أو في بعض الأحيان إجراء استفتاء للمصادقة على التغيير. وغالباً ما يتم المزج بين العديد من هذه الإجراءات. كما إن فصل السلطات إلى تشريعية وتنفيذية وقضائية يجعل من الصعب على أغلبية بسيطة أن تفرض إرادتها. وهذا يعني أنه لا زال بإمكان أغلبية ما أن تضطهد أقلية ما بصورة شرعية (وهو أمر لا زال محل جدل من الناحية الأخلاقية) ولكن تلك الأقلية لابد وأن تكون صغيرة جداً أو عملياً يصعب إقناع قسم أكبر من الناس بالموافقة على إجراءات كهذه.

والحجة الأخرى التي يقدمها المدافعون عن الديمقراطية هو أن الأغلبيات والأقليات يمكن أن تتخذا هيئات وأشكال مختلفة وفي قضايا مختلفة. فالناس عادة يتفقون مع رأي الأغلبية في بعض القضايا ويخالفون رأيها في قضايا أخرى. كما أن آراء الفرد معرضة هي الأخرى لأن تتغير. ولهذا فإن بإمكان أعضاء في أغلبية ما التقليل من الاضطهاد الحاصل لأقلية ما طالما انهم هم أيضاً مرشحون لان يصبحوا ضمن إحدى الأقليات في المستقبل.

والحجة الثالثة الشائعة هي أن حكم الأغلبية برغم مخاطره أفضل من أشكال الحكم الأخرى وان طغيان الأغلبية في كل الأحوال هو نسخة معدلة ومحسنة من طغيان الأقلية. ويدفع مؤيدو الديمقراطية بان الأدلة والبراهين الإحصائية تظهر بانه كلما زادت جرعة الديمقراطية كلما قلت درجة العنف الداخلي وقتل الشعب. وهو ما يُطلق عليه أحياناً بقانون رومل الذي ينص على أنه كلما حصل الناس على قدر أقل من الحريات الديمقراطية كلما زادت احتمالات أن يتعرضوا للقتل من قبل حكامهم. [https://ar.wikipedia.org]

لماذا تنحاز الأقليات ( القومية والدينية والعرقية ) إلى أساليب ( الكراهية و العنصرية والاقصاء ) ؟

سيكولوجية الأقلية:حسب العديد من الدراسات التي قام بها علماء النفس أمثال (موسكوفيشي و ليغ)  Moscovici and Lage 1976، فقد لاحظا أن الأفكار المتطرفة التي تميل للعصبية والتزمت البعيدة كل البعد عن المنطق والحقيقة موجودة بكثرة عند الأقليات عكس الأغلبية التي تميل للاطمئنان بسبب كثرة عددها  فالأقليات التي تشعر أنها مهددة في وجودها غالبا ما تتبنى (عقلية التعصب وإقصاء ونكران وجود الأخر) ضد الأغلبية المحيطة بها وسمى العلماء هذا الأسلوب في الخطاب بالدوغماتية (أو التصلب بالرأي) (Dogmatism)

ويزداد مفعول الأقلية في محيطها حين تظهر بأنها تقدم تضحيات شخصية أو مادية ذات قيمة، وغاية الأقليات من خلال هذا التعصب في الرأي هو (تغيير وجهات نظر الأغلبية لصالح ما يخدمها من الأفكار) جعل الأغلبية ترى نفسها بنظرة ازدرائية في مواقفها أو آرائها أو افكارها. ففي واحدة من التجارب، أصدر العالمان “موسكوفيشي و ليغ” تعليماتهما إلى أقلية مؤلفة من حليفين لوصف لون أزرق على أنه لون أخضر. (وهو رأي خاطئ) لكن تفاجؤوا أن الأغلبية التي كانت في البداية تقول الصواب غيرت رأيها بالتدريج إلى رأي الأقلية الذي كان رأيًا خاطئا فدلت النتائج على أن وجهات نظر الأغلبية تغيرت لأخذ بوجهات نظر الأقلية بسبب ثبات وتصلب الأقلية على رأيها، وعلى أن هذا التأثير استمر في الظهور حتى بعد انسحاب الأقلية من التجربة و إعطاء الأغلبية لآرائهم في غياب الاقلية. و خلصا من خلال هذه التجربة أن ثبات الأقلية على رأيها الخاطئ وتقديم تضحيات من أجله  جعلها تغير رأي الأغلبية الصائب لصالحها.

   ولخصا أن هذا التحول راجع لأن الأقليات أكثر ثبات وتمسك بآرائها حتى لو كانت آراؤها  خاطئة والهدف من هذا الثبات على الآراء الخاطئة هي الأسباب التالية:

 1 – زعزعة معيار الأغلبية، وخلق الشك وعدم اليقين.

2 – جلب الانتباه إلى الأقلية ككيان اجتماعي قائم أحسن من كيان الأغلبية.

3 – الكشف عن وجود وجهة نظر بديلة محددة المعالم (غير وجهة النظر السائدة).

4 – تقديم الدليل على وجود يقين والتزام لا يتزعزعان بوجهة نظر معينة ولو كانت خاطئة. المهم أن تضل الأقلية متمسكة بها حتى تفرضها على الأغلبية (فصوابها من خطئها لا يهم).

5 – دفع الجماعة إلى الاعتقاد بأن الحل الوحيد للصراع القائم في وجهات النظر لديها هو الأخذ بوجهة نظر الأقلية وإلا ستقوم الأقلية بخلق أزمات تشويش مستمرة لا تنتهي إلا برضوخ الأغلبية لها.

من الناحية  السياسية والإيديولوجية، استعمل العلماء هذه الظاهرة العلمية (تأثير الأقليات على الأغلبية)  في خلق ولاءات سياسية جديدة أو لتشكيل  هويات سياسية (ايدلوجية) جديدة مغايرة للهوية السائدة داخل مجتمعات محافظة أو معادية، حتى يسهل اعادة تشكيل الوعي الجمعي لتلك المجتمعات لما يناسب الرؤى السياسية للقوى الكبرى العالمية وعن الأساليب التي طوروها باستعمال نقطة دوغماتيزية  الأقليات  ضد الأغلبية المحيطة بها تقوم الاقليات:

1 – بالترويج بين أتباعها لثقافة الخوف المستمر من الآخر(المغاير) والتشكيك فيه واعتباره قابلاً للغدر في أي لحظة وأخذ الحيطة والحذر إلى أقصى حد ممكن ليس فقط في الأفعال ولكن حتى في الكلام. وهذا لنزع المصداقية من أي كلام عقلاني يأتي من الأغلبية وجعل أتباعها دوما  تبعا لها في كل كلامها وأفكارها المنغلق على ذاته  ومنع أي تلاحم مستقبلي مع الأغلبية.

2 – توجد عند الأقلية رغبة شديدة لامتلاك ناصية القوة (في كل المجالات العسكرية الاعلام الاقتصاد السياسية) لما تراه من تهديد لوجودها لا يمنعه إلا الاستحواذ على هذه القوى وعند استحواذها عليها فإنها لا ترحم الأغلبية إلا نادرا بل تزيد من قبضتها واحتكارها لهذه المجالات رغم قلة عددها مقارنة بالأغلبية فالأقلية لا تؤمن بالديمقراطية والتداول أو التقاسم العادل على السلطة في هذه المجالات. خصوصًا الإعلام باعتباره أداة ضغط وقوة ناعمة التي تساعدها في تغيير وجهة نظر الأغلبية لما يخدمها ولتحسين صورتها، (الأقليات أكثر ميلا للدولة العلمانية من الدولة الدينية) هذا راجع لطبيعة الدول العلمانية التي تجعلها تتسيد على الأغلبية بقناع الديمقراطية بينما الدولة في الإسلام فتعطي كل فئة قدر حجمها. وتحترم خصوصية كل طائفة في نطاقها الجغرافي وفقط. وهذا ما تستعمله أمريكا وروسيا في المشرق العربي (سوريا والعراق  ومصر ولبنان) ويؤكده يوسف العتيبة أن الأقليات هي من تسير هذه الدول لمنع تلاحم الأغلبيات (العربية السنية)  مع بعضها.

3 – تقوم (تزدهر) الأقليات بناءً على مشاعر وأفكار المظلومية والاضطهاد والعزلة التي تنشرها في أتباعها وتغرسها في تفكيرهم ( أنهم محتقرون مظلومون مضطهدون) حتى لو كانوا عكس ذلك فتروج لكل الخصومات (حتى التاريخية التي مرت عليها قرون وتناساها الناس) وتعيد إحياء ذكرها وسط أتباعها  وتغرس فيهم أن مهمتهم في هذه الحياة هي الثأر من أحفاد أولئك الظالمون حسب نظرتها (وهي نقطة تناقض  المبدأ  القرآني في عدم الترويج للكراهية أو  تحميل الأحفاد أخطاء الأجداد) وهذا لخلق نوع من الانقسام الانعزال الفكري عن بقية المجتمع التي تعيش وسطه .

كتب التاريخ أن كل ثقافة جديدة (حتى لو كانت مبنية على الخزعبلات)
لا بد لها أن تعادي ثقافة غالبة لها لتتمايز- تنعزل – عنها  (و لو كانت الغالبة علمية متحضرة متسماحة) فإنه لا بد من معاداتها وادعاء تسلطها وظلمها لهم
فأول ما تدعيه الأقلية هو (المظلومية) التي ما تفتأ أن تُسكن الحقد الشديد في قلوب أتباعها لأن الحقد مولد للعصبية العمياء التي تحيط بالثقافة (الوليدة) وتبقيها موجودة وتجعل أتباعها يحاربون من أجلها.

4 – تقوم الأقليات بالتعظيم الذي يصل إلى حد التقديس لأسماء بعض أفرادها لجعلهم رموز هويتها المميزة الجديدة (لأناس من التاريخ أو من الحاضر) وغالبا ما تختار أسماء أشخاص كانت لهم عداوة واضحة وصريحة مع هوية الأغلبية (اللغوية أو الدينية أو العرقية) حتى تبقي تعصبها والحقد مُتجدد داخل عقول أتباعها. وكلما كان ذلك الشخص متطرفا ضد هوية الأغلبية كلما اتخذته الأقلية رمزا لها وقدسته كالنبي أو ( الرسول العرقي) بالنسبة لها .

5 – ترى الأقلية نفسها أنها مهددة في وجودها ولذلك فهي في حرب مقدسة لا تنتهي حتى تغير أفكار الأغلبية لما يتوافق مع رؤيتها وأفكارها للعالم، وكل الأساليب فيها مباحة من ترويج وتكرير لمعلومات خاطئة، من تحايل في نسبتها داخل المجتمع، في نسبة كل الخير لها، وكل الشر لمخالفيها، بالتفاخر المستمر واحتقار الآخر (لرسم صورة ازدرائية عنه في المخيلة الجمعية) فلا يهم الأقلية تبنيها أساليب الكراهية والعنصرية أو ترويجها لمعلومات مغلوطة وللأساطير، بل ما يهم هو تجنيد المزيد من الأتباع حتى تتغير الكفة لصالحها. [https://www.hamzapress.com]

3 / خ – الطبقة البرجوازية والطبقة البروليتاريا

   نمط أخر من أنماط التدرج الاجتماعي (عدم الاستواء الاجتماعي) في المجتمعات البشرية وهو الأكثر شيوعاً وذيوعاً في المجتمعات الحضرية والصناعية والرأسمالية المتقدمة يمثل (هذا النمط) طبقتين اقتصاديتين واجتماعيتين مختلفتين في حجمهما وعملهما ونفوذهما وموقعهما على التدرج الاجتماعي تسمى الأولى الطبقة البرجوازية Bourgeoisie وهم من أبناء المدن ذات المراكز التجارية التي أزالت النظام الاجتماعي في أوروبا ودعمت المبادئ الدستورية والحق الطبيعي ضد الامتيازات التي يتمتع بها النبلاء والأساقفة ومزاعم الحق الإلهي. وهي متألفة من الصناعيين والمصرفيين والتجار والموظفين، انهم الأقلية القوية في الهرم الاجتماعي في حيازتهم مصادر السلطة المادية وشراء قوة العمل المأجور معظمهم من مُلاك ومديري الإنتاج الذي ينتجه العمال ويتحكمون فيه. أي يستغلوا العمال عن طريق التحكم في قوة عملهم. فلا جرم من القول بإن البرجوازيين أجبروا العمال على قبول وظائف وأجور متدنية للعيش كذلك بسطت سيطرتها على خدمة مصالحها الخاصة وذلك على حساب الطبقة البروليتاريا العاجزة عن حماية وتحسين معيشها.

    أما الطبقة الثانية البروليتارية Proletariat فأنها تضم العمال الفقراء جلبهم من الأغلبية المضطهدة متجردين من مصادر السلطة المادية (وسائل الإنتاج) والعنف والمعرفة ومن ثم الاضطرار في بيع قوة العمل المأجور. انها طبقة العمال الكادحين ليس لهم رأس مال ومجبورين على بيع مجهودهم في العمل من أجل البقاء فيه بمعنى ان هؤلاء العمال يبيعوا أنفسهم كأي سلعة تجارية تعاني من الفقر نتيجة الاستغلال الرأسمالي لها. ولأنها هي التي تتأثر أكثر من غيرهما بحالات الكساد والأزمات الدورية وتتحمل هذه الطبقة جميع أعباء المجتمع دون التمتع بمميزات متكافئة مع جهودها. تقع مكانتها في أسفل التدرج الاجتماعي مُستَغَلّة من قبل أصحاب المواقع العليا في التدرج. ولكي نوضح هذا النمط التدرجي بشكل أوسع نقدم التفاصيل التالية:

   البورجوازية طبقة اجتماعية ظهرت في أوروبا أواخر القرون الوسطى وتوسطت طبقة النبلاء وطبقة الفلاحين الفقيرة، وارتبط وجودها بالمدينة التي ساهمت بشكلٍ كبير في تطورها لا سيما مع الثورة الصناعية التي مكّنتها من القضاء على امتيازات النبلاء وانتزاع السلطة منهم.

الأصول والنشأة: اشتق مصطلح البورجوازية من الجذر “bourg”، ويعني التجمع السكاني الذي يحمل معالم المدينة في العصر الوسيط والقرون الأولى من النهضة الأوروبية. ومنذ القرن الثالث عشر، بدأت باكورة الطبقة البورجوازية بالظهور في التجمعات السكنية أو “البورغات” إلا أنها لن تُعرف باسمها الشائع إلا بعد ذلك بثلاثة قرون، ولن تكون طبقة اجتماعية معروفة ولها مواصفات دقيقة وبادية للعيان إلا مع الثورة الصناعية في القرن الـ 18.

وقد ارتبط اسم البورجوازية بالمدينة نظرا لنشأتها في هذه التجمعات السكانية المتميزة عن الوسط القروي الذي كان هو مجال النشاط الاقتصادي الرئيسي، بحكم أنّ مرحلة ما قبل التصنيع كانت تستند بشكلٍ كبير على الفلاحة والتنمية الحيوانية وبدرجةٍ أقل على التجارة والصناعة التقليدية والقطاع المصرفي، وهي قطاعات نشأت في “البروغات” – أو المدن – على يد السواد الأعظم من السكان الذي بات يُعرف بالبورجوازية، أي سكان المدن.

التمكن والسيطرة: تعززت مكانة البورجوازية مع الثورة الصناعية فاستطاعت إلغاء امتيازات النبلاء وأبعدتهم عن السلطة، وباتت هي القوة الاجتماعية الضاربة والمهيمنة على المصانع.

   ويرى “كارل ماركس” أن البورجوازية هي الطبقة الاجتماعية المهيمنة في البلدان الرأسمالية بحكم سيطرتها على وسائل الإنتاج واستغلالها الطبقة الكادحة (البروليتاريا) بالإبقاء على الأجور في أدنى مستوياتها محققة بذلك هدفا مزدوجا: فمن ناحية تُبقي كلفة الإنتاج منخفضة مما يضمن هامش ربح أكبر، ومن ناحية أخرى تُبقي الطبقة الكادحة ضعيفة نظرا لتواضع دخلها.

ويعود الفضل إلى الطبقة البورجوازية في تفجير الثورة الفرنسية عام 1789 التي كانت لها آثار مشهودة على كامل أوروبا، إذ فتحت عيون شعوب القارة على الثورة على الاستبداد وحكم النبلاء بالتحالف مع الكنيسة.

ونجحت البورجوازية في إقصاء طبقة النبلاء من السلطة عبر إلغاء امتيازاتها من خلال وضع أسس دولة القانون التي هي أنموذج الحكم السائد اليوم في أوروبا وأميركا الشمالية، وتقوم على المساواة والمواطنة وإلغاء الامتيازات، وربط المردودية بالعمل والجهد المبذول من قبل الشخص.

ومهد هذا التحول لسيطرة البورجوازية بشكلٍ مطلق على الدول القومية في مختلف أرجاء القارة، وما زالت إلى اليوم هي القوة الاجتماعية الأقوى والأكثر قدرة على التأثير وإن تبدلت التسميات والتقسيمات الاجتماعية، مع ترسخ المجتمع ما بعد الصناعي بتعقيداته الكبيرة، التي يتداخل فيها الاجتماعي بالمهني إلى حد كبير.

أقسام البورجوازية: تنقسم البورجوازية إلى عدة أقسام، فنجد في قمة الهرم البورجوازية العليا، وهي الطبقة الأكثر غنى وتملك وسائل الإنتاج وتُسمى بالطبقة الرأسمالية، وهي القوة المالية والإدارية الضاربة في الاقتصادات الرأسمالية.

في المرتبة الثانية، نجد البورجوازية المتوسطة وهي وقود الآلة الاقتصادية والصناعية، وتنتمي إليها الأطر العليا كالمهندسين والأطباء والمصرفيين ومن على شاكلتهم من أصحاب المهن الحرة كالمحامين والتجار المتوسطين، وتتميز هذه الطبقة بهيمنتها المطلقة على الدورة الاقتصادية وقدرتها على التأثير في القرار السياسي والاقتصادي نظرا لقدرتها على التعبئة وصناعة الأفكار وترويجها، وبالتالي تحريك الرأي العام لصالحها. ومن ميزات هذه الطبقة دخلها المرتفع وتوفرها على أملاك عقارية هامة.

وفي أسفل الترتيب، نجد البورجوازية الصغرى المؤلفة في سوادها الأعظم من صغار التجار والفلاحين والأطر والتقنيين الذين هم دون البورجوازية المتوسطة ولكن مستواهم المعيشي والتعليمي أعلى من الطبقة الكادحة أو البروليتاريا.

وتُشكل البورجوازية الوسطى والصغرى ما يُعرف في مجتمع الاستهلاك السائد اليوم بـ “الطبقة المتوسطة” التي باتت اليوم القوة الأهم في تحريك الاقتصاد بحكم تحسّن مستوياتها التعليمية وقدرتها المضطردة على التنظيم وعلى التعبئة من أجل مصالحها.

وفي العقود الأخيرة، سمح النمو الاقتصادي الهائل الذي عرفه العالم الغربي باتساع الطبقة المتوسطة بشكلٍ كبير. وفي عالم اليوم، باتت الطبقة المتوسطة هي الممثل الأكثر حضورا ونشاطا للبرجوازية التاريخية، كما أنَّها المنافح الأهم عن دولة الحق والقانون والمواطنة التي بشَّرت بها البورجوازية في نشأتها الأولى. [https://www.aljazeera.net]

3 / د – دول الشمال ودول الجنوب

  انه نمط تدرجي لا علاقة له بالتوزيع الجغرافي أو الديموغرافي (سكاني) بل تدرج يوضح التقدم والتخلف في مجتمعات العالم المعاصر تبلور استخدامه وتصنيفه في العقد السابع من القرن العشرين مميزاً بين الدول المسيطرة والدول الخانعة بين قوى مسيطرة ودول ضعيفة، بين دول تمتاز بالقدرة على التحرك ودول غير قادرة. لكن واقع الحال ان بلدان الجنوب تمول بلدان الشمال، انه تدرج دولي (دول الشمال تشير الى الدول الصناعية المتقدمة والرأسمالية ودول الجنوب تمثل الدول النامية والمتخلفة تكنولوجياً) وليس طبقي أو ديني أو سياسي أو طائفي أو حزبي أو فردي.

لإيلاء توضح أكثر عن هذا النمط الثنائي في تدرجه الدولي والاجتماعي نقدم تفاصيل كلٍ من مفردات هذه الثنائية لكي تكتمل صورة هذا التدرج الدولي الذي اختلف عن باقي أنواع التدرجات الثنائية المتصارعة وهي ما يلي:

مفهوم دول الجنوب وهي البلدان المتميزة بتعدّد مشاكلها الاقتصاديّة والاجتماعيّة، وسميت بهذا الاسم بسبب وجود خط وهمي يفصل الدول المتقدمة (دول الشمال) عن الدول الفقيرة (دول الجنوب)، لكنه في الحقيقة يمثل اللا مساواة واللاعدالة في التنمية، وقد انطلقت هذه التسمية في السبعينات من القرن الماضي، وقد أطلقت العديد من التسميات على هذه الدول، ومنها: الدول المتخلّفة، الدول النامية، البلدان الهامشيّة، دول الأطراف والدول الأقل تقدّماً. سنعرض في هذا المقال دول الجنوب وخصائصها، وعوائق التنمية فيها.

دول الجنوب دول قارّة أفريقيا. دول قارّة آسيا باستثناء اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان. دول أمريكا اللاتينية. دول أوقيانيا ما عدا أستراليا ونيوزلندا. خصائص دول الجنوب ارتفاع نسبة النمو السكانيّ سنوياً، حيث تصل بمعدل 2 -3% في أفريقيا. تدّني العمر المتوقّع عند الولادة. ارتفاع نسبة الأميّة؛ حيث تتراوح بين 30 – 50% في الدول الأكثر فقراً. انتشار ظاهرة الفقر والمجاعات: فالملايين في دول أفريقيا وآسيا يموتون جوعاً سنوّياً. انخفاض نسبة الفرد من الناتج المحليّ: فالمعدل المحليّ يصل إلى 1000 دولار سنوياً، إلا أنّه لا يتجاوز 10 دولار في موزامبيق. تدّني المستوى الصحيّ والثقافيّ. ارتفاع معدّل البطالة. التفاوت الحادّ في طبقات المجتمع. الضعف الإنتاجيّ في القطاعات العامة. عوائق التنمية في دول الجنوب عوائق داخلية الانخفاض في الدخل الزراعيّ، وتراجع إنتاجيته بسبب استخدام الوسائل التقليديّة في الزراعة، ونقصٍ حادٍّ في التجهيزات والمعدّات الزراعيّة الحديثة. التفاوت في دخل القطاعات الاقتصاديّة، ممّا دفع الناس إلى هجرة الزراعة والحرف نحو القطاع الآخر، فتضخّمت المدن بالسكّان، وازدادت الأحياء العشوائيّة البائسة. النمو السكانيّ السريع، والذي تخطّى سرعة النمو الاقتصاديّ، ممّا أدى إلى تفاقم أزمة البطالة، وتدهور الخدمات المتنوّعة. ارتفاع نسبة الأميّة، وغياب العقليّة المثقفة المؤسسّة، ممّا أدّى إلى الاستهلاك التفاخريّ بدلاً من الاستثمار الإنتاجي. نقص في الكفاءات الصناعيّة، والكوادر العليا، بالتالي نموّ الاستدانة والاستعانة بالخبراء وبكلفةٍ عالية. انتشار الجفاف والتصحّر والفيضانات، وتدهور التربة المتمثلة بالعوائق الطبيعيّة.

عوائق خارجية التقسيم الدوليّ للعمل، حيث تعمل الشركات المتعدّدة الجنسيات على تنمية فروع صناعيّة وفق مصالحها الاقتصاديّة، ممّا يزيد من التفاوت بين القطاعات، ويخلق ثنائيّة الاقتصاد. السيطرة التكنولوجيّة من قبل الدول الصناعيّة، ممّا يزيد من تكلفة التقنيات المتطوّرة، وتتجنّب الدول تصديرها لحساباتٍ استراتيجيّة. سيطرة الدول على أسعار الموادّ الأوليّة التي تصدرها الدول النامية. خدمة الديْن التي ترهق موازنة الحكومات، وتُقلّص تطلعاتها التنمويّة، كما تفرض المؤسسات الدائنة شروطاً، تلزم الحكومات مقابل الديون والأقساط. [https://mawdoo3.com]

  مفهوم عالم الشمال هو مصطلحٌ سياسيٌ، واقتصاديٌ، ظهرَ في القرن العشرين للميلاد، والهدف منه الإشارة إلى مجموعةِ الدُول الأوروبيّة التي تتميزُ بتطورها في العديدِ من المجالات الاقتصاديّة، والصناعيّة، والتجاريّة، وأيضاً يعرفُ مفهوم عالم الشمال بأنّه التعريفُ الذي ارتبطَ بالدُولِ التي توجدُ في القسم الشماليّ من الأرض، وتحديداً في قارةِ أوروبا، ومنها السويد، والدنمارك، والنرويج، وفنلندا، وغيرها مِن الدُولِ التي تمتدُ حتّى المُحيط الأطلسيّ.

إن استخدامَ مفهوم عالم الشمال وربطه بتلك الدُول الأوروبيّة، يهدفُ إلى الفصلِ بينها وبين الدُولِ التي توجدُ في القسمِ الجنوبيّ مِن الأرض في قارةِ أوروبا، والتي يُطلقُ عليها مسمى عالم الجنوب، وتفتقرُ هذه الدول إلى العديدِ مِن الخصائص الموجودة في دُولِ عالم الشمال مثل: عدم قدرتها على التطور، أو النموّ الاقتصاديّ السريع. خصائص عالم الشمال يتميزُ عالم الشمال بمجموعةٍ من الخصائص، وهي: انخفاض معدل نمو السكان؛ إذ تعتبرُ مجتمعات عالم الشمال صغيرةً مِن حيث عدد السكان، ولا تشهدُ أي تزايدٍ كبيرٍ في نسبِ المواليد التي تصلُ إلى 1%. تطور التعليم في عالم الشمال؛ وذلك لاهتمام الدول الموجودة فيه بتقديمِ كافة الوسائل التي تدعمِ قطاع التعليم، وساهم ذلك في تقليلِ نسبة الأميّة. نمو القطاع الاقتصاديّ؛ إذ إنّ الناتج المحليّ لدُولِ عالم الشمال يشهدُ ارتفاعاً مستمراً، فتشيرُ الدراسات الاقتصاديّة إلى أن نسبةَ 80% من ناتج الاقتصاد العالميّ ينتجُ من خلال دُولِ عالم الشمال. تطور قطاع الصناعة، حيث يشهد قطاع الصناعة في مُختلفِ مجالاتهِ تطوراً ملحوظاً في عالم الشمال، ويؤثرُ تأثيراً مباشراً على نسبة الصناعة في الاقتصاد العالميّ. ارتفاع معدلات التنمية البشريّة، والتي تساهم في تطورِ مجتمعات دول عالم الشمال، وخصوصاً في زيادةِ الحصّة الاقتصاديّة للفردِ الواحد، وتطور قطاع الرعاية الصحيّة، وارتفاع متوسط أعمار الأفراد. Volume عوامل تطور عالم الشمال توجدُ مجموعةٌ مِن العوامل المُرتبطة بتطورِ عالم الشمال، ومنها: الثروات الطبيعيّة، والمالية التي تقدّم الدعمِ للعديدِ مِن المشروعات الاستثماريّة، والإنتاجيّة. يحتوي عالم الشمال على مجموعةٍ من المراكز، والمعاهد العلميّة التي تهدفُ إلى دعمِ التطور العلميّ، والمعرفيّ. تعتبرُ جيوش دول عالم الشمال من الجيوش القويّة عسكرياً. يعتمدُ عالم الشمال على تطبيقِ العولمة في العديدِ من مجالات الحياة العامة. تعدُ دُول عالم الشمال من الدول التي تؤثرُ على القرارات السياسيّة العالميّة.

الفرق بين عالم الشمال وعالم الجنوب يختلفُ عالم الشمال عن عالم الجنوب بوجودِ مجموعةٍ من الفروقات بينهما، وهي:

الفروقاتعالم الشمالعالم الجنوب
توفير الغذاءتتوفر كميات مناسبة من الغذاء لكافة افراد المجتمعلا تتوفر حصص متساوية من الغذاء للعديد من لأفراد
تطور الصناعةيعتبر قطاع الصناعة من القطاعات المتطورة بشكل مستمريعاني قطاع الصناعة من صعوبة في التطور بسبب عدم توفر الموارد الكافية
النمو الاقتصادييشهد نمواً اقتصادياً مستمراًيعاني الاقتصاد من عجز في النمو وصعوبة في التطور

[https://mawdoo3.com]

 عوامل تخلف دول الجنوب وهي: تتمثل عوامل تخلف دول الجنوب ( الدول النامية ) في :

  1 – الاستعمار الاوروبي الذي نهب مواردها و استنزف ثرواتها و خيراتها.

  2 – ضعف و عجز استغلال الإمكانيات المحلية في تلك الدول.

 3 – عدم وجود توازن بين النمو الاقتصادي وبين النمو الديموغرافي في تلك الدول.

4 – عدم وجود استقرار سياسي فيها و الحكم الديكتاتوري المستبد. [https://www.isalna.com]

مُشكلةُ التّفاوت في التقدّم الاجتماعيّ والاقتصاديّ بين بلدان الشمال والجنوب، وكذلك في البلد نفسه، مُشكلةٌ قديمةٌ وحديثةٌ أيضاً. فبلدان شمال القارة بلدان ناهضة عادةً، في حين تقبع البلدان الواقعة في جنوبها في الفقر والتخلّف، ومن أبرز الأمثلة على ذلك بلدان القارة الأمريكيّة. فبلدان الشمال وهي الولايات المُتحدة وكندا بلدان شديدة التقدّم، أما بلدان الجنوب، أو أكثرها، فهي بلدان شديدة التخلّف.

ويبدو أن هذا التخلّف يزداد مع الوقت ومن أبرز مظاهره أنّ ثلاثة ملايين ونصف المليون فنزويلي غادروا فنزويلا منذ عام 2015 نحو البلدان المُجاورة أو تجاه المكسيك كنقطة عبور نحو الولايات المتّحدة، إن أمكن هرباً من الفقر والجوع والديكتاتورية، وهي مظهر من مظاهر التخلّف. وفي طريقهم إلى الهجرة من فنزويلا، يلتقي هؤلاء المُهاجرون بمهاجرين آخرين من بلدان أخرى في أمريكا الجنوبيةّ مُتوجّهين في الأعم الأغلب نحو (منجم الذهب) الذي يتمثّل برأيهم في الولايات المتحدة. مشهد مأساويّ يضمّ بشراً من مختلف الأعمار يفترشون جوانب الطرق ليلاً ليُتابعوا السير على أقدامهم في صبيحة اليوم التالي على أمل الوصول إلى تكساس والدخول إلى جنّة ترامب سالمين. وكيف يدخلون وترامب يحصّن حدوده ويرسل يوميّاً آلاف الجنود إليها لمنع هؤلاء (البرابرة) من دخول جنّته وتلويثها بفقرهم وجهلهم وبلون أجسادهم التي تسيء إلى نقاوة الرجل الأبيض.

هذا المشهد الذي يُدمي قلوب الملايين ليس المشهد الوحيد من نوعه الذي شاهده العالم في السّنوات الأخيرة. فقبل عامَين شهدت القارة الأوروبيّة زحفاً مُماثلاً تجاهها قام به هذه المرة آسيويّون وأفارقة سامتهم بلدانهم الذلّ والهوان فساروا على أقدامهم، أو توجهوا بحراً، باتجاه منجم ذهب آخر عنوانه الأبرز ألمانيا، فإن تعذّر فلا مانع بفرنسا أو بأي بلد أوروبيّ آخر.

والواقع أنّ هذا الزحف العظيم نحو أوروبا لم يكن الأوّل ولن يكون الأخير. وباستطاعتنا استنطاق البحر الأبيض المتوسّط حول الهجرات التي اضطلع بها الأفارقة على الخصوص، وكل هذا يؤلّف تاريخاً شديد الإيلام والحسرة في هجرات مُرّة لبلدان الجنوب نحو بلدان الشّمال.

بالطبع تتحمّل دول الشمال قسطاً مما تشكو منه. فقد سبق لأكثرها أن استعمر بلدان آسيا وإفريقيا ثم تركها في أتعس حالة نهباً لفئات حاكمة مُستبدة ولا برامج حقيقية عندها للتنمية والنهضة. فلا موجب اليوم للتهرّب من مسؤوليةٍ ما تتحملها بلدان الشمال تجاه بلدان الجنوب. نهبت الأولى الثانية ثم تركتها في العراء والفقر.

وهناك مسؤوليّة ثانية لبلدان الشمال تجاه بلدان الجنوب يعبر عنها جيداً المثل اللبناني أو العربي القائل: “إذا كان جارك بخير أنت بخير”. بلدان جنوب القارة الأمريكية وبلدان إفريقيا والبلدان العربية وغير العربية المحاذية لأوروبا، بلدان لا يمكن للولايات المتحدة أو لأوروبا أن تتهرّب من مسؤوليتها المادية والمعنوية عنها.

إنها بلدان يُمكن أن تكون صديقة وجارة كما يمكنها أن تكون محطات للإرهاب ولبقية أوبئة العصر. لقد شاهدنا ذعر الأوروبيين من الإرهاب السائد في منطقتنا، ولكننا لم نشاهد يوماً مشاريع لتنمية أو مساعدة بلداننا وسائر بلدان الجنوب على غرار (مشروع مارشال) الذي قدّمته الولايات المتحدة لأوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. والولايات المتحدة لا تتعامل مع بلدان أمريكا الجنوبيّة إلا على أنها بلدان للاستثمار أو لزراعة الموز وبقية الثمار الاستوائية، ولا تنظر إليها إلا كما ينظر الغني إلى الفقير. لم تنشأ يوماً مودة حقيقية بين القارة الأمريكية الشمالية وشقيقتها الجنوبية، وتاريخ العلاقة بينهما يختصره تاريخ كوبا وفنزويلا مع أمريكا. تنظر أمريكا من فوق إلى جيرانها دول الجنوب مع أن كل مبادئ السماء والأرض تتحدث وتأمر بالرفق والمحبة والرحمة ومدّ اليد إلى الأخ والجار والشقيق المحتاج.

ولم تقدّم الولايات المتحدة يوماً للجنوب والجنوبيين سوى نماذج من نوع ترامب وبرامج ومشاريع من نوع الجدار العازل الذي يحمل ترامب حجارته اليوم على ظهره، والذي لا يذكر إلا بجدار شارون ونتنياهو الشهير. والجداران واحد وقد يكون صهر ترامب اليهوديّ هو الذي قام بتسويقه له.

العالم قرية واحدة صحيح، ولكن لم يعد بإمكان بعض أحياء هذه القرية أن يحيا على الكفاف، في حين تظفر بعض أحيائها الأخرى بالطيبات على أنواعها.

لم يترك الأفارقة بلدانهم مُتوجّهين في أسوأ ظروف السفر بحراً إلى أوروبا إلا لأن بلدانهم قد نَبَت بهم وأجبرتهم على مغادرتها تحت وطأة الجوع وانعدام فرص الحياة. ولم يغادر ثلاثة ملايين ونصف المليون فنزويلي فنزويلا مع ملايين أخرى من بلدان مجاورة لبلدهم إلا لأن الحياة العادية البسيطة المعقولة لم تعد ممكنة فيها وبدلاً من أن تبادر الشقيقة الكُبرى والغنية إلى معالجة قضيتهم بالرفق والروح الإنسانية المطلوبة لا يعثرون على حدود هذه الشقيقة إلا على الصلف والعُنجُهية والتكبّر الأجوف. فيا للقلوب التي تجف وتتحوّل إلى حطب وهي التي خلقها الله للرحمة والإنسانية والحدب على الآخر، وبخاصة في أوقات الشدة والعوز.

[https://www.raya.com]

3 / ذ – دول المركز ودول المحيط

العالم منقسم قسمين، دول قوية اقتصادياً وعسكرياً ومستقرة سياسياً تسمي نفسها (دول المركز) ودول عكس ذلك تسميها (دول الأطراف) أو دول المحيط. تريد دول المركز من دول المحيط ان تكون تابعة لها وخادمها. فهي تريد ان تمد مصانعها بالخامات على ان تشتري منها المواد المصنعة. فلا عجب أن تصدر الجزائر البترول الخام وتستورد المواد المكررة كالبنزين.

    دول المركز هي الدول الرأسمالية المتقدمة يقوم اقتصادها على وسائل الإنتاج للاستهلاك. ودول المحيط المحيطة بدول المركز هي الدول النامية التي اندمجت في النظام العالمي على مر التاريخ الرأسمالي دون أن تمر في مراحل التشكل الرأسمالي بإن يقوم اقتصادها على الاستخراج والتصدير للمواد الأولية واستهلاك منتجات وصناعات دول المركز. هذا التقسيم يعني نوعاً من التبعية الاقتصادية والسياسية من دول المحيط لدول المركز.

نظرية المركز و 77 الأطراف لها أهمية بالغة حيث تطرق لها كثير من المفكرين العرب و غير العرب من بين المفكرين العرب الذين تطرقوا لها الدكتور “سمير أمين” الذي وظف مصطلحي المركز والأطراف في نظريته الاقتصاد و هو استعارهما من “ابن خلدون” الذي وظفهما في المقدمة لتفسير استهدف المسلمين أثناء الفتوحات للمركز دون الأطراف (فتح بلاد فارس).

تقوم نظرية المركز والأطراف على اعادة النظر في الكلاسيكية و النيوكلاسيكية حيث يرى مفكروها أنه يجب التخلي عن الفرضية التي تعتبر أن عوامل الانتاج ثابتة أثناء عملية التبادل و هو ما يؤدي الى عملية استغلالية لبلدان الجنوب من طرف بلدان الشمال .نظرية المركز و الأطراف قائمة على وجود مركز قوي يهيمن على باقي أطراف الكرة الأرضية و هذا المركز تقف فيه قوى عالمية متحالفة استراتيجيا من أجل هدف واحد و هو السيطرة و الهيمنة على كامل دول الأطراف و عدم السماح لها بالانضمام لدول المركز.

كيف تهيمن دول المركز على شعوب دول الأطراف ؟.

     حين نتحدث عن المركز لا نقصد المركز بالمعنى الذي يريد في تحويلات بعض الكتب في شأن الثقافة و مسألة الهوية بل نقصد بالمركز مركز اتخاد القرارات السياسية و الاجتماعية و الثقافية التي تشكل كل جوانب الحياة و الذي جاء نتيجة لتطور اقتصاد السوق و نكرر انه حين ينتشر اقتصاد السوق و يتجذر في كل القطر ستنمو مراكز فرعية و أطراف بهذا المعنى الاقتصادي و السياسي سترتبط مراكز الأطراف الفرعية بالمركز الرئيسي نتيجة للمصالح المشتركة التي يمليها اقتصاد السوق في التحالفات و الشراكات. اذن دول المركز هي قمّة التكنولوجيا في العالم و تشمل كل من الـ (و. م. أ) و دول الاتحاد الأوروبي.

مميزات دول المركز

تتميز دول المركز بالمميزات التالية:

الاقتصادية: مراكز أساسية للمشروعات متعددة الجنسيات .

 – مراكز المواد الاستراتيجية .

– مناطق التمويل و الاستثمار .

 – بيئة صناعة تكنولوجية راقية .

– استخدام يد عاملة مؤهلة

الاجتماعية: الرفاهية الاجتماعية بسبب ارتفاع الدخل وبالتالي انخفاض مستويات البطالة .
السياسية: التمتع بالاستقرار السياسي و الأمن النسبي .

 الأطراف: يشكل باقي دول العالم الأخرى ماعدا الـ (و. م. أ) ودول الاتحاد الأوروبي وهي بدورها تنقسم الى قسمين :

أ – دول الشبه الضواحي :هي الدول القريبة من المركز من حيث المستوى العلمي و التكنولوجي و تشمل : جنوب أوروبا ، جنوب افريقيا ، اسرائيل …..

مميزاتها:

قدرتها التكنولوجية تقليدية و صناعتها الحديثة مرتبطة بالمركز-

لديها عناصر مشتركة في التكنولوجيا مرتبطة بالمركز-

تواجد فروع كثيرة للشركات متعددة الجنسيات .

ب- دول الضواحي :وهي الدول البعيدة عن المركز من حيث المستوى الاقتصادي

:مميزاتها

لا تتمتع بالاستقلال التكنولوجي-

مهارات ناقصة وغير مؤهلة و بالتالي أجر منخفضة-

هي دول مستعمرة سابقا-

اقتصادها يعتمد على تصدير المواد الأولية-

سوء توزيع الدخل داخل هذه الدول-

لديها مشكل عويص هو المديونية-

وجود فجوة غذائية كبيرة-

أسس تقسيم العالم الى مركز و أطراف .

العالم الآن مقسم الى جزئين: دول المركز و دول الأطراف، وهذا التقسيم يقوم على عدة أسس منها :

1 – على أساس المناطق الاقتصادية :لم تكن التفرقة بين المركز و الأطراف على أساس الموقع الجغرافي و انما حسب المستوى الاقتصادي و طبيعة الظروف التي تسود الاقتصاد الوطني لكل دولة .

2 – على أساس علاقات السيطرة و التبعية :و يعود ذلك الى الاحتكار دول المركز و بعض دول شبه الضواحي للصناعات و التكنولوجيات المتقدمة ، و تتمتع دول المركز برؤوس الأموال الكثيرة و سيطرتها على المواد الغذائية و تحقيق الفجوة الغذائية للمجموعات الأخرى و عموما تسيطر دول المركز على وسائل التمويل و التجارة .

3 – التقسيم الديناميكي المتحرك :أي تمكن دول مهزومة عسكريا من التفوق من الناحية الاقتصادية توصي المنظمات باتباع سياسات التحول الى اقتصاديات السوق التي تتوقف على طبيعة السياسات التجارية و المتغيرات الهيكلية و الثقافية وتطبيق الخصخصة و التحرر الخارجي و اعتباره الوسيلة الوحيدة لتحقيق النمو الاقتصادي

4 – ازدياد درجة الاعتماد المتبادل بين الدول :لقد ساعد تحرير التجارة الخارجية و تزايد حرية انتقال رؤوس الأموال الدولية مع وجود الثورة و المعلوماتية بشكل كبير على الترابط بين مختلف دول العالم و التأكد عالمية الأسواق و ايجاد نوع جديد من تقسيم العمل الدولي يشير الى تغير موازين القوى الاقتصادية و طرح معايير جديدة لها .

أذرع السيطرة :نظرية المركز والاطراف قائمة على وجود مركز قوي يهيمن على باقي أطراف الكرة الأرضية، وهذا المركز تقف فيه قوى عالمية متحالفة استراتيجياٍ من أجل هدف واحد وهو السيطرة والهيمنة على كامل دول الأطراف وعدم السماح لها بالانضمام لدول المركز، ودول المركز هي الولايات المتحدة الأمريكية و دول الاتحاد الأوروبي ،و أما دول الأطراف فباقي دول العالم الأخرى.
والسؤال كيف تهيمن دول المركز على شعوب دول الأطراف؟؟
وهو سؤال منطقي و خاصة أن في دول الأطراف دول عملاقة مثل الصين و الهند و روسيا والبرازيل. وهناك أربعة أذرع تسيطر بها دول المركز على دول الأطراف .

الذراع الأول: الطاقة و الموارد

كلنا يعرف دور الطاقة (النفط والغاز) الطبيعي في الثورة الصناعية الحديثة و القائمة الآن في المجتمعات الحديثة ومن خلال استعراضي لملف الطاقة حول العالم من حيث الاستهلاك تقف دول الأطراف في المقدمة الولايات المتحدة الأمريكية و دول الاتحاد الأوروبي ثم تأتي بعدها الصين ثم الهند، هذا من ناحية الاستهلاك ومن ناحية السيطرة على المنابع و خطوط الامداد دول المركز هي الرائدة في هذا المضمار منذ قرن من الزمن حيث أنها تملك مفاتيح المنابع الرئيسية سواء في الخليج العربي أو بحر قزوين الآن.

ومن زاوية الاحتياطي النفطي لا يخفى عن القارئين الهيمنة لدول المركز على دول بحر قزوين حيث الاحتياطي النفطي الكبير، وأيضا الصراع الصيني –  الأمريكي على الاحتياطي النفطي الافريقي في السودان و غرب افريقيا، ومن خلال تحكم دول المركز في ملف مثل الطاقة من ناحية توفير الامداد الآن وأيضا ضمان الاحتياطي في المستقبل يتم بالضغط على دول الأطراف لتقديم تنازلات و تخفيض انتاج بحيث لا تقوى دول الأطراف لتدخل منافسا قويا لدو الأطراف فأي اقتصاد مهما بلغت قوته الآن لا يمكن بأي حال من الأحوال عن النفط و الغاز الطبيعي الذي يمثل شريان الحياة لأي صناعة أو زراعة أو تقديم حضار .

سلاح القمح (من أهم الموارد التي تسعى دول المركز للسيطرة عليها و التحكم فيها كي تروض دول الأطراف القمح). القمح محصول استراتيجي لا يمكن للشعوب و الأمم أن تستغني عنه فان كان النفط غذاء الصناعة فالقمح غذاء الشعوب و الأطراف، وبخاصة القمح يكتسب الأهمية الاستراتيجية بشكل كبير ساعات الحروب و الصراعات و الحصار، فلا يقوى أي نظام من الأنظمة مهما بلغت قوته وسلاحه هو المقاومة و الصمود و التحدي وهو لا يملك اكتفاءً غذائيا من الطعام وخاصة القمح، ومن هنا نفهم الغضب الأمريكي من المملكة العربية السعودية حين توسعت في زراعة القمح بشكل يضمن لها الاكتفاء و التصدير لبعض الدول العربية، وفي هذا الإطار نفهم عدم اكتفاء مصر ذاتيا من القمح رغم أنها تملك الماء و الأرض و اليد العاملة، ومن هنا نفهم الرفض الكندي للعرض الأمريكي لتوفير القمح لها بسعر يقل تكلفة عن زرعه في الأراضي الكندية و كان الرفض الكندي عنوانه (القمح محصول إستراتيجي لا يمكن التفريط فيه) وقد صرح الرئيس الأمريكي الأسبق ريجان أثناء فترة رئاسته بقوله ” سنحكم العالم عام 2000″.

الذراع الثاني: إنتاج السلاح (نظرية السيطرة)

دول المركز الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي من كبريات الدول المصدرة للسلاح لدول الأطراف وهذه صناعة أرباحها تفوق الخيال وصفقاتها تبدأ بالمليار فما فوقه، وتتنافس القوى العالمية في الترويج لسلاحها وصناعتها العسكرية بل قد تدخل في حروب تكون من أهدافها التكتيكية اختبار ترسانتها من الأسلحة و الترويج لها عالميا، دول المركز تعتبر دول الاطراف سوقا للأسلحة والذخائر و المعدات العسكرية بكافة أنواعها، ولا تسمح دول المركز لأي طرف من دول الأطراف أن يوطن على أراضيه صناعات عسكرية مستقلة توفر له المعدات العسكرية و الذخائر الضرورية لجيشه، وأنشأت دول المركز هيئة تسمىcontrol regime missiletechnolog  مؤلفة من 34 دولة على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا و بريطانيا….إلخ وظيفة هذه المؤسسة السيطرة على تقنيات الصواريخ وعدم وصولها لدول الأطراف وفي هذا الإطار نفهم الهجوم الأمريكي على العراق وقتل العلماء العراقيين وتدمير البرنامج النووي العراقي وفهم الغضب الأمريكي الأوروبي من امتلاك إيران للتقنية النووية، ونفهم تعطيل البرنامج العربي المشترك لإنتاج السلاح و الذي كان يتخذ من مصر مقرا له.. إلخ فالنظرية هي السيطرة التامة و الدقيقة على دول الأطراف وعدم السماح لها من الخروج من الإطار و الدخول للمركز ولعب دور فاعل على الساحة الدولية.

الذراع الثالث : العولمة (الثقافة الإعلام)

   إذا كان الاستعمار ظاهرة تاريخية معقدة فإن الاستعمار الجديد من دون منازع أكثر تعقيداً، خصوصاً وأنه يقتصر على الهيمنة الاقتصادية، وإنما يتضمن أيضا أشكالا متنوعة من الهيمنة الثقافية والإعلامية والفكرية والإيديولوجية. إن الاستعمار الفكري و الثقافي هو بلا شك (أسوء أشكال الاستعمار) وتكمن خطورة هذا الاستعمار في أنه يقوم بدور ارتكازي في عقلنة الهيمنة الاقتصادية وهو شرط أساسي من شروط ديمومة استغلال دول المركز لدول الأطراف الفقيرة ، ولهذا دول المركز تمتلك الشركات الإعلامية الضخمة و الكبيرة فهناك عدد صغير من الشركات (لا يزيد على خمسة عشرة شركة) تتحكم في كافة المواد والوسائل و المؤسسات و التقنيات الإعلامية و الإعلانية في العالم ، بل إن أربع وكالات أنباء

راس مالية هي (رويتر، وأسوشيتدبرس، وفرانس برس، ويونايتد برس) تحتكر فيها تحتكر فيما بينها 80% من إجمالي تدفق المعلومات الدولية و خلاصة القول (أن دول المركز تسيطر على دورة المعلومات في دول الأطراف من البداية إلى النهاية) وهي بذلك تشكل الصورة الذهنية لشعوب دول الأطراف وفق ما تريد و ترغب ووفق المصالح الإستراتيجية لدول المركز .

    فمقاومة الاحتلال و الهيمنة و السيطرة من قبل دول الأطراف هي إرهاب وعدوان في إعلام دول المركز ومحاولة بناء اقتصاد مستقل يكتفي ذاتيا من القمح والغذاء هو إعداد لهجوم و حرب على أطراف أخرى و يصبح النظام في هذه الدولة من النظم العدوانية المارقة التي يجب أن تحاصر ويضيق عليها، مثل النموذج الإيراني والنموذج العراقي والنموذج السوداني في عهد ثورة الانقاذ، وأيضا النموذج الفنزويلي تحت حكم شافيز الآن .

    وتبذل دول المركز الجهود الإعلامية و السياسية لصرف دول الأطراف عن مشروعات الاكتفاء الذاتي ،تحت دواعي كثيرة و مختلفة ظاهرها فيه الحكمة و باطنها فيه العذاب ، كما عبر عن ذلك كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي السابق وعندما خاطب بعض الدول التي قطعت مساراً كبيراً في الاكتفاء من القمح. لماذا تريدون أن تمتلكون البقرة طالما أن الحليب يصل إليكم دون عناء. وهذه العبارة فعلا منطقية و لكن ما الذي يضمن أن لا تقطع عنا الحليب ويمنع تحت دواعي تهديد الشرعية الدولية والسلم العام العالمي كما هو الحال مع النموذج العراقي (منع الحليب حتى مات الأطفال من الجوع بآلاف في مستشفيات بغداد على مرأى و مسمع من العالم).

الذراع الرابع: الشرعية الدولية

وبعد استعمال الأذرع الثلاثة السابقة (الطاقة و الموارد – إنتاج السلاح – العولمة) في السيطرة على دول الأطراف .

ربما تفشل هذه الوسائل الثلاث في ترويض بعض دول الأطراف، فيتم استعمال الذراع الرابع هو الشرعية الدولية من خلال منظمة الأمم المتحدة ومن خلال التحكم في مجلس الأمن الذي تتمتع فيه الكثير من دول المركز بحق النقد الفيتو (الولايات المتحدة الأمريكية – بريطانيا – فرنسا – ألمانيا – اليابان) ويتم تبادل الأدوار بينهم بما يحفظ لهم جميعا (دول المركز) المصالح الاستراتيجية في السيطرة على دول الاطراف، فهيكلة الأمم المتحدة الان تضمن تفوق دول المركز على مصالح دول الأطراف، طالما أن دول الأطراف ليس لها القدرة على التأثير على القرار العالمي بالقدر الكافي وهنا أفرق بين قدرة دول الأطراف وقوتها ،فمصطلح القوة لا يساوي مصطلح القدرة بأي حل من الأحوال، فالقدرة تعني تفعيل أدوات القوة من ثروات وموارد بشرية وغيرها ليكون لها تأثير على الصعيد السياسي العالمي.

مثال: الهند سكانيا تتفوق على الجمهورية الفرنسية من حيث عدد السكان ولكن التأثير السياسي لفرنسا يتفوق على التأثير السياسي للهند لأن القدرة الفرنسية على إدارة الثروات والموارد الفرنسية أكفء من القدرات الهندية الآن.

وهذه الأذرع الأربعة تجعل دول المركز تتحكم في دول الأطراف دون كسر هذه الاذرع أو تفكيكها أو إعادة النظر فيها.  [https://islamforallah.wordpress.com]

 3 / ر – مصادر تدرج الثنائيات

  بعد ان انتهينا من توضيح ثنائيات متدرجة لكنها غير منسجمة في المجتمع الإنساني نتحول الى تحديد مصادرها لكي نقدم خلاصة متكاملة الجوانب عنها في هذا الفصل وهي:

1 – بلورة الثقافة الاجتماعية ثنائية اقترانيه غير متوازنة ولا متكافئة في حقوقها وواجباتها ومكاناتها وأدوارها وتقسيم عملها وصيتها الاجتماعي كما شاهدنا ذلك في ثنائية الذكر والانثى. هذا المصدر استولد استغلال الذكر للأنثى وجعلها أدنى مكانة منه لكن هذا الاجتعال لم يبلور فجوة اجتماعية بينهما، ولم يخلق حراك اجتماعي عندهما.

2 – المال والثروة المادية سواء كانت عن طريق الارث أو الجدارة والأهلية والكفاءة والخبرة جميعها انتجت ثنائية اقترانيه متصارعة قائمة على الاستغلال والابتزاز لدرجة يكون صراعهما أكثر وضوحاً وعنفاً من ثنائية الذكر والانثى ليس للسلطة البطريقية الذكورية ولا للثقافة الاجتماعية دور في بلورة هذه الثنائية المتدرجة.

3 – الموقع الرسمي التنظيمي مصدر وجود ثنائية تضع الحاكم في موضوع قمة الهرم التنظيمي والمحكوم يكون فيها المحكوم يتحكم ومحكوم مصدر هذا التحكم يكمن في وعي وثقافة المحكوم في المجتمعات المفتوحة (الصناعية والحضرية والمعلوماتية) يجعل القاعدة تحاسب القمة لدرجة انها تقدر على اقصائها من موقعها. انها حالة تسود المجتمعات الديمقراطية والرأسمالية والمعلوماتية.

4 – مصدر حداثي ليس شرعي أو موقعي أو مالي يسبب تدرجاً عند أبناء المدينة مختلفاً عن أبناء القرية لكن هذا لا يعني انه مصدراً جغرافياً أو عمرانياً بل يعني مستوى العيش والتقدم العلمي والتقني والسياسي والحضري يجعل أبناء المدينة يستغلوا أبناء القرية ويتعالوا عليهم. هذا التعالي لا يرجع الى الانتماء الطبقي أو الديني أو العرقي بل حضرية العيش ورفاهيتها المادية ورفائها هو المصدر.

5 – أما مصدر العولمة في تحكمها على الأقلية فإنه يكمن في احتياج الثانية للأولى في التجارة والصناعة بسبب ضيق نشاط الاقلمة أمام اتساع نشاط العولمة في تقنيتها وتجارتها وشبكة مواصلاتها.

6 – أن مصدر طغيان الأغلبية على الأقلية يرجع الى التأثير الاجتماعي لا عن طريق امتلاك الثروة والسلطة والمكانة بل عن طريق الحجم السكاني وتنوعه القومي والديني مما يجعلها متفوقة على الأقلية لكن ليس دائماً وبشكل مطلق يحصل ذلك إذ هناك حالات يحصل فيها تغول الاقليه على الأغلبية وتكون الفجوة الاجتماعية شاسعة بينهما والتعصب وارد في نسيج مجتمعهما يصل هذا التعصب احياناً الى حالة الصراع بينهما.

7 – مصدر ثنائية الطبقة البرجوازية والبروليتاريا يرجع الى امتلاك وسائل الإنتاج عند البرجوازية وفقدانها عند البروليتاريا مما يحصل صراعاً بينهما. هذه الحالة تسود في المجتمعات الصناعية والحضرية الرأسمالية والفجوة الاجتماعية تكون بينهما شاسعة والحراك الاجتماعي يضحى عندهما افقياً وليس عمودياً اشبه بثنائية الغني والفقير.

8 – أما مصدر ثنائية دول الشمال ودول الجنوب فإنه يكمن في التقدم العلمي والتقني وافتقار دول الجنوب له، أما الفجوة التطورية فإنها تكون واسعة بينهما والتنافس سائد عندها أكثر من حالة الصراع. تتميز هذه الثنائية بإنها دولية وليست طبقية أو فردية أو إقليمية والحراك الاجتماعي عندها يكون بطيء ونادر الحدوث.

9 – مصدر ثنائية دول المركز ودول المحيط يكمن في القوة العسكرية والاقتصادية المتحكمة في الدول الضعيفة عسكرياً واقتصادياً إذن مصدرها هو امتلاك القوة الاقتصادية التي تمنح مالكها التوفق والتحكم بالأخر الضعيف والفقير.

   اخيراً نقول ان المساواة والتكافؤ بين الأفراد أو الأجناس أو الطبقات أو الأمم أو الدول المتخلفة والمتحضرة والصناعية والتجارية قائم وسائد في كل العصور والأصول. لكن هناك من يقلص تحكم القوى والثري بالضعيف والفقير هي: التنظيمات المتحضرة ذات النزعة الإنسانية، والسلطة الرابعة (الصحافة ووسائل الاعلام) والنقابات المهنية العالمية ومنظمات الأمم المتحدة ومنظمات الدفاع عن حقوق الانسان وسواها. لكن لا تستطيع هذه المكونات أن تمنع الامتلاك والتحكم لأن المصالح الفئوية اقوى منها. إذ هناك منظمات ناضلت وكافحت بالدفاع عن نفسها مثل منظمات الحركات النسوية – الجندرية والعرقية والدفاع عن حقوق الأقليات الدينية والعرقية واتحاد العمال العالمي والأحزاب العلمانية ومنظمات ضد التميز العنصري وسواها.

    زبدة القول: ينطوي على ان التملك (المادي أو المعنوي) يشجع على التمادي والتجاوز والتغول، إذاً لا يواجه تصدي وممانعة من الطرف الذي لا يملك إذ ان صفة التملك تمثل غريزة حيوانية وبشرية على السواء تحدد هوية وكينونة وقوة ومكانة المالك على غير المالك لأن الانسان يحتاج الى معززات ومقومات لوجوده في الحياة لذلك يجد المال والشهرة والنفوذ والجدارة والذكاء والخبرة عوامل مساعدة على تثمين وتقوية موقعه في النسيج الاجتماعي. فالزواج دافعه التملك والتحصيل العلمي مصدره التملك العلمي والانخراط في التنظيمات المهنية مهمازها التملك الرسمي والتجارة هدفها التملك المالي والصداقة مرادها تملك الاعتبار الاجتماعي والصيت اخيراً الشهرة يكون مصدرها الموهبة والجدارة. خلاصة القول يمنح التملك الانسان وجوده في الحياة.

3 / ز – المخرجات الناتجة عن التدرج الثنائي غير المنسجم

   لما كانت ثنائيات التدرج الاجتماعي غير منسجمة (منها ما هي مختلفة وأخرى متصارعة وبعضها مستغلة ومتعالية وأخرى طاغية على الثنائية ومتناحرة في علاقتها فإن ذلك لا يؤدي الى الانسجام أو التكامل أو التكافل فتصدر عن علاقتهما هذه نتائج تعكس وجودها على التدرج الاجتماعي موضحةً عدم استوائهما.

وازاء ذلك تداهمني عدة أسئلة مفادها: هل هذا النوع من الثنائية غير المتصالحة تدفع حركة المجتمع أم تضر بها؟ ومن هو الطرف المستفيد منها؟ ولماذا تظهر بين أبناء المجتمع الواحد والوطن الواحد؟ وهل هناك جسور تربط بينهما؟ وهل هناك نظام تقسيم عمل في الأسرة والمصنع والمجتمع؟ وسواها من الأسئلة التي تتطلب الإجابة عليها لكي تكتمل صورة التدرج الاجتماعي الذي حددنا مصادر وجود الثنائيات فيه وانواعه في مختلف مجتمعات العالم.

   الإجابة على هذه الأسئلة لا تكن واحدة لأن لكل مرحلة تاريخية يكون هناك مصدراً مسبباً لوجود هذه الثنائية. فمثلاً بالنسبة لثنائية الرجل والمرأة أفرزت عدم استواء المرأة بالرجل في واجباتهم وحقوقهم فطرحت ما يلي:

– النظام البطريقي ذا السلطة الذكورية الأبوية الذي يسييد الرجل على المرأة في كل الأنشطة والمجالات مدعوماً بالثقافة الاجتماعية.

 – تبلور تيارات وحركات نسوية في معظم مجتمعات العالم المتحضر والصناعي الرأسمالي ضد التحيز ضد المرأة في الأسرة والعمل.

 – انتجت موجات تطورية لحركة المرأة.

 – تشكلت مدارس للحركة النسوية.

– ظهرت نظريات اجتماعية عن الجندر.

– بروز ملهمات خلّدهنَّ التاريخ.

 – تبوء رائدات في الحركة النسوية.

 – نشوء تخصص في علم الاجتماع اسمه علم اجتماع الجندر.

 – نشر كتابات عن العنف الممارس من قبل الزوج على الزوجة.

 – ارتقاء نساء الى مناصب قيادية في المجتمعات الصناعية المتقدمة وصلنَّ الى رئاسة الحكومات الغربية.

   أما على صعيد عدم استواء الغني مع الفقير فإن هذه الثنائية أوضحت ان جدارة الاستحقاق في المجتمعات الصناعية ليست وحدها بلورت ثروة الأغنياء بل هناك الإرث الأسري الموروث من الأجيال السالفة ساعد على ذلك مما أفرز شركات تجارية صناعية عابرة للحدوج الدولية ومؤثرة على التجارة الدولية مع ظهور صناعات تنتج منتجات ذات كلفة غير عالية بذات الوقت برزت تجارة بالبشر وغسيل الأموال. وأثبت ان الثروة لا تحصل بسبب مكافئة المجتمع للذكي والشاطر والناجح في عمله وسبب فقر الفقير فشله في عمله وغير ناجح في دراسته وغير مهتم بمستقبله لذلك برز الفقراء في الأنشطة والفعاليات الإجرامية لسرقة أموال الأغنياء وهذا افراز سلبي يعود مردوده على المجتمع في مجال استفحال الجرائم في المجتمعات التي تتسع فيها الفجوة الاجتماعية بين الأغنياء والفقراء. ثم هناك استغلال الأغنياء والمسئولين لبعض الفقراء في ممارسة الاعمال الإرهابية داخل المجتمع لترويع المجتمع وجعله خانعاً لهيمنه الأغنياء وأصحاب الثروات والنفوذ.

    لكن ثنائية الطبقة البرجوازية والطبقة البروليتاريا افرزت نقابات عمالية واعية تدافع عن حقوق العمال واستحصال أجور عملهم المغتصبة من قبل أصحاب رؤوس الأموال دعمت هذه النقابات الحركات العمالية والثورات الشعبية في مجتمعات العالم الثالث والرأسمالية مما أدى ذلك الى تغير اتجاه الحراك الاجتماعي من الأفقي الى العمودي بين العمال ومن الصاعد الى الهابط عند أصحاب رؤوس الأموال والتجار، هذا الافراز دعم حركة تغير المجتمع من الرأسمالي الى الاشتراكي في الدول الصناعية ولا تنسى دفاع المنظر الاشتراكي “كارل ماركس” و “انجلز وزملائه” في دفاعهم عن العمل في نظريتهم (صراع الطبقات) وصراع البرجوازية مع البروليتاريا.

   اما عن ثنائية طغيان الأغلبية على الأقلية فإنها أفرزت تأسيس أحزاب سياسية ذات طابع عرقي ورسي تدافع عن حقوقهم المغتصبة من قلب الأغلبية المضطهدة والمدعومة من قبل السلطة الرابعة (وسائل الاعلام) في تحريرهم من الحكم الجائر عليهم. ثم هناك ظهور للجرائم الالكترونية التي ظهرت عند تحكم العولمة على الاقلمة وهي نوع جديد في عالم الإجرام.

   ومن جملة مخرجات ثنائية تحكم الحاكم بالمحكوم ظهرت جرائم يقوم بها الحاكم مثل سوء استخدام النفوذ والسلطة وانتهاك السيادة أو السلطة العليا والاستغلال مع استخدام المحكوم كحقل للتجارب من خلال استعباد واجتثاث المحكومين المعرقلين للبرامج الإنمائية مع اضطهاد الأقليات العرقية وأخذ رشاوي من المحكومين لكي يتم الحصول على عمل كذلك هناك قانون الطوارئ أي وضع قيود على حرية المحكومين والقبلية بين المحكومين وتطفيش أصحاب الكفاءات والمهارات وتمويل تجارب غير أخلاقية وتبديد ثروات الدولة لتلميع رموز حكمهم والتجسس على خصوصيات المحكومين مع استخدام الاغتيالات السياسية ضدهم.

أما المحكومين فقد قاموا بتشكيل أحزاب سرية ضد حكامهم يعبروا عن معارضتهم لحكمهم تظهر على شكل تظاهرات علنية وانتفاضات شعبية يكون بعضهم من المصلحين وأخرين من الثوريين.

فمثلاً تقوم الحركات الإصلاحية بعدم المطالبة بالتغيير الجوهري بل الفئوي والجزئي المحدود والمحدد، بذات الوقت تدعم وتعزز معايير القيم الاجتماعية السائدة مستخدمة القنوات السياسية والتربوية مثل اللوبي السياسي والتكتيك التنظيمي والحملات التعليمية وتسجيل الناخبين وقاعات المحاكم في تحقيق أهدافها المحدودة معتمدة في حل المشكلات والظواهر الاجتماعية عن طريق المعالجات الميدانية دون اللجوء الى القمع والعنف والاجتثاث لأنها ذات نزعة تدرجية تستند على فكر محدود وتنطلق من رؤية واضحة إذ ان المصلحين ينطلقون من خلفية فكرية ينادوا بتطبيق النهج الديمقراطي في التمثيل الشعبي.

   بينما الثوريين من المحكومين يكون لهم اهداف تطالب بالتغيير الجوهري في بناء المجتمع. كذلك يُطالبوا بتغير معايير القيم الاجتماعية السائدة مستخدمين الأساليب والطرق غير الشرعية في تحقيق أهدافهم مع القضاء على المشاكل والظواهر الكلية بواسطة ازالتها كلياً من نسيج المجتمع جميعهم ينطلقون من خلفية وطنية معتمدة على الانفعال.

أما افرازات ثنائية الفجوة الحداثية فقد طرحت ان جميع حكام العرب كانوا من خلفيات ريفية – قروية قاموا بانقلابات عسكرية وسياسية ضد حكم ابناء المدينة أمثال جمال عبد الناصر في مصر وعبد الكريم قاسم في العراق والأسد في وسوريا والقذافي في ليبيا والنميري في السودان وعلي عبد الله صالح في اليمن وصدان حسين في العراق.

     أما دول الجنوب والمحيط فقد حصل ازدياد في عدد جياع العالم فتعاظم حجمهم البشري وانفجارهم السكاني مع حدوث حروب واستمرار الجور والظلم عليهم من الدول الغنية الموجودة في الشمال والأطراف، كل ذلك أدى الى اكتشاف دول الجنوب والمحيط بإنهم يمولوا من دول الشمال والمركز.

  زبدة القول نقول ان المرأة والفقير والمحكوم وابن القرية والاقلي العرقي والرسي والعامل وابن الجنوب والمحيط لا يقعوا في خانة عدم مكافئة المجتمع لهم (كما تدعي النظرية الوظيفية في علم الاجتماع) ولا هم من غير أصحاب جدارة الاستحقاق، بل ان المرحل التاريخية الحديثة اثبتت ان هؤلاء قد كافئهم المجتمع وأنهم من أصحاب الجدارة والاستحقاق إلا ان ظلم الرجل والحاكم وابن المدينة والاغلبي وابن الشمال والمركز هم الجناة الذين غدروا بهم وجعلوهم من الضحايا أي من ضحاياهم وليس من ضحايا المجتمع لهم.

    أخيراً نجيب على الأسئلة التي طرحناها في بداية هذا الباب، نعم هناك تقسيم عمل بين الرجل والمرأة في الأسرة والمصنع والمكتب والمجتمع وضع المرأة على مقام أدنى درجة من مقام الرجل وفرض عليها مسؤوليات وواجبات أكثر من حقوقها لذلك باتت ضحية التدرج الثنائي في المجتمع. إلا ان وجود نظام تقسيم العمل عندها بنى جسوراً لربطهما، لكن بسبب ظهور هذه الثنائية يرجع الى وجود أصحاب القوة والثروة والنفوذ والمصالح الشخصية لهم السيطرة على المجتمع من خلال امتلاكهما لهذه الممتلكات المادية والمعنوية إلا انها لا تخدم المجتمع لأنها تمزق نسيجه الاجتماعي وتجعل فئاته متصارعة ومتناحرة يسودها العنف والظلم والجور المادي والمعنوي.

الفصل الرابع

قيمة التملك في التدرج الاجتماعي في مجتمعات مختلفة

 استهلال

4 / أ – مجتمع الصيد والالتقاط

4 / ب – المجتمع البدوي

4 / ت – المجتمع الزراعي

4 / ث – المجتمع الاقطاعي

4 / ج – المجتمع الحديث

4 / ح – المجتمع الصناعي

4 / خ – المجتمع الشمولي

4 / د – المجتمع الحر

4 / ذ – المجتمع المعلوماتي

 الفصل الرابع

قيمة التملك في التدرج الاجتماعي في مجتمعات مختلفة

الاستهلال

الحياة الاجتماعية تتغير وتتطور، أما مسببات ذلك فترجع الى عدة أسباب متفاعلة، منها ما هي داخلية ومنها ما هي خارجية. بذات الوقت هناك ثوابت في الحياة الاجتماعية لا تتغير مثل البناء الاجتماعي والتدرج الاجتماعي، إنما تتغير مضامينها ومكوناتها، فالبناء يتغير من الصلب الى المرن ومن المغلق الى المنفتح أو بالعكس كذلك التدرج الاجتماعي حيث لا يوجد مجتمع يستغني عنهما، لكن معايير مراتب التدرج أو درجاته تتغير تارةً تكون عضلات الإنسان في المجتمع الفلاحي وتارةً أخرى تكون الأرض في المجتمع الاقطاعي وأخرى المال والثروة في المجتمع الحضري وهناك الصناعي الذي يكون معياره امتلاك وسائل الإنتاج أما المعلوماتي فيكون معياره حيازة تقنية المعلومات.

   لكن مهما تغيرت معاييره فإنه يبقى متضمناً القمة والقاعدة والوسط، وعادةً ما تتحكم القمة في الوسط والقاعدة. إنما السؤال الذي يظهر أمامنا هو كيف يستحل الأفراد قمة الهرم ولا يصل اليها الأخرين؟ هنا تكمن المشكلة الاجتماعية لأن منها ما يكون بامتلاك (الثروة أو الأرض أو المعلومات) لكن كيف يحصل التملك؟ هل بالوراثة عن الاسلاف؟ أم بالجهد والعمل المضني؟ أم بالقوة؟ أو بالاستحواذ؟ أو بالثورة؟ هنا يتدخل علم الاجتماع بدراسة هذا (التملك) أما لماذا أهتم علم الاجتماع بدراسة التدرج الاجتماعي؟ هل لأنه بسبب التغيير الاجتماعي الذي لا يخلو من الصراع بين الطبقات أو الطوائف أو الفئات المالكة والفاقدة لعناصر التملك؟ ثم هناك ارتباط بين السلطة ونفوذ المُلاك وظلمهم وقسوتهم على الأدنى منهم الذي يتطلب الدراسة وتقديم العلاج له.

    ولما كانت المجتمعات الإنسانية ليست واحدة في تطورها وانواعها، فإن تدرجها الاجتماعي لا يكون واحداً في مضمونه تباعاً. فالتدرج والصراع الاجتماعي وجهان لموضوع التغيير الاجتماعي وهذا هو مصدر اهتمام علماء الاجتماع (التغير والتدرج والصراع).

  جدير بذكره في هذا السياق هو ارتباط مشكلات اجتماعية صراعية مع التدرج الاجتماعي تقع بين المُلاك وعدم المُلاك أي مُلاك الثروة والعقار والأرض والنفوذ والسلطة مع فاقدي الملكيات مع ظهور جور وظلم اجتماعي من خلال استغلال المُلاك لغير المُلاك إذ ان التدرج الاجتماعي يكون مستودعاً يضم مشاكل بعيدة المدى (كبرى) يعاني منها المجتمع بكامله مثل (الاستغلال) المقترن مع (الجور) وكلاهما يؤديان الى (الصراع الاجتماعي) من أجل (التغيير) إذن وغني عن البيان تنطوي دراسة التدرج على البحث عن مشكلات يفرضها هو وهي مشكلة الاستغلال الطبقي أو القمعي مع القاعدي اولاً وثانياً استجلاء نوع الجور والظلم الذي يعانيه الفقراء والأقلي العرقي وثالثاً تحليل أوجه الصراع الاجتماعي أما رابعاً فيهتم بالوصول الى المرحلة الأخيرة الناتجة عن الصراع الذي يحدث (التغيير الاجتماعي).

    وما دمنا في حدود اغراضنا نتناول أنواع التملك لأنه يتنوع تنوعات عديدة يمكن ان نصنفها الى صنفين رئيسيين وهما: –

أ – قيمة الامتلاك المادي المتضمنة: المال، الثروة، الأرض، العقار، الأسهم والسندات، المنصب النسقي، السلطة.

ب – قيمة الامتلاك المعنوي المتضمنة: الجاذبية الجمالية، العضلات القوية، الدهاء والفطنة، الذكاء، الوقار والوجاهة، الخلفية الأسرية، الاتقان في العمل، الصوت الشجي في الغناء، الفن بكل اشكاله وانواعه، الزي الأنيق، سلاسة وانطلاق اللسان في الكلام.

   لا يفوتني الإشارة الى نزعة التملك تنتج عند الإنسان من خلال ميله نحو الاكثار منها وزيادتها وعدم التوقف عند حدٍ معين. أعني لا توجد قناعة بحدودها بل الطمع وفي زيادتها التي تؤول الى المنافسة في بداية الأمر وتنتهي بالصراع في النهاية (صراع مع فاقديها والباحثين عنها وتنافس مع حامليها والطامعين فيها) هذه النزعة متوفرة عند الفرد والجماعة والطبقة والحكومة والشركة وسواها على السواء. أما لماذا تترعرع هذه النزعة عند الأفراد وبالذات الذين يعيشون في المجتمعات الصناعية والحضرية والرأسمالية والمعلوماتية؟ الجواب لأنها تمنح صاحبها التمييز والتفوق على الأخرين، كذلك تعطيه المكانة الاجتماعية البارزة والوقار والوجاهة الاجتماعية بين المُلاك وتدفعه لممارسة الجور الاجتماعي على غير المُلاك لكي يشعر بزهو ما يملك وتغذي غروره وزهوه.

   أما كيف يزيد من مُلكيته ويغذي نزعته في التملك فقد حددها عالم الاجتماع الألماني “ويرنر سومبارت 1863 – 1941” في نظريته الموسومة (قيمة التملك المادي في المجتمع الرأسمالي) عبر خمس قوانين وجدها تتحكم في مناشط رجال الاعمال والتجارة والصناعة في المجتمع الرأسمالي وهي ما يلي: –

1 – العقلانية المطلقة في التعامل التجاري والصناعي والإداري مع الأخرين.

2 – أن يكون غرض الإنتاج التبادل التجاري من أجل جني أرباح كثيرة والتأكيد على الربح السريع. إذ ان مفاضلة بيع سلع رديئة في نوعها تجلب له الأرباح الكثيرة وعدم بيع السلع الجيدة في نوعيتها لا تجلب له ارباحاً كثيرة. عن العدو اللدود للرأسمالية في نظر (سومبارت) هي المشاريع الصناعية أو التجارية التي تنتج السلع الجيدة.

3 – البحث عن زبائن وزيادة عددهم الذي يتم بوساطة جذب انظارهم واسماعهم بشكل ونوع السلع ثم إقناعه بالوسائل الدعائية بإنها سلعة جيدة ومن بعد تحميله اثمانها بالسعر الذي يحدده مالك انتاجها.

4 – بيع السلع بأبخس وأرخص سعر ممكن عن طريق تخفيض سعرها الى الحد الأدنى من أجل جذب وكسب أكبر عدد ممكن من الزبائن.

5 – التحرر من أكبر عدد ممكن من القيود سواء كان في الإنتاج أم التسويق أم البيع. [العمر. 2001. ص. 173]

   هذه القوانين ذات قيمة مادية لا اعتبارية انتبه اليها أصحاب رؤوس الأموال وأصحاب المشاريع التجارية والصناعية في المجتمع الرأسمالي فاندفعوا نحو البحث عن مصادر ذكية لزيادة ثرواتهم وانتاجهم وارباحهم داخل مشاريعهم الذي بدوره يزيد من أهميتهم ونفوذهم الاجتماعي مما تدفعهم الى استغلال وابتزاز والاستحواذ البشري في مجتمع يبالغ بشدة في احترامه لقيمة العمل ووضعها فوق قيمة الانسان وحياته الاجتماعية، بحيث جعلت من الباحثين عنها ومالكيها ان يكونوا اذكياء في تجميعها واستثمارها وتكديسها وان يتصفوا بالصفات التالية: –

1 – أم يكونوا مهيمنين على مصالح ومقدرات العمال والموظفين العاملين في مشاريعهم التجارية أو الصناعية. أي ينتزعون او يستولون على حقوق وارزاق العاملين عندهم وهذا لا يتم إلا إذا كان ذكياً وله القدرة على تصميم خطط لتحقيق هذا الغرض وان تكون له القابلية في تطبيقها بكل قناعة والدفاع عنها وإقناع اتباعه أو العاملين معه.

2 – أن يكون ذا عقلية منتظمة في تفكيره وإصدار تعليماته وخططه لأنه يتعامل مع أصحاب الكفاءات والمهارات العالية والمتقدمة في اختصاصاتها وان التعامل معهم بعينه أو بتعسف يجعل منهم أداة معوقة في زيادة انتاجه وثروته. لذلك التعامل معهم بذكاء يحمل في طياته الحنكة والدهاء الأمر الذي يجعله غير منقاد لهم قائداً وموجهاً لأعمالهم.

3 – التمتع بعقلية تجارية لأن العمل وحده غير كافٍ لتنمية ثروته إذا لم تتسق معه عقلية تفكر بأسلوب تجاري تبحث عن منافع مالية مربحة وإيجاد سبل متنوعة في استغلال واستثمار الطاقات البشرية التي تعمل في مشروعه. الأمر الذي يتطلب منه ان يكون مفاوضاً في تعامله التجاري ومماحكاً في سياسته التسويقية ويحسب كلفة التعامل التجاري في أسواق البورصة وبيوت المال قبل الاقدام على التعامل والا يتقاطع مع العاملين معه بل يكون مرناً معهم يأخذ ويعطي في الرأي والمشورة لأن المال والثروة لا يمثلان الهدف بل تمثله زيادة ثروته والاكثار من قيمتها لذلك نجده يرحب بكل تقدم تكنولوجي يظهر في الأسواق الصناعية إذا كان يخدم هدفه الأبعد الذي يتمثل في زيادة ثروته. [العمر. 2001. ص. 171]

   يحسن بنا ان نطرح في هذا الموطن حقيقة مفادها انه كلما كبر حجم المجتمع وارتفع مستوى عيشه وتضمن نظام تقسيم عمل معقد مبني على التخصص المهني والخبرة العملية زادت درجات التدرج الاجتماعي وتنحف ارتفاعه وتقلصت قمته وتوسعت قاعدته وازدادت مسافاته الاقتصادية والاجتماعية بين درجات التدرج فتكون قمته محصورة عند افراد وعوائل أو شركات قليلة العدد لكنها تملك ثروات طائلة وتمارس ضغوطها على الشرائح الاجتماعية الأدنى منها لكيلا تجعلهم يتزاحمون معهم ولكي يزداد نفوذهم ووقارهم. أما أبناء الطبقة الوسطى فيحاولوا الصعود الى الأعلى لكنه لا يسمح لهم بالوصول الى القمة وهم كذلك يستغلوا أبناء الطبقة الدنيا لخدمة مصالحهم مع بعض التعاطف مع وضعهم الاقتصادي والاجتماعي المحدود.

  بينما يكون أبناء الطبقة الدنيا يعانون من استغلال وتهميش واستبعاد الطبقتين. فالتملك المادي هو الذي يحدد المسافات الاقتصادية والاجتماعية بين شاغلي درجات التدرج الاجتماعي. فكلما كثر تملك الماديات اتسعت المسافة بين شغالي المراتب المتدرجة الذي بدوره يقدح (يشعل فتيل) الصراع بين مالكي الثروة والسلطة والنفوذ وفاقديها لأنه يسوده الجور الاجتماعي والجدب الاقتصادي عندهم فيكون هذا الجور والجدب وقوداً للثورة والتغيير النسقي أو البنائي لأنها تعبر عن عدم المساواة بين أبناء المجتمع الواحد.

   حريًّ بنا أن نشير الى ان المال والمادة ليست دائماً تمنح صاحبها السمو والتألق والشموخ والتميز والاستعلاء بل هناك امتلاك المعلومات ايضاً تمنح صاحبها السمو والتألق والتميز والاستعلاء لأنها تعطيه الدراية والاحاطة بمكونات الأمور التي كانت غامضة أو ممنوعة عليه فتجعله متمكناً في اتخاذ القرارات التي تخص مستقبله ومحاججة أصحاب القمم الهرمية في مجتمعه ليستخدمها كورقة ضاغطة عليهم وتجعله يتحرك على سلم الحراك الاجتماعي ليرتقي عليه مخترقاً انغلاق نسقه والولوج الى نسق اخر أعلى من نسقه وهنا حلّت المعلومات محل مصادر القوة المادية في الثروة والسلطة.

    جدير بذكره ان نقول ان مستخدمي المعلومات لا يكونوا من الاميين بل من الموهوبين والنابهين واللوذعيين الذين أن سدت في وجوههم أبواب العمل والصعود على السلم الاجتماعي من قبل مُلاك القيم المادية. ولما كانت العملية الإنتاجية معتمدة على تقنية المعلومات فإن هؤلاء الموهوبين والنابهين يمسوا قادة للعملية الإنتاجية ويضحى مُلاكها تحت سيطرتهم وتحكمهم وهنا أصبحت تقنية المعلومات محررة لأبناء الطبقة المتوسطة والدنيا من قيود الحاكم والقابعين في قمة الهرم الاجتماعي.

   باختصار شديد عملت تقنية المعلومات على تحرير فاقدي المُلكية المادية (ثروة وسلطة ونفوذ) وحجمت هيمنة وتحكم مُلاك الثروة والسلطة والنفوذ وأرقت الموهوبين وأصحاب العقول النيرة الى مراتب تدرجية أعلى وغيرت قيم المراتب التدرجية من المادية الى المعلوماتية.

لقد أجملنا فيما تقدم بعضاً من أوجه قيمة التملك بقيَّ علينا ان نتعرف على الأشخاص الذين يملكون الثروة والأرض والعقار والمعلومات هل جميعهم يشغلوا مراتب قمة الهرم الاجتماعي؟ الجواب كلا، وليس بالضرورة إنما فقط الذين يوظفون ثروتهم وممتلكاتهم في مجالات يعمل فيها الأفراد ويخضعوا لشروط المالكين وتوجيهاتهم. فكلما زاد عدد المستفيدين من مُلكية المالك المادية زاد نفوذه ومكانته الاجتماعية التي تؤهله لاحتلال إحدى قمم الهرم الاجتماعي. أم مالك المال أو الأرض أو العقار ولم يستثمره أو يوظفه في الأنشطة التجارية أو الاقتصادية بل مجرد محجوزة في خزينته أو وثائقه دون فائدة الأخرين منها عندها لا يكن له نفوذ او اعتبار اجتماعي بل حتى مكانته الاجتماعية لا توصله الى قمة الهرم الاجتماعي.

باختصار شديد ان وجود المُلكية وحدها فير كافية لإشغال صاحبها قمة الهرم إلا إذا تم استثمارها ليستفيد منها الآخرين.

   لا نريد ان نلبث في الاستهلال مالم نشير في نهايته الى ان من الحقائق الاجتماعية الطاغية التي يمكن تعميمها بشكل نسبي وليس مطلق هي ان التدرج الاجتماعي ينبني على اختلاف كمية المعايير المادية المملوكة لدى الشخص (نعني بها الأرض والعقارات ووسائل الإنتاج والمال) بحيث تجعله متميزاً في امتلاكه هذا عن الاخرين (الأقل أو الأكثر) وعادةً ما يتفاعل على مُلاك المعايير المادية المتشابهة بعضهم مع البعض ويترابطوا بأنشطة إنتاجية ومصلحية مادية تقودهم نحو التضامن الاجتماعي المبني على ممتلكاتهم المادية مكونين بذلك شريحة اجتماعية متقاربة ومتشابهة في مصالحها وممتلكاتها مكونين بذلك طبقة اجتماعية – اقتصادية تختلف عن الشريحة الأخرى التي هي أقل أو أكثر منها في دخلها وممتلكاتها، فلا تتفاعل مع الأعلى او الأدنى منها بنفس القدر الذي تتفاعل مع مثليتها، وهكذا يتشكل التدرج الاجتماعي في كل مجتمع.

   إذن غني عن البيان نقول ان التدرج الاجتماعي يتنامى ويبرز بشكل فعال مع فاعلية الإنتاج المادي وما يدر من الأموال على مالكيه بغض النظر عن كونه انتاجاً زراعياً أو صناعياً، معنى ذلك ان التدرج يتشكل مع امتلاك المال والمادة التي تزيد من ثروة صاحبها وتجعله متميزاً عن غيره ومتحكماً فيه. بتعبير أخر، تنطلق المكانة الاجتماعي وموقعها على السلم الاجتماعي من الحيازة الإنتاجية التي يحتاجها الناس. تتركز هذه الحيازة الإنتاجية في امتلاك التقنية المستخدمة في عملية الإنتاج الزراعي أو الصناعي التي تجلب الثروة وتجعل افراد المجتمع منجذبين نحو منتوجات حاجياتهم المعاشية (من مواد غذائية أو كسائيه ضرورية لمعيشتهم ورفاهيتهم) لكن هناك استثناء لهذه القاعدة الاجتماعية الطاغية تتمثل في المجتمعات البدائية في عيشها وهي: –

4 / أ – مجتمع الصيد والالتقاط   Hunting and Gathering

يستخدم افراد هذا المجتمع تقنية بسيطة وبدائية في صيده للحيوانات والطيور والاسماك حيث يصطادوا ما هو ضروري في حياتهم اليومية معتمدين على المشاركة الجماعية في صيد أو التقاط الثمار الطبيعية في الغابات. وإزاء هذا النمط المعاشي لا تكن هناك جماعات أو فئات في هذا المجتمع تتميز عن الأخرى ولا أفضل منها لأنهم جميعاً متساوين في مصادر عيشهم واحتياجاتهم لأنهم يصطادون ما يحتاجوا اليه في يومهم من حيوانات وطيور واسماك وثمار طبيعية من الغابات. فهو إذن مجتمع متساوٍ المكانات والمواقع ليس فيه تدرج لمكانات الأفراد لأنه لا يتضمن فقراء أو اغنياء أو مسلوبي الإرادة جميعهم في مستوى واحد. معنى ذلك عدم وجود تقنية متقدمة عندهم تجعلهم متساويين في عيشهم وتفاعلهم فلا يوجد عندهم حد أحسن من حد، أعني يتمتعوا بمستوى أفقي من الوجاهة والمكانة لا فيه مالك ولا مملوك ولا متنفذ ولا مخنوع.

   قصارى القول، نقول بإن هناك ثمة حقيقة عن الحياة الخالية من الامتلاك المادي والمالي عند الانسان تجعله يعيش عيشة طبيعية خالية من الاستعلاء والاستغلال والازدراء من الاخرين لأن الامتلاك المادي يمنحه ممارسات إنتاجية أكثر من غيره. هذا إذا بقيَّ المجتمع ساكناً وراكداً لا يبحث عن النمو والتقدم لا يتأثر بالمؤثرات المحيطية التي تدور حوله. لكن هذه الحالة لا يعرفها المجتمع الإنساني لأنه يمتلك العقل الذي يجعله ان يفكر في تحسين وضعه المعاشي من خلال ابتكار أدوات وآلات تساعده على اكتساب تميز يفوق غيره. إذن روح المنافسة والمهماز الدافع للفرد هو أن يتفوق ويحصل على ما لا يملكه غيره بإنه وارد جداً وهو امتلاك ماديات يتقوى على غيره. ومن هنا تنطلق الخطوة الأولى في تأسيس المكانة المميزة والمتقدمة والمختلفة عن غيره.

   ومع تكرار هذه الحالة عند الاخرين تبدأ تشكيل التراثيات الاجتماعية التي تؤول بالتالي نحو تكوين تدرج الاجتماعي ومع تقدم الزمن وتطور الحياة الاجتماعية التي تريد ان تتماشى مع عجلة الزمن. فالتدرج إذن ينبني من روح المنافسة بين الافراد المستندة على دوافع الملكية والحيازة المادية لتكن احدى عجلات الارتقاء على الاخرين وإزاء هذه التموجات الفردية والجمعية نحو التميز والتفوق والتقدم تتشكل جماعات مالكة وأخرى فاقدة – غنية وفقيرة وما بينهما. وعلى مر الزمن تتبلور درجات متراتبة على شكل تدج اجتماعي يستند عليه افراد المجتمع.

  أما الجانب الاستغلالي والتحكمي والتسلطي فإنه يحدث عندما تتسع الفجوة بين الجماعتين (المالكة والفاقدة للمُلكية والثروة) لأن الثروة تشجع مالكها على ممارسة نفوذه على غيره بشكل متطرف خوفاً من فقدانها منه أو حبه لها لأنها منحته التميز والتفوق والنفوذ الاجتماعي.

4 / ب – المجتمع البدوي Nomadic society

   انه شبيه بمجتمع الصيد والا التقاط ممن حيث كونه تعاوني من أجل عيشه وبقائه في الحياة إذ انه يعيش على ضروريات الحياة الطبيعية ويبتعد عن الحاجي والكمالي، مهنته الرئيسية رعي المواشي لا يمتلك التقنية في حياته العامة والخاصة لأن حياته في رعي الأغنام والمواشي لا تتطلب ذلك ولكونه صحراوي لا يمتلك الأرض أو العقار بل يمتلك الحيوانات من أجل العيش فقط لا تمنحه السلطة والنفوذ لذا لا يتضمن هذا المجتمع تدرج اجتماعي متراتب فالمادة عنده مفقودة ومستوى العيش بسيط والعلاقات الاجتماعية قائمة على العلاقات الدموية – القرابية.

4 / ت – المجتمع الزراعي Agrarian society

  يمتلك هذا المجتمع تقنيات متقدمة نسبياً في معيشتها الزراعية مما تبلور عنده فائض من الغلات والمزروعات فتحصل فيه عدم المساواة بشكل مستمر، فيه نخبة صغرة من المُلاك تتحكم في معظم الفائض الزراعي المنتج مما يولد جوراً اجتماعياً على الذين لا يملكون الأرض ولا الإنتاج الزراعي. تضم هذه النخبة النبلاء التي تكن مكانتهم اشبه بمكانة العراب كمرجع اجتماعي يرجع اليه في كل صغيرة وكبيرة في حياة المزارعين.

4 / ث – المجتمع الاقطاعي Feudal society

   لهذا النوع من المجتمعات تدرج اجتماعي متصلب في طبقاته لأن المُلكية المادية (الأرض والعقار والإنتاج الزراعي والمكائن البسيطة المستخدمة في الزراعة) تكون المحور الرئيسي الذي يستند عليه التدرج لأنه يملك تقسيماً طبقياً واضحاً وبارزاً حيث يضم الطبقة لعليا أصحاب الثروة والنفوذ والسلطة والدين ويرتبطون في اغلب الأحيان بروابط قرابية واحدة أو متقاربة ويكونوا متميزين ليس فقط في ثروتهم ومكانتهم الاجتماعية بل من خلال ملبسهم ومأكلهم وطريقة عيشهم ولهجتهم وسلوكهم لأنهم يمثلوا الأقلية الحاكمة في المجتمع. أما الحراك الاجتماعي فإنه من النوع الأفقي وليس العمودي أي لا يمكن أن يكون ابن الاقطاعي حداداً أو نجاراً، بل يبقى متبوأً مكانة عالية على الهرم الاجتماعي الاقطاعي. اما الصفوة الاقطاعية فهم من أصحاب الأملاك والوجهاء وبعض المثقفين والمتعلمين وبسبب سيطرة الطبقة الاقطاعية على المجتمع فإنه نظامه الاجتماعي يكون راسخاً في بنائه الاجتماعي الجامد والمتصلب.

   أما طبقة الفلاحين فيه فهم في أسفل الهرم الاجتماعي يستخدموا الآلات البدائية والبسيطة في حرث الأرض، اما وسائل مواصلاته فهي لا تكن متطورة بل بدائية جداً تعتمد على الحيوانات بينما تدرجه الاجتماعي يعتمد على النسق ويستخدم النسق الطائفي المغلق على نفسه مستخدماً الزواج الداخلي من نفس العائلة أو القبيلة لا يميل للتغير السريع لأنه محافظ وتقليدي في معيشته. ولا جرم من القول باستخدام الطبقة الاجتماعية التقاليد الموروثة والتعاليم الدينية بدعم سلطتها المطلقة وليس حبها فيها أو تعلقاً بها من أجل بقاء الفلاحين تابعين لهم وخانعين لسلطانهم.

4 / ج – المجتمع الحديث Modern society

  بسبب حجمه السكاني الكبير وتعدد تنظيماته الرسمية وارتفاع مستوى العيش وهبوط في معدل الأمية وارتفاع في معدل المتعلمين مع وجود نظام تقسيم عمل متخصص ومعقد وامتلاك تقنيات حديثة ومهارات علمية دقيقة وعالية ونظام بيروقراطي معقد وارتفاع مكانة المرأة في الأسرة والعمل مع سيطرة الالة والمادة على العلاقات الاجتماعية وتوهن الصلات القرابية وسيادة المجهولية بين تفاعلات الأفراد مع تركيز الجيل الصاعد على اكتساب الثقافة العصرية والعلم التقني المتقدم من أجل تنمية مهاراتهم ومداراتهم وكفاءاتهم لكي يتسلقوا أعلى درجات السلم الاجتماعي لأن الحراك الاجتماعي عندهم عمودي وليس افقي ونسق الطبقات فيه مفتوح وليس مغلق. معنى ذلك ان التدرج الاجتماعي فيه متعدد الدرجات وسريع الحركة والتنقل متضمناً عدة طبقات تكون القمة أصحاب المهارات والجدارات والأموال والممتلكات وفي الأسفل فاقديها، لكن الباب أمامهم مفتوحة للصعود الى الأعلى لكنهم لم يصلوا الى مرتبة القمة لأنها مشغولة من قبل الأقلية المالكة والماهرة. انه تدرج مادي صرف لا يعترف بالمعايير والقيم المحافظة والتقليدية.

   جدير بذكره في هذا السياق إن قدرة انتقال الفرد من طبقة الى أخرى تكون سهلة وانسيابية وذلك بسبب ما يقدمه من إنجازات أو ما يتمتع به من قدرات وكفاءات علمية ومعرفية، فالإنجاز العلمي والمعرفي يساعد الفرد بالصعود على السلم الاجتماعي إلا انه مع ذلك لا يستطيع ان يتنافس مع أصحاب رؤوس الأموال الطائلة ومالكي وسائل الإنتاج.

   مما تجدر ملاحظته ان الفرد في هذا المجتمع له الحرية بالعمل والصعود على الحراك الاجتماعي لكن ليس له الحرية في المجتمع الاقطاعي أو الزراعي او الرعوي. بينما في المجتمع الحديث والصناعي والاقطاعي هناك قمم تملك المال والعقار والأرض ووسائل الإنتاج بينما القاعدة لا تملك اية من هذه الممتلكات فضلاً عن وجود قطبين متناقضين ومتصارعين في هذه المجتمعات (الحديثة والصناعية والاقطاعية) بيد ان المعادلة هذه لا تبقى قائمة على ما هي بل تتغير عن طريق الثورة أو الانقلاب السياسي أو العسكري أو بظهور اختراعات تقنية متقدمة يُهبّط من هم في القمة ويُصعّد من هم في القاعدة وهذا يقول لنا بإن المجتمع لا يعرف السكون والهجوع بل التغير الدائم والمستمر فتتغير درجات التدرج الاجتماعي لكن هو (التدرج) يبقى إنما الذي يتغير فيه شاغلي المواضع العليا (القمة) والقابعين في القاعدة.

4 / ح – المجتمع الصناعي Industrial society

 يعتمد هذا المجتمع على عملية التصنيع في حياته التطورية بدءً من استخراج المواد الخام وانتهاءً بتصنيعها وانتاجها وتسويقها الى الناس للاستخدام. هذه العملية تحديداً تحفز الأفراد على اكتساب التعليم المهني والعلمي والتقني من أجل تنمية مهاراتهم وكفاءاتهم وجداراتهم التي بدورها ترفع من مقاماتهم وتقلص أو تقزم نفوذ النخب التقليدية الموروثة. ليس هذا فحسب بل ان الإنتاج الصناعي يقوم بإرقاء مستوى العيش لأغلب الفقراء ويزيح الأمية والجهالة من حياة السكان ليجعلهم واعين ومدركين لتطورات الحياة العصرية. بذات الوقت تحفزهم على المشاركة السياسية في اتخاذ القرارات التي تهم حياتهم ومستقبلهم وتطورهم وتتقلص هيمنة الرجل على المرأة في حياتها البيتية والمهنية والعملية.

     ومن نافلة القول ان نشير الى ان ثروة الأفراد في هذا المجتمع على مر الزمن تمسي أقل تمركزاً عن الأثرياء. أعني تتبدل مواقعها فتذهب من فئة الى أخرى. ففي العقد الثاني من القرن العشرين كان اثرياء أمريكا يمثلوا 1 % يملكوا بحدود 40 % من الثروة الامريكية لكن هذه النسبة هبطت الى 30% في العقد الثامن من نفس القرن (العشرين) التي اقترنت مع ارتفاع مداخيل الأفراد وزادت مساعدة الحكومة الامريكية للفقراء. هذه الاحداث تقول لنا لماذا حصلت الثورات الماركسية في المجتمعات الزراعية مثل في روسيا عام 1917 وفي كوبا عام 1959 وفي نيكارغوا عام 1979 التي تسودها عدم المساواة والجور الاجتماعي أكثر بكثير من المجتمعات الصناعية.

   حريًّ بنا ان نشير الى ان عدم المساواة في الثروة قد ارتفعت مرة ثانية في عام 1990 ثم برزت بشكل طاغي عام 2012 أكثر بكثير من سنين الكساد الاقتصاد العالمي عام 1930. [Tiemann. 2014. P. 221]

  إن أهمية الولوج في هذا الموضوع يجعلني استجلاء ما هو مرادي في هذا التناول إلا وهو توضيح حقيقة التدرج الاجتماعي الذي لا يتبلور بين يوم وليلة ويبرز على أسطح الحياة الاجتماعية بشكل تلقائي أو بدون مهماز (دافع) قوي يحدد فئات المجتمع الى مقامات في ثرواتها يبني طبقات متفاوتة في تدرجها. يبرز هنا مهماز (التصنيع) الذي دفع الافراد الى ما يلي: –

 – أن يكتسبوا التعليم العام والمهني والعلمي.

 – أن يتخصصوا في حقول الصناعة والتجارة.

 – أن يُنَموا مهاراتهم وجداراتهم.

 هذه المتغيرات التي تطلبتها عملية التصنيع أفرزت تغيرات متسلسلة في حياة الأفراد الذين عاصروا مراحل تطور العملية الصناعية وهي ما يلي: –

 – نشر التعليم العلمي بينهم من أجل إزاحة الأمية عنهم.

 – دفعهم للاكتساب المهني لكي يرتقوا في وعيهم ومعارفهم وبكل ما يدور من تطورات في العوالم الصناعية المتقدمة.

 – وهذا بدوره أذكى عندهم روح المشاركة في اتخاذ القرارات الإدارية والسياسية والصناعية والاقتصادية في مجتمعهم.

– وبناءً على ذلك ارتقت مقاماتهم الى درجات اعلى في الحراك الاجتماعي.

 – كذلك عمل هذا الارتقاء على امتلاكهم للثروة الناجمة من عملية التصنيع.

 – عندها تقلص وتقزم نفوذ النخب التقليدية القديمة في مجتمعهم.

 – كل ذلك جعلهم الانتفاضة على مُلاك الأراضي والعقارات وتحويل قمة هرمهم الاجتماعي من الاقطاعيين والمُلاك الزراعيين الى أصحاب الصناعة في عملية التصنيع.

 – عندئذٍ تحولت رؤوس الأموال من الجماعة الزراعية والاقطاعية الى الصناعية.

– وفي ضوء هذه التحولات تبلور تدرج اجتماعي جديد يتضمن عدة طبقات حديثة النشوء.

   نردف بعد ذلك الى ماذا يعني ذلك في المجتمع الصناعي او الزراعي؟ انه يعني بغض       النظر عن طبيعة عمل واختصاص المجتمع فإنه لا يخلو من تدرج اجتماعي يعكس مرحلة تطوره ونمط عيشه. أقول لا يوجد مجتمع – مهما كان نوعه – لا توجد فيه فئات مالكة للثروة (سواء كانت عن طريق الوراثة أو الاكتساب) وأخرى فاقدة لها، فإنها تنتقل من واحدة للأخرى عبر الزمن والتحولات الاقتصادية الدولية والمحلية لأنه لا توجد ثروة ساكنة وراكدة في يد جماعة اجتماعية واحدة بل تنتقل عبر الزمن ومع التحولات الاقتصادية والسياسية.

اما عملية استغلال الفئة المالكة للثروة لغير المالكة لها فإن ذلك يرجع الى جهالة وعدم وعي الفئة غير المالكة للثروة بما يحصل لها، ويقل الاستغلال عندما تكون هذه الفئة (غير المالكة) واعية ولها منظمات عمالية وسياسية تدافع عن حقوقها والى درجة احترام واهتمام الحكومة الوطنية بمواطنة مواطنيها وعدم التفرقة بينهم. بمعنى حكومة عادلة في حكم شعبها تسمح لأبناء الطبقة العاملة بالمشاركة في الأنشطة النسقية البنائية وفي اتخاذ القرارات الاستراتيجية والشعبية.

4 / خ – المجتمع الشمولي Totalitarian society

  له تدرج اجتماعي مصطنع من قبل السلطة الحاكمة التي تحتل قمته افراداً من قيادة الحزب الحاكم الأوحد لا يشغلوها على أساس الدخل المالي أو الثروة أو امتلاك الأراضي والعقارات أو ورثوه عن اسلافهم بل تمَّ تنصيبهم على قمة الهرم الاجتماعي من قبل الحاكم الأوحد وحزبه فقط بمنحهم الحزب الحاكم نفوذاً عالياً وسلطة متميزة لكي يتسلطوا على باقي الفئات الاجتماعية وهم بهذا يمثلوا النخبة الحاكمة ذات طبقة سياسية متنفذة ومرفهة اقتصادياً. اما عامة الشعب فيكونوا من الأمعة أو التابعين والخانعين للنخبة الحاكمة، دخلهم المالي محدود نفوذاً اجتماعياً وما بين الفئتين (التابعة والمتبوعة) هناك حزب سياسي منتقى من قبل النخبة الحاكمة لمساعدتها في السيطرة على أفراد الشعب كعين وكمجسة مراقبة لسلوك ونشاط العوام. بمعنى ان هذا المجتمع يكون تدرجة الاجتماعي من النوع المتصلب والمقنن لأن حراكه الاجتماعي يكون بعيداً عن الإنجاز التربوي والعلمي والجدارة المهنية والكفاءة التقنية لكنه قريباً من الانتماء الحزبي والقرابي – الدموي من النخبة الحاكمة ومقنناً من قبلها. بمعنى يكون تحرك وانتقال الفرد بسبب تسلط الحزب الذي يحتكر كافة أنواع السلطات (السياسية والاقتصادية والعسكرية والقضائية والتربوية) لأفرادها ولا يسمح لغيرهم بالصعود على السلم الاجتماعي الارتقائي وبالوقت ذاته لا تستعمل المقاييس المتبعة في المجتمع الصناعي المتقدم في تسلق افرادها أو تسلق الأخرين من غير اتباعها بالوصول الى المواقع الطبيعية المناسبة طبقاً لكفاءتهم وخبراتهم وجدارتهم. بمعنى انه يمثل النسق المغلق على غير المنتمين للحزب الحاكم لكنه مفتوح للمنتمين للحزب الحاكم ولا يسمح بتشكيل طبقات اجتماعية واقتصادية لخوفه فيها ومن تكتلهم لأنه مجتمع يحصر المال والسلطة والنفوذ بيد النخبة الحاكمة فقط ويجردها من غيرهم فهو مجتمع غير طبقي بالمعنى الاقتصادي أو الاجتماعي بل فئوي بالمعنى السياسي له تدرج سياسي خاص بحزبه لا بالمجتمع الذي يحكمه.

4 / د – المجتمع الحر Free society

انه نقيض المجتمع الشمولي في جميع صفاته وخصائصه، إذ له تدرج اجتماعي مفتوح لكل من يملك كفاءة وخبرة وتخصص مهني أو علمي أو ثقافي يتناسب مع المرتبة التي يشغلها مُركزاً على المنافسة الحرة بين مواطنيه حول إشغال المناصب النسقية البنائية دون الرجوع الى خلفيتهم الأسرية أو التاريخية أو الطائفية أو العرقية وهذا يعني ان حراكه الاجتماعي عمودي وليس افقي ومرن – مفتوح – ملتزماً بما يملكه الفرد من مؤهلات علمية. هذا الانفتاح الحركي والحر راجع الى وجود تنظيمات ومؤسسات ومنظمات وأحزاب غير حكومية (مدنية) تعمل على اذكاء روح المنافسة العالمية من أجل خدمة المجتمع ومصلحته العامة لا الخاصة من أجل تحقيق أكبر قدر ممكن من الحرية والديمقراطية فلا يوجد تماسك أو تضامن بين تنظيماته ومؤسساته، بل التنافس في الأغلب. أعني يكون تسلق افراده على السلم الاجتماعي مقتصراً على فئة معينة مستبعداً الفئات الاجتماعي الأخرى. اما الفرد الذي يشغل موقعاً سلطوياً لا يبتز موقعه للتكسب المادي ولا المعنوي وليس بالضرورة ان تتزايد ثروته وماليته مع تزايد نفوذه السلطوي وتسلقه على الواقع السلطوية. لذا تكون قمة تدرج هذا المجتمع مشغولة من قبل المنتخبين على أساس جدارتهم ووطنيتهم وخبرتهم وخدمتهم لأبناء مجتمعهم.

   أما الطبقة الوسطى فتكون متألفة من المثقفين والمهنيين الأحرار والمدافعين عن المصلحة العامة ومن أصحاب الدخول المتوسطة يعملوا في مجال اختصاصهم بعيداً عن المساومات والمداهنات والانتهازيات أغلبهم من أصحاب الياقات البيضاء (أي الموظفين المكتبيين المهنيين)، بينما تتألف الطبقة الدنيا من أصحاب الدخول الواطئة من العمال والفلاحين القاطنين في المناطق الصناعية والزراعية بعضهم من أصحاب المُلكية الزراعية المحدودة ويحصلوا على مساعدات مادية من الحكومة من أجل انعاش حياتهم المعاشية ولهم نقابات عمالية وجمعيات فلاحية تدافع عن مصالحهم ويتمتعوا بنصيب تعليمي ابتدائي.

4 / ذ – المجتمع المعلوماتي Information society

  في هذا المجتمع انقلبت موازين التدرج الاجتماعي رأساً على عقب فلم يبقى كما كانت سائدة في المجتمع الاقطاعي والصناعي والشمولي يقبع في قمة الهرم الاجتماعي أصحاب المال والثروة والنفوذ والسلطة والأرض والعقارات وفي القاعدة أصحاب العضلات من العمال والفلاحين والمشردين. لكن في مجتمع المعلومات يتميز فيه بروليتارية العمل المحترف ونمو متزايد في القطاع الخدمي الناتج عن استمرار التنمية الاقتصادية. إذ ان تداول المعلومات بين افراد المجتمع يمنحهم القوة والنفوذ يستخدموها ضد تسلط وتحكم الصفوة المختارة في مجتمعهم. حيث ان اية معلومات مهما كان نوعها وسريتها لم تعد ولم تبقَ مقتصرة بيد فئة محدودة من الناس بل باتت متداولة بين العامة فتفوقت مواقعهم وضعفت مواقع الصفوة الاجتماعية امام العامة. معنى ذلك أصبحت المعلومات معياراً قوياً وسلاحاً خارقاً في تحديد مراتب التدرج الاجتماعي المعاصر. فالذي يملك المعلومات يتمتع بمرتبة عالية على التدرج الاجتماعي، معنى ذلك لم تبقَ المادة والثروة والنفوذ والسلطة معياراً للمكانة المتميزة في المجتمع المعلوماتي بل تغيرت موازينه في تقييم القوى على مراتب ودرجات التدرج الاجتماعي. أعني لم يبقَ الأفراد القابعين على سدة الحكم محتكرين المعلومات الاقتصادية والسياسية موقعاً ومكانة، بذات الوقت أضحى عامة الناس يمتلكون نفس المعلومات التي يمتلكها سراة المجتمع (عليّة القوم) فمنحتهم الحجج والأسانيد في دعم مطالبهم واحتياجاتهم، هذه الميزات لم يحصل عليها عامة الأفراد في المجتمع الصناعي المتقدم قبل ظهور تقانية المعلومات التي منحت المواطن حريته وفتحت أمامه الفرص للتعبير عن ذاته والمساهمة في اتخاذ القرارات الوطنية التي تخص المصلحة العامة فضلاً عن السماح له باكتساب المعرفة والحصول على المعلومات المتاحة دون تميز أو تحيز سياسي أو حزبي أو طائفي او عرقي أو عائلي. بمعنى جعلته يرتقي على سلالم الحراك الاجتماعي الصاعد دون اية إعاقة فوقية، واعلمته بإن نسقه الاجتماعي هو نسق مفتوح وليس مغلق أو طائفي. في الواقع هذا تحفيز مباشر للأفراد من أبناء الطبقة الدنيا والوسطى الراغبين بالعمل وتعزيز موقف الأفراد الراغبين في دفع عجلة التغيير نحو الأمام لكنه لا يحفز القابعين في قمة الهرم الاجتماعي أفرزت شبكة اتصالات واسعة وسريعة الإنجاز ومتكاملة بلّرت نسقاً حاسوبياً للاتصالات التقانية مما عمل على إرساء أرضية جديدة لعلاقات الأفراد في المجتمع.

    ومن نافلة القول ان نشير الى عدم بقاء امتلاك الأرض ممثلاً لمصدر القوة والنفوذ للأفراد في المجتمع المعلوماتي أو حتى كمصدر مساعد على الهيمنة الاقتصادية والعملية الإنتاجية لأنه حلَّ محل امتلاك الأرض ورأس المال والتحكم فيه مصدراً للقوة والنفوذ لأنه تحول مصدر النفوذ الى المتخصصين التقانيين أو ممن لهم الملكة والقدرة التقانية الحديثة.

   يتضح مما تقدم ان مصدر القوة والنفوذ ليس واحداً بين المجتمعات وعبر الزمن بل يتبدل بين الفينة والأخرى وحسب نوع المجتمع بل وحسب سرعة التبدل إذ في عصر السرعة الفائقة للتقدم التقاني المعقد باتت المصادر الطبيعية مورداً قصيراً وباعثاً هزيلاً لطموح المواهب الإنسانية مثل موهبة اتخاذ القرارات المعقدة في الإدارة أو استقدام حواسيب لاستخدامها في العملية الإنتاجية. مما لا شك فيه ان النفوذ يتبلور بشكل متسارع مع تطور البناء التقاني وبالذات عند الأفراد الذين يجمعون بين استخدام المواهب المتخصصة وجماعة اتخاذ القرار الذين يساهمون في تشكيل السياسة الرشيدة في الشركات والمصالح. فالنفوذ المتحكم في الشركات العملاقة مرتبط بالبناء التقاني وليس بإصحاب رؤوس الأموال أو أصحاب الأسهم والسندات.

   ومن أجل استجلاء أكثر عما تقدم ان اشير الى الحيف الاجتماعي أو عدم تساو الفئات والطبقات في المجتمع سيكون مختلفاً نوعاً ما في طبيعته وذلك بسبب كونه لا يعتمد على مكانة أو مركز الأسرة التي وِلِدَ فيها لان بعض الأفراد يكونوا قادرين على اكتساب المهارات عبر العمل الشاق وحده لكن بوساطة المقدرة الكبيرة في اكتساب النفوذ أو القوة في العالم فإنها ستمثل أفضل هدية تتفوق على الأعمال العشوائية عند عامة الناس. بتعبير أخر، سيحصل مالك الموهبة على مكانة متميزة ونفوذاً حيوياً بغض النظر عن لون بشرته أو طائفته الدينية وانحداره الطبقي أو حجم أسرته.

  باختصار شديد، سيدت المعلومات مالكيها على فاقديها أو الجاهلين بها لأنها تقانية تمثل آلية التحرر المعرفي من القيود الطبقية والتقاليدية التراثية الموروثة التي لا تمثل روح العصر بينما تقنية المعلومات تمثل روح العصر تزود مالكيها بمصادر معلوماتية غنية وغزيرة تكثف وتزيد من نشاطهم وعملهم تنسجم مع طموحاتهم وتحريرهم من هيمنة وطغيان المكان والزمان الذي يعيشون فيه.

الفصل الخامس

نماذج من الفوارق الطبقية في بعض دول العالم الحديث

 

استهلال

5 / أ – التدرج الطبقي في المجتمع الأمريكي

5 / ب – بزوغ الطبقات الاجتماعية في الصين

5 / ت – عدم الاستواء الاجتماعي في الاتحاد السوفياتي السابق

5 / ث – الطائفة والطبقة في المملكة المتحدة

5 / ج – النسق الطائفي في الهند

5 / ح – التدرج الطبقي في إيطاليا

5 / خ – التدرج الطبقي في استراليا

5 / د – عدم الاستواء الطبقي في المكسيك

5 / ذ – المجتمع الإسرائيلي طبقي منذ استيطانه

5 / ر – التدرج الاجتماعي الكندي

5 / ز – التدرج الاجتماعي في اليابان

الفصل الخامس

نماذج من الفوارق الطبقية في بعض دول العالم الحديث

استهلال

لكل فرد عدة مكانات اجتماعية في وقت واحد ومجتمع واحد لكنها ليست واحدة في قيمها الاعتبارية في الوجاهة والمنزلة النفوذية والثروة المالية في المجتمعات الصناعية الرأسمالية. فالأستاذ الجامعي على سبيل المثال في المجتمع الصناعي يحتل مكانة اكاديمية مرموقة فيه على الرغم من دخله المالي غير عالي وهناك العامل السباك تكون مكانته الاجتماعية غير مرموقة في المجتمع الصناعي والحضري لكن دخله المالي عالي وهذا يعني عدم وجود انساق متناسب أو متوافق أو متطابق ومتلائم بين مكانات التدرج الاجتماعي في هذه المجتمعات. على نقيض ذلك المجتمعات التقليدية والمحافظة والريفية والطائفية التي تكون فيها مكانات الأفراد الاجتماعية منسقة ومتناسبة ومتوافقة بشكل متلائم بسبب سيادة الحراك الاجتماعي الأفقي وليس العمودي. أي تحركه بشكل عرضي لا يصعد ولا يهبط لذا يكون اعتبارهم ونفوذهم الاجتماعي أو الطائفي منسقاً وغير مختلفاً لأنه باقي في نفس طائفته أو قبليته أو عشيرته أو اسرته الممتدة لا يخرج منها أو عليها وهذا يعني ان اعتباره الاجتماعي وثروته ونفوذه حاله حال جميع أفراد مجتمعه المحلي أو طائفته لأن موقعه في جماعته ثابتاً لا يتغير ولا يتبدل. لكن هذا الاتساق المتوافق والمتطابق بين مكانات الفرد التقليدي أو المحافظ أو الطائفي يكون سائداً في هذه المجتمعات لا يقبل الصعود ولا الهبوط لأن نسقه الاجتماعي مغلقاً.

   لكن في المجتمعات الصناعية والحضرية حيث فيها الحراك الاجتماعي العمودي (صاعداً أو هابطاً) لا يحصل انساق أو توافق متطابق في مكانات الفرد بل تتباين من موقع الى أخر لأنها تخضع للمؤثرات الخارجية والداخلية فمثلاً الدخل السنوي (لأوبرا) مقدمة برامج تلفزيوني امريكي أعلى من دخل رئيس الجمهورية الامريكية هذا هو عدم انساق مكانة الفرد في المجتمع الصناعي والحضري ذا النسق الاجتماعي المفتوح والحراك الاجتماعي العمودي.

    صفوة القول، ان مكانة الفرد المتنوعة في المجتمع الصناعي الرأسمالي لا تكن منسقة ومتطابقة بل تكن مرموقة في مرتبة معينة وغير ذلك أي أقل من مرتبة أخرى على عكس مكانات الفرد في المجتمعات التقليدية والطائفية ذات النسق الاجتماعي المغلق والحراك الأفقي تكون مكانات الفرد منسقة ومتطابقة ومتلائمة في قيمتها ومستواها.

   ينطوي هذا الفصل على طرح نماذج عن التدرج الاجتماعي السائد في بعض دول العالم اليوم مصورة الانقسامات الطبقية والفوارق العرقية والطائفية التي أحدثت فجوات اجتماعية بين فئات المجتمع الواحد في العصر الحديث، تشكلت متدرج ومتفاوت مما يجعل ذلك سبباً حيوياً في تغير المجتمع لأن قواه الاجتماعية غير متكافئة أو متوازنة مما يجعل فيها جوراً وظلماً اجتماعياً فضلاً عن الاختلال البنائي بين انساقه الذي يفرز اعتلالاً وظيفياً في أداء الحقوق والواجبات الوطنية.

   حريًّ بنا ان نشير الى أننا سنجد فيها اختلاف نوع التدرج حيث هناك من هو مقام على أساس الطبيعة الطبقية المتأصلة في الخلفية التاريخية للمجتمع والى عنصريته مثل المجتمع الإسرائيلي ومنه ما هو صنيعة أسباب وجود غالبية عظمى من الفقراء في المجتمع مثل المجتمع المكسيكي أو انه نتاج معاناة شديدة وقاسية برزت من قبل الهوة الحاصلة بين العلمانية والدينية والانقسامات العرقية والفوارق الطبقية وفجوة الأجيال السائدة مثل المجتمع التركي أو عدم توزيع الدخل بشكل عادل كما هو الحال في إيطاليا وأستراليا أو بتأثير الرأسمالية الصناعية في مكافئتها لأصحاب الجدارة والكفاءة مثلما هو سائد في المجتمع الأمريكي وهناك من التدرجات الحديثة التي نجمت عن التغيرات النسقية في البناء الاجتماعي والسياسي كما حصل في الصين وروسيا اخيراً هناك تدرج طائفي مغلق استولدته الطائفة الهندوسية في الهند واستورثته عن اجيالها السالفة فلم يكن حديثاً بل يمثل ارثاً ثقافياً ودينياً لا يمكن الخروج عنه لأنه نسقاً مغلقاً على افراده. وهكذا فالتدرج الاجتماعي هو واحد في درجاته ومراتبه لكنه مختلف في معاييره وقيمه المادية والاجتماعية لا يوجد مجتمع حديث خالٍ منه أو مستغني عنه.

5 / أ – التدرج الطبقي في المجتمع الأمريكي

   بادئ ذي بدء علينا ان نوضح التصنيف الماركسي الذي طرحه “ماركس” المتضمن طبقتين رئيسيتين في المجتمع الرأسمالي وهما (الرأسمالية والبروليتارية) لا تنطبق على هيكلية الهرم الاجتماعي الأمريكي المعاصر لأن المعيار الأكثر ملائماً لتحديد التدرج الطبقي الأمريكي هو الدخل والثروة الذي ميز بين عدة طبقات تراتبية موثقة بأرقام حسابية لمداخيل الأمريكان بعيداً عن العقيدة السياسية أو الخلفية العرقية أو الطائفة الدينية حيث كان بعض علماء الاجتماع الأمريكان يصفوا الطبقة العليا والمتنفذة في المجتمع الأمريكي بإنهم من عرق الأنجلوسكسون ومن الطائفة البروتستانتية أي من الجنس الأبيض المسحي البروتستانتي. لكن هذا الوصف لا ينطبق الان على الطبقات الامريكية في الوقت الحالي. بعد هذا التعريف الأولي أعرج الى تقديم أنواع الطبقات وهي ما يلي: –

1 – الطبقة العليا: التي تمثل 5% من سكان الولايات المتحدة دخلهم السنوي يبدأ من 200,000 دولار فأكثر. في عام 2011 نشرت مجلة فوربس الأمريكية forbes) ) 400 امريكي يملك ما لا يقل عن (1.05) بليون دولار وتصل ملكيتهم احياناً الى 59 بليون دولار. هذه الفئة الثرية تمثل لب الطبقة العليا أو ما يسميهم (ماركس) بالرأسماليين المالكين لوسائل الإنتاج ولهم ثروة خاصة كسبوها من أعمالهم التجارية وإن ثروتهم جاءت من الأسهم والسندات والاستثمارات وما ورثوه من أسلافهم. هذه الطبقة في الواقع يتفرع منها فرعين هما العليا من العليا والدنيا من العليا. يطلق على أبناء الطبقة العليا من العليا upper – uppers class بأصحاب الدم الأزرق (blue bloods) أي النبلاء الارستقراطي المولد تصل نسبتهم الى 1% بمعنى انه ليس حديث الثراء بل استورث ثروته من أجداده وولد في أسرة ارستقراطية أقول ان عضويته الطبقية تكون طبيعية موروثة، معظم أبناء هذه الطبقة يملكوا ثروات متعددة ومتنوعة معظمها موروثة من عوائلهم وأسلافهم لذلك قيل ايضاً عنهم بإن هذه الطبقة تملك اموالاً موروثة old money يقطنوا في احياء وجيرة واحدة تعكس انتمائهم الطبقي الراقي مثل Beacon Hill في مدينة بوسطن وحي Rittenhouse square section في مدينة فيلادلفيا وفي حي Gold coast في مدينة شيكاغو وفي حي Nob Hill في مدينة سان فرانسيسكو أما أطفالهم فيدرسوا في مدارس خاصة ويكملوا دراستهم العليا في كليات وجامعات ذات سمعة علمية مرموقة وعتيدة، مثلما كان الارستقراطيين في أوربا سابقاً يدرسوا الآداب والفنون وليس المهارات المهنية.

   أما نساء هذه الطبقة فإنهم يعملوا كمتطوعات في تنظيمات خيرية وذلك لتحقيق هدفين هما مساعدة المجتمع المحلي اولاً وثانياً لبناء شبكة من العلاقات الاجتماعية من أجل تعزيز وتوسيع نفوذ النخبة التي ينتمون اليها.

 اما أبناء الطبقة الدنيا من العليا Lower – upper class فإنهم يستخدموا شجرة العائلة أكثر من الدخل المالي في تحديد انتمائهم لها وإن ثروتهم جمعوها من عملهم working rich أي اكتسبوا ثروتهم من عملهم أكثر من الميراث. هذه الأسر الجديدة في غناها يمثلوا 4% من سكان الولايات المتحدة يسكنوا في منازل فخمة تقع في أحياء غنية وغالية إضافة الى منزلهم هذا لديهم أخر يقع قرب الشواطئ أو على الجبال يقضوا عطلهم وإجازاتهم فيها. أما أبنائهم فإنهم يرسلوهم الى المدارس الخاصة وكليات رصينة كل ذلك وهم لا يرتادوا النوادي التي توءمها عوائل ذات الثروات الموروثة.

 2 – الطبقة الوسطى: تمثل هذه الطبقة نسبه تتراوح ما بين 40 – 45% من المجتمع الأمريكي لهم تأثير كبير على الثقافة الأمريكية يمكن مشاهدة ذلك على ما يعرض من برامج وأقلام والاعلانات التجارية على التلفاز والسينما حيث جميعها موجهة لهم بسبب احتياجاتهم الاستهلاكية. تضم هذه الطبقة عدة أعراق وأرساس وأقليات أكثر من أية طبقة أخرى في المجتمع الأمريكي.

الطبقة العليا من الوسطى Upper – middles class يتراوح دخل أفراد هذه الطبقة ما بين 114,000 و200,000$ دولار في العام. هذا الدخل في الواقع يسمح لعوائل طبقة العليا من الوسطى أن يعيشوا في منازل مرفهة تقع في مناطق غالية نسبياً ويملكوا أكثر من سيارة واحدة ومن النوع الراقي والغالي ويقوموا باستثمارات مثمرة 2/3 منهم يسجلوا أبنائهم في كليات، 1/3 لديهم شهادات عليا والعديد منهم يشغل مناصب ذات اعتبار اجتماعي عالٍ مثل الطب والهندسة والمحاماة والمحاسبة وإدارة الاعمال إنما ينقصهم نفوذ الأغنياء في تأثيرهم على الاحداث الداخلية والخارجية أي الدولية والوطنية لكنهم يلعبوا دواراً مهما في الشؤون السياسية المحلية.

طبقة وسط المتوسط Average middle class يقطن أبناء هذه الطبقة بالقرب من مركز الطبقة البنائية الأمريكية يشتغلون بالأعمال المكتبية ذات الاعتبار المرموق مثل البنوك وإداراتها أو مدرسين في المدراس الثانوية أو الاعمال الكهربائية أو النجارة. أما دخل أسرهم فإنه يتراوح ما بين 48,000 و114,000 دولار في العام وهذا يمثل المستوى الوطني العام في أمريكا. ومن نافلة القول إن أبناء هذه الطبقة يجنون ثروتهم من عملهم ويشتروا منازل لهم ويوفروا ميزانية خاصة لتعليم أبنائهم في المدارس الحكومية وليس الأهلية أو الخاصة.

3 – الطبقة العاملة Working class: تمثل هذه الطبقة بحدود 1/3 من سكان الولايات المتحدة يطلق عليهم احياناً بالطبقة الدنيا من الوسطى وحسب مصطلح “كارل ماركس” تشكل الطبقة العمالية لب أو قلب البروليتارية الصناعية أي هم أصحاب البدلات الزرقاء (عمال) يحملوا عضوية الطبقة العاملة ذات أسر دخلها السنوي يتراوح ما بين 27,000 و48,000 دولار أي أدنى من المستوى الوطني العام. لديها ثروة قليلة ويدخر مالاً بسيطاً لمواجهة المشاكل الناجمة عن البطالة والمرض. معظمهم يعرضوا رضاهم بوجودهم الطبقي وإن 56% من العمال يملكوا منازل خاصة بهم تقع في المناطق الفقيرة أو ذات الدخل الواطئ و1/3 يدخلوا الكليات.

4 – الطبقة الدنيا Lower class: يمثلوا 20% من المجتمع الأمريكي يعانون من مشاكل مالية قاسية ففي عام 2010 صنفت الحكومة الأمريكية الفدرالية بإن هذه الطبقة تضم 46.2 مليون نسمة جميعهم من الفقراء، مليون منهم يطلق عليهم العمال الفقراء Working poor يعملوا بأعمال ذات اعتبار اجتماعي واطئ لكن دخلهم يسد متطلبات معيشتهم معظمهم درسوا في المدارس الإعدادية لكن المجتمع الأمريكي يعزل الطبقة الوسطى عنها وبالذات عندما يكون الفقراء من الأقليات العرقية وهم بحدود 44% من أسر الطبقة الفقيرة يملكوا بيوت تقع في مناطق فقيرة مثل وسط المدن أو في المناطق الزراعية الريفية التي تقع في جنوب الولايات المتحدة. [Tiemann. 2014. Pp. 225 – 227]

5 / ب – بزوغ الطبقات الاجتماعية في الصين

  يفضي هذا الموضوع الى ابانة واستجلاء موضوع تأثير التغيير الاجتماعي والسياسي الذي اكتسح الفدرالية السوفيتية وجمهورية الصين الشعبية لأنه أحدث تغيراً شاملاً في الأبنية الاجتماعية لهذين البلدين المشمولين في نظامهما السياسي والاقتصادي. فبعد الثورة الشيوعية التي اندلعت عام 1949 أخذت الحكومة زمام السيطرة على المزارع والمصانع وباقي المشاريع المنتجة. وصرح رئيس الحزب الشيوعي “ماوس يونغ” بإن جميع الاعمال متساوية في أهميتها وعلى الصعيد الرسمي لم تبقَ الطبقات الاجتماعية قائمة أو لها وجود في المجتمع الصيني حيث قام البرنامج الجديد بتقليص كبير لعدم المساواة الاقتصادية بينما بقت الاختلافات الاجتماعية قائمة في الاتحاد السوفيتي.

   أما في الصين فقد كان البلد محكوماً من قبل النخبة السياسية مع نفوذ مضخم وذا إيجابية كبيرة ودونهم كان مدراء المصانع الكبيرة والمهنيين المهرة ومن بعدهم يأتي العمال الصناعيين. أما في قاع الهرم الاجتماعي الصيني يقبع الفلاحين والمزارعين مما لا يسمح لهم بترك قراهم ومزارعهم والهجرة الى المدن.

   ثم جاء تغير اقتصادي كبير وأوسع في عام 1978 عندما توفى “ماو” وجاء من بعده “دينك اكساينغ” رئيساً للحكومة الصينية عندها فقدت الحكومة – تدريجياً – تحكمها بالاقتصاد فسمحت لطبقة رجال الاعمال الجدد ومُلاك الشركات بالظهور على سطح المجتمع. أما قادة الحزب الشيوعي فبقوا في مناصبهم القيادية للبلد مع ازدهار وتألق بعضهم من خلال انضمامهم الى مرتبة النخبة الصغيرة الثرية ممن يتحكموا بالاقتصاد الصناعي مما أسرع ذلك في إنماء ثروتهم الذي بدوره حرّك اقتصاد الصين الى درجة المجموعة المتوسطة اقتصادياً.

لا جناح من القول الى ان أغلب هؤلاء الأثرياء الجدد ركزوا على المناطق الساحلية ذات العيش الرغيد والمرفه والمتحضر من مُلاك السيارات الفارهة ذات الماركة العالمية الشهيرة والراقية مثل سيارة بينتلي Bently التي تباع في الصين أكثر مما تباع في المملكة المتحدة البريطانية.

   ومنذ أواخر العقد على السواحل الصينية التي أصبحت مأوى آلاف الزوار الأثرياء الذين أثروا من جراء الازدهار الاقتصادي إضافة الى ذلك فإن هذه المدن الساحلية جذبت أكثر من 100 مليون من الشباب المهاجرين من المناطق الريفية لها للبحث عن فرص عمل جديدة والعيش في مستوى مرفه إنما الحكومة الصينية قيدت حركة تنقلهم وهجرتهم مما أدى هذا التقييد الى ابطاء سرعة الحراك الاجتماعي العمودي – الارتقائي. لكن بالنسبة للذين لديهم قدرة على التنقل فإن فرص العمل لهم متاحة وكان أفضل من عمل الأخرين المتصف بالمخاطر وعدم دفع أجور عالية بل بالكاد تسد تكاليف العيش الغالية في المدن الساحلية لذا فإن أغلبية المهاجرين بقوا فقراء.

   مع ذلك فإن خبرة المجتمع الصيني فيما يخص الحراك البنيوي الصاعد في اقتصاده الذي وصل الى نسبة 10% سنوياً خلال العقود الزمنية الثلاثة المنصرمة. جدير بذكره في هذا السياق الى ان الصين في الوقت الراهن تتمتع بالمرتبة الثانية الكبرى في الاقتصاد العالمي حيث احتلت مرتبة جديدة على سلم التدرج الاجتماعي الصيني الذي تضمن العوائد القادمة من الخارج أو ما يسمى بسلاحف البحر التي زادت بنسبة عشرة الاف كل عام مثل الشباب والشابات الذين عادوا من تعليمهم من اقطار أخرى من الكليات والجامعات الأمريكية، هؤلاء الشباب معظمهم منحدرين من أسر غنية وعادوا الى الصين ليجدوا فرص عمل جديدة تنتظرهم فأصبحوا يمثلوا عوامل مؤثرة على اقتصاد البلد ومن هنا برزت طبقة جديدة في الصين ذات نسق طبقي خليط أو مختلط يجمع ما بين التدرج السياسي القديم والتدرج التجاري الجديد. وهذا يعني ان عدم المساواة الاقتصادية في الصين قد زاد من اعداد نخبة رجال الاعمال الجدد الذين أصبحوا من أصحاب الملايين وحتى البلايين لدرجة ان عدم المساواة الاقتصادية في الصين أكبر وأوسع من عدم المساواة الاقتصادية السائدة في السويد والمملكة المتحدة وكندا وما زالت الفوارق الطبقية في الصين مستمرة في التباعد. [Tiemann. 2014. Pp. 214]

5 / ت – عدم الاستواء الاجتماعي في الاتحاد السوفيتي السابق

  حريً بنا أن نشير الى حقيقة اجتماعية سائدة في جميع المجتمعات الإنسانية كافة بغض النظر عن النظام السياسي الذي فيها ومرحلتها التطورية وهي عدم وجود أو خلّوِهِ من درجات التفاوت الفئوي أو الطبقي أي بما يسمى بالاستواء المتساوي للطبقات Classless لكن مع ذلك فإن هناك العديد من الأنظمة السياسية وقادتها يدّعون ويزعمون بإن مجتمعهم خالٍ من التفاوت الطبقي، إنما مثل هذا الادعاء والزعم لا يوجد إلا في المدينة الفاضلة (اليوتوبيا) مثال على ذلك اتحاد الجمهوريات السوفياتية الاشتراكية (التي كانت تتنافس مع الولايات المتحدة الامريكية ذات النظام الرأسمالي والطبقي) تتنافس معها عسكرياً وسياسياً ابان منتصف القرن العشرين وأواخره.

   ومن أجل تمحيص ما تقدم ونجول طرداً معه نقدم لمحة تاريخية عن هذا الاتحاد الذي وِلِدَ في عام 1917 مع اندلاع الثورة الروسية التي قضت وأنهت السيطرة الاقطاعية (أو نسق الحكم الاقطاعي المتسم بالنبالة لمتدرجة) فحولت معظم اقطاعياتهم ومزارعهم ومصانعهم وباقي ممتلكاتهم ومنتجاتهم من الملكية الخاصة الى الملكية العامة (الحكومية) أي تم تأميمها. بذات الوقت تبنت هذه الثورة وترجمت النظرية الماركسية التي ترى إن المصدر الرئيسي لعدم الاستواء الاجتماعي (التدرج الهرمي) يكمن في الملكية الشخصية ومن هذا المنطلق كان القادة السوفيات يصرخوا ويتبجحوا بإنهم قضوا على التفاوت الطبقي وبات مجتمعهم بدون طبقات اقتصادية واجتماعية.

   هذا على صعيد الادعاء، أما على صعيد الواقع فإن المجتمع السوفياتي يتألف من أربع فئات اجتماعية غير متساوية تقبع في القمة المسؤولين الحكوميين أي في أعلى قمة الهرم الاجتماعي يطلق عليهم لقب الرفاق apparatchik يأتي بعدهم المثقفين السوفيات والمسؤولين الحكوميين الذين أدنى من القادة ومن رموز الدولة ثم الأساتذة الجامعيين والعلماء والأطباء والمهندسين، اما الفئة الثالثة فتضم العمال اليدويين بينما تضم الفئة الرابعة الفلاحين.

   كل هذه الفئات في المجتمع السوفياتي وقادته يدّعون بإن مجتمعهم متساوٍ الطبقات وخالي منها، أما النفوذ السياسي فكان متمركزاً فقط عند نسبة صغيرة من السكان. ان سياق الحديث يجعلني أن أشير الى ان المصانع والمزارع والكليات قد تم وضعها بيد الحكومة تديرها وتشرف عليها فبلورت المساواة الاقتصادية بشكل واسع لكن مع ذلك بقت الاختلافات الكبيرة في النفوذ والسلطة لأفراد الحكومة والحزب الحاكم أكثر مما هي سائدة في المجتمعات الرأسمالية مثل المجتمع الأمريكي.

الفدرالية الروسية الحديثة

  في عام 1985 وصل الى السلطة الروسية “ميخائيل غورباتشوف Mikgail Gorbachev” حاملاً معه برنامجاً اقتصادياً جديداً عُرِفَ باسم “إعادة التركيب الهيكلي للاقتصاد الروسي Perestroika” لأنه وجد النسق الاقتصادي في بلده مبلوراً عدم المساواة بين افراد المجتمع وان أغلب الروس يعيشوا عيشة متخلفة بشكل كبير عن الأمم الصناعية وإن عجلة تطوره تسير ببطء عندها قام “غورباتشوف” بتنشيط النمو الاقتصادي من خلال إنقاص أو تقليص التحكم والسيطرة المركزية على الأنشطة الاقتصادية التي كانت تدار من قبل افراد غير كفؤين وجديرين بالسياسة الاقتصادية. هذا التشخيص القيادي في الإصلاح الاقتصادي مَثَّل أكبر حركة أو أكثر الحركات الإصلاحية في التاريخ الأوروبي لأن افراد المجتمع في أوروبا الشرقية كانوا يعانوا من الفقر والعوز في عيشهم وفقدان الحرية الشخصية مع ظلم الطبقة الحاكمة عليهم التي جُلَّ افرادها أعضاء في الحزب الشيوعي الحاكم. لكن مع بداية عام 1989 قامت المجتمعات الأوروبية الشرقية بقلب نظام الحكم الاشتراكي في عام 1991 فنهار الاتحاد السوفياتي الذي كان يمثل المعسكر الاشتراكي الأكبر في العالم أي انهارت أكبر جمهورية معروفة بنفسها على انها الفدرالية الروسية.

  إذ كانت نظرية الاتحاد السوفيتي تزعم وتدعي بعدم وجود طبقات اجتماعية – الجميع سواسية، ليس فيه فقراء لكن واقع الحال ان طبقة النخبة تمتلك النفوذ السياسي أكثر من ثروتها. لكن بعد تطبيق البرنامج الاقتصادي الإصلاحي الذي اتى به “غورباتشوف” حصل حراك اجتماعي سريع في صعوده وهبوطه إذ هبط جميع الأشخاص الذين كانوا في قمة الهرم الاجتماعي أبان الحكم الشيوعي وصعد الكثير من الذين كانوا فلاحين وفقراء الى مراتب صناعية ومكاتب حكومية واحتلوا مناصب الذين تم الإطاحة بهم فحصل ما يطلق عليه في علم الاجتماع بـ (حراك البناء الاجتماعي Structural social mobility ) الذي يمثل تغير المجتمع بكامله أكثر من التغير الفردي (وهذا ما حصل في المجتمع العراقي بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 إذ حصل فيه حراك بنائي اجتماعي بكافة انساقه (السياسي والاقتصادي والتربوي والعسكري والأمني والإداري والمالي والاجتماعي والديني) فتحول المجتمع من النظام الشمولي الى الطائفي الديني بحيث تم اقصاء أصحاب المناصب الحكومية من مناصبهم واحلال محلهم أبناء الطائفة الشيعية دون الأخذ بعين الاعتبار الجدارة المهنية والتخصص والخبرة العلمية والتحصيل الدراسي بل مجرد كونه شيعي مما اهدروا طاقات البلد العلمية والمالية والاقتصادية فصعدت فئة اجتماعية شرهةً مالياً ومتعطشة للسلطة ومنتقمة سياسياً لم تحمل في سلوكها وتفكيرها معايير وطنية عراقية ولا حتى دينية بل ركزت على السلب والنهب والانتقام من افراد النظام السابق فسرقت المال العام بشكل رسمي وعلني دون حساب وعقاب ولم يقوموا بأي مشروع إصلاحي بل نفذوا مشاريع افسادية مخربة قيمياً واخلاقياً وطائفياً ودينياً وقومياً وسياسياً. أقول حصل حراك بنيوي هابط في كوادره المتعلمة والمتخصصة وصاعد في شخوصه الجاهلة والفارغة فكرياً وعلمياً واخلاقياً ودينياً فتفرغت للتفكيك النسقي والبنيوي وسرقة المال العام وتهديم كل شيء قويم مثل المتاحف التراثية والمكتبات العامرة والجامعات الرصينة فهدموا ولم يبنوا وقضوا على الطبقة الوسطى من الكوادر المهنية المتخصصة وذات الخبرة النسقية وحلوا محلها شخوص لا يملكوا الخبرة ولا التخصص فلم يصلحوا ولم يبنوا اية مؤسسة (مدرسة، مستشفى، جامعة، محاربة الفساد، جيش ، أجهزة أمنية وقضائية وسواها) فكان هذا الحراك البنيوي حراكاً هداماً لا مُصلحاً ونكوصياً لا مرتقياً لدرجة انه كان أحد أسباب وفاة الكثير من العراقيين الغيارى الذين لم يُصدقوا ما حصل لبلدهم فماتوا كمداً وهم في عمرهم الوسطي.)

   أعود الى حديثي عن المجتمع السوفياتي لا أقول بانه خلال العقد التاسع من القرن العشرين كان حراك البناء الاجتماعي الفدرالي السوفياتي هابطاً الى المستوى الأدنى اشبه ما حصل في مرحلة الكساد الاقتصادي العالمي الذي أثر بشكل بالغ على أمد حياة الناس بالنسبة للرجال الذي هبط خمس سنوات والنساء سنتين وكان هناك العديد من المتغيرات الأخرى ساهمت في هذا الهبوط الانتكاسي بما فيه الرعاية الصحية ومعاناة الروس في المرحلة الشائكة التي أصابت التغير الاقتصادي الذي بدأ عام 1991 الذي أغنى بعض الفئات وأفقر الفئات الأخرى فبرزت طبقة ثرية بسرعة فائقة واختفت الأخرى لكن هذه الحالة لم تستمر الى الأبد بل حصل نوع من التحكم والسيطرة على اقتصاد وصناعة البلد والتوجه نحو الإصلاح. لكن بقي المجتمع متضمناً تدرجاً اجتماعياً جديداً مبني على الثروة وليس على النفوذ كما كان أبان الحكم الشيوعي.

5 / ث – الطائفة والطبقة في المملكة المتحدة

  لقد ذكرنا في هذا الباب إن الجدارة والطائفة لا يلتقيان لأن الجدارة تسود المجتمعات الطبقية – الصناعية ذات النسق الاجتماعي المفتوح وصاحب الحراك العمودي، إلا إن الحالة في المجتمع البريطاني (الذي يضم إنكلترا وويلز واسكتلندا وهولندا) الذي له تاريخ طويل في الزراعة ويملك الصناعة المتقدمة في الان، تختلط فيه الطائفية والجدارة في نسقه الطبقي. أي أن نسقه الطبقي يتضمن نسقاً طائفياً يعني النسق المفتوح يضم نسقاً مغلقاً ويعتمد على جدارة الاستحقاق في تنمية نسقه الطبقي، مرّد هذه الحالة الغريبة ترجع الى الارستقراطية البريطانية التي سادت العصور الوسطى إذ كان نسق الارستقراطية شبيه بالنسق الطائفي المغلق. حيث يضم قادة الكنيسة المتحدثين أو الناطقين بسلطة الرب. وكان بعض الكهنة لا يرجعوا الى الارستقراطية البريطانية يعيشوا عيشة بسيطة ومتواضعة على عكس المسؤولين الكبار في الكنيسة فكانوا يملكوا الأطيان والمزارع والقصور والاقلاع. هذه الأراضي تمثل المصدر الرئيسي للثروة. وكان قادة الكنيسة يشار إليهم على انهم يمثلوا طبقة اجتماعية أولى first estate يتمتعوا بسلطات سياسية متميزة وبخاصة الممتلكات الزراعية بما فيها الأراضي والأطيان. هذه الطبقة لا تكن مقتصرة في بريطانيا بل في فرنسا وباقي الدول الأوروبية، هؤلاء القادة كان لديهم نفوذاً عالياً وقوياً وكبيراً مؤثراً على الاحداث السياسية في تلك الحقبة التاريخية.

   أما باقي الشرائح الارستقراطية الأخرى في فرنسا والبلدان الأوروبية فإنه يُطلق عليها بـ (الطبقة الاجتماعية الثانية second estate ) كانت ذات حراك وراثي مكتسب ويمثلوا نسبة 5% من السكان أما الأسرة الملكية التي تضم الملك والملكة وهم في قمة الهرم الاجتماعي وأصحاب نفوذ مطلق يشترك معهم بعض المئات من الأسر البارزة والمتنفذة يطلق عليهم بـ (الدوق dukes) والإيرل (لقب إنكليزي ادنى من الماركيز وأرفع من فيكونت) والبارون barons النبلاء جميعهم يملكوا معظم أراضي المملكة ضمن الطبقة الارستقراطية، اثرياء يعود ثرائهم الى أراضيهم ولديهم خدم وحشم في منازلهم ولهم وكلاء يشرفوا على مزارعهم وأطيانهم. أما أعضاء الارستقراطية فليس لديهم عمل أو وظيفة خاصة إنما يقوموا بمضاربات وبيع وشراء لزيادة مداخيلهم ويقضوا معظم أوقاتهم بركوب الخيل والسباقات والاستمتاع بسماع الموسيقى أو الرسم والفن والشعر وقراءة القصص واحياناً ينخرطوا في صراعات ونزاعات فردية أو عائلية.

   ولما كان هؤلاء الارستقراطيين مُلاك كبار للأراضي والأطيان المقترنة مع السطوة والنفوذ في المجتمع والكنيسة آنذاك فقد شرعوا قانوناً يمنع تقسيم الأملاك الموروثة بين الأبناء بعد وفاة الأب بل حصروها باسم الأبن الأكبر في العائلة سواء كان ذلك عن طريق اختيار الأبناء الأصغر منه او يجدوا طرقاً أخرى لحصر الإرث الكبير بيد وباسم الأبن أو الأخ الأكبر في العائلة أمامهم (أي الأخوة الأصغر سناً) فيذهبوا الى الكنيسة لمساعدتها ومساعدة الحكومة من أجل بقاء اسمهم ضمن الطبقة الارستقراطية وقسماً منهم ذهبوا للعمل في الجيش أو القضاء أو مناصب شرفية نبيلة، أما البنت فلا تحصل على ورث أبيها بل تحصل على أملاك زوجها لضمان معيشتها.

  وما يلي بعد رجال الدين يأتي منصب مجلس العموم ويضم الرجال والنساء من ارستقراطيين وهكذا يبحث افراد العوائل الارستقراطية على طرق تخدم بقاءهم في ارستقراطيتهم يخدموا الكنيسة والحكومة ليكونوا متنفذين وفي أعلى درجة من الهرم الاجتماعي في المجتمع البريطاني.

 أما في فرنسا وباقي الدول الأوروبية فتكون الطبقة الاجتماعية الثالثة Third estate تحتوي على عضويات مجلس العموم الذين هم من مُلاك الأراضي والأطيان ومن النبلاء أو مُلاك الأراضي التابعة للكنيسة وهؤلاء لا يشبهوا العوام المتمتعين بالتعليم الأولي أو من الأميين.

  لكن عند اندلاع الثورة الصناعية تغير الاقتصاد البريطاني الذي جذب الكثير من العوام تاركين الزراعة والعيش في المدن والعمل في مصانعها بحثاً عن المال والثراء لكي يتحدوا النبلاء. تطلبت الثورة الصناعية الجدارة والمهارة في العمل الصناعي كذلك الانخراط في التعليم واكتساب المهارات الجديدة هذه المتطلبات الصناعية زادت من مداخيل العاملين فيها من العوام فأصبحت منافسة قوية بين العوام والارستقراطيين الذي بدوره بلور نواة النسق الطبقي وتوهين النسق الطائفي الارستقراطي لدرجة ان بعض الارستقراطيين باعوا ألقابهم بسبب احتياجهم للمال فتقلص حجم النبلاء والارستقراطيين أمام زحف العوام الذين استوطنوا في المدن وجمعوا الثروة من جراء تأثيرات الثورة الصناعية ومن الأمثلة على هذه حالة نشير الى المثال المعاصر في بريطانيا ففي عام 1996 باع “إيرل سبنسر” شقيق الأميرة “ديانا” أحد القابه هو لقب لورد ويمبلدون Wimbledon بسعر 300,000 دولار بسبب احتياجه لإصلاح انابيب المياه والمجاري في منزله. [Tiemann. 2014. P. 212]

   نستخلص من العرض الأنف الذكر صيغة نظرية تخص مراحل التغير الاجتماعي الذي لا يعرف السكون والهجوع ولا يدعم ويعزز الهرم الاجتماعي بل يُفعّل الحراك الاجتماعي الذي يحوله من الأفقي الى العمودي ويكسر القفل النسقي ليجعله مفتوحاً وهكذا.

   ومن أجل تمحيص ما تقدم نسجل ملاحظتنا على هذا التغيير الذي أصاب المجتمع البريطاني القديم من ان التركيبة الطبقية لا تكن ثابتة أو سرمدية الى الأبد على الرغم من محاولاته بالحفاظ على مواقعها ومصالحها وتثبيت أركانها إلا ان القائمين عليها وقادتها نسوا أو لم يعيروا أهمية الى رغبة الطبقات الأدنى من رغبتها بتغيير مواقعها بسبب التسلط الممارس عليها من قبل الهيئة الحاكمة ومُلاك الأراضي والأطيان الأمر الذي يجعلهم يتحينوا الفرص التي تأتي من الخارج ليستغلوها من أجل تغيير الترتيب الطبقي المفروض عليهم.

  ولكي أسبر غور هذه الحالة الفريدة من نوعها في أدبيات علم الاجتماع أقول ان ما زاد الطين بلة هو أن أبناء الطبقة الارستقراطية الحاكمة استولدت نسقاً طائفياً مغلقاً ضمنها لا تقبل أي فرد من خارجها ومن الفئات الأدنى فيها بالصعود اليها، بذات الوقت لا تريد أن يسقط أو يهبط احداً منها ليعيش مع العوام فابتكروا طرقاً وأساليب لدعم ثروتهم وابقائهم على مناصبهم أو مناصب تمنحهم النبالة والشرفية حماية لهم وهذا لا يحصل إلا في الطائفة الدينية فنصبتهم في المؤسسات العسكرية والقضائية والمدني الرفيعة المستوى دون تركهم أو جعلهم يهوون الى مستوى العوام. لاحظ ايضاً إن ممارسة الحياة المدنية والمجتمعات الصناعية والحضرية أن انساقها مفتوحة ومعتمدة على الكفاءة والجدارة الفردية وليس وراثية، ومن ثمار الثورة الصناعية لأنها مناهضة للأقطاع والارستقراطية والكنيسة ذات التسلط الروحي على الناس. فقامت الثورة الصناعية ذات الدافع المادي المناوئ للتسلط الروحي والاجتماعي في تغيير التراتب الطبقي المتكلس المحصور بيد رجال الدين ومُلاك الأراضي والأطيان فقوضت هذا البنيان الكلاسيكي فأزالت تسلط الكنيسة ورجالها والحكومة ورموزها فغيرت مصادر الثروة فحولتها من الأراضي الى المصانع والمعامل ومن الثروة الموروثة الى المكتسبة عن طريق الجدارة والاستحقاق. ولأن النسق الديني الكنسي روحي المبدأ يربط الإنسان بالخالق وليس الإنسان بالسياسة. فرجال الدين الكنسيين أرادوا الجمع بين التسلط السياسي والديني ليبتزوا العوام والجهلة ويحصلوا على الثروة من الأراضي واستعباد العاملين فيها باسم الدين.

   بيد ان الثورة الصناعية لا تعتمد على السلطة الدينية ولا الكهنة ولا الكنيسة بل على الكفاءة والجدارة والتخصص وعلى المادة وليس على العبادة. خليق بنا ان نقول ان رجال الكنيسة قاموا بدمج النسق الديني السياسي والاقتصادي لكي يعززوا سلطانهم على الناس على الرغم من ان الدين لا يقر ذلك ولا يعمل به بل يعمل بالجانب العبادي لله فقط.

5 / ج – النسق الطائفي في الهند

     يتجلى النظام الطائفي بشكل جلي في المجتمعات الزراعية من خلال نمط عيشها إذ كلاهما (الطائفية كنظام والفلاحة كمجتمع) يعتمدان على دعامتين الأولى: رتابة إيقاعات الحياة اليومية طيلة حياة الفرد فيها مثل تحمل العمل الشاق واستسلام للقدر والوراثة في المهنة وعدم تقبل الأشياء الجديدة عليهم التي تتغاير مع تقاليد وأعراف ثقافتهم الاجتماعية والالتزام المطلق بواجبات العمل والالتزام القيمي بمعايير مجتمعهم التي ورثوها من ابائهم وأجدادهم، أقول محافظين وتقليدين في نفس الوقت.

ثانياً: الانضباط بالالتزام السلوكي وقواعد العمل طيلة حياتهم لا يجنحوا عنه لذلك يكون ممثلاً للرتابة المستديمة الأبدية.

هاتين الدعامتين يمثلا ركنين من أركان النسق الطائفي ونمط العيش الزراعي في المجتمع الهندي وجنوب أفريقيا المتصف بالنسق العرقي والتميز العنصري.

وإزاء هذه الدعامتين تكون الطائفة والمجتمع الزراعي ممثلان للنسق المغلق وليس المفتوح لأن حراكه الاجتماعي يكون أفقياً وليس عمودياً، فلا جرم من القول ان النسق الطائفي ملتصق بالريف الهندي لأكثر من سبعة عقود من الزمن. لكن الأفراد الهنود الذين يعيشون في المدن الهندية لديهم خيارات متعددة للعمال من الاعمال الصناعية بسبب عدم سيطرة النسق الطائفي على مجتمع المدينة الصناعية ومع تطور الاقتصاد الحديث في المجتمع الهندي أنجذب الأفراد الى الأعمال الصناعية والتجارية أكثر من الزراعية مثل الحقول العلمية والتقنية المتخصصة مما أحرز هذا نمواً للنسق الطبقي المتصف بالانفتاح أكثر من النسق الطائفي بمعنى يسمح للأفراد المتعلمين وأصحاب المهارات الصعود على التدرج الاجتماعي وعدم البقاء في مرتبتهم التي ولدوا فيها وهذا بدوره بلّور تمايزاً طبقياً لا طائفياً بذات الوقت أصبح العمل والمهنة غير موروثة بل مكتسبة أي بات للفرد الذي يعيش في المدن وحرية اختيار مهنته التي تتناسب مع مؤهلاته وليس موروثة من والده أو جده حريته هذه دفعته الى ان يكون حراً في اختيار شريكة حياته من خارج اسرته الممتدة.

      أخيراً نقول ان النسق الطائفي لا يستطيع العيش في الحياة المدنية لأنها تضم العديد من الفئات الاجتماعية المختلفة في دياناتها وثقافاتها وأعراقها ويحكمها النسق الاقتصادي – الصناعي والتجاري الذي يتطلب التنوع والتغيير وليس الرتابة المستديمة ولا تخضع لتسلط الأسرة الممتدة ونقول ان النسق الطبقي يحل محل النسق الطائفي في حياة المدن الهندية وجنوب أفريقيا (العنصري) لأنه نسق مغلق والمدينة نسقها مفتوح ولأن حراكه الاجتماعي أفقي وحراك المدينة عمودي.

   إن سياق الحديث يلزمني أن أقول في ضوء ما أسلف عند مقارنة المجتمعات من خلال مقياس “عدم الاستواء” يذهب علماء الاجتماع للتمييز أو التفريق بين الانساق المغلقة closed systems التي تتيح أو تسمح للتغيير القليل والبسيط لأصحاب المنازل أو المناصب الاجتماعية، بينما الانساق المفتوحة open systems تسمح – وتتيح للتغيير الأكثر للأفراد بالتحرك على الحراك الاجتماعي العمودي على السلم (التدرج) الاجتماعي صعوداً أو هبوطاً وهذا غير وارد في النسق الذي لا يكون موجوداً في حياة المدن بل في حياة الريف والقرى. إذن يسود النسق الطائفي – المغلق في المجتمعات الريفية، بينما يسود النسق الطبقي – المفتوح في المجتمعات الحضرية – المدينيه.

    ومن باب الإغناء والإفاضة والتحديد الدقيق نقدم خصائص وصفات النسق الطائفي المغلق وهي ما يلي: –

1 – انه مُقام ومبني على المكانة الوراثية عن طريق الولادة، بمعنى ان الفرد الطائفي يكتسب مكانته الاجتماعية في اسرته عند الولادة.

2 – تحدد مكانته الطائفية مستقبل حياته لحين وفاته (مع حراك اجتماعي طفيف أو معدوم).

3 – وبهذا يعني ان الفرد الطائفي لا يعيش حاضر زمانه لأن طائفته أغلقت عليه العيش خارجها.

4 – يتنشأ على التمسك بتقاليد وأعراف وضوابط طائفية المغلقة التي لا تسمح له بالخروج عنها لذا لا يجد مخرجاً منها وإذا مرق أو خرج لا تسمح له بالعودة إذ يكون النبذ الطائفي مصيره والقطيعة التفاعلية والعلائقية معه ووصمه بإنه عاق ومارق.

5 – لا تسمح الطائفة بتغيير وضع افرادها الاقتصادي الى مستوى أرحب وأفضل. مثال على ذلك تكون معظم المجتمعات الزراعية في العالم من النسق المغلق. فالمجتمع الهندي على سبيل المثال على الرغم من وجود مدن حضرية وصناعية فيه إلا أن سكان القرى والأرياف مازالوا يعيشون مع تقاليدهم الطائفية.

    أما النسق التقليدي الهندي فإنه يتضمن أربع طوائف دينية رئيسية وهي: –

أ – البراهما       Brahmin

ب – كاشتريا     Kshatriya

ت – فاشيا        Vaishya

ث – سدرا        Sudra

  فضلاً عن وجود مئات من الفروع في كل طائفة، أي (طوائف فرعية ضمن الطائفة الواحدة) يورثوا مكاناتهم أو منازلهم الاجتماعية منذ ولادتهم باستثناء الفلاحين علماً بإن كل طائفة تكون متخصصة بعمل خاص بها لا تقوم به طائفة أخرى، مثل طائفة خاصة بالكهنة وأخرى بالجند وأخرى بالحلاقة وبالجلود واخري بتنظيف الشوارع وغيرها.

6 – تلزم وتجبر الطائفة أفرادها بتزويجهم من نفس طائفتهم منذ الصغر وإذا تم وان تزوج أحد افرادها من غيرها فإن أطفاله يكونوا غير معترف بهم. هذا الزواج يصطلح عليه علماء الاجتماع بالزواج الداخلي أي الزواج من نفس المنزلة الطائفية endogamous يسود هذا النوع من الزواج في المناطق الريفية النائبة وغالباً ما يختار الأبوين زواج أحد أبنائهم منذ طفولتهم قبل وصولهم الى مرحلة المراهقة.

7 – تمارس الطائفة الهندية ضوابطها وتوجيهاتها لأفرادها في حياتهم اليومية من خلال أعمالهم ضمن جماعتها وتمنحهم الخصال الحميدة عندما يلتزموا بها مثل انه شخص أصيل purer Peron أو نقي وتمنحه منزلة اجتماعية مرموقة ومحترمة وعندما لا يلتزم بتوجيهاتها وضوابطها يصفوه بالهجين أو غير النقي polluted person

8 – تنشئ الطائفة الهندية أبنائها على معتقداتها التراثية الموروثة (الهندوسية) وتعلم أفرادها بإن هذه المعتقدات واجب أخلاقي قبل كل شيء.

5 / ح – التدرج الطبقي في إيطاليا

ينقسم المجتمع الإيطالي إلى طبقات مختلفة: الطبقة البرجوازية العليا والطبقة البرجوازية الوسطى والطبقة البرجوازية الصغرى في المناطق الحضرية والبرجوازية الصغرى في المناطق الريفية والطبقة العاملة في المدن والطبقة العاملة الريفية. للمرأة حقوق متساوية مع الرجل وبشكل رئيسي في العمل والتجارة وفرص التعليم. لكن بعض التقليديين في المجتمع الإيطالي (لا سيما في الجنوب)، لا يزالوا يميلون إلى معاملة المرأة على أنها أقل شأناً من الرجل إلى حد ما، ولكن حقوق المرأة في إيطاليا تبقى تماثل معظم البلدان الغربية. [https://ar.wikipedia.org]

5 / خ – التدرج الطبقي في استراليا

    موضوع تعدد الطبقات الاجتماعية من المواضيع التي تهتم بها الدول والمجتمعات على اختلاف انظمتها السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية. وجميعنا نفهم معنى الطبقة الاجتماعية، ولكن هل بقي هذا المفهوم ثابتا حتى يومنا هذا من دون تغيير؟

هذا التساؤل تجيب عليه دراسة جديدة اعدها فريق بحث في الجامعة الوطنية الاسترالية ونظر الى مفهوم الطبقة الاجتماعية في المجتمع الاسترالي.

 تقول الدكتورة Jill Sheppard وهي احدى المشاركات في اجراء هذه الدراسة ان مفهوم الطبقة الاجتماعية ارتبط تقليديا بكم الاموال التي يحتفظ بها الشخص في حسابه المصرفي ولهذا فان التقسيم الطبقي يضع الناس في ثلاث طبقات: العاملة والوسطى والغنية.

 وربما يعتقد البعض ان استراليا بهذا المفهوم هي ليست دولة طبقية. ولكن الدكتورة Jill Sheppard تؤكد ان تقسيما جديداً للطبقات اعتماداً على الوضع الاجتماعي للناس يشير الى ان استراليا تتكون من ست طبقات!

 والجميل في هذا التقسيم الذي توصلت اليه الدراسة التي اعدتها الجامعة الوطنية الاسترالية انه جاء من واقع حياة الناس واعتمد على استطلاع اراء عينة عشوائية شملت 1200 استرالي.

 وخلال الاستبيان تم طرح عدة اسئلة مثل : كم من الاموال تملك؟ ما هي وظيفتك؟ ماذا كنت تعمل في الماضي؟ وكيف تقضي وقت فراغك؟

 وبعد تحليل اجابات العينة وصلت الدراسة الى ان استراليا حاليا تتكون من ست طبقات اجتماعية وهي:

 1 – بريكاريا: وطبقا للدراسة فإنها تمثل 13% من افراد العينة وتشمل الاستراليين الاكثر تأثراً بالفقر وهم عادة من بين العاطلين على العمل او اولئك الذين يعتمدون على المساعدات في حياتهم.

 2 – العمال من كبار السن: وهذه الطبقة تمثل أكثر افراد العينة حوالي 14% منهم ويبلغ معدل اعمارهم 58 سنة والكثير منهم يعتمد على المعاش او الراتب التقاعدي.

3 – العمال الجدد: وهي الطبقة التي تشمل بمعظمها الشباب وخاصة اولئك الذين يعملون بدوام كامل غير ان اجورهم ليست عالية بما فيه الكفاية.

 4 – الوسطى المستقرة: وهي الطبقة التي يمثلها اشخاص أكبر بالعمر من طبقة العمال الجدد غير ان عملهم ليس دائما بدوام كامل ولكن وضعهم المادي مستقر نوعا ما من خلال توفير السنوات الماضية.

5 – الأغنياء الجدد: وهي طبقة الاشخاص الذين يحصلون على اموال أكثر من الطبقة الوسطى ولكن ليس لديهم مدخرات وفيرة من الماضي.

 6 – الأغنياء الراسخون: وهي الطبقة الغنية الاقرب في استراليا الى الطبقة الارستقراطية وهي مستقرة ماليا واقتصاديا واجتماعيا.

 ورغم ان العديد ممن شاركوا في الدراسة لم تكن لديهم ادنى فكرة عن مدى طبقية استراليا بل انهم لم يكونوا يؤمنون بوجود الطبقية في استراليا لكن اجاباتهم، بحسب ما تقول الدكتورة  Jill Sheppard، قسمت استراليا في النهاية الى ست طبقات اجتماعية. [www.alankabout.com]

5 / د – عدم الاستواء الطبقي في المكسيك

     عواقب الفقر في المكسيك أنها ملحوظة في جميع المجالات ، من السياسية ، إلى الصحة ، من خلال التعليم والسلامة العامة.

وبهذه الطريقة ، يمكن الإشارة إلى أنها مسؤولة ، على سبيل المثال ، عن معدلات

سوء التغذية لدى الأطفال أو ترك المدرسة المبكر أو الهجرة..

على الرغم من وجود العديد من المقاييس لقياس معدلات الفقر، إلا أن الجميع يتفقون على ارتفاع معدل الإصابة في المكسيك. وفقًا للبنك الدولي ، فإن 50٪ من

السكان يعيشون تحت خط الفقر ، في حين أن حكومة الأمة تخفضه إلى 42%   ، فإن إنهاء هذا الوضع في المكسيك سيستغرق 120 عامًا وفقاً لـ OXFAM Intermón وسيؤثر على الأطفال والشباب بطريقة خاصة جدًا..

النتائج الرئيسية للفقر في المكسيك

1 سوء التغذية

سوء التغذية هو أحد أكثر النتائج المباشرة للفقر. يحدث عندما لا يمكنك تلبية الاحتياجات الغذائية للشخص ، على الرغم من أنه في السنوات الأخيرة ظهرت أيضًا مشكلة كبيرة في السمنة. هذا، في كثير من الأحيان ، أصل في الافتقار إلى الوسائل الاقتصادية والتعليمية التي تجعل المنتجات المستهلكة أرخص ، ولكن ضارة للغاية للجسم. تشير البيانات إلى أن 15 ٪ من سكان المكسيك يعانون من سوء التغذية. صحيح أنه كان هناك تقدم فيما يتعلق بالأطفال ، ولكن مع ذلك ، فإن 7.25٪ من الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و 14 سنة يعانون من ذلك. هذا الرقم يتضاعف في المناطق الريفية.

   يسبب سوء التغذية العديد من الأمراض ، مثل الأمراض التي تصيب الجهاز القلبي الوعائي. كما أنه يسبب فقر الدم ، والجهاز التنفسي أو مشاكل في العظام. فيما يتعلق بالآثار الاقتصادية ، تقوم بعض المنظمات بحساب تكلفة هذا البلد من سوء التغذية بمبلغ 28800 مليون دولار في السنة.

2 التسرب من المدرسة وعمل الأطفال

إن الافتقار إلى الوسائل المالية للعديد من الأسر له تأثير ضار على تعليم الصغار. تتسبب الحاجة إلى كسب الدخل في توقف العديد من الأطفال عن الدراسة والبدء في العمل في سن مبكرة جدًا ، وغالبًا في وظائف خطرة ذات أجور متدنية للغاية. إذا أخذنا في الاعتبار الأرقام التي قدمتها OXFAM ، يوجد في المكسيك حوالي 2.4 مليون طفل ومراهق (من سن 5 إلى 17 عامًا) يتعين عليهم ترك دراساتهم للوصول إلى العمل. هذا، بالإضافة إلى ذلك ، يطيل دائرة الفقر ، لأنهم لن يحصلوا على تدريب ليكونوا قادرين على إيجاد وظائف أفضل.

3 المواطن انعدام الأمن وزيادة الدعارة

وغالبا ما ترتبط الزيادة في الجريمة أو الأنشطة مثل الدعارة بمعدلات الفقر. من الواضح أن هذا لا يحدث في مائة بالمائة من الحالات ، لكن من الشائع أن يكون معدل الاختطاف الاقتصادي أو السطو أعلى في المناطق الأكثر فقراً. وبالمثل ، فإن الوضع يجبر العديد من الشابات على البحث عن وسيلة لكسب العيش في الدعارة. هذا له عواقب تقع في أيدي مجموعات منظمة مكرسة للاتجار بالنساء ، الذين يستغلونها دون تركهم يبحثون عن سبيل آخر للخروج.

4 – الهجرة

الهجرة بحثا عن تحسين الظروف المعيشية هي نتيجة مباشرة أخرى للفقر. في حالة المكسيك ، يمكنك رؤية منحدر مزدوج في هذه الظاهرة. من ناحية ، هناك هجرة من المناطق الريفية إلى المدن ، حيث من المفترض أن تكون هناك فرص أكبر. هذا يسبب ، من ناحية ، أن يتم فصل الحقل ، ومن ناحية أخرى ، تظهر جيوب الفقر في المدن الكبيرة. من ناحية أخرى ، فإن الهجرة إلى الولايات المتحدة هي حقيقة تأتي بالفعل من عدة عقود. في الواقع ، أصبح تحويل العملات الأجنبية أمرًا أساسيًا للاقتصاد الوطني. من بين آثارها السلبية يمكن تسمية ظهور المافيا العنيفة المكرسة لنقل المهاجرين أو فقدان الشباب.

5 المزيد من الفساد

في الجانب السياسي ، يمكن الإشارة إلى أن الفقر يجلب المزيد من الفساد السياسي. بدوره ، يشير الكثيرون إلى أنها خالقة للفقر. كلا الجانبين صحيحان وفقًا للمنظمات غير الحكومية. إن عملية شراء الأصوات في مقابل الوظائف أو المال تكون أبسط بكثير في السكان المتضررين من الفقر. إن السلطة التي يكتسبها السياسي أو رجل الأعمال الفاسد أكبر بكثير إذا كان مسؤولاً عن توفير الطعام أو المنازل للناخبين. [https://ar.thpanorama.com]

5 / ذ – المجتمع الاسرائيلي طبقي منذ استيطانه

  صدامات لا تنتهي وصراعات خفية وعلنية بين الطبقات المختلفة داخل المجتمع “الإسرائيلي”، يدفعك للتعرف على الطبقتين الرئيسيتين داخل هذا المجتمع العنصري، وهم “الأشكناز” و”السفارديم”.

يهود أوربا

أولًا: اليهود “الأشكناز”، هم اليهود الذين جاءوا من أوربا، فكلمة “أشكناز” هي مرادفة لكلمة ألمانيا، حيث اكتسب اليهود الاسم بحكم انتشارهم في ألمانيا قبل قيام الكيان، وامتد مصطلح الأشكناز بعد ذلك ليشمل الفرنسيين، ومن هاجر من نسلهم إلى بولندا وليتوانيا والدول الأوربية، كما أن هذا المصطلح يعني اللغة العبرية الأرض الألمانية.

ولعب اليهود الأشكناز دوراً هاماً في إقامة “الكيان الصهيوني” على أرض فلسطين، كما ساهمت أموالهم ونفوذهم في الدول التي جاءوا منها في ازدهار الحركة الصهيونية، وأخذوا على عاتقهم تشجيع اليهود في شتى أنحاء العالم للهجرة إلى فلسطين وإقامة الكيان، فهم من الناحية التاريخية أول من وصلوا إلى فلسطين لإقامة الكيبوتسات التي كانت نواة الاستيطان.

الطبقة العليا في الاحتلال

“الأشكناز” هم الطبقة العليا في “إسرائيل”، حيث تتمتع هذه الطبقة بالغنى والهيمنة على المؤسسات السياسية والاجتماعية والأكثر حصولاً على الأجور المرتفعة، وكان غالبية حكماء الصهيونية، الذين حضروا المؤتمر الصهيوني الأول من الأشكناز الذين يعتقد بأنهم هم من وضعوا بروتوكولات حكماء صهيون.

يهود الشرق الأوسط

ثانيًا: “اليهود السفارديم” وهم اليهود الشرقيون أو يهود الشرق الأوسط الذي جاءوا من الشرق والدول العربية والعالم الثالث بشكل عام، وأطلق مصطلح “سفارد” على نسل أولئك اليهود الذين اتجهوا، عندما غادروا فلسطين قديماً، إلى العراق وإيران وأفغانستان وشبه الجزيرة العربية ومصر وبلدان شمال أفريقيا، وعلى يهود القوزاق (يهود جورجيا والجبال).

كما يوصف بها اليهود الذين تعود أصولهم الأولى ليهود أيبيريا، إسبانيا والبرتغال الذين طردوا منها في القرن الخامس عشر، وتفرقوا في شمال أفريقيا وآسيا الصغرى والشام، وكثير منهم كانوا من رعايا الدولة العثمانية في المناطق التي تخضع لسيطرتها، وكانت لهم لغة خاصة هي “لادينو” وهى مزيج من اللغة اللاتينية وكلمات عبرية، ولكنهم تحدثوا لغات البلاد التي استوطنوها، كالعربية والتركية والإيطالية. وكلمة سفارد تعني “شرقي” كما أنها اسم مدينة في آسيا الصغرى تم ربطها بإسبانيا عن طريق ترجمة خطأ لأسفار موسى الخمسة إلى اللغة الأرامية، ثم أصبحت تستخدم حالياً في العبرية الحديثة للإشارة إلى إسبانيا.

أصحاب الفقر والعذاب

السفارديم هم الطبقة الدنيا داخل المجتمع الإسرائيلي وهي الطبقة التي لا تملك سوى فقرها وعذاباتها، كما أن أصحابها يعملون في المهن الشاقة، وهم يحتلون المرتبة الثانية بعد العرب من حيث الدونية، والأقل أجراً، على عكس ما كانوا يعيشون حياة أفضل في الدول العربية التي جاءوا منها. هناك هوة واسعة بين اليهود الشرقيين والغربيين داخل المجتمع الصهيوني الذي يدعي أنه مجتمع العدل والمساواة، حيث يتعامل اليهود الأشكناز بتعالي كبير مع اليهود الشرقيين، على الرغم من أن الأشكناز بذلوا جهوداً شتى لجذب يهود الدول العربية (الشرقيين) للهجرة إلى فلسطين قبل قيام الكيان، وبالتعاون مع الاستخبارات الإسرائيلية تم تخويف يهود الدول العربية عبر الانفجارات داخل مجموعة من المعابد اليهودية كما جرى في العراق لترويعهم وإجبارهم على الهجرة. المجتمع الإسرائيلي مجتمع طبقي بطبعه، وبما أن اليهود الأشكناز هم من وصلوا فلسطين أولاً، فقد وضعوا أساس الكيان على غرار المجتمعات الأوربية التي عاشوا فيها، وهذا جعلهم يشعرون بأنهم أرقى من اليهود الشرقيين، وتحول الأمر بعد ذلك لصراع بين الطبقتين، اتخذ شتى أشكال العنف والفصل العنصري. [https://mehwarmasr.com]

5 / ر – التدرج الاجتماعي الكندي

     قدم كلٍ من “برنارد بلشين Bernard Blishen عام 1967 وبيتر بينكو Peter Pinco وجون بورتر John Porter عام 1987” دراسات عن التدرج الاجتماعي في المجتمع الكندي. حيث استخدم “بلشن” قائمة تضم (320) مهنة مختلفة في نوعها (أي دراسة ميدانية لم تستخدم المعيار الاقتصادي ولا الاعتبار الاجتماعي “الصيت” مثل ما قام بها الامريكان) بل استخدم المهنة في تحديد درجات التدرج الاجتماعي حيث وضع في قمة هذه القائمة عشرة مهن تمثل أعلى المراتب المهنية والاقتصادية والاجتماعية مثل الهندسة الكيميائية، طب الاسنان، أساتذة الجامعات، الأطباء والجراحين، علماء طبقات الأرض، مهندسي المناجم، المحامين، ومهندسي الهندسة المدنية ومهندسي الهندسة المعمارية والأطباء البيطريين.

    وفي أسفل القائمة حدد عشرة مهن أو أعمال تمثل أردئ الاعمال في نظر المجتمع الكندي مثل عمال مصانع الغزل والنسيج، المعلمين، عمال المختبرات، سائقي الشاحنات، الاسكافيين، مصلحي الأحذية، صائدي السمك، صائدي الطيور، سائقي السيارات الأجرة (التكسي) وعمال تنظيف الشوارع.

   وعلى نفس الموال طرح عالم الاجتماع الكندي “بيتر بينكو” عام 1980 شرحاً موصفاً فيه تراتب الكنديين من مختلف الاجناس والاعراق والجماعات المهمشة في المجتمع الكندي. هذه الدراسات الكندية حسب مداخيلهم (العليا والوسطى والدنيا إضافة الى سؤاله عن اعتبارهم الاجتماعي). [Knuttila. 2002. Pp. 180 – 182]

5 / ز – التدرج الاجتماعي في اليابان

    السائح الأجنبي عندما يزور اليابان لأول مرة ينبهر ويعجب باتساق ايقاعات أنشطة حياته في الشوارع والأسواق والمتاجر والجامعات والبرامج التعليمية وسواها دون اعتراض أو جنوح اليابانيين عنها. ويلاحظ ايضاً ان اليابانيين منظمين تفاعلاتهم حسب جدول زمني لا يجد فيه مجالاً أو ثغرة لكي يدخل في هذه التفاعلات مالم يكن لديه موعد مسبق أو معرفة سابقة مع المتفاعلين (لأنهم منهمكين ومستغرقين بأفكارهم ومصالحهم الشخصية) وان مجتمعهم متجانس بين فئاته الاجتماعية. هذا على الصعيد المستتر، لكن على الصعيد الظاهر هناك عدم استواء في جميع مناشط الحياة العامة بدءً من التفاضل والتمايز بين الرجل والمرأة في سوق العمل حيث المرأة تكسب ما يعدل 64% عما يكسبه الرجل الياباني. يعني أقل من دخله وهذا حيف واجحاف في حقها كمواطنة وان هناك 10% منهنَّ يشغلنَّ مديرات شركات ومكاتب أعمال فقط وليس أكثر من ذلك وهذا تحيز وتعصب ضدهنَّ. وفي عام 1985 صوت البرلمان الياباني بإلغاء التعصب ضد المرأة لكن هذا مجرد تصويت إذ ان القانون الياباني ما زال لم يعطيها حقها كمواطنة مثل الرجل الياباني.

   أما أجور العمال فإنها أقل بكثير من أجور العمال في المجتمعات الصناعية مثل العمال الأمريكان. ثم هناك تعصب مجحف ضد الأقليات مثل الأقلية الصينية والكورية التي تمثل ثقافة فرعية في المجتمع الياباني. بعبارة أخرى يمارس المجتمع الياباني عدم الاستواء وتدرجاً اجتماعياً يفاضل فيه الرجل على المرأة والياباني على الأقلي وأجور العمال حيث التعصب من قبل اليابانيين مع هؤلاء الذين هم من المواطنين اليابانيين لكن مع ذلك فهو يمارس التعصب ضدهم فساده التدرج الاجتماعي القائم على التعصب ضد الجندر والعرق والعمال. [Schaefer. 2003. P. 250]

الفصل السادس

هناك تدرج طبقي أو اجتماعي في المجتمع العربي؟

 

استهلال

6 / أ – أصول التركيب الطبقي العربي

6 / ب – نشأة المجتمع الطبقي الحديث في مصر

6 / ت – الطبقات الاجتماعية في المغرب

6 / ث – الطبقة الوسطى وخطورة تآكلها

6 / ج – الهيكل الاجتماعي العربي المصنّع

6 / ح – طوابق الهيكل الاجتماعي العربي المصنّع

6 / خ – امثلة عربية ميدانية

      1 – العراق

      2 – سوريا

      3 – اليمن

       4 – تونس

الفصل السادس

هل هناك تدرج طبقي أو اجتماعي في المجتمع العربي؟

استهلال

  يتعاور بين الفينة والأخرى تناول موضوع اجتماعي معقد وعصيّه على التحليل في المجتمع العربي ألا وهو الطبقة الاجتماعية في المجتمع العربي وذلك لأنه يفتقر الى الدراسات الميدانية من قبل باحثين متمكنين في البحوث الإحصائية في علم الاجتماع أو السياسة او الاقتصاد مما ذهب بعض الباحثين الى استخدام المصطلح والمفهوم استخداماً نظرياً ومجازياً أو صورياً على نحو ما يُكتب في ادبيات علم الاجتماع الغربي مستخدمين مصطلحاتهم مثل: البروليتاريا والبرجوازية والرأسمالية والصراع الطبقي الذي ساد المجتمعات الغربية أبان القرون الوسطى ولغاية القرن العشرين وهي محاولة تقليدية لا غير – في نظري – لأن تحديد مفهوم الطبقة الاجتماعية يخضع الى توفر صفات وخصائص منبثقة من وجودها وهي في الأصل غير موجودة في المجتمع العربي وهي ما يلي: –

1 – وجود أدراك واعي لموقع أعضائها على التدرج الطبقي.

2 – وعند وجود هذا الوعي ساعتئذ يتطلب توفر تضامن وشعور يجمعهم بالالتزام الطبقي.

3 – وإذا توفر هذا الوعي عندها يجب ان يكون بين أعضائها تجمعهم مصالح اجتماعية واقتصادية مشتركة ومتبادلة في مواجهة الطبقات الأخرى في المجتمع.

4 – مع ضرورة وجود أفكار إيديولوجية (عقائدية) يحملها افراد الطبقة (سواء كانت الغنية أو الفقيرة أو الوسطى) تقود توجيهها ثم كأعضاء فاعلين في محيطيهم الطبقي مع أعضاء طبقتهم خارج التمتع بالسلطة.

5 – ضرورة وجود روابط أساسية معروفة تربط أولئك الذين يتمتعون بالسلطة مع أعضاء طبقتهم خارج التمتع بالسلطة.

6 – توزيع الدخل في المجتمع يجب ان يذهب الى صالح الطبقة الغنية المسيطرة على السلطة السياسية.

     هذه الشروط الستة هي اجتماعية وليست اقتصادية ولا سياسية لأنها تركز على الوعي والمشاعر والعلاقات والفكر الذي يجب توفره عند وجود مجموعة بشرية لها وجود اقتصادي أو مهني أو صناعي أو تجاري أو سياسي تكافح في سبيل تثبيت وجودها على الأرضية الاجتماعية ولها خلفية تاريخية كشريحة اجتماعية مثل شجرة العائلة النابتة في التربة الاجتماعية أي لها ميراث اجتماعي يورث في النسق الاجتماعي.

    هذه المواصفات الاجتماعية في الواقع لم أجدها متوفرة في حياة المجتمع العربي بعد استقلاله عن السيطرة الأجنبية تحديداً بعد منتصف القرن العشرين. إنما هناك بضعة عوائل أثرت مؤخراً من خلال تسلمها أو تنصيبها مناصب نسقية عالية ومتحكمة في الحياة الاجتماعية مثل الوزراء والاعيان والضباط الكبار والمدراء العامون، لكن لم يكن لديهم وعياً مدركاً خاصاً بالوعي الطبقي وذلك لعدم وجود طبقة اجتماعية يتماهوا معها بل كانت هناك صلات قرابية ومصاهرات زواجية فيما بينهم لا تجمعهم أفكار إيديولوجية بل تربطهم مصالح اقتصادية أو سياسية مشتركة.

   وطالما لا توجد طبقة خاصة بهم (سواء كانت للأغنياء أو للعمال أو للفلاحين) فإن ذلك يعني لا يوجد رباط يضمهم ويبلور عندهم شعوراً بالالتزام الطبقي.

   إن سياق الحديث يلزمني ان لا أغفل – بعد الاطلالة العاجلة التي قدمتها – أن أميط اللثام عن كون الجماعة المتحكمة في المجتمع العربي لا تتجاوز نسبتها 2% من السكان، يشغل افرادها الوظائف المركزية في أجهزة الدولة وكذلك كبار المُلاك ورجال المال والاعمال الذين يحكموا الدهماء وما يسمى بالجماعات الوسطية لكنهم لا يصح ان نطلق عليهم بالطبقة لأنه لا تتوفر عندهم الشروط التي طرحتها في الاستهلال. كل ذلك يجعلني ان أقول بإن المجتمع العربي لا يمتلك التدرج الطبقي ولا الاجتماعي بل وجود زمرة صغيرة حاكمة متنفذة مالكة للسلطة والثروة مقابل قاعدة جماهيرية واسعة فاقدة للسلطة والثروة تمثل الدهماء والرعاع. أما لماذا وصل المجتمع العربي الى هذه التشكيلة الغريبة؟ فإني أقول انها ترجع الى وجود الأمية الطاغية على المجتمع العربي والى عدم وجود نقابات عمالية ومهنية وجمعيات واتحادات وظيفية تجمع قواهم وتعبّر عن معاناتهم وتطالب بحقوقهم مع استخدامهم الفئة الغنية كافة وسائلها القمعية والمالية والابتزازية في استقلالهم واستبعادهم عن الحياة الاجتماعية الظاهرة، بل دفعهم الى خلف الاحداث لكيلا يتصارعوا معهم ولا يتم مساعدتهم من قبل الفئات المثقفة أو الواعية.

   لكن مع كل ذلك ولكي أثبت ما قدمته انفاً أسجل بعض الدراسات التي تناولت موضوع الطبقات الاجتماعية في مصر والمغرب للتعرف على غياب الشروط الستة التي ذكرتها في تحديد مفهوم الطبقة الاجتماعية، لكنها لا تخلوا من رؤية علمية حاذقة تتحدث عن الأصناف الاجتماعية التي سادت المجتمع المصري والمغربي إلا انها لم تصل الى مفهوم التدرج الطبقي وهي ما يلي: –

6 / أ – أصول التركيب الطبقي العربي

ارتبط ظهور التركيب الطبقي العربي تاريخيا، بانتهاء الاقتصاد الاقطاعي، وبداية الانتقال الى الاقتصاد الرأسمالي، غير أن أصل التركيب الطبقي العربي يختلف عن نظيره في المجتمعات الغربية،  بسبب اختلاف جوهري بين النظام الإقطاعي التي شهدته أوربا، وبين الإقطاع الذي شهدته الدول العربية، وبالتحديد ما يتعلق بحقوق الملكية، فالإقطاعي الأوربي، كان يملك الأرض وما عليها،  بينما السلطان العثماني،  كان المالك الحقيقي لكل الأرض، ويمنحها وفقا لاعتبارات الولاء للسلطنة لمن يشاء. أي أن الإقطاعي العربي، عكس الأوربي، كانت تعلوه سلطة حاكمة، فظل حائزا لحق الانتفاع فقط، وعليه التزامات سياسية واقتصادية تجاه المالك الأوحد. وفي هذا الظرف التاريخي، تصبح القوة السياسية مولدة للثروة في المنطقة العربية، وليس العكس كما في أوروبا. اعتباراً من الربع الأخير من القرن التاسع عشر، يكتسب الملاك قوة متزايدة، بسبب أمرين: الأول استمرار التدهور في القوة المركزية العثمانية، والثاني اندماج البلدان العربية في الاقتصادي العالمي الجديد، بعد تزايد  الطلب على المنتجات الزراعية العربية، وخاصة القطن، لتغذية مصانع النسيج في أوربا. وبنشأة الدول العربية بعد سقوط الخلافة العثمانية، تحول كبار الملاك إلى نخبة سياسية واقتصادية بالمعنى الحديث، فهي الطبقة التي تمتلك خبرات الإدارة، ووسائل الإنتاج، وبالتالي فإن الدول الاستعمارية، استمرت في التعامل مع هذه النخبة، ولم يحدث تطور في الأوضاع الهامشية للطبقة العاملة أو الطبقة الوسطى، لأن الاستعمار، عمل على تكريس نمط الإنتاج التقليدي – شبه الإقطاعي – ما جعل محاولات التحول إلى نمط الإنتاج الصناعي، محدودة، وغير ذات قيمة في بلورة تركيب طبقي عربي حديث. وتشهد الفترة ما بين الحربين، تحولاً كبيراً في نشأة الطبقة الوسطى العربية، فقد سمحت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بانقسام التركيب الطبقي التقليدي شبه الثنائي إلى تركيب ثلاثي شبه حديث. فنتيجة للهلع الذي أصاب العالم، بسبب الحرب العالمية الأولى، وانخراط الدول العربية – بدرجات متفاوتة- في هذه الحرب. اتجهت الطبقة العليا في المجتمع إلى إكساب أبنائها تعليما مدنيا، بعد أن  كانت حريصة من قبل على إلحاق أبنائها بالمدارس العسكرية. في هذا الظرف التاريخي، التحق أبناء العمال والفلاحين وصغار الموظفين بالكليات العسكرية، ما أدى إلى تبلور شريحة مهمة من الطبقة الوسطى العسكرية، التي امتلكت أدوات القوة لأول مرة في التاريخ العربي الحديث، وصارت في وقت قياسي قائدة للنضال ضد الاستعمار، مدعومة من أصولها الفلاحية والعمالية وخلال الفترة من 1952 إلى 1970، حازت النخبة العسكرية القوة السياسية، في مصر وسوريا وليبيا والجزائر واليمن، والعراق،  بعد إقصاء الطبقة العليا التقليدية، وشرعت تلك النخب في تنفيذ مشاريع تنموية أدت إلى تسكين قطاع كبير من الفلاحين والبدو، ضمن الطبقة العاملة بأجر، كما أدى التوسع في التعليم إلى زيادة مضطردة في حجم الطبقة الوسطى العربية. ولكن هذه النخب لم تستطع مع الوقت الوفاء باحتياجات التنمية لمواطنيها، ما أدى إلى تدهور لاحق في أحوال الطبقة العاملة والطبقة الوسطى على السواء. [http://www.acrseg.org]

6 / ب – نشأة المجتمع الطبقي الحديث في مصر

نشأة المجتمع الطبقي الحديث في مصر: تقدم ماجدة بركة في كتابها (الطبقة العليا بين ثورتين1919-1952) دراسة هامة عن نشأة التركيب الطبقي الحديث في مصر، معتمدة على بيانات التعدادات السكانية والزراعية في النصف الأول من القرن العشرين. استخدمت بركة مصطلحات “الأعيان، الذوات، الطبقة العليا” بدلا من مصطلح “البورجوازية”، بحيث تنقسم الطبقة العليا إلى الذوات: وهي الشريحة ذات الأصول التركية الجركسية، والأعيان: وتضم وجهاء الريف والنخب المشتغلة بالأعمال الصناعية والتجارية إلى جانب البارزين من أصحاب المهن الحرة.
وتذهب إلى أن الطبقة العليا المصرية  تشكلت في بدايات  القرن التاسع عشر، من الذوات، ذوي الأصول التركية، والأعيان من وجهاء الريف، وأرباب الصناعة والتجارة، وأرباب المهن الحرة، وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حدثت ثلاث متغيرات أدت إلى ظهور نخبة عليا مختلطة تركية – مصرية، وبزوغ طبقة كبار الملاك في مصر، على إثر صدور قوانين  حقوق الملكية، والبدء في إجراءات بيع  أراضي أسرة محمد علي لسداد الديون الخارجية. وبحلول القرن العشرين، ظهرت الطبقة الوسطى المصرية الحديثة، نتيجة حراك اجتماعي كبير، حيث تشير الدراسات إلى وجود أكثر من رافد ساعد على بلورة كيان الطبقة الوسطى المصرية، فقد  خرجت من عباءة الأعيان، وبسبب دمج أبناء الفلاحين في الجيش المصري، ونتيجة زحف أعداد متزايدة المصريين إلى المدن سعيا إلى المشاركة السياسية وتعليم أبنائها، ورغبة في الاستفادة من الرغد الذي توفره الحياة الحضرية الجديدة، وأصبح بمقدور الكوادر المتعلمة تولي المناصب الإدارية العليا. ومع الوقت نجحت هذه الطبقة في الجمع بين الثروة والوعي الذاتي، واستطاعت أن تتضامن في اتحادات أهلية، زراعية وصناعية. وعن النخبة الصناعية المصرية، تذهب بركة إلى أن هذه النخبة انحدرت، وعلى عكس معظم بلدان الشرق الأوسط، من طبقة كبار الملاك، وليس من النخبة التجارية، فقد كانت حركة الأموال بعد ثورة 1919 تتجه من الزراعة إلى الصناعة والتجارة والخدمات. وعندما تأسست الصناعة، أخذ يفد عليها وافدون جدد من أصحاب المهن الحرة. ما أدى إلى نمو سريع في الصناعة المصرية، وصارت  شريحة الصناعيين تحتل ثلث الطبقة العليا في العقد الثاني من القرن العشرين، ثم انخفضت بشكل حاد في نهاية العقد الرابع من القرن العشرين، بسبب زيادة نشاط التجارة والمقاولات، وزيادة حجم الشريحة البيروقراطية.
ويرصد “عبد الباسط عبد المعطي” مسار الطبقة الوسطى المصرية، في كتابه (الطبقة الوسطى المصرية من التقصير إلى التحرير2005)، منتهيا إلى أن علاقات الإنتاج في مصر الناصرية، شهدت تنوعاً جديدا، بحسب القطاع الاقتصادي، فقد تمحورت هذه العلاقات في القطاع الزراعي على الملكية الخاصة، مع التزام الفلاحين بالتوريد الاجباري للمحاصيل الرئيسية بالأسعار التي تحددها الحكومة. وشهدت هذه المرحلة سيطرت أغنياء الفلاحين على نصف المساحة المنزرعة في مصر، بعد إزاحة طبقة كبار الملاك. أما بخصوص القطاع التجاري والصناعي والمالي، فقد احتكرت الدولة الصناعات الكبرى، وقطاع البنوك والتأمين والنقل والاتصالات والتجارة الخارجية، وتدخلت بشكل محدود في التجارة الداخلية، والصناعات الصغيرة. وبنهاية المرحلة الناصرية، شهدت مصر تحالفا سياسيا واقتصاديا بين الشرائح الرأسمالية الخاصة والعامة، وأغنياء الفلاحين، أدى إلى تفاقم مشكلات الطبقة الوسطى والطبقة العاملة والفلاحين الأجراء، وتكثيف معاناتهم من ارتفاع الأسعار، وأزمات الغذاء والإسكان، وارتفاع نفقات المعيشة بصفة عامة.

ثم يرصد تحولات التركيب الطبقي بعد الانفتاح الاقتصادي في  1974، الذي تركز على تنمية القطاعين التجاري والمالي، وما تشتمل عليهما من عمليات نوعية. وفي المقابل حدث تدهور للمشاريع الصناعية القائمة، كما تدهور القطاع الزراعي في مصر، بانخفاض الإنتاجية، واستقطاع مساحات زراعية لأغراض التوسع العمراني. وبالجملة، فإن المرحلة أدت إلى تحول مصر من رأسمالية الدولة الوطنية إلى الرأسمالية التجارية – المالية التابعة. وخلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين، حدث تغير في خصائص التركيب الطبقي  المصري، فقد تزايدت نسبة أصحاب المهن الفنية والعلمية، وزيادة نسبة الإداريين ومديري الأعمال، والمشتغلين بالأعمال الكتابية، وظهور شريحة وسطى من الباحثين المستقلين، والمترجمين، والمشتغلين بالدعاية والإعلان، ومصممي برامج الحاسب الآلي، ومندوبي المبيعات لدى الشركات العالمية. ولكن مع هذه الزيادة، تشهد الطبقة الوسطى تناقضا داخليا، بسبب تمايز فرص ونوعية وأجر العمل بين العاملين في القطاع العام، والقطاع الخاص، والقطاع غير الرسمي. وتفاقمت هذه التناقضات مع فشل وتخبط المشروع التنموي، وتحول الحراك الاجتماعي إلى حراك مزيف يعتمد على التكسب من الفساد، واستخدام النفوذ السياسي. في ظل هيمنة الدولة والحزب الحاكم على مؤسسات المجتمع المدني، وخاصة النقابات المهنية، والأحزاب.

 وفي دراسته عن اتجاهات التغير في الطبقة الوسطى 2009، يرصد “أحمد حسين حسن”، أثر الأوضاع الاقتصادية خلال الفترة بين عامي (1996 – 2006) على ارتفاع حجم الطبقة العاملة مقابل انكماش الطبقة الوسطى وخاصة الشريحة البيروقراطية، وشريحة البرجوازية الصغيرة التقليدية، مع زيادة محدودة في  حجم الشريحة البرجوازية الحديثة المعولمة.

تضم الطبقة المركزية المتحكمة فئة محدودة لا تتجاوز 2% من السكان، يشغل أفرادها الوظائف المركزية في جهاز الدولة، وكذلك كبار الملاك ورجال المال والأعمال.

في تعريف التركيب الطبقي في مصر نفترض أن التركيب الطبقي المصري، يتكون من ستة طبقات: الطبقة المركزية المتحكمةcentral ruling class  ، الطبقة الوسطى العليا (المتنفذة) local ruling middle class، الطبقة الوسطى المستقرة stable middle class  ، الطبقة الوسطى الفقيرةpoor middle class ، الطبقة العاملة working class ، الفئات اللاطبقية الكادحةunder  class  وأن أفراد كل طبقة من الطبقات الستة، يشتركون في العديد من الخصائص الاقتصادية والثقافية والبيروقراطية: مصدر ونوع الدخل، مستوى الدخل، درجة التعليم والتدريب، الموقع داخل التقسيم الرسمي للعمل، أساليب الحياة وأنماط الاستهلاك، المتغير الاجتماعي – السياسي. ويمكن تعريف كل طبقة من الطبقات الستة كما يلي:

1 – الفئات اللاطبقية الكادحة: وتضم كل المتعلمين وغير المتعلمين غير القادرين على الحصول على فرصة عمل رسمية في الحكومة أو القطاع الخاص، وبعضهم يحصل على عمل مؤقت أو غير رسمي، ويشكلون حجم البطالة في مرحلة زمنية محددة، ومعظمهم من فئات الشباب المتعلم.

2 – الطبقة العاملة (فلاحية، وصناعية وتجارية) تتكون من كل الفئات المتعلمة وغير المتعلمة، التي تعمل في مهن أو حرف أو وظائف رسمية دائمة،  تعتمد على الجهد البدني والمهارة اليدوية، ولا تكفي مواردهم لبلوغ مستوى المعيشة المتوسط في المجتمع، وبعضهم يقع تحت خط الفقر

3 – الطبقة الوسطى الفقيرة: كل المتعلمين الواقعين فوق خط الفقر، وينخرطون في إدارة أعمال صغيرة، أو يمارسون مهنا فنية وذهنية غير معقدة، ووظائف يغلب عليه الطابع التنفيذي، ويستطيعون ممارسة أساليب المعيشة المتوسطة في المجتمع، بصعوبة، ويكون في الغالب على حساب رهن قوة عملهم أو عوائدهم المستقبلية، كالشراء بالأقساط، أو الاقتراض من الأفراد والبنوك.

4 – الطبقة الوسطى المستقرة: تضم كل الحاصلين على تعليم أساسي وما فوقه، من أصحاب المشاريع الوسطى، أو أصحاب المهن الذهنية المعقدة، العاملين في وظائف يغلب عليها الطابع الاشرافي أو الفكري أو العلمي، ولديهم عوائد دخل كافية لبلوغ وتجاوز المستوى المتوسط للمعيشة في المجتمع، ويمتلك بعض أفرادها القدرة على الادخار والاستثمار.

5 – الطبقة الوسطى المتنفذة: هي طبقة الحكم المحلي، وهم كل الحاصلون على تعليم أساسي وما فوق، ويمارسون مهنا ذهنية معقدة، ويتولون وظائف قيادية داخل المجالات المختلفة على مستوى أجهزة ومؤسسات الدولة في الأقاليم والمناطق (المحافظات)، وتضم بجانب الوظائف القيادية، أصحاب الأعمال الاقتصادية، وأصحاب رؤوس الأموال، الذين يديرون حركة الاقتصاد على مستوى هذه الأقاليم، وتمارس هذه الطبقة أساليب معيشة، يغلب عليها الترف والتشبه بأنماط معيشة الطبقة المركزية المتحكمة، والطبقة الرأسمالية العالمية، ويمتلكون القدرة على الادخار والاستثمار. ويمثلون بطانة الطبقة المركزية الحاكمة، اللاعبون لدور المسوغ الديني والاجتماعي والثقافي، للنظام السياسي في أي مرحلة، الطامحون دائما للانتماء إلى الطبقة المركزية المتحكمة.

6 – الطبقة المركزية المتحكمة: تضم فئة محدودة لا تتجاوز 2% من السكان، يشغل أفرادها الوظائف المركزية في جهاز الدولة، وكذلك كبار الملاك ورجال المال والأعمال الذين يديرون مشروعات خاصة واسعة النطاق، أو عالمية، بعض أعضائها من أصحاب المكانة المركزية الموروثة، وبعضهم قادم من الطبقة الوسطى المتنفذة. وهي المسئولة عن التخطيط وادارة مشروعات التنمية وتوزيع عوائدها، إلى جانب أدوارها السياسية المعروفة. ينبغي الانتباه إلى ثلاثة أمور لفهم العلاقة التي تربط التركيب الطبقي بالعدالة الاجتماعية في المجتمع المصري:
1 – أن علاقات الاستغلال، في هذا التركيب الطبقي، تظهر مختلفة الشدة، لا وجود مطلق ولا عدم مطلق، تنحسر إذا اتجه المجتمع نحو العدالة والمساواة النسبية، وتفيض إذا اتجه نحو الظلم الاجتماعي واللامساواة. وأن هذا التركيب، ينطوي على ثلاثة أنواع من علاقات الاستغلال هي: علاقات استغلال ملكية وسائل الإنتاج والتحكم فيها، علاقات استغلال السلطة البيروقراطية؛ علاقات استغلال النفوذ بكل أشكاله. ومن ثم فإن أية برامج أو سياسات تستهدف تحقيق العدالة الاجتماعية لابد أن تتوجه مباشرة نحو تحجيم الآثار السلبية لعلاقات الاستغلال.
2 – لم تلعب التشكيلات النقابية المعبرة عن مصالح الطبقات المهنية والعمالية والفلاحية، دورا ذي بال في مأسسة الصراع الطبقي، وعجزت عن تحقيق المصالح الطبقية، خاصة الاقتصادية والسياسية، بسبب خضوعها القسري، لقوى سياسية واجتماعية من جهة الطبقة المركزية المتحكمة، ترغيبا وترهيبا، أو من جهة قوى المعارضة التي استحلت المؤسسات النقابية، كميدان للممارسة السياسية. ما أدى في النهاية إلى تحول الكفاح الطبقي المؤسسي، إلى كفاح مشتت وفئوي، يفتقد الإستراتيجية، ويفتقد القيادة النقابية المخلصة. وأنه من الضروري البحث عن صيغ حداثية ديمقراطية لتحرير العمل النقابي بكل مستوياته.
3 – هناك ضرورة ملحة أن يعمل النظام السياسي على إشاعة وعي طبقي حقيقي، كهدف لتحقيق العدالة والمساواة، وعلى الدولة أن تحرر هذا الوعي من صور التزييف التي كانت تنشرها الطبقة المركزية المتحكمة، المتحالفة مع الطبقة الوسطى المتنفذة قبل 2011.

بلغت نسبة الأمية 29% تقريبا، وهذه نتيجة مباشرة لتدهور مستوى جودة التعليم، وانتشار الفقر. ديناميكية التركيب الطبقي هذا التركيب الطبقي في حالة ديناميكية، لا يقر على اتجاه، بفعل المتغيرات المؤثرة فيه، (مصدر ونوع الدخل، مستوى الدخل، درجة التعليم والتدريب، الموقع داخل التقسيم الرسمي للعمل، أساليب الحياة وأنماط الاستهلاك، المتغير الاجتماعي – السياسي). وأن الانقسام الطبقي، ليس سنة مؤكدة، تحدث باضطراد، كما تزعم بعض الكتابات الغربية والعربية. وإنما يمكن أن يحدث تقلص وانكماش في الأوعية الطبقية، بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، أو  لأي سبب آخر، كما يحدث في العراق وسوريا وليبيا الآن.

 الانقسام الطبقي، بوصفه ظاهرة صحية تدل على ديناميكية المجتمع وقوته، يحدث عندما يتمكن المجتمع بصفة عامة من تطوير خصائصه الحضارية (تحديث نظمه الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية)، وعندما تنضج عملية التطوير، تزداد حدة التناقضات داخل الطبقة الواحدة، وتظهر جماعات طبقية ذات خصائص حضارية متمايزة، ومع الوقت لا يستطيع الوعاء الطبقي استيعابها، حتى تأتي لحظة تاريخية ملائمة، تنسلخ فيها هذه الجماعة عن الطبقة “الأم” مشكلة وعاء طبقيا جديدًا. وإذا توافرت هذه الشروط التاريخية، يتحول التركيب الطبقي في هذه اللحظة إلى تركيب ولود، وأحيانا تتم عملية التطوير، ببطء، في التركيب منخفض الخصوبة. وأحيانا تتوقف فيتصف التركيب بأنه عاقر. وفي المقابل يحدث الانكماش الطبقي: عندما تتدهور الخصائص الحضارية لبعض الأوعية الطبقية، ما يجعلها تتداخل في حدود طبقة مجاورة، إلى أن تختفي داخلها تماما، فيحدث انكماش في التركيب الطبقي.

المؤشرات الكمية للخريطة الطبقية في مصر بمراجعة ثلاث مصادر بيانات رئيسية هي:

1 – تقارير التنمية البشرية، الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي،

2 – التقرير الاقتصادي العربي الموحد.

3 – تقارير أجهزة الإحصاء والتخطيط القومية، فيمكن حساب الوزن النسبي للطبقات الستة التي يتضمنها التركيب الطبقي، مع الالتفات إلى أن هذه البيانات الكمية، لا توفر فرصة للتعرف على شرائح الطبقة الوسطى الفقيرة والمستقرة والمتنفذة، ولكنها توفر فرصة لحساب الطبقة الوسطى الكلية، وبناء على ذلك فإن البيانات تشير إلى أن حجم الطبقة الوسطى الكلية في مصر يمثل 36% من حجم السكان. بينما نفترض أن الطبقة المركزية المتحكمة بناء على كل المؤشرات الدولية وفي كل المجتمعات لا تتجاوز 2% من مجموع السكان.

  وإذا نظرنا للفئات العاطلة عن العمل، أو الفئات اللاطبقية، فإنها وفقا للإحصاءات الرسمية بلغت نسبة 13,5%، أكثر من نصفهم من الشباب، ومعظمهم من الفئات المتعلمة، على معنى أن خفض معدل البطالة، سوف يؤدي إلى ارتفاع تلقائي في حجم الطبقة الوسطى المصرية، لأن غالبية العاطلين عن العمل، تتوافر فيهم شروط الانتساب للطبقة الوسطى فيما عدا الحصول على فرصة عمل رسمية في القطاع الخاص او الحكومي. وعليه فإن لدينا مؤشرات كمية تفيد بأن: الطبقة المركزية المتحكمة، تمثل 2% (نسبة افتراضية)، والطبقة الوسطى الكلية تمثل 36%، والفئات اللاطبقية تمثل 13,5% وتبقى الطبقة العاملة والفلاحية تمثل 48,5%، وهي نسبة  تتضمن فئات متعلمة، فليس كل أعضاء هذه الطبقة من الأميين بطبيعة الحال، ولكن نسبة معتبرة تضطر لقبول مهن ووظائف عمالية رغم حصولها على شهادات تعليم  متوسطة أو عليا، مثل: عمال الخدمات السياحية، عمال المحلات التجارية، سائقي التاكسي والميكروباص، عمال الأمن الخاص ..إلخ. وهذه الفئات مرشحة للدخول ضمن الطبقة الوسطى في حالة توافر فرص عمل لمهن الطبقة الوسطى.

خريطة الفقر والأمية في مصر وترتبط بالخريطة الطبقية التي أوضحناها، حالتا الفقر والأمية في المجتمع المصري، فكلاهما ضروري لفهم الصورة الكاملة للحالة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي يمر بها المجتمع في الفترة الراهنة، وترتيب أولويات العدالة الاجتماعية المنشودة. فيما يخص الأمية لدينا وفقا لآخر احصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء، نسبة أمية بلغت 29% تقريبا، وهذه نتيجة مباشرة لتدهور مستوى جودة التعليم، وانتشار الفقر، فمنذ عام 2005 والدولة غير قادرة على زيادة معدل القيد الصافي في حلقة التعليم الثانوي، عن 80% من الفئة العمرية في عمر الالتحاق بهذه المرحلة. وفي ظل تدهور جودة التعليم، تصبح الخصائص الثقافية للحاصلين على التعليم الأساسي لا تختلف كثيرا عن الأفراد الأميين. كما أن نسبة من الحاصلين على شهادات محو أمية الكبار، لا يعرفون القراءة والكتابة، وهؤلاء محسوبون على أنهم خارج نسبة الأمية.

   ولا تخفى على القارئ آثار الأمية المتشعبة، على الفرد والمجتمع، حيث تؤدي إلى انخفاض معدل الإنتاجية، وتدهور مستويات المعيشة، كما أنها تعرقل جهود الدولة في تثبيت الديمقراطية، لأن ارتفاع معدل الأمية، يؤثر سلبا على الوعي السياسي للأفراد، ويتناقض مع المشاركة السياسية العاقلة، وبالتالي فإن العوامل التقليدية سوف تستمر في التأثير على الفضاء السياسي في المستقبل.

   أما خريطة الفقر في مصر، فلدينا ثلاثة مستويات وطرق لحساب الفقر في مصر، فهناك الشريحة التي لا تجد قوت يومها، أو تعيش على أقل من عشرة جنيهات في اليوم، ونسبة هذه الشريحة تمثل نحو 3,4% من السكان، بينما تمثل الشريحة التي تعيش على دخل يومي أقل من 20 جنيها في اليوم الواحد نسبة 18,5% ، أما الشريحة التي تعيش على أقل من 30 جنيها يوميا فتمثل نحو 21,8%  ويتبقى السكان الذين يعيشون حياة لائقة ويمثلون نحو 56,3% من جملة السكان. ولا شك أن هذه البيانات الكمية، تؤشر على وجود مشكلة حقيقية في هيكل الأجور في القطاعين الخاص والحكومي، فحين يصبح دخل أكثر من 40% من السكان أقل من 30 جنيها يوميا، فمعنى ذلك أن هناك شرائح عريضة من قوة العمل المصرية لم تبلغ الحد الأدنى للأجور الذي أعلنت عنه الحكومة، ويعادل 40 جنيهاً يومياً. [http://www.acrseg.org]

6 / ت – الطبقات الاجتماعية في المغرب

    كباقي المجتمعات، خلال العصر الحالي، ينقسم المجتمع المغربي إلى طبقات اجتماعية متضاربة المصالح، تختلف مصالحها وتتناقض، ويتعارض البعض من هذه الطبقات لحد العداء والتناحر. والطبقة من المنظور الاجتماعي، هي عبارة عن جماعة من الناس لها مصالحها الخاصة داخل المجتمع نفسه. فمن الطبقات من يستفيد ماديا من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المختلة، ويعيش بالتالي في غنى وثراء فاحش، ومنها على النقيض من لا يكاد ولا يقوى على سد الرمق، ولا يتعدى محاربة الجوع وضمان الغذاء لنفسه ولأولاده، وهؤلاء هم الأغلبية الساحقة داخل القرى والبوادي وسائر المدن المغربية. ويمكن أن نجزم بأن جميع التشكيلات الاجتماعية خلال المرحلة، تتوفر على ثلاثة طبقات أساسية، هي البرجوازية الكبرى والبرجوازية المتوسطة ثم البروليتاريا. وإلى جانب الطبقات الرئيسية والأساسية الثلاث، هناك طبقات اجتماعية أخرى، وفئات متنوعة، لها وزنها العددي والاجتماعي المهم، والتي لا يمكن إغفال وجودها ضمن التشكيلة الاجتماعية بالمغرب، كالفلاحين والعاطلين والمهمشين والسخرة واللصوص وبائعات الهوى… الخ. فمن الناحية النظرية والعلمية، تـُعرّف الطبقة الاجتماعية كجماعة من الناس، تتميز بالطريقة التي تستفيد بها من ثروات وخيرات الوطن ـ هذا إذا كانت فعلا مستفيدة ـ يعني الطريقة التي بفضلها أصبحت غنية، وكيف أصبح على النقيض منها، الآخرون الذين يشكلون الأغلبية، فقراء ومعدمين لا يملكون أي شيء. وداخل التشكيلة الاجتماعية المغربية توجد طبقتين أساسيتان تخوض الصراع لحد التناحر، الأولى وهي الحاكمة، تخوضه للحفاظ على الأوضاع القائمة لمصلحتها، والتي لا تخدم سوى مصلحة الأغنياء ومحيط الحكام الذين بيدهم المال والجاه والسلطة وتسمى بالطبقة البرجوازية. وعلى نقيضها توجد طبقة أخرى منتجة لجميع الثروات، لا تملك سوى عضلاتها، تكد وتكدح طيلة حياتها، وتتعرض لأبشع أنواع الاستغلال، وتُهدر كرامتها، دون أن تستفيد من ثمار عملها.. وتسمى بالطبقة العاملة أو البروليتاريا.

 الطبقة البرجوازية: هي إذن الطبقة المستحوذة على الحكم والسلطة في البلاد.. تتوفر على أموال وأملاك متنوعة، تدر عليها أرباحا طائلة لا حدّ لها.. وتكون ممتلكاتها على شكل رأسمال نقدي، أو ورشة عمل، أو قطعة أرض أو عدد لا بأس به من رؤوس الأبقار والأغنام…الخ

 كيف تتشكل وتتراكم الثروات لمصلحة هؤلاء البرجوازيين؟

إن الذي يملك من البرجوازيين معملا لخياطة الألبسة، أو مصنعا للأجور أو الرخام، أو شركة لنقل المسافرين، أو ضيعة لإنتاج التوت، أو باخرة في أعالي البحار.. لا يمكنه الاشتغال لوحده في مشروعه الخاص، ولا يمكنه بالتالي أن يراكم كل هذه الأرباح، وأن يُضخم ثرواته بهذه السرعة، دون أن يستغل أناس آخرين، بل جمهور من الناس، كعمال وكمسيّرين وحراس ومحاسبين…الخ

فصاحب المشروع الذي هو البرجوازي، ينتمي إلى الطبقة البرجوازية، أما العمال المنتجون للسلعة أو الذين يباشرون خدمة ما، ويشتغلون مقابل أجرة يومية، فينتمون للطبقة البروليتارية العاملة. أما المشرفون على الأشغال، المسيرون للورشات، يعني الشاف أو الوقّاف أو الكابران.. إضافة لعناصر الإدارة من مدير وسكرتيرة ومحاسب فينتمون للطبقة المتوسطة البرجوازية الصغيرة. بعض الشركات يكون فيها المدير مجرد موظف أجير.. لكن غالبيتها يكون فيها المدير هو صاحب المعمل نفسه، يسيره هو وأولاده كيفما اتفق. من هنا نستخلص بأن البرجوازية تعيش من استغلالها للطبقة العاملة، حيث يعيش العامل من ثمرة عمله لصالح البرجوازي الذي هو رب العمل، تحت أعين ومراقبة ذاك البرجوازي الصغير الذي يسهر على عملية الاستغلال، ويتابع تفاني العمال ومثابرتهم على الإنتاج، حيث يطالبهم بالكدّ وبالمزيد من الجهد ولكي يربح البرجوازي أكثر، ويتضخم رأسماله أكثر وأكثر.
فالطبقة البرجوازية طبقة مالكة، تحتكر مِلكية وسائل إنتاج جميع الخيرات والسلع والخدمات، التي تلزم المواطن منذ ولادته إلى لحظة دفنه، أي جميع ما يحتاجه في أكله وتعليمه وتطبيبه وسكنه…الخ، حيث تتطلب هذه المتابعة صرف أموال ومكابدة وكد، من لدن العمال الكادحين وسائر محدودي الدخل من الشغيلة، لأجل توفيرها في إطار من الحد الأدنى لمقومات العيش الكريم. فالطبقة البرجوازية هي التي تمتلك السلطة في البلاد، هذه السلطة التي تسهر على أمنها وطمأنينتها بوسيلة الجيش والشرطة والدرك والمخابرات والجواسيس والبلطجية…الخ وتسيطر سيطرة تامة على جميع منابع الخيرات وعلى جميع وسائل إنتاجها، وتمتلك الأبناك والمعامل والمصانع والشركات والمناجم وبواخر الصيد والمساحات التجارية الكبرى والعقار والفلاحة الصناعية الموجهة للتصدير، والغابات والطرق السيارة…الخ.
بعد هذا التعريف البسيط والواضح، نستطيع أن نجزم، وبدون تردد، بأن المجتمع المغربي تحكمه وتسيره الطبقة البرجوازية في إطار الاقتصاد الرأسمالي، المبني على المِلكية والتملك لوسائل الإنتاج، حيث يلزم الفرد الرأسمالي ملك قدر مهم من المال، وهو ما يسمّيه الجميع بالرأسمال، ثم البناية التي سيشيد عليها المصنع أو المعمل أو الشركة، والآلات، والمواد الخام، وسيارات نقل البضائع الموجهة للتصنيع أو المكتملة التصنيع…الخ وخلال عملية الإنتاج الرأسمالية، لا بد من منتجين حقيقيين لإنتاج البضائع، يبيعون قوة عملهم العضلية والذهنية من أجل هذا الغرض، يعني أنهم مرغمون على الاشتغال لساعات كل يوم، أي ما بين 8 و12 ساعة، لإنتاج سلعة أو القيام بعدة أشغال، مقابل أجرة يومية، تحسب بالساعة داخل المقاولات القانونية التي تؤدي لعمالها الحد الأدنى للأجور. يكون الإنتاج داخل الورش الصناعية بالقطعة أو بالتسلسل، وكلا النموذجين شائعين بالمغرب داخل بعض القطاعات القريبة من الصناعة التقليدية، أو التي انتقلت منها توّا إلى الصناعة العصرية.. ويكون نموذج التسلسل عبارة على سلسلة من المهمات الصغيرة والكبيرة، لكنها جميعها شاقة ورتيبة، بهدف إنتاج سلعة معينة أو أداء بعض الخدمات، اعتمادا على القوة العضلية، وعلى النباهة الفكرية، واستعانة بالآلات التي أصبحت ضرورية وملازمة للإنتاج العصري والرأسمالي، فكلما ارتفعت أجور العمال كلما التجأ الرأسمالي لتعويض بعضهم بالآلات.

  وخلال عملية الإنتاج الدائمة، والتي لا تتوقف سوى بالأزمات أو بالإضرابات العمالية، يحتاج الرأسمالي للعديد من العمال والعاملات، العشرات والمئات والآلاف.. مثال شركة دلفي، يازاكي، والرونو بطنجة، لتشغيل مشاريعه العملاقة، ولكسب الأرباح الهائلة والخيالية، بفضل تفاني وتضحيات العمال الذين يتعرضون للاستغلال البشع والرهيب، وهم يهددون، باستمرار، بالطرد في حالة التشكي، أو الاحتجاج، أو الانتظام داخل النقابة.

الطبقة المتوسطة أو البرجوازية الصغرى: إلى جانب الطبقة البرجوازية الكبيرة، وهي الحاكمة فعلا، نجد البرجوازية الصغيرة كطبقة مستقلة عن البرجوازية الحاكمة وعن النظام الرأسمالي ككل، فوجودها أو الجزء الأكبر منها سابق عن وجود الرأسمالية كنظام.. فهي طبقة لها وضعها الخاص، وتكوينها الخاص، ومصالحها الخاصة والمعقدة، فعلا. فهي الطبقة الوسطى داخل المجتمع، وتتكون من المالكين الصغار، الذين بحوزتهم رأسمالا صغيرا لا يحتاج لتشغيله سوى لعمال قلائل، يرتبطون في الغالب بعائلة المشغل، أي الزوجة والأبناء والأصهار…الخ حيث يتم استغلالهم داخل مختلف أوراش الصناعة التقليدية، لصناعة الزرابي والشباشب والجلابيب، وفي مجال البقالة، وداخل ورشات النجارة والحدادة، والحلاقة، والميكانيك، وداخل المقاهي والمطاعم، وفي مجال الفلاحة المعيشية والصيد البحري التقليدي…الخ

أما الفئة الثانية، وهي فئة ذات قاعدة عريضة داخل المجتمع، محسوبة هي أيضا على البرجوازية الصغيرة، فتتشكل من الموظفين والمستخدمين، ومن ذوي المهن الحرة، كالمهندسين والأطباء والمحامين وسائر بسطاء موظفي الإدارة في التعليم، وفي قطاع التمريض، والبريد، وشركات النقل الحضري…الخ

   هذه الطبقة التي كان لها وجود قبل ظهور الرأسمالية في المغرب، بل إن أوضاعها تدهورت بسبب من سيطرة نمط الإنتاج الرأسمالي، الذي دفع بالعديد من عناصرها للبلترة، بعد إفلاسها وخسارة أملاكها. فتنوع مشارب وفئات هذه الطبقة، هو المسؤول عن أوضاعها المتذبذبة، وعن اختلافها وتمايزها في الأهداف والمطامح، فهي الطبقة التي لا تمتلك مشروعا مجتمعيا بديلا عما هو قائم، ولا تعارض الأنظمة الاقتصادية القائمة على الملكية والربح، بل ترغب فيها وتحبذها.. لأنها لا يمكن أن تعيش دون أن تحلم بمجتمع المالكين الصغار، ووعدهم بتوسيع ملكياتهم الصغيرة وتطويرها.

الطبقة العاملة أو البروليتاريا: وهي أهم طبقة عصرية أنتجها النظام الرأسمالي، هي طبقة تعتاش كليا من بيع عملها للرأسمالي، بعد أن حولتها الرأسمالية إلى بضاعة مهمتها إنتاج البضاعة.. تستهلك شيئا من البضاعة، ويستهلكها إنتاج البضاعة على حد التعريف الماركسي لهذه الطبقة. هي الطبقة المؤهلة لإزالة الرأسمالية والقضاء نهائيا على نظام المِلكية والتملك.. وهو الشيء الذي يلزمنا بالبحث في أسباب ثراء البرجوازية على حساب الغالبية الساحقة من الشعب، وفي طليعتهم الطبقة العاملة منتجة الثروات والخيرات، للوقوف والفهم الدقيق للطريقة التي تحصل بها هذه الطبقة البرجوازية على مجمل الثروات ومراكمتها.
فقد يكون باستطاعة أي فرد له قدر لا بأس به من المال، لوحده أو بمعية شركاء آخرين، تأسيس مصنع لإنتاج الصابون أو لعصر الزيتون، أو لصناعة الألبسة أو الأحذية.. أو تشكيل شركة لنقل البضائع أو المسافرين…الخ، لكن الشركات والمعامل والمصانع لا يمكن أن تشتغل لوحدها رغم توفر الأموال والمساهمين، فلا بد لها إذن من عمال يعملون على دوران عجلات الإنتاج باستمرار، وبالليل والنهار، وبدون ملل أو كلل. فبدون هذا الدوران لن يتقدم الإنتاج خطوة واحدة، ولن تتحقق مراكمة الأرباح. إذ من خلال هذه التضحيات الجسام، التي يقدمها العمال على حساب صحتهم وراحتهم، يتحقق التراكم وتتوسع دائرة الإنتاج والرأسمال.. كأن يستثمر الرأسمالي بداية، في الغزل وإنتاج الخيط، ويوسع بعدها مجال إنتاجه ليصنع أجواخا، وليتقدم بعدها لمجال الأروقة والألبسة وجميع ما يرتبط بصناعة الثوب…الخ. فجميع القوانين المعمول بها في مجال الشغل والتشغيل، تقف إلى جانب الرأسمالي، وضد العامل الشغيل. فكم من العمال يشتغلون ليلا ولسنوات عديدة، دون مراعاة لأوضاعهم الصحية، التي تتدهور، مع مرور السنين؟ وكم من حراس الشركات يشتغلون اثنتي عشرة ساعة في اليوم؟ وبعضهم يصبح عبدا مملوكا لصاحب الشركة، يشتغل بالليل والنهار، وأيام العيد، وبدون عطلة سنوية.. حيث أن غالبية الحراس يسكنون بالمعمل، يحرسون الشركة، ويستقبلون المواد الخام ويغسلون السيارات، ويساعدون العمال في أشغالهم…الخ من أجل أجرة تقل في الغالب عن الحد الأدنى للأجور، المعترف به قانونا.
فالعمال المغاربة مثلهم مثل جميع عمال العالم، يعيشون أوضاعا مزرية، عبيد للأجرة والعمل المأجور، مجبورون على الخضوع والخنوع، في غياب نقابة تتكلم باسمهم، وتنظم صفوفهم، وتطرح مطالبهم الاقتصادية، لقطع الطريق عن مثل هذه الممارسات التي تفضح حقيقة الديمقراطية التي تتغنى بها الدولة وأجهزتها الإعلامية وحكوماتها المتعاقبة.. والتي ليست سوى دكتاتورية مقنـّعة، تخدم مصلحة المالكين. فما زالت الأغلبية الساحقة من العمال والعاملات تشتغل خارج القانون، أي بدون تصريح وبدون تغطية صحية واجتماعية، وبدون عطل سنوية وبدون حوافز، وبدون حد أدنى للأجور، وبدون تعويضات عن الساعات الإضافية.. بل إن أغلب المعارك والاحتجاجات العمالية التي يصادفها المرء أمام بوابات المعامل، تكون بسبب عدم تأدية الباطرون للأجور لمدة شهرين أو ثلاثة.. أو بسبب التسريح الجماعي أو الجزئي للعمال، تحت ادعاء الإفلاس، أو انتقاما من العمال الذين قصدوا النقابة، وانخرطوا في صفوفها.

   فلا يوجد شقاء بنفس المستوى من القسوة كالذي يعيشه العمال في مجتمعنا المغربي، عمال يقضون يومهم كاملا في الأشغال الشاقة، تحت أشعة الشمس الحارقة في أوراش البناء، وفي الضيعات الفلاحية.. يغامرون بحياتهم في المحيط وأعالي البحار، وفي أعماق الأرض بالمناجم.. من أجل كسرة خبز ولا غير! يغيبون عن زوجاتهم وأبنائهم لأسابيع وشهور، يتعرضون للإهانة والسب طوال اليوم، ولا تسلم العاملات منهم من التحرش الجنسي، والاستغلال الجنسي من طرف أغلبية أرباب العمل، أو أبنائهم، أو من ينوب عنهم في الإدارة، وفي تسيير الورشة…الخ
هو ذا الواقع الذي يعيشه العمال والعاملات، وهو واقع لن ينفع معه التراضي، أو السلم الاجتماعي، أو التكيف مع الأوضاع.. لن ينفع معه سوى الصراع والاحتجاج، على وضد المالكين المستغلين، وضد نظامهم الاقتصادي الرأسمالي، القائم على الاستغلال، وعلى القمع، وعلى الاستبداد.. بهدف القضاء عليه وإقامة الاشتراكية بدله.. فهي التي ستخلق مجتمعا واقتصادا جديدا، يحكمه ويسيره العمال المنتجون بديمقراطية، ويقتسمون خيرات إنتاجهم التي سيتدبرون توزيعها سواسية، بدون تمييز بين المرأة والرجل، وبين المدينة والبادية، وبين العربي والأمازيغي، وبين العمل الفكري والعمل اليدوي…الخ، فالطبقة العاملة مرتبطة حاليا بالنظام الرأسمالي، فهي وليدته ومنتوجه التاريخي، ولا يمكنها أن تنعم بالحرية، هي ومجموع الكادحين غير المالكين، العاطلين، والشغيلة، وفقراء الفلاحين.. وأن تقود الجميع خلال معركة التحرر، التي سيستفيد منها الجميع، وسيتم القضاء نهائيا على الرأسمالية، وبناء الاشتراكية وتعزيزها في المنطقة المغاربية والعربية وفي العالم أجمع.
وتتشكل الطبقة العاملة من مجموعة من بسطاء الناس، أميون، أو يتوفرون في الغالب على أدنى مستويات الدراسة، يعيشون من كدحهم وشقائهم، من خلال بيعهم لقوة عملهم العضلية والذهنية لمن يساومها من الرأسماليين المشغلين، مقابل قدر من المال يسمونه أجرة. فمن أجل هذه الأجرة، يقدم العامل قوته العضلية ويستخدمها لمصلحة الرأسمالي في إطار من الأعمال الشاقة الدائمة، التي يقوم بها كحمال، حيث يقضي الغالبية من العمال يومهم كاملا في حمل الأثقال، وتنقيلها من مكان لآخر. أما العمل الذهني فيتجسد في التقنية أو الحرفة، التي يكتسبها العامل مع طول مدة عمله، وخبرته المتراكمة يوما عن يوم، في إطار من المهارات التي يتوفر عليها بعض العمال الذين يصبحون متخصصين، يشتغلون، ويشغلون الآلات، ويصلحون اعطابها، ويواظبون على صيانتها…الخ وهو الشيء الذي يؤهلهم، ويعترف لهم في بعض الشركات، لنيل مكانة متميزة، وأجرة متميزة كذلك، كالميكانيكي مثلا، والكهربائي والفصّال في معامل الخياطة…الخ

   ولكي نفهم أكثر كيف تتم عملية مراكمة الأرباح، وكيف تتضخم الرساميل إلى حدود قصوى، سنحاول الإجابة عن السؤال التالي، كيف يتم استغلال العمال البروليتاريين، وكيف يتم تفقيرهم، من طرف البرجوازيين الرأسماليين الذين يغتنون باستمرار؟ تتحول قوة العمل التي يتوفر عليها العامل، إلى سلعة يعرضها مجبرا للبيع، هروبا من البطالة، وبالتالي من الجوع والتشرد.. فلا مفر من الاصطفاف إلى جانب العاطلين المتعطشين للشغل، إن هو رفض الشغل المقدم له.
طوابير لا حدّ لها من العمال تصطف أمام مشغلين أفراد، لتتم المساومة على الأجرة، ويتم التعريف بنوع الشغل المقترح.. هل بمعمل من المعامل، أو بالمصنع، أو بضيعة من الضيعات، أو بمقاولة بناء أو صباغة…الخ وفي الأخير يتم الاتفاق على مقدار الأجرة، والتي لا تتناسب في غالب الأحيان مع الحد الأدنى للأجور، وبالأحرى لمتطلبات المعيشة المرتفعة باضطراد.. حيث لا تتعدى في المغرب نسبة المقاولات التي تلتزم بالحد القانوني للأجور، العشرة في المائة من المقاولات المُشغِلة. وحيث لا يتعدى الحد الأدنى للأجور 2400 درهم شهريا، في مقابل بدل كراء 1000 درهم للغرفة، داخل الأحياء الشعبية، ومصروف القفة الذي لن يقل عن 100 درهم في اليوم، أي 3000 درهم في الشهر، إضافة إلى واجب الكهرباء والماء والأدوية والسجائر والمقاهي…الخ وكلها مصاريف ضرورية، يحتاجها العامل وقاية من التشرد. فكما أنجبت الرأسمالية نظامها الاقتصادي، وطبقتها البرجوازية المالكة للرأسمال، والأرض والآلات.. أنجبت حفاري قبورها إلى جانبها، ومن رحمها. وهم العمال البروليتاريين الذين سيدكـّون الرأسمالية دكـّا، ويهدمون اقتصادها الجشع، القائم على الاستغلال، والمحمي من طرف القمع ونظام الاستبداد.
إنها الرأسمالية، ذلك النظام الاقتصادي الجديد، الذي ولدته الثورة الصناعية، منذ حوالي الثلاثة قرون، بعد أن أزاحت تدريجيا الإنتاج الحرفي واليدوي، أو نقصّت منه، لتفسح المجال للصناعة الكبيرة المعتمدة على الرأسمال الكبير، وعلى الآلات المتطورة وعلى نظام الأجرة، وعلى إنتاج السلع الموجهة للسوق وليس للاستهلاك الذاتي.. هذا الإنتاج الذي يحتاج إلى رأسمال كبير، وآلات ثمينة، وبنايات ومواد خام، في مستوى استيعاب الأعداد الكبيرة من العمال. فمن أجل فهم سر الإنتاج الرأسمالي وطريقته في مراكمة الأرباح، لا بد من الإشارة لمفهوم فائض القيمة، واستيعاب دوره في العملية، هذا المفهوم الذي يرجع الفضل في اكتشافه لعالم الاقتصاد، الفيلسوف المناضل، نصير الطبقة العاملة ومرشدها، كارل ماركس.. كجزء من منتوج العمل الذي يستملكه الرأسمالي، دون أن يدفع ما يعادله.
فما هو فائض القيمة إذن، ومن أي يأتي؟ يفسر ماركس العملية انطلاقا من متابعته وتفسيره للعمليات البسيطة التي يقوم بها سائر الرأسماليين خلال عمليات التبادل.. كأن يشتروا سلعة ما بمائة درهم ويبيعونها فيما بعد بمائة وعشرة دراهم، أي بربح عشرة دراهم عن العملية، وهو ما سماه ماركس بفائض القيمة. اعترض الاقتصاديون المدافعون عن الربح والاستغلال، عن هذه الفكرة وعن مفهوم فائض القيمة، معللين موقفهم بأن العملية لا تعدو سوى مبادلة تجارية عادية لا يغتني منها أحد ولا يفتقر، وبأنه لا يمكن مبادلة سلعة بسلعة أخرى، إلا إذا كانت ذات نفس القيمة، يعني أنه لا يمكن مبادلة دجاجة بديك رومي، ولا كيلو زيتون بكيلو قمح، ولا شبشب بزربية…الخ فما المعنى إذن؟ المعنى هو أن الرأسمالي وكافة الاقتصاديين المدافعين عن الرأسمالية، يتسترون عن حقيقة جوهرية يستند عليها هذا الاقتصاد، وهي أن في السوق توجد سلعة من السلع المعروضة ذات ميزة خاصة، وهي أن استهلاكها يشكل مصدرا لقيمة جديدة، هذه البضاعة هي قوة العمل، التي لا بد منها لإنتاج جميع السلع والبضائع.

ولنفسر أكثر ما هي قوة العمل؟ فالبضاعة وجميع البضائع تقاس بالعمل الذي يتطلبه إنتاجها، وتتجسد قوة العمل في صورة العامل الحي، الذي يحتاج من أجل أن يعيش، وأن يعيل أسرته.. لمقدار من وسائل العيش، وهو ما نسمّيه بالعمل الضروري، الذي يتقاضى في مقابله العامل أجرة، تعويضا عنه.. لكن الرأسمالي يؤجر العامل لمدة أسبوع، وبالتالي يكون قد اشترى حق استخدامه وتشغيله لمدة أسبوع، رغم تقديم العامل لكمية من العمل تعادل ما سيتقاضاه من أجرة خلال يومين من العمل فقط! يعني أنه يوفر فائض عمل أربعة أيام المتبقية من الأسبوع، يستفيد منه الرأسمالي ويضعه في جيبه، دون حسيب أو رقيب، وهو ما نسميه بفائض القيمة أو فضل القيمة أو القيمة الزائدة، بهذه الطريقة تتم عملية الاستغلال، وتتراكم الأرباح، ويتضخم الرأسمال.. فعبر الابتزاز المستمر لفائض القيمة تغتني الطبقة البرجوازية، وفي المقابل يتعمق الفقر، ويتضاعف شقاء البروليتاريا.
فئات اجتماعية أخرى في قاع المجتمع وعلى هوامشه، حيث توجد التعفنات  والكوارث الاجتماعية، وحيث توجد البطالة والفقر والبؤس الفظيع، في أبشع صوره.. منتشرا في هوامش المدن الكبرى وداخل القرى وجميع المناطق المنسية ـ حيث يوجد الشعب المغربي الكادح فعلا ـ فقراء أشقياء بالمعنى الحرفي للكلمة.. فقراء لا يجدون عملا، ولا سقفا يقيهم من الحر والقر، ولا طعاما يسدون به الرمق وينقدون به أنفسهم وعوائلهم من الجوع والموت، وهم يتحسرون على وطن يعج بالخيرات والثروات، ولا يملكون منه سوى البؤس والشقاء، ووعود الانتخابات الكاذبة.
ملايين العاطلين، وخادمات البيوت، والمتربصين بصناديق القمامة، والشحاذون، والنشالون، وبائعات الهوى من الصنف الرديء، وموزعي المخدرات المسمومة.. كلهم ينتمون لهذه الفئة المعروفة بأشباه البروليتاريا أو البروليتاريا الرثة، وهي مجال خصب لتجار الانتخابات، وللحركات الظلامية والسلفية الإرهابية، ولكافة القوى الرجعية الانتهازية…الخ، فمن الناحية الاجتماعية والطبقية، ترتبط هذه الجماهير الشعبية الكادحة، مصيريا بالطبقة العاملة، وبمشروعها التحرري الاشتراكي، المناضل من أجل القضاء نهائيا على بؤسها وشقائها الدائم.. حيث يلزمنا كاشتراكيين، الالتفات لهاته الجماهير بقصد توعيتها، وتنظيمها، وتأطير نضالاتها في سياق مناهضة البطالة والغلاء، وخلال الدفاع عن مجانية التعليم والتطبيب، والنضال من أجل توفير سكن لائق للجميع، بعيدا عن سماسرة الانتخابات، وتجار القروض، وحثالة السياسيين والمرتشين، وبيادق وزارة الداخلية من القياد والمقدمين…الخ وهو الشيء الذي سيتطلب منا الجهد والتفاني، لتنسيق العمل بين الأحياء الشعبية، وبين كافة القوى الديمقراطية والجماهيرية العاملة في هذا المجال. ونذكر فيما يتعلق الأمر بإحدى الفئات الاجتماعية التي تجلب الخلط والارتباك، حين يتم التذكير بوجودها، إنها فئة الفلاحين. فكثيرا ما يقصد بالفلاحين لحظة التعبئة والتحضير للثورة، المحتاجة بدون شك، لتحالفات طبقية قوية ومتينة.. الفلاحين الفقراء والمعدمين، يعني البروليتاريا الريفية التي يتم استغلالها من طرف البرجوازية الريفية ـ أغنياء الفلاحين ـ مقابل أجور هزيلة، داخل الضيعات الفلاحية الكبرى.
إلى جانبهم توجد قاعدة عريضة من المالكين الصغار، يشتغلون بزراعة الأرض وبتربية المواشي، دون أن يحتاجوا لمن يساعدهم في الغالبية من الحالات، بل إن جلهم يشتغل في أعمال إضافية عند الغير، أو في التجارة، أو أي عمل موسمي آخر، لتغطية مصاريفه السنوية. وعلى النقيض من هؤلاء، الذين يجب أن يتحالفوا وينسقوا نضالاتهم بهدف القضاء على الاستغلال والاستبداد.. يوجد الفلاحون الميسورون، الأغنياء من ذوي الأملاك العقارية الشاسعة، الذين يعيشون من خيرات ومردود الأرض، من دون أن يشتغلون مباشرة عليها. منهم من ينتمي للبرجوازية الصناعية، ينتج الحليب ومشتقاته، ويصدر الحوامض، ويصنع العصائر والمصبرات، وزيت الزيتون، وقصب السكر…الخ وقليل منهم من يكتفي فقط بزرع الأرض، وجني المحصول وبيعه فيما بعد.. وهو الشيء الذي يؤهل هذه الفئة للانخراط في التحالف الطبقي الحاكم دفاعا عن مصالحها ومصيرها.
إذن فالفلاحون يشكلون فئة اجتماعية تعيش من الاشتغال على الأرض، منها من يملك ومنها من لا يملك سوى قوة عضلاته وهم العمال البروليتاريين.. منها من يحتاج لاستغلال الغير وهو البرجوازي، ومنها من لا يحتاج لاستغلال الغير إلا في مناسبات معدودة ومحدودة، خلال الحرث والزرع والجني أو الحصاد وينتمون للبرجوازية الصغيرة.. فئة منقسمة على بعضها إلى طبقات اجتماعية، لكل منها مصالحها المختلفة والمتميزة، حيث العلاقة التي تجمع ما بينها، هي علاقة صراع، صراع طبقي في آخر المطاف. [http://www.ssrcaw.org]

6/ ث – الطبقة الوسطى وخطورة تآكلها

  تضم الطبقة الوسطى الفقيرة كلَّ المتعلمين الواقعين فوق خط الفقر، وينخرطون في إدارة أعمال، أو يمارسون مهناً فنية وذهنية غير معقّدة، ووظائف يغلب عليها الطابع التنفيذي، ويمارسون أساليب المعيشة المتوسطة في المجتمع، بصعوبة، وغالباً يكون على حساب رهن قوة عملهم أو عوائدهم المستقبلية. بينما تضم الطبقة الوسطى المستقرة كلَّ الحاصلين على تعليم أساسي وما فوق (12 سنة دراسية على الأقل)، من أصحاب المشاريع الوسطى، أو أصحاب المهن الذهنية المعقدة، العاملين في وظائف يغلب عليها الطابع الإشرافي، ولديهم عوائد دخل كافية لبلوغ وتجاوز المستوى المتوسط للمعيشة في المجتمع، ويمتلك بعض أفرادها القدرة على الادخار والاستثمار. وتضم الطبقة الوسطى المتنفذة كلَّ الحاصلين على تعليم أساسي وما فوق، ويمارسون مهناً ذهنية معقدة، ويتولون وظائف قيادية داخل المجالات المختلفة على مستوى أجهزة الدولة في الأقاليم والمناطق (الولايات أو المحافظات)، كما تضم أصحاب الأعمال الاقتصادية، وأصحاب رؤوس الأموال، الذين يديرون حركة الاقتصاد على مستوى هذه الأقاليم، والأغلبية العظمى من أفرادها ينفذون إلى مناصب الحكم المحلي عن طريق استغلال أحد أو بعض أو كل العوامل الطائفية – القبلية – الإثنية – الحزبية الاحتكارية، ويمارسون أساليب معيشة، يغلب عليها استهلاك الرفاهية، والتشبه بأنماط معيشة الطبقة المركزية المتحكمة، والطبقة الرأسمالية العالمية، ويمتلكون القدرة على الادخار والاستثمار. [https://caus.org.lb]
تآكل الطبقة الوسطى، وفشل معظم الحكومات العربية في ترميم “التلف” الاقتصادي الذي أصاب المواطن وعجزه عن تقليص “الفوارق الطبقية”، جعل القاعدة الأساسية الصلبة في المجتمع المرتكزة على الطبقة الوسطى “رخوة” و”متزعزعة”، ما جعل الواقع الاقتصادي غير واعد وقادر على بناء الإنسان وخلق تنمية متوازنة، وجعل التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية أكثر استقراراً وصلابة.

لبنان..

الذي كان يسمى سابقا “سويسرا الشرق” نظراً للرخاء الاقتصادي الذي كان ينعم به والتطور العمراني الذي يميز شوارعه وبنيته التحتية، اليوم تشير آخر الدراسات إلى أن ثلث اللبنانيين ينتمون إلى الطبقة الوسطي فقط. في ظل عدم وجود إحصائيات دقيقة بشأن توزيع الدخل في لبنان، يشير الخبراء إلى أن أكبر مجموعة من سكان لبنان تنتمي إلى فئة الفقراء والتي تجد كل شهر صعوبات في تغطية نفقاتها، فنسبة هذه الفئة بين سكان البلاد تبلغ حوالي 40 بالمائة. بينما يقبع أكثر من ثلث اللبنانيين ضمن الطبقة الوسطى. منذ 30 عاما يشهد لبنان تدهورا مستمرا لطبقتها الوسطى. فالدراسات والتقديرات المعدة في سبعينيات القرن الماضي تشير إلى أن ما يتراوح بين 50 و60 بالمائة من اللبنانيين إلى الطبقة الوسطى.

العراق..

الحرب أرهقت الحال الاقتصادي لهذا البلد ولعملته النقدية، تآكل الطبقة الوسطى فيه جعل شعبه يغامر ويقامر بحياته من أجل العيش ولو ارتكب أنواع الجرائم في سبيل الكسب وتجاوز الفقر والعوز. فالطبقة البورجوازية مشغولة بجمع ثرواتها وزيادة أرباحها على حساب جيوب غيرها. أما الطبقة الدنيا والمتردية اقتصادياً، فتكاد تنحصر همومها اليومية في تأمين لقمة عيشها لاستمرار حياتها. هذا الواقع المهين تعد الحرب النواة الأساسية له، والداعم الرئيسي لتفاقمه. حسب معهد الدراسات العربية ـ شباط 2016، تنقسم الطبقة الوسطى في العراق عموماً، بين طبقة وسطى عليا – وطبقة وسطى متوسطة – وطبقة وسطى دنيا، يفرق بينها مستوى الدخل والمستوى التعليمي والحالة الاجتماعية.

الطبقة الوسطى العليا: وتمثل حوالي 15% من إجمالي الطبقة الوسطى وهم رجال الاعمال وكبار موظفي الدولة والتكنوقراط واصحاب المهن الحرة، يزيد متوسط دخل الفرد فيها على 12 ألف دولار سنوياً.

الطبقة الوسطى المتوسطة: وتمثل السواد الاعظم من موظفي الدولة وشرائح مشابهة تعمل في نشاط السوق من مهندسين وفنيين واداريين وشريحة محدودة من المتقاعدين وغيرهم، وبنسبة 50% من إجمالي الطبقة الوسطى. وان متوسط الدخل السنوي للفرد فيها هو بنحو 7000 دولار.

الطبقة الوسطى الدنيا: فهي تمثل صغار الموظفين والشرائح العاملة في السوق المماثلة لها من الشغيلة وبعض فئات المتقاعدين والعاملين من ذوي المهارات المحدودة ويمثلون نحو 35% من الطبقة المتوسطة ويبلغ متوسط دخل الفرد السنوي بنحو 5 آلاف دولار وإجمالي الدخل السنوي الاسري حوالي 20 ـ 30 الف دولار. وهي تعيش فوق خط الفقر، اي بمعنى انها تمتلك مرونة بنسبة 75% في الحصول على المأكل والملبس والمأوى والتعليم والصحة.

فلسطين..

وفقا للمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، فإن معدلات الفقر والفقر المدقع ارتفعت في فلسطين لتتجاوز 65% وتجاوزت نسبة نقص أو انعدام الأمن الغذائي 72% لدى الأسر. “الطبقة الوسطى” بدأت “تتآكل بشكل ملاحظ وكبير”، ودخل الأسرة في تناقص. حيث لا تشكل الطبقتين العليا والمتوسطة أكثر من 10% من الفلسطينيين، فيما يقبع الباقي تحت خط الفقر. معدلات التضخم بلغت 43%، القوة الشرائية لتدفقات العمال تراجعت منذ عام 2015 بنسبة 30%.

الأردن..

نترقب جميعاً تسارع وتيرة الأحداث في الأردن والاحتجاجات الشعبية، بعد إحالة الحكومة قانون ضريبة الدخل المعدّل إلى مجلس النواب قبل أكثر من 10 أيام، والإضراب عام قبل اسبوعين، الذي شاركت فيه 33 نقابة محلية وشمل كل محافظات البلاد والآلاف من المواطنين الذين تظاهروا في عمان أمام مجمع النقابات المهنية.

كافة المؤشرات تشير إلى الامور لم تصل إلى ما هي عليه إلا بعد سنوات من إطلاق صيحات الاستغاثة لإنقاذ الطبقة الوسطى من الضغوطات والضربات الاقتصادية التي باتت تؤثر على حجمها وبنيتها وتوازنها عاما بعد عام، وهو ما جعلها تترنح، بل آيلة للسقوط في الطبقة التي دونها “أي الفقيرة ومحدودة الدخل”.

أظهرت دراسة متخصصة أن الطبقة الوسطى في المملكة تآكلت وباتت تشكل 29% من إجمالي عدد السكان حتى العام 2010 مقارنة مع ما نسبته 41 % في العام 2008. يحقق أفراد هذه الطبقة 34.7 % من الدخل ويستهلكون 37.2 % من اجمالي الاستهلاك. الفئة دون الوسطى تشكل الشريحة الأكبر من السكان بنسبة 48.6 % تستهلك حوالي 33.8 % وتحقق 33.1 % من الدخل.

 دول الخليج العربي…

الباحثون والمثقفون في دول الخليج العربي بدأوا منذ فترة يقرعون نواقيس الخطر من أن الطبقة الوسطى في الخليج العربي تتعرض للانحسار، والتلاشي. التنمية غير المتوازنة التي مرت بها المنطقة خلال العقود الماضية لم تحظَ فيها التنمية البشرية بجميع عناصرها التعليمية والصحية بالنصيب الكبير، فكان هناك اندفاع قوي جداً في بناء المشاريع الضخمة والكبيرة ولم يكن مقابلها أو ملازم لها مشاريع بذات الحجم تتعلق ببناء عقل الإنسان وقدراته العلمية والمهنية. لذا أدت هذه التنمية إلى زيادة في عدد الطبقة الثرية والثرية جداً، وزيادة في عدد الطبقة ذات الدخل المحدود أو الفقيرة وكانت الزيادتان على حساب الطبقة الوسطى التي تقلص حجمها. فكما هو معروف، المعيار الحضاري للأمم لا يقاس بعدد أثريائه، إنما يقاس بحجم ونوع طبقته الوسطى الحاضنة لبذور التقدم والنمو.

يقول الباحثون من الصعب تحديد مفهوم الطبقة الوسطى في دول الخليج العربي فأحياناً يجري تحديد المصطلح بالأشخاص المكتفين مادياً ولديهم الاستعداد للتأثير الايجابي داخل المجتمع، لكن يمكن القول إن هذه الطبقة هي الرافعة للقيام بدور تنموي، وخلق حراك حضاري داخل المجتمع، و الطبقة الوسطى في منطقة الخليج العربي تعتبر طبقة أو جماعة حديثة التشكل وهي طبقة قد ساهم النفط بشكل كبير في تشكلها، كما ساهم التعليم والاحتكاك الخارجي في بلورة الكثير من أفكارها ومواقفها. تتكون هذه الطبقة من فئات وجماعات شتى قد تجمعها الوظيفة والرتبة الاجتماعية وتعمق من انفصال بعضها عن البعض الآخر حالة التشرذم الفكري والثقافي وربما الاستقطاب المذهبي والقبلي الذي تعيشه.

بلغة الأرقام.. يقاس حجم الطبقة الوسطى في دول مجلس التعاون الخليجي، منها نسبة العاملين الذين تفوق اجورهم الشهرية 70 % من متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي، أو الذين تفوق اجورهم الشهرية 70 % من متوسط الرواتب، أو على أساس القطاعات الفنية والمهنية، أو حجم الحاصلين على شهادات جامعية، واخيراً على أساس حصة الانفاق على الترفيه والادخار من مجموع الانفاق الشهري.

وفي رأي دراسة اقتصادية، انه كلما كان قياس الطبقة الوسطى مبنيًا على أرقام الدخل الحقيقية اقترب من المصداقية بصورة أكبر. ولذلك، تم وفقًا لهذا المقياس الاستعاضة عن نصيب الفرد من الدخل القومي بمتوسط الرواتب والأجور، وباستثناء الكويت التي يتضح أن متوسط الرواتب والأجور أعلى من نصيب الفرد من الدخل القومي، فقد أدى اعتماد هذا المقياس إلى ارتفاع الطبقة الوسطى في البحرين وسلطنة عمان من 20 % ليتراوح ما بين 26 و 27 %، بينما ارتفع في الإمارات من 35 % إلى 40 %، وارتفع في السعودية من 12 % إلى 34 %. بينما ظل في الكويت على حاله اي 33 %.

مصر..

التي تشهد أكبر تراجع للطبقة المتوسطة على مستوى العالم منذ بداية الألفية وحتى العام الماضي، بحسب بيانات بنك كريدي سويس المتخصص في تقدير الثروات، وتبدو هذه الطبقة معرضة لمزيد من التدمير نتيجة الإجراءات التقشفية التي تبنتها الحكومة هذا العام في إطار برنامج “الإصلاح الاقتصادي” الذي تبنته، وحصلت بموجبه على مجموعة من القروض الدولية.

تقلصت الطبقة المتوسطة في مصر بأكثر من 48%، لينخفض عددها من 5.7 مليون شخص بالغ في عام 2000، إلى 2.9 مليون بالغ في 2017، يمثلون الآن 5% فقط من إجمالي البالغين، ويستحوذون على ربع ثروة المصريين.

تنافس مصر على صدارة العالم في تدمير الطبقة المتوسطة 4 دول، وهي الأرجنتين واليونان وروسيا وتركيا، بحسب تقرير كريدي سويس، لكن معدلات تآكل الطبقة المتوسطة في الدول الأربعة مازالت بعيدة عن الحالة المصرية، بفارق ملحوظ يصعب تضييقه خاصة بعد الإجراءات التقشفية الأخيرة في مصر.

السودان..

تُقدر الطبقة الوسطى في السودان بحوالي 32،1% من السكان. وذلك بفعل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي هددت وجود تلك الطبقة وتنذر باحتمال تآكلها وتراجعها إن لم يكن اختفاؤها تمامًا.

هناك دلائل كثيرة تشير إلى تدهور أوضاع هذه الطبقة في السودان، منها التغيرات الاقتصادية التي أدت إلى ازدياد البطالة وقلة فرص العمل وتدهور الأجور رغم ارتفاع تكاليف المعيشة والتصاعد الرهيب في أسعار الضرورات الأساسية وتضخم الديون إلى جانب تراجع القيم التي كانت تحملها تلك الطبقة طيلة العقود الطويلة السابقة وزحف سلوكيات وأنماط جديدة من قيم وأخلاقيات كانت تعتبر منبوذة من المجتمع ككل لارتباطها بمواقف وأفكار مرفوضة تتآلف كلها الآن ضد تماسك هذه الطبقة وتمثل مصدرا خطيرا يهدد كيانها واختفاء ملامحها الأساسية ومقومات وجودها.

ليبيا..

بعد أحداث شباط 2011 شهدت ليبيا تغيرات جذرية، ليس في أوضاعها السياسية فحسب بل طالت كل مناحي الحياة، الاقتصادية والاجتماعية، وهذا ما طال أيضا التركيبة المجتمعية وأحدث تآكل الطبقات، وفي هذا السياق الذي نتناول فيه الطبقة الوسطى وتغيراتها، فإنها تعد الأكثر تأثرا، وبالتالي الأكثر تأثيرا باعتبار وضعها بمثابة وحدة قياس استقرار وتفاعل المجتمع، حيث يتفق المختصون أن ما جرى في ليبيا لاسيما بعد ثلاث سنوات من أحداث شباط 2011 جاء على حساب الطبقة الوسطى بتعرضها لحالة من التآكل والاضمحلال، وصاحب ذلك توسع ونمو في الطبقتين الدنيا والعليا، وذلك بزيادة تحول أعداد كبيرة من أفراد الطبقة الوسطى إلى الأدنى نتيجة تفشي حالة الفقر الناتج عن انحدار مستوى دخل الفرد في ليبيا، بالنظر للزيادة المضاعفة في أسعار السلع والمواد الأساسية، وثبات المرتبات والأجور، وغياب السيولة، وانخفاض قيمة العملة المحلية، كما ساهم في ظهور عدد جديد من الأغنياء من قادة المليشيات، وبعض المستفيدين من مغانم الحروب زاد من عدد الطبقة العليا.

موارد البلاد اليوم بالكاد تكفي لدفع رواتب موظفي الدولة الليبية، فيما كان دخل الفــرد في ليبيا السنـوي قبـل الأحداث يقدر بـ 11 ألف دولار، بما يضـــع هذا البلد ضمن الدول المتوسطة في العالم التي يبلغ فيها الدخــل الفردي مستوى عاليًا نسبيًّا.

دول المغرب العربي..

“ليست غنية لدرجة تسمح لها بالعيش دون خوف من الظروف الاقتصادية التي تمر بها، ولا هي فقيرة لتستفيد من المنح التي تخصصها الحكومة للفقراء” ذاك هو التعريف الذي يضعه أستاذ الاقتصاد الاجتماعي في جامعة باجي مختار في الجزائر، “سعيد بربيش” لـ “الطبقة الوسطى” في المغرب العربي ، التي تمثل 52% من سكان البلاد التي ومع اشتداد وقع الأزمة الاقتصادية والاجتماعية خلال السنوات الأخيرة، ظهرت بوادر تآكل طبقتها الوسطى من موظفين ومعلّمين وأطباء وغيرهم، ما اعتبره خبراء الاقتصاد ناقوس خطر حول انحدار هذه الطبقة نحو ” الفقر”.

في الجزائر، عاشت الطبقة الوسطى سنوات “وردية” منذ 2010 حتى 2014 تميزت برفع أجور عمال القطاع العمومي وإقرار زيادة في الحد الأدنى للرواتب، إلا أن هذه الشريحة من المجتمع أضحت تعيش حاضرا يتميز بتدهور قدرتها الشرائية جراء تهاوي قيمة الدينار وارتفاع الأسعار، ما قد يغير تركيبة المجتمع الجزائري إذا استمر الحال على هذا الحال. وكان البنك الأفريقي للتنمية قد كشف في دراسة له أجراها سنة 2013 أن 27% من الطبقة الوسطى في الجزائر باتت مهددة بالفقر.

أما في المغرب، فيعتبر وزن الطبقة الوسطى دون المكانة التي تتمتع بها هذه الطبقة في بلدان ناشئة أخرى، حيث تمثل في المتوسط نسبة 44% من السكان. واعتبر البنك الدولي أن 15% من الأسر المغربية فقط، تنتمي للطبقة الوسطى، إذا ما أخذ بعين الاعتبار معيار دخل شهري في حدود 1000 دولار. تونس، سجلت تراجع نسبة الطبقة الوسطى  من 81 % سنة 2005 إلى حدود 63.4 % سنة 2017.

في سورية..

معدل التضخم الذي وصل إلى نسبة 510 % عام 2016، وارتفاع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الليرة السورية، وكافة ظروف الحرب، أبقت دمشق الأرخص إقليمياً، وفق مؤشر مستوى المعيشة الاقتصادي العالمي (expatistan).

لكن الكارثة في سورية، هي تدني الأجور، والفجوة بين الدخل الشهري للمواطن والأسعار، فآخر الاحصائيات حسب المكتب المركزي للإحصاء في سورية كشفت أن متوسط دخل الأسرة السورية يجب ألا يقل عن 250 ألف ليرة سورية (ما يعادل 500 دولار أميركي) وهو الرقم الذي لا تحصل على أقل من نصفه حتى أغلب العائلات السورية اليوم، فمتوسط الدخل في سورية حسب النسخة الأخيرة من مؤشر “Numbeo” لمتوسط الراتب الشهري في العالم لسنة 2017، عن متوسط الرواتب في بلدان العالم العربي، وضعتها “سورية” في ذيل القائمة، بمتوسط دخل لا يتجاوز 50 دولار شهرياً.

الطبقة الوسطى كانت تشكل نسبة بين 60 و80% من تركيبة السكان في سورية، وهي نسبة متقاربة مع الدول المماثلة في النمو بالمقارنة بين مستويات الأسعار، ضمت الأطباء والمحامين والموظفين والصحفيين والفنانين وغيرهم من المختصين وخرج من هؤلاء أهم الشعراء والأدباء والكتاب والمبدعين والسياسيين وغيرهم من الشخصيات المميزة وشكل هؤلاء منارات للأجيال اللاحقة.

في 2017 تضررت الطبقة الوسطى ووقعت في المستويين الفقر المدقع والمستورين وتراجع الدخل القومي 60% وارتفعت الأسعار 700% وتغيرت حاملة التنمية وركيزة الاستقرار وظهرت أشكال اجتماعية اقتصادية جديدة وركبت موجة الحرب والأزمة واتخذت صورة الكسب غير المشروع جراء الاحتكار إضافة إلى أعمال الخطف والسرقة والتسلط التي قامت بها المجموعات التكفيرية. حسب المعيار العالمي الذي حدده البنك الدولي فان  85% من السوريين يعتبرون  فقراء.

ختاماً، الطبقة الوسطى هي التي تتوسط هموم الطبقتين الاُخريين، إذ “تنحدر الطبقة العليا الثرية نحو الخمول الفكري وهي تنغمس في تعظيم الربح وتراكم راس المال، في حين تكابد الطبقة العمالية والفقيرة هموم العيش وضعف قدرتها على بلورة مطالبها”.

الطبقة الوسطى هي من أكثر الطبقات قدرة على بلورة أفكارها وتنظيم مطالبها وصياغة حركتها في الحراك السياسي، وان الرخاء النسبي الذي تتمتع به الطبقة الوسطى يمنحها الاستقلال والاستقرار في الحراك الاجتماعي وقيادته، كما ان مقوماتها التعليمية وبنيتها الثقافية مكّنها من ان تطرح نفسها كطبقة متخصصة قادرة على قيادة التنظيمات في ظل النظام المدني”.

هذه المعطيات يجب أن تدفع الحكومات العربية إلى النهوض واتخاذ خطوات جادة في سبيل التصدي لهذه المخاطر والمتمثلة في إيجاد آليات لمكافحة الفقر والتراجع عن السياسات الاقتصادية الخاطئة ومحاربة الفساد بكل أشكاله قبل أن نصل إلى مرحلة تصعب فيها المعالجة ونصل إلى نقطة اللاعودة. [https://www.tasnimnews.com]

   تؤكد هذه الدراسة على ما سنطرحه عن تجويف الهيكل الاجتماعي المصّنع الذي أزاح الطبقة الوسطى من الجسد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي فأصبح مجتمعاً خاصاً بالأثرياء وأخر خاصاً بالفقراء لأن الوسط بات يشبه معدوم وانشغال النخبة الحاكمة بتجميع ثرواتها وزيادة أرباحها واستثماراتها على حساب الوسطى والدنيا فهبط الكثير من أبناء الطبقة الوسطى الى الدنيا فزاد حجمها وفاقم فقرها بسبب ارتفاع مستوى المعيشة وأسعار السلع والمواد الأساسية مع ثبات المرتبات والأجور وانخفاض قيمة العملة المحلية – الوطنية مع اقتران بروز فئات جديدة من الأغنياء برزت عن طريق قادة المليشيات وبعض المستفيدين من مغانم الحرب الأهلية كل ذلك أغنى الفئة الحاكمة وأفقر الدهماء والرعاع.

   أما الأسباب الأخرى التي ساهمت في تآكل الطبقة الوسطى فهي: –

1 – تدهور قيمة العملة الوطنية.

2 – ارتفاع أسعار السلع.

3 – تدني الأجور وثبات رواتب الموظفين.

4 – تفاقم بطالة خريجي الجامعات وعدم حصولهم على فرص عمل تتناسب مع اختصاصاتهم الجامعية.

عندها اتجهت الفئة الحاكمة نحو تعظيم الربح وتراكم رأس المال، بينما القاعدة الدهماء أبناء القاعدة الجماهيرية لم تعثر على ما يكفيها من لقمة العيش.

   وإذا تآكلت الطبقة الوسطى فإن المجتمع العربي سوف يفقد صمام الأمان لأنها الأكثر قدرةً من الفئة الحاكمة والقاعدة الجماهيرية على بلورة افكارها وتنظيم مطاليبها وصياغة حركتها على النخبة الحاكمة ويتضخم حجم الدهماء والرعاع. لذا فإنها تعتبر المعيار الحضاري للمجتمع الذي يُستخدم لقياس حضارته وليس من خلال ثروة افراد النخبة الحاكمة لأن الموظفين والمثقفين والأطباء والمهندسين والمحامين والأساتذة هم الحاضنين لبذور التقدم والنمو بسبب تأثيرهم الإيجابي وبلورة حراك حضاري داخل المجتمع.

   أخيراً نقول إنها هي المعيار المعتمد لقياس استقرار وتفاعل افراد المجتمع لأنهم من المتنورين والواعين والطليعيين واللوذعيين، هذا ما سنقرأه في الباب القادم الذي وجدناه حاضراً في المجتمع العربي بعد منتصف القرن العشرين بسبب عدم أمانة الجماعة الحاكمة التي استولت على قمة النسق السياسي والعسكري وأرادت التسرمد فيه مما أربك حركة مسيرة تقدم المجتمع العربي فجعله يتنقل من انقلاب الى أخر ومن ثورة الى حرب عالمية وأهلية لأن الحياة الطبيعية للمجتمع لا تقبل مثل هذا الاستحواذ البعيد عن التدرج على مراتب ومناصب التدرج الاجتماعي من خلال الحراك الاجتماعي العمودي. بتعبير أخر إن هذه الاحداث (تحكم فئة مغامرة تستحوذ على سدة الحكم ليس لديها خبرة وطنية في إدارة شؤون البلد ولها نزعة انتقامية من غيرها ومتعصبة ومنغلقة على نفسها تؤدي الى عدم تقدم وتطور المجتمع مع افساد معاييره الضبطية ونهب ثرواته المالية وتمزيق نسيجه الاجتماعي واستبعاد المثقفين والمتنورين من الساحة السياسية والاجتماعية) أدت الى إزالة التدرج الطبقي والاجتماعي من الهيكل الاجتماعي العربي فأضحى في المجتمعات هشاً ورخواً في تماسكه وتضامنه وضعيفاً في قوته ومستكناً في تقدمه.

6 / ج – الهيكل الاجتماعي العربي المصنّع

نَحّتنا هذا المصطلح (الهيكل الاجتماعي المصنّع) لنميزه عن الهرم الاجتماعي الطبيعي الذي يسمى بالتدرج الاجتماعي social stratification لأن الأول لم ينشأ من قبل أشجار العوائل أو الثروات الموروثة ولا من الاقطاعيات العقارية والزراعية ولا من الدخول المالية السنوية ولا من الجهود المبنية على الكفاءة والجدارة والموهبة ولا من مكافئة المجتمع للمجدين والمثابرين في أعمالهم. ولأنه يمثل الجور الظالم والقامع والمتسلط على الأغلبية، حيث كونه مغتصب للسلطة والنفوذ وليس مالكاً لها. وهو جائر في سلبه لحقوق المواطن ومفكك لمفاصل الانساق البنائية لخدمة مصالحه. انه هيكلاً قائماً ومبنياً على جماهير تعددها ثلاثمائة مليون عربي بنيّ عليها لأكثر من ستة عقود من الزمن.

    بدأ نشوء هذا الهيكل المصنّع والمبني من قبل فئة مغامرة وطموحه في الاستحواذ على حكم المجتمع العربي بالقوة والاستئثار به ونهب ثروته وممارسة عنفها وارهابها على كافة شرائح المجتمع بعد منتصف القرن العشرين. هذا الهيكل لم يبنيه أبناء المجتمع العربي بكفاءتهم وجدارتهم وحراكهم الاجتماعي لذلك لا نستطيع ان نتكلم عن موضوع مؤلفنا حول تدرج مراتب أو مقامات أو منازل أو مكانات الأفراد التي تحددها ثرواتهم المالية أو ممتلكاتهم العقارية او ميراثهم المادي الذي ورثوه عن اسلافهم. لأنه بعد أن حصل المجتمع العربي على استقلاله السياسي وتحرر من السيطرة الاستعمارية بعد منتصف القرن العشرين بزغت جماعة عسكرية وحزبية وإقليمية لاستلام سلطة الحكم فقبعت على قمة النسق العسكري والسياسي والأمني ومن خلاله تحركت نحو النسق الاقتصادي للاستفادة من عوائده المالية من أجل التحكم في باقي مفاصل المجتمع من أجل تدجين المجتمع العربي وذلك عن طريق تأسيس حزب حاكم يساعده على غرس مخالبه في الجسد الاجتماعي فمارس القمع والعنف من قبل أجهزته الأمنية الخاصة وحماية رئاسته وتعيين أفراد اسرته الممتدة وأقاربه في مناصب نسقية عليا مع تكوين سدنةً له متألفة من الطفيليين والمرتزقة والوصوليين والمداهنين ومثقفي السلطة الجلادين ليحولوا العوام الى رعاع مدجنة يمثلوا الدهماء.

    أما ما بين فئته والدهماء، مفترض أن يكونوا بينهم ممثلين من الطبقة الوسطى من المتعلمين والمهنيين والمتخصصين إلا انه جردهم من كل حقوقهم الوطنية والمهنية مركزاً على واجباتهم الوطنية فقط فلم يسمح لهم بالانتماء الى تنظيمات وسطية كالنقابات والجمعيات والأحزاب التي تمثلهم وتدافع عنهم بل حوّل هذه التنظيمات الى واجهات دعائية له مثل اتحاد النساء والطلبة ونقابة المعلمين والأطباء والمهندسين والفلاحين وغيرهم.

وإزاء هذا التمييع التنظيمي استبعد وهُمشَّ ما كان موجوداً قبل حكمه من معالم الطبقة الثرية والناشطة في التجارة والصناعة والزراعة وأحلَّ محلَّهم أبنائه وأقاربه ومن سدنته (السدنة هم حُماته وخدمه وحراسه الذين نصبّهم) لذلك هؤلاء الحكام العرب المغامرين والمغتصبين السلطة والحكم والعابثين بمقدرات المجتمع وثروة البلاد لم يكونوا ممثلين لمفهوم ومصطلح الطبقة الاجتماعية أو الاقتصادية المعروفة في علم الاجتماع والاقتصاد وآلياته، بل أثروا فيما بعد من خلال استحواذهم على ثروة البلد واستغلال مناصب الانساق البنائية والاستثمارات الممنوحة لهم فأصبحوا عندها شاغلي قمة الهرم الحكومي وليس قمة الهرم الطبقي الاجتماعي لأنهم لا يملكوا الخلفية الأسرية الطبقية مثلما وجد في المجتمع الطبقي البريطاني أو الأرستقراطية الطبقية الأوروبية ولم يجنوا ثروتهم من اسلافهم لأنهم منحدرين من عوائل فقيرة أو متوسطة الحال أو فلاحية يعني دخلوهم لمالية والمادية لم توصلهم الى قمة الهرم الاجتماعي ولم يصعدوا على سلم الحراك الاجتماعي من الطبقة الوسطى أو الدنيا حسب جدارتهم أو كفاءتهم أو تحصيلهم المهني أو العلمي بل هبطوا على قمة الهرم من فوقها عنوةً لذا لا يمكن ان نسميهم بالطبقة الاجتماعية أو الاقتصادية بل (فئة مغامرة وطموحة) شغلت الطبقة الحاكمة وليس الطبقة الاجتماعية ففتت الطبقة الوسطى التي كانت قائمة قبل مجيئها للحكم ودجنتها مع تدجين العامة (أو العوام) فجعلتهم جميعاً من الدهماء (كالأغنام والانعام).

    إذن يمكن القول بإن التدرج الاجتماعي العربي بعد استقلال البلدان العربية من الاستعمار الأجنبي لم يكن موجوداً بل كان وما زال يمثل طابقاً رسمياً – حكومياً مصنّعاً من قبل حكام مفروضين على المجتمع. لأنهم (أي الحكام) استبعدوا أصحاب الكفاءات والجدارات والمثقفين والمهنيين من الصعود على الحراك الاجتماعي العمودي وأحلّوا محله مصعداً كهربائياً لرفع من يريدوا رفعه الى الأعلى من أفراد سدنتهم (أي من النكرات والغير مؤهلين المعروفين بوصوليتهم ومداهنتهم وخنوعهم). هذه الحالة عرقلت حركة التقدم العلمي والتقني للمجتمع العربي فلم يساير حركة التقدم العصرية فجعلته ينكص الى الخلف لكيلا يكن ابن عصره الذي يعيش فيه. لا جناح إذن من القول بإن المجتمع العربي يملك هيكلاً ذا قاعدة عريضة جداً متألفة من الدهماء وقمة هيكلية صغيرة حاكمة وثرية برزت من خلال مناصبها النسقية – الرسمية وهذا لا يمثل التدرج الاجتماعي لا في طبقاته المفتوحة ولا في طوائفه المغلقة انه هجين لا مثيل له في المجتمعات المتقدمة والمتحضرة لأن هيكله مجوف في وسطه ومثقل في قاعدته وذا قمة فاقدة الجذور القاعدية والتمثيل الشعبي والحنكة السياسية والتشرب الثقافي والتماهي المعرفي. وفي هذا الصدد نستعين بما قاله معلمنا في علم الاجتماع العربي “عبد الرحمن ابن خلدون” (1332 – 1406 م) في مقدمته المعروفة مقولته الشهيرة وكأنه كان يتنبأ بما سيحصل للمجتمع العربي من قبل حكامه وما سيصنعون فيه في تشييد طوابق هيكلية لا يستند عليها المجتمع العربي لأنهم جوفوه وحصروا جلَّ سكانه في القاعدة السفلى من الهيكل لم يراعوا فيه الكفاءة والجدارة والخبرة واللوذعية العربية في إشغال مناصب نسقية يقوم افراد المجتمع العربي ببناء تدرج هرمي متسلسل يدفع بهم نحو الارتقاء والتقدم.

    تلك المقولة هي (لا تولوا أبناء السفلة والسفهاء قيادة الجنود ومناصب القضاء والشؤون العامة لأنهم إذا أصبحوا من ذوي المناصب اجتهدوا في ظلم الأبرياء وأبناء الشرفاء وإذلالهم بشكل متعمد نظراً لشعورهم المستمر بعقدة النقص الدونية التي تلازمهم وترفض مغادرة نفوسهم مما يؤدي في نهاية المطاف الى سقوط العروش ونهاية الدولة.) وهذا فعلاً ما حصل في القرن الحادي والعشرين.

    أخيراً نقول بإن عدد الأميين من الدهماء يقدر في الوطن العربي اليوم بحوالي 70 الى 100 مليون نسمة يمثلون ما نسبته 27% من سكان المنطقة وتبلغ نسبة الاناث من الأميين حوالي 60 الى 80% بالأجمال تبلغ نسبة الأمية بين الذكور في الوطن العربي 25% وبين الاناث 46%. [https://ar.wikipedia.org]

    لكن على الرغم من شذوذ تركيبة هذا الهيكل المصنّع إلا أنه لا يبقى قائماً على مجتمع عُرِفَ بحضارته العريقة الأمر الذي يجعل هذه التركيبة الدخول بالعديد من المحاولات الانقلابية العسكرية والسياسية لأن قمة التركيبة الهيكلية لا تمثل سراة المجتمع ولا صفوته ولا نخبته بل مجموعة من الصعاليك والغوغائيين المغامرين ليس هدفهم بناء تدرج اجتماعي طبيعي مبني على الإنجاز والكفاءة والخبرة ولا هم من معززي الهوية الوطنية بل القوقعة القبلية والطائفية المغلقة وهذا هو مقداح الثورات التي حصلت في الربيع العربي الذي لم يحقق هدفه إنما في القادم سوف يحقق ذلك لأن الهيكل المصنّع ما زال قائماً والحراك الاجتماعي ما زال لم يبنيه افراد المجتمع العربي لأن مثل هذه الهياكل الاجتماعية لا يسودها العدل والاستقرار والنزاهة والأمانة والظلم لأن في قمته من أبناء السفلة والسفهاء ممن عندهم عقدة النقص الدونية الملازمة لنفوسهم على عكس أبناء القاعدة المتصفين بالأمانة والنزاهة الوطنية والتضامن الميكانيكي المتماسك. هذا بدوره يقود الى الصراع مع أبناء الطابق العلوي للهيكل الاجتماعي وإزالتهم ليحل محلهم أفراد أمناء ووطنين وحريصين على المصلحة العامة ومن الشرفاء.

6 / ح – طوابق الهيكل الاجتماعي العربي المصنّع

      لا يعني الهيكل الاجتماعي تدرجاً لطبقات أو طوائف أو جماعات المجتمع المتسلسلة والمتواصلة يربطها حراك اجتماعي صاعد أو هابط ببنية افراد المجتمع بوساطة خلفياتهم التاريخية الأسرية (شجرة العائلة) او ثرواتهم المادية والعقارية أو كفاءاتهم المهنية والعلمية. بمعنى ان الهيكل الاجتماعي لم يبنيه افراد المجتمع بل تم تصنيعه شكلياً صورياً عنوةً من قبل فئة مغامرة وطموحة ومنتقمة وفاشلة في حياتها الخاصة والتعليمية ومنحدرة من بيئة اجتماعية بدوية أو ريفية بعيدين عن التمدن والتحضر واحترام الرأي الاخر متعصبين لرأيهم وفكرهم السطحي والضيق لا يميلوا للاحتكاك الحضاري ولا المجتمعي تتراوح مناشطهم بين العمل السياسي والاعتقالات في السجون لا يملكوا أولاعاً بالاطلاع المعرفي أو التاريخي أو الديني. هدفهم هو عمل اضطرابات أمنية في المجتمع من أجل الوصول الى قمة الحكم تحت غطاءات وطنية زائفة أو طائفية جاهلة وعقلية خرافية ماورائية.

     بتعبير أدق انهم ليسوا من سراة المجتمع ولا عليّة القوم ولا نخبة الأمة أو من صفوة الدين أو الوطن. انهم لا يملكوا صفات مهنية واجتماعية وسياسية مميزة ومتألقة جاعلة منهم شخوصاً فريدة وليسوا من أصحاب الصيت الحميد او مشهورين في خدمة الناس أو لديهم معرفة باحتياجات المجتمع بل هم يمثلوا (حكم النخبة Elitism) التي تعني حكم الفئة القليلة من الأفراد أو الجماعات الصغيرة الشاغلة لمواقع هرمية عالية متمتعة بدرجاته ونفوذ سلطته التي تكون محصورة بيدهم وتكون مصالحهم محمية من قلب الحكومة ويخضع كافة أفراد المجتمع لنفوذهم وسلطتهم أي هم الهيئة الحاكمة ولا هم منتخبين من المجتمع وصلوا الى طابقهم الهيكلي بواسطة انتماءهم الحزبي الزائف هذا ما قصدناه بالذين يمثلون “الطابق العلوي”. لهذا الطابق ثلاثة فروع تساعده على تنفيذ أوامر الرئيس وسياسته وتدجين المجتمع وهي ما يلي: –

1 – الطابق الأعلى من العلوي Upper – upper elitism

   هذا الطابق لا يعني الطبقة الاجتماعية ذات الانحدار الأسري العريق المتحضر أو الأرستقراطي. كذلك لا يمثل الانحدار الاقتصادي الثري من ذوي الأطيان والاملاك، ولا يعكس الشريحة المثقفة علمياً أو مهنياً، لا يملك الانتماء الوطني بل الحزبي أو الطائفي أو الإقليمي، أغلب افراده منحدرين من القري والأرياف الحدودية النائية ومن أبناء الأسر الممتدة الفقيرة، اغلبهم من الطلبة الفاشلين في مرحلتهم الإعدادية أو من أصحاب المستويات التعليمية الواطئة بسبب فقرهم واعتقالهم بالسجون السياسية لا يملكوا التثاقف ولا المعارف العلمية المتقدمة ولا احترام الرأي الأخر ولا التوقيت الزمني كأحد معايير التحضر أي منغلقين على أنفسهم وجماعتهم المحلية. لذلك وجدناهم يحتمون بالقواقع الحزبية أو الطائفية أو الإقليمية أو الأسر الممتدة هرباً من فقرهم وفشلهم في المدرسة وطمعاً بالحصول على وظيفة حكومية عن طريق الانتقام من الأغنياء وأصحاب المناصب الحكومية لا بدافع تطوير المجتمع بل بدافع التخريب والتدمير لأنهم لا يملكوا الحس الوطني فضلاً عن عدم توفر روافد اجتماعية عندهم مع أبناء غير جلدتهم منتقمين من معارضيهم الحكوميين وأعضاء الأحزاب والطوائف والاقاليم الأخرى. وفي ظل ذلك يكونوا خير وأفضل خميرة للممارسات الوصولية المرتزقة والمنافقة والمداهنة لأنهم من ذوي النفوس الوضيعة. هؤلاء يمثلوا القمة العربية الحاكمة ليس لها جذور طبقي مبني على الدخل أو الثروة أو على الشجرة العائلية بل هم من الرعاع والصعاليك والدهماء. انها قمة تختلف عن قمم التدرج الاجتماعي السائد في المجتمعات الحضرية والصناعية المتقدمة بل تمثل طابق هيكلي شاذ فرض وتسلط على هرم رسمي – حكومي أفرغ وسطه وملء قاعدته معبراً عن غناه التسلطي وفقره الجذري (اعتبارياً ونفوذياً) أثرى من سرقته للمال العام. كل ذلك يجعلها وصمة بالطابق الهيكلي العلوي وليس بالطبقة العليا الثرية وذات الاعتبار الاجتماعي العالي والمتنفذ الذي يضم أفراد أسرة الرئيس وأقاربه يشغلوا المناصب السيادية والاقتصادية.

أ – الطابق الأوسط من العلوي Middle – uppers elitism

    الذي فيه قادة الأجهزة الاستخباراتية وحرسه الحاص والأجهزة العسكرية والأمنية. يعني هم من السدنة أو البطانة أو الزبانية يستخدمهم الرئيس في تدجين العوام.

    أفراد وعوائل (أ، ب) يسكنوا في قصور وفلل فخمة ومنطقة راقية ذات موقع صحي وجميل في طبيعته ومحاط بسياج وحراسة مستمرة فيها السوق المركزي والمراكز الصحية والخدمات الطبية ويُمنع العامة وكل من لا يسكن في هذه المنطقة الدخول اليها ثم فيها مدارس ورياض الأطفال خاصة بأبنائهم وعند كبرهم يتم ارسالهم الى خارج البلد للدراسة هناك على حساب الدولة، يسافروا الى الخارج للدول الممنوعة على العامة ولهم تسهيلات في الدوائر البيروقراطية إذ يتم تجاوزها، ويلبسوا ملابس أجنبية الصنع ويملكوا سيارات فارهة. يقوموا بتجارة السلع الغالية وبيع البترول والسيطرة على الصناعات الوطنية ويقوموا الاتجار بالعملة وتبيض الأموال وأخذ عمولات على المشاريع التي يقوموا بها العامة ولهم امتيازات خاصة في الملاهي وشركات السياحة وبيع السيارات واستيراد المصانع من الخارج وسواها يمارسوا الاغتيالات واشعال الفتن الطائفية والاستبعاد الفئوي.

    هاتين الطبقتين (أ، ب) يمثلوا جماعة مالكة للسلطة والنفوذ والتجارة والمال متحكمة بكل أطياف وشرائح المجتمع الذين لا يملكوا السلطة والنفوذ أي من الدهماء. انه في الواقع جماعة مغلقة على نفسها تقريباً لأنها لا تقبل الانضمام اليها من الشرفاء والنزيهين والمثقفين والعلمانيين وأصحاب الكفاءات والخبرات واللوذعيين وأصحاب الهوية الوطنية لكنها تكون مفتوحة على المنافقين والمداهنين والمصلحين ممن نختارهم ليقدموا لهم خدمات غير نزيهة. في الواقع انها أقرب الى العصابة الإجرامية المنظمة وليس أقلية حاكمة عادلة بين مواطنيها لذلك نجد صعوبة بالغة في تحديد معالم طوابق الفئات الاجتماعية في المجتمع العربي لأنه لا توجد نقابات مهنية ولا جمعيات وتنظيمات واتحادات تنظيم مناشط العمال والفلاحين والنساء والمعلمين والأطباء والمهندسين وسواهم خوفاً من محاسبتهم ونقدهم والاعتراض على سياستهم بمعنى لا يسمحوا للمواطنين ان يشكلوا هذه التنظيمات الحرة وان وجدت فأنها (الجماعة الحاكمة) تجعلها واجهة لها تدافع عن مصلحتها وليس مصلحة أعضائها. وفي ضوء ذلك لا توجد طبقات اجتماعية عليا ووسطى ودنيا في المجتمع العربي لا بسبب عدم وجود وعي عندهم بل ممنوع عليهم من قبل الجماعة الحاكمة أو الزمرة الإجرامية المتلحفة بلحاف الحزب الحاكم أو الطائفة الدينية.

    لا جناح من تقديم جدولاً يعرض الحكام العرب ومدة حكمهم في دول حصل فيها الربيع العربي.

اسم البلد  اسم الحاكم  بداية حكمهنهاية حكمهمدة حكمه بالسنين
تونس

الحبيب بورقيبة

زين العابدين بن علي

   1957

1987

 1987

2011

    30

24

مصر

جمال عبد الناصر

أنور السادات

حسني مبارك

   1952

1970

1981

1970

1981

2011

18

18

23

اليمنعلي عبد الله صالح1978201123
ليبيامعمر القذافي1969201132
سوريا

حافظ الأسد

بشار الأسد

1970

2000

2000

لحد الان

30

أكثر من 15

الجزائرعبد العزيز بو تفليقة1999201920
العراق

صدام حسين

اياد علاوي

إبراهيم الجعفري

نوري المالكي

حيدر العبادي

عادل عبد المهدي

1979

2004

2005

2006

2014

2018

2003

2005

2006

2014

2018

2020

24

1

1

8

4

2

ب – الطابق السفلي من العلوي Lower – upper elitism

    الذي فيه قادة الحزب وأعضاءه الذي شكله الرئيس جمع فيه المداحّين والمنافقين والمداهنين والمتزلفين ليساعدوه في مراقبة افراد المجتمع تجاه سياسته وخنوعهم له بدءً من الخلية الأولى (الأسرة) ومروراً بالمجتمع المحلي – الجيرة وصولاً الى المؤسسات الحكومية والأهلية والجامعات والكليات.

   هؤلاء ليس لديهم احياء سكنية خاصة بهم إنما لديهم مواقع متميزة في دوائر الدولة مع حصولهم على امتيازات مادية ومعنوية لا يحصل عليها إلا الحزبي

 2 – الجماعة الوسطى Middle group

   هذه الجماعة على الرغم من أهميتها وخدمتها في المجتمع إلا ان النخبة الحاكمة لا ترغب بها لأنها تملك الحس الوطني والوعي السياسي والثقافة النيرة والعلم والمعرفة فأبعدتها وهمشتها وأسكتت أصواتها.

3 – الطابق السفلي: الذي يمثل القاعدة الكبرى والواسعة من جماهير الدهماء Lower masses يتفرع منهم ثلاثة فروع Upper – lower masses الذي يضم أصحاب الدخول المحدودة والثابتة من الموطنين والمعلمين والمدرسين. ثم هناك middle – lower masses الوسط من الدهماء الذين هم من العمال والفلاحين والكسبة.

  أخيراً lower – lower masses الجمهور السفلس من الدهماء الذين هم من الأميين الذين تعدادهم يصل الى المليون عربي أمي لا يعرف القراءة والكتابة.

   هذه هي الصورة العامة عن التركيبة الهيكلية الاجتماعية العربية في الوقت الحاضر لا صلة لها بالخلفية التاريخية قبل استقلال البلاد العربية من السيطرة الأجنبية.

  أنه هيكل غير مترابط ومتسلسل لا توجد قنوات رسمية أو مدنية مفتوحة بينهم ولا توجد تنظيمات وسطية توصل معاناة ومطاليب الدهماء بل مُستغَلِين من قبل السلطة والمال.

  باختصار شديد ان المجتمع العربي من زاوية موضوع التدرج الاجتماعي لا يتضمن هذه التدرج السائد في المجتمعات المتحضرة والمتطورة لأن الفئة الحاكمة التي تمارس عملها وكأنها زمرة إجرامية منظمة متسترة بستار الحكومة والدولة متمسكة بالتقاليد البالية الموروثة من أجيال سالفة وبالتعاليم الدينية التي تضلل الدهماء من أجل تقييدهم وتخويفهم ولجمهم وتعتيم بصائرهم لكيلا يحاججوهم ويحاسبوهم أو يثوروا عليهم معنى ذلك الفئة الحاكمة أكبر معوق ومانع للتقدم والتحضر لأبناء شعبهم وانه من صالحهم ان يبقوا متخلفين غير متنورين لا يفرقون بين المرض والظلم كلاهما تعودا عليهما فباتت حياتهم رتيبة وبطيئة لا تميل للتغير والتنوع.

6 / خ – امثلة عربية ميدانية لبعض الدول العربية

    تضمن جماعتين رئيسيتين هما: الزمرة الحاكمة المالكة للسلطة والنفوذ وهي صغيرة الحجم. والقاعدة الجماهيرية الواسعة المحكومة والغير مالكة للسلطة والنفوذ. وما بين الزمرة الحاكمة والجماهير المحكومة هناك جماعة وسطية مغيب دورها من قبل الزمرة الحاكمة.

1 – العراق

  استعرض الان نماذج من “حكم النخبة Elitism” التي صنّعت طوابق الهيكل الاجتماعي في بعض البلدان العربية أبدأها بالعراق

الطابق العلوي: يتمثل في “صدام حسين” رئيساً للجمهورية وهو من قرية العوجة – مدينة تكريت من عائلة تربي الأغنام

 منحدر من عائلة فقيرة حاصل على التعليم الثانوي.

أ – الطابق الأعلى من العلوي

  1 – عدي أبن لصدام: رئيس فدائي صدام واللجنة الأولمبية الوطنية العراقية ورئيس قناة الشباب التلفزيونية وجريدة بابل.

2 – قصي أبن لصدام: قائد الحرس الجمهوري والأمن الخاص وعضوية القيادة القطرية في حزب البعث والنائب الثاني للرئيس العراقي في أمانة سر المكتب العسكري.

3 – سبعاوي أخ لصدام: مدير الأمن العام.

4 – برزان أخ لصدام: رئيس دائرة الاستخبارات.

5 – وضبان أخ لصدام: وزير الداخلية.

6 – عدنان خير الله: وزير الدفاع.

7 – حسين كامل: رئيس التصنيع العسكري.

ب – الطابق الأوسط من العلوي: ويضم

1 – جمال مصطفى التكريتي: رئيس القوة الخاصة للرئيس والحرس الجمهوري والحرس الجمهوري الخاص.

2 – عبد حمود التكريتي: السكرتير الخاص للرئيس.

3 – صدام كامل مجيد: رئيس حماية الرئيس.

4 – أرشد ياسين.

5 – سلطان هاشم أحمد.

6 – ماهر عبد الرشيد.

7 – نوري فيصل شاهر الحديثي.

8 – كامل ياسين.

ت – الطابق السفلي من العلوي: ويضم قادة حزب البعث وهم

 1 – طه ياسين رمضان: عريف بالجيش ونائب رئيس الجمهورية.

2 – سعدون حمادي: وزير رئيس المجلس الوطني.

3 – عزت مصطفي: بائع متجول لم يفلح في دراسته الابتدائية ووزير.

4 – محمد حمزة: موظف صحي ورئيس الوزراء.

5 – طارق عزيز: مدرس ثانوية ووزير.

6 – ناظم كزار: طالب في المعهد الصناعي، مدير الأمن العام.

    ثم جاءت نخبة حاكمة نصّبها الاحتلال الأمريكي عام 2003 وعززها النظام الإيراني جميعهم من الفاسدين والمحتالين والفاشلين ليس لهم أي تقدير شعبي بل معزولين عن المجتمع العراقي لا يملكوا الانتماء الطبقي ولا الوعي والإدراك والعضوية والفكر الطبقي من المتسكعين في شوارع ومقاهي أوروبا ثم فرضهم على المجتمع العراقي ليحكموه ليس لديهم ظهير أو التزام طبقي قاموا بتفكيك مفاصل الانساق البنائية وسرقوا ونهبوا المال العام باسم المسئولية الزائفة، قتلوا وشردوا وهجروا المثقفين والعلماء وأصحاب الخبرة المهنية وأفقروا أصحاب الدخول الثابتة ففاقموا حجم الدهماء.

   لتوضيح هذه النخبة الحاكمة نقدم وصايا حاكم العراق الأمريكي “بول بريمر” للسفير الأمريكي في العراق “نيغرو بونتي” للتعريف بنوعيات هذه النخبة التي لا تمثل الطبقة الاجتماعية.

     هذه هي الوصايا حسب ما اوردتها الواشنطن بوست والصحف الامريكية :

1 – إياك ان تثق بأي من هؤلاء الذين أويناهم واطعمناهم نصفهم كذابون والنصف الاخر لصوص .

2 – مخاتلون لا يفصحون عما يريدون ويختبؤون وراء اقنعه مضلله .

3 – يتظاهرون بالطيبة واللياقة والبساطة والورع والتقوى وهم في الحقيقة على النقيض من ذلك تماماً فالصفات الغالبة هي الوضاعة والوقاحة وانعدام الحياء .

4 – أحذر ان تغُّرك حشرة الوداعة الناعمة فتحت جلد هذا الحمل الذي يبدو  حميماً وأليفاً ستكتشف ذئباً مسعوراً لا يتردد في قضم عظام امه وابيه ووطنه الذي يأويه.  وتذكر دائماً ان هؤلاء جميعاً سواء الذين تهافتوا على الفُتات منهم او الذين التقطناهم من شوارع وطرقات العالم هم من المرتزقة ولائهم الأول والأوحد لأنفسهم .

5 – حاذقون في فن الاحتيال وماكرون كما هي الثعالب لأننا ايضاً دربناهم على ان يكونوا مهرجين بألف وجه ووجه .

6 – يريدون منا ان لا نرحل عن العراق ويتمنون ان يتواجد جنودنا في كل شارع وحي وزقاق وان نقيم القواعد العسكرية في كل مدينة وهم مستعدون ان يحولوا قصورهم ومزارعهم الت اغتصبوها الى ثكنات دائمة لقواتنا لأنها الضمانات العملية الوحيدة لاستمرارهم على رأس السلطة وهي الوسيلة الوحيدة المتوفرة لبقائهم على قيد الحياة لذلك تجد هذه الوجوه تمتلئ رعباً ويسكنها الخوف المميت لأنها تعيش هاجساً مرضياً هو (فوبيا انسحاب القوات الامريكية) الذي لا ينفك عنها ليلاً ونهاراً وقد اصبح التشبث ببقاء قواتنا احد ابرز محاور السياسة الخارجية لجمهورية المنطقة الخضراء .

7 – يجيدون صناعة الكلام المزوق وضروب الثرثرة الجوفاء مما يجعل المتلقي في حيرة من امره وهم في الاحوال كلها بلداء وثقلاء وليس بوسع احد منهم ان يحقق حضوراً حتى بين اوساط زملائه واصحابه المقربين .

8 – فارغون فكرياً وفاشلون سياسياً لن تجد بين هؤلاء من تمليك تصوراُ مقبولاً عن حل لمشكلة او بيان رأي يعتد به إلا ان يضع مزاجه الشخصي في المقام الاول تعبيراً مرضياً عن انانية مفرطة او حزبية بصرف النظر عن أي اعتبار وطني او موضوعي .

9 – يعلمون علم اليقين بأنهم معزولون عن الشعب لا يحظون بأي تقدير او اعتبار من المواطنين لأنهم منذ الأيام الاولى التي تولوا فيها السلطة في مجلس الحكم الانتقالي المؤقت اثبتوا انهم ليسوا اكثر من مادة استعمالية وضعية في سوق المراهنات الشخصية الرخيصة .

10 – يؤمنون بأن الاحتيال على الناس ذكاء وان تسويف الوعود شطارة والاستحواذ على اصول الغير واغتصاب ممتلكات المواطنين غنائم حرب لذلك هم شرهون بأفراط تقودهم غرائزية وضيعة وستجد ان كبيرهم كما هو صغيرهم دجالون ومنافقون ، المعمم الصعلوك والعلماني المتبختر سواء بسواء ، وشهيتهم مفتوحة على كل شيء الاموال العامة والاطيان واقتناء القصور والعربدة المجنونة،  يتهالكون على الصغائر والفُتات بكل دناءة وامتهان وعلى الرغم من المحاذير والمخاوف كلها …

     فإياك ان تفرط بأي جهنم لأنهم الأقرب الى مشروعنا فكراً وسلوكاً وضماناً مؤكده لإنجاز مهمتنا في المرحلة الراهنة وان حاجاتنا لخدماتهم طبقاً لاستراتيجية الولايات المتحدة ما زالت قائمة وقد تمتد الى سنوات اخرى قبل ان يحين انتهاء صلاحيتهم الافتراضية بوصفهم ( مادة استعمالية مؤقتة ) لم يحن وقت رميها او اهمالها بعد.

2 – سوريا

 نستعرض الان نماذج النخبة في سوريا:

1 – ماهر الأسد (شقيق الرئيس).

2 – آصف شوكت (زوج بشرى شقيقة الرئيس) يشغل منصب رئيس هيئة الأركان لشؤون المعلومات والاستخبارات وكان يشغل سابقاً رئيس شعبة الأمن العسكري.

3 – محمد مخلوف (خال الرئيس).

4 – رامي مخلوف (أبن محمد مخلوف أي أبن خال الرئيس) رجل اعمال.

5 – العميد حافظ مخلوف أبن محمد مخلوف وشقيق رامي (أبن خال الرئيس) وهو من كبار ضباط إدارة المخابرات العامة.

6 – بثينة شعبان (علوية) مستشارة الرئيس السياسية والإعلامية.

7 – اللواء عبد الفتاح قدسية (علوي) مدير شعبة الأمن العسكري.

8 – اللواء محمد ديب زيتون (علوي) رئيس مكتب الأمن الوطني.

9 – اللواء جميل حسن (علوي) رئيس جهاز الأمن السياسي.

10 – اللواء محمد ناصيف (علوي) مساعد نائب رئيس الجمهورية فاروق الشرع.

11 – اللواء ماهر الأسد، قائد الفرقة العسكرية الرابعة شقيق الرئيس بشار.

14 – العماد داوود راجحة، وزير الدفاع.

15 – اللواء محمد إبراهيم الشعار، وزير الداخلية.

16 – اللواء عبد الفتاح قدسيه، مدير المخابرات العسكرية.

17 – اللواء رستم غزاله، رئيس جهاز المخابرات العسكرية.

18 – العقيد حافظ مخلوف، ابن خال بشار، رئيس وحدة المخابرات العامة.

19 – منذر جميل الأسد، ابن عم بشار، رجل اعمال.

20 – ذو الهمه شاليش، رئيس الأمن الرئاسي.

3 – اليمن

  أما في اليمن فإن أبناء وإخوة وأقارب الرئيس عبد الله صالح تبوؤا المناصب العليا التالية:

1 –  أحمد علي عبد الله صالح (الأبن) قائد الحرس الجمهوري والقوات الخاصة.

2 – يحي محمد عبد الله صالح (أبن الأخ) رئيس أركان الأمن المركزي.

3 – طارق محمد عبد الله صالح (ابن الأخ) قائد الحرس الخاص.

4 – عمار محمد عبد الله صالح (أبن الأخ) وكيل جهاز الأمن القومي.

5 – علي حسين صالح الأحمر (الأخ غير الشقيق) قائد الفرقة الأولى.

6 – علي صالح الأحمر قائد القوات الجوية وقائد اللواء السادس (طيران).

7 – توفيق صالح عبد الله صالح (أبن الأخ) رئيس شركة التبغ والكبريت الوطنية.

8 – أحمد الكحلاني (أبو زوجة الرئيس الرابعة) أمين عاصمة ثم وزير.

 9 – عبد الرحمن الأكوع (شقيق الزوجة الثالثة) محافظ ثم وزير.

10 – عمر الأرحبي (شقيق زوج الأبنة) مدير شركة النفط اليمنية.

11 – عبد الكريم إسماعيل الأرحبي (عم زوج الأبنة) نائب رئيس الوزراء ووزير التخطيط، مدير الصندوق الاجتماعي للتنمية.

12 – خالد الأرجي (زوج الأبنة) مدير القصور الرئاسية.

13 – عبد الوهاب عبد الله الحجري (شقيق الزوج الثانية) سفير اليمن في واشنطن.

14 – خالد عبد الرحمن الأكوع (شقيق الزوجة الثالثة) وكيل وزير الخارجية.

15 – عبد الخالق القاضي (أبن خال الرئيس) رئيس الخطوط الجوية اليمنية.

16 – عبد الله القاضي (نسب) قائد لواء المج في تعز.

17 – علي أحمد دويد (زوج الأبنة) شؤون القبائل.

18 – نعمان دويد (أخو زوج الأبنة) محافظ صنعاء.

19 – كهلان مجاهد أبو شوارب (زوج بنت الرئيس) محافظ عمران.

 4 – تونس

أما في تونس، استحوذت زوجة الرئيس زين العابدين بن علي واخوانها على شركات الطيران ومصانع السيارات ووكالات توزيع السيارات مثل سيارات فورد.

ث – الطابق الهيكلي السفلي

  هي من الدهماء التي تقابل الطبقة الدنيا والفقيرة في التدرج الاجتماعي. أنهم الأغلبية الساحقة في المجتمع العربي ليس لديها امتيازات ولا سلطة ولا يقودها قائد بل تسير مع سير الماء ليس لديها تحليل للمواقف التي تواجهها يرددون نفس الشعارات والأفكار والأقوال التي ينادي بها الحاكم وسدنته وزبائنه. لذلك سلوكها لا ينطبق على تفكيرها ولا ينبثق عن تشخيص ولا هو قائم على تحليل صائب بل نتحرك وفقاً لما يمثل الجو العام لا قدرة لها على اتخاذ القرار، أعضائها من الكادحين غير المنتجين لأنهم من الجهلة والأميين والمنتمين الى أقليات عرقية يعيشوا ليومهم ليس لديهم مصدر رزق ثابت أو يملكوا عقاراً. يستغلهم أبناء الطبقة الغنية والحاكمة في خدمتهم وابقائهم على جهلهم وأمراضهم الصحية وفقرهم المدقع. حراكهم على السلم الاجتماعي يكون افقياً وليس عمودياً وغالباً ما يكون نسق قاعدتهم مغلقاً عليهم، أغلبهم من العمال الكسبة والفلاحين والعاطلين عن العمل والمستخدمين في دوائر الدولة والموظفين الصغار وأصحاب الحرف والعاملين المهرة وغير المهرة، يكون حراكهم الاجتماعي من نوع الأفقي وليس العمودي أي لا يسمح لهم بالوصول الى قمة الطابق الهيكلي بل يتحركوا ضمن طابقهم في زواجهم وعملهم واقامتهم ومناسباتهم الاجتماعية والدينية.

   واتكاءً على ما قدمت واستطردنا به أجد نفسي متساوقاً مع الإجابة على السؤال الذي طرحته في هذا الفصل السائل هل هناك تدرج طبقي واجتماعي في المجتمع العربي؟ جوابي هو: كلا لا يوجد ذلك التدرج بنوعيه الطبقي والاجتماعي بل هناك في الوقت الحاضر هيكل اجتماعي مصنع وليس مولود ولادة طبيعية من رحم المجتمع العربي.

الفصل السابع

عدم استواء طبقات الأمم

استهلال

7 / أ – طبقات الأمم في القرن الحادي عشر ميلادي للصاعد الاندلسي

7 / ب – نشؤ طبقات الأمم الحديثة

7 / ت – آليات الاستعمار الجديد في الالفية الثالثة

7 / ث – فواعل العولمة الثانية في نشوء طبقات الأمم الحديثة

       1 – العولمة الثانية… ما هي؟

       2 – تبلور شركات متعددة الجنسيات

7 / ج – تأويلات نظريات علم الاجتماع

     1 – النظرية الوظيفية

     2 – النظرية الصراعية

7 / ح – طبقات الأمم في عصرنا الحالي

     1 – بلدان ذات دخل عالٍ

     2 – بلدان ذات دخل متوسط

     3 – بلدان ذات دخل واطئ أو متدني

7 / خ – نظريات طبقات الأمم

     1 – نظرية الحداثة

     2 – نظرية التبعية

     3 – نظرية تقسيم العمل الجديد بين الأمم

7 / د – اقتصاد العالم الرأسمالي

7 / ذ – دور الأمم الغنية في التنمية العالمية

7 / ر – عواقب عدم الاستواء بين طبقات الأمم

       1 – السكان

       2 – الصحة والبيئة

       3 – التعليم والأمية

       4 – عدم استواء النوع الجنسي (الجندر)

       5 – الحرب والإرهاب

7 / ز – مستقبل عدم الاستواء الأممي.

الفصل السابع

عدم استواء طبقات الأمم

 

استهلال

 نقصد بطبقات الأمم تدرج المجتمعات الإنسانية حسب تفوقها العلمي والتكنولوجي والمالي والعسكري والنفوذي على المجتمعات الفاقدة لهذا التفوق المتميز المصحوب باستغلال ما تملكه على الأمم التي لا تملكه مبتزة مصادرها الطبيعية والبشرية لخدمة منافعها المتفوقة بها.

   بعبارة أخرى يشير هذا العنوان بالدرجة الأساس الى مشكلة علائقية تعكس هيمنة المستغِل بالمستغل اقتصادياً وتقنياً وعلمياً. لكل مجتمع انساني تدرجه الاجتماعي العاكس لطبيعة تطوره في الحركة التغيرية بغض النظر عن كونه بدوي أو ريفي أو حضري أو صناعي أو معلوماتي (أي التدرج) يمثل ظاهرة اجتماعية ملازمة لتوزيع مكانات وأدوار افراده المختلفة في شروطها ومعاييرها ونفوذها لا تمثل مشكلة اجتماعية كبرى.

   لكن إذا رافقه أو أقترن معه استغلال وابتزاز واستبعاد وتهميش واحتيال وظلم من قبل شاغلي المراتب أو المناصب العليا للأدنى، فإن ذلك يمثل مشكلة اجتماعية تعيق حيوية الحراك الاجتماعي أي عدم السماح لصعود الأفراد على السلم الاجتماعي حسب جدارتهم وكفاءتهم ومؤهلاتهم وذكائهم في الوجود الاجتماعي عندئذٍ تحت حالة من التصلب التدرجي لأنه يقمع المنافسة الحرة بين الأفراد في خدمة مجتمعهم الذي بدوره يولد بداية الصراع المستتر يتحول فيما بعد الى صراع معلن وتغيير في مناصب ومراتب التدرج.

   لأن كل تدرج اجتماعي يعني التفاوت والاختلاف في ثروة ونفوذ وسلطة الأفراد التي تكون بمثابة مهماز (دافع) لإثبات الجدارة والكفاءة واللوذعية الذاتية والتخطيط للمستقبل يمنح صاحبه الشعور بالزهو والتميز الشخصي في الأداء الذكائي القائم على المنافسة الحرة واحياناً غير الحرة من أجل الحراك الاجتماعي. هذا النشاط الحيوي ينتج التدرج الاجتماعي المدعوم بالمعايير الثقافية التقليدية المعززة بالخلفية التاريخية للأسرة والمكانة الاجتماعية لها، لذا نقول عنها بإنها إحدى صور الطبيعة البشرية لا يمكن تصديها أو قمعها أو إيقافها، لكن إذا حصل ذلك بانه سوف يتخذ شكلاً أخر مثل الاستحواذ والاستيلاء القسري (العسكري أو السياسي او القبلي أو الطائفي).

   هذه الصورة الفردية – الشخصية تقابلها صورة الشركات العالمية الكبرى في الصناعة والحكومات والدول والأمم التي تبحث عن مصادر الثروة الطبيعية والهيمنة العسكرية والتسلط لكي تتميز عن غيرها من دول العالم. معنى ذلك لا توجد موازنة أو مساواة متكافئة في منافسة الدول والأمم سياسياً وثقافياً واقتصادياً لأن للدول وللمجتمعات أطماع وتطلعات تبحث عن مصادر لارتقائها وسموها وتميزها وهيبتها في كل مرحلة من مراحل حركتها لا تريد السكون والركود لأن ذلك يعني خمولها وضعفها وعدم طموحها في التوسع والارتقاء على السلم (التدرج) العالمي وعدم احتكاكهم مع العالم الأخر مما يدفع ويشجع الأمم الأخرى بالتسابق معها في استغلال الدول الخاملة أو المتخلفة التي تملك المصادر الطبيعية الغنية.

    ولما كانت الأمم والشعوب غير متساوية في ثرواتها وسياساتها ونفوذها في كل المراحل التطورية فإنه يكون تحصيل حاصل طمع الدول المحتاجة الى المصادر الطبيعية الغنية التي غالباً ما تكون غير قادرة على استغلالها أو غير ممتلكة ناصية العلم في استخراجه والاستفادة منه وهذه احدى الصور الكبرى للطبيعة البشرية، أعني التدرج المتراتب في درجاته ومقاماته ومكاناته وأدواره.

    ولا غرابة أو تعجب من وجود تدرج (ضمني) داخل كل مجتمع وأمّة ولا نستغرب من وجود تدرج (بيني) بين المجتمعات والأمم والدول. أعني عدم المساواة في الدخل والثروة والنفوذ والسلطة المدفوعة من قبل تحسين مستوى العيش والمنافسة وعدم الثبات وهذا لا يحصل إلا عند أصحاب العقول المتفتحة والمحنكة مع العالم الخارجي واكتساب الثقافة الأجنبية وهجرة المعتقات التقليدية الموروثة وتبني النظريات المادية والابتكارات التكنولوجية.

    زبدة القول هو أن التفاوت والاختلاف في مراتب الأفراد والأمم يمثل حالة طبيعية في حياتهم، إذا لم يكن مبنياً على الاستغلال الوظيفي والابتزاز المالي والتسلط السياسي والتهميش العرقي والاستبعاد القسري لمنع حركة التقدم والحراك الاجتماعي وسلب الحقوق والتركيز على الواجبات لأن المنافسة بين الأفراد والأمم في تحسين مستوى عيشهم تمثل حالة طبيعية من أجل تقدم المجتمع إذا لم يتم فيها حالة الاستغلال والابتزاز والتسلط والتهميش والاحتيال والاستبعاد والنزعة الفردية التي تتحكم في حراك الناس على التدرج التطوري تصل احياناً الى القتل والاستعمار والاحتلال والحروب عندها تحصل حالة مرضية (باثولوجيه) ضد الإنسانية ومعادية للمشروعية التطورية.

    من المواضيع الاجتماعية التي تدرس الوحدات الاجتماعية الصغرى في حجمها (الفرد، الأسرة، الجماعة، الزمرة والعصابة الإجرامية) والوحدات الاجتماعية الكبرى في حجمها (مثل المجتمع الأكبر والسكان والمجتمع الكوني والحضارة) هو التدرج الاجتماعي للأفراد والطوائف الدينية والأعراق الأثنية والطبقات الاقتصادية والأحزاب السياسية وسواها محدداً مواقعهم وأدوارهم ومصالحهم وغاياتهم ونفوذهم وسلطتهم وثرواتهم ومناطق سكناهم وأعمالهم المهنية. فهو إذن (التدرج الاجتماعي) فريد في طبيعته وشكله بين مواضيع علم الاجتماع لأنه يدرس الماكرو والمايكرو بذات الوقت ممثلاً العمود الفقري للمجتمع والخارطة الاجتماعية الفردية والفئوية.

    عادةً ما تكون في قمته افراد او فئة يحتلوا مكانات مرموقة في ثروتها وسطوتها وتحكمها على باقي الدرجات التي أدنى منها ولا تسمح لشاغليها بالارتقاء الى قمتهم وفي القاعدة (أي قاع التدرج) تقبع فيه أغلبية كبيرة من أفراد المجتمع لا يملكون الثروة والجاه والسلطة والنفوذ بل يتصفوا بالأمية والجهل والفقر والجوع والحرمان يُمنع صعودها الى درجات أعلى من قاعدتهم – في أغلب الأحيان – يتحكم بهم أصحاب القمة والمحيطين بهم من زبائنه وبطانة منافقة.

   وما بين القمة والقاعدة هناك درجات متراتبة مختلفة في مراكزها وأدوارها ونفوذها وسلطتها. يطغي على هذا التدرج حراك اجتماعي أغلبه أفقي الحراك وبعضه عمودي الاتجاه. غالباً ما يتأثر هذا الحراك بالمؤثرات الخارجية بالدرجة الأساس مثل الابتكارات العلمية والتكنولوجية والسيطرة الأجنبية – الاستعمارية – إضافة الى المؤثرات الداخلية مثل الثورة السياسية أو الانقلابات العسكرية أو الاكتساب الثقافي – التربوي واحياناً تتضافر المؤثرات الخارجية مع الداخلية في تغيير التدرج الاجتماعي فيجعل القاعدة في القمة والقمة في القاعدة عند حدوث ثورة جماهيرية عارفة.

   جدير بذكره في هذا السياق ان جميع المجتمعات الإنسانية بدءً بالبدوية ومروراً بالريفية وصولاً للحضرية والصناعية انها تمتلك تدرجاً اجتماعياً خاصاً بها وبمرحلتها التطورية. ولما كان المجتمع يتصف بالحيوية وليس بالسكونية فإن هذا التدرج يتغير بين الفينة والأخرى فلا يوجد تساوٍ وتوازن في درجاته لأن الإنسان جُبّلَ على التطلع للأحسن والمنافسة الحرة – واحياناً غير حرة – وعدم الانزواء والانسحاب من حركة المجتمع.

   ومن نافلة القول ان دراسة طبقات الأمم تمثل موضوعاً اجتماعياً صرفاً لأنه يكشف عن ظاهرة مجتمعية ذات أبعاد واعماق إشكالية مستترة وظاهرة تعد بالصراعات ذات المدى البعيد مثل صراعات طبقية أو دولية أو معسكراتية أو عقائدية وهنا استحضر كلام عالم الاجتماع البريطاني المعاصر “انتوني جيدنز” عندما قال: “إن الباحث الاجتماعي الذي يدرس مثل هذه المواضيع فإنه يمثل عصره الذي تسوده تغيرات كونية في مجال الاتصالات والثقافة المتنامية والتكنولوجية أكثر من الباحثين الذين يدرسون السلوك المنحرف والطلاق وجنوح الاحداث والادمان على المخدرات وسواها.” [العمر. 2001. ص. 94]

    معنى ذلك هناك تميز بين الباحثين الاجتماعيين الذين يدرسون مشاكل فئوية محلية خارجة عن الأعراف الاجتماعية ذات تأثير سلوكي محدود (داخل الأسرة أو المدرسة أو الجيرة) وباحثين اجتماعيين يدرسوا معاناة مجتمع يتألف من ملايين من الأفراد يُمارس عليهم الجور والظلم من حكامه وحكام القوى السياسية والتجارية الأممية في تجريدهم من ثقافتهم التقليدية أو من حرمانهم من الثقافة التقنية المعاصرة وفرض عليهم ضرائب ثقيلة وتقنين فرص العمل وتفشي الأمراض والفقر المدقع عندهم. هنا تكمن أهمية المجموعة الثانية أكثر من المجموعة الأولى من الباحثين الاجتماعيين إنما كليهما يحتاجها علم الاجتماع لكن عندما تكون المشكلة أكبر حجماً من تأثيرها وسلبياتها على السكان عندئذٍ تعطى أولوية للباحثين الاجتماعيين الدارسين لمعاناة المجتمع بأكمله في الأهمية والاهتمام.

7 / أ – طبقات الأمم في القرن الحادي عشر الميلادي للصاعد الأندلسي

   جُبِّلَ علماء الاجتماع الأوروبيين على دراسة الصراعات الطبقية وانكب اهتمامهم على دراسة التدرج الاجتماعي هادفين بها التعرف على التدرجات المكانية والانقسامات الطائفية والمواقع العرقية والفوارق الطبقية والفجوات الجبيلية داخل المجتمع الواحد. برز الفريق الأول بتحديد طبقتين رئيسيتين في المجتمع الصناعي الرأسمالي هما الطبقة العمالية وطبقة أصحاب رؤوس الأموال بينما حدد الفريق الثاني تسع طبقات في المجتمع الأمريكي. كلا الفريقين استخدما مقياس الدخل والثروة وامتلاك الأرض في تفريقهم بين الأغنياء والفقراء ولما ساد العالم السيطرة الاستعمارية في القرن التاسع عشر والعشرين برزت كتابات تفرق بين الدول الغنية المستعمِرة (دول المركز) والدول الفقيرة المُستعَمرة (دول المحيط) عندها ظهرت كتابات في العقد الأول من العقد الحادي عشر والعشرين تحمل عنوان (التدرج العولمي Global stratification) مصنفين دول العالم حسب ثروتهم ونفوذهم على باقي دول العالم، لم يستخدموا معيار أو مقياس التقدم العلمي والابتكارات التكنولوجية في تصنيفهم للدول.

   لكن كان هناك عالم عربي اسمه “القاضي أبي القاسم صاعد بن أحمد بن عبد الرحمن التغلبي المعروف بصاعد الأندلسي” ألف كتاب يحمل عنوان “طبقات الأمم” صدر عام 1068م، 460 هـ أي قبل 951 سنة. ميز بين الأمم العالمة والأمم غير العالمة التي اقتصرت على الحذاقة الجسدية كالاشتهار بالشجاعة والاتقان الحرفي والصناعة والرسم. بمعنى كان مستخدماً العلم والنشاط الذهني كدور حاسم في رفع مستوى الأمة الى مصاف الطبقة الوسطى. ووضع الابتكار اليدوي الصناعي في المرتبة الثانية مثل الصين والترك لأنهما لم يعتنيا بالعلوم.

     في الواقع كانت غاية “صاعد الاندلسي” التعريف بأهم الأمم التي اعتنت بالعلوم وهي حسب احصائه وذاك في القرن الحادي عشر ميلادي 1068 م هم (الفرس، الهنود، الكلدانيون، المصريون، اليونانيون والعرب). أما الصين فليس لهم اهتمام بالعلوم حيث قال عنهم: “وحضهم من المعرفة اتقان الصنائع العملية واحكام المهن التصويرية، فهم اصبر الناس على مطاولة التعب في تجويد الاعمال ومقاسات في تحسين الصنائع”.

    هذه في الواقع التفاتة ذكية من عالم عربي عاش قبل تسع قرون ونصف من الزمن، صنف الأمم حسب نشاطها الذهني واعتنائها بالعلم الإبداعي مفضلها على الأمم اتي تعتمد على النشاط اليدوي واقتصارها على الحذاقة الجسدية والاشتهار بالشجاعة واتقان الحرف والرسم.

   مثل هذا المعيار الذهني لم يستخدم في تحديد التدرج الاجتماعي بين الأمم من قبل علماء الاجتماع الغربيين بل خضعوا لمؤثرات عقائدية (ماركسية ورأسمالية) في ذلك ولم يهتموا بالنشاط الذهني والعلمي بل اعتمدوا على الدخل والثروة المادية والسلطة والنفوذ واستغلال القوي للضعيف والأمم القوية واستغلالها للأمم الضعيفة والغنية. لم يتطرق “صاعد الأندلسي” لاستغلال الأمم العالمة للأمم غير العالمة بل تطرق وأهتم بإنجازها العلمي ودرجته في خدمة الأمم وميزه عن الإنجاز غير العلمي المقتصر على الحذاقة الجسدية والاشتهار بالشجاع واتقان الحرف.

   أنه تصنيف علمي وإنساني متمدن تم طرحه من قبل عالم عربي قبل تسع قرون ونصف سبق فيه علماء الاجتماع الغربيين وهم في القرن الحادي والعشرين في نظرتهم لتدرج الأمم.

   بعد هذا الاستهلال أدلف الى ما قاله “صاعد الأندلسي” في كتابه “طبقات الأمم”

بلورت الثقافة العربية والإسلامية في العصر الوسيـط أطرها المرجعيـة التي حددت فيها معايير للنظر الى الآخر شريكها في عمارة العالم، ورسمت انطلاقاً من ذلك صورة متخيلة عن العالم والحضارات والأمم الأخرى الإسلامية. وقد بـسط صاعد الأندلسي المولود عام 1029م، في كتابه (طبقات الأمم)، تأملاته عن الحضارة، انطلاقاً من المفاهيم التي بثتها الثقافـة العربية الإسلامية، القائمة على بيان ما تنفرد به كل مدينة، وإقليم، وأمة من خاصية تميزها عن مثيلاتها، أو استمراراً لما زرعه المفكرون السابقون، كالجاحظ، والتوحيدي من أطروحات في مجال (فلسفة الحضارة)، وقد أغفل صاعد العامل الديني في تقويمه أدوار الأمم في مجال الحضارة، إذ وضع سلّماً ومراتب لرقي الأمم قياساً على تقدمها في مجال العلم وحسب، فأرجع التفاضل الحضاري بين أمة وأخرى، على مقدار ما تقدمه كل منها من إبداع في مجال العلوم الذهنية والفلسفية، وأبعد الدين من مجال التفاضل الحضاري، وحصره في مجال تفاضل الإيمان، كما أهمل المهارات اليدوية والبدنية المُعبر عنها في الحرف والصنائع.

وعلى هذا استبعد الصين، من مجموعة الأمم المبدعة في مجال العلوم، التي هي عنده المعلم الأول للحضارة، لذا وضع الصين في الطبقة الثانية من الأمم التي اشتهرت في مجال الإبداع الحرفي اليدوي، بينما وضع الهند في المرتبة الأولى، أي في مصاف الأمم (العالمة).

أشار صاعد، في البداية، الى أن التنوع بين الأمم إنما يـقوم على اختـلافها في مشارق الأرض ومغاربها، وجنوبها وشمالها، وإن كانوا نوعاً واحـداً، فإنهم يتميزون بثلاثة أشياء: الأخلاق، والصور، واللغات. وهذا التمايز بين الأمم لا يمت بصلة الى أحكام التفاضل. فالاختلاف في اللغة والصورة والأخلاق، أي السلوك، لا يتضمن حكماً قيمياً، إنما هو حكم وجود وحسب، وعلى أساس هذا الحكم التقريري، ذكّر “صاعد” بـ “أن الناس كانوا في سالف الدهر، وقبل تشعب القبائل واختراع اللغات، سبع أمم”.

وهي “أمة الفرس، وأمة الكلدان التي تتضمن العـرب، والأمـة الثالثـة تجمع اليونان والروم والإفرنجة والجلالقة والبرجان والصقالبة والروس والبرغر (البلغار) واللان وغيرها من الأمم”، والأمة الرابعة: النبط وهي “أمة مصر وأهل الجنوب” ثم الأمة الخامسة: الترك، والسادسة: الهند والسند، والسابعة: أمة الصين. ثم دارت دورة الزمن فتشعبت تلك الأمم السبع، حيث “تشعبت لغاتهم وتباينت أديانهم، وانقسموا الى أمم شتى”.

ثم أخضع “صاعد” هذه الأمم الى الحكم التفاضلي، وذلك بوضعها في طبقتين، فهناك طبقة الأمم العالمة، التي تحتل عنده المرتبة الأولى في مجال الحضارة، أما الطبقة الثانية من الأمم فهي التي لم تستطع المساهمة في مجال الذهنيات والعلوم، واقتصر دورها على الحذاقة الجسدية، كالاشتهار بالشجاعة، والإتقان الحرفي والصناعي، والرسم، الخ. ونلاحظ، هنا، غياب المعيار الديني عن تقسيمه هذا، فهو يقول: “وجدنا هذه الأمم على كثرة فرقهم، وتخالف مذاهبهم طبقتين: فطبقة عنيت بالعلوم فظهرت منها ضروب العلوم، وصدرت منها فنون المعارف، وطبقة لم تعنَ بالعلوم عناية يستحق منها اسمه، وتعدّ بها من أهله، فلم ينقل عنها فائدة حكمة، ولا دونت لها نتيجة فكر”.

وعلى هذا المقياس، وضع الهند في قائمة الأمم (العالمة) واستبعد الصين، فالأمم التي عنيت بالعلوم، هي عند صاعد ثمانٍ، الهند، والفرس، والكلدانيون، والروم، ومصر والعرب، والعبرانيون. أما الطبقة الثانية من الأمم التي لم تعن بالعلوم، فهي بقية الأمم، ومنها: الصين، ويأجوج ومأجوج، والترك، وبرطاس، والسرير، والخزر، وموقان، وكشك، واللان، والصقالبة والروس، وأصناف السودان من الحبشة والنوبة والزنج وغانا، وغيرهم، فهؤلاء “لم يستعملوا أفكارهم في الحكمة ولا راضوا أنفسهم بتعلم الفلسفة”.

على رغم ما تشكو منه أطروحات صاعد من فجوات نظرية، إلا أنها تتميز بتجاوزها العامل الديني والعرقي واللغوي في أحكامها التفاضلية بين الأمم، إذ أعطت العلم والنشاط الذهني، دوراً حاسماً في رفع مستوى الأمة الى مصاف الطبقة الأولى، ووضعت الابتكار اليدوي الصناعي في المرتبة الثانية. أما في شأن أمة الهند، التي وضعها صاعد في الطبقة الأولى، فهي عنده “أمة كثيرة العدد عظيمة القدر فخمة الممالك، وقد اعترف لها بالحكمة وأقر لها بالتدبير في فنون المعرفة جميع الملوك السالفة، والقرون الخالية”.

وللهند أيضاً “التحقق بعلم العدد، والأحكام بصناعة الهندسة، والخط الأوفى، والقدح المعلى من معرفة أحكام النجوم، وأسرار الفلك وسائر العلوم الرياضية، وبعد هذا فإنهم أعلم الناس بصنعة الطب، وأبصرهم بقوى الأدوية وطبائع المولدات، وخواص الموجودات، ولملوكهم السير الفاضلة والملكات المحمودة، والسياسات الكاملة. وأما العلم الإلهي، فهم يجمعون على التوحد لله والتنزيه له عن الإشراك به، ثم أمنهم مختلفون بعد ذلك في سائر أنواعه، فمنهم براهمة، ومنهم صابئة”.

أما الصين والترك فيضعهما في الطبقة الثانية من الأمم التي لم تعن بالعلوم، ويتحدث عن الصين فيصفها باتساع الملك، والثروة والصناعات، فهي “أكثر الأمم عدداً، وأفخمها ملكة، وأوسعها داراً، ومساكنها محيطة بمشارق الأرض المعمورة ما بين خط النهار الى أقصى الأقاليم السبعة في الشمال، وحظهم من المعرفة، التي بزوا فيها سائر الأمم، إتقان الصنائع العملية، وأحكام المهن التصويرية، فهم أصبر الناس على مطاولة التعب، وتجويد (إتقان) الأعمال وممارسات النصب في تحسين الصنائع”.

وقال بالترك، جيران الصين، والهند من الشمال والشرق، انهم “أمة كثيرة العدد أيضاً فخمة المملكة، ومساكنهم ما بين مشارب خراسان من مملكة الإسلام وبين مغارب الصين وشمال الهند الى أقصى المعمور في الشمال، وفضيلتهم التي برعوا فيها وأحرزوا بفضلها معاناة الحروب ومعالجة آلاتها، فهم أحذق الناس بالفروسية وأبصرهم بالطعن والضرب والرماية”.

ولعل مرد هذا التبخيس لدور الصين والترك وغيرهما في مجال العلم، يعود جزئياً الى تأثير (نظرية الأقاليم) البطليموسية، التي أعطت دوراً للموقع الذي تبعد فيه البلدان من خط الاستواء. لكن صاعد ميَّز داخل هذه الأمم بين أهل المدن وجوارهم أهل الحضر، وبين أهل الحضر والبادية، فأهل المدن وخدّامهم من أهل البادية، لا يخلون، حيث كانوا في مشارق الأرض ومغاربها وشمالها، من سياسة ملوكية تضبطهم وناموس إلهي يملكهم، ولا يشذ عن هذا النظام الإنساني إلا بعض قطعان الصحارى وسكان القنوات والفيافي، مُبرزاً بذلك دور (الدولة) كعلامة على تقدم الأمم، وأيضاً (شريعة) سماوية تحكم في ما بينهم. لعل تلك النظرة المفعمة بالنسبية الحضارية، قد انتقلت الى كل فروع المعرفة والثقافة العربية. [www.alhayat.com]

7 / ب – نشوء طبقات الأمم الحديثة

    هو عدم الاستواء الاجتماعي بين دول العالم المتضمن التفاوت والاختلاف والفوارق الطبقية والجور الاجتماعي وعدم التكافؤ، جميعها تعبر عن عدم الاستواء الاجتماعي بين الأفراد والجماعات والطبقات والدول والأمم. فقد تناولنا في الفصول السابقة مسببات الفوارق الطبقية والطائفية في عدة مجتمعات مختلفة. أما الآن وفي هذا الفصل سنتناول الفوارق بين الأمم وليس عند الأمة الواحدة بل عند الأمم من خلال زاوية تفوقها في الأسواق التجارية العالمية وامتلاكها للتكنولوجيا الحديثة على الأمم الفاقدة لها. في الواقع يرجع هذا التفوق الى صنفين من العوامل المؤثرة والمسؤولة عنها الصنف الأول يضم ما يلي: –

1 – الإرث الاستعماري.

2 – تبلور شركات متعددة الجنسيات.

3 – التحديث المتعصرن.

    أما الصنف الثاني فيشمل ما يلي: –

1 – الاختراعات الحديثة في الاتصالات الالكترونية الفورية.

2 – الثورة المعلوماتية وتقنياتها.

3 – شبكة المواصلات السريعة

4 – التكنولوجيا الحديثة المتقدمة.

   جميع هذه العوامل عملت على تقليص وانقباض سوق العمل التجاري العالمي مكانياً وذوقياً وتجارياً مما خلقت نوعين من الأمم الأولى مالكة للثروة والثانية فاقدة لها. البلدان المالكة هي الولايات المتحدة واليابان وسويسرا وبلجيكا والنرويج. إذن تفاوت أمم العالم في امتلاكها للثروة والتقدم التقني أرسى قواعد جديدة للتدرج العولمي في القرن الحالي.

    نتحول الان الى شرح العامل الأول المسؤول عن التفوق الدولي ألا وهو الاستعمار الذي يعني الاستحواذ السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتسلط الثقافي على مجتمع من قبل قوة أجنبية تحكمه لفترة طويلة من الزمن، بمعنى حكم الأجنبي. خير مثال على ذلك الامبراطورية البريطانية التي استعمرت معظم دول شمال افريقيا وجزء منها والهند ثم هناك الاستعمار الفرنسي الذي حكم الجزائر وتونس وباقي أجزاء شمال افريقيا. ومن نافلة القول أن علاقة الدولة المستعمرة بالمستعمرين أشبه بعلاقة الطبقة الرأسمالية المهيمنة على الطبقة البروليتارية (العمالية) حسب الرأسمالية المهيمنة على الطبقة البروليتارية (العمالية) حسب تشبيه (كارل ماركس).

 الاستعمار الجديد neocolonialism

هو استغلال الرأسمالية والعولمة والاستعمار الثقافي للتأثير على بلد نامٍ بدلًا من الأساليب الاستعمارية السابقة للسيطرة العسكرية المباشرة (الإمبريالية) أو السيطرة السياسية غير المباشرة (الهيمنة).

صُكَّ هذا المصطلح من قِبل الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر في عام 1956، واستُخدم لأول مرة من قبل كوامي نكروما لوصف حالة البلدان الأفريقية المارّة بعملية إنهاء الاستعمار في ستينيات القرن العشرين. نوقشت فكرة الاستعمار الجديد في أعمال المفكرين الغربيين مثل “جان بول سارتر” (الاستعمار والاستعمار الجديد، 1964 (ونعوم تشومسكي (اتصال واشنطن والفاشية في العالم الثالث، 1979م.

أصول: في أعقاب الحرب العالمية الثانية التي انتهت عام 1945، وبعد صدور ميثاق الأمم المتحدة، الذي دعا صراحة إلى الحرية وتصفية الاستعمار وضمان حق تقرير المصير للشعوب الواقعة تحت نير الاستعمار، نتج عن ذلك عدم أحقية أية دولة في استعمار دولة أخرى، وإخضاع شعبها لحكمها المباشر أو غير المباشر.

إلا أن دول الاستعمار القديم لجأت إلى ربط الدول التي كانت تستعمرها بمعاهدات واتفاقيات طويلة الأمد قبل خروجها عسكرياً منها. كرّست هذه الاتفاقيات الهيمنة الاقتصادية والفكرية وحتى السياسية حيث باتت الدول المستقلة حديثاً رهينة قرارها بشكل أو بآخر للدول التي كانت تستعمرها.

الهيمنة الاقتصادية الاستعمارية الجديدة

في عام 1961، فيما يتعلق بالآلية الاقتصادية للسيطرة الاستعمارية الجديدة، قال الثوري الأرجنتيني تشي جيفارا في خطابه كوبا: الاستثناء التاريخي أو الطليعة في الكفاح ضد الاستعمار؟ قال تشي جيفارا الثوري الأرجنتيني: نحن، المشار إليهم بلباقة باسم البلدان (النامية)، في الحقيقة، بلدان استعمارية أو شبه استعمارية أو تبعية. ونحن بلدان شُوهت اقتصاداتها بسبب الإمبريالية، التي طورت بشكل غير طبيعي تلك الفروع من الصناعة أو الزراعة اللازمة لاستكمال اقتصادها المعقد. إن (التنمية)، أو التنمية المشوهة، تجلب تخصيصًا خطيرًا في المواد الخام، وهو خطر يهدد جميع شعوبنا بالجوع. ونحن (الدول النامية) من لديهم أيضًا المحصول الواحد والمنتج الواحد والسوق الواحدة. منتج واحد يعتمد بيعه غير المؤكد على سوق واحدة تفرض الشروط. هذه هي الصيغة العظيمة للهيمنة الاقتصادية الامبريالية.

نظرية التبعية

 هي التوصيف النظري للاستعمار الاقتصادي الجديد. وهي تقترح أن يتألف النظام الاقتصادي العالمي من البلدان الغنية في المركز، والبلدان الفقيرة في الهامش. يستخرج الاستعمار الاقتصادي الجديد الموارد البشرية والطبيعية لبلد فقير ما لضخها إلى اقتصادات البلدان الغنية. وهي تزعم أن فقر البلدان الواقعة على هامش المنطقة نتيجة لتكامل هذه البلدان في النظام الاقتصادي العالمي. إن نظرية التبعية مستمدة من التحليل الماركسي للتفاوت الاقتصادي داخل النظام الاقتصادي العالمي، لذا فإن عدم نماء الدول الهامشية هو نتيجة مباشرة لنماء الدول في المركز. وتتضمن النظرية مفهوم شبه المستعمرة من أواخر القرن التاسع عشر. وتُناقِض النظرية المنظور الماركسي لنظرية التبعية الاستعمارية مع الاقتصاد الرأسمالي الذي يقترح أن الفقر مرحلة إنمائية في تقدم البلد الفقير نحو الاندماج الكامل في النظام الاقتصادي العالمي. وقد أثر أنصار نظرية التبعية، مثل المؤرخ الفنزويلي “فيديريكو بريتو فيغيروا” الذي بحث في الأسس الاجتماعية الاقتصادية للتبعية الاستعمارية الجديدة، على تفكير الرئيس السابق لفنزويلا، “هوغو تشافيز.”

الحرب الباردة

في الفترة الممتدة بين منتصف وأواخر القرن العشرين، وفي سياق الصراع الأيديولوجي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، اتهمت كل دولة ودولها التابعة بعضها بعضًا بممارسة الاستعمار الجديد في مساعيها الاستعمارية والمهيمنة. شمل الصراع حروبًا بالوكالة خاضتها دول عميلة في الدول المُنهى استعمارها. اتهمت كوبا وحلف وارسو ومصر تحت حكم “جمال عبد الناصر (1956-70) وآخرون غيرهم الولايات المتحدة بدعم حكومات معادية للديمقراطية لا يمثل نظامها مصالح شعوبها، والإطاحة بالحكومات المنتخبة (الأفريقية والآسيوية والأمريكية اللاتينية) التي لم تدعم المصالح الجغرافية السياسية للولايات المتحدة.

في ستينيات القرن العشرين، وتحت قيادة الرئيس “المهدي بن بركة“، اعترف مؤتمر القارات الثلاث الكوبي (منظمة التضامن مع شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية) بثورة معاداة الاستعمارية وأيدها كوسيلة للشعوب المستعمرة في العالم الثالث لنيل حقها في تقرير المصير، ما أغضب الولايات المتحدة وفرنسا. وعلاوة على ذلك، ترأس الرئيس “المهدي بن بركة” اللجنة المعنية بالاستعمار الجديد التي تناولت العمل تجاه حل تورط  القوى الاستعمارية في الأقاليم المُنهى استعمارها وقال إن الولايات المتحدة باعتبارها الدولة الرأسمالية الرائدة في العالم، هي عمليًا الفاعل السياسي الاستعماري الجديد الرئيسي. [https://ar.wikipedia.org]

  بغيتي هنا أن أوضح استهداف الاستعمار المرامي التالية: –

1 – الخضوع التام حيث يصادر الأقوى إرادة الأضعف تماماً ويملي على الأخير أغلب السياسات الخارجية والداخلية المهمة.

2 – التبعية حيث تصبح المستعمرة تابعة في سياستها للمستعمر.

3 – الحماية من أخطار معينة مقابل تنازلات معينة ومحدودة.

4 – تحالف الانداد لخدمة مصالح مشتركة.

5 – فتح أسواق جديدة لمنتوجاتها.

6 – تأمين أمني لإقليمها عبر السيطرة على بلاد ذات موقع استراتيجي.

    قبل الولوج الى صلب موضوع “طبقات الأمم” نشير الى حقيقة جوهرية مفادها انه في العقد الثامن من القرن العشرين حصل اختفاء العديد من الأمم التي تم استعمارها قبل الحرب العالمية الأولى وكان مرّد هذا الاختفاء الى تحقيق استقلالها السياسي من السيطرة الأجنبية وتأسيس حكومات خاصة بهم تحكم نفسها بنفسها، لكن في الواقع لم تكن هذه البلدان مهيئة ومستعدة لأن تحكم نفسها بنفسها حيث السيطرة الاستعمارية اثناء سيطرتها عليها جعلتها معتمدة عليها اقتصادياً وثقافياً وسياسياً وتربوياً لكي تجعلها مستمرة في اعتمادها واحتياجها السيادي والتطوري على كفاءاتها وخبراتها. بمعنى ان الأمم التي استقلت سياسياً لم تكن لديها كوادر وطنية متخصصة بالسياسة والاقتصاد والإدارة والتربية والتقنية لأن الدولة التي استعمرتها جعلتها تابعة لها في كل مفاصل المجتمع مثل الإدارة والاقتصاد والطب والهندسة لتبقى محتاجة لها بخنوع. هذه الحاجة الاعتمادية من قبل الأمم المستقلة حديثاً من الاستعمار لخبرات الدول المستعمرة تسمى بالاستعمار الجديد Neocolonialism، انه ليس مصادفة ان يظهر هذا النوع من الاستعمار بل انه مخطط له من قبل الدول المستعمرة وذلك من خلال تجهيل وتفقير وتهزيل كيان المجتمع المستعمَر وامتصاص كافة موارده الطبيعية وعدم تعويده بالاعتماد على نفسه في بناء انساقه البنائية. يعني هي خرجت اسمياً وصورياً منه لكنها لم تخرج فعلياً وعملياً عنه لأنها جعلته يتكلم لغتها بثقافتها ويُعجب بها ويحتاج الى خبراتها وكفاءاتها لأنها ربته في حضنها لا يستطيع ان ينمو بعيداً عن رعايتها وتنميتها لأنها جعلته مستهلكاً لا منتجاً، خادماً لا مخدوماً، جاهلاً لا متعلماً، فقيراً لا غنياً، مريضاً لا متعافيً، تقليدياً لا حداثياً هذا الاجتعال كان متعمداً ومقصوداً بشكل مخطط.

   بتعبير أخر، تعمدت الدول الاستعمارية باستمرار مستعمراتها السابقة بأسلوب جديد فحولته من السيطرة المباشرة الى غير المباشرة ومن السيطرة القسرية الى التبعية الاحتياجيه ليبقي الغني على غناه والفقير على فقره والقوي على قواه والضعيف على ضعفه فتحول القديم الى جديد أي الاستعمار القديم أصبح استعماراً جديداً أي هوهو، تغير الاسم وليس الممارسة. هذه اثار الاستعمار السياسي والاقتصادي التي برزت بشكل سريع لأن الاستعمار القديم حقق ذلك بتعمد مدروس ومخطط له. بمعنى هيئ نفسه للاستمرار في استعماره قبل خروجه من الامة التي استعمرها فأضحى الراعي المبتز والمستثمر الدائم بعدما كان المغتصب المتسلط والظالم.

   الانعكاس العلمي لما تقدم ينطبع على ما ترجمه عالم الاجتماع الأمريكي المعاصر “إيمانويل واليرستين Immanuel Wallerstein” الذي قال “انه تحول استعماري حصل في العالم بعد الحرب العالمية الأولى ولغاية الان ليصبح اقتصادياً كونياً مقسماً بين الأمم المسيطرة على الثروة ومصادر طبيعية لا يملكوها وأولئك الذين يملكون مصادر الثروة لكنهم غير مستثمريها إنما هي مأخوذة منهم من قبل دول صناعية متقدمة لكي يكدسوا رؤوس أموالهم أكثر وأكثر”. ويضيف “واليرستين” الى ما تقدم فيقول “ان العلاقة السياسية والاقتصادية غير المتساوية بين الدول الصناعية المتقدمة والمستقلة من السيطرة الاستعمارية مثل الولايات المتحدة واليابان وألمانيا وشركاتها المعولمة المهيمنة والمسيطرة على المركز core وسيطرتها على دول مصف المحيط semi – periphery التي تمثل مواقع اقتصادية هامشية مثل إسرائيل وكوريا الجنوبية. أما البلدان الفقيرة في نموها مثل دول اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية فإنها تمثل دول المحيط وعادةً ما تَستغل دول المركز دول المحيط كما كانت الامبراطوريات الاستعمارية القديمة في استغلالها واستعمارها للأمم التي استعمرتها”.

  وإذا أردنا ان نغرف من الحياة اليومية نورد الدراسة التي قام بها صندوق النقد الدولي عام 2000 لأثنان وأربعين اقتصاد دولي في الأمم المركز والمحيط للفترة الزمنية الواقعة من عام 1900 لغاية 2000 فوجد خلالها عدم حصول تغير باستثناء حراك اليابان الذي ارتقى الى مصاف أمم المركز بينما هبطت الصين فوصلت الى مصاف أمم المحيط وإزاء هذه النتائج استطاع “واليرستين” الوصول الى خلاصة عن النسق العالمي بإنه لا يمكن التنبؤ بمستقبله وذلك راجع الى: –

1 – أضحى العالم في تحضر مستمر.

2 – تم الاستغناء بالتدريج عن اعداد كبيرة من العمال الذين يعملون بالقطاع الزراعي.

3 – إنهاك التربة واستنزاف مصادر المياه بسبب تلوث المياه.

4 – ارتفاع كلف الإنتاج. [Schaefer. 2003. P. 243]

    في الواقع من ثمار تحليل “واليرستين” لنسق الاقتصاد الدولي هو التقاء نظرية التبعية الاقتصادية معه لأنها ترى ان تقدم البلدان النامية اقتصادياً بقيت هزيلة وتابعة لأمم المركز وشركاتها ومؤسساتها المالية وذلك بسبب تشابك الاقتصاد الكوني بشكل متزايد الذي سمح للأمم الصناعية الاستمرار باستغلالها للبلدان النامية لخدمة مصالحها (أي مصالح البلدان الصناعية المتقدمة).

   وإزاء ذلك تنامت مشاركة المصادر البشرية مع الطبيعية في الدول النامية لخدمة الدول الصناعية من خلال مديونتها الهائلة عبر المساعدات الأجنبية والقروض المالية والعجز التجاري. انها أزمة الديون العالمية التي عززت تبعية دول العالم الثالث لتبقى تحت رحمة الاستعمار والاستعمار الحديث والشركات المتعددة الجنسيات والمؤسسات المالية وجميعها تمارس ضغوطها على البلدان المثقلة بالديون وفوائدها الطائلة وهذا بدوره جعل الدول النامية ممارسة ضغوطها على مواطنيها من خلال تقليص الخدمات المقدمة لهم وتوظيفهم وتجميد رواتب موظفيهم وعمالهم ورفع زيادة الخصخصة الصناعية.

   إذن لا جرم من القول بإن متاعب وفقر وجوع وأمراض وبطالة مجتمعات الدول النامية (دول المحيط) نجمت عن استنزاف مصادرها الطبيعية واستغلال اقتصادها لخدمة اقتصاد الدول الصناعية المتقدمة عبر شركاتها المتعددة الجنسيات والمؤسسات المالية العالمية في تقديم القروض ذات الفائدة العالية والمساعدات الأجنبية والعجز التجاري لتجعلها تحت رحمتها وعدّها أحدى مستعمراتها دون الإعلان عنها مما يؤثر ذلك على ممارسة الضغوط على شعوبها في تقليص فرص العمل والتقشف وتجميد رواتب الموظفين والعمال وتقليص تقديم الرعاية الصحية والاجتماعية لمواطنيها. هذا هو الاستعمار الحديث في أسلوبه والجديد في استغلاله وابتزازه.

   هذا من جانب ومن جانب أخر برزت آليات حديثة للاستعمار الجديد برزت في الالفية الثالثة وهي: –

1 – ذريعة نشر الديمقراطية.

2 – تحقيق الحرية للشعوب المضطهدة.

3 – المطالبة بحق تقرير المصير.

4 – تحرير الشعوب.

5 – استقلال المضطهدين.

6 – خلق اضطرابات مدنية وحروب أهلية.

   إذن لم تكن أهداف الدول الاستعمارية الحديثة واحدة بل تنوعت بين الاستنزاف المالي والاستغلال الاقتصادية بذرائع واهية وزائفة مثل نشر الديمقراطية وتحقيق الحرية وحق تقرير المصير للأقليات والاعراق والطوائف الدينية لكن الهدف الرئيسي هو استمرار هيمنها واستغلالها لتغذية اقتصادها لكي تبقى متسيدة بشكل مستمر ودائم.

على مر التاريخ، رغبت الكثير من الدول ذات القوة والسطوة في السيطرة والتحكم في الدول الأضعف، ودائمًا ما كانت هذه السيطرة في صورة (الاستعمار). كنتيجة لذلك، تتمكن تلك الدول الاستعمارية من السيطرة على القوى العاملة والموارد البشرية والأسواق في الدول التي قاموا باحتلالها.

مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، بدأ مفهوم (الدولة القومية) يضع نهايةً لمفهوم الاستعمار بشكل تدريجي. تطور العلم والتكنولوجيا أدى إلى ردود أفعال اجتماعية شرسة رافضة تمامًا لمحاولات الاستعمار والغزو والاستعباد والاحتلال الذي ساد العالم لفترات طويلة.

   بدأت الدول العظمى بتطوير خطط استعمارية جديدة عقب الحرب العالمية الثانية، وسارعت لوضعها قيد التنفيذ. أحد أكبر تلك الخطط هو مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يستهدف الشرق الأوسط والعالم الإسلامي.

   ربما يكون القول إن عصر الاستعمار قد انتهى، ولكن الممارسات الاستعمارية لم تنته، وتم استخدام مصطلحات جديدة كـ (الديموقراطية) و(الحرية) و(حق تقرير المصير) و(استقلال المضطهدين).

   كما هو معروف، فقد اعتمدت الأمم المتحدة عددًا من المعاهدات عام 1966 سميت بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ودعت الدول الأعضاء للتوقيع عليها. بعد ذلك بفترة تبنى الاتحاد الأوروبي الاستراتيجية ذاتها وكذلك المجلس الأوروبي والتي تقوم على فكرة الدفاع عن الاستقلال الذاتي كشرط أساسي لبناء أوروبا جديدة تقوم على مبادئ الديموقراطية، واعتُمِدَ مشروع قانون بعنوان (الميثاق الأوروبي للحكم الذاتي المحلي) دخل بعد ذلك حيز التنفيذ عام 1988.
هذه القوانين التي تعطي في ظاهرها بارقة أمل نحو نشر وترسيخ الديموقراطية، كانت في حقيقة الأمر أرضًا خصبة مهدت تدخل الدول العظمى في شؤون الدول الأخرى. لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل وفرت هذه القوانين أرضية قانونية للاضطرابات المدنية والحروب الأهلية، أدت قوانين الحكم الذاتي تلك في نهاية المطاف إلى تقسيم الدول إلى مئات من الدويلات الصغيرة، لتكون صورة جديدة للاستعمار في القرن الواحد والعشرين والذي حل بدلًا من الإمبريالية التي طغت على القرن التاسع عشر.

   في الواقع تعتبر الدول الأوروبية هذه القوانين خطرًا محتملًا على وحدة الأوطان لذا فقد قامت كل تلك الدول بوضع الكثير من الاحتياطات التي تضيق من حيز تنفيذها، ولهذا السبب أيضًا لم تقبل الكثير من الدول بهذه القوانين إلا مع الكثير من التحفظات والاحتياطات التي لولا اتخاذها لحدث الكثير من التقسيم للدول الأوروبية: كإقليم الباسك وكاتالونيا في إسبانيا، وكذلك لانفصلت إسكتلندا وويلز عن بريطانيا وفينيتو عن إيطاليا والإقليم الفلمنكي عن بلجيكا وجزيرة كورسيكا عن فرنسا، كل هذه الأقاليم وغيرها كان من الممكن أن تنفصل وتستقل بذاتها وتسير على خطى البلقان الممزقة.

   ربما من المثير والغريب أن الكثير من تلك الدول التي اعترضت بقوة على أي مقترح للحكم الذاتي أو التقسيم بداخلها، تدعم هذه الفكرة بشكل علني إذا كانت ستطبق في الشرق الأوسط والدول الإسلامية وتركيا.

اليوم، تقف الدول العظمى لتعد وتدعم بتكوين دويلات مستقلة لبعض المجموعات الإرهابية الشيوعية كحزب العمل الكردستاني وأن تدعمهم عسكريًا وماديًا تحت مسمى (الحكم الذاتي الديموقراطي) و(تحرير الشعوب). على الجانب الآخر، ترى تلك الدول صامتة تمامًا وغير مبالية لإنقاذ الشعوب المضطهدة كالروهنيجا وتركستان الشرقية وكشمير والذين حرموا من حقوقهم الإنسانية على مدى العقود الماضية.
ربما يجري اليوم تنفيذ تلك الخطة الأكثر دهاءً على الإطلاق، أصبح يبدو واضحًا أنها دخلت حيز التنفيذ ، مع اتباع سياسة الكيل بمكيالين عند الحاجة واستخدام الأساليب الملتوية والتخفي وراء الشعارات والوعود البراقة. لهذا السبب، فإنه من المهم نشر هذه الحقائق وتوعية الشعوب بتلك المخططات التي تستهدفهم ليستطيعوا فهمها ومواجهتها بأنفسهم. [https://www.al-watan.com]

7 / ت – آليات الاستعمار الجديد في الالفية الثالثة

   تنطوي هذه الالية المستخدمة من قبل الدول القوية والصناعية المسيطرة على ثروة الاقتصاد العالمي إلا انها تبحث عن مصادر الطاقة (بترول، غاز طبيعي، معادن نفيسة) إنماء صناعتها وتعزيز سيطرتها الاقتصادية وتغذية سياستها الكونية، لذلك تبحث عن فئات أو زمر صغيرة وفقيرة مادياً ومحدودة الذكاء أو فاشلة في دراستها تريد الحصول على فرصة للتخلص من أقليتها العرقية أو الطائفية في دول العالم الثالث التي كانت مستعمرة من قبل الدول العظمى قبل وبعد الحرب العالمية الثانية وعند استقلالها السياسي كانت الدول المستعمِرة قد نشأتها على الاعتماد تربوياً ومهنياً وإدارياً وذهنياً. بمعنى شلّت طاقة الشعب الذي استعمرته وجعلته معتمداً عليها في هذه المجالات بحيث لا تستطيع الوقوف على قدمها والسير قُدماً ولا علمتها كيفية اتخاذ القرارات الصائبة بذات الوقت دفعتها نحو الاعتماد على تقاليدها الموروثة والبالية لتبقى محدودة الذكاء ومستمتعة بالحياة الماضية فكراً وسلوكاً لكي تبقى مستغِلة لها.

    لكن مع تقدم الزمن وتطور الحياة وتأثيرات وسائل الاعلام بدأت شعوب العالم الثالث (المستقلة من الاستعمار القديم اسماً) برزت بعض الجماعات الواعية تطالب بحقوقها الشرعية ساعة تحركت هذه الدول الصناعية والقوية (المستعِمرة سابقاً) بإشعال نار الفتنة بين الأقليات العرقية والدينية ضد الأغلبية لكي تخلق الاضطرابات الداخلية لتصل الى حالة الحرب الأهلية والنزاعات الانتقامية والمفاضلات القبلية والتفرقة الإقليمية.

    فمثلاً المجتمع العربي بعد ان استقل من السيطرة الاستعمارية اثارت بريطانيا وأمريكا وفرنسا فتنة الشغب والتمرد والنزاع بين المسلمين والمسيحيين وبين السُنّه والشيعة في العراق وسوريا ولبنان واليمن ومصر والمجتمع الخليجي وليبيا. لم تكتفي بالفتنة بل اعتمدت على حكومات دول الجوار مثل الحكومة الإيرانية والتركية والإسرائيلية بمساعدتها على توسيع الفجوة بين الأقليات والأغلبية العربية تحت ذريعة نشر الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والمطالبة بحق تقرير المصير واستقلال المضطهدين. ومن خلال تجنيد عناصر ليس لها انتماء وطني ولا ديني حقيقي بل يتظاهروا بانتمائهم العرقية أو الطائفية أو الإقليمية أو الحزبية الزائفة. لكن جميعهم ليس لديهم ولا هدفهم الوحدة الوطنية أو الدينية ولا يحملوا وعي يكشف أغراض المستعمر الجديد (أمريكا أو إيران أو تركيا أو إسرائيل أو بريطانيا) هذه الأغراض هدفها اقلاق الاستقرار السياسي وتحقيق تشققات في النسيج الاجتماعي من خلال بلورة فتنة عرقية وطائفية – دينية في ظل حكم القلة من أبناء المجتمع التي لا تمثل أغلبية الشعب أي ليس لديها تمثيل شعبي حقيقي بل تحتاج دعماً خارجياً أجنبياً. هذا هو المطلوب في الاستعمار الجديد، أعني طلب حكومة القلة من الحكومات الأجنبية دعمها ومساعدتها مقابل تنازلهم عن الكثير من المصادر الطبيعية والاعتماد عليها في شراء الأسلحة والمعدات وعدم الالتفات الى تنمية وبناء البلد. بمعنى إبقاء البلدان العربية تابعة لهم سياسياً واقتصادياً وثقافياً دون الاهتمام بالأغلبية الشعبية أو تنويرها أو انهاضها بل تركيعها وتجهيلها واستبعادها عن الحركة العلمية والتقدم التكنولوجي لكي تبقى تعيش في عصر الظلمات وجبروت حكم القلة من أبناء بلدها.

   المشكلة تكمن في الجماعات والأحزاب التي تتستر بأغطية عرقية أو طائفية أو عقائدية زائفة مدعية بالوطنية مستنجدين بالقوى الأجنبية لدعهم وبالمقابل هذه القوى الأجنبية تبحث عن هذه النماذج من الفئات التي تهدف الاستحواذ على السلطة والاستئثار بها والانتقام من كل فئة أو جماعة تعارضهم على السلطة. يعني كلا الطرفين لا يهمهم الوطن أو الشعب أو خدمة المصلحة العامة بل الخاصة على حساب البلد والشعب ومكاسب السلطة ومصادر الثروة المالية والطبيعية. تبيع هذه الفئات بلدها وثروته للأجنبي الذي سبق وان استبعدهم ويعرف انحدارهم الاجتماعي وأغراضهم الذاتية. وهنا تلتقي المصالح الشخصية على حساب البلد وأهله. ومن خلال هذا اللقاء يستمر تسلط واستغلال واستعمار البلد من خلال تعاون قلة من اللاغيورين واللاشرفاء واللانزيهين مع حكومات الأجنبية الطامعة بخيرات البلد والبقاء فيه بطلب من هذه القلة وهذا ما هو حاصل في العراق وسوريا ولبنان ومصر وليبيا وتونس واليمن والسودان ودول الخليج فتسلب وتسرق خيرات البلد للأجنبي مقابل دعم حكم القلة Oligarchy (حكومة تهيمن عليها جماعة صغيرة همها الاستغلال والانتقام من المعارضين لها وتحقيق منافع ذاتية خاصة).

    فالاستعمار الجديد في الالفية الثانية والثالثة يبحث عن ويحتاج الى هذا النوع من الفئات ليستخدمها ويسخرها لمآربه السياسية والاقتصادية والاستراتيجية الكبرى مقابل دعم سياسي فقط لذه الفئة من أجل بقائها في الحكم. أما أغلبية المجتمع العربي وثروة البلد الطبيعية وبناء الوطن وتنشئة أبنائه على حب الوطن فإنه غير مهم في سياستهم.

   باختصار شديد أقول ان حكم القلة العربية ينصب همها واهتمامها على الحكم القسري والاستعبادي الفردي والفئوي (العائلي أو القبلي) الذي لا يتحقق عن طريق المجتمع بل عن طريق دعمها من قبل دولة أو دول قوية طامعة في ثروة بلدها وموقعه الاستراتيجي هذا التعامل استمر أكثر من نصف قرن الزمن عاش فيها المجتمع العربي مكبلاً بقوتين أجنبية قوية ومتنفذة وقلة من المغامرين المدّعين بالوطنية أو القومية أو الطائفية الدينية الذي أدى في نهاية المطاف الاستمرار حكم الاستعمار الجديد في الالفية الثالثة.

   من جملة الممارسات الابتزازية التي تقوم بها الدول المستعمِرة سابقاً والقوية صناعياً والمسيطرة على الاقتصاد العالمي بما يلي: –

1 – استغلال اقتصاد البلدان العربية لخدمة اقتصاد الدول الصناعية المتقدمة عبر شركات متعددة الجنسيات والمؤسسات المالية العالمية في تقديم القروض ذات الفائدة العالية.

2 – تكبيل البلدان العربية بقروض أجنبية ذات فوائد عالية.

3 – انشاء قواعد عسكرية ثابتة على الأراضي العربية.

4 – اجبار الحكومات العربية بشراء أسلحة حربية من صناعات الدول الاستعمارية الجديدة.

5 – تدريب الأجهزة الأمنية والاستخباراتية على برامج تعدها لهم الدول الصناعية المتقدمة.

     وإزاء هذه الضغوط الملزمة اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً لجأت الحكومات العربية بممارسة الضغوط الصارمة والظالمة على شعوبها مثل: –

1 – تقليص الخدمات العامة لأبناء البلد.

2 – ارتفاع معدل البطالة بين المتعلمين وخريجي الجامعات.

3 – تجميد رواتب الموظفين والعمال في عدم زيادتها

4 – رفع وتيرة الخصخصة الصناعية.

5 – استنزاف مصادر البلد الطبيعية.

6 – ممارسة سياسة التقشف في الرعاية الطبية والتعليمية والاجتماعية.

    في النهاية يكون أغلبية المجتمع العربي المقهور والمغلوب على أمره دافعاً ثمن هذه الضغوط الاستعمارية وليس الفئة الحاكمة كل ذلك في سبيل الحصول على تأييد سياسي من قبل بلدان قوية مسيطرة على الاقتصاد العالمي ومصادره الطبيعية التي لا يملكوها لكن الدول العربية تملكها أي تملك مصادر الثروة إلا انها غير مستثمرتها بل مأخوذة منها من قبل هذه البلدان المسيطرة على الاقتصاد العالمي وهذا ما أوضحه وأكد عليه عالم الاجتماع الأمريكي المعاصر “إيمانؤيل واليرستسن Immanual Wallerstein” عندما طرح نظريته عن النسق الاقتصادي الكوني المقسم بين بلدان مسيطرة على الثروة وهي لا تملكها (دول المركز أو الشمال) ودول تملك الثروة لكنها ضعيفة لا تعرف كيف تستغلها وتستثمرها لصالحها (دول المحيط أو الجنوب) فما تمارسه الدول الصناعية المتقدمة من ضغوط وشروط اقتصادية وسياسية على حكم القلة في الدول النامية مقابل دعم حكمها على شعوبهم المقهورة. تقوم القلة الحاكمة بممارسة حكمها المتعسف على شعوبها فتزيد من جهله وظلمه فيزيد من جوعه وفقره وأمراضه وتخلفه.

    هذا ولا بد لي بعد هذا الاستطراد ان أقوم بإبانة واستجلاء ما قدمته انفاً بأمثلة على السياسة الأمريكية التي تمثل نموذج الاستعمار الجديد في الالفية الثالثة على دول العالم الثالث: –

عندما فقدت امريكا حلفائها التقليدين في دول العالم الثالث باتت تعتمد في سياستها على تنظيمات ارهابية متطرفة لغرض تغيير هوية المنطقة وبنيتها السكانية والجغرافية . أي استخدام اسلوب جديد في تحقيق مآربها ومراميها التسلطية والاستغلالية للبلدان الغنية والاقل قوة والتسلط عليها بل الاعتماد على تنظيمات متطرفة – ارهابية في ذلك وقد تم تحقيقه من خلال تجنيدها لجماعة اخوان المسلمين والقاعدة وداعش وحزب الله ودامس وسواها من التنظيمات العنقودية اللا متناهية ثم تركهم بل واحياناً محاربتهم وهذا ما حصل في تفتيتها للدول التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفيتي بعد انهياره وافغانستان ضد السوفييت وضرب التوجيهات الوطنية من خلال استخدام هذه الجماعات المتطرفة امثال جماعة اخوان المسلمين التي استخدمتها الادارة الامريكية لضرب جمال عبد الناصر وتحجيم شعبية السادات في مصر والقضاء على الشيوعيين في العراق من خلال ايصال البعثيين الى سدة الحكم ابان عام 1962.

     انها عملية تسخيريه وحروب بالإنابة عن الادارة الامريكية مستغلين جهل هذه الجماعات وتطرفها السياسي والديني وحاجتها للدعم الخارجي وتعطشها للقوة وحلمها في استلام السلطة السياسية . كل ذلك جعل الادارة الامريكية ان توهم هذه الجماعات بدمج النسق الديني مع السياسي او تغليف السياسي بالديني من اجل تسيس الدين الذي تجهله هذه الجماعات . أي تجهل ان هذا التسيس لا ينجح على طول الخط بل مؤقتاً وفقط في المجتمعات التقليدية والغير المتمدنة والمتحضرة والفاقدة للوعي السياسي والديني والمتشبعة بالتدين الزائف والمتعطشة للتسلط .

      باختصار شديد ، باتت الولايات المتحدة تستخدم جماعات الارهاب لتطويع الدول التي تتطلع الى الخروج من بيت الطاعة الامريكية وتسعى لتحقيق مصالحها الذاتية التي قد تتعارض مع المصالح الامريكية ولا تكتفي واشنطن بذلك بل تستخدم الشباب المتحمس دينياً عن جهل او عمد لتحقيق اعلى قدر من مصلحتها على حساب مصالح شعوب المنطقة العربية .

كما استخدمت نوعية اخرى من الشباب المتحمس الى إحداث تغييرات درامية تهدم الانظمة وتربك حركة تلك الدول وتبعدها عن تحقيق اهدافها بإضعافها واخراجها من معادلات التأثير والحركة الاقليمية وتدفعها للسير في مسارات تحقيق اعلى قدر من المصالح الامريكية بأقل جهود واقل ثمن . وللمزيد من التوضيح عن هذه النقطة المهمة أدلف الى ما جاء به اليهودي (رالف بيترز) الذي ادعى بأن اتفاقية سايكس بيكو حملت ظلماً فادحاً للأقليات من الاكراد والشيعة العرب ومسيحي الشرق الاوسط والبهائيين والاسماعليين والنقشبنديين حين تم تقسيم الشرق الاوسط في اوائل القرن العشرين لذلك وفق رالف بيترز يجب ان يعاد تقسيم الشرق الاوسط انطلاقاً من تركيبته السكانية غير المتجانسة القائمة على الاديان والمذاهب والقوميات والاقليات حتى يعود السلام اليه.

      على صعيد اخر فقد سبق لواشنطن ان حشدت الشباب العربي ودفعتهم للسفر للجهاد في افغانستان للحرب ضد الكفرة السوفييت وبعد انتصار الشباب تركتهم في الجبال هناك فعادوا الى بلادهم التي عانت ايامها من موجات عاتية من الاعمال الإرهابية المدوية التي سميت بـ ( العائدون من افغانستان ) .

وبعد ان انشغل الارهابيون بتنفيذ تعليمات واشنطن بالحرب في الشيشان وموسكو وصربيا وكوسوفو والجبل الأسود بهدف تفتيت الدول التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفيتي بعد انهياره وبعد ان نجح الارهابيون في تنفيذ مهامهم عادوا الى افغانستان التي احتلتها القوات الامريكية بدعوى محاربة الارهاب الدولي .وعندما منيت القوات الامريكية بخسارة فادحة على يد القبائل الأفغانية سعت الى سحب قواتها من هناك كما سحبت عملائها من الارهابيين العرب بقيادة الاخوان المسلمين وبدعم من قطر وتركيا والدفع بهم الى المنطقة العربية لتفتيت دولها تماماً كما فعلوا في دول الكتلة الشرقية .

     ولا جرم من الإشارة الى دور ايران وقطر وتركيا في دعم وتعزيز النهج الامريكي الجديد في الهيمنة على دول العالم الثالث نبدأها بإيران التي تحاول تحقيق اطماعها التوسعية معتمدة في سياستها في محاولة منها لاستعادة دولة الفرس الكبرى على استراتيجيات متعددة ومخادعة ليس في نيتها المواجهة المباشرة ، سيطرة تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام (داعش) الذراع العسكري للقاعدة والممول من ايران على مدينة الموصل ثاني اكبر المدن العراقية إلا ان اكبر دليل على ان الدولة الصفوية عازمة على تحقيق اهدافها مستغلة حالة الوهن والضعف التي استشرت في المشرق العربي وفشل المشروع التركي في إحياء دولة الخلافة بعد سقوط الاخوان في مصر المهمومة بترتيب اولوياتها .

     لا شك ان ايران من خلال عملائها وحلفائها وتنظيماتها في المنطقة من حزب الله في لبنان وداعش في سوريا والعراق الى دامس في بلاد الجزائر والمغرب وغيرها من التنظيمات العنقودية اللا متناهية تريد ان تحكم الخناق ان مهدت لها امريكا الاوضاع في بغداد .

وتستخدم ايران في تنفيذ مخططاتها نظرية الاواني المستطرقة للضغط على دول الخليج العربي بكل السبل والوسائل . اما قطر وتركيا فأنهما يتعاونان مع قوى داخل ليبيا ومنها انصار الشريعة والاخوان المسلمين وحركات جهادية اخرى منها التوحيد والجهاد لتشكيل المليشيات الارهابية (القاعدة) وان تركيا وقطر رصدتا مليار دولار لتشكيل وتدريب وعمليات حيث بدأت الدولتان تشحن السلاح الى بنغازي وكذلك خط بحري من ميناء شيحان على البحر المتوسط الى ميناء بنغازي.

     ومن ناحية اخرى هناك تحالف بين الاخوان والحرس الثوري الإيراني برعاية قطر وتنظيم القاعدة. وان جماعة الاخوان المسلمين في ليبيا قامت بإنشاء معسكرات لتدريب افراد ( الجيش المصري الحر ) مشيراً الى ان هذه المعسكرات هي:-

1 – معسكر خليج البورده الذي يبعد 60 كيلومتر عن مرسى مطروح.

2 – معسكر فتايح في جربه.

3 – معسكر صحراء زمزم في مصراته.

4 – معسكر سبراطه بالقرب من مدينة الزاوية.

5 – معسكر الزنتان وتخضع لإدارة تنظيم انصار الشريعة.

6 – معسكر ابو سليم متخصص بإعداد الانتحاريين.

7 – ثكنة الجبل الاخضر .

8 – مخيم السلفية الجهادية في بنغازي.

9 – معسكر سرت.

10 – معسكر كردفان وكسلا وولاية البحر الاحمر.

جميع هذه المعسكرات يقوم التنظيم الدولي لإخوان المسلمين بإنفاق الكثير من الاموال عليها وقد انظم مدربون من الحرس الثوري الايراني الى هذه المعسكرات وذلك بالتنسيق مع جماعة الاخوان المسلمين في ليبيا.

    ولتأكيد هذه المقدمة النظرية استعين بما جاء من تصريح مهم من وزيرة الخارجية الامريكية هيلاري كلنتون في كتابها الموسوم “خيارات صعبة” مفاجأة من الطراز الثقيل عندما اعترفت بأن الادارة الامريكية قامت بتأسيس ما يسمى بتنظيم (الدولة الاسلامية في العراق والشام) الإرهابي الموسومة بـ (داعش) لتقسيم منطقة الشرق الاوسط. كما كشفت عن تنسيق بين واشنطن والاخوان المسلمين لإقامة هذه الدولة في ارض سيناء المصرية . وقالت الوزيرة الامريكية السابقة في كتاب مذكراتها الذي صدر مؤخراً في امريكا “دخلنا الحرب العراقية والليبية والسورية وكل شيء على ما يرام وجيدة جداً وفجأة قامت ثورة 30 / 6 ، 3 / 7 في مصر وكل شيء تغير خلال 72 ساعة” ، وأضافت ، “كنا على اتفاق مع اخوان مصر على اعلان الدولة الاسلامية في سيناء واعطائها لـ (حماس) وجزء لـ (اسرائيل) لحمايتها وانضمام حلايب وشلاتين الى السودان. وفتح الحدود مع ليبيا من ناحية السلوم. وتم الاتفاق على اعلان الدولة الاسلامية وفي 5 / 7 / 2013 واننا ننتظر الاعلان لكي نعترف نحن واوروبا فوراً.  وتابعت تقول، كنت قد زرت 112 دولة في العالم من اجل شرح الوضع الامريكي مع مصر وتم الاتفاق مع بعض الاصدقاء بالاعتراف بـ (الدولة الاسلامية) حال اعلانها فوراً وفجأة تحطم كل شيء . وتابعت القول كل شيء يسير امام اعيننا بدون سابق انذار شيء مجهول حدث فكرنا في استخدام القوة ولكن مصر ليست سوريا او ليبيا فجيش مصر قوي للغاية وشعب مصر لن يترك جيشه وحده ابداً”. وتزيد “وعندما تحركنا بعدد من قطع الاسطول الامريكي ناحية الاسكندرية تم رصدنا من قبل سرب غواصات حديثة جداً يطلق عليها ذئاب البحر 21 وهي مجهزة بأحدث الاسلحة والرصد والتتبع وعندما حاولنا الاقتراب من قبالة البحر الاحمر فوجئنا لسرب طائرات ميج 21 الروسية القديمة ولكن الاغرب ان راداراتنا لم تكتشف من اين أتت واين ذهبت بعد ذلك ، فضلنا الرجوع مرة اخرى ازداد التفاف الشعب المصري مع جيشه وتحرك الصين وروسيا رافضين هذا الوضع وتم رجوع قطع الاسطول والى الان لا نعرف كيف نتعامل مع مصر وجيشها”.

     وتقول هيلاري “إذا استخدمنا القوة في مصر خسرنا وإذا تركنا مصر خسرنا شيئاً في غاية الصعوبة. مصر هي قلب العالم العربي والاسلامي ومن خلال سيطرتنا عليها من خلال الاخوان عن طريق ما يسمى بـ (الدولة الاسلامية) وتقسيمها كان بعد ذلك التوجه لدول الخليج وكانت اول دولة مهيأة الكويت عن طريق اعواننا هناك من الاخوان فالسعودية ثم الامارات والبحرين وعُمان وبعد ذلك يعاد تقسيم المنطقة العربية بالكامل بما تشمله بقية الدول العربية ودول المغرب العربي وتصبح السيطرة لنا بالكامل خاصة على منابع النفط والمنافذ البحرية “. ورب سائل يسأل عن هذه السياسة الجديدة للهيمنة الامريكية عن منابع تمويل هذه المهمة السياسية ذات الآلية الاجتماعية – الدينية .

       بعد هذه الاعترافات الرسمية والموثقة نستطيع ان نقول بأن هذه الجماعات الدينية (جماعة اخوان المسلمين والدولة الاسلامية وحزب الله وداعش) لا يمكن ان نعدها من زاوية علم الاجتماع بأنها تمثل حركات اجتماعية Social movements كالتي اصابت اوروبا الشرقية في القرن الماضي بدأ من عام 1945 لغاية 1968 عندما هبت عليها رياح التغيير العاتية من خارجها وليس من داخلها واعني بذلك فرض عليها تغيير عسكري بالقوة من قبل الاتحاد السوفيتي (السابق) أي لم تصدر هذه الحركات والتحولات من القاعدة الشيوعية المحلية التي كانت سائدة فيها . ففي عام 1945 كان هدف الحركات الوطنية والقومية في تلك البلدان هو التخلص من الحكم النازي وتقبل اية تغيير جديد يخدم مصلحتها الوطنية فحصلت انتفاضات وثورات محلية هدفها الاصلاح الداخلي فمثلاً حصل ذلك في المانيا الشرقية عام 1953 وحصل ايضاَ في هنغاريا وبولندا عام 1956 وايضاً في جيكوسلافاكيا في عام 1968 وكانت جميع الحركات السياسية في هذه البلدان تواقة وطموحه في الاخذ بالحكم الوطني وتقودها حكومة وطنية متحررة من السيطرة الاجنبية لكنها في الواقع كانت حكومات هذه الدول موجهة ومنقادة من قبل حكومة موسكو لكن هناك حركات منشقة عن الحزب الشيوعي الحاكم كانت تواجه حملات قمعية من القادة الشيوعيين لكن على الرغم من ذلك فقد استمرت هذه الحركات في نشاطها بالسر وكان من بين قادة هذه الحركات السرية المنشقة القائد “ليش فاليسا” في بولندا والقائد فالسلاف “هافيل” في جيكوسلافاكيا لكن بعد ما حصلت تغيرات في انظمة  الحكم في عام 1989 تحول هذان الشخصان الى حكام لبلدانهم فكان “فاليسا” مفجراً للحركة الاجتماعية التي قصدت تغير المجتمع البولندي إذ كان يعمل في معامل لصناعة السفن في جدانسك الامر الذي جعل نقابة عمال السفن احتضانه ومؤازرته بجانب مؤازرة المؤتلفين معه امثال المنشقين عن الحكومة من المثقفين وانضمت اليهم الكنيسة الكاثوليكية هذه الجماعات الثلاثة كونت حركة اجتماعية اطلقت عليها اسم حركة تضامن التر ترأسها “فاليسا” وقد قام القائد  العسكري “جاريزلسكي” بقمع الحركة إلا انه لم يفلح بذلك بل اصرت الحركة (التضامن) على البقاء والصمود وعدم الاختفاء من الساحة السياسية البولندية وامسى فاليسا زعيماً لها يعرفه القاصي والداني في العالم. وقد عصفت رياح التغيير ايضاً بباقي في دول اوروبا الشرقية امثال المانيا الشرقية التي تغير فيها نظام الحكم في الشهر العاشر من عام 1989 وهدم جدار برلين الشهير وحصل نفس الشيء في جيكوسلافاكيا حيث ظهرت ثورة ناعمة مخملية بينما حصل في رومانيا عكس ذلك إذ حصلت صدامات دامية ذهب فيها العديد من الارواح عن كلا الطرفين . وفي شهر الثاني عشر من عام 1989 أُعدم رئيس رومانيا “نيقولاي تشاوشيسكو” مع زوجته في ذلك اليوم .

     وهذا من جانب، ومن اخر فهناك اطوار تنشأ من خلالها الحركة الاجتماعية مثل: –

1 – طور الاستجابة الجماهيرية.

2 – طور الإثارة.

3 – طور التنظيم الرسمي .

4 – طور التمأسس.

وهذه الجماعات الاسلامية المذكورة في اعلاه لم تمر بهذه الاطوار بل تم تشكيلها وصناعتها من قبل الادارة الامريكية فضلاً عن كونها تعكس تغليفها للنسق السياسي وهذه حالة شاذة غير سوية لا يقبلها البناء الاجتماعي انما بتدبير الادارة الامريكية من اجل خدمة اهداف امريكية صرفة فضلاً عن استخدامها العنف والإرهاب كآلية اساسية وجوهرية في تنفيذ اهداف امريكية وليس تعبيراً عن احتياجات وطموحات المجتمع العربي او الاسلامي بل قامت بأعمال شوهت التعاليم الاسلامية مثل قتل غير المسلمين او اخذ جزية منهم في القرن الحادي والعشرين وختان الاناث وجهاد النكاح وسرقة المال العام والخاص للمسيحيين واليزيدين في شمال العراق وجميعها يرفضها الدين الاسلامي .

التمويل المالي والعسكري للتنظيمات المتطرفة

نبدأها بجماعة اخوان المسلمين في مصر التي لم تتكون ثروتها بيوم وليلة فهي تأسست منذ الخمسينات من القرن الماضي وبعد حادث المنشية بالتحديد حيث هرب الكثير منهم وابرزهم سعيد رمضان الذي كان عميلاً للمخابرات الامريكية والبريطانية وهو الذي وضع النواة الاولى للتنظيم الدولي للإخوان .

ومع مرور السنوات تكونت الامبراطورية المالية الضخمة والتي يديرها بالخارج كل من يوسف ندا والشيخ يوسف القرضاوي بمساعدة المخابرات الدولية التي جعلتهم يؤسسون البنوك وابرزها بنك (التقوى) من غسيل الاموال القذرة المستخدمة في المخدرات والاسلحة والعارة مما سمح لهم بتكوين امبراطورية مالية ضخمة.

     ويصرح “د. سمير غطاس” (رئيس منتدى الشرق الاوسط للدراسات الاستراتيجية ومدير مركز مقدس للدراسات الاستراتيجية) فيقول ان ابرز الدول التي تضم استثمارات اخوانية ضخمة هي بريطانيا فيها 12 مؤسسة مالية بالإضافة الى الولايات المتحدة وجزر البهاما والمانيا وابرز الدول العربية قطر  ويحتفظون فيها برؤوس اموال ضخمة ناتجة عن عمليات غسيل الاموال. أما في مصر فالإخوان لجأوا الى محورين لضخ اموالهم عن طريق عدد كبير من الصيارفة الذين امتد نفوذهم للسيطرة على 50% من سوق الصرافة في مصر تحت اشراف خيرت الشاطر، والمحور الثاني كان على مستوى الشركات التي اسسها “حسن مالك” وامبراطورية المدراس التي انشأتها أبنة خيرت الشاطر ومؤخراً وبعد تولي “محمد مرسي” حكم البلاد حصلت جماعة الإخوان المسلمين على توكيلات تركية ضخمة وتقاضوا عملات كبيرة واشرف على هذه التوكيلات “ابن أوردغان” رئيس وزراء تركيا.

     بالإضافة الى امبراطورية الألبان التي يقودها صفوان ثابت وامبراطورية الجديد التي يقودها رجل اعمال شاي قفز من مركبهم مؤخراً معتمداً على غسيل الاموال القطرية بمساعدة الاخوان . وقال غطاس لا يجب الاستهانة بخطورة التوحيد والنور فهو لا يمثل محلاً تجارياً بل مؤسسة ضخمة اكثر من 200 فرع في جميع انحاء مصر يعمل بها الاف من الشباب الاخوان وفقاً لشروط محددة . بينما يقول ابراهيم مطر المتحدث الاعلامي لحركة تطهير: ان اموال الاخوان ممتدة من صميم الاقتصاد المصري وان نوعية اقتصادهم يعتمد على نوعية التجارة والملابس كالتوحيد والنور واولاد رجب والهيبرات التي تبيع منتجاتها بأسعار زهيدة وهو احد اسباب نجاحها واستمرارها في السوق ويقول “سامح عيد” (أحد المنشقين عن تنظيم الاخوان) ان اموال الجماعة نقد داخل مصر تتجاوز 100 مليار جنيه و60 مليار جنيه خارج مصر أي الإجمالي تتجاوز 100 مليار جنيه والجماعة لا تمتلك ارصدة في البنوك ولا أي اموال اخرى وجميع ممتلكاتها تحت تصرف المهندس “خيرت الشاطر” وجزء كبير منها بأسماء رجاله المقربين غير المحسوبين على التنظيم.

     اما جماعة داعش فأن لديه تمويلاً ذاتياً من خلال استيلائه على الحقول النفطية وعمليات الابتزاز بالإضافة الى الضرائب التي يجمعونها من الاراضي التي تخضع لسيطرتهم وساعدت الاراضي التي تمكنوا من السيطرة عليها في العراق من ايجاد سبل جديدة لجلب ايرادات لهم ، فعلى سبيل المثال طالب التنظيم مؤخراً في الحويجة – بلدة تقع بالقرب من كركوك – جميع الجنود السابقين او ضباط الشرطة بدفع مبلغ قدره (850) دولار عن كل واحد منهم نظير توبتهم والعفو عنهم إضافة الى ابتزازها 12 مليون دولار شهرياً من الموصل مستخدماً هذه الاموال لتمويل عملياته في سوريا. علاوة على الاموال التي سرقوها من البنك المركزي في الموصل والاسلحة العسكرية لثلاثة فرق عسكرية عراقية جميعها امريكية. زد على المساعدات التي كانت تصل اليهم من رجال اعمال خليجيين .

       بعد الاستطراد عن النهج الامريكي الجديد في غايته المهيمنة على دول العالم الثالث ومن بينها الدول العربية الذي اختلف عن النهج الاستعماري القديم الذي انتهجته الدول الاوربية في القرن الماضي .

اعرج الى تلخيص مثالبه على مجتمعات هذه الدول وهي: تسخير الشريحة الشبابية في هذه المجتمعات التي تعاني من التهميش الوطني والاستبعاد السياسي والاجتثاث المهني والفقر الاقتصادي والضياع المستقبلي والظلم السلطوي والتميز الطائفي التي بلورها حكام هذه الدول وانظمتهم الاستبدادية مع وجود ثروة طبيعية (نفطية وغازية) تحتاجها الدول الصناعية المتقدمة ، إضافة الى تنافس الدول الاقليمية على التسلط عليها والهيمنة على سياستها (أمثال ايران وتركيا في حالة الدول العربية).

       جميع هذه الاسباب دفعت الادارة الامريكية الى السيطرة عليها إنما بمنهج مهيمن جديد يختلف عن الاستعمار الاوربي القديم وهو استغلال الشعور الطائفي الديني لتغليف نظام الحكم المحلي من خلال تسخير الشباب (المهمش والمستبعد والمجتث والضائع والمظلوم) في تشكيل جماعة طائفية تقوم بخلخلة الانظمة الحاكمة من اجل الوصول الى تفتيت الخارطة الجغرافية القديمة الى اجزاء طبقاً للتركيبة السكانية المتكونة من عدة اعراق واديان وطوائف مع تمويلها مالياً وتجهيزها عسكرياً ولوجستياً حتى تصل الى هدفها الاخير وهو الاستيلاء على منابع الطاقة وجعل هذه الجماعات الطائفية عميلة لها تطبّعها وتنفذ أوامرها.

بتعبير اخر، ان ما قامت به الادارة الامريكية هو تسيس الدين عبر جماعات تمثل الدهماء والغوغاء ذات المشاعر الدينية المتطرفة والغير واعية بتعاليم الدين الانسانية بل تفهم الدين في أيامه الاولى وبداية نشؤه وليس بعد نشره وشيوعه فاستجابات للنهج الامريكي – بدون وعي – الذي البس سياسة الحكم بالغطاء الديني وكانت هذه الاستجابة مندفعة بدوافع الاحباط والتهميش والاستبعاد والظلم الذي مارسه الحاكم ونظامه على شعبه (وهذا ما حصل في العراق وسوريا ومصر وليبيا واليمن وتونس والسودان) فأمست هذه الجماعات المتطرفة اداة طيّعة في يد الادارة الامريكية مستخدمة الارهاب والعنف مع ابناء مجتمعها بدوافع الحرمان والاستبعاد وعدم الافساح لها في تحقيق هويتها الوطنية من قبل حاكمها (اللا وطني) فاضحت جماعة لا تمثل الحركة الاجتماعية الوطنية ذات الاهداف المدنية والانسانية والديمقراطية بل جماعة ارهابية متوحشة معادية للحس الانساني والديني وهذا هو ما نستطيع تسميته بمثالب تسيس الدين المخطط من قبل الادارة الامريكية والمنفذ من قبل الجماعات الشبابية الجاهلة والعاطلة عن العمل والمهمشة والمستبعدة من قبل الحاكم العربي الطاغي. انها مثالب معادية للطبيعة البشرية والانسانية والوطنية لا تمثل روح العصر (قرن الحادي والعشرين) بل هي جريمة اخلاقية خططتها الادارة الامريكية ضد المجتمعات النامية التي تعيش في اقطار غنية بالموارد الطبيعية لكي تسلبها هذه الثروة التي منحها الله لها انها أحدث جريمة تمارسها اقوى دولة وأخبث حكومة وادهى سياسة واجشع جماعة غنية وأفقر ادارة في حسها الانساني مستخدمة هذه السمات من اجل السيطرة على العالم المعاصر لكي تصبح حاكمة العالم في القرن الحادي والعشرين ويقال عنه بأنه القرن الامريكي كما قبل القرن اليوناني (نسبة لهيمنة الامبراطورية اليونانية) والقرن الروماني (نسبة لهيمنة الامبراطورية الرومانية) إلا ان اثارها سوف لا تخدم الانسانية في الفلسفة والفكر والاخلاق والادب والاجتماع والطب بل فقط في العلوم التكنولوجية والحربية مثلما تركتها الامبراطورية الرومانية نقيض ما تركته الامبراطورية اليونانية من نظريات في الفلسفة والفكر والادب والاجتماع التي مازالت تُدرس في هذا القرن.

      اخيراً سوف احدد مثالب تسيس الدين بالنقاط التالية :-

 1 – استغلال الدين لا بدافع الايمان به بل تسخيره لتضليل العوام من اجل الدعم الشخصي للتسيس لأنهم ليسوا ساسة بل يمثلوا انفسهم فقط .

2 – محاربة الاتجاه العقلاني والعلماني بين صفوف المثقفين .

3 – إثارة النعرات الطائفية والمذهبية لصالح رجال النظام السياسي .

4 – تعزيز الممارسات السلفية والتقاليدية من اجل عرقلة عجلة التقدم الحضاري.

5 – فسح المجال امام القوى الاجنبية باستخدام هذا التوجه عند الشباب العاطل عن العمل والجاهل في العلم والمعرفة والمتدين بالولادة لا بالممارسة الايمانية في بلورة اضطرابات دينية تشغل المجتمع به من اجل تنفيذ مآربها في السيطرة والاستغلال .

6 – عزل المجتمع حضارياً وثقافياً وحجبه عن التواصل الاجتماعي والحضاري مع المجتمعات المتمدنة .

7 – جعل المجتمع العيش في مرحلة ما قبل التمدن والتحضر .

8 – إعطاء صورة مشوهة عن المبادئ الصادقة حول الدين بين الامم المتقدمة .

9 – احراف الدين عن مساره الإيماني وجعله يخضع لمصالح رجال السياسة الشخصية .

10 – بلورة رجال يّدعون بالإيمان الديني من اجل تحقيق مصالح فئوية لهم ولخدمة رجال السياسة وليس لخدمة الدين وفلسفته. [العمر. 2015. ص. ص. 169 – 178]

  نمط ثاني لتدرج طبقات الأمم في العصر الحالي يدعى “دول الشمال ودول الجنوب” لا يستند هذا النمط الطبقي للأمم المعاصرة على أساس الإرث الاستعماري أو العولمة أو المؤسسات المالية العالمية أو شركات متعددة الجنسيات بل على أساس المعايير التالية: –

1 – معيار توفر الغذاء.

2 – معيار تطور الصناعة.

3 – معيار النمو الاقتصادي.

4 – معيار التطور التعليمي.

5 – معيار الأنظمة السياسية المستقرة.

  لقد أسهبنا في شرح موضوع دول الشمال ودول الجنوب في فصل سابق فلا داعي لتكراره هنا.

7 / ث – فواعل العولمة الثانية في نشوء طبقات الأمم الحديثة

    1 – العولمة الثانية… ما هي؟

قبل ان نفصّل هذا العنوان نشير الى العولمة الأولى التي حدثت قبل الحرب العالمية الأولى التي تضمنت الاستثمارات الضخمة في العالم الغربي وتأثير الكابل عبر المحيط الاطلنطي واختراع السفينة التجارية والتلغراف والسكك الحديدية والتلفون، جميعها عملت على تقليص حجم العالم والتي تفتت بضربات احداث متتالية مثل الحرب العالمية الأولى والثورة الروسية والكساد العالمي وسواه.

   أما العولمة الثانية فقد حدثت عام 1989م مع انهيار سور برلين التي جاءت جامعة بين القوى الاقتصادية العالمية التي تمثلها 500 شركة عملاقة متعددة الجنسيات وقوى العالم والتقنية في مجال الاتصالات الالكترونية، عملت ايضاً على تقليص حجم العالم الى قياس أصغر مما فعلته العولمة الأولى فأحدثت تغيرات سريعة خلال عقد من الزمن (في المجال الاقتصادي والثقافي) وإزاء ذلك يتطلب منا كاجتماعيين أن نرصد هذه التغيرات لا على صعيد جزئي بل على صعيد كوني إنساني مثلما فعل رواد علم الاجتماع في دراستهم عن تطور المجتمعات الإنسانية والمفاعيل الحضارية والمدنية وتطور العقل البشري ولم يهتموا بشكل جدّي بالمشكلات الاجتماعية الصغيرة الحجم مثل الطلاق والجريمة.

  ومع عام 1989م تحررت أسواق العالم الحديث، ولأول مرة تتحكم فيها: –

1 – عواطف الناس لا قبضة الدولة.

2 – اقتصاد الأسواق الحرة.

3 – الديمقراطية.

4 – أتمتة الذكاء والتركيز على العمل الذهني عن طريق الابداع المعرفي وحل المشكلات.

5 – صناعة المعلومات.

   هدف هذه العولمة إلغاء السياسة لفائدة الاقتصاد وتعدد نماذج الإنتاج لفائدة نظام ليبرالي مفتوح والاعتماد على التنافس كآلية في نظام السوق بما تعنيه الكلمة من شروط: تدويل المال وتوسيع التجارة العالمية البينية وما تستلزمه من خدمات فضلاً عن ذلك فإنها تحاول تعميم نموذج مغاير لمفهوم المواطنة ولمعاني الإحساس به والحد من حرية الدول في اتباع سياسات وطنية مستقلة وبالتالي اعتماد الاستهلاك كتوجه في (الثقافة) بما يعنيه من هيمنة مصدرها على شبكات التعامل التجاري أو بوسائل الاعلام التي تخلق الحاجة والنموذج أو بالكراهية الاتفاقات والالتزامات مع المؤسسات المالية أو المعاهدات بين الأقطار والمجموعات.

فضلاً عن ذلك فإنها: –

1 – تتعارض مع القومية والايدلوجية.

2 – من أبرز ضحاياها الكيانات المؤدلجة ودول السيادات القومية.

3 – وسائلها الاختراقية هي: –

أ – القنوات الفضائية.

ب – الالكترونيات.

ت – الحواسيب.

ث – الانترنت.

ج – التكتلات الاقتصادية.

ح – الثورة الموسوعية.

خ – وسائل الاتصالات الجديدة.

4 – العلوم الفيزيائية والجينية والبيئية والطبيعية.

    إن سياق الحديث يلزمني ان لا أغفل ان ثقافة العولمة تكون مجزية للمبدعين والرائدين والمغامرين وذوي المعرفة والمال لكنها قاسية على المهمشين والمحرومين والأميين والتقليدين لأنهم ينظروا اليها على امتداد طبيعي للتطور التكنولوجي. إضافة الى قيامها بأتمتة الذكاء لأنها ترتكز على العمل الذهني عن طريق الإبداع المعرفي وحل المشكلات لذا فإن صناعة المعلومات تفيد كل الناس ويحصل عليها الجميع لأنها روح العصر تغذي معارف الأفراد بالأزمات الكونية حول نقص المواد الطبيعية وتدمير البيئة الطبيعية والانفجار السكاني. علاوة على تنمية الذكاء الكوني عند الفرد لكي تساعده على تكيفه في مواجهة الظروف الكونية المتغيرة بسرعة.

   لا يغيب عن بالنا آلية العولمة Globalization وتأثيرها على أمم المحيط لأنها (أي العولمة) تشير الى التكامل العالمي للسياسات الحكومية ذات التكنولوجي المتقدم والتيارات الثقافية والاجتماعية الحرة والأسواق المالية عبر التجارة وتبادل الأفكار. فالركود الاقتصادي الذي حصل في شهر سبتمبر عام 2001م والهجوم الذي حصل على مركز التجارة العالمية في نيويورك أثر سلباً على حراس البيانات في أفريقيا وسائقي سيارات الأجرة في اسيا. أما آليات العولمة مثل الكمبيوتر والأقمار الصناعية والهاتف النقال جميعها ساعدت شركات متعددة الجنسيات في توسيع نشاطاتها وعدم تفتيتها وذلك بسبب نفوذ الأسواق المالية العالمية الموجهة من قبل حكومات الأمم الصناعية الكبرى والمنظمات الدولية الالية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي اللذان لعبا دوراً حيوياً في الاقتصاد الكوني وتنمية الأسواق المالية العالمية والتجارة والاقتصاد. جميع هذه الأنشطة والمؤسسات مدعومة من قبل أمم المركز عززت هيمنة ثقافة أمم المركز على ثقافة أمم المحيط ففقد أبناء أمم المحيط تقاليدهم وقيمهم من خلال تجاهلهم واهمالهم لمعايير ثقافتهم بل حتى ملبسهم. بدأوا يقادوا أزياء أبناء أمم المركز وحتى ذوقهم الفني في مشاهدة الأفلام السينمائية والمسلسلات التلفازية التي أصبحت جاذبة لأفراد أمم المحيط مثل الأفلام المتحركة (توم وجيري وسيمبسون وسبايدر مان والبرامج المسلية والمسابقات الفنية وسواها).

   ولكي نجول طرداً مع موضوع التدرج الاجتماعي والعولمة نوضح الحقيقة التالية وهي: أننا نعيش الآن في قرية كونية وهنا يداهمني سؤال مفاده كيف تُعبّر العلاقات الطبقية عن نفسها عبر الحدود الدولية؟ هذا هو هدف وغاية علماء الاجتماع في الوقت الراهن أمثال “ولاس كليمينت Wallace Clement” الذي أصدر مؤلف يحمل عنوان “تعاون القارات” عام 1977م أوضح فيه ان النفوذ الاقتصادي الأمريكي على المجتمع الكندي وعلى البناء الطبقي الكندي عكس فيه العلاقات القائمة بين النخبة الكندية في كندا والولايات المتحدة.

   أما “جوزيف روبيرت Joseph Robert” فقد توصل الى خلاصة مفادها بإن الطبقة الرأسمالية الكندية تضم الرأسماليين الكنديين وأخرى المصالح الأجنبية 1998م. معنى ذلك ان هناك تنسيق تعاون بين الطبقات الدولية تمثل الحكم الطبقي الدولي الذي بات عابراً للحدود متجاوزاً الحدود الوطنية سادت السنين الأولى من هذا القرن.

   تضم هذه الطبقة المُلاك الرئيسيين للتنظيمات المالية مثل بيوت المال والبنوك الكبيرة والنخب التي تدير الوكالات المخططة للاقتصاد المتجاوز للحدود الوطنية تمثل القوى الرئيسية في الأحزاب السياسية المسيطرة والمتنفذة على الشبكات الإعلامية والنخب التكنولوجية والمدراء الحكوميين في دول الشمال ودول الجنوب مشكلين بذلك طبقة جديدة في العالم في يدهم النفوذ الاقتصادي في العالم، تجمع بين قطاعات ابنوك الكبيرة والمصانع الكبرى في العالم. [Knuttlia. 2002. Pp. 90 – 202].

2 – تبلور شركات متعددة الجنسيات Multinational Corporations

   الدور الرئيسي والحيوي في مناشط الاستعمار الجديد في عصرنا الحالي يُمارس من قبل شركات دولية عملاقة وجبارة ذات جنسيات متعددة ومتنوعة ليس لها جنسية واحدة. أنها تمثل تنظيمات تجارية متشبعة الأطراف في كافة انحاء العالم إنما مركز ادارتها وقيادتها يكون في بلد واحد من دول المركز تمارس نشاطها التجاري المباشر والغير مباشر – عبر وكلاء – في تجارة الأحجار الكريمة (الماس واللؤلؤ والياقوت والزمرد) والتوابل والملابس وباقي أنواع السلع، لا يقتصر نشاطها على البيع في الصناعة ايضاً إذ ينتج سلعاً تصدرها الى كافة انحرا العالم مثل حالة شركة Nike ولها مكاتب في كل مكان تعمل بتنسيق مع شركاتها في دول المحيط تجمع المعلومات التجارية فيها وتتعرف على الاحتياجات الصناعية. أما إيراداتها فإنها ضخمة جداً تصل الى درجة الخيال.

     وللمزيد من المعلومات عن هذا التبلور المؤثر المعزز والداعم لأليات الاستعمار الجديد نرى من الضروري تقديم التفاصيل الكاملة عنه لأنه يلعب الدور العملاق في استمرار دول المركز باستعمار دول المحيط.

مفهوم المنافسة لم يعد يقتصر على الأفراد والشركات بين بعضهم البعض بل أصبحت بين شركة وحكومة بعدما أضحت تلك الشركة أخطبوطًا برأس مال يفوق ميزانية عدة دول وبعدد موظفين يفوق مواطني عدة بلدات وقرى، حتى أصبح وقع اسمها يرعب حكومات دول بعد أن صار لها الكلمة الفصل في تحريك رأس المال وإنعاش الاقتصاد ومفاتيح التشغيل والتوظيف، إنها الشركات المتعددة الجنسيات، والأمثلة عليها كثيرة من أبل في أمريكا التي يفوق رأس مالها الناتج المحلي لثلثي دول العالم، إلى أخطبوط مبيعات التجزئة في العالم وول مارت والتي قدرت إيراداتها السنوية 2015 نحو نصف ترليون دولار.

تسمية الشركة ومفهومها

اختلفت تسميات هذه الشركات العملاقة، فسميت بالشركات عابرة للوطنية أو القومية والشركات العالمية والمشروع المتعدد الجنسيات، وورد في المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة 21 تسمية للشركات المتعددة الجنسيات.

تعريفها: شركة أم تسيطر على تجمع كبير من المؤسسات في قوميات عديدة وتقوم بعمليات متشعبة وكبيرة جدًا في البلدان الأخرى غير بلدها الأم وتمتلك طاقات إنتاجية وتمارس نشاطها في ستة بلدان على الأقل.

عرفت الأمم المتحدة هذه الشركات عام 1974 وأطلقت عليها اسم الشركات “عابرة القوميات” بأنها كيان اقتصادي يزاول التجارة والإنتاج عبر القارات وله في دولتين أو أكثر شركات وليدة أو فروع تتحكم فيها الشركة الأم بصورة فعالة وتخطط لكل قراراتها تخطيطًا شاملًا.

تتميز هذه الشركات بطابع تكاملي من حيث اتخاذ القرار والتصرف والاستراتيجية والموارد الإنسانية والمادية والفنية، فكل من الشركة الأم وفروعها ومنشآتها التابعة لها تكون مجموعًا واحدًا متكاملًا، كما أن العلاقة بين فروعها بين الدول لا تعدو عن هذا الوصف وتتبع دومًا للشركة الأم في علاقة رأسية وعمودية.

ولا يبدو هذا المفهوم أنه ظهر حديثًا كما يتراءى للبعض، فالانتشار الحقيقي لهذا النوع من الشركات ظهر بشكل راسخ في أوائل القرن الماضي في عام 1914 وقدر وقتها الرصيد العالمي للاستثمارات الأجنبية المباشرة لهذه الشركات بـ 14 مليار دولار وحازت الشركات البريطانية آنذاك على الحجم الأكبر من الاستثمار تليها الشركات الأمريكية ومن ثم الألمانية.

عراقيل واجهت الشركات المتعددة الجنسيات

خضع تنظيم هذا النوع من الشركات لقواعد وطنية تتعلق بالبلد المستضيف إذ لم تكن دول العالم متشابهة في تعاملها مع هذه الشركات، حيث وضعت العديد من الدول عراقيلاً أمام الاستثمارات الأجنبية المباشرة باعتبارها خطرًا كبيرًا على الاقتصاد ومهددًا حقيقيًا للثروات الوطنية، فسنت التشريعات للحد من الاستثمارات المباشرة، كما لم تسمح الدول الاشتراكية سابقًا للشركات المتعددة الجنسيات بممارسة أي نشاط على أراضيها إلا باتفاقية خاصة معها.

إلا أن التغييرات في النظام الاقتصادي العالمي المتعاقبة والعولمة أدت إلى تغيير سياسة استقبال هذه الدول على أراض الدول المستضيفة، فتم تشجيع هذه الشركات على ممارسة أعمالها بحرية الاستثمار على أراضيها سواءً بشكل نسبي أو مطلق، حيث خضع عملها لمسائل جنسية الشركات وسياسة الازدواج الضريبي وقوانين العمل النافذة وقوانين المحاسبة ومراقبة الشركات والقضاء المتخصص بحل المنازعات فضلًا عن أمور أخرى متعلقة بقوانين الاستثمار والمنافسة الحرة.

وغالبًا ما تسعى الدول للحد من نشاط هذه الشركات من خلال تحديد نسبة المال الأجنبي والأفراد الأجانب في المشاريع الوطنية وإلغاء الاستثمارات في القطاعات الحيوية، وتبني برامج مراقبة الشركات ووضع شروط للاستثمار ولتحويل الأموال إلى الخارج.

خصائص تتمتع بها الشركات المتعددة الجنسية

تتمتع الشركات المتعددة الجنسيات بعدة خصائص من أهمها الانتشار والضخامة ومركزية اتخاذ القرارات وإدارة عملياتها باستراتيجية عالمية والقدرة على نقل التكنولوجيا. فمن حيث ضخامة حجم تلك الشركات فهي تستحوذ على 80% من إجمالي مبيعات العالم وازداد حجم مبيعاتها من 5.503 مليار دولار إلى 1.354 مليار دولار عام 1999 وإلى 18.500 مليار دولار عام 2001. ومن حيث حجم الإيرادات فإن أكبر 500 شركة متعددة الجنسية وصل إجمالي إيراداتها إلى نحو 44% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. تستثمر هذه الشركات في معظم دول العالم وخاصة في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وسويسرا واليابان وزاد مؤخرًا حجم استثماراتها في الصين والبرازيل وتركيا وبعض الدول العربية، إذ تنجذب للمناخ الجاذب للاستثمار وارتفاع عائداته وتوافر البنية الأساسية والطاقة الاستيعابية للاقتصاد القومي. كما تتميز هذه الشركات بكبر مساحة السوق التي تغطيها وحجم امتدادها الجغرافي خارج حدود الدولة الأم بما تملكه من إمكانيات هائلة في التسويق وفروع في مختلف أنحاء العالم. وتشير التقديرات أن عدد الشركات المتعددة الجنسيات يناهز 65 ألف شركة حول العالم وقرابة 850 ألف شركة أجنبية تابعة لها، وحازت الدول المتقدمة على نسبة 77% من إجمالي الشركات المتعددة الجنسيات. كذلك تتميز بتعدد وتنوع نشاطاتها بهدف تعويض الخسارة المحتملة في نشاط معين بأرباح تتحقق من أنشطة أخرى، وبالتفوق التكنولوجي إذ تعد مصدرًا أساسيًا في نقل المعرفة الفنية والإدارية والتنظيمية من خلال التدريب وتوفير العمالة المتخصصة عن طريق الاستثمار الأجنبي المباشر من شركة متعددة الجنسيات إلى فروعها في الدول المضيفة.

أمثلة على الشركات المتعددة الجنسية

وول مارت تتخصص في بيع التجزئة ومقرها في الولايات المتحدة وإيراداتها السنوية تقدر 488 مليار دولار حسب عام 2015، من الولايات المتحدة أيضًا شركة إكسن موبيل المتخصصة في مجال النفط والغاز وبلغت إيراداتها في 2015 269 مليار دولار، وهناك أيضًا رويال داتش شل الهولندية بإيرادات بلغت 265 مليار دولار، وأبل وسامسونغ وأمازون ومايكروسوفت ونسله وألفابت وفودافون وغيرها الكثير. [https://www.noonpost.com]

7 / ج – تأويلات نظريات علم الاجتماع

     1 – النظرية الوظيفية

     2 – النظرية الصراعية

بعد ان استجلينا مضمون وتأثير مؤثر الشركات المتعددة الجنسيات على دول العالم الحديث نقدم تأويل

 1 – النظرية الوظيفية: لهذه الحالة الممارسة من قبل دول المركز على دول المحيط المتمثلة بالنقاط التالية، حيث ترى هذه النظرية بإن هذا النوع من الشركات (المتعددة الجنسيات) تقدم خدمات إيجابية واضحة مثل :

1 – تطرح مساعدات فعلية للمجتمعات النامية في العالم.

2 – عبر خلق فرص عمل لأبنائها.

3 – واستحداث مناطق صناعية فيها.

4 – ورفع مستوى عيشها ومدَّهم بالوفرة المالية أكثر بكثير مما كانت الزراعة تقدمها لهم.

5 – تقدم لهم برامج تنموية ترقي مجتمعات دول العالم الثالث من خلال نشر الإبداعات والاختراعات والابتكارات التي تطرحها دول المركز.

6 – ومن خلال هذه الابداعات تتنافس مهارات أبناء دول المحيط التقنية والعلمية.

7 – بذات الوقت تستفاد هذه الشركات من خلال الأجور المنخفضة التي تدفعها لعمال الدول النامية عندما يعملوا معها.

8 – تحصل هذه الشركات على كلف انتاج منخفضة مما تساعد على ترويج بيع سلعها.

9 – تقلل تجارة هذه الشركات من حدة الصراعات التي قد تحصل بين الدول.

10 – تقدم هذه الشركات خدمات دبلوماسية ووجهات نظر إيجابية في تبادل العلاقات بين دول المركز والمحيط.

    هذه هي مرئية النظرية الوظيفية للشركات المتعددة الجنسيات التي هي محور الاستعمار الجديد في عصرنا الحالي.

2 – مرئية النظرية الصراعية: لا ترى ولا تحلل هذه النظرية مناشط الشركات ذات الجنسيات المتعددة والمتنوعة مثلما قدمته النظرية الوظيفية بل على عكسها لأنها ترى استغلال الشركات متعددة الجنسيات للعمال المحليين في الدول النامية (دول المحيط) في عملياتها التجارية لكي تحصل على منافع كبيرة إنما على حساب أتعاب ومشقة العمال في دول غير دول المركز. فمثلاً مقهى ستاربكس Starbucks (أشهر مقهى في الولايات المتحدة وأكثرها شيوعاً وذيوعاً) مقرها في مدينة سياتل في ولاية واشنطن التي تجلي حبوب القهوة من مزارع غواتيمالا تربح المال الوفير لكل باون واحد من القهوة المستوردة من غواتيمالا. إذ ان أجور قطف العمال لحبوب القهوة طيلة خمسة أيام من الأسبوع قليلة جداً جداً. إلا ان نقابة العمال تطالب بتحسين معاشات العمال وظروف معيشتهم وعملهم إلا ان الحكومة لا تلتفت الى مناداة النقابة والحالة ذاته مع شركة Nike التي نقلت مصانعها الى كوريا الجنوبية واندونيسيا وفيتنام بحثاً عن تكاليف عمل أرخص والحالة مثيلتها مع Reebok وGap هذه الشركات الأمريكية تستغل رخص الأيدي العاملة في دول المحيط وعدم وجود شروط وفروض تفرضها نقابات العمال عليها.

   لكن النظرية الصراعية وصلت الى خلاصة مفادها أن هذه الشركات المتعددة الجنسيات تعمل على تعزيز ودعم عدم المساواة في دول المحيط لأن اثرياء هذه الدول يملكوا الأرض والمال والنفوذ تقدم فوائد حتى الى أصحاب الفنادق الفاخرة والمطاعم الراقية كل ذلك يوسع الفجوة بينهم وبين العمال فتزيد من فقر الفقراء وتزيد من ثروة الأغنياء (في دول المحيط) بذات الوقت تثري أصحاب الشركات ذات الجنسيات المتعددة في دول المركز. يعني أنها شركات مضرة بالطبقة العاملة ونافعة ومثريه لمُلاك الشركات المتعددة الجنسيات.

7 – طبقات الأمم في عصرنا الحالي

  لأول مرة في تاريخ علم الاجتماع تظهر دراسات في حقل التدرج الاجتماعي Social stratification وذلك بسبب تفاقم الاختلافات الاقتصادية والايدولوجيا السائدة في العالم فضلاً عن اختلافها عما هو سائد في أدبيات علم الاجتماع في حقل التدرج الاجتماعي الذي يركز على الثروة المالية والسلطة والنفوذ الفردي في المجتمعات الغربية الصناعية الرأسمالية. ولا ننسى ما حصل من زوال المعسكر الاشتراكي بعد سقوط جدار برلين وتفرد المعسكر الرأسمالي على التحكم في مصير الشعوب النامية والفقيرة.

   ففي الوقت الحاضر هناك تصنيف يضم (195) أمة تعيش على الكرة الأرضية مختلفة في تاريخها وثقافاتها وثرواتها ومصادرها المادية والطبيعية ولغاتها المتنوعة وتراثها الغزير والغني بالثقافة الاجتماعية، كل ذلك تطلب ان تصنف اقطار هذه الأمم من أجل دراسة التاريخ الكوني الذي بدأ في بروزه بعد الحرب العالمية الثانية الذي تناول ثروتها وغناها وصناعاتها فتم طرح التصنيف التالي: –

1 – دول العالم الأول: الذي يمثل الأقل تصنيفاً الذي ضم الدول الصناعية الرأسمالية.

2 – دول العالم الثاني: الذي ضم الدول غير الصناعية والبلدان الفقيرة والمعسكر الاشتراكي (سابقاً).

3 – دول العالم الثالث: هذا الصنف أقل استخداماً في الوقت الراهن.

   لكن بسبب ممارسة سياسة الحرب الباردة عندما كان الغرب الرأسمالي (دول العالم الأول) يواجه معارضة من قبل المعسكر الشرقي الاشتراكي (دول العالم الثاني) بينما باقي الدول (دول العالم الثالث) بقوا على جنب.

    هذا من جانب ومن جانب أخر، بعدما تغير المعسر الشرقي في أوروبا وانهارت الشيوعية في الاتحاد السوفيتي في بداية العقد التاسع من القرن العشرين زالت دول العالم الثاني من التصنيف التدرجي.

    معنى ذلك ان هذا التدرج بالمقياس أو المعيار المالي للدخل الفردي طبقاً لإحصائيات البنك الدولي والأمم المتحدة وليس لمقياس المساحة الجغرافي للبلد أو  لحجمه السكاني أو لنظامه السياسي الذي يحكمه أو يسوده أو لموقعه الجغرافي على الكرة الأرضية متمتعاً بحراك دولي في هبوطه وارتقائه حسب التغيرات السياسية والعسكرية والتكنولوجية. بمعنى عندما حصل انهيار في المعسكر الاشتراكي في دول أوروبا الشرقية هبطت العديد من الدول الى أسفل التدرج وصعدت العديد منها على التدرج الدولي إضافةً الى المؤثرات التكنولوجيا المتطورة التي أحرزتها البلدان وجعلتها مرتقيه الى مراتب أعلى وهكذا.

     ولكي نجول طرداً مع ما سبق نتناول مشكلة تخص صنف العالم الثالث دفع ثمنها (100) بلد على انها من أبرز مشاكل دول العالم الثالث مثل دولة شيلي في أمريكا الجنوبية التي فيها مستوى انتاجي (13) مرة أكثر من أية دولة فقيرة في العالم مثل أثيوبيا في شرق أفريقيا. هذه الحقائق يطلق عليها النسق المنقح أو المُحسّن يضم (72) بلد يتمتع بدخل عالي تكنى هذه البلدان ببلدان ذات المستوى العالي في العيش، دخل الفرد فيها أكثر من (12,000) دولار. أما بلدان ذات الدخل المتوسط فهي ليست بغنية لأنها من الأمم ذات المستوى المعاشي السائد في العالم، دخل الفرد فيها يكون أقل من (12,000) دولار يعني أقل بكثير من (2,500) دولار في الشهر. اما باقي الدول وعددها 53 فهي من ذوي الدخل الواطئ تتصف بمستوى معاشي متدني في معيشتها لأن معظم افرادها من الفقراء. في هذه الأمم يكون دخل الفرد الواحد أقل من (12,000) دولار لكنه أكثر من (2,500) دولار في الشهر. أما باقي الدول وعددهم 53 فإن دخل الفرد فيها يكون واطئاً وذا مستوى معاشي واطئ جداً بمعنى من الفقراء (الفقر المدقع) تتصف هذه الدول بتركيزها على التنمية الاقتصادية تعرف بدول العالم الثالث.

    ومن نافلة القول ان الفرد أينما يعيش يكون متأثراً تأثيراً كبيراً على دخله ومستوى معيشته أكثر من موقعه الطبقي وان هناك تدرج اجتماعي ضمن كل مجتمع فمثلاً بنغلادش يعمل العمال الفقراء بمعمل الغزل والنسيج وان فقراء هذا البلد وبلدان مثل هايتي والسودان ليسوا بمستوى واحد بل حسب المرحلة التطورية التي يعيشها بلدهم.

1 – بلدان ذات دخل عالٍ

  في الأمم التي أخذت الثورة الصناعية مكانها قبل قرنين من الزمن ازدادت فيها عملية الإنتاج أكثر من 100 مرة ومن أجل فهم قوة الصناعة والتكنولوجيا والحاسوب علينا ان نحسب حساب الأمم الغنية بما فيها أمريكا وكندا وبريطانيا وفرنسا واليابان الذي يكون انتاجها أكثر بكثير من الذي تنتجه جنوب افريقيا التي أخذ التصنيع فيها وتكنولوجية الاتصالات فيها بشكل محدود. فالدول ذات الدخل العالي في العالم مثل الولايات المتحدة وكندا والمكسيك والأرجنتين وشيلي وأوروبا الغربية وإسرائيل والسعودية وسنغافورة وهونك كونك واليابان وكوريا الجنوبية وروسيا وماليزيا وأستراليا ونيوزلندا جميعها تغطي 47% من الكرة الأرضية في عام 2011م. أما سكان العالم أجمع فهو بحدود 1.5 بليون. أي بحدود 23% من سكان العالم أعني 3/4 من هؤلاء السكان يمثلوا أصحاب الدخل العالي يعيشوا في المدن الحضرية أو بالقرب منها.

   مما لاشك فيه ان الثقافات الاجتماعية لهذه البلدان مختلفة وليست واحدة. مثلاً المجتمعات الأوروبية تتكلم شعوبها 30 لغة رسمية لكنها تنتج سلعاً صناعية وخدمية تساعد الأفراد في معيشتهم اليومية. أما دخل الفرد السنوي عندهم فإنه يتراوح ما بين 13,000 دولار (في رومانيا وبنما) و 45,000 دولار (في الولايات المتحدة وسنغافورة والنرويج).

    ومن الحقائق الأخرى عن هذه الدول ذات الدخل العالي أنها تتمتع بـ 75% من دخل العالم الإجمالي ومع ذلك فلديهم الكثير من الأفراد ممن دخولهم واطئة.

    أما الإنتاج عند الأمم الغنية فيكون كثيفاً يعني انه معتمد على استخدام المعامل والمصانع والمكائن الضخمة والتكنولوجيا المتطورة والمتقدم ولديهم مشاريع كبرى ومؤسسات تقع في بلدان ذات دخل مرتفع وإزاء ذلك استطاعت أن تتحكم في الأسواق المالية الدولية، تحديداً في الأسهم والسندات والبورصة وتبادل العملات في نيويورك ولندن وطوكيو ذات التأثير البالغ على الأسواق العالمية.

     باختصار شديد هذه الأمم الغنية تكون ثريه جداً وذلك بسبب تقدمها التكنولوجي إضافةً الى كونها تتحكم بالاقتصاد الدولي.

2 – بلدان ذات دخل المتوسط

    يتراوح دخل أفراد هذه البلدان ما بين 2,500 دولار 12,000 دولار ويكون متوسطه 7,737 دولار وعلى الصعيد العالمي يعيش أفراد هذه البلدان في المدن الحضرية وبالرقب منها يمارسوا الاعمال الصناعية غير 46% يعيشوا في المناطق الريفية بينما يعاني معظم فقرائهم من الجوع والأمية وفقدان الرعاية الطبية ومحرومين من المساكن الصالحة للسكن البشري فضلاً عن انعدام الماء الصالح للشرب.

    ومن نافلة القول ان 70% من سكان العالم يُصنفوا من أصحاب الدخل المتوسط ويقع تدرجهم في أسفل التدرج العالمي مثل فينزويلا وبلغاريا وإيران الذي يبلغ دخلهم 11,000 دولار وفي النهاية السفلى من هذا التدرج تقع نيكاراغوا وكيب فيرد وفيتنام الذي يكون دخل الفرد السنوي فيها بحدود 3,000 دولار.

   ولا جرم من القول ايضاً ان دول أصحاب الدخل المتوسط يصنف مع صنف دول العالم الثاني مثل دول أوروبا الشرقية وغرب أسيا ذات الاقتصاد الاشتراكي لغاية عام 1989م (عند سقوط جدار برلين أو الثورات التي حصلت ما بين 1989 – 1991) التي ازالت الحكومات الشمولية في أوروبا الشرقية ومنذ ذلك الحين حصل فيها الحرية الاقتصادية في أسواقها وكانت من ضمنها دول أوكرانيا وكزاخستان وجورجيا وتركستان.

   دول أخرى تقع ضمن صنف الدخل المتوسط مثل بيرو والبرازيل وناميبيا وانغولا والهند والصين، جميع هذه الدول شغلت أو أخذت مساحة 36% من العالم أي من اليابسة على الكرة الأرضية وذات حجم سكاني وصل الى 4.2 بليون أو بحدود 61% أي تكون مكتظة بالسكان.

3 – بلدان ذات دخل واطئ أو متدني

  يتصف دخل هذه البلدان بالتدني ويكون أفرادها من الفقراء من ذوي الفقر المدقع أغلبهم من الفلاحين يعيشوا في القرى والأرياف والمزارع مع استخدام بعض الصناعات البسيطة التي يستخدموها في زراعتهم. يبلغ عدد البلدان من هذا الدخل بحدود 535 يعيش معظمهم في وسط وشرق افريقيا واسيا يغطوا مساحة 8% من الأرض على الكرة الأرضية يسكنوا في منازل بسيطة بنسبة 17% أما كثافتهم السكانية فتكون كثيفة في القرى والأرياف مثل بنغلاديش وتشاد وجمهورية كنغو الديمقراطية. أما نمط عيشهم فيكون من النوع التقليدي كما كان اسلافهم يعيشون بعيدة عن التطور والتقدم بمعنى مثلما عاش أجدادهم قبل قرون من الزمن. ومن نافلة القول ان نصف العالم يمثلوا الفلاحين ومتطبعين بالثقافة التقليدية مع عدد ضئيل ومحدود من الصناعات التقنية بحيث لا يستطيعوا ان ينتجوا انتاجاً غزيراً بسبب فقرهم المدقع لذلك تنتشر بينهم الأمراض المزمنة ويعانوا من المجاعة والمساكن غير الصالحة للعنصر البشري.

7 / خ – نظريات طبقات الأمم

 أو ما تسمى بنظريات التدرج الكوني Global stratification theories

   هناك تأويلات وتفاسير رئيسية حللت أو شرّحت التدرج غير المتساوي في ثروات العالم ونفوذه وهي: –

1 – نظرية الحداثة Modernization Theory

2 – نظرية التبعية Dependency Theory

3 – نظرية تقسيم العمل الجديد بين الأمم The new international division of labour theory

   قدمت هذه النظريات تعارضاً في تفسيرها وتحليلاتها لمعاناة جياع العالم في معظم الأقطار وهي كما يلي: –

1 – نظرية الحداثة: ظهرت هذه النظرية في العقد الخامس من القرن العشرين على يد منظري النظرية البنائية الوظيفية في الولايات المتحدة عندما انبهروا بموضوع التنمية الاقتصادية والتطور التكنولوجي وتغير نفوذ أصحاب هذا التطور في المجتمعات الأخرى مثل الاتحاد السوفيتي السابق والدول الاشتراكية والنامية على السواء وتأثيرهم على السوق التجاري الأجنبي.

   إذ أدلفنا الى مدار هذه النظرية من الزاوية التاريخية سنجدها انها لاحظت العالم في القرن العشرين كان يحارب الفقر في كل مكان مع وجود بلدان تعيش في رفاهية وترف باهر مع وجود دول أوروبا الغربية المستعمرة للعديد من الدول في أفريقيا وأسيا وأمريكا اللاتينية وتوسعها التجاري وما آلت اليه الثورة الصناعية ثم كانت أمريكا الشمالية متنعمة بالتطور التكنولوجي الصناعي مع سيادة روح الرأسمالية التي بلورت ثروة جديدة ام تكن قائمة في السابق. فكانت الثروة الجديدة نافعة ومفيدة فقط للقليل من الأفراد بينما كان التكنولوجي الصناعي منتج بوفرة مما أغني حتى الدول الفقيرة التي عانت منه لعقود من الزمن فتحسن مستوى عيشها.

     وفي البلدان ذات الدخل العالي التي فيها الثورة الصناعية متقدمة فقد أحرزت قفزة نوعية تعادل أربعة اضعاف ما كانت عليه خلال القرن العشرين.

أما الدول ذات الدخل المتوسط في أسيا وأمريكا اللاتينية فقد أضحت أكثر غناءً على الرغم من صناعتها المحدودة. بينما الدول ذات الدخل الواطئ فقد تحسن مستوى عيشها بشكل بسيط.

    السؤال الذي نريد طرحه في هذا السياق هو لماذا لم تزيح الثورة الصناعية الفقر من العالم؟ أجابت نظرية الحداثة على السؤال من خلال اجابتها بإن البيئة الثقافية التي لها تأثير بالغ على منافع الاختراعات والابتكارات إذ قالت لتقاليد المجتمع مؤثرات كبيرة على مسيرة التنمية الاقتصادية لأن التماهي والتماثل مع الماضي السحيق يثبط عزيمة الناس في تبني واكتساب التكنولوجية الجديدة التي تنمي وتطور مستوى عيشهم. مفاده أصحاب المصالح الذاتية وكبار السن يكونون متعودين على استخدام الأدوات التقليدية الموروثة فليس من مصالحهم تركها وانه ليس من السهولة عليهم تبني تقنية جديدة عليهم. فالمعارضين للتكنولوجيا الحديثة نجدها في كل مجتمع عند هؤلاء سواء كان ذلك في المجتمعات التقليدية أو المحافظة أو الحضرية أو الصناعية لأنهم يروا هذه الابتكارات مؤثرة سلباً على علاقاتهم الأسرية وعاداتهم الفردية والاجتماعية والثقافية والدينية. فقد لاحظ “ماكس فيبر” ان اصلاح المجتمع الغربي لم يحصل إلا بعد التغير الذي نادى به المذهب البروتستانتي الذي كان معارضاً للمذهب الكاثوليكي لأن الأول كان ينادي بحبه للعمل الجاد والتقدم والتطور الصناعي. من أبرز منظري الحداثة “والت رستو” Wall Rostow الذي قال بإن الباب مفتوحة للرفاهية والترف للجميع الذين يحبذون التقدم التكنولوجي الذي يحبذ التصنيع والتكنولوجيا وهنا حدد “روستو” أربعة مراحل للحداثة وهي: –

1 – المرحلة التقليدية: كانت الأسرة في القرون الماضية ملتفة حول الأسرة ومجتمعهم المحلي يمارسوا عادات قديمة وبالية لا يسمح إلا لعدد قليل من الأفراد بالتحرر منها وتعتبر حياتهم مستمتعين بالروح المعنوية ومقفلة على نفسها لا تقبل قدوم السلع المادية فلم يتقبل الناس قبل قرن من الزمن التنمية الاقتصادية ونجد في مثل هذه الحالة الرافضة للتنمية الاجتماعية في الوقت الحاضر في  بنغلادش والنيجر والصومال الذين ما يزالون يعيشون في المرحلة التقليدية الموروثة فبقوا فقراء والهند التي انخرطت مع الأمم ذات الدخل المتوسط نجد بعض شرائح مجتمعها يعيشون محافظين على تقاليدهم العتيقة وعدم رغبتهم بتركها وتبني غيرها قادمة من العصر الجديد.

2 – مرحلة الإقلاع Take – off – stag   

   تقع في هذه المرحلة بريطانيا العظمى في عام 1800 والولايات المتحدة عام 1820 وتايلاند من دول الدخل المتوسط، تبنت هذه الدول التأثيرات القادمة من التنمية السريعة المستخدمة التكنولوجي الجديد واستلام المساعدات الأجنبية والاستثمارات الرأسمالية وفرص التعليم المتقدم في الخارج وتأثير العالم المتقدم علمياً جميعها جعلت أسر هذه المجتمعات ان تكون متسامحة ومتفتحة على العالم الخارجي ونبذ الأساليب العتيقة في العمل الإنتاجي لأنهم أدركوا انها في خدمة مصالحهم ومستقبلهم وأدركوا ايضاً فائدة السلع المادية في الحياة اليومية واستمتاعهم بالرفاهية المادية واحترامهم للقيم الجديدة.

3 – التقدم نحو التكنولوجي المتكامل: في هذه المرحلة بدأ النمو يكون مقبولاً بشكل واسع واعتبره مولداً الحيوية المجتمع الساعي وراء العيش الرغيد والحرص على مسايرة الحياة المادية الجديدة والاستمتاع بفوائد الخدمات التكنولوجية فلم يبقوا نادمين على تركهم للعادات التقليدية البلية ولم يندموا على ما أدته التكنولوجيا من اضعاف وتهوين التقاليد الأسرية وحياة مجتمعهم المحلي. فبريطانيا العظمى في هذه المرحلة بحدود 1840 والولايات المتحدة بحدود 1860 والمكسيك بورتوريكو وبولندا من بين الأمم التي عاشت هذه المرحلة التطورية. وفي هذه المرحلة هناك الفقر المدقع المتناقض بشكل كبير في مدن Swell التي كان سكانها تركوا قراهم الزراعية من أجل البحث عن فرص للعمل واقتصاد أفضل. إذ ان التخصص بالعمل رفع من أجور العمال لأن الزيادة مركزة على سوق العمل والعلاقات أقل من شخوصها فنمت الفردية مما ولّدت حراك اجتماعي مسيطر على الحقوق السياسية فوصلت المجتمعات الى النضج التكنولوجي ولا ننسى التعليم في جميع مراحله مع التدريب المتقدم المرافق للتعليم لكل الناس. كل ذلك اعتبر الناس ان التقاليد باتت من الماضي السحيق لأنهم يبحثون عن طرق جديدة لمستقبلهم ولكن مع كل ذلك بقت مواقع المرأة ثابتة عكس مواقع الرجل.

4 – مرحلة الاستهلاك الجسيم: أدت التنمية الاقتصادية في البلدان النامية الى رفع مستوى العيش مثل الإنتاج الجسيم والهائل الذي حفز الاستهلاك بدوره فجعله مسرفاً. تعيش في هذه المرحلة المجتمع الأمريكي واليابان والاسترالي ودول أوروبا الغربية التي دخلت الى هذه المرحلة عام 1900 وصلوا الى مرحلة الرفاهية الاقتصادية ولا ننسى بعض مستعمرات بريطانيا مثل هونك كونك وسنغافورة. [Sociology. 2014. Pp. 248 – 261]

2 – نظرية التبعية Dependency theory

   ترى هذه النظرية ان الدول الغنية جعلت الدول الفقيرة الاعتماد عليها (مادياً وتقنياً وانتاجياً) في برامجها التنموية من أجل ابقائها تابعة لها (أي للأمم الغنية). بمعنى ان هذه النظرية تضع مسؤولية فقر الأمم الفقيرة على استغلال وابتزاز الدول الغنية لاحتياجات الدول الفقيرة في برامجها الإنمائية وهذا الاعتماد المتعمد لم يكن وليد اليوم بل يرجع الى عدة قرون من الزمن مما كرس تعزيز التفاوت الكبير بين الدول الفقيرة والغنية بحيث جعل الأولى معتمدة بشكل مُلح على الثانية.

   ومن نافلة القول ان الثورة الصناعية لم تقدم تحسناً كبيراً في مجال تنمية الدول ذات الدخل الواطئ. بل في الواقع أن معيشة المجتمعات في دول ذات دخل واطئ كانت أفضل من الناحية الاقتصادية من معيشة اجيالهم السابقة. أي ان الثورة الصناعية ساعدت وطورت الدول الغنية أكثر بكثير من الدول الفقيرة بل وجعلت الفقيرة أكثر اعتماداً وتبعية على الدول الصناعية الغنية وهذا يعني ان الدول الغنية صارت غنية على حساب الدول الفقيرة وكلاهما نتاج النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي الذي يمتص ويستغل المصادر الطبيعية والمادية من الدول الفقيرة ليرفع من مستوى غنى الدول الغنية وجعل الأولى معتمدة على الثانية أي تابعة في تنميتها الاقتصادية على الدول الغنية.

     ومن أجل اثبات طرح ذلك قدمت هذه النظرية صورة تاريخية لاستعمار الدول القوية والغنية في تاريخ البشرية، ففي أواخر القرن الخامس عشر بدأت أوروبا بِجَلب الأمريكان الى المعسكر الغربي ووضعت أفريقيا للمعسكر الجنوبي وأسيا للمعسكر الشرقي من أجل تحقيق السيطرة الاستعمارية ونجحت أوروبا في تلك القرون حيث سيطرت بريطانيا العظمى وبسطت نفوذها على ربع العالم وتفاخرت بسيطرتها من خلال قولها ان الشمس لا تغيب عن الامبراطورية البريطانية وحتى الولايات المتحدة كانت تمثل رقعة من رقاع هذه الإمبراطورية المستعمِرة وبعد فترة وجيزة عبرت القارة فاشترت الاسكا وسيطرت على هايتي وبورتوريكو وجوام والفلبين وجزيرة هواي وكوبا وخليج غوانتناموا.

     ومع التوسع الاستعماري برز شكل وحش يعبّر عن الاستغلال البشري وتجارة العبيد العالمية (كان ذلك في الفترة الواقعة بين 1500 و1859) بل وسيطرت أوروبا على معظم البلدان الأفريقية.

   ولكن بعد تحرر الدول من السيطرة الاستعمارية الأوروبية من الناحية السياسية بقت هذه الدول مسيطر عليها من الناحية الاقتصادية فكان يمثل الاستعمار الجديد فلم تتحرر البلدان المستعمَرة من المستعمِرة اقتصادياً بقت تابعة لها.

7 / د – اقتصاد العالم الرأسمالي

    “إيمانؤيل فاليرستن” Immanual Wallerstein في عام 1984 أوضح التدرج الدولي من خلال نموذج “الاقتصاد الرأسمالي العالمي” موضحاً رفاهية البلدان الغني متأتي من اقتصاد البلدان الفقيرة واعتماد الأخيرة على الأولى في تنميتها الاقتصادية الذي مثل ويمثل الخلفية التاريخية للاستعمار الغربي الذي يرجع الى 500 مضت عندما جمعت أوروبا ثروتها من البلدان التي استعمرتها وهذه أحدى خصائص الرأسمالية أطلق (فاليرستين) كلها بدول (المركز) التي جمعت المواد الطبيعية الخام من (دول المحيط) التي هي الدول التي كانت مستعمِرة لها من أجل تغذية الثورة الصناعية أي انها سلبت بشكل قامع لمصادر الطبيعة لتغذي ثورتها الصناعية هذا على الصعيد الماضي أما على الصعيد الحالي فإن الشركات ذات الجنسيات المتعددة قامت بعمل مشابهة للعمل الاستعماري الأوروبي قبل 500 سنة حيث جنت المنافع والفوائد والثروة لأمريكا الشمالية وأوروبا الغربية وأستراليا واليابان (دول المركز) من بلدان المحيط ذات الاقتصاد المتدني معززة بذلك العمل غير المتكافئ في الأسواق والإنتاج الصناعي.

   أما البلدان الأخرى فتكون ممثلة لدول شبه المحيط في اقتصادها العالمي مثل الهند والبرازيل التي تكون ذات علاقة قريبة من اقتصاد دول المركز.

واستناداً بطرح “فاليرستين” يمسي الاقتصاد العالمي مقيد ونافع للمجتمعات والدول الغنية من خلال جَلب وتحريك الفوائد لهم وإيذاء باقي دول العالم وذلك من خلال بلورة الفقر وهذا يعني ان اقتصاد العالم هو الذي صنع أو جعل الفقر يسود الأمم الفقيرة وذلك من خلال جعلها تابعة لهم ومعتمدة عليها في تنميتها الاقتصادية وقد فصلَّ ذلك من خلال: –

1 – توجيه الاقتصاد نحو التصدير وتضييق أو خنق الأمم الفقيرة مع فتح الباب الضيقة الضئيلة الى اليابان الغنية مثل تصدير القهوة والفاكهه من أمريكا اللاتينية والبترول من نيجريا والاخشاب الصلبة من الفلبين وزيت النخيل من ماليزيا.

    ومن نافلة القول في وقتنا الحاضر تشتري الشركات ذات الجنسيات المتعددة المواد الخام بسعر بخس من الدول الفقيرة ونقله الى الدول الغنية لتصنيعه وانتاجه ثم بيعه الى الدول الفقيرة وذات الدخل الواطئ بأسعار عالية أي تأخذ المواد والمصادر الطبيعية من دول المحيط وترسله لدول المركز ثم تبيع منتجات ذلك بأخذه من دول المركز الى دول المحيط وهنا تصبح دول المحيط ضحية مربعة أي تخضع مرتين للاستغلال والاستنزاف لدول المركز عن طريق شركاتها ذات الجنسيات المتعددة.

2 – افتقار الطاقة الصناعية: إذا لم تكن الطاقة الصناعية مبنية على طاقة صناعية فإن دول الفاقدة لهذه الطاقة تكون من الدول الفقيرة وتواجه عوائق جسيمة ومضاعفة وإزاء ذلك تضطر هذه الدول الفقيرة ان تبيع موادها الخام بأسعار رخيصة للدول الصناعية الغنية وبعد تصنيعها تشتري منتجات موادها الخام من الدول الغنية الصناعية والتي انتجتها بأثمان عالية مثال على ذلك قديماً كانت بريطانيا العظمى تشجع المجتمع الهندي والحكومة الهندية على زراعة القطن من أجل تجهيز مصانع الالب في مدينة بيرمنغهام ومدينة مانشستر ثم شحنها كسلع مصنعة بشكلها النهائي الى الهند. ثم ذكرت نظرية التحديث أو الحداثة ان الدول الغنية تعمل بنفس الطريقة هذه إذ تشتري المواد الخام بسعر بخس من الدول الفقيرة وتبيع لهم المكائن ومبيدات الحشرات بأسعار عالية لا لفائدة المجتمعات الفقيرة بل لكي تحصد منتجاتها وتشتريها منهم بأسعار بخسة انه تبادل تجاري غير عادل وغير متكافئ لأنه يتصرف تصرفاً استغلالياً ومبتزاً.

3 – الديون الأجنبية: يقوم نمط التجارة غير المتوازنة على استدانة الدول الفقيرة أموال من الدول الغنية المالكة للمصادر الغنية لجعلها تحت رحمتها والتحكم في اقتصادها فمثلاً هناك 3.5 ترليون دولار ومئات البلايين من الدولارات تمتلكها الولايات المتحدة كديون للدول الفقيرة التي تشكل عجزاً مالياً عندها (أي عند الدول الفقيرة) مولداً بطالة بنسبة عالية ومديونية مرتفعة. أي ان مديونية الدول الفقيرة للدول الغنية تصل الى 3.5 ترليون دولار ومائة بليون دولار تطلبها الولايات المتحدة من الدول التي استلفت منها.

7 / ذ – دور الأمم الغنية في التنمية العالمية

   حددت نظرية التحديث ونظرية التبعية ادواراً مختلفة يقوم بها الدول الغنية إذ تقول نظرية الحداثة ان البلدان الغنية تنتج الثروة من خلال الاستثمارات الرأسمالية والتقنية الجديدة، أما نظرية التبعية فإنها ترى عدم وجود توازن دولي يرجع الى توزيع الثروة بشكل غير عادل.

   كما رفضت نظرية التبعية فكرة برنامج التنمية من خلال البلدان الغنية بالسيطرة على الزيادة السكانية وانماء البلدان الزراعية فيها وتنمية المنتوج الصناعي لكي نرفع مستوى العيش في البلدان الفقيرة لأن ذلك يخدم الدول الغنية قبل الفقيرة.

   لا جرم من الإشارة الى ان الدول ذات الثقافة الرأسمالية الصناعية تقول بإن الفقر في البلدان الفقيرة ناتج عن زيادة عدد انجاب الأطفال مع وجود كوارث طبيعية مثل التصحر والجفاف وليس ناتج عن سياسات الحكومات المستقرة لأن العالم الان قادر على انتاج غذاء يكفي معظم سكان الأرض وان أفريقيا وحدها قادرة على تصدير الغذاء أكثر من عدد سكانها لكنها تعاني من الفقر والمجاعة وان قادة الشركات العالمية العملاقة تنسق مع قادة الدول الفقيرة لزراعة وتصدير محاصيل بلادهم مثل القهوة التي كان من المفروض استخدام الأرض لإنتاج محاصيل أساسية مثل الفاصوليا والذرة للأسر المحلية لكن حكومات الدول الفقيرة تدعم هذه المطاليب من أجل تصديرها لكي يجنوا عوائدها المالية ولتسديد مديونتهم الأجنبية وهذا يصب في منفعة بلدان المركز لأنه يغذي اقتصاده على حساب اقتصاد دول المحيط.

   لكن طرحت نظرية الحداثة أربع أدوار تستطيع الدول ذات الدخل العالي ان تلعبها في عملية تنمية الاقتصاد العالمي وهي ما يلي:

1 – السيطرة على الزيادة السكانية: بسبب الزيادة المطردة لنمو سكان المجتمعات الفقيرة تستطيع الدول الغنية ان تساعدها من خلال تقديم تقنيات ضبط النسل لهم وارقاء استخدامه عندها يهبط معدل الولادات عندهم مثلما هو حاصل في الأمم الصناعية لأن كلفة تربية الأطفال تكون باهظة تزيد من الاستهلاك ومتطلبات معيشتهم.

2 – زيادة الإنتاج الغذائي: وذلك عن طريق تصدير الأمم الغنية وسائل تقانية ومصانع تكنولوجية للمجتمعات الفقيرة لمساعدات عوائدهم الزراعية وتطوير مصادر الثروة الزراعية الخضراء بضمنها البذور الهجينة وابتكار طرق ري حديثة وتقديم لهم أسمدة كيمياوية ومبيدات للحشرات الضارة.

3 – التعريف بالتكنولوجي الصناعي الجديد: وذلك عن طريق تشجيع النمو الاقتصادي من خلال تعريف المجتمعات الفقيرة بالمكائن والتقنيات المعلوماتية التي تزيد من العملية الإنتاجية من أجل تحويل مهارات القوى العاملة في النشاط الزراعي الى مهارات صناعية متقدمة وارقاء الخدمات العمالية.

4 – تقديم مساعدات مالية: مثل الاستثمارات المالية من أجل تعزيز رفاهية المجتمعات الفقيرة في محاولة لإيصالهم لمرحلة الإقلاع لأن هذه المساعدات تستطيع ان ترفع المنتوج الزراعي عندهم عن طريق شراء الأسمدة وانشاء مشاريع ري حديثة إضافة الى المساعدات المالية والتكنولوجية من أجل بناء مصانع تساعد على تحسين المنتوج الصناعي فمثلاً تقدم الحكومة الأمريكية سنوياً 34 بليون دولار كمساعدات أجنبية للبلدان النامية.

7 / ر – عواقب عدم الاستواء بين طبقات الأمم

 لقد أسهبنا بشكل مفصل عن مستويات الطبقات الاجتماعية من عيشها وعملها وأجورها ودخلها وحراكها ونفوذها، جاء الان الى طرح ما تفرزه من خروقات جوهرية مختلفة بين قطبين من المجتمعات وهما القطب الغني والقطب الفقير اللذين يتنافسا بالصعود على التدرج الاجتماعي بواسطة الحراك المعتمد على الإنجاز والكفاءة والخبرة والارث المادي والمعنوي. وطالما نحن في دراسة موضوع طبقات الأمم فإنه يتوجب علينا ان نستخدم معايير كمية تعبّر عن الفروقات الجوهرية بينهما لا على الصعيد الفردي أو العائلي بل على الصعيد السكاني.

1 – السكان: انه أكبر الفروقات بين الأمم الغنية والأمم الفقيرة حيث تتصف الأمم الفقيرة بالصفات التالية:

1 – معدل عالٍ من الولادات.

2 – معدل عالٍ من الوفيات.

3 – خصوبة عالية عند النساء بحيث يكون معدل أطفالها خمسة.

4 – نمو سكاني سريع.

5 – نسبة عالية من الأطفال.

أما صفات الأمم الغنية فإن حجم سكانها يصل الى بليون نسمة يمثلوا 15% من سكان العالم.

1 – لا ينمو سكانها بنفس سرعة نمو السكان الأمم الفقيرة.

2 – لا تلد المرأة أكثر من طفلين طيلة حياتها.

3 – نمو سكانها يصل الى 1.2%.

4 – هبوط في معدل سكانها.

5 – معدل خصوبة نسائها واطئة.

6 – لديها نسبة عالية من المسنين وهذا ما يجعلها تتحمل مصاريف كثيرة وعبء ثقيل من الناحية الخدمية والمادية.

7 – يعيش معظم افرادها في المناطق الحضرية.

  نأتي الان لتوضيح كلفة نمو السكان السريع الناجم عن الخصوبة العالية عند الأمم الفقيرة التي تتمتع بولادات عالية مما تضعها (هذه الولادات) أمام تحديات متعددة مثل الحاجة الى العديد من المستشفيات والمدراس لهم وهذا عادةً ما يرهق خزينة الدولة الفقيرة في ثروتها. هذا من جانب ومن جانب أخر تكون نسبة الشباب فيها قليلة أقل من نسبة الأطفال وهذا عادةً ما يجعل هذه الأمم (الفقيرة) بحاجة الى الأعمار الشبابية لكي تساهم في عملية التنمية الاقتصادية. معنى ذلك ان الأمم الفقيرة تعاني من ضغطين مصدرهما سكانها وهما ازدياد عدد الأطفال ونقص في عدد الشباب مما يزيد من تركيزها على الخدمات العامة مثل انشاء مؤسسات تلبي احتياجات الأطفال في العلاج والتعليم لا تستفاد منهم في بناء التنمية الاقتصادية لأنهم يمثلوا فئة مستهلكة غير منتجة.

    أما في حالة الأمم الغنية فإن حالة سكانها تولّد مشكلة مشابهة للأمم الفقيرة وهي انها لا تملك العنصر الشبابي فتكون بأمس الحاجة اليهم في سوق العمل لأنها تعاني من شحة في الأيدي العاملة مما يضطرها ذلك الى استيرادها من بلدان أخرى. في الواقع أن مشكلة الأمم الغنية فيها ثلاثة أضلاع حادة هي: قلة في الولادات، قلة في الأيدي العاملة الشابة وكثرة أعداد المسنين، عدم التوازن هذا بين العناصر السكانية يكلف هذه الأمم مصاريف باهضه لكي تواجه حضريتها وغناها.

    السؤال الذي يداهمنا هنا من الذي يسبب افتقار الأمة؟ هل الخصوبة الجنسية العالية عند المرأة؟ أم معدل الولادات العالي؟ أم الحجم السكاني الكبير؟ ومن الذي يسبب غنى الأمة؟ هل الخصوبة الجنسية الواطئة عند المرأة؟ أم المعدل المتدني في الولادات؟ أم الحجم السكاني الصغير؟

   هناك عدة تأويلات لهذه الأسئلة وهي ما يلي، أحدهما يؤول كالآتي: أن النمو السكاني السريع والمعدل العالي من الولادات يؤديان الى الركود الاقتصادي وهذا هو السبب الجوهري لفقر الأمة.

وهناك تأويل أخر مفاده ان الحجم السكاني الكبير يؤدي الى النمو الاقتصادي والرفاهية الحضرية مثال، المجتمع الأمريكي تعداده السكاني 309 مليون نسمة يعني انه ثالث أكبر سكان في العالم وهو أغنى المجتمعات اقتصادياً والأكثر نماءً في العالم. كذلك الصين والهند كلاهما يتمتعان بحجم سكاني كبير ومن ذوي اقتصاد متنامي وزاهر.

وهناك تأويل ثالث يقول بإن الحجم السكاني الكبير والمعدل العالي من الولادات يعيق التنمية الاقتصادية. ولا ننسى الخصوبة العالية ومؤثراتها الإيجابية على مستوى التصنيع وليس العكس. طالما التطور الاجتماعي متقدم باستمرار فإن الخصوبة الجنسية تنقص ويتوقف النمو السكاني.

   أخيراً نقول بإنه هناك علاقة جدلية متفاعلة بين السكان وعدم استواء طبقات الأمم كلاهما سبب ونتيجة لطبقات الأمم، ولكل قاعدة شواذ بمعنى اننا نجد عند الأمة الغنية تضخم حجم سكانها لكن معدل ولاداتها قليل ومعدل وفياتها قليل ايضاً وخصوبة اناثها ضعيفة مثل المجتمع الأمريكي.

2 – الصحة والبيئة: الاختلافات في عواقب عدم استواء الأقطار الغنية عن الأقطار الفقيرة تبرز بشكل جلي وبارز في مجالين الأول بشري والثاني بيئي ففي المجال البشري هناك اختلافات صحية عند كلا القطرين عند الأقطار الفقيرة ذات الدخل الواطئ يكون:

1 – معدل وفيات الأطفال غالباً عندها.

2 – يكون الوزن الطبيعي للأطفال عند ولادتهم قليل بمعنى أنهم يولدون ضعاف البنية.

3 – قصر العمر المتوقع لحياة الفرد.

4 – وفاة الأطفال يكون ضمن السنوات الخمسة الأولى من ولادتهم.

5 – لا تمتلك الماء الصالح للشرب (أي غير نقي وغير نظيف).

6 – نسق الصرف الصحي عندها غير معقول ومقبول.

7 – ماء الشرب عندها ملوث يسبب اسهال عند الأطفال ومرض الكوليرا والدزنتري وأمراض أخرى لكنها لا تسبب الوفاة عند الكبار.

8 – يتعرض أطفالهم بشكل كبير للإصابة بأمراض تسببها المياه الملوثة.

   أما الأمم ذات الدخل العالي (الأغنياء):

1 – يصل العمر المتوقع عندهم لسن سبعة وسبعون عاماً.

2 – وفاة المرأة يحصل بعد وفاة الرجل بخمس سنوات باستثناء بعض المناطق الفقيرة والمعزولة في الأقطار الغنية.

3 – لديهم ماء صالح للشرب (نقي ونظيف).

4 – نسق الصرف الصحي مقبول ومعقول.

   هذه أبرز العواقب التي يفرزها عدم الاستواء الاجتماعي بين الأمم الغنية والأمم الفقيرة.

   أما بالنسبة لمجال البيئة فيكون تآكلها وتلوثها بسبب الأفراط والمبالغة في استهلاك مصادر الطاقة البيئية يؤدي الى استنزافها مثل هو حاصل في أمريكا الجنوبية وجنوب أفريقيا والمكسيك وجنوب شرق اسيا (جميعها من الأمم الفقيرة ذات الدخل الواطئ). ثم هناك استخدام البيوت الزجاجية في الزراعة مع حرق الوقود الحجري الذي يبعث الكاربون مما يسبب اصراراً للصحة البشرية وهذا ما هو سائد في الولايات المتحدة وكندا وأستراليا والصين ودول أوروبا الغربية بسبب استخدامهم للطاقة بشكل مفرط.

   حريّ بنا أن نشير الى إن الأمم ذات الدخل العالي (الغنية) التي تشكل فقط 15% من حجم سكان العالم تستهلك أكثر من نصف الطاقة المتوفرة في العالم. مثال على ذلك تستهلك الولايات المتحدة 1/4 الطاقة المتوفرة في العالم وهي تشكل فقط 4% من سكان العالم. بمعنى إن الأمم الغنية تستنزف الطاقة الطبيعية من البيئة أكثر من حجمها السكاني الفقيرة ذات الدخل الواطئ (الفقيرة) وهذا تدمير من قبلهم وتلويثها في نفس الوقت.

  هذا على صعيد الطاقة الطبيعية، أما على صعيد الماء النقي الصالح للشرب فهو ايضاً يسبب مشكلة بيئية وسكانية حيث أكثر من بليون شخص لا يحصل على الماء النقي والنظيف الصالح للشرب، فضلاً عن أن مصادره الطبيعية قد قلت وسوف تتفاقم مشكلتها كلما يتنافى سكان الأرض وترتفع وتائر التنمية الاقتصادية. بهذا الصدد فقد أنذر ونَبَه  البنك الدولي العالم الى قوع مشكلة توفر الماء الصالح للشرب عام 2025م. [Andersen and Taylor. 2013. P. 210]

   وقبل ان ننصرف عن هذا الموضوع نطرح استنزاف الإنسان (الغني والفقير) للبيئة التي تؤذي كل الأمم بدون استثناء.

   دأب الانسان على تدمير بيئته التي تعتبر الاطار الذي يعيش فيه ويحتاجها للحصول على مقومات حياته من ماء صالح للشرب وطعام واماكن ملائمة للسكن. الانسان هو أساس التغيرات البيئية وهو المسؤول عن استغلال جميع الموارد البيئية في الارض، والانسان هو صانع التنمية والقوة المتنفذة. إن احتياج الانسان لتأمين حياته وضمان العيش الآمن ادى الى استنزاف موارد الطبيعة مما نجم عنها الاخلال بالبيئة.

يسر التقدم التكنولوجي للإنسان مزيدا من فرص اِحداث التغير في البيئة في ضوء ازدياد حاجته للغذاء والماء وتحقيق الرفاهية مما جعله يبحث عن وسائل توفر له ذلك حتى شن عملياته الواسعة بإزالة اشجار الغابات وحول ارضها لمجمعات سكانية ومعامل صناعية ومنشآت تجارية، كما افرط باستخدامه المبيدات الحشرية والاسمدة الكيمياوية في الاراضي الزراعية واخيرا الرعي المكثف مما ساهم بإخلال توازن النظام البيئي. يتعذر على اي منشأة صناعية ان توفر للإنسان ما توفره الغابات من الترويح والتنزه ولطافة الجو والهواء النقي، ولا تقتصر فائدة الاشجار ايضا بتوفير الاوكسجين للإنسان والحيوان وامتصاص غاز ثاني اوكسيد الكربون فلها خصائص عديدة منها المساهمة بتقليل وقوع الفيضانات اذ تمتص اوراق الاشجار مياه الامطار وبالتالي تقلل من وصول المياه الى المدن وحصول الفيضانات. وتعتبر الاشجار كمصد للرياح لحماية المحاصيل الزراعية كما لها اهمية بارزة كحزام اخضر حول المدينة لحمايتها من الزحف الصحراوي وتثبيت الكثبان الرملية ووقف زحفها نحو الاراضي الزراعية.

ادى استغلال الانسان للغابات والقطع الجائر للأشجار والتوسع العمراني على حساب ازالة الغابات إلى الاخلال بالنظام البيئي مما اوجد العديد من المشاكل التي سببت هجرة الطيور والحيوانات والقضاء على الحشرات التي لها اهمية للتربة ولأشجار الغابات ايضا، اضف لذلك الكوارث البيئية كالتصحر والاعاصير والفيضانات والزلازل نتيجة ازالة الغابات.

ولا يقتصر فعل الانسان المدمر على ازالة الغابات لتدمير البيئة، فقد حفزت التكنولوجيا لبناء المصانع واستخدام الوقود في الصناعة والنقل والكهرباء وللطائرات وفي الحروب وأدت لانبعاثات غازات ضارة الى الجو وبالتالي لوثت الهواء. اما مصادر تلوث المياه فقد تسبب بها الانسان بفعل نشاطه غير المبرر الذي تمثل بإلقاء مخلفات المصانع و مياه الصرف المنزلية ومياه الصرف الزراعي المحملة بالمواد الكيمياوية الى الانهر والبحار التي تحوي السموم من المعادن الثقيلة، فهذا يؤثر سلبا على الاسماك وبقية الاحياء وحتى الطيور، وبالنتيجة يتأثر بها الانسان نفسه نتيجة فعلها الضار. وتعدى ذلك دفن النفايات وطمرها في اماكن غير مؤهلة. وامتد فعل الانسان المؤثر على البيئة حتى خلال عمليات تفريغ البترول من قبل الباخرات والسفن الى البحار وما ينجم عنه من ضرر للكائنات البحرية.

العديد من الكوارث المناخية شهدتها الارض خلال السنوات الست الماضية بالتحديد والتي كان لآثارها فعل مدمر اسفر عن آلاف القتلى والمصابين بالإضافة لتدمير البنى التحتية لعدة مدن وانهيار النظام الخدمي والصحي فيها. نذكر منها كارثة تسونامي 2004 واعصار كاترينا الذي ضرب الولايات المتحدة في 2005 واعصار الفلبين واعصار جونو الذي ضرب سلطنة عُمان في 2007 وفيضانات جدة 2009 في المملكة العربية السعودية واخر تلك الكوارث زلزال هاييتي بالإضافة لسلسلة زلازل هزت دول عدة حول العالم. وعند التطرق لجميع تلك الكوارث نجد البعض منا ينسبها للطبيعة وهذه حقيقة لا غبار يشوبها لكن كيف حصلت الخسائر الهائلة في الارواح والممتلكات حتى طالت دولا او مدنا بأكملها كما في تسونامي بإندونيسيا الذي امتدت اثاره لتشمل ماليزيا وتايلند والهند وسنغافورة وباكستان؟ الجواب يقودنا للعودة الى فعل الانسان المدمر ونشاطه غير المسبوق لاستثمار خيرات الارض مع الإخلال بالتوازن البيئي بين الانسان والطبيعة. إذ ان الانسان قد اعتدى على الطبيعة وغير منظومتها لتأتي افعالها عكسية. مثال ذلك حينما عمدت يد التطور البشري الى الشواطئ البحرية بإزالة الغابات من جهة وبناء الفنادق السياحية والمنتجعات والمجمعات السكانية قرب تلك الشواطئ من جهة اخرى، في تلك الحالة قمنا – كبشر – بالاستغناء عن شبكة حماية المدن وهي الغابات التي تعتبر درعا للتصدي للفيضانات والاعاصير كما ذكرنا سلفا وكذلك البناء على اراضي هشة لا تستطيع مقاومة الفعل المدمر للزلازل والفيضانات، وبما ان تلك المناطق الهشة تضم كثافة سكانية هائلة بفعل التوسع العمراني حولها فإن الخسائر ستكون كبيرة بشريا وماديا. بفعل النشاط الصناعي للإنسان المسبب للاحتباس الحراري نتيجة الغازات المنبعثة من المصانع كثاني

الكربون والميثان مما زاد من ارتفاع حرارة الارض وهذا ما سبب حرائق الغابات وحولها كمصدر لانبعاثات ثاني اوكسيد الكربون عوضا عن دورها في امتصاصه والمحافظة على استقرار المناخ. كما ان ازدياد النمو السكاني العشوائي لدى سكان العالم ولد الحاجة الكبيرة لتوفير الغذاء والسكن وبخاصة لدى الدول الفقيرة وهذا بالتأكيد اوجد الرغبة لدى الانسان بالتعدي على الاراضي الزراعية واستغلالها بشكل قاس باستخدام الاسمدة الكيمياوية من جهة وزراعتها باستمرار وبشكل مكثف وبالتالي اصبحت الاراضي الزراعية غير صالحة للزراعة. جميع تلك الاعمال هي مع الاسف في ازدياد مستمر من قبل الانسان مما سبب تدمير الوسط البيئي للعديد من الكائنات الحية واجبارها على هجر موطنها وذلك ما نسميه بتهديد التنوع الحيوي.
أفرزت نشاطات الانسان الخطرة كاستنزاف الموارد الطبيعية والاحتباس الحراري وتلوث الهواء والماء والتربة وتصريف النفايات العشوائي الى اختلال التوازن البيئي، وذلك سيؤثر بالتأكيد على الاجيال القادمة اذا لم يتم تدارك فعل الانسان المؤثر بشكل سلبي تجاه البيئة، لذا المطلوب فعله قبل كل شيء هو التزام الانسان والشعور بمسؤوليته الاخلاقية تجاه البيئة المحيطة به.
[https://www.rudaw.net]

 3 – التعليم والأمية

  من العواقب الأخرى التي ينتجها عدم استواء الأمم الغنية مع الأمم الفقيرة هي التعليم والأمية. فالأمم ذات الدخل العالي (الغنية) تشير الى أن معظم افرادها تتلمذوا بالمدراس وتعلموا فيها على الأقل في المرحلة الابتدائية لأنها الزامية ومجانية ومضمونة. أما الأمم الفقيرة ذات الدخل المالي الواطئ فإن الصورة معكوسة عما هي في الأمم الغنية لكن السؤال الذي يداهمنا في هذا السياق هو كيف يعيش الأفراد وهم لا يعرفون القراءة والكتابة؟ ثمة حقيقة عن هذه الإشكالية وهي ان الكثير من المجتمعات الفقيرة لديها أو تمارس التعليم المنزلي مثل الكتاتيب في المجتمع الإسلامي والعربي في تعلم الأطفال قراءة القران وكيفية الكتابة واتقان الحساب لأن مثل هذه المعارف يحتاجوها في حياتهم العامة عندما يخرجوا الى سوق العمل ليعملوا إلا ان هذه المدراس أو المجالس لا تُعلم المهارات والحرف لذلك لا يستطيعوا (الأطفال) ان يعملوا إلا في مجتمعاتهم التقليدية المحافظة وليس في المجتمعات الحضرية والصناعية. وهذا يعني ان هذه المجتمعات الفقيرة لم تهمل اطفالها بدون تعلم بل تعليمهم ما يحتاجونه في الاعمال التي يتطلبها مجتمعهم التقليدي من اعمال حرفية ويدوية لأنها أساسيات وضروريات العمل التقليدي.

    وللمزيد من المعلومات عن عدد الأميين في العام يقدم الاحصاءات الحديثة لكي يتعرف القارئ على احدى عواقب عدم استواء الأمم الغنية مع الفقيرة وهي ما يلي:

 ترتيب نسبة الأمية في العالم

 عدد الأميين حول العالم 750 مليون أميًا في عام 2017، ثلثهم من الذكور، وثلثان من الإناث.

 عدد الذكور الأميين في العالم 277 مليون في عام 2017، بنسبة 37% من مجموع الأميين حول العالم.

عدد الإناث الأميات في العالم 473 مليون في عام 2017، بنسبة 63% من مجموع الأميين في العالم.

في عام 2017، نسبة التعليم في العالم لما فوق 15 عامًا كانت 86%، نسبة تعليم الذكور في العالم 90% ونسبة تعليم الإناث 82.7%.

في كوريا الجنوبية، أعلى نسبة تعليم في العالم حيث وصل معدل التعليم تقريبًا إلى 100% بين الرجال والنساء.

 تعتبر اليابان من الدول ذات أقل نسبة أمية في العالم.

حسب إحصائيات اليونسكو لعام 2015، تجاوزت نسبة التعليم 99% في 30 دولة من دول العالم، وكان في مقدمتها، كوريا الجنوبية، لاتفيا، إستونيا، ليتوانيا، أذربيجان، بولندا، كازاخستان، طاجكستان.

 وصلت نسبة الأمية في الصين في عام 1949 حوالي 80%، وفي عام 2014 وصلت نسبة الأمية إلى 5%، ورقم أن النسبة قليلة، إلا أن العدد كبير، لأن 5% من سكان الصين هو ما يقارب 54 مليون أمي.

 أعلى نسبة أمية بين القارات موجودة في أفريقيا. 38% من سكان أفريقيا البالغين أميون. أفريقيا هي القارة الوحيدة التي فيها أكثر من نصف الأهالي لا يستطيعون مساعدة أطفالهم في واجباتهم المدرسية.

أعلى نسبة أمية في العالم موجودة في بوركينا فاسو وجنوب والسودان وأفغانستان والنيجر.
بوركينا فاسو بلد في غرب أفريقيا، تقريبًا 75% من سكانه لا يستطيعون الكتابة والقراءة.
 نسبة التعليم في جنوب السودان 27% فقط، أي أكثر من 70% من سكان جنوب السودان أميون.

 نسبة التعليم في النيجر بين الذكور 43% بينما نسبة التعليم بين الإناث 15% فقط. والنسبة العامة للجنسين هي 28.7%.

 نسبة الأمية في أفغانستان أكثر من 65% بسبب نقص المدرسين وبسبب عمالة الأطفال منذ الصغر.

 في إثيوبيا، 39% من السكان فقط يستطيعون الكتابة والقراءة!

 في غينيا، يبلغ معدل الأشخاص الذين يستطيعون القراءة والكتابة 41%.
بنين هي منطقة غرب أفريقيا، يبلغ عدد سكانها حوالي 10.88 مليون نسمة، ولا يوجد في البلاد سوى 42% ممن يجيدون الكتابة والقراءة.

 الصومال والشاد ومالي وسيراليون والسنغال وغامبيا أيضًا من الدول ذات نسب الأمية المرتفعة ونسب التعليم المنخفضة.

سجلت الهند أعلى عدد من الأميين في العالم، حيث وصل عدد الأميين إلى 286 مليون شخص.

 نسبة أمية الأطفال في مناطق الأزمات والصراعات والحروب 42%.

ترتيب نسبة الأمية في الوطن العربي

   نقلًا عن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) حول معدل الأمية في   الدول العربية في عام 2018:

“الأمية ما زالت تمثل واحدة من أولى قضايا الأمن القومي العربي. ولأن كانت البيانات تشير إلى انخفاض تدريجي لنسب الأمية التي مرّت من 73% في صفوف الفئة العمرية “15 سنة فأكثر” عام 1970 إلى 48.8% عام 1990 وإلى 38.8% عام 2000، فإنّ إحصائيات مرصد الألكسو توضّح أنّ معدّل الأمية في الدول العربية يبلغ حاليّا 21% مقارنة بـ 13.6% كمتوسط عالمي، وهو معدّل مرشّح لمزيد من الارتفاع في ظلّ الأوضاع التعليميّة التي تعانيها بعض الدول العربية بسبب ما تعرفه من أزمات ونزاعات مسلّحة نتج عنها حتى الآن عدم التحاق قرابة 13.5 مليون طفل عربي بالتعليم النظامي بين متسربين وغير ملتحقين.

كما تشير الإحصائيات إلى أن نسبة الأميّة لدى الذكور في الوطن العربي هي في حدود 14.6%، بينما ترتفع نسبة الأمية عند الإناث إلى 25.9%.

وتتراوح نسبة الإناث الأميات في عدد من دول المنطقة بين 60 و80%، وتعود هذه النسبة التي تعدّ الأعلى عالميّا إلى عوامل مركّبة يتداخل فيها العامل الثقافي (التقاليد والأعراف وثقافة الأسرة الذكورية المحافظة…) مع الاجتماعي التفكك الأسري والزواج المبكر والطلاق، والاقتصادي (المنوال الاقتصادي المحلي والفقر والبطالة وظروف العيش والمستوى التعليمي لأولياء الأمور والمحيط عموما.
والآن، نستعرض نسبة الأمية في الدول العربية حسب إحصائيات 2016، وذلك لمن تزيد أعمارهم عن 15 عامًا:

بلغ عدد الأميين في العالم العربي في عام 2016 ما يقارب 65 مليون أميًا.
نسبة الأمية في موريتانيا 48%

نسبة الأمية في اليمن 30%

نسبة الأمية في المغرب 28%

نسبة الأمية في مصر 24%

نسبة الأمية في السودان 24%

نسبة الأمية في العراق 20%

نسبة الأمية في تونس 19%

نسبة الأمية في سوريا 14%

نسبة الأمية في الجزائر 12%

نسبة الأمية في ليبيا 9%

نسبة الأمية في لبنان 8%

نسبة الأمية في الإمارات 7%

نسبة الأمية في الأردن 6.8% للمواطنين و14.7% للمقيمين من غير الأردنيين.

نسبة الأمية في عُمان 6%

نسبة الأمية في السعودية 5%

نسبة الأمية في البحرين 4%

نسبة الأمية في الكويت 4%

نسبة الأمية في فلسطين 3%

نسبة الأمية في قطر سجلت قطر أقل نسبة أمية في الوطن العربي بمقدار 2% لمن هم فوق سن المدرسة و0% لمن هم في سن المدرسة، بالإضافة إلى أعلى نسبة تعليم في الوطن العربي بمعدل 96.3%، تتبعها فلسطين ثم البحرين والكويت.
أما أعلى نسبة أمية في الوطن العربي فهي في الصومال حيث تتراوح بين 60% إلى 70%، وبلغت نسبة الذين يستطيعون الكتابة والقراءة 37.8% فقط. وهي بالتالي أقل نسبة تعليم في الوطن العربي. [https://www.hellooha.com]

4 – عدم استواء النوع الجنسي (الجندر)

   عاقب أخر يبرز عند عدم الاستواء الاجتماعي بين المرأة والرجل يضاف الى العواقب الأخرى التي يفرزها الاختلاف بين الأمم الغنية والفقيرة. إذ هناك اختلاف ضمني وبيني. أي اختلاف المرأة عن الرجل ضمن الأمة الواحدة (غني وفقير) وبين الأمم سواء كانت الأمة صناعية أو حضرية أو ريفية، علماً بإن استواء مكانة المرأة مع الرجل لم يتحقق في كافة الأمم وفي كافة ارداء العالم. وخير من سجل هذا الاختلاف غير المتساوي بشكل موضوعي هو الأمم المتحدة التي راقبت بترصد وعن كثب وبدقة فتوصلت الى بلورة فهرسة خاصة رتبت فيها تسلسل الأمم في درجة عدم مساواتها بين الرجل والمرأة اطلقت على هذه الفهرسة Gender Inequality Index الذي سجلت فيها تدرج الأمم الأكثر مساواة وهي هولندا والدنمارك فأعطتهم تسلسل رقم (1) و (2) والأقل مساواة هما السعودية واليمن وكان تسلسلهما الأخير الذي حملا ارقاماً (128 و 138) (أنظر الى الجدول رقم – 1 – )

    أما المحاكات أو المعايير التي استخدمتها الأمم المتحدة عبر رصدها لعدم استواء المرأة مع الرجل في جميع انحاء العالم فهي ما يلي:

1 – خصوبة المرأة الجنسية وقدرتها على الانجاب.

2 – السلطة المفوضة لها (من قبل الرجل والأسرة والمجتمع).

3 – مكانتها في سوق العمل.

  جدول رقم – 1 – يوضح تسلسل موقع المرأة بالنسبة للرجل حسب تصنيف الأمم المتحدة.

               اسم البلددرجة الفرق بينهماتدرجها في المساواة
هولندا0.1741
الدنمارك0.2092
النرويج0.2345
سنغافورة0.25510
اسبانيا0.28014
كوريا0.31020
الولايات المتحدة0.40037
الامارات العربية0.46445
البرازيل0.63180
جنوب افريقيا0.63582
هايتي0.739119
الكونغو0.744121
الهند0.748122
السعودية العربية0.760128
اليمن0.853138

أُخذ هذا الجدول من كتاب Andersen. 2013. Sociology

هذه المقاييس الثلاثة قاست معدل وفيات الأمومة ومرحلتها التعليمية ومدى مشاركتها في سوق العمل. وعبر هذه المقاييس وصلت الى مكانة المرأة في الأسرة والمجتمع وسوق العمل وقربها وبعدها من حقوق الرجل، فوصلت الى نتيجة مفادها ان عدم المساواة بين المرأة والرجل ما زالت بعيدة على الرغم من هبوط في معدل فقر المرأة إنما ما زال فقرها مدقعاً في الهند والصين. وإن مشاركتها في المؤسسات الحكومية قد زادت نسبتها فوصلت الى نسبة 8% في إشغالها للمقاعد البرلمانية في العالم لكنها حققت مساواتها مع الرجل على مستوى التعليم الابتدائي لكنه ما زال غير متساوياً في مرحلة التعليم الثانوي والجامعي وما زالت الفجوة واسعة بين الرجل والمرأة في سوق العمل والاقتصاد الدولي.

   لكن الأكثر ألماً وحزناً على المرأة انه ما زالت ممارسة العنف ضدها في جميع انحاء العالم وفي جميع انواعه (الجسدي واللفظي والثقافي والتحرش الجنسي والاغتصاب والاتجار بالجنس) انها حالة مؤلمة لم تزول من جميع انحاء العالم وما زالت تمارس في جميع أمم العالم سواء عند الأمم الغنية (ذات الدخل العالي) او الأمم الفقيرة (ذات الدخل الواطئ).

5 – الحرب والإرهاب

   أنها عاقبة من عواقب عدم استواء الأمم الغنية مع الأمم الفقيرة لأن هذا الاختلاف يستولد النزاع ويجلب الحروب بينهما بل يفاقم من ممارسة العمليات الإرهابية، ليس هذا فحسب بل انه يساهم في عدم الاستقرار الدولي، كذلك يخلق عدم توازن توزيع النفوذ بين الأمم. علاوة على ذلك فإن العولمة خلقت وضعية دولية قائمة على الطبقة الثرية المالكة لثروة غير مسبوقة وقوة نفوذية غير محسوبة. تلك هي الطبقة الغنية العابرة للحدود الإقليمية انها طبقة رأسمالية تتماشى مع القيم الغربية – المادية التي لا تأخذ بعين الاعتبار خصوصية الأمم الفقيرة وذات الدخل الواطئ بل تتصارع معها طمعاً في مصادرها الطبيعية مثل البترول والغاز الطبيعي مما يثير الصراع السياسي بشكل علني بينهما. هذه الواقع جعلت من أمريكا ان تكون قائداً ان تكون قائداً ورائداً في نفوذها وتسلطها على العوالم الفقيرة والضعيفة.

   أقول ان وجود دولة ضعيفة في قوتها لكنها لا تملك مصادر طبيعية غنية غير قادرة على استثمارها بنفسها مع وجود أمم قوية وغنية لكنها طامعة في الاستيلاء على مصادر طبيعية إضافية لها موجودة عند الدول الضعيفة والمتخلفة يحفز عندها نزعة الصراع معها والحرب عليها لكي تستثمر الطاقة الغنية عندها. يعني انها عاقبة من عواقب اختلاف القوى بين الأمم.

على سبيل المثال لا الحصر استخراج البترول من منطقة الشرق الأوسط أدى الى ازدهار وانتعاش هذه المنطقة بشكل واسع حيث وضع المجتمع معترضاً لمؤثرات الثقافة الغربية فدفع البعض منهم للسفر الى الولايات المتحدة والدول الغربية للدراسة في جامعاتها وحفز الاخرين بالاتجار مع شركاتها وجذب البعض منهم بقضاء عطلهم الصيفية فيها فتأثروا بثقافة الاستهلاك حتى الأفراد الذين لم يسافروا من منطقة الشرق الأوسط تأثروا بالثقافة الغربية من خلال مشاهدتهم للبرامج التلفازية والسينمائية وسماع موسيقاهم والاستمتاع بطعامهم مثل وجبات مطاعم ماكدونالد وكنتاكي وسواها حتى تزينوا بزيهم وزينتهم، على الرغم من أن العديد من دعاة الاتجاه المحافظ والتقليدي يصرخوا بأعلى أصواتهم بإن هذا مشوه للثقافة التقليدية ومفسدة لها وأنها تؤدي الى الانحلال الخلقي، لكن الناس لم يأخذوا بها. هذا على صعيد مجتمع الشرق الأوسط، اما صعيد المجتمع الأمريكي فإنه ايضاً يرى بإن هذه الأزياء والموضات والحركات التحررية مفسدة لأنماط سلوك الجيل الصاعد وتسلخهم من تقاليدهم.

   معنى ذلك إن هيمنة معايير وقيم الثقافة الغربية مندمة مع التدرج الأممي وغير منفصلة عنها والحالة مشابهة مع الإرهاب الذي لا يمثل فقط تصادم القيم الدينية مع المعايير الدنيوية – العلمانية بل انه أحد افرازات وعواقب عدم الاستواء بين شعوب العالم.

   أما الإرهاب فإنه تصرف متعمد بقصد في عنفه دافعه تحقيق هدف سياسي ضد المدنيين الآمنين غير المقاتلين، يصدر هذا التصرف من قبل شخص أو جماعة من أجل تحقيق غاية سياسية. قد يأخذ الإرهاب صورة السلوك العدواني مثل الإعدام الجماعي والقتل بالغازات الكيميائية الاحيائية ينفذ من مناطق مفتوحة ومجتمع ديمقراطي يؤمن بالحرية الفردية لذا لا يكن من السهل والبساطة منعه أو إيقافه وغالباً ما يقع في مناطق محروسة ومحمية أمنياً وعسكرياً لكي تهدد النظام الحاكم وترعب العوام. فمثلاً جماعة “القاعدة” تضم الكثير من أبناء الطبقة الوسطى والفقيرة ومن غير المتعلمين من ذوي الأسر الفقيرة والحالة المالية المتدنية لذلك يتم اغرائهم بالمال الوفير وتلقينهم بإن عملهم هذا مقدس دينياً ووطنياً. فمثلاً المجتمع العراقي بعد احتلاله من الأمريكان عام 2003 كان العديد من أبناء الطبقة الوسطى انخرطوا في العمليات الإرهابية الانتحارية العديد من أبناء الطبقة الوسطى انخرطوا في العمليات الإرهابية الانتحارية لأن أغلبهم كانوا يعيشوا قبل ذلك وبالذات في العقد السابع والثامن من القرن العشرين حياة مرفهة ومزدهرة لكن بعد احتلالهم تم إذلالهم من قبل المستعمر الأمريكي وافقارهم وبطالتهم مما دفعهم ذلك الاقدام على ممارسة العمل الإرهابي تخلصاً من واقعهم المزري والاستعماري.

    معن ذلك ان عدم استواء الأمم يفرز انخراط شباب الأمم الفقيرة بممارسة العمل الإرهابي ضد الأمم المستغِلة والمستعبدة لهم.

قالت صحيفة “ناشينال إنترست” الأمريكية إن تنظيم القاعدة انتشر وتمدَّد بشكل أكبر منذ أحداث 11 سبتمبر، رغم الحرب على الإرهاب التي تقودها الولايات المتحدة.

وتابعت الصحيفة في تقرير لمجلس العلاقات الخارجية، وهو منظمة بحثية غير ربحية، أنه رغم الحرب على الإرهاب، التي كلفت حتى الآن نحو 5.9 تريليونات دولار وتسببت في مقتل ما بين 480 ألفاً و507 آلاف، واغتيال “بن لادن” نفسِه، فإن تنظيم القاعدة نما وانتشر منذ أحداث 11 سبتمبر، وامتد من أفغانستان إلى أفريقيا والساحل ودول الخليج والشرق الأوسط وآسيا الوسطى.

في هذه الأماكن، يقول التقرير، طوَّر التنظيم نفسه واتخذ شكلاً سياسياً جديداً، حتى في بعض المناطق التي نجح في أن يحل محل الحكومات المحلية فيها.

ويرى التقرير أن الحرب على الإرهاب التي قادتها الولايات المتحدة كانت محفزاً للتنظيم ليمتد وينتشر.

ويشير إلى أن التنظيم منذ أن تأسس في أفغانستان عام 1988، كان يلعب على المتناقضات ومنها الفجوة الطائفية، كما هو حاصل باليمن، الذي بات تنظيم “القاعدة في شبه جزيرة العرب” يتحكم في عديد من مدنه التي يسيطر عليها مقاتلوه.

اليمن يخوض حرباً أهلية منذ عام 2015، بعد أن استولت على السلطة مليشيات الحوثي المتهمة بتلقي دعم إيراني، ورغم أن الصراع يبدو طائفياً في ظاهره، فإن الباحث في الشأن اليمني “ماريك براندت” يرى أن الأمر يتعلق بالصراع على السلطة السياسية، وهذا نجم عنه إهمال الحكومة اليمنية منذ فترة طويلة، للأقلية الحوثية التي تستوطن شمالي اليمن.

تقول الصحيفة: “أدت (القاعدة) دوراً كبيراً في استغلال هذا الصراع، حيث وجدت فيه فرصة للتغلغل والنفوذ، فاستغلت الحرب والانقسامات الدينية، واستخدمت في ذلك جهازها الإعلامي من خلال مجلة يصدرها التنظيم، وأشرطة فيديو للعمليات الانتحارية التي ينفذها مقاتلوه، مصحوبة بالأغاني الحماسية والجهادية”.

ليس هذا فحسب، تشير الدراسة إلى أن التنظيم قاتل إلى جانب حكومة عبد ربه منصور هادي الشرعية، التي تدعمها السعودية، وإلى جانب القبائل اليمنية، في التصدي لمليشيات الحوثي، وكانت هذه الاستراتيجية فعالة وسمحت للتنظيم بالتمدد في اليمن.

وتقدّر الدراسة عدد مقاتلي تنظيم القاعدة في اليمن عند تأسيسه عام 2009، بعدة مئات، أما اليوم فإن تعداد مقاتليه يصل إلى أكثر من 7 آلاف مقاتل، تم تجنيد عديد منهم من المناطق التي يسيطر عليها الحوثي.

وتعتبر واشنطن أن “تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية” هو الفرع الأكثر تطوراً وخطورة من بقية فروعه، حيث سبق أن تبنى بعض العمليات خارج اليمن.

ولكن التنظيم، كما تشير الدراسة، ارتكب أخطاء عديدة نفَّرت الشعب اليمني منه، ومنها على سبيل المثال ما فعله عام 2011 عندما حاول فرض حكم إسلامي صارم للغاية على منطقتين سيطر عليهما في جنوبي اليمن، وهو ما أدى إلى حدوث صدام بينه وبين القبائل اليمنية هناك.

لاحقاً وبعد أن اندلعت حرب عام 2015، سيطر التنظيم على مناطق عديدة تركتها السلطة، غير أنه هذه المرة أبقى سوق القات مفتوحاً، ولم يتعرض للقواعد والأحكام الشائعة بين أهالي تلك المناطق.

بل الأكثر من ذلك، تقول الدراسة، سعى التنظيم إلى إعادة المياه والكهرباء للمناطق التي باتت خاضعة لسيطرته، كل هذه الأسباب ساعدت في قبول الناس للتنظيم.

وتختم الدراسة بالقول إن “القاعدة” ما عاد تنظيماً هرمياً يتلقى أوامره من القائد الأعلى، كما كان في الحادي عشر من سبتمبر، وإنما بات اليوم أكثر مرونة مما كان عليه أيام أسامة بن لادن، فلقد ساعدت الحرب على الإرهاب في انتشار التنظيم وتمدُّده وليس العكس. https://alkhaleejonline.net]]

     زبدة القول: إن الإرهاب هو أحد أبرز عواقب الفجوة الكبيرة والاختلاف الشاسع بين الأمم الغنية (ذات الدخل العالي) والأمم الفقيرة (ذات الدخل الواطي).

   هذا على الصعيد الظاهر، أما على الصعيد الباطن فهو (ان الدول الغنية والصناعية المتطورة والمتقدمة تكنولوجيا) تمارس استغلالها القسري والعمدي على الأمم الفقيرة عبر ممارسة الضغوط الصارمة على حكامها الضعفاء والعملاء للدول القوية في استنزاف مصادر الطاقة الطبيعية الموجودة عند الأمم الضعيفة واستخراجها عنوة مما تجعل بعض الحركات الرافضة لحكم بلدها والمتحكمين بحكام بلدها ان يعبروا عن معارضتهم لذلك عن طريق الإرهاب ضد رموز الحكام المستبدين والمستعمرين لهم. بذات الوقت هناك إرهاب حكومي تمارسه الحكومة الضعيفة والمفروضة على أبناء بلدها لإرهابهم وخلق حالة من الذعر والهلع عندهم كأحد وسائل الدنيئة التي تستخدمها الحكومة العميلة والضعيفة لتركيع شعبها لها.

7 / ز – مستقبل عدم الاستواء الأممي

    من خلال اطلَّاعنا على بحوث ونظريات علم الاجتماع عن عدم الاستواء الأممي المتدرج في مستوياته المتراوح بين الأمم الغنية والفقيرة نقول بإنه سيبقى مستقطباً قطبين مختلفين ومتناقضين في دخولهما المالية والمادية واعمالهما وتنظيماتهما وقوتهما ونفوذهما وسلطتهما. لكن ليس نفس الأمم الغنية ستبقى غنية ومحافظة على غناها ودخلها المالي العالي وليس نفس الأمم الفقيرة وذات دخل مالي واطئ ستبقى على فقرها وذلك راجع الى التغيرات التي تحدث عبر الزمن سواء كانت تغيرات بيئية مثل استنزاف المصادر الطبيعية التي تسبب غنى الأغنياء (مثل البترول والغاز والذهب) بسبب الاستخدام المستمر فتنضب بسبب كثرة استهلاكها. ولا يبقى مستوى عيشها محافظاً على مستواه بل سيرتفع فيمتص مدخرات الأثرياء أو تحصل حروب دولية تؤثر على ثراء الأغنياء فيذهب ثراهم الى اثرياء الحرب في أمم أخرى.

    وكما شاهدنا فإن نسق الاقتصاد العالمي قد تبدل وتغيرت معاييره جاعلاً الأمم ذات الدخل العالي دخلاً واطئاً ويرفع الأخيرة ليجعل دخلها عالياً. ولا ننسى القوة العمالية التي يزداد وعيها ومطالبتها بحقوقها مما تعزز مكانتها في عملية التنمية البشرية فتتحسن احوالهم المالية فيصعدوا الى أعلى المراتب العليا ويزداد دخلهم ويصبحوا أغنياء بعد ما كانوا فقراء. نقول ان الحراك الاجتماعي طالماً مستمراً بالحركة فإن عدم الاستواء الأممي يبقى محافظاً على عدم استواءه لكن لا يبقى على نفس الأمم في مواقع استوائها أو عدم استوائها.

    ولا غرابة من حصول استمرار في النمو السكاني وتدمير البيئة وانتشار العنف عند الذين يعيشوا في أمم ذات دخل واطئ مما يزيد من تعاسة حياتهم ويضاعف فقرهم فيصبحوا أكثر فقراً.

   هذا من جانب، ومن جانب أخر هناك موجات الهجرة من البلدان الفقيرة للبلدان الغنية مما تعمل على توسيع الفجوة بين الفقراء والاغنياء في بلدان ذات دخل عالي، لكن إذا اقترنت موجات الهجرة مع الاستنزاف الطبيعي لمصادر الطاقة وتلوث البيئة وتغيير في السياسة الكونية مثل حصول العولمة الثالثة فإن ذلك سوف يهدد المستوى المرفه والراقي في معيشة عدة أمم ممن كانت متمتعة بحياتها الرغيدة مثلما حصل للأمم في أوروبا الشرقية بعد سقوط جدار برلين.

   إذن التكهن والتنبؤ واستشراف مستقبل عدم الاستواء الأممي لا يكون دقيقاً ومطلقاً وراسخاً لأنه مرتبط بمتغيرات كونية وطبيعية وحراك اجتماعي حيوي وكفاح الطبقات الاجتماعية والاقتصادية في تحسين وضعها. فالصراع الطبقي والأممي والتقدم العلمي – التكنولوجي المقترن مع استنزاف وتدمير المصادر الطبيعية وتلويث البيئة المصاحبة مع الدفاع عن حقوق الإنسان. أعني هذا المستقبل مرهون برهائن اقتصادية وطبيعية وإنسانية كل ذلك يجعل التنبؤ به يمثل ضرب من ضروب الخيال السرابي.

    في الوقاع ان الشركات المتخطية للحدود الوطنية والمؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي رسخوا وسيطروا على الاقتصاد العالمي الذي تقوم بنقل أو تحويل النفوذ في الموازين الدولية وتؤثر على مصادر أرزاق الناس في كافة انحاء العالم.

   لا ريب إذن من وجود هذا المؤثر المالي الدولي على تحديد مسار الدول الغنية والفقيرة نحو الاتجاه الذي تريده مصلحته بعيداً عن مصالح الناس وحكومتهم وهذا ما يجعل التكهن والتنبؤ واستشراف مستقبل عدم الاستواء الأممي أمكثر صعوبة ودقة.

    وعلى الجملة نستطيع ان نحدد المؤثرات التي تمارس مؤثراتها على مستقبل عدم الاستواء الأممي هي: –

1 – متغيرات بيئية (مثل استنزاف مصادر الطاقة أو تدمير البيئة وتلوثها).

2 – متغير الصراع الدولي (الحروب والثورات السياسية).

3 – متغير نسق الاقتصاد العالمي.

4 – متغير النمو السكاني وتحضره.

5 – متغير التنمية البشرية وحقو الإنسان.

6 – متغير الهجرة.

7 – شركات متخطية للحدود الوطنية.

8 – مؤسسات مالية دولية.

   وكنتيجة لهيمنة الشركات العملاقة في العالم العابرة للحدود الإقليمية والدولية يحصل تغيراً بارزاً في معدل مداخيل العالم حيث تهبط الأجور عند البلدان ذات الدخل العالي وترتفع عند البلدان ذات الدخل الواطئ والمتوسط لأنه سيحدث استقطاب كبير عن الأغنياء وعند الفقراء فضلاً عن تحفيز الصراعات القومية والعرقية حول تدمير البيئة والإساءة اليها. مثال على ذلك هناك شركات عملاقة عابرة للحدود تعمل في اندونيسيا تقوم باستثمار الأراضي الزراعية من أجل استخراج زيت النخيل هناك مما جعلها تحرق الاحراش والادغال في هذه الأراضي لكي تقوم باستخراج الزيت فأحدثت مشكلة بيئية اسمها (الضخن Smog مزيج من الضباب والدخان) أثر على صحة السكان بحيث لوث بيئة سبعة دول في جنوب شرق اسيا وأثر على الملايين من الناس فيها. (هذا على صعيد المستقبل المتشائم).

    لكن على صعيد المستقبل المتفائل فإن التطورات التكنولوجية ونمو الاقتصاد العالمي قد يؤدي الى تقليص مشكلة الفقر المدقع من خلال خلق فرص عمل كثيرة لهم ويحسن خصوبة الأرض في البلدان الفقيرة فضلاً عن نشر التعليم وجعله الزامي في البلدان الفقيرة وتقديم برامج رعوية وتوعوية في مجال الصحة وبالذات تعليم المرأة التي سوف تُعلّم جيل من الأبناء أكثر من تعليم الرجل وتعليمها أساليب توعوية في الزراعة والصحة مما ترفع من مستوى عيش اسرتها.

     هذه هي الاحتمالات المتوقعة لمستقبل اختلاف طبقات الأمم. انه يحتمل التوقعات المتشائمة والمتفائلة على السواء لأن الغنى والفقر سوف يبقيان في حياة الشعوب حتى لو تغيرت الأزمنة والمراحل التطورية للمجتمعات إنما الذي يتغير هو الأغنياء والفقراء. أعني لا يبقى الفقير على فقره ولا الغني على غناه ولا البلدان الغنية على غناها ولا البلدان الفقيرة على فقرها بل تتبدل لا تبقى على حالها لأن الثروة المالية تمثل حالة زئبقية متحركة تتأثر بما يحيط بها من عوامل عديدة ومتنوعة (بيئية وبشرية وصراعية وتكنولوجية وصحية وسواها).

    مآلنا فيما تقدم في هذا الفصل هو سبر غور موضوعه لكي نصل الى كبده الذي نجده متمثلاً في مفهوم الظاهرة الاجتماعية الكبرى والصغرى، كبرى (بين الأمم والطبقات والطوائف الدينية والأقليات العرقية) وصغرى (بين الأفراد والأسر) تسود كل المجتمعات وفي كل مراحل تطورها وتقدمها لا يخلوا مجتمعاً منها، لكنها تتحول الى مشكلة اجتماعية تتطلب معالجة فوقية وليس تحتية هذا فيما إذا حصل استغلال الأعلى للأدنى وابتزاز القوي للضعيف وتهميش الأغلبية للأقلية واستبعاد المتنفذ للخانع. وهذا وارد وتحصيل حاصل لكل اختلاف أو تناقض بين اقطاب التدرج الاجتماعي. أي عندما تكون هناك فجوة واسعة بين الذين يملكون وسائل الإنتاج أو السلطة أو الثروة أو النفوذ وبين فاقديه. ولأن حركة المجتمع تكون حيوية عندما يكون هناك اختلاف بينهما حيث يريد الطرف المتنفذ ان يبقى على تنفيذه ويزيد منه على الأدنى منه ويريد الأخير (الفاقد) ان يتخلص من هيمنة الأعلى منه عليه.

   لا جرم من القول بإن هذا الصراع يتفاقم كلما يتأثر المجتمع بالمؤثرات الخارجية مثل (التقدم التكنولوجي والتحضر والتصنيع) لذلك لا يمكن التنبؤ بمستقبل عدم استواء طبقات الأمم بشكل قاطع سوى القول بإنه سوف يبقى لكن ليس بنفس الأفراد والجماعات في استغلالها بل سيتقلص الفقر عند الفقراء من خلال مساعدة الأمم الغنية من خلال تقديم مساعدات رعائية لهم، بذات الوقت ستظهر اعراض سلبية جانبية لهذا التفاوت مثل استهلال مُسرف في مصادر الطاقة الطبيعية.

   لكن الشيء الثابت هو وجود طرف أو قوة غنية مستغِلة ومستنزفة (أي من الأمم الفقيرة) للطاقات الطبيعية والبشرية التي قد تكون على شكل بنوك وبيوت مال أو شركات تجارية وصناعية عملاقة يديرها طبقة من الأثرياء في استغلال الأمم الفقيرة وابقائها على فقرها ان لم يكن اسوء.

   إنما الشيء الذي لا يمكن السيطرة عليه والتحكم فيه لكي يتجنب المجتمع عدم الاستواء الأممي هو حجم السكان ومصادر البيئة إذ كلاهما ليسوا بيد الإنسان سواء كان فقيراً أو غنياً لأن حجم السكان مرتبط بالخصوبة الجنسية للمرأة وهذا راجع الى العامل البيولوجي للرس أو العرق والثاني لا يمكن معرفة كمية مصادر الطاقة في باطن الأرض بشكل دقيق، بل هناك تخمينات ليس إلا. هذه عواقب لا يمكن السيطرة عليها والتحكم فيها والحالة مشابهة مع عاقبة اختلاف النوع الجنسي بين الذكر والانثى لأهنه مرتبط بالمؤثر الثقافي ومصالح الرجال الذاتية والشخصية فضلاً عن كونهم يحتلوا المواقع القيادية في المجتمع إنما قد يحصل تقدم في مناشط المرأة خارج المنزل إلا انها تبقى تحت سيادة الرجل.

  ثم لا جدال فيه عندما يكون هناك اختلاف اقتصادي مبلوراً فجوة طبقية بين المالك وغير المالك يمارس الأول استغلاله للثاني هنا قد يحصل نزاع بينهما يكون وارداً واعتراض الثاني يصبح قائماً فتحصل حركات عمالية وجماعات معارضة من الفقراء ضد الأغنياء سواء كان ذلك على صعيد الأفراد أو الأمم والشركات، انها حركة دائبة بالديمومة لا تقف بل تركد ثم تعود للمعارضة للدفاع عن مصالحها.

    نلخص الى القول بإنه طالما هناك تباين واختلاف مادي موقعي ونفوذي بين الطبقات والأقليات مع الأغلبية السكانية فإن عدم استواء طبقات الأمم والجماعات والأفراد لا محال منه أي واقع وحاصل إنما الفرق بين فترة وأخرى يكون بالدرجة لا بالنوع. أعني قد تقلل درجة عدم الاستواء بين الفينة والاخرى حسب نوع وكم استغلال المالك للفاقد.

    فالحروب الكونية (العالمية الأولى والثانية) أفرزت طبقات امية غير مستوية أعني أمم مستعمَرة وأخرى مستعمِرة، كذلك العولمة الثانية أفرزت أمم فقيرة وأخرى غنية أشبه بما افرزته الحربين إنما بأسلوب جديد عبر شركات تجارية عملاقة عابرة للحدود والتدخل السافر في شؤون الأقطار الفقيرة من خلال ادعاء وافتراء تطبيق الديمقراطية ومنح الحرية الفردية وحماية حقوق الإنسان واستحداث حروب أهلية عن طريق اشعال فتيل الفتنة الطائفية أو العرقية أو الاقليمية على الحدود الجغرافية لكي تدخل اليها من باب واسع بادعاء مساعدتها بل في الواقع لاستنزافها وبيع أسلحتها القديمة والمستهلكة لها وتقديم القروض المالية بفوائد عالية لكي تستنزف مواردها المالية وابقائها على تخلفها عبر تنصيب عناصر من الدهماء ليكونوا مطايا لهم في تنفيذ مصالحهم من خلال فرضهم على الأمو المقهورة والفقيرة والمستلبة حريتها ومصادرها الطاقية وثروتها المالية.

    وعلى الجملة، فإن عدم استواء طبقات الأمم كظاهرة اجتماعية بعيدة المدى تمثل احدى المواضيع الاجتماعية الجديرة بالدراسة من قبل علماء الاجتماع وهي في استخدامها الأسلوب الجديد في الاستغلال والاستعمار الحديث وما تؤول اليه من افرازات غير إنسانية تمارس على جماهير مستغِلة ومقهورة تعاني من اغترابها في بلدها ومضطهدة من قبل حكامهم المطايا للاستعمار الأجنبي الجديد والمضطهدين من قبلهم. باختصار شديد اضطهاد الأمم الغنية لمطايا الأمم الفقيرة يؤدي الى اضطهاد وقهر الأمم الفقيرة والمستلبة من قبل مطايا الاستعمار الجديد الذين هم من بلدهم وشعبهم.

الفصل الثامن

الفقر الكوني والعولمة

 

استهلال

8 / أ – المنظور الكوني للفقر والثروة

8 / ب – تفاوت الفقر الكوني

8 / ت – لماذا موضوع التفاوت؟

8 / ج – التدرج الدولي للفقر

8 / ح – الغنى والفقر

8 / خ – الفقر في ظل العولمة

8 / د – المدينة الكونية من هي؟

8 / ذ – الفقر الحضري – العرقي في ظل الاقتصاد والعولمي

8 / ر – الفقر في أغنى دولة في العالم (أمريكا)

8 / ز – مفاهيم في الفقر الكوني: قساوة الفقر، الفقر وخطورته، الفقر المدقع، اتساع الفقر، الفقر والأطفال، المرأة والفقر، تفاسير الفقر الكوني

الفصل الثامن

الفقر الكوني والعولمة

 

استهلال

إن تناول موضوع الفقر لا يتحدد فقط بالأفراد والجماعات والاحياء والجيرة السكنية بل يشمل المجتمعات والدول في العالم، وهذا يعني أنه أضحى يُشكل تركيبة (ظاهرة مشكليه) أعني مشكلة سادت المجتمعات الإنسانية فتطورت وأصحبت ظاهرة (اجتماعية اقتصادية) بمعنى اقتصادية واجتماعية مزدوجة ثم تحولت الى (ظاهرة سلبية) كونية. أي شملت دول الكون بعد ما حصلت تغيرات جذرية وعملاقة على الخارطة السياسية والجغرافية في العالم غيرت رتابة الحياة الاجتماعية بكل جوانبها وأنه من الطبيعي أن يحصل بعد كل تغيير جزئي أو كلي في حياة المجتمع أن تغير موازينها وموقعها فالغنية يقل غناها والفقيرة يزداد فقرها وتبرز مجتمعات ودول جديدة في غناها وفقرها مثل ما حصل عند دول جنوب شرق اسيا والهند والصين التي تحولت من دول فقيرة الى نامية وغنية. ولا أجد بأساً من تقديم بعض الحقائق الرقمية عن الفقر في العالم الحديث وهي ما يلي: –

1 – في كل يوم هناك (25.000) طفل يتوفى نتيجة الفقر المدقع وبالتقريب بحدود مليون طفل كل يوم.

2 – في عام 2008 كان هناك بحدود (8 و9) مليون طفل في العالم يموت قبل بلوغه السنة الخامسة من عمره.

3 – أكثر من (800) مليون فرد ينام جائعاً في كل يوم منهم (300) مليون طفل.

4 – حوالي (2) مليون فرد في العالم دخله اليومي أقل من دولارين في اليوم.

5 – حوالي (2) مليون فرد في العالم لا يملك المستلزمات الصحية الأساسية والضرورية.

6 – حوالي 1/5 من الأفراد الراشدين بدون تعليم.

7 – على المستوى العالمي هناك 1.2 مليون فرد مازال يعيش في فقر مدقع ففي الصحراء الأفريقية هناك نصف سكانها يعيشوا على دخل أقل من 1.25 دولار في اليوم وهي الإقليم الوحيد الذي يكشف عدد الأفراد الذين يعيشوا في فقر مدقع وفي معدل متنامي باستمرار من 290 مليون في عام 1990 الى 414 مليون في عام 2010 الذين يمثلوا أكثر من 1/3 سكان العالم أجمع هم فقراء معدمين.

8 – صرح تقرير البنك الدولي بأنه في عام 2015 هناك 970 مليون فرد يعيش بأقل من 1.25 دولار باليوم في البلدان المصنفة من الدخل المتدني والمتوسط وفي عام 1990 في الصحراء الافريقية وجنوب اسيا وسكان الدول النامية يعيشوا في فقر مدقع.

9 – معدلات الفقر في تزايد حيث هناك 700 مليون ممن يعيشوا ظروف معاشية تمثل الفقر المدقع في عام 2010 أكثر من عام 1990.

10 – عالمياً، تقريباً هناك طفل واحد من كل ستة أطفال ممن هم أقل من عمر الخمس سنوات وزنه دون معدل الطفل السوي.

11 – في الأقطار الاسكندنافية وهولندا أقل المعدلات من الفقر النسبي للأطفال وحوالي 7% من الاستراليين والكنديين ونيوزلنديين والمملكة المتحدة معدل فقر أطفالهم يتراوح ما بين 10 – 15% في حين أكثر من 20% من أطفال رومانيا والولايات المتحدة يعيشوا في فقر نسبي.

12 – هناك 2.265.000 فرد (أي 2%) يعيشوا تحت خط الفقر في استراليا.

13 – هناك 75.000 طفل (أي 1.73%) يعيشوا تحت خط الفقر في استراليا. 14 – هناك 63% ربة بيت عاطلة عن العمل تعيش تحت خط الفقر في استراليا.

15 – في بعض البلدان الأفريقية يكون عمر الفرد المتوقع للحياة Life expectancy أقل من عمر 45 أو أقل.

16 – الحماية التجارية من قلب البلدان الغنية تكلف العديد من البلدان الفقيرة أكثر مما تستلم من مساعدات خارجية.

    وهناك حقائق أخرى إنما عن استراليا وهي: –

1 – العمر المتوقع للبقاء على الحياة عند السكان الأصليين الاستراليين 16 – 17 عام أو أقل أشبه ببنغلادش مع العلم تُعد استراليا عشرة مرات أغنى منها.

2 – حوالي 1/4 مليون استرالي بدون عمل.

3 – أكثر من واحد من كل أربعة مواطنين ممن هم بعمر 65 عام يعيشوا بمستوى الفقر حسب المقياس الدولي.

4 – حوالي نصف مليون أسرة ليس لديها مصدر مالي من العمل.

5 – كل ليلة هناك بحدود (100) عائلة متشردة غير قادرة بالعثور على ملجئ اليه.

فحصل تفاوت غير متساوٍ في توزيع المصادر الاقتصادية في مجتمعات العالم فزاد عدد الفقراء والاغنياء بذات الوقت زاد عدد سكان العالم مما أدى الى تغيير في نظام تقسيم العمل العالمي المتضمن تنظيمات عالمية للإنتاج الصناعي المخصص تصديره للدول الغنية وذات اقتصاد عالٍ وفي ظل هذا النظام الخاص بتقسيم العمل بات عملها لا يخضع للضرائب فأضحى المال يصب في جيوب أصحاب رؤوس الأموال من الملاك وأصحاب الأسهم والسندات والشركات العملاقة.

    وما قامت به العولمة هو الجمع بين نوعين من الفقر (المحلي والإقليمي) بنوع واحد هو الفقر العولمي القريب المدى تفاقم بشكل مأساوي عند الكثير من المجتمعات فطحنت الجماعات الاستهلاكية وبلورت حاجات جديدة في حياة الجيل الصاعد. باختزال شديد عملت العولمة على اثراء الأثرياء وافقار الفقراء بشكل سريع من خلال تعزيز الأثرياء بأثرياء جدد وتدعيم الفقراء بفقراء جدد فأفرزت فقراء جدد عاطلين عن العمل داخل المدن الحضرية.

8 / أ – المنظور الكوني للفقر والثروة

      ثمة حقيقة دالة على عدم وجود مجتمع فقير بالكامل وغني بالكامل بل هناك تفاوت غير متساوي بشكل متباين في توزيع المصادر الاقتصادية في كل المجتمعات. إذ في كل مجتمع هناك من الأثرياء جداً ومن الفقراء جداً بين الأفراد والعوائل. وعندما يدرس الباحثين الاجتماعيين هذا التفاوت غير المتساو فأنهم يعتمدوا على المعلومات البيانية التي يجمعها البنك الدولي والأمم المتحدة (هذه المعلومات تمثل بيانات ثانوية في البحث العلمي لأنها لم يتم الحصول عليها من قبل الباحث نفسه وبشكل مباشر من مصدرها بل عبر وسيط بينهما هو الذي جمعها لغرضه وليس لغرض الباحث الاجتماعي) هذه المعلومات البيانية تركز على نوعية المؤشرات المعاشية مثل : الثروة، الدخل، توقع حياة الانسان، الصحة، الصرف الصحي، معاملة المرأة، مستوى التعليم عند افراد الدخل العالي والمتوسط والواطئ في المجتمعات. فالمجتمعات التي تتصف بدخل عالٍ تتمتع باقتصاد صناعي عالٍ وتقدم تكنولوجي وإدارة صناعية ومهن خدمية ودخل الفرد والمجتمع معاً مثل استراليا، نيوزلندا، اليابان، الدول الأوربية، كندا، الولايات المتحدة. بينما المجتمعات المتصفة بدخل متوسط فأنها من ضمن الأقطار النامية والمتحولة من الاقتصاد الزراعي نحو الاقتصاد الصناعي مثل كولومبيا، غواتيمالا، بنما، بولندا ورومانيا. هذه المجتمعات ما زال فيها الكثير من الأفراد يفلحوا الأرض وما زال الدخل الاقتصادي للفرد وللمجتمع متدني. لكن المجتمعات المتصفة بالدخل الواطئ فهي من البلدان الزراعية مع قسط بسيط من التصنيع وذات دخل فردي ومجتمعي متدني مثل الصحراء الأفريقية التي لم تستفاد من التغيرات الحاصلة في الأسواق الاقتصادية العالمية (برنامج التنمية للأمم المتحدة 1999) أما بلدان هذا الصنف من الدخل الواطئ فهي راوندا، موزمبيق، اثيوبيا، نيجيريا، كمبوديا، فيتنام، أفغانستان، بنغلاديش ونيكارغوا.

     غني عن البيان عند مقارنة مجتمعات الدخل العالٍ مع مجتمعات الدخل الواطئ تبزغ أمامنا فجوة عميقة وواسعة بين الغني والفقير عند كليهما وبينهما. على الصعيد الواقعي وفي عصرنا الحالي هناك من الأغنياء والفقراء ممن يعيشوا في عوالم منفصلة بشكل متزايد. فالأكثر غنى يمثلوا 10% من سكان العالم وجميعهم – تقريباً – يعيشوا في مجتمعات ذات اقتصاد عالٍ يكون فيها الإنتاج المحلي الصافي يمثل 54% يستهلك داخل البلد ولا يدخل فيها أي عائد من العوائد الخارجية. نقيض ذلك هناك 40% من سكان العالم – تقريباً – أي 2.5 بليون شخص يعيشوا في اقتصاد واطئ بمعدل دولارين في اليوم الواحد وهناك بليون شخص يعيش بأقل من دولار واحد في اليوم. [برنامج التنمية للأمم المتحدة 2005]

    ومن نافلة القول إن مرضى الحياة للسكان في مجتمعات ذات الاقتصاد المتوسط والواطئ المتصفة بالتفاوت غير المتساوٍ في الإنتاج المحلي الصافي تتسع عند الأفراد الذين يملكون طرقاً للحصول على طعام وملبس ومأوى وتعليم ورعاية صحية ونمو سريع للسكان إذ جميعها تكوّن أو تبلور مشاكل ضاغطة على المجتمعات ذات الدخل المتوسط الواطئ.

حيث هناك – في الوقت الراهن – أكثر من 1.3 بليون شخص يعيش في حالة فقر مدقع absolute poverty وتحت ظروف قائمة عندما لا يكون الناس مالكي وسائل لتأمين أو الحصول على الحاجات الأساسية والأكثر ضرورية للعيش لأن الفقر المدقع عادةً ما يهدد حياة الاناس حيث الكثير منهم يكون يعاني من سوء التغذية بشكل مزمن تصل حالته الى الموت وبسبب المجاعة وما يرتبط بها من امراض فإن التقديرات الحديثة ذكرت بوجود أكثر من 600 مليون شخص يعاني من سوء التغذية المزمنة وأكثر من 40 مليون شخص يموت كل عام بسبب المجاعة وما تسببه من أمراض ناتجة عنها. بتعبير أخر إن عدد الأشخاص الذين يموتوا في العام الواحد بسبب الامراض الناتجة عن المجاعة يعادل أكثر من 300 طائرة جامبو تتحطم وفيها ركاب يكون نصفهم من أطفال (إن جاز التشبيه).

   على الرغم من التفاوت غير المتساو في فرص الحياة وتسلط الفقر المدقع وهيمنته فإن خبراء السكان يتوقعوا بأن سكان المجتمعات ذات الدخل الواطئ والمتوسط سوف يرتفع بنسبة 60% في عام 2025. بينما يزداد عدد سكان المجتمعات ذات الدخل العال بنسبة 11% وذلك لأن نصف سكان العالم وعددهم أكثر من 6 بليون شخص يعيشوا اصلاً في مجتمعات ذات دخل واطئ. هذه الزيادة المتسارعة في السكان وحدها قادرة على بلورة مشاكل وعدم تساوٍ ومتسارع على المستوى العالمي. وإزاء هذه الحالة المتسارعة في تطورها وتغيرها السكاني والاقتصادي كيف سيفسر علماء العلوم الاجتماعية هذا التفاوت غير المتساو بين الفقر والغنى في مجتمعات ذات دخل واطئ وأخرى عالٍ؟ الجواب يقع على عاتق نظام تقسيم العمل العالمي المتضمن تنظيمات عالمية للإنتاج الصناعي حيث هذه الأيام ينتج العمال في العديد من المجتمعات ذات الدخل الواطئ سلعاً مثل الملابس والمكائن الكهربائية والأجهزة الاستهلاكية وبالذات المخصصة لتصديرها للدول الغنية ذات الاقتصاد العال طبقاً لنظام خط الإنتاج الهائل ولها فائض من السلع ذات الكلفة الواطئة مثل العمالة الناعمة – النساء – وعمل لا يخضع للضرائب وعدم وجود نقابة عمالية تقوم بالإضراب والمطالبة بزيادة الأجور والفوائد ويكون أصحاب رؤوس الأموال من الملاك وأصحاب الأسهم والسندات متفاهمين ومنسجمين مع الممولين والقيادات الإدارية في المجتمعات ذات الدخل الواطئ والمتوسط وهكذا تكون المنافع متكاثرة لأصحاب الأملاك وادارتها بينما يبقى العمال في فقر متفاوت لفترات طويلة ويعملوا تحت ظروف مؤسسية صناعية صغيرة تستخدم بأجور منخفضة وأحوال صحية سيئة ورديئة.

    لا أريد أن اترك هذا الموضوع ما لم أسبر غور موضوع الجوع Hunger  لارتباطه بالفقر إذ للفقر ارتباطات بمشاكل عديدة يتفاعل معها ويتغذى منها مثل الجوع وارتفاع أسعار المواد الغذائية والأجور المتدنية لملايين العمال والعاطلين عن العمل حيث هناك أكثر من 100 مليون شخص في مجتمعات الدخل الواطئ والمتوسط قد تم زجهم بعمق الى هاوية الفقر من خلال تصاعد أسعار السلع وشحة المال في هذه المجتمعات مثل هايتي ومصر إذ فيهما الجوع في تنامي مستمر ومتفاقم يبزغ على شكل تظاهرات جماهيرية للجياع معبرين على غلاء أسعار المواد الغذائية فأمسى ظاهرة شائعة عندهما. والحالة اسوء في مناطق الصحراء الأفريقية مثل بوكينا فاسو التي فيها الفقر المدقع الذي يظهر على شكل شبح مرعب ومريع معبراً عن حرمان مطلق وجوع صارخ ومزمن لا يفارقها مؤثراً على ثلث السكان (منظمة الزراعة والغذاء في الأمم المتحدة 2006) هذه التظاهرات المعبرة عن جوعها وغلاء أسعار المواد الغذائية لأن الجوع يوّلد انتفاضة غاضبة بذات الوقت هناك مجتمعات فقيرة تعاني من الجوع لكنها لا تنتفض ولا تغضب لأنها لا تملك الطاقة الجسدية في تعبيرها بشكل عنيف.

    جدير بذكره أن الجوع لا يتسبب ببذور الفقر بل بسبب القرارات التي يتخذها الأثرياء وأصحاب النفوذ ليخدموا مصالحهم الشخصية التي بدورها تسبب اذى لملايين الناس الجياع مثل الهند وأفريقيا.

 وعند التحكم في مجاعة العالم يتطلب التركيز على الحاجات البشرية وقيمهم وليس على الأرباح والفوائد المادية التي تخدم مصالح فئة التجار. في الواقع إن جذور مشكلة مجاعة العالم تكمن في الإجابة على الأسئلة التالية: –

1 – من الذي يملك الأرض المزروعة ويتحكم بإنتاجها؟

2 – لماذا يستمر الفلاحين والمنتجين في مشاهدة تقلص نصيبهم من الفوائد بينما تحصد الشركات العالمية الكبرى المنافع العالية والخيالية؟

3 – لماذا تكون قوانين التجارة خادمة لمصالح الأثرياء؟

4 – لماذا تصبح الديون والذمم عبئاً على المجتمعات الفقيرة وتثري المجتمعات الغنية ولا تكون عبئاً عليها؟

ألم يولّد كل هذا عدم التساوي بين البشر؟

الطبقات الاجتماعية في المجتمع الأمريكي

  يتصف المجتمع الأمريكي بتدرج طبقي بارز بروزاً واضحاً. يتكون هذا التدرج من تراتب منتظم لجماعات اجتماعية كبيرة قائم على أساس تحكمها من المصادر الرئيسية. ففي الوقت الراهن هناك فجوة واسعة بين الغني والفقير في المجتمع الأمريكي أكبر عما كانت عليه قبل نصف قرن من الزمن. ارتبطت هذه الفجوة الواسعة بالنظام العالمي للتدرج وله تأثير قوي على فرص حياة كل فرد. مما لا شك فيها إن للأغنياء حياة معاشية أفضل وفرص أحسن من الأقل غنى وذلك راجع الى كون الغني لديه مجالات عديدة بالحصول على تعليم نوعي متميز وسكن في جيرة أمنة وتغذية نوعية راقية ورعاية صحية مستمرة وحماية أمنية شخصية ورسمية ومجموعة كثيرة من الخدمات الأخرى على نقيض أولئك الناس المنحدرين من مستويات فقيرة ودخل متدني الذين لا يحصلوا على هذه المصادر إلا بشكل محدود ومحدد.

    لكن يبقى السؤال ملحاً حول كيف يتم تحديد الطبقات الاجتماعية في المجتمع الأمريكي؟ للإجابة على هذا السؤال نقول إن معظم البحوث العلمية تقول يتم ذلك من خلال استخدام (كارل ماركس) للنموذج الخاص بوسائل الإنتاج ومن خلال نموذج اخر طرحه (ماكس فيبر) المعروف باسم متعدد الابعاد. ففي حالة نموذج (ماكس) يكون موقع الطبقة متحدد من خلال علاقات الناس بوسائل الإنتاج الموجودة في المجتمعات الرأسمالية المنطوية على طبقتين هما البرجوازية أو ما تسمى بالطبقة الرأسمالية التي تملك وسائل الإنتاج والطبقة البروليتارية أي الطبقة العمالية التي تبيع مهارتها العمالية للرأسمالية لكي تعيش وطبقاً لماركس فإن عدم التساوي والفقر يمثلان وجهان لعملة واحدة وأنه لا مفر منهما لأن كلاهما من انتاج استغلال الرأسمالية للعمال.

    ومن أجل تمحيص ما تقدم نشير الى مرئية “ماكس فيبر” (عالم اجتماع الماني عاش ما بين 1864 – 1920) المنطوية على تركيزه المكثف والمهم على العوامل الاقتصادية في تحديد مواقع الطبقات الاقتصادية على التدرج الاجتماعي التي يرجع اليها سبب اللامساواة الاجتماعية بين الناس بذات الوقت يرى إن هناك عوامل أخرى ذات صلة بهذا اللاتساوي واستناداً لهذه الرؤية طور “فيبر” نموذجاً يوضح ابعاداً متعددة تتفاعل فيه الثروة والنفوذ والاعتبار الاجتماعي في تحديد مواقع الطبقات الاقتصادية على التدرج الاجتماعي.

فالثروة Wealth: هي قيمة كل الممتلكات الاقتصادية بما فيها الدخل والملكية الشخصية وما يقدمه الدخل الصادر من الملكية بذات الوقت هناك افراد يملكوا ثروة طائلة وقادرين على العيش ويقوموا بالاستثمار وهناك اخرين يعملوا من أجل الحصول على أجور من عملهم إضافة الى ممتلكاتهم الاقتصادية.

النفوذ Power: هو قدرة الناس على انجاز أهدافهم على الرغم من معارضة الاخرين لهم. الأفراد الذين يشغلوا مناصب متميزة في قوتها يقدروا ان ينفذوا أهدافهم لأنهم يستطيعوا ان يتحكموا او يسيطروا على الاخرين، هذا من جانب ومن الجانب الآخر هناك افراد يشغلوا مواقع ينقصها النفوذ لذلك يتطلب منهم تنفيذ رغائب وطلبات الاخرين.

الاعتبار Prestige: هو الاحترام والسمعة النظيفة والحسنة الممنوحة للفرد أو للجماعة من قبل الأخرين. الأفراد الذين لديهم مستوى عالٍ من الاعتبار يميلوا لتقبل تعامل متميز ومقر من قبل أولئك الذين يتمتعوا بمستوى أوطئ من اعتبارهم.

     حديثاً النظريات قد تم تعديل نظريات “ماركس وفيبر” في موضوع عدم التساوي الاقتصادي واستناداً الى عالم الاجتماع “ايرك رايت” Erik O. Wright 1997 قال بأن النموذجين المقدمين كلً من “ماركس وفيبر” لم يتوقفا في تفسير وشرح عدم التساو الاقتصادي في المجتمعات الرأسمالية الحديثة وبناءً على نقده هذا قدم “رايت” أربعة معايير لتحديد المواقع في البناء الطبقي وهي ما يلي: –

1 – مالك وسائل الإنتاج.

2 – شراء عمل الاخرين (الموظفين والعمال).

3 – التحكم في عمل الاخرين. (الأشراف على عمل الأخرين).

4 – بيع عمل الأخرين (المستخدمين من قبل الأخر).

وعلى أساس هذه المعايير 1979 – 1985 حدد “رايت” أربع طبقات في الاقتصاد الأمريكي وهي: –

1 – الطبقة الرأسمالية.   2 – الطبقة الإدارية.   3 – طبقة رجال الاعمال الصغار.   4 – الطبقة العمالية.

الثروة مقابل تفاوت الدخل

   هناك أكثر من 470 عائلة أمريكية تملك ثروة مقدارها بليون دولار (هذا في عام 2008) وهناك أيضاً لا يقل عن 7.5 مليون ربة بيت أمريكية أي بحدود 7% من أصل جميع ربات البيوت الامريكيات يملكن ثروة لا تقل عن مليون واحد من الدولارات وهناك ايضاً وبنفس الوقت 20% من ربات البيوت الأمريكيات ممن يمثلنَّ الأفقر مالاً ثروتهنَّ بمقدار الصفر. كيف حصل توزيع هذا التفاوت في الثروة والدخل ونتج عنه الكثير من المشكلات الاجتماعية؟ من هذا المنطلق دلف عالمان اجتماعيان هما “مالفن أوليفر” Melvin L. Oliver “وتوماس شابيرو” Thomas M. Shapiro عام 1995 بمقابلة أسر أمريكية من أصول افريقية وأخرى من أصول بيضاء في قياس الثروة عندهما لأن الباحثين يريان إن الثروة تمثل مؤشر مهم لكل فرد يريد أن يحصل على فرص العيش.

   مما لا جدال فيه إن الثروة تتحكم في المصادر المالية للأسرة التي قد تكون متراكمة عبر الزمن. إضافة الى الميراث القادم من الأجيال السالفة التي تكون على شكل عقارات أو نقود تمنح صاحبها الأمن والاستقرار النفسي والحاجي وضمن العيش الرغيد والحصول على كافة الاحتياجات الضرورية والكمالية (في التعليم والصحة والاستجمام والملبس والمأكل) والاستمتاع بمباهج الحياة فضلاً عن إمكانية توريثها للأجيال القادمة من الأبناء والاحفاد.

    نعود مرة ثانية الى الأسر التي قابلها كلً من “أوليفر وشيبر” والذين وجدا إن الأسر من أصول افريقية قد خضعت للتميز العرقي في مدراس الفقراء والأجور المتدنية والبطالة والامراض فلم تجد طريقها لتكديس الثروة عندها بل كانت في الدرك الأسفل من التدرج الاجتماعي والطبقي في المجتمع الأمريكي (إنما هذا لا يمنع من وجود بعض هذه الأسر من تسلقها ووصولها الى الطبقة الوسطى والعليا) أما الأسر ذات الأصول البيضاء فقد جمعت ثروة طائلة وتكدست من عملها ومن الإرث الذي ورثتها من الأجيال السالفة.

     إذن التوزيع المتفاوت والغير متساوٍ للثروة في المجتمع الأمريكي خضع للتركيبة الاجتماعية العرقية والرسيَّه في تحديد ثروتها ودخلها. أقول إن هذا التوزيع غير التساوٍ يعكس الاختلافات العرقيّة والرسيّه بين الشرائح الاجتماعية مبلوراً ثروة متكدسة مقابل دخل متدني فاستولد مشكلات اجتماعية تعبّر عن مروق أصحاب الدخول المتدنية فخرجوا عن القانون وعادوا المجتمع معاداة علنية وعنيفة.

8 / ب – تفاوت الفقر الكوني

    لا توجد مساواة في مستويات عيش الشعوب في بلدان العالم لا في درجات عيشهم ولا في انتاجهم ولا في ثروتهم. ولما كان مقياس التفاوت يعتمد على الإحصاء لقياس مدى التفاوت فيما بينهم، بات محّك (مقياس) الإنتاج الإجمالي لنصيب كل فرد هو المعتمد في تحديد درجة التفاوت بين البلدان لأن مقياس التعليم والصحة وشرب الماء الصالح للشرب غير دقيق وغير متوفر عندها تم الاعتماد على الإنتاج الإجمالي لنصيب كل فرد هو القاعدة التي يؤخذ بها في معرفة اختلاف وعدم تساوي شعوب العالم في عيشها (سواء كان مرفهاً أو محتاجاً).

     ومنذ الثورة الصناعية التي حدثت في العالم الغربي أبان القرن التاسع عشر التي كان فيها تفاوت الشعوب (اقتصادياً) بسيطاً لأن النمو الاقتصادي آنذاك كان بسيطاً وقليلاً. وكانت نسبة الدول الغنية الى الفقيرة بمعدل 1/3 أي بلد واحد غني وثلاثة بلدان فقيرة. والأمم المتحدة قسم التنمية استخدم هذا المقياس ايضاً في عام 1990 فوجدت نصيب الفرد من الدخل الإجمالي الوطني في بريطانيا وصل الى 1.765 دولار وكانت الصين أفقر بلد في العالم حيث كان نصيب الفرد فيها من انتاجها الإجمالي 523 دولار أما الولايات المتحدة التي هي اغنى بلد في العالم كان نصيب الفرد فيها من الإنتاج الإجمالي في عام 1992 وصل الى 21.558 دولار بينما كانت اثيوبيا أفقر بلد في العالم وصل نصيب الفرد فيها الى 300 دولار.

     لكن مع تقدم المجتمعات باتت الفجوة تتضيق بين البلدان الغنية والفقيرة وبالذات بعد الحرب العالمية الثانية حيث وصل دخل الياباني الى 20% من دخل الأمريكي في عام 1950 ثم وصل الى 90% في عام 1992 بينما ارتفع بشكل كبير دخل الدول الواقعة في جنوب أوروبا والشرق الأوسط في اسيا مع ذلك فإن أفقر شعب وصل الى حالة الفقر المدقع بعد الحرب العالمية الثانية.

بيد أن في عام 1960 وحسب وثائق الأمم المتحدة فإن 20% من سكان العالم في أغنى الأقطار لديه دخل يعادل 30 مرة من دخل أفقر دولة وقد أكد على هذه النتيجة البنك الدولي. وإن معدل دخل الفرد عند أفقر بلدان العالم الثالث قد هبط من 3.1% الى 1.9% في الفترة الواقعة بين 1970 و1995 في حين متوسط دخل دول العالم الثالث يعاني من هبوط في دخله الذي هبط من 12.5% الى 11.4%. اما شرق اسيا فهو الإقليم الوحيد الذي فيه دخل واطئ بينما دخل الأفراد في الصحراء الأفريقية فأنه واطئ جداً الذي كان بسبب تدني خدمات البنية التحتية ورداءة المهارات الحرفية والمهنية وآثار الحروب الداخلية والسياسات المضللة للحكومة مع انتشار الأمراض مثل انتشار فايروس الإيدز والملاريا.

     وفي ظل ذلك نطرح السؤال التالي: هل بقيَّ تفاوت دخول دول العالم متفاوتاً وغير متساوياً؟ للإجابة على هذا السؤال نشير الى أن التفاوت قد وصل الى أقصاه أبان العقد الثامن من القرن الماضي ثم تقلص عند كل من الصين والهند الذي يمثل سكانهما 1/3 سكان العالم الذي بدأ اقتصادها يتحسن بشكل سريع. وقد حصل تحسن في اقتصاد بعض دول جنوب اسيا مثل اندونيسيا وتايلاند الذي حصل تحسن في توزيع الدخل وتقلص حجم الفقر. وبناءً على ما تقدم فإن عدم تساوٍ أو تفاوت مداخيل شعوب العالم ما زال قائماً (باستثناء الصين) حيث هناك مجتمعات ما زال يعيش افرادها دون مستوى خط الفقر كذلك شعوب دول أمريكا اللاتينية وافريقيا الذي زاد معدل الفقر فيها وما زال سكانها يعيش على أقل من دولار واحد في اليوم.

    وللمزيد من المعلومات عن هذا العنوان الجديد في عالم الفقر الذي يصور الفقر عالمياً ومن خلال دراسات قدمتها منظمات عالمية مثل أوكسفام والأمم المتحدة والبنك الدولي التي قدمت اضافات علمية رائدة وجديدة في دراسة الفقر فقدمت اضاءات مثيرة في سراجها تنفع الباحثين الاجتماعيين في منظورهم الكوني إضافة الى ما عندهم من منظور إقليمي ومحلي.

في هذا الموضوع قال نيلسن مانديلا في لندن عام 2005 “هناك في عصرنا الحالي كارثة مفزعة ومرعبة هي الفقر المتفاوت في تناميه بحيث وصل الى درجة الغزارة المستفحلة في زمن تسود فيه التطورات العلمية المثيرة والصناعات المتقدمة والثروات المتكدسة التي تتطلب ترك العبودية وسياسة التميز العنصري جانباً لأنهما من الآثام الاجتماعية”.

    ندلف الان الى مدار التفاوت المسبب للآثار الاجتماعية. من نافلة القول إن فرص حياة الفرد من مهده الى لحده – في عصرنا وعالمنا الحالي – مُتسلط عليه تفاوت غير متناسب بشكل غزير. مثال على ذلك الفتاة المولودة في النرويج تحيا حياة مرفه وصحية وآمنة ومضمونة وذات تعليم مؤمن لغاية المرحلة الجامعية. توصلها هذه الحياة الى مرحلة الشيخوخة دون متاعب تذكر لكن الفتاة التي تولد في سيراليون قد لا تصل حياتها الى سن الرابعة وتموت بسبب الجوع والفاقة والمرض والقليل منهنَّ يذهبنَّ للمدرسة وعندما يذهبنَّ لا يصلنَّ الى المرحلة الجامعية بل يتركنَّ الدراسة بسبب رسومها أو بسبب العمل لمساعدة أسرهم بالعيش.

    إن اتساع حدود وحجوم التفاوت الكوني موضوع مثير للجدل إذ إن دخل 500 ثري من اثرياء العالم (البليونيريه) زاد من فقر فقراء العالم فأوصلهم الى 416 مليون فقير. وفي كل دقيقة من كل يوم في مكان ما في العالم النامي تموت امرأة عند ولادتها أو عند حملَّها ويموت 20 طفل بسبب مرض الاسهال أو الملاريا وحكومات العالم النامي لا تصرف المال الكافي على رعاية صحة أبنائها بل أقل بكثير مما هو مطلوب. عن خط التفاوت الكوني يرجع الى الولادة الذي يمثل أكبر تحدي في القرن الحادي والعشرين وأنه من أحد اهتمامات كل الأمم منذ بدأت عولمة العالم. بيد أن الفقر والمعاناة سوف لا تستمر وتبقى محبوسة ومحصورة ضمن حدودها الإقليمية بل تتحول الى اشكال أخرى مثل الصراع (الحروب) أو لهجرة أو استنزاف بيئي وتجريدها من خصائصها.

   إن تفاوت بلدان العالم أكثر وضوحاً من تفاوت الفقراء داخل البلد الواحد. وغن عدم العدالة الكبيرة السائدة في البلد الواحد التي سببتها العولمة سوف تعمل على انهيار اجتماعي وسياسي فيه لأنها (أي العولمة) سوف تقارب بين الفئات المستفيدة منها في ظل الاتصالات والمواصلات السريعة والفورية بين اقطار العالم وشعوبها. وطبقاً لحسابات أوكسفام Oxfam (منظمة إنسانية متألفة من 13 منظمة تعمل معاً من خلال 3000 شريك في أكثر من 100 دولة تهدف الى إيجاد الحلول للقضاء على الفقر والظلم وإقامة حملات عالمية لبث الوعي الثقافي في هذا الشأن ونشاطاتها المتعددة) المبنية على توزيع الدخل المعتمد من قبل البنك الدولي فإن الدول الفقيرة جداً مثل هايتي التي هي أكثر الدول فقراً في العالم يعيش افرادها بأقل من دولار في اليوم الواحد قد هبط الى النصف وكوستاريكا ذات الدخل المتوسط هبط الفقر فيها ايضاً. أما أطفال غانا والسنغال فإن الأطفال فيها يموتوا قبل ان يبلغوا سن الخامسة أكثر بكثير مما يموت الأطفال في الدول الغنية وأن متوقع الحياة في الأقطار الغنية يزيد على سبعة أو ثمانية سنين أطول من متوقع حياة الأفراد في الدول الفقيرة. (أي عمر الفرد في الدول الغنية يزيد على عمر الفرد في الدول الفقيرة بثمانية سنوات).

    لا جناح من القول بأن تفاوت الفقراء ينتج عن التعصب والتحيز العرقي أو الرسي أو الجندري أو الطائفي الديني، مثال على ذلك السود من البرازيليين يصل عدد موتاهم بسبب العنف مرتين أكثر من البيض البرازيين الذين يموتوا بسبب العنف وإن 1/3 السود البرازيليين يذهبوا الى الجامعة. أما في غواتيمالا فإن عدد الأطفال المنحدرين من أصول أوروبية يموتوا قبل أن يصلوا الى سن الخامسة بنسبة 56 بالألف مقارنة مع 79 بالألف من الذين يموتوا في سن الخامسة من السكان الأصليين.

وفي الهند في ولاية أوتار براديش Uttar Pradesh وبيهار Bihar فإن المسجلين في المدراس الابتدائية يكون حسب جداول طائفية وجندريه حيث هناك جدول خاص بالبنات وأخر بالقبيل والثالث حسب الطائفة ورابع غير طائفي وهكذا معنى ذلك هناك تفاوت متميز ومتعصب داخل المجتمع الواحد مثلما هناك تفاوت كوني بين دول العالم.

معدل دخل فقراء البرازيل يعادل ثلاثة اضعاف معدل دخل الفقراء في فيتنام بذات الوقت فإن معدمي الفقر في البرازيل (أي أدني درجة من الفقر) يمثلوا 10% من فقراء البرازيل يكسبوا دخلاً أقل من المعدمين في فيتنام. وفي كندا يكون معدل وفيات الأطفال عند سكان كندا الأصليين ثلاثة اضعاف معدل وفيات الأطفال من سكان كندا غير الأصليين. أنهم يموتوا 20 سنة قبل وفاة الطفل الكندي من غير الأصليين. إقليمياً، أكثر الدول معروفة ومشهورة في تفاوتها من حيث الاتساع والانتشار هي دول أمريكا اللاتينية لكنها لا تختلف عن تفاوت الفقراء في اسيا وأفريقيا حيث الفقر في تزايد متسارع في تايوان وفيتنام والصين.

   لا مرية إذن من القول بأنه لا توجد عدالة في تفاوت الفقر بين المجتمعات. من أغرب الظواهر السائدة عند الفقراء هي ظاهرة (فقدان المرأة) التي يسببها التميز ضدها (ضد البنات والنساء) وعند مقارنة سكان النساء مع سكان الذكور عند المتفاوتين في فقرهم نجد التميز ضدهم يبدأ من قبل الولادة عند ممارسة الإجهاض مروراً بطفولتها وصولاً الى رضاعتها وتغذيتها والعناية الطبية بها من خلال مقارنتها مع أخيها الذكر. هناك تقديرات حديثة كشفت عن مجموع الاعداد المفقودة من الاناث قد وصل الى 101.3 مليون (أي أكثر من مجموع الأفراد الذين قتلوا في الحروب الدامية التي حدثت في القرن العشرين) كان ثمانية ملايين منهم من الهنديات والصينيات شيء مذهل 6.7% من اناث الصين و7.9% من اناث الهنديات.

8 / ت – لماذا موضوع التفاوت؟

لدى أوكسفام وبعض المنظمات الإنسانية دراسات عديدة عن الانقسامات الاقتصادية والاجتماعية السائدة في العالم. حيث هناك شروخ عميقة تعبر عن عدم العدالة الجائرة في وجود (800) مليون جائع بذات الوقت هناك وباء السمنة المفرطة التي تسمم حياة الملايين من الناس في البلدان الغنية وبالذات في مدنها.

هناك جدل متناقض أحد اطرافه يقول بأن للتفاوت منافع إيجابية يحث المبدعين على انماء ثروتهم ويشجع على الابتكار والنمو الاقتصادي في انماء وتطوير المجتمع وذلك من خلال إنقاص معدلات الفقر. لكن مع ذلك فإن هناك اراء تقول ما يلي: –

1 – يقوم التفاوت بتبديد المواهب والمهارات فمثلاً استبعاد النساء عن المناصب القيادية في العمل يؤدي الى تبديد نصف الموهوبين من المجتمع وعزلهم عن الإنتاج المثمر. فمثلاً في الهند ترفض البنوك فيها تسليف الفقراء الذي يؤدي الى اهدار فرص العمل الجاد والمثمر. لكن تعصب الهنود ضد الجندر (النساء) يضاعف اهدار الطاقات الخلاقة والمبدعة لكن لو استثمرت الهند طاقتها النسائية لقضت على التميز الجندري (مفاضلة الذكر على الانثى).

2 – يؤدي التفاوت الى تقويض مؤسسات المجتمع: ففي المجتمعات التي يسودها التفاوت والتفاضل الجنسي بين الذكور والاناث فإن ذلك يساعد الطبقة الحاكمة في تسهيل حكمها وتعسفها وظلمها على مؤسسات المجتمع مؤدية بذلك الى إعاقة التنمية الاقتصادية.

3 – يؤدي التفاوت الى تقويض التماسك الاجتماعي: هناك نوعان من التفاوت هما العمودي والأفقي. يكون الأول صاعداً أي تتيع الفجوة بينهم مما تساعد على انماء السلوكيات الاجرامية، بينما التفاوت الأفقي الذي يحصل بين الجماعات العرقية المختلفة يزيد من ارجحية الصراعات والنزاعات بينهم مما تؤدي الى تخلف البلاد وتشقق النسيج الاجتماعي. بعبارة أخرى إن التفاوت في كلا النوعين (العمودي والأفقي) لا يخدمان المجتمع بل يضرانه.

    في الواقع هذه الرؤى المتعددة الأبعاد للفقر تكون مقبولة على الصعيد النظري، لكن على الصعيد العملي يكون التركيز على دخل الفرد. حيث هناك الفقر المطلق – المدقع الذي يحدد خطه بدولار واحد فقط في اليوم وأي فرد يعيش دون ذلك الخط يعتبر بأنه غير قادر على اسباغ متطلبات الحياة الأساسية والضرورية في المأكل والملبس والمسكن وفي حالة الدخل دولارين في اليوم فأنه يعني بإن صاحبه يستطيع أن يشبع حاجاته الضرورية والأساسية في المأكل والملبس والسكن.

     لكن بدأ الفقر المطلق – المدقع يتناقص ويتقلص عبر الوقت وبالذات في الفترة الواقعة بين 1990 و2004 حيث كان عدد الأفراد في العالم بالأقطار النامية يعيشوا بأقل من دولار واحد في اليوم قد هبط وتقلص من 1.25 بليون الى 980 مليون وإن نسبة الأفراد الذين يعيشوا في فقر مدقع قد هبط وتقلص من 32% الى 19% عبر الوقت مع ذلك فإن معدل التحسن واضحاً في السنين الأخيرة.

    إن طبيعة وموقع الفقر يخضع ايضاً للتغير فقد لاحظت الأمم المتحدة ووجود ميلاً متزايداً من الناس يدور في حلقة الفقر يخرج منه ويدخل فيه مع تنامي حالة الفقر الحضري وركود في المناطق الريفية مع زيادة نسبة العمال غير الرسميين بين فقراء الحضر في العديد من الفقراء العاطلين. وفي عام 2007 تفوق سكان العالم الحضري على سكان الريف لأول مرة في تاريخ البشرية وذلك بسبب نمو المدن وتطور البلدان النامية حيث هناك ثلاثة بلايين حضري في العالم في الوقت الراهن بذات الوقت هناك بليون واحد يعيش في مناطق موبوءة بالفقر والبؤس والإجرام slums تعج بالأمراض الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لدرجة إن الأمم المتحدة تتوقع أن تتضاعف هذه المناطق فتتجاوز تنبؤات معدل التحضر.

    كونياً اضحى دخل الفقر في تناقص بفعل الإنجازات والاداءات المثمرة التي تقوم بها الدول مثل الصين والهند على الرغم من بقاء تعاسة المفاضلة. فالصين بالذات أنجزت تقدماً استثنائياً فقلصت نسبة الأفراد الذي يعيشون في فقر مدقع نسبة 2/3 ففي عام 1981 كان هناك 634 مليون فقير مدقع هبط معدلهم الى 1/10 أي 128 مليون فرد في عام 2004 وقد شاهد الجميع جهود الشعوب في كفاحها بشكل حثيث مع باقي ابعاد الفقر. فمصر مثلاً حققت نجاحاً مذهلاً ومتسارعاً أسرع من أية دولة في العالم في إنقاص معدا وفيات الأطفال منذ عام 1980 ولغاية الان ثم هناك بنغلادش وهندوراس ونيكاراكوا وفيتنام ايضاً انجزوا تقدماً سريعاً في هذا العمل (تنقيص وفيات الأطفال).

     إلا أن افريقيا الوسطى تزايد فيها الفقر المدقع فوصل الى 583 مليون ما بين الفترة الواقعة بين 1990 – 2004. لكن ما زال الفقر مخيفاً في العالم فعند مقارنته مع أعوام 1990 وبعده كان هناك 30 مليون طفل في عمر المدرسة الابتدائية لم يدخل المدرسة ابداً والان هناك أكثر من 70 مليون طفل مازال غير متعلم منهم 57% من الفتيات. واليوم هناك 2.8 مليون طفل مات أكثر مما ماتوا في عام 1990 وإن أكثر من 10 مليون طفل يموت كل عام وكل دقيقة يموت طفلين بسبب الملاريا وحدها.

     للإحاطة أكثر بهذا الموضوع نود أن ندخل اليه من باب الحملات العالمية التي استخدمت اللقاحات المحصنة من أجل المناعة من الأمراض المسببة للوفاة مثل امراض الحصبة والخناق – الدفتريا – والكزاز التي بدأت – هذه الحملة – منذ عام 2001 فأدت إنقاص وتقليص معدلات الوفيات فأنقصت حياة نصف مليون شخص من الموت وأنقذت ايضاً حياة ثلاثة ملايين طفل كل يوم. هذا فضلاً المرضى الذين كان مرضهم يمنعهم من الاستمرار بالدراسة.

    حال هذه الحالة أشبه بحالة وفاة (500.000) امرأة تموت كل يوم بسبب الحبل وما تصاحبه من امراض تستعصي معالجتها على المرأة الفقيرة.

حرّي بنا ان نتناول موضوع شرب الماء غير الصحي والملوث الذي يسبب وفاة 1.2 بليون شخص وهناك 1.1 بليون شخص مازال ينقصه الحصول على ماء صافي صالح للشرب علاوة على وجود 2.6 بليون شخص لا يملك الوسائل الصحية مثل الصرف الصحي والعناية الصحية التي تسبب الاختناق في تنفس الأطفال إذ وصلت التقديرات الى وفاة (3.900) طفل كل يوم.

    ولكي نحيط علماً أغزر عن ذلك نقول بأن الصحة العامة للفقراء أدت الى هزالة اجسامهم تعاني من نقص في التغذية حيث هناك أكثر من 880 مليون شخص يعاني من هاتين الحالتين على الرغم من وجود غذاء كافي يغذي أكثر من سكان المعمورة ومع ذلك فقد بقيت المجاعة وامراض الفقر سائدة في العالم.

    هذا ولا بد لي بعد هذا الاستطراد أن أقول على الرغم من معدل الفقر الذي بدأ منذ عام 1980 فإن فايروس نقص المناعة البشرية ومرض فقدان المناعة المكتسبة قد انتشرت في جميع مناطق الفقراء في العالم. علماً بأن مرض فقدان المناعة المكتسبة بات يصيب النساء في البلدان النامية أكثر من الرجال. ففي عام 2007 أوضحت التقديرات بوجود 2.1 مليون شخص يموت بسبب الأمراض هذا بذات الوقت هناك 2.5 مليون شخص بات مصاباً بفيروس نقص المناعة البشرية. كل هذه الوفيات حصلت في البلدان النامية مع وجود نسبة 77% منها في افريقيا بعضهم 33.2 مليون شخص يعيش مع وجود فايروس نقص المناعة البشرية وهناك 22.5 مليون شخص منهم يقطن في الصحراء الافريقية.

    ومن باب الاغناء والإفاضة والتحديد الدقيق نشير الى إن بعض البلايين من الأشخاص ممن يعيشوا بأقل من دولار واحد في اليوم عددهم أكثر من غيرهم من الفقراء. حيث العديد منهم تحركوا نحو الفقر بينما الكثير منهم خرجوا منه كل حسب ظروفه الشخصية والاقتصادية.

   لتوضيح هذه الحالة نستعين بالدراسة المسحيّة التي قامت بها منظمة أوكسفام التي طالت ثلاثة سنوات للقاطنين في منطقة فقيرة موبوءة بالبؤس والتعاسة والجنوح slum في الهند وهي منطقة (لوكنو luknow) التي كشفت بوجود 424 ربة بيت بقيت في حالة فقر و162 شخص بقي تحت خط الفقر وخرج الباقون من حالة الفقر.

أما على الصعيد العالمي فهناك 340 – 370 مليون شخص وقع في حالة فقر مزمن وهم موجودين في كل بلدان العالم لكنه متركز بشكل مكثف في جنوب اسيا والصحراء الأفريقية. ولا يفوتني الإشارة الى إن الفقر المزمن يؤثر على الفقراء بشكل خاص على كبار السن وأصحاب الاحتياجات الخاصة (المعوقين) الذين يواجهون تعصباً عنصرياً وعرقياً واجتماعياً وطائفياً ودينياً ولغوياً. ثم هناك حالة الحرمان المتعدد multiple deprivation الذي يعزز الفقر المزمن chronic poverty ويقترن به فمثلاً أطفال السكان الأصليين تقوم أسرهم بإرسالهم الى المدارس التي تدرّس موادها باللغة الأجنبية لكي تساعدهم بالحصول على فرص عمل جيدة وتسمح لهم بالخروج من الفقر حتى ولو كان هناك تعصب ضدهم (عرقايً أو دينياً أو لغوياً) أنهم يحاولوا هذا لكي يقللوا من توسع اقصائهم اجتماعياً وسياسياً ومن الضغوط الممارسة عليهم لأنها أشد وقعاً وآلماً من الضغوط الاقتصادية.

8 / ث – التدرج الدولي للفقر

   لا يقتصر عالمنا اليوم فقط على الأفراد الفقراء والاغنياء، بل هناك بلدان فقيرة وأخرى ثرية بعضها مرفه وأخرى بين بين بجانب عدد أخر من البلدان تنمو فقراً وتزداد في فقرها يوماً بعد يوم. بعبارة أخرى هناك نسق من التدرج الدولي للفقر الذي يتألف من وحدات تمثل البلدان كثيرة الشبه بنسق التدرج ضمن البلد الواحد الذي تكون وحداته المكونة له من الأفراد والأسر، ومثلما نتحدث عن افراد من الطبقة العليا وأخرين من الطبقة الدنيا ضمن البلد الواحد. بذات الوقت نستطيع ان نتكلم عن نظائر الطبقة العليا أو نظائر الطبقة الدنيا في النسق الدولي.

   ومن نافلة القول إن أحد مظاهر التدرج الدولي البارزة هي عدم تساوي الأعمار المتوقعة لحياة الأفراد ووفيات الأطفال والخدمات الصحية المتاحة جميعها تكشف عن تبعيات وأثار النسق الدولي في عدم المساواة أو عدم التكافؤ أو عدم التعادل بين النوعين من البلدان (الفقيرة والغنية). ولا ننسى الفجوة القائمة بين الفقراء والأغنياء التي تكون أكثر وضوحاً بينهما التي يكن فيها معدل عيش الشخص الأدنى في رفاهيته. لم يعد فهم هذه الأمم دون الأخذ بعين الاعتبار النسق الدولي للتدرج الذي هي جزء منه.

   حريًّ بنا أن نشير الى تأثير الاقتصاد العالمي في عدم تكافئه أو تعادله الذي بات متنامياً بشكل متزايد في احداثه المتنوعة بحيث جذب انتباه عامة الناس حول فرص العمل كافة انحاء العالم. فضلاً عن تبلور معارضة صادرة عن النقابات العمالية والاتحادات التي يروها مهددة للعمل ولحقوق العمال جاء هذا الاعتراض مشابها للتظاهرات المستنكرة ولإساءة البيئة وتلويثها وتدميرها. وقياساً على هذا الاعتراض الدولي برزت تظاهرات معارضة للمحلات والمطاعم الأمريكية التي عدوها رمزاً لانتشار الرأسمالية العالمية وتشويهاً للقيم الثقافية المحلية وانتشار قيم التحرر الاستهلاكي حول العالم. ليس هذا فحسب بل انتشرت التظاهرات الجماهيرية بين طلبة الجماعات ضد سياسة التجارة العالمية والمصانع والشركات الرأسمالية العالمية.

    لملاقاة هذه الفكرة نسوق المثال التالي: الوفرة والغنى وتدفق الصناعة ومنتجاتها التي تتم في الولايات المتحدة الأمريكية يع