علم الاجتماع الثقافي

تأليف: الأستاذ الدكتور معن خليل العمر

المقدمة

 

يختلف الإنسان عن الحيوان من الناحية الاجتماعية بإن له ثقافة انتجها بدوافع حاجيه ومصيرية وتفاعليه وضبطيه من أجل تعايشه في بيئة طبيعية ومحيط ايكولوجي لأنه – حيوان اجتماعي حسب تسمية ابن خلدون له. ومع تفاعله مع مؤثراته الداخلية والخارجية استطاع ان يضع قواعد ومعايير ونواميس واعراف لسلوكه تعبّر عن ذهنيته العقلية ومشاعره الحسية وتفاعلاته وتصارعاته مع تحديات معيشته في الصحراء والبوادي والجبال والمحيطات والمدن ليثبت جدارته وتميزه عن الحيوان. ومن خلال تفاعلاته وتصارعاته أرسى قواعد ثقافية مجتمعية نقلها الى الأجيال عبر المشافهة والتنشئة الأسرية والدينية والحرفية وسواها فكانت هذه القاعدة اساساً لتشييد انساق بناءه الاجتماعي (في السياسة والاقتصاد والدين والأسرة والقبيلة وسواها).

ومع تنوع البشر عرقًا ورسًا وديناً تنوعت ثقافته، ومع اختلاف تنظيمه الاجتماعي (عشائري وقبلي) تنوعت ثقافته ومع تنامي قوته الدفاعية تنامت ثقافته الحربية ومع احتكاكه مع اقوام وأمم أخرى وتثاقفه معها تطورت ثقافته وهكذا الى ان أصبحت لديه ثقافات متنوعة ومتطورة عكست مراحل تطوره. بمعنى ان الثقافة الاجتماعية هي صنيعة البشر وليس البشر صنيعة ثقافته. هذه حقيقة اجتماعية ثابتة إلا انها ابطئ حركةً وتطورًا من المجتمع الإنساني لأنها محافظة عليها من قبل الأجيال ومتمسك بها جيل الكبار الذين تعودوا عليها وألفوها ولا يريدوا استبدالها لأنها تغذي نفوذهم الذين يستخدموه في التحكم بالأجيال الصغيرة والشبابية.

    إنما العنصر الشبابي المتنور والواعي والفعال في تغيرها في العصر المادي والمعرفي والتقني هو جيل الشباب لذا فكلما يتطور المجتمع ويتحول من البداوة الى الريف والتحضر والتمدن تتبدل ثقافته تباعًا لكنها لا تتبدل في كل مكوناتها بل تبقى ملتزمة بلغتها ومعتقداتها وعقائدها الروحية مثل الثقافة الصينية والهندية والعربية والمانا (في أمريكا الجنوبية).

     أما اهتمام علم الاجتماع بها فإنه يرجع الى دراسته لكل ما ينتجه الإنسان من ماديات ومعنويات ومالها من اثار ضبطية وأطر مرجعية يتماهى معها على مرّ العصور، فكان اهتمامه بها منذ البداية لكن مع تطور المجتمعات والجماعات تطورت الثقافة فتفرعت الى فروع عديدة فبات لها ثقافة مضادة استخدمها الشباب الواعي دفاعًا عن تنوره وطموحه ضد التقاليد الصارمة التي لا تتماشى مع روح العصر.

    وفي مؤلفنا هذا خصصنا سبعة فصول رئيسية بدأناها بالمفاتيح الرئيسية للثقافة والفصل الثاني انكب على طرح خصائصها، وتناول الثالث منهجها والرابع نظرياتها والخامس ثنائياتها والسادس فروعها والسابع تسلطها الدكتاتوري.

    وفي هذا المقام لا أنسى جهود وجدية واهتمام زوجتي (جيهان الطائي) بمراجعتها مسودته وطباعته على الوورد مع ابداء ملاحظاتها عن محتوياته لا سيما وأنها متخصصة بعلم الاجتماع، فلها كل الثناء وجزيل الامتنان على تفاعلها مع جميع نتاجاتي العلمية واهتمامها العلمي والأسري بما أكتبه في حقل اختصاصي أدام الله صحتها وعافيتها.

    اخيرًا أسال الحق الذي منح كل الحق وجدوده ان يسدد خطانا وان يتوج بالنجاح مسعانا وان يوفقنا الى المعرفة التي هي غايتنا الأولى والأخيرة وبالله العون ومن التوفيق.

الفصل الأول

مفاتيح مداخل الثقافة الاجتماعية 

 

الثقافة…. ماذا تعني؟

1 / أ – خصائصها العامة

      – المشاركة

     – الاكتساب

       – الاندماج المطلق

     – الرمزية في معانيها

   – تنوعها المكاني والزماني

1 / ب – عناصرها المكونة لها

    – اللغة

     – المعايير

       – الآداب العامة

     – المعتقدات

    – القيم

  الفصل الأول

 مفاتيح مداخل الثقافة الاجتماعية 

الثقافة …. ماذا تعني؟

تعني انها نسقًا سلوكيًا ومعرفيًا يوجه افراد المجتمع في معيشتهم في الحياة من خلال عناصرها النسقية (المعتقدات، القيم، الآداب، الأعراف، القوانين، العادات، اللغة، المعرفة، الأزياء) بتعبير أخر انها تقدم لأفرادها طرق التفكير والسلوك معًا. بمعنى انها تقول لنا كيف يفكر ويتفاعل افرادها وما هي احاسيسهم نحو الأشياء وحكمهم عليها مثل الحسّ بالجمال والقبح والخطأ والصواب وما هو سيء وما هو جيد. فهي إذن تساعد على ترابط أفراد المجتمع وتمنحهم الاحساس بالانتماء وترشدهم في كيفية السلوك وتقول لهم كيف يفكروا في مواقف خاصة. بعبارة أدق أنها تمنح المعنى للمجتمع. فلا جناح إذن من القول عنها بإنها (المانح والرابط والراشد) لأنها تمنح المعنى لحياة المجتمع كذلك هي الرابط لأفراده لكي يحبوا حياة مجتمعهم بذات الوقت هي الراشد لهم عندما يواجهوا مواقف حرجة وعسيرة أو تمثل مفترق طرق.

   هذا على صعيد المعنى… أما على صعيد الثنائية فإنها تتألف من وجهين مترابطين يمثل الأول الوجه المادي Material والثاني يمثل الوجه غير المادي Non Material ينطوي الوجه المادي على كافة الأدوات المصنوعة من قبل افراد المجتمع ومبنية من قبلهم مثل الأدوات المنزلية والزراعية والرسوم وأدوات الفن واللعب وكل ما نشاهده في المتاحف وخزائن الوثائق وفي معابدهم التي كانوا يتعبدون فيها من تماثيل ورسوم وأدوات طقسية تعبر عن إيمانهم بالقوى الروحية والعقائدية.

    أما الوجه الثاني (غير المادي) فإنه يتضمن المعايير والقوانين والعادات والأفكار والمعتقدات، جميعها لها حضور فعّال وبارز على سلوكيات الأفراد التي (يمارسوها) في الحياة اليومية (في علاقاتهم وتفاعلاتهم وطريقة أكلهم وأزياء لبسهم وتعابيرهم وريازتهم في البناء ومخيلاتهم) هذه الثنائية الضمنية (المادية وغير المادية) عند الإنسان تجعله متميزًا ومتفوقًا على الحيوان الذي ليس لديه ثقافة تسجل وتنمي قدراته الذكائية البيولوجية. إنما هناك قدرات عقلية محدودة عند بعض الحيوانات قريبة من قدرات الإنسان مثل:

الشمبانزي: الذي يتعلم السلوك من خلال تقليده للأخرين من البشر.

الفيل: الذي يلتقط عظام الموتى من الفيلة الميتة ويحركها تعبيرًا عن حزنه وكدره عليها.

الدولفين: المعروف بقدرته على تعلم اللغة السمعية المعقدة.

الببغاء: الذي يقلد أصوات وعبارات الإنسان.

الحمام الزاجل: الذي ينقل الرسائل الى متلقيها ومرسليها. وفي هذا الموضوع كتب الفيلسوف العربي القديم “أبو عثمان الجاحظ” (776 – 869م) عن سلوك الحمام وبالذات السلوك الجنسي حيث قال: “هناك حمامة لا تريد إلا ذكرها ووجد ايضًا امرأة لا نريد إلا ذكرها وحمامة لا تزيف إلا بعد طرد شديد وشدة طلب وتزيف لا تريد إلا زوجها وسيدها وحمامة لا تمنع شيئًا من الذكور وبالمقابل امرأة لأول ذكر يريدها ساعة يقصد اليها نساء كذلك. ووجد حمامة لها زوجها وهي تمكن ذكرًا أخر تعّدَوه ووجد مثله عند النساء ولاحظ تزيف لغير ذكر الحمامة وذكرها يراها ولا تفعل ذلك إلا وذكرها يطير أو يحضن وأن هناك حمامة تقمط الحمام الذكور وحمامة تقمط الحمامة، وحمامة تقمط انثى ولا تدع انثى تقمطها وذكر يقمط الذكر وتقمطه، وذكرًا يقمطها ولا يدعها تقمطه، وانثى تزيف للذكور ولا تدع شيئًا منها يقمطها، وهناك نساء تزني ابدًا ويتساحقنَّ ابدًا ولا يتزوجنَّ ابدًا ومن الرجال من يلوط ويزني ابدًا ولا يتزوج”. [العمر. 2013. ص. 95]

    والحيوانات الاليفة المدجنة لها القدرة على التواصل مع الإنسان الذي يجنيها لكن المشكلة عند الحيوان انه لا يملك القاعدة الثقافة لتوضح الرموز التي تستخدمها مثل ما موجود عند الإنسان. علمًا بإن البيئة تساعد الإنسان على تنمية قدراته وتطور ثقافته.

   نخلص الى القول بإن الحيوان ليس لديه ثقافة اجتماعية (مادية وغير مادية) لأنه لا يملك القاعدة الثقافية التي تمكنه من تنمية قدراته الذكائية في حياته المستقبلية لكنه يمتلك الذكاء المحدود القادر على التقليد والمحاكاة ويمتلك الدوافع البيولوجية في التملك والدفاع عن النفس التي لا تعمل على إنماء قاعدة ثقافية ولا يملك اللغة التي تساعده على نقل خبراته ومعارفه ببيئته مثلما موجودة عند الإنسان.

1 / أ – خصائصها العامة

بغض النظر عن اختلاف المجتمعات وتنوعها فإن هناك قواسم مشتركة بينهما تعبر عن حواصهما وميزاتهما الثقافية السائدة عندهما مثل: –

1 – المشاركة Sharing

أي وجود خبرات جماعية عامة وشائعة متفق عليها من قبل افراد المجتمع. هذا أول وأبرز قاسم مشترك بين الأفراد يجعلهم يكوّنوا مجتمعًا بشريًا مبنيًا على قاعدة المشاركة الثقافية، يمكن ملاحظتها بشكل مباشر في المجتمعات التقليدية والمحافظة عبر سلوكهم وتفكيرهم ومعتقدهم وزيهم وطريقة أكلهم. إلا انها لا تتم ملاحظتها في المجتمع الصناعي المتقدم والمعقد التركيب مثل المجتمع الأمريكي الذي يتضمن عدة اعراق وقوميات متنوعة ذات خلفيات تاريخية مختلفة وأصول عرقية متباينة. فمثلًا الأمريكان الذين هم من أصل لاتيني (من جذور أمريكا اللاتينية) يتألفون من عدة ثقافات إلا ان الثقافة الأمريكية تجمع بينهم مشتركين فيها من خلال خبرات مشتركة وأذواق ومعتقدات واحدة. كذلك الأمريكان من أصل أفريقي (الزنوج) الذين بلوروا ثقافة غنية ومتميزة تكونت عبر خبراتهم الفريدة داخل المجتمع الأمريكي، لكن جميعهم يحملوا الطابع الثقافي الأمريكي. فالأمريكان الذين يقنطون في جنوب الولايات المتحدة بلوروا أذواق ولهجة وتعابير لغوية مختلفة عن الأمريكان الذين يقطنون غرب الولايات المتحدة على الرغم من وجود قاعدة ثقافية مشتركة فيما بينهم. فالفوارق تكون قائمة على الرغم من وجود قاعدة ثقافية واحدة بينهم.

    والعرب في الوطن العربي لديهم قاعدة ثقافية مشتركة تجمع بين العرب والكرد والترك والبربر والشركس وغيرهم لكنهم جميعًا مشتركين في قاعدة ثقافية عربية واحدة (لغويًا ومعتقديً وذوقيً ووجدانيًا) لكن هذا لم يمنع تباين لهجاتهم وأسلوب تعبيرهم وذوقهم ومزاجهم، إنما هناك قاسم مشترك أعظم يجمعهم ألا وهو المشاركة في خبراتهم الثقافية الشائعة والمتفق عليها من قبلهم (تجمعهم لا تفرقهم).

2 – الاكتساب Learning

الفرد منذ صغره يتعلم عناصر ثقافته (اللغة والعادات والقيم والدين والأعراف) من والديه عن طريق تنشئته لتصبح مزروعة في شخصيته الاجتماعية لأن والديه يُطَبعوها بطابعها من حيث تفضيله لأنواع معينة من الطعام والشراب والوان الموسيقى والغناء فيطرب عليها دون غيرها. كذلك المعلم أو المعلمة يتعلم الأطفال القواعد اللغوية وجدول الضرب والتاريخ والجغرافيا. ثم هناك اكتساب العناصر الثقافية تأتي عن طريق المحاكاة والتقليد عندما يلاحظ أنماط سلوكية يمارسها المحيطين به. فعن طريق المحاكاة والتقليد وتعليم الأبوين والمعلمين والمعلمات للأطفال عناصر الثقافة الاجتماعية يصبحوا أبناء ثقافة مجتمعهم الذي يعيشوا فيه لكيلا يشعروا بإنهم غرباء عنه. أعني يكتسب ويتعلم لكي يكون ابن ثقافة مجتمعه من خلال اسرته ومدرسته ومجتمعه المحلي.

3 – الاندماج المطلق Taken for granted 

لما كانت الثقافة مكتسبة فإن ذلك يعني ان افرادها مترعرعين فيها ومندمجين في لبها ومحيطها، يمارسون ضوابطها وتوجيهاتها بدون تفكير ولا وعي، أعني لا يشككون فيها أو ينتقدونها لأنهم يمارسوها يوميًا في حياتهم المعاشية ويشاهدون الكل بالقيام بها دون تردد. هذه الحالة تعبّر عن الاندماج المطلق فيها لكن المندمج فيها عندما يسافر الى مجتمع أخر كسائح لا ينخرط بشكل مباشر في تفاعلاته مع أبناء المجتمع الذي يزوره لأنه ليس ابن ثقافته فيتصرف بحذر ويقظة معه ذلك لأنه غريب على ثقافة ذلك المجتمع. شبيهًا بهذه الحالة نجدها في المجتمع الواحد عندما يهاجر القروي (الفلاح) الى المدينة الحضرية حيث يكون حذرًا ويقظًا وخجولًا في تعامله مع أبناء الحضر وكلاهما من نفس الثقافة والمجتمع والبلد مثل هجرة الصعيدي للقاهرة أو المعيدي لبغداد حيث تحصل إشكالية اتصالاتيه بينهما لكن لا يحصل انفصال عندهما لأنها تجمعهما وتربطهما في بودقة واحدة.

4 – الرمزية في معانيها It has symbols

لكل ثقافة دلالاتها الرمزية ذات المعاني الممنوحة من قبل افرادها التي يستخدموها في تفاعلاتهم ومناشطهم اليومية والوطنية معبرين عن غاياتهم المعنوية وهويتهم الثقافية مثل: العلم (الراية) شعار الدولة، النشيد الوطني، الهلال الأحمر، شعار الجامعة، شعار التنظيمات العسكرية والأمنية والنقابات العمالية والمهنية والحركات والأحزاب السياسية. حيث تم استخدام هذه الدلالات الرمزية في العلاقات مع الدول الأخرى والمنظمات الأجنبية والمباراة الرياضية والتمثيل الدبلوماسي وحفلات تخرج الطلبة الجامعيين وفي الإضرابات والاعتصامات الجماهيرية دفاعًا عن الحقوق المغتصبة من المواطنين يكتسبها افراد المجتمع من خلال تنشئتهم في تنظيمات مجتمعهم الرسمية، يحملها في المناسبات الوطنية والتمثيل الشعبي والرسمي في حضوره الرسمي خارج مجتمعه أنها تعتبر رموزًا ثقافية ووطنية تعكس هويته الثقافية والوطنية.

5 – تنوعها المكاني والزماني Varies across time and place  

من خصائص الثقافة الاجتماعية انها تتطور وتنمو مع نمو المجتمع وتطوره، تتبنى وتتكيف مع مؤثرات بيئتها الاجتماعية والجغرافية التي تعيش فيها. معنى ذلك انها ليست جامدة وثابتة في كل الأوقات والأماكن. فمثلًا المجتمعات الصناعية المتقدمة تؤمن بالابتكارات العلمية الحديثة في معالجة مشاكلها الاجتماعية مستخدمين الطرق الحديثة في الزراعة والهندسة الجينية في تحسين منتوجاتها (في استنساخ البقر والتسميد الكيميائي للخضراوات والفواكه، بينما المجتمعات الزراعية التقليدية لا تؤمن بذلك بل تستخدم الأسمدة الحيوانية دون الاعتماد على الهندسة الجينية). هذا على صعيد الأماكن أما على صعيد الأزمنة فجيل الأطفال المعاصرين باتوا مدمنين على استخدام الأجهزة الالكترونية في التسلية والتعلم والاتصالات مما أخرجهم من سيطرة والديهم وهم يعيشوا في منزل واحد وأمسوا متمردين على تنشئة والديهم لأن التنشئة الالكترونية طغت على التنشئة الأسرية فأصبحت جزء من ثقافة الأسرة في التنشئة الأسرية.

   وعلى الجملة تمثل الثقافة قاعدة صلبة كونكريتيه يمكن ملاحظة خبرات أهلها لأنها تمثل زبدة تفكيرهم ومشاعرهم ومعتقداتهم وسلوكهم. تربط بين الماضي والحاضر، بمعنى هي مستودعًا معرفيًا تجعل افرادها جزءً من الجماعات البشرية لأنها تصوغ خبراتهم ومعارفهم.

  هذه الخصائص الثقافية الخمسة تقوم بمنح المعنى المعرفي للمجتمع وترابط افراده علائقيًا وعرقيًا وقوميًا ووطنيًا فضلًا عن ارشادها لهم في مواقفهم الصعبة أو الممثلة للطرق المفترقة. أقول هي المنارة المنيرة لأفراد المجتمع الذين يتماهوا مع خصائصها.

1 / ب – عناصرها المكونة لها Elements of culture

لكل ثقافة طرقها ووسائلها الخاصة بها في تحقيق مسؤولياتها وواجباتها الاجتماعية مثل عادات الزواج وممارسة الطقوس الدينية ونمط العلاقات الاجتماعية، جميعها يتم اكتسابها عن طريق التعلم. فمثلًا نمط اختيار شريك الحياة في الهند يخضع لاختيار الوالدين لشريك حياة أبنائهم وبناتهم، إلا ان هذا النمط غير وارد في المجتمع الأمريكي الذي يترك الوالدين اختيار شريك الحياة لأبنائهم وبناتهم ولا يتدخلوا فيه. ثم هناك اللغة في مدينة نابولي في إيطاليا يتحدث أبنائها باللغة الإيطالية ولا حرج من ذلك وكذلك في بوينس إيرس يتحدث أبنائها باللغة الاسبانية ولا اعتراض على ذلك.

هذه مجرد توطئة نقدمها قبل عرض عناصر الثقافة وهي ما يلي: –

1 – اللغة Language

تُعّد اللغة الركن الركين لكل ثقافة لأنها قناة التواصل الاجتماعي والوعاء الحاضن لها ومن خلالها يتم نقلها الى الأجيال القادمة عن طريق المشافهة او الكتابة أو الأجهزة الالكترونية أو الوسائل الإعلامية. لكن هذه الأداة لديها معاني مختلفة ومتعددة للتعبير عن نفس المادة مثال على ذلك، في الوقت الراهن انتشرت عبارة “الحرب” باللغة الإنجليزية من خلال استخدامها في عدة مجالات مثل: الحرب على الفقر، والحرب على المخدرات، والحرب على التدخين والحرب على الإرهاب. وقديمًا في العصور الغابرة كان الأفراد يستخدموا “الحصان” كوسيلة للتنقل وحمل الاثقال وكان يطلق عليه بالحصان الأبقع والأدهم والاكحل والأشقر لكنه هو واحد “حصان” انها عبارات توصف لونه وقوته. وفي شمال كندا كان الهنود الحمر يصفوا الجليد الذي يسقط في فصل الشتاء بأربعة عشر وصفة مثل: الجليد الصلب، والجليد المتراص، والجليد المتصدع، والجليد العائم هذه أوصاف للجليد الذي هو واحد لكنه وصف الناس له متنوع حسب طبيعته. و”النعّلْ” في اللغة العربية له عدة أسماء مثل: الشحاطة، البلغة، المركوب، القبقاب، البابوج، الشبشب، الصندل وسواها جميعها يلبسها العربي لكن مسمياته مختلفة من بلد عربي لأخر. وكذلك الزي العربي يطلق عليه بـ “الثوب” والدشداشة، أو الجلباب، أو الكندوره أو الجلابية.

في الواقع تمثل اللغة نسقًا مبتسراً لمعاني الكلمة ورمزًا لكل أوجه الثقافة التي تتضمن الخطابة والكتابة والأرقام العددية والإشارات والانطباعات والاتصالات اللفظية وغير اللفظية، ليس هذا فحسب بل ان الشعوب التي تتحدث بنفس اللغة تمنحها معاني مختلفة فمثلًا الأمريكي والبريطاني ليقول له سوف أضرب عليك في الساعة الخامسة مساءً يفهمها البريطاني بإنه سوف يتصل به تلفونيًا في الساعة الخامسة مساءً وعندما يقول المصري للمغربي تعال تعني عند المغربي أجي وكلاهما يتكلما اللغة العربية، إنما اللهجة تختلف.

لا جرم إذن من القول بإن اللغة معنى اجتماعي فضلًا عن اللغوي إذ انها لا تمثل مفردات وجمل لغوية فقط، بل تعبّر عن معنى اجتماعي متداول بين الناس في حقبة زمنية محددة معبرة عن مداركهم ومغزاهم واستخدامهم الرتيب في الحياة اليومية فمثلًا سيادة السلطة الذكورية (البطريقية) في المجتمع أدت الى مخاطبة الذكر في الإعلانات العامة والكتب والمجلات ووسائل الاعلام دون ذكر أو تسمية الانثى في ذلك مثل مناداة الطلبة والمعلمين والموظفين والأطباء والمهندسين هذه المناداة توضح سيطرة السلطة الذكورية في لغة التخاطب مهملة مكانة المرأة وموقعها في المجتمع.

هذا من جانب ومن جانب أخر، كلما تطور وتقدم المجتمع تتغير مسميات الأشياء أو الشخوص لكنها تحمل نفس الهدف أو الغرض مثل كان المجتمع العربي يسمي الفرد المعاق جسديًا بـ (المعوق) أما الان فيكنى بصاحب الاحتياجات الخاصة. والزنجي في المجتمع الأمريكي بدايةً كان يطلق عليه عبارة (نِكَّر) تحقيراً له ثم تحولت العبارة الى (نكرو) بعدها بـ (الأسود) ثم بـ (الملون) والان بـ (الأمريكي من أصل أفريقي). والمتعلم في المجتمع العربي كان يطلق عليه بـ (الأفندي) لأنه كان يعرف القراءة والكتابة ويلبس ملابس غربية والان يسمى بالمثقف والمتنور. أما رجل الدين الإسلامي فكان يطلق عليه بـ (مولانا الأمام) ثم بـ (الشيخ) وصاحب المتجر كان يطلق عليه بـ (البائع) ثم صاحب السمانة بـ (البقال) ومن بـ (العطار) والحلاق يطلق عليه بـ (المزين) في لبنان والعراق وبـ (الحسان) بالمغرب وتونس.

    وهكذا فاللغة تتطبع بطابع الثقافة الاجتماعية في فترة زمنية محددة لأنها (أي اللغة) أحد عناصر الثقافة الاجتماعية.

2 – المعايير Norms

هي القواعد الأساسية للسلوك المدعوم من قبل المجتمع مثل غسل اليدين قبل تناول الطعام، أو احترام الشخص الأكبر سناً أو مساعدة الضعفاء والمساكين أو عدم الاعتداء على الأخرين وسواها.

في الواقع جميع المجتمعات لديها طرق مشجعة وملزمة تراه سلوكًا مناسباً ووقوراً بذات الوقت لا تشجع بل تعاقب كل فرد يخرج عن السلوك الذي تعتبره مناسباً أو يقوم بسلوك مخل بالآداب.

والمعايير على نوعين هما معايير رسمية Formal التي تكون مكتوبة ومحددة بدقة تنطوي على عقوبات على كل من يجنح عنها وذلك من أجل الضبط الاجتماعي. هذا النوع من المعايير (العرفية) اشبه بالقانون بمعنى ان القانون يكون مثال جيد على المعايير لأنها مدعومة من قبل الحكومة.

ثم هناك معايير غير رسمية Informal norms عبارة عن قواعد سلوكية إنما غير مكتوبة بل متعارف عليها ومفهومة علناً بين الأفراد مثل قواعد اللباس المناسب والمقبول اجتماعياً وعند مخالفة هذه القاعدة السلوكية من قبل الأفراد فلا توجد جهة رسمية تعاقبه على ذلك بمعنى ان المعيار يعني ما هو متعارف عليه بين الناس شفاهيةً وضمناً لا دخل للقانون والحكومة فيه.

3 – الآداب العامة Mores

تنتعش الآداب العامة في المجتمعات المرفهة والترفه والمزدهرة والسعيدة مُعبّرةً عن انتظام سلوك افرادها في الحياة اليومية والعلاقات الشخصية متطلبة الامتثال والتماهي لها كدليل على السلوك المتمدن والمتحضر وكل من يجنح عنها أو يخالفها يواجه عقوبة شديدة لذا نشاهد المجتمعات المتمدنة والمتحضرة لديها قواعد أدبية صارمة ضد جريمة القتل والخيانة وسوء معاملة الأطفال لهذا السبب تم تصنيفها تحت صنف الأعراف أو المعايير الرسمية.

   ثم هناك الطرق الشعبية Falk ways التي تعّبر عن القواعد الأدبية التي تسود وتتحكم بالسلوك اليومي وتلعب دوراً حيوياً في تهذيب السلوك اليومي للأفراد. مثال على ذلك لباس الشبشب في اليابان الذي يبدأ لبسه منذ الطفولة ويسير فيه وعند الكبار إذا تم قطع أحد مشداته أو ضايق قدم صاحبه يتوجب على الياباني أن يبقى لبسه دون خلعه لأنه يمثل أحد صور الفلكلور الشعبي الياباني.

في الواقع تدّعم الطرق الشعبية وتعزز هيمنة وتسييد الرجل على المرأة في الأداء الفلكلوري، ففي جنوب شرق أسيا تتصف مستشفياتهم بنوم الرجال من المرضى في الطابق الأول من المستشفى ولا يجوز للمريضة ان تنام في الطابق الأول بل الثاني ليس هذا فحسب بل حتى عند نشر الملابس في هذه البلدان يخضع لضوابط فلكلورية شعبية إذ يتم نشر ملابس الرجال على الحبل الأعلى من حبل نشر ملابس النساء. [Schaefer. 2002. P.67]

    إن سياق الحديث يلزمني ان لا أغفل موضوع قبول الآداب العامة إذ لا تلزم كافة الأفراد بتطبيق آداب المجتمع سواء كانت من الآداب العامة أو الطرق الفلكلورية لأنه في بعض الحالات يتهرب البعض من الأخذ بها وممارستها في حياتهم اليومية وبالذات إذا عرفوا ان عدم الاخذ بها لا تسيء إليهم او لا تجلب لهم المتاعب والنقد. فمثلًا هناك من المراهقين ممن هم دون سن الثامنة عشر من أقليات المجتمع الأمريكي (سود أو صفر) يشربوا الخمرة وهذا غير مقبول اجتماعياً لكنهم يشربوه. ومن بين آداب المجتمع الأمريكي ايضًا عدم قبول او السماح للمراهقين دون سن الثامنة عشر تعاطي المخدرات لكن المجتمع يتساهل مع مراهقي الأقليات العرقية وان جماعة الاقران تشجع المراهقين على شرب الخمرة وتعاطي المخدرات بمعنى ان للمجتمع آداب خاصة وأخرى عامة وهناك جماعات فرعية رفاقية – صداقيه أو دينية تتعارض آدابه مع آداب المجتمع العامة. مثال أخر على المجتمع الأمريكي ايضاً وهو عندما يسمع قاطن الشقة صراخ امرأة بسبب ضرب زوجها لها في الشقة المجاورة فإن آداب المجتمع الأمريكي تمنعه من التدخل في شؤون الأخرين ويحشّر انفه بينهم بذات الوقت عندهم آداب تحث الجار على الاتصال بالشرطة عندما يسمع صراخ صادر من الشقة المجاورة وهذا ناتج عن تناقض آداب المجتمع فيما بينها بحيث تجعل الفرد محتارًا مع من يسير وبمن يلتزم؟

    ليس هذا فحسب بل هناك استثناءات لأي آداب إذ بعضها تجعل من الفرد الملتزم بها ان يكون بطلاً وأخرى دنيئاً، فمثلًا التنصت بواسطة التلفون ما هو سوى سلوك سيء ومخالف للآداب الاجتماعية وتعّيب على كل من يقوم بذلك. لكن الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والقضائية تتنصت على مكالمات المواطنين باسم الحرص على الأمن!!! وهذا غير مقبول أدبياً. ألم يكن هذا نفاق اجتماعي من قبل آداب المجتمع؟ بل حتى المحاكم تمارس التنصت على مكالمات الأفراد بدافع الحصول على أحداث صادقة لخدمة الإجراءات القضائية لكشف المجرم أو الجاني فضلًا عن ذلك فإن الآداب الأمريكية تكافئ القاتل على القتل في الحرب بدعوى الدفاع عن النفس!!!

     لا مرية إذن من القول بإن قبول الآداب العامة يخضع للاعتبارات المتبدلة اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا. مثال على ذلك يتسامح المجتمع الأمريكي مع الزوج الذي يجعل زوجته تهتم بشؤون المنزل ورعاية الأطفال دون أن تعمل خارج المنزل ويقوم هو بالصرف المالي على احتياجات المنزل والأسرة. لكن في العقدين الأخيرين من القرن الماضي اعترضت الحركات النسوية الأمريكية على ذلك فنادت بتشغيل الزوجة خارج المنزل وعدم حصرها في المنزل مما بات ذلك عرفاً جديداً بدل العرف السابق الخاص بالزوجة الأمريكية.

4 – المعتقدات Beliefs

هي احدى العناصر المهمة لكل ثقافة اجتماعية حالها حال المعايير والآداب العامة لأنها تنطوي على الإيمان الجمعي بفكرة أو توقع يروه صادقاً لا يطعنوا فيه ومن خلاله (هذا الايمان) يتعزز رباط الأفراد بعضهم ببعض داخل المجتمع. فالمجتمع الإسلامي يعتقد افراده بوجود الله سبحانه وتعالى ووجود حساب في الأخرة بعد الموت وهناك جنة ونار وإن السحر يعني الشعوذة والخرافة. فالمعتقد يستند على قاعدة عقائدية سواء كانت صادرة عن العلم أو الدين أو الأساطير لذا يلتزم بها الناس ولا يطعنوا فيها وإزاء ذلك فهي ترشد وتقود مناشط حياتهم اليومية. امثلة على المعتقدات الثقافية: –

أ – سكب الماء وراء سفر شخص عزيز على الأسرة لكي يرجع ثانية.

ب – أكل الروبيان Shrimps يقوي الطاقة الجنسية عند الرجل.

ت – التشاؤم من رقم 13 في السفر والتسلسل في الانتظار.

ث – وضع سكينة صغيرة تحت وسادة الطفل المولود حديثاً طرداً للأشباح والمعتقدات على نوعين: متشائمة ومتفائلة له كلٍ حسب دوافع وحاجة الفرد وظروفه التي يمر منها.

5 – القيم Values

هي مفاهيم جمعية تعكس ما هو جيد وما هو مرغوب فيه ومناسب أو سيء أو غير مناسب أو غير أخلاقي في نظر معظم افراد المجتمع. معنى ذلك ان القيم هي موجهات للأفراد حول ماذا يجب ان يقوموا به وماذا لا يجب ان يقوموا به وترشدهم لما هو خطأً ادبياً وأخلاقياً. أعني موجهات للجميع دون استثناء مثل قيمة الكرم والشهامة والمودة والجيرة والمساعدة وعدم استغلال الضعيف واحترام المرأة والرجل من ذوي الاعمار المتقدمة وعدم التحرش الجنسي وسواها. هذه القيم لها علاقة مباشرة مع الأعراق والجزاءات مثل قيمة الشرف عند الزوجين بعدم إقامة علاقات جنسية خارج العلاقات الزوجية مع الغير إذ تعتبره زنا من قبل الطرفين إذا قام الزوج او الزوجة بذلك.

ومن نافلة القول ان القيم الاجتماعية تتغير لا تبقى ثابتة على مر الزمن بسبب تأثرها بالمؤثرات المادية الخارجية إلا ان هناك قيم لا تتغير بسهولة ولا بسرعة بل تبقى مستقرة على الرغم من المؤثرات المادية الخارجية مثل قيمة الوطنية والعدالة والأمانة والكفاءة والإخلاص بالعمل. بذات الوقت تستطيع القيم ان تكون مصدراً للتماسك والتضامن الاجتماعي وبالصراع الاجتماعي في ذات الوقت. مثل هل القيم العربية تسمح ان ندّرس الثقافة الجنسية في المرحلة المدرسية المتوسطة والثانوية لكي تفتح وعي الشباب المراهق حول الصحة والثقافة الجنسية؟ حيث إثارة مثل هذه المواضيع تجعل الأسرة العربية منشطرة على نفسها في موقفها من هذا الطرح، قسماً منها يؤيد ذلك والقسم الاخر المحافظ يرفض ذلك. مصدر هذا الانشطار هو القيم الاجتماعية المحافظة اخيراً نقول بإن القيم الاجتماعية تقود وتوجه سلوك الأفراد في المجتمع كذلك تقوم بتعزيز المعايير الاجتماعية.  على الجملة فإن مرادي وديدني في تناول موضوع عناصر الثقافة الاجتماعية في هذا الفصل هو لإنارة وعي الطلبة حول ضرورة تفهم كيف يتصرفوا في المواقف الاجتماعية وفي الحياة اليومية في الان.

                  جدول يوضح عناصر الثقافة الاجتماعية

      نوع العنصر         التعريف         المثال
اللغة Languageهي مجموعة عبارات ورموز ذات معاني واضحة تستعمل للاتصال الاجتماعياللغة العربية والفرنسية
المعايير Normsانها توقعات ثقافية محددة توجه الفرد كيفية التصرف في موقف معين تستخدم كقاعدة للسلوكالسلوك الشخصي المستخدم في التعبير عن قيمة الشخص
الطرق الشعبية Folk waysانها مقاييس نموذجية شاملة وشائعة تلزم الفرد التقييد بها وضعتها الجماعة أو الطائفة أو الطبقة أو المجتمعأزياء الملابس، عادات إعداد الطعام وطرق أكله
العرف Moresوهو معيار صارم ومتشدد بشكل دقيق يتحكم بالسلوك الأخلاقي والأدبيالمذهب الديني والقانون الوضعي الرسمي
القيم Valuesهي مقاييس نموذجية شاملة معتمدة من قبل المجتمع تحدد المبادئ النموذجيةالحرية، حرية المعتقد، كرم الضيافة، الأمانة والصدق والوفاء والنزاهة
المعتقدات Beliefsأفكار مشتركة بين الناس حول ما هو صائب أو صادق أو صح أو ما هو خطأ أو زائفالاعتقاد بالقسمة والنصيب في الأرزاق أو بالخير والشر أو الحسد

أخذ هذا الجدول من كتاب The essentials sociology, Andersen and Taylor. 2013. P. 29

 الفصل الثاني

 خصائص علم الاجتماع الثقافي

 

2 / أ – تجاذل المجتمع مع الثقافة

2 / ب – الثقافة معين تعليم الفرد سلوكه وتفكيره

2 / ت – الأنماط الثقافية الجوهرية

2 / ث – فشل الدمج الثقافي في بناء هوية كلية موحدة

2 / ج – مصادر التغير الثقافي

الفصل الثاني

 خصائص علم الاجتماع الثقافي

 

2 / أ – تجاذل المجتمع مع الثقافة

   نقصد بالتجاذل: تعالق مترابط بين طرفين يعتمد كلٍ منهما بالأخر ليشكلوا نموذجاً يعكس ترابطهما المنسجم والمتكامل لا يمكن لأحدهما الاستغناء عن الأخر. حيث لا يوجد مجتمع بدون ثقافة ولا ثقافة بدون مجتمع، كلاهما محتاج للأخر مكونين “الثقافة الاجتماعية”.

بعد هذا التعريف المبستر أدلف الى توصيف كلٍ منهما وحاجة كلٍ منهما للأخر في بلورة الثقافة الاجتماعية، لكل مجتمع ثقافة اجتماعية يبنيها من خلال ما يصنعه من ماديات يحتاجها في حياته اليومية والدائمة وما ينتجه من معنويات خاصة به في تفاعله وعلاقاته ولغته وعاداته واعرافه وآدابه وضوابطه العرفية لسلوكه ومبادئه الأخلاقية. هذه الماديات والمعنويات التي يستخدمها الفرد والمجتمع ليست ابنة يومها بل هي ارث متراكم تداوله الأجداد ونقلوه للأبناء والأحفاد.

    بمعنى انها صناعة تراكمية موروثة تعبر عن هوية صناعتها وحامليها وتاريخهم من المحيط والبيئة الطبيعية التي عاشوا ويعيشوا فيها.

أما المجتمع فهو لا يعني فقط مجموعة افراد يعيشوا على بقعة جغرافية معلومة الأبعاد. هذا فقط ينطبق على الحيوانات إلا ان المجتمع الإنساني ينطوي على غير ذلك مثل التفاعلات والعلاقات الاجتماعية والتنظيم الاجتماعي على شكل أسرة وعشيرة وقبيلة تربط افراداها روابط دموية – قرابية ولهذا التنظيم بناء اجتماعي متكون من تدرج تراثي يربط القمة بالقاعدة وكذلك قائم على ركائز حياتية أساسية مثل النسق الاقتصادي والديني والسياسي ولهذا البناء نظام اجتماعي يستند عليه في قوامه مأخوذ من ثقافته الاجتماعية الذي يحتوي على الضوابط العرفية في الممنوعات والمسموحات يُستخدم في توجيه سلوك افراد التنظيم، هذا من جانب ومن جانب أخر لكي يسمى التجمع البشري مجتمعاً ايضاً عليه ان يحل مشاكله الاجتماعية بنفسه التي  يفرزها التغير والاحتكاك مع المجتمع الأخر يقوم بإشباع رغائبه وحاجاته التي تتطلبها الحياة الاجتماعية. بمعنى معتمدًا على نفسه في معيشته وتسيير متطلبات احتياجاته التنظيمية والاقتصادية دون العيش على مصادر اقتصادية وثقافية من خارجه، أي من غيره.

    فإذا غاب تنظيم الناس وتقطعت علاقاتهم الاجتماعية وانعدمت تفاعلاتهم وخلقوا مشاكل اجتماعية وسياسية واقتصادية لأنفسهم مثل الفساد والجرائم والقتل والعنف والإرهاب في ظل غياب سلطة نسقية بنائية (أجهزة أمنية وعسكرية قوية ونزيهة حريصة على تطبيق النظام الاجتماعي) توقف الفوضى العارمة وتحل مشاكل مجتمعهم التي خلقوها لأنفسهم عندئذٍ لا نستطيع ان نطلق على هؤلاء بـ (المجتمع) بل تجمع بشري غائب فيه التنظيم وسائدة فيه الفوضى العابثة وعاطل فيه النظام الاجتماعي بحيث لا يوجد رادع يردع المفسد والقاتل وتقطعت فيه الصلات الاجتماعية القرابية والدموية بسبب الفوضى الطاحنة مثل ما حصل في العراق واليمن وليبيا في العقد الأول والثاني من القرن الحالي، لم يكونوا ممثلين لمفهوم (المجتمع) حسب هذه المحاكاة التي أوردناها ايضًا (التفاعلات والعلاقات والتنظيم والبناء وحل المشاكل التي يعيشوها) بل نعده (جموعًا بشرية) تعيش على بقعة جغرافية معلومة الأبعاد يتصارعوا ويتقاتلوا وينهبوا بعضهم البعض اشبه بالحيوانات في الغابة لا يمكن ان نسمي هؤلاء بالمجتمع الإنساني.

   وإزاء هذه الفوضى واللا معيارية واللا نظامية واللا بنيوية تتعطل الثقافة الاجتماعية ويتجمد تاريخها ومأثرها وجودتها ويتم تشويه محاسنها من قبل المستفيدين والمنتفعين من هذه الجموع اللا مجتمعية التي يسودها التمزق النسيجي والهدم البنائي والتشويه الثقافي والقتل الجمعي وتعطيل العقل واستباحة الحلال ونشر الممنوعات. عندها نسمي هذه الحالة بالجموع البشرية العارية من الثقافة الاجتماعية. هذه الحالة تحصل عندما يخضع المجتمع لتسلط أجنبي مستعمر يشعل فتيل الحرب الأهلية بين الأقليات والطوائف الدينية والعرقية والأقلية وبالذات عندما تكون الأغلبية جاهلة – أمية غير متنورة وساذجة عندها يصبح هؤلاء الأفراد (جمعاً عارياً من الثقافة الاجتماعية) وعند هذا التمزق والتهديم والتشويه والقتل والتعطيل والاستباحة لا تحصل صناعة للماديات ولا تنتج المعنويات لأن الأفراد باتوا منفصلين لا تربطهم رابطة ولا ينظمهم ناظم فلا تكون هناك حاجة لهم سوى الأمن والأمان وهذا لا يحققه أحد لأن النظام مفقود فلا يستطيعوا ان يضيفوا أي شيء لأرثهم المتراكم الموروث فتكون حالتهم تمثل السبات لها ولأفرادها الذين يعيشوا كالبهائم أو الهمج يمثلون أفول ثقافتهم وتوحش سلوكهم، ليس لديهم الوقت ولا متفرغين للإبداع والاختراع لأن الفساد أفسد عقولهم والحرب الأهلية أفزعتهم وجعلتهم مرهوبين لا يشغلهم سوى الدفاع عن النفس.

   لكن عندما تكون هناك تفاعلات وعلاقات اجتماعية حميمة وودودة دافعها الحاجة الإنسانية في التواصل والتعاون في معالجة كل عطل يعطل تفاعلهم أو احتياج حاجي أو كمالي لأحدهم يكون هذا مبلوراً لتشكيل جماعات وتنظيمات تنظم حياتهم اليومية حسب نظام ضبطي يمثل العمود الفقري لتنظيمهم ولهم بناءً هيكلياً في تدرجهم ووظائفهم الاجتماعية مستخدمين عقولهم في تطوير حياتهم الاجتماعية عندئذٍ يقوموا بتقديم إضافات الى ما ورثوه من تراكم ثقافي ويجددوا مفرداتهم اللغوية ويحدثوا تاريخهم ويطوروا عقائدهم الفكرية ويمجدوا ماضيهم ويحمدوا إداراتهم في محاربة الفساد والقتل والإرهاب والعنف فيعيشوا عيشة متمدنة تسموا فيها الثقافة العقلانية والمنطقية واحترام حقوق الإنسان والأخر دون تشويه ماضيهم أو تسخيره لخدمة فئة متسلطة ومثقفة عندها يتحقق وجود المجتمع له نظامه وبناءه ونسيجه العلائقي معتمداً على كفاءاته في حل مشكلاته التي تحصل له أو التي يخلقها الأخرون من خارج مجتمعه. بذات الوقت تتنافى ثقافته الاجتماعية التي ورثها من اسلافه ويضيف عليها مآثره على ما يقدمه أجداده ليطرح منتجاً ثقافياً جديداً.

   علي نقيض (المجتمع العاري) الذي لم يقدر ان يضيف أي شيء الى ثقافته الموروثة لأنه لم يعيش كمجتمع مترابط له نظام وبناء قادرا ًعلى حل مشكلاته لأنه غارق في مشاكله التي خلقها له بنفسه وهذا هو الفرق الجوهر بين المجتمع وثقافته والمجتمع العاري من الثقافة.

    والعرب استناداً الى هذين المفهومين لا يمثلوا مجتمعاً بل اجتماعاً بشرياً فاقد الانساق البنائية السيادية منذ زمن بعيد (لمدة قرون) ولم يُحكم من قبل زعيم عربي وطني يقودهم قيادة وطنية بل حُكم من قبل رئيس أجنبي أو فئوي مما أدى الى تمزيق نسيجه الاجتماعي وعدم دفعه نحو التقدم العلمي بل أعاق حركته على الرغم من امتلاكه المصادر الطبيعية الغنية (فسادوا فيه البور المجتمعي والتصحر الإبداعي).

     لا جرم من الإشارة في هذا المقام الى ان في حلبة الصراع لا يبرز الطرف القوي إلا بوجود الطرف الضعيف إذ ان الأخير يستولد الأول. لأن الصراع لا يقع بين الأقوياء أو بين الضعفاء، بل بين القوي والضعيف وليس الضعيف مع القوي. هذه حقيقة علمية وواقعية تحدث في جميع الصراعات الاجتماعية (الطبقية والعقائدية والحزبية والعسكرية والسياسية) وعادةً ما تجذب الممتلكات والمصادر الطبيعية الغنية التي يمتلكها الضعيف طمع القوي في الاستحواذ عليها وامتلاكها قسراً ومصادرتها والهيمنة عليها.

    أما مصادر ضعف الضعيف فهي عديدة ومتنوعة منها:

1 – ضعف أو غياب الانتماء الوطني لبلده.

2 – ضعف أو غياب التماهي مع وحدة الوطن.

3 – عدم وجود عقيدة وطنية مخلصة لتربة الوطن.

4 – وجود صراعات داخلية بين مكونات المجتمع (العرقية والطائفية والإقليمية).

5 – وجود تعصبات فئوية بين مكونات النسيج الاجتماعي.

6 – وجود شرائح اجتماعية موالية للأجنبي لأنها تخدم مصالحها الشرائحيه.

7 – وجود مصادر طبيعية غنية لا يُقدر ثمنها وقيمتها أفراد المجتمع مثل البترول والغاز والمعادن النفيسة.

8 – وجود حكام فئويين ومتعصبين لا يحكمون حسب العدالة الوطنية.

    أما أساليب الطرف القوي في صراعه مع الضعيف فهي ما يلي:

1 – تعميق الفجوة بين النخب والتنظيمات الشعبية مثل العوائل الممتدة والعشائر والقبائل والطوائف والمذاهب والاعراق واستخدامهم كوكلاء لهم من أجل اضعاف الممانعة الذاتية والروح الوطنية.

2 – ضرب الجماعات الطائفية والمذهبية بعضها ببعض من أجل خلق حالة الفوضى والحرب الأهلية والصراعات البينية وإعاقة انماء الروح الوطنية.

3 – انشاء كيانات سياسية مصطنعة وهزيلة لتسخيرها لخدمته.

4 – إقامة قواعد عسكرية وبناء مستوطنات متكاملة للوافدين الأغراب.

5 – نشر ارساليات تبشيرية وتعليمية وتوظيفها في خدمة اغراضها.

6 – حماية الأسر والفئات الحاكمة.

7 – دمج الاقتصاد الوطني بالسوق الرأسمالي العالمي.

    بعد هذا الاستطراد الأولي نناقش موضوع في غاية الأهمية إذ أشغل الكثير من مثقفي العرب حول تبعية وخنوع مجتمعهم وارتباطه بالدول الاستعمارية (الأوروبية وأمريكا) وعدم قدرته على النهوض من سباته وركوده وايقاد وعيه والالتفاته الى تمزيق نسيجه الاجتماعي من قبل الأجنبي المحتل ومصادرة خيراته الطبيعية وافقاره اقتصادياً وعلمياً واستبعاده عن حركة التطور والتقدم، فوصموه بـ (الاجتماع العربي) وليس بـ (المجتمع العربي) لأنه تم اخضاعه للحكم الأجنبي سواء كان بذريعة الدين الإسلامي أو لتحريره من السيطرة الأجنبية بدءً من مرحلة (قبل الفتح الإسلامي من قبل غزاة فرنجيين والمغول والفرس الصفويين والعثمانيين والأوربيين والإسرائيليين والأمريكان) وما زال لا يحكم نفسه بنفسه لحد الآن سواء كان بشكل مباشر أو غير مباشر. هكذا ينظر الكثير من المثقفين العرب لمجتمعهم أمثال (عصام نعمان وحليم بركات وخلدون حسن النقيب وسمير أمين وهشام شرابي ورشيد خالدي وأنيس الصايغ) كانت رؤيتهم هذه منطلقة من زاوية عدم امتلاك العرب انساق بنائهم الاجتماعي أو اشغال مواقعه وإدارة مجتمعهم من قبل النسق السياسي والعسكري والأمني والاقتصادي والتربوي والديني لفترة أكثر من عشرة قرون من الزمن، أما النسق الاجتماعي فهو الوحيد بيدهم وهو مستغل من قبل هذه الانساق المذكورة أعلاه لذلك أطلقوا عليه مصطلح (اجتماع وليس مجتمع).

     أما باقي المعايير الاجتماعية مثل التفاعل والعلائق الاجتماعية والتنظيمات الشعبية والمعتقدات الدينية والضوابط العرفية فهي عربية واجتماعية لا جدال فيه بيد أن البناء الاجتماعي العربي كان طيلة هذه القرون يمارس ويدار من قبل أجانب غير عرب. اما لماذا بات العرب ضعفاء ولم يتقووا فإن ذلك يكمن في الحقائق التالية:

1 – تقبل العرب لحكم الأجنبي له.

2 – التعصب والتحيز للانتماء الفئوي (العائلي والعشائري والقبلي والإقليمي والطائفي والعرقي) وليس الوطني.

3 – التسامح الديني في الإسلام تجاه الأجنبي المسلم الذي يحكمهم مثل الاتراك والفرس والمغول.

4 – الطابع الفسيفسائي في النسيج الاجتماعي العربي.

5 – الأبوة البطريكية التي تنزع للاستبداد الفردي.

6 – طغيان الحياة البدوية على الحضرية.

7 – عدم اعتزاز وتقدير أهمية مواقعهم الجغرافية الاستراتيجية التي تملك المعابر الدولية المهمة والمضايق الرئيسية بين اسيا وافريقيا.

8 – عدم استخدامهم للثروات الطبيعية (البترول والغاز الطبيعي) في تنمية بلدانهم ومجتمعهم ومحاربة الأجنبي الطامع فيها بل تركوها تستغل من قبل الأجنبي المستعمر وذلك بسبب عدم وعيهم بذلك.

9 – تعصبهم وتحيزهم الفئوي أدى الى صراعات بينية واضطرابات داخلية مستمرة استغلها الأجنبي.

10 – عند وجود حاكم عربي كان يحكم بعيداً عن العدالة الوطنية والمسئولية الجمعية.

    جميع هذه السلبيات التي اتصف ويتصف العرب بها أدت بالأجنبي باستغلالها والسيطرة عليهم ونهب خيراتهم واخناعهم واخضاعهم لسلطانه.

إذن من خلال هذه الحقائق التاريخية والاجتماعية والجغرافية توضح لماذا خضع العرب للاستعمار الأجنبي لعدة قرون وعدم تمكنهم من إشغال مواقع الانساق البنائية وتسيير حركته حسب مصالحهم الوطنية. فضلاً عن وجود حكام عرب لم يكونوا وطنيين في حكمهم بل مخلصين لكراسيهم ونظام حكمهم الفردي والفئوي واستخدام ثروات بلادهم لحماية وصيانة حكمهم اللاشعبي واللاوطني معتمداً على القوى الأجنبية في سياستهم الداخلية والخارجية وليس على المواطنين لأنه لم يبني ويبلور روح المواطنة عند أفراد شعوبهم مما حفز وشجع بعض الشرائح العربية بالذات أهل الحل والعقد على التعاون مع الأجنبي المحتل أو المستعمر. كل ذلك أضعف الممانعة الذاتية والانتفاضة الوطنية ضد الطغاة الأجانب والعرب لكن مع التطور اتقني وانتهاء الحرب الباردة حصلت ثورات الربيع العربي ضد الطغاة العرب فأسقطوهم لكن في النهاية أجهضت من قبل وكلاء وشركاء القوى الأجنبية. وفي ظل هذه المتغيرات الرئيسية والفعالة في رحم المجتمع العربي تخصبت العديد من التقرحات والأمراض الاجتماعية والنفسية في كافة الأنساق البنائية مثل الفساد وبكل انواعه (السياسي والمالي والاقتصادي والأخلاقي والقيمي والإداري كالرشوة والمحسوبية والغش والخداع والتدليس والتزوير والاحتيال) فضلاً عن عدم احترام التوقيت الزمني المجدول والقوانين والأنظمة مما بلور شخصية عربية غير منسقة في سلوكها وتفكيرها وعملها أي عبثية وعشوائية. ليس هذا فحسي بل تغلب على سلوكيته المداهنة والانتهازية والتزلف والنفاق لأصحاب القرار من المسئولين وإزاء ذلك يصبح الفرد المنافق والانتهازي والعابث هو الصح والنموذج المحتذى به ويمسي النزيه والمنظم اعماله وتفكيره والصادق في افعاله واقواله هو الخطأ والمنحرف. أقول تضحى المعايير القيمية مقلوبة ومعكوسة في احكامها وموازينها تكره الجد في العمل وتثمن وتقدر عدم الجدية وعدم الانضباط في العمل وعدم الالتزام بالجدول الزمني لذا يكون انتاجه الميداني والفكري هزيل وسطحي وغير مستمر وهذا ما هو سائد الان وما كان سائد فيما مضى عند العرب. أنها مأساة يتحمل بعضها العربي نفسه وبالذات قادته واعرافه الاجتماعية وعقليته الفجة لا يستطيع الخروج من هذه الدوامة إلا بكسرها بوساطة التفكير الرشيد والاطلاع على العالم الأخر واكتساب علمه ومنطقه. وفي هذا السياق نشير الى مقولة الرئيس المصري (جمال عبد الناصر) في 29 يوليو من عام 1954 أمام حشد كبير من المواطنين في حي الجمالية قال فيها “إن في كل بلد خونة وفي مصر يضاف الى الخونة محترفو السياسة وتجار الوطنية، لقد حاولوا مراراً تضليل الأمة لكي تنصرف أو تنفض من حول مبادئ الثورة ولكنهم لم ينجحوا… هذه الفئة لن تيأس في محاولتها وستعود من جديد الى تسديد الضربات الى الوطن. لقد تاجروا بالوطنية في الماضي وسيتاجرون بها غداً وفي المستقبل ولا يقصد بهذه التجارة الخاسرة سوى استغلالكم.”

   أعود مرة ثانية الى موضوع تجاذل المجتمع مع الثقافة لأقول بإن المجتمع لا يعني مجموعة افراد يعيشون على بقعة جغرافية مكونين انساقاً بنائية مثل النسق الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والديني والأمني ولهم نظام ضبطي عرفي ووضعي (رسمي) لضبط سلوكهم وتنظيماتهم التي كونوها من أجل مواجهة مشاكلهم الاجتماعية. ولهم ثقافة اجتماعية موروثة يتنشئوا حسبها ويستخدمون عناصرها مثل الرموز واللغة والمعتقدات.

معنى ذلك ان المجتمع والثقافة متجاذلان معاً لا يستطيع الفرد ان يعيش بدونهما، لأن الأول يمنحه التفاعل والعلاقات والتنظيمات والأدوار والمكانات والتدرج الاجتماعي والنفوذ والطبقة الاقتصادية والتميز بين الرجل والمرأة.

أما الثقافة فإنها تمنحه التنشئة واللغة والدين والمعايير والقيم والمعتقدات والفن وزي لباسه وطراز مسكنه ونوع غذائه. إذن ان المجتمع يغذي الثقافة بابتكاراته المناسبة له ويطوره. بمعنى ان الثقافة تنمي بإنتاجات افراد المجتمع المادية والمعنوية. لذا نقدر أن نقول ان الثقافة ابنة المجتمع فإذا كان المجتمع نشطاً ومنتجاً ومتنامياً عندئذٍ تكون ثقافته متنامية ومتطورة ومتنوعة تباعًا وإذا كان المجتمع بطيئاً في حركته وتقدمه وتطوره فإن ثقافته تكون كذلك (بطيئة ومحافظة) لا تقبل التثاقف (أي الاقتباس الثقافي من ثقافات أخرى مختلفة عنها في النوع والكيف).

   في الواقع أننا نولد في المجتمع عن طريق الأسرة لكننا نتعلم سلوكنا وضوابطه ونظمه من الثقافة الاجتماعية ونتكلم بلغة ثقافتنا ونتغنى بلحن طربنا وغنائنا وحتى غزلنا وهجائنا نأخذه من ثقافتنا. معنى ذلك ان الأسرة والمجتمع يكونا وعاءً حاضنًا للثقافة وقناة موصلة لها تقدمها للأجيال القادمة وان حاجات الأفراد ودوافعهم ومشكلاتهم تتبلور من مجتمعهم لا من ثقافتهم الاجتماعية بل الى الأفراد الجانحين عنها وحاجة الفرد لإقامة علاقات اجتماعية مع الأخرين يحددها المجتمع وليس الثقافة…. وهكذا فسلوك وتفكير الإنسان بشكل عام يخضع لمجتمعه وثقافته في الان.

    جدير بذكره في هذا السياق ان نقول ان للمجتمع رئيس أو حاكم يقوم بإدارته الذي يكون من أبنائه وليس غريباً عنه أي لا يكون أجنبيًا مستعمرًا. كذلك لكل مجتمع دين يلتزم بشعائره وطقوسه ليحصل على الأمل والرجاء من قوى أقوى منه. إلا ان الثقافة ليس فيها حاكم أو رئيس لأنها لا تحتاج اليه. ليس هذا فحسب بل ان المجتمع يتكاثر من خلال الانجاب والثقافة ايضًا. لكن عن طريق التراكم الصادر من قبل ابتكارات ومخترعات افراد مجتمعه فيحصل التراكم. فضلًا عن ذلك يحصل زواج خارجي عند الأفراد أي من خارج مجتمعه والحالة مشابهة مع الثقافة عندما يحصل التثاقف مع ثقافات أخرى مثل لبس الجاكيت والسروال وربطة العنق من قبل العربي بدلاً من الثوب العربي والعقال أو الغترة او الاحتفال بمناسبات شخصية مثل الاحتفال بميلاد الفرد في كل سنة وشهر العسل وسواها.

   بعد هذا الاستطراد نلخص علاقة المجتمع بثقافته من كونها وجهين لحياة الانسان في كل زمان ومكان. فالفرد يولد في المجتمع ويترعرع بثقافته وينظم حياته اليومية والمهنية طبقًا لضوابطها لكن مع كل مرحلة تطورية يمر فيها المجتمع يقوم الجيل المتقدم بالسن أو الحاكم السياسي بدعم الالتزام بضوابطه الثقافية وعدم تركها ومحاسبة الجانح عنها. بينما جيل الشباب الصاعد يحاول الخروج منها والتحرر من قيودها لأنها تقييد طموحه وآماله وهذه حالة طبيعية تحصل عند كل المجتمعات بذات الوقت لا يبقى المجتمع محافظًا على حجمه السكاني بل ينقسم الى جماعات وفئات وطبقات واعراق وشرائح بذات الوقت لا تبقى الثقافة الاجتماعية شاملة وكاملة بل تفرز عنها ثقافات فرعية خاصة بالطبقات الاقتصادية والطوائف الدينية والأقليات العرقية وثقافة الأطفال والثقافة الشعبية وسواها.

2 / ب – الثقافة معين تعليم الفرد سلوكه وتفكيره

    المجتمع: هو أكبر جماعة بشرية لأفراد مشتركين بثقافة اجتماعية منقولة لهم من أجيالهم السالفة وبدورهم ينقلوها للأجيال القادمة. كانوا يحافظوا عليها شفاهةً إلا ان الان يحافظوا عليها عبر الكتب الأدبية والعلمية والفنون وأشرطة الفيديو والانترنت والمتاحف والأفلام الوثائقية وتدريسها في الكليات الجامعية.

   أما الثقافة فهي مكتسبة عن طريق التعلم تنقل التقاليد والعادات الاجتماعية والمعرفة الفكرية والأدوات في تنظيم وضبط حياتها اليومية. إنما الان تضمنت منتجات الجيل المعاصر التي احتوت على ابتكارات حديثة مثل وسائل تحديد النسل والأجهزة الالكترونية والاتصالية الفورية والصعود الى القمر والصناعات الغذائية ومبتكرات التجميل والتقدم الطبي واكتشافاته للأمراض البشرية وطرق المحافظة على البيئة بعد ما كانت الثقافة سابقاً تضم أسلحة الصيد والقتال وأدوات طبخ الطعام وطراز الملابس والأبنية.

   ومن نافلة القول ان بعض الأفراد يطلقون على كل شيء قديم وموروث عبارة تراثي أو كلاسيكي أو غابر أو أثري سواء تطلق على المدن أو الأماكن أو الأشخاص لكن في الوقت الحالي تبدل مفهوم الثقافة بفضل تطور الابداعات والابتكارات العليمة والتكنولوجية والالكترونية والاختراعات الطبية وطرز الحياة الحديثة في الملبس والمأكل والمشرب والبناء فلم تبقى الثقافة الاجتماعية تعني التراث القديم أو العادات والأزياء الغير سائدة بين الناس وهذا تحول ملموس لمفهوم الثقافة الاجتماعية من زاوية علم الاجتماع الثقافي.

    أما على صعيد الأسس القيمية والمعتقدية والعرقية في المجتمع الصناعي الرأسمالي فقد أصبحت مبسطة ومُيسرة وشاملة عند تفاعل الأفراد. إذ يحتمل الفرد ويتوقع تعامله مع الأخرين طبقاً لهذه الأسس القيمية والمعتقدية والعرفية لأنها معلنة وممارسة مثل استخدام البطاقة الذكية في التعامل التجاري بدلًا من النقود الورقية أو المعدنية (نقداً) ويحتمل ويتوقع ان مكاتب السفر لا تأخذ مسافرين أكثر عدداً من عدد كراسي الطائرة.

     ومن مشاهد التطور الثقافي الاكتشافات والتنقيبات الاثارية بالوصول الى معرفة أصل الإنسان قبل ملايين السنين حيث اكتشفوا موقد ناري hearth to harness قبل 700,000 سنة مضت واكتشفوا أدوات يرجع تاريخها الى 100,000 سنة. منذ 35,000 سنة مضت أثبتت الرسوم والمجوهرات والنصب (التماثيل) أوضحت مراسيم الزواج والولادات والوفيات لكنهم لم يستطيعوا التنقيب عن حفلات الزواج ولا القوانين ولا أشكال الحكومات لكنهم استطاعوا تحديد مواقع بعض القطع الاثرية وموقع أصل الإنسان.

لكن الان في الالفية الثالثة استطاع الانسان ان ينقل ويوزع كتابًا بالكامل الى كافة انحاء العالم عير الانترنت ويستطيع ان يعالج الأمراض المستعصية التي كانت في الماضي غير قادر على معالجتها فضلاً عن زراعة الأعضاء البشرية، ليس هذا فحسب بل استطاع ايضاً تحليل المشاعر الدفينة عند الانسان. هذه المهارات الإنسانية ملفتة للنظر والاهتمام غير موجودة عند الحيوان تؤكد على تطور ثقافة الإنسان.

ثم هناك قواسم ثقافية مشتركة عالمياً Cultural universals على الرغم من اختلافات المجتمعات في تطورها ونظمها وابنيتها وضوابطها إلا ان هناك قواسم ثقافية واحدة فيما بينهم تلك التي تشجع حاجاتهم وتكيفهم لها مثل حاجة الأفراد للطعام والمأوى والملبس. عالم الإنسان “جورج مردوخ” 1945م قدم قائمة جمع فيها هذه القواسم الثقافية المشتركة ضمت الألعاب الرياضية وأدوات المطبخ ومراسيم الدفن والأدوية الطبية والعلاقات الجنسية هذه القواسم واحدة عند جميع المجتمعات الإنسانية إلا انها تختلف في سلوكية أدائها مثل نمط الزواج الذي يختلف من مجتمع لأخر ومن حقبة زمنية لأخرى حيث هناك زواج الأقارب وزواج يتدخل الأبوين في اختيار شريك حياة ابنهم أو ابنتهم وهناك نمط زواج الاختيار الشخصي حيث هذه القواسم تتغير من جيل الى أخر حسب تغيرات ثقافية تحصل بتأثير عمليات الابداع والابتكار والذيوع والانتشار.

    بات من المعلوم ان الثقافة على مرّ العصور تتطور وتتغير وهذا شيء طبيعي جدًا وذلك بسبب الابتكارات والاختراعات والاكتشافات لكن الذي بقيَّ ثابتاً فيها هو انها مكتسبة ومنقولة. مكتسبة بالتعليم سواء شفاهةً او عن طريق وسائل الاتصالات الالكترونية أو الكتب أو النت، ومنقولة سواء كانت عن طريق التنشئة الأسرية والمدرسية في الوقت الراهن. معنى ذلك ان تطورها لم يغير من أركان وجودها (تعلمها ونقلها).

ثم نأتي الى الابتكار Innovation الذي يعني التجديد في عملية انتاج فكرة جديدة أو مادة حديثة للثقافة تُعرّف على انها أبداع وهذا ما يهتم به علماء الاجتماع لأن له اثار اجتماعية تقدم شيئًا جديدًا لكافة افراد المجتمع.

هناك شكلان للابتكار هما الاكتشاف والأبداع. ينطوي الاكتشاف على العثور على أحد أوجه الحقيقة التي كانت غامضة أو مجهولة أو غير متعرف عليها أو مغمورة مثل اكتشاف حامض النووي DNA أو اكتشاف هوية القمر الجديد لزحل هذا الاكتشاف يتم بمشاركة وتعاون الأخرين على استجلائه واظهاره للعالم على عكس الابداع الذي يظهر عندما تكون مادة موجودة سابقاً وتمت الإضافة اليها فتتطور مثل القوس والسهم والسيارة والتلفاز والديمقراطية. إذن الاكتشاف والأبداع وجهان للابتكار الأول من خلال العثور على شيء كان مجهولاً، والثاني (الأبداع) الذي يمثل التطوير الراقي والعالي الأداء والجاذبية على شيء كان موجوداً.

   هذا من جانب ومن جانب أخر هناك العولمة والذيوع والتكنولوجيا حيث ساد العالم الغربي الرأسمالي والدول النامية انتشر مطاعم ومقاهي أمريكية تحمل نفس المقاييس والمواصفات والذوق والخدمة للزبائن حيث انتشرت بشرعة مذهلة مثل مطعم (ماكدونالد) و (كنتاكي فراي جكن) وقهوة (ستارباكس) فمثلاً في الصين فيها 2000 مقهى لـ (ستارباكس) وكذلك في روسيا والدول الاوربية كل ذلك الانتشار حصل بتأثير العولمة الثقافية في الوقت الحاضر وهذا ما أثر على تقاليد شرب القهوة في الصين وباقي اقطار العالم.

     يطلق علماء الاجتماع على هذه الحالة بمصطلح الذيوع أو الانتشار Diffusion للدلالة على انتشار حالة ثقافية تنتقل من مجتمع لأخر. في الواقع حالة الانتشار الثقافي تتحقق بعدة طرق منها الاستعمار والغزو العسكري أو الجماعات التبشيرية أو تأثير الوسائل الإعلامية أو المواسم السياحية او الانترنت.

     هناك عالم اجتماع امريكي معاصر اسمه “جورج ريتزر George Ritzer” صاغ مصطلح جديد عام 2000 في علم الاجتماع سماه ماكدونالدية المجتمع Mc- Donaldization of society يصف فيه كيف أثرت أسس تطور مطاعم الاكل الجاهز السريع الذي ظهر في المجتمع الأمريكي فأصبح منتشراً أكثر فأكثر في معظم انحاء العالم.

ماكدونالدية  McDonaldization‏:هو مصطلح استخدمه عالم الاجتماع “جورج ريتزر” في كتابه تحت عنوان The McDonaldization of Society ماكدونالدية المجتمع، حيث يشرح كيف أن هذه الحالة تحدث عندما يكون للثقافة  صفات تشبه مطاعم الوجبات السريعة. الماكدونالدية هي إعادة صياغة لمفهوم العقلانية، أو الانتقال من الأساليب التقليدية إلى الأساليب العقلانية في التفكير والإدارة العلمية. بينما استخدم “ماكس فيبر ” نموذج البيروقراطية ليوضح اتجاه هذا المجتمع المتغير، يرى “ريتزر” أن مطاعم الوجبات السريعة أصبحت أكثر توضيحاً من نموذج البيروقراطية في المجتمع المعاصر، مفهوم الماكدونالدية يحوز على الانتباه في مجالات مختلفة مثل الثقافة. فمسألة الماكدونالدية هي فكرة حديثة نسبياً عن اندماج الثقافات العالمية.

يوضح وضح “جورج ريترز” مكونات أساسية للماكدونالدية:

الكفاءة:  الطريقة المثلى للقيام بالعمليات. في هذا السياق، وضع “ريتزر” معنى محدد جداً للكفاءة. ففي مثال لعملاء ماكدونالدز، تكون الكفاءة الطريقة الأسرع للانتقال من حالة الجوع إلى الشبع. الكفاءة في الماكدونالدية تعني أن كل جزء من المنظمة مُوجه إلى تقليل الوقت دوماً.

قابلية الحساب:  إمكانية العد والحساب للمواد والكميات والزبائن، بدلاً من أن يكون هناك معيار نوعي (مثل جودة الطعم). الماكدونالدية طورت مفهوم أن الكمية تساوي النوعية، وأن كمية كبيرة من المنتج المباع للعميل في فترة قصيرة هو شيء مساو لمنتج عالي النوعية. وهذا يسمح للناس لكي يحسبوا ما يحصلون عليه مقابل ما يدفعونه. المنظمات تريد عملاء يؤمنون بأنهم يحصلون على كمية كبيرة من المنتجات بقدر قليل من المال. العاملون في هذه المنظمات يُقيمون بطول الوقت الذي ينجزون فيه أعمالهم بدلاً من جودة العمل الذي يؤدونه.

قابلية التوقع أو التنبؤ : خدمات موحدة وتتبع معايير محددة. “قابلية التوقع” تعني أين ما توجه الشخص فإنه يتوقع الحصول على شكل مماثل للخدمات أو المنتجات مادام يتعامل مع ماكدونالدز. وهذا أيضاً ينطبق على العمال في هذه الشركات. فمهامهم مكررة للغاية، وروتينية للغاية، وقابلة للتوقع.

قابلية السيطرة: موظفون يلبسون ملابس موحدة ويتبعون كذلك معايير محددة.

الثقافة: كجزء من التوحيد القياسي (Standardization)، يحصل التهجين الثقافي. بدخول ماكدونالدز دولة ما، أنماط المستهلكين وعاداتهم، من سلسلة الأكلات، إلى الثقافة المحلية.. كلها تتعرض للتغريب.

مع هذه العمليات الخمس، يمكن أن تقود استراتيجة عقلانية في نطاق ضيق إلى نتائج مؤلمة وغير عقلانية. عملية “التحويل إلى ماكدونالدية” يمكن أن يتم تلخيصها بأنها الطريقة التي تتحول بها المبادئ التي تحكم عمل مطاعم الوجبات السريعة إلى أن تحكم قطاعات أكثر وأكثر من المجتمع الأمريكي وباقي العالم.

أللاعقلانية إلى العقلانية

“ريتزر” أيضا يحدد “أللاعقلانية إلى العقلانية” كوجه خامس للماكدونالدية. “بتحديد أكثر، أللاعقلانية تعني أن الأنظمة العقلانية أنظمة غير منطقية. وبهذا أعني أنهم يرفضون الطبيعة البشرية الأساسية، العقل البشري، للناس الذين يعملون بالداخل أو أولئك الذين يخدمونهم “. “ريتزر” عرض هذا في الفصل الثاني (ماضي، حاضر، ومستقبل الماكدونالدية: من القفص الحديدي إلى مصنع الوجبات السريعة، وما بعدها) من كتابه. حيث نص على أن “بالرغم من الميزات التي تقدمها، البيروقراطية تعاني من لاعقلانية المنطق. مثل مطعم وجبات سريعة، البيروقراطية تستطيع أن تكون مكان مجرد للإنسانية سواء للعمل، أو للخدمة”. باختصار هي “الأوضاع التي لا يتمكن فيها الناس من التصرف ككائنات بشرية”.

ويذكر أيضاً أن وراء التجريد من الإنسانية، هناك العديد من الأمور أللاعقلانية التي تظهر، بما في ذلك الكمية الكبيرة الكبير غير الفعالة من الإجراءات البيروقراطية، القياس الكمي بما يؤدي إلى تدني نوعية العمل، وعدم القدرة على التوقع بما يجب على الموظفين فعله مع نمو عدد الموظفين، أو فقدان السيطرة بسبب أوجه قصور أخرى.

ضد الماكندونالدية

العديد من الشركات بذلت مجهوداً لرفض تبرير الماكدونالدية. وهذه الجهود تتعلق بالتركيز على الجودة بدلاً من الكمية، والتمتع بعدم قابلية الخدمة أو المنتج للتوقع بالإضافة إلى توظيف عاملين أكثر مهارة وبدون أي سيطرة خارجية. العديد من المظاهرات كذلك خرجت في العديد من المدن الكبرى لرفض عملية الماكدونالدية حفاظاً على القيم والعادات المحلية. [https://ar.wikipedia.org]

صورة أخرى من الذيوع والانتشار للممارسات الثقافية الحديثة هي صالونات الحلاقة والعيادات الطبية التي تعمل بتحديد مواعيد استقبال الزبائن أو المرضى قبل الذهاب اليها. ثم هناك (هونك كونك) التي تقدم قائمة عن العلاقات الجنسية التي تضم العديد من الخيارات بنوع الجنسين (ذكر أو انثى). ثم هناك الجماعات الانجيلية والمبشرين فيها حيث لديهم موقع خاص بهم على مركز تلفاز الفاتيكان لترويج مذهبهم الديني. وفي اليابان هناك محلات تبيع الأزياء الأفريقية. وفي استراليا التي انتشرت مطاعم ماكدونالد مما أثر على شرب الاستراليين للقهوة لأنها تقدم قهوة يطلق عليها Mc cafe كجزء من الوجبة الغذائية المقدمة في المطعم. معنى ذلك عولمة الماكدونولدية قدمت خدمة لتطبيق التميز والمفارقة بين ثقافات الشعوب. [Schaefer. 2003. Pp. 62 – 64]

2 / ت – الأنماط الثقافية الجوهرية

   بادئ ذي بدء نقول بإن الإنسان وحده يملك الثقافة وله تاريخ مميز وقيم معبرة عن حاجاته ويملك مشاعر تختلف عن العقل بمعنى ان الثقافة تقدم له مفاتيح الفهم والإدراك في معرفة بيئته المحيطة به اجتماعياً وطبيعياً. يوضح جوهر الثقافة الاجتماعية سلوكيات الأفراد فيما يخص سبل عيشهم الأمر الذي يدفعهم نحو ابتكار طرق وأساليب تضمن عيشهم. لكي نوضح هذه الفكرة المبتسرة نستعين بدراسات انثروبولوجية قامت بها كل من “روث بندكت ” و “ماري كريت ميد” الأمريكيتان حيث درسنَّ الانساق الاجتماعية والثقافية في مجتمعات مختلفة فأبرزنَّ طرقاً مختلفة استخدمها افراد هذه المجتمعات من أجل عيشهم. نبدأها بدراسة “روث بندكت” في الأنماط الثقافية Patterns of culture (1934) درست فيها ثلاثة نماذج مختلفة في معيشتها ومعالجة وحل مشاكلها بطرق مختلفة. ففي المجتمع الأول (بوبلو Pueblo) وهو من الهنود الحمر الذين سكنوا جنوب غرب الولايات المتحدة الأمريكية. يتألف هذا المجتمع من ثلاث جماعات وهم: أكوما Acoma، والزوني Zuni، والهوبي Hopi، عاش هؤلاء في مناطق قاحلة وتربة فقيرة غير خصبة فيها بعض الأعشاب البرية مع ذلك فهم راضين بحياتهم وقابلين بها فقاموا بتربية الأغنام وابتكروا نظام خاص بالري يسقي حقولهم واخترعوا القوس والسهم كتقنية خاصة بالزراعة كذلك بلوروا هندسة معمارية حضرية. هذا على صعيد المعيشة، أما على صعيد الحياة الاجتماعية فقد سجلت “بندكت” مراسيم الرقص وشعائره المقترنة مع المعتقدات الدينية الراسخة بشكل مركزي، يقوموا به كل عام وإزاء هذه المهمة فإن كبار المجتمع وراشديه يصرفوا جلَّ وقتهم بإعداد وتوجيه الأنشطة والفعاليات الدينية التي تتسم بطقوس معقدة تؤدى بدقة متناهية تخلو من كل ابتكار أو انحراف عن شعائرها لأن كبار المجتمع ورموزه العرفية يكرسوا معظم وقتهم وفعالياتهم في تعلم أداء هذه الطقوس والشعائر.

أما الخلية الأسرية في مجتمع (بوبلو) فإن محورها يرتكز على الخط الأمومي الذي تكون فيه المرأة مسيطرة الانتماء النسبي (أصل العائلة) وامتلاكها للأدوات المادية في المنزل فضلاً عن امتلاكها للمنزل ومخزن الذرة معاً. بينما يكون الرجال قائمين على زراعة وجني الذرة التي يقوم بها كل الرجال كنشاط اقتصادي بدءً من زراعته ومروراً بحصاده وانتهاءً بتخزينه. يعني ذلك ان الروح التعاونية تسود هذا المجتمع. أقول التعاون الجماعي يكون طاغياً عليه روح المحبة والوئام والسلام لا ينخرطوا في مشاحنات أو منازعات أو صراعات بل يتجنبوها ليميلوا نحو التجاذب والتودد بحيث لا يتجرأ أحداً في هذا المجتمع ان يفكر بمصلحته الشخصية بل بمصلحة الاخرين التي تأخذ الدرجة الأولى في نشاطه وهذا ما يجعله متجنباً الجدال والنقاش مع الاخرين ونادراً ما يفكر بالموت لأنه يعتقد بإنه مصير كل مخلوق. بتعبير أخر، تتسم شخصية الفرد البوبلو بالإخلاص في العمل والتضحية في سبيل الأخرين وسعادتهم ورفاهيتهم لذلك نجده يعيش بسلام دائم وغير مؤذي لأنه تابع للمجتمع يتفانى في سبيل خدمة مجتمعه. وفي ضوء ذلك فإنه يكره العزلة والانزواء والابتعاد عن الجمع العام. هذه السمات الشخصية منبثقة من معتقده القائل بإن الكون خُلِقَ من أجل السلام والوئام وليس للنزاع والخصام. يعني انها شخصية متوازنة ومسالمة تكيل للاندماج والامتثال.

الجماعة الثانية في مجتمع البوبلو هي جماعة الدبوا (Dobu دبوا) التي تعيش في جزيرة بركانية ذات تربة فقيرة غير خصبة تفتقر هذه الجماعة الى المصادر الأساسية للعيش مثل الأسماك والحيوانات البحرية على الرغم من عيشهم بالقرب من شواطئ غينيا الجديدة لكنهم ابتكروا انماطاً واضحة للسلوك لكي يعيشوا مع هذه الحالة الضائقة المتصفة بالضنك الاقتصادي. هذا على صعيد حياتهم المعاشية، اما على صعيد سلوكهم فإنه يتسم بالعدوانية المخيفة التي لا يضبطها نظام او ضوابط فأضحت فوضوية بحيث جعلت افرادها لا يثق بعضهم ببعض. أعني كل فرد يرتاب من الأخر وكل شخص يركض وراء مصلحته الشخصية – الذاتية – الانانية لا يهتم بالمصلحة العامة. أعني مصلحيين لا يثق بالأخرين، لا يوجد في هذا المجتمع دين يخص المعتقدات الطقسية والشعائرية ليس هذا فحسب بل انه يؤمن بالسحر ويمارسه ولا يملك نسقًا سياسيًا رسميًا ولا حتى لديه قادة معترف بهم أو رئيس يرأسهم ولا عنده تنظيم رسمي شرعي معترف به من قبل جميع افراد المجتمع. أي ان حياته لا يضبطها ضابط لذلك تسوده أنواع السلوكيات العدوانية ويكون العنف مقبولًا عنده سواء كان هذا السلوك يمارس في الأسرة أو الجماعة أو الأقارب أو الأصدقاء أو الجيران أو حتى مع القرى المجاورة. وإزاء هذه الخاصية لا يكون افراده متسامحين في تفاعلهم وتعاملهم فيما بينهم.

وإذا ذهبنا الى نظام غذائهم نجده يعتمد على زراعة البطاطا فقط بسبب افتقار تربتهم حيث كل فرد له مزرعة خاصة به لا يتعاون مع الأخرين في زراعتها أو جني ثمارها حتى بين الزوج والزوجة كل واحد منهما يعمل لصالحه الخاص. ليس هذا فحسب بل ان علاقة الزوج بزوجته تكون مبنية على العداء وعدم الثقة لكنهم نشطين جنسيًا قبل الزواج يمارسوه في منزل البنت. أما الزواج الرسمي المعترف به من قبل أبناء القرية فإنه يحصل عندما تمنع أم البنت الرجل من ترك منزلها بعد ان يبات فيه. ومن نافلة القول ان العلاقة الرومانسية والعاطفية غير معروفة بين الزوج والزوجة ولا حتى الالتزام باستثناء وقت العلاقة الجنسية وبعدها كل واحد ذهب لحاله أي لا يوجد رباط عائلي بينهما. انها حالة فردية مطلقة خالية من الروح التعاونية والتسامح والمحبة والوئام لذلك تكون المنافسة بينهم حادة وكل واحد يتصارع مع الاخر في سبيل تحقيق مصلحته الشخصية وإزاء ذلك تتسم سلوكياتهم بالقسوة وسفك الدماء والنزاع الجارح والشك وعدم الثقة لا يعرفوا الرحمة والتسامح. هذه هي أسلحتهم في التعامل مع بعضهم البعض.

أما الجماعة الثالثة فهي “الكواكنتل Kwakintl” وهم السكان الأصليين الذين يعيشوا على الساحل الشمالي الغربي لأمريكيا الشمالية الذين يعرفوا بالوجه الأخر لجماعة البوبلو الهندية القاطنة في الشمال الغربي. يملك أبناء هذه الجماعة ثروة غزيرة، أغنياء بالأغذية البحرية والبطاطا والخشب. بمعنى انهم مُلاك أثرياء يمتلكون الممتلكات التجارية ومتطورين في اتصالاتهم التجارية بضمنها تحويل العملات والأوراق والنحاس والأقمشة كوسائل للتبادل التجاري المتطور لدرجة ان لديهم إجراءات خاصة بالديون والقروض وتبادل الفوائد ووجوب دفعها بالعملة. من تقاليد جماعة (الكواكنتل) ان الثروة تكون بيد الرجل وهناك نوعان من التملك هما المادية وغير المادية مثل الأسماك ومناطق الأسماك والأراضي الخاصة بالصيد ومناطق قطف التوت فضلاً عن المنازل والعملات وباقي اشكال الماديات للثروة. اما غير المادية فإنها تتضمن الأساطير والأغاني والقصص.

يهتم رجال هذه الجماعة بشكل كبير بمناصبهم على التدرج الاجتماعي ويتباهوا بممتلكاتهم. لكن الشكل الرئيسي لجماعة الكوانتل هو البوتلاتش potlatch الذي يتضمن مراسيم معقدة تنطوي على تبادل كمية كبيرة من الثروة تحصل فيه روح المنافسة في تقديم الهدايا التي تحدث في أوقات الولادات والوفيات أو الترقيات أو الزواج أو تسمية الأطفال بحيث كل من يحضر لهذا الحفل الطقسي عليه ان يقدم هدية. أما استلام الهدايا فإنه يخضع الى اشغاله الموقع او المنصب على التدرج الاجتماعي فالفرد الذي يكون موقعه في أسفل التدرج يستلم هدية أقل قيمة من الذي يشغل موقعاً في أعلى التدرج والجميع يحصل على هدية بحيث لا يغادر البوتلاتش أحد من الحضور مالم يستلم هدية، وخلال هذا الحفل يقام الرقص الجمعي الذي يكون فيه الراقصين مربوطين بحبل لمنعهم من إيذاء أنفسهم وكمحاولة للوصول الى النشوة عندما يفقد الراقص السيطرة على تصرفه أو نفسه. [Knuttila. 2002. Pp. 34 – 37]

 آيتي من عرض دراسة (بندكت) هو توضيح الأنماط الثقافية في مجتمعات بدائية التي درستهم في بداية القرن الماضي وهي تعكس النمط الثقافي الأول (بوبلو) بإن ثقافته مسالمة ومؤنسة ومتسامحة ومتعاونة تتجنب الصراع والنزاع. هذه الخصائص المطبوعة على سلوكيات افراد هذه الجماعة لم تتطبع كيفما شاءت بل بسبب الظروف البيئية المتمثلة في:

1 – التربة الفقيرة والقاحلة الفاقدة للخصوبة. هذا الضنك الطبيعي (بور الأرض) دفعهم نحو البحث عن سبل تعويضية تعوضهم عما هو مفقودة في بيئتهم فما كان عليهم سوى ان يتعاونوا ويتضامنوا ويتكاتفوا بشكل جماعي في زراعة الذرة ورعي الأغنام. إذن هذا المؤثر الطبيعي جعل افراد مجتمع (بوبلو) ان يتعاونوا من أجل الحصول على لقمة العيش.

2 – وأن يمارسوا الشعائر والطقوس الدينية لأن ظروف الطبيعة التي يعيشوا فيها أقوى منهم لذلك يؤدوا مراسميها بكل دقة.

3 – منح المرأة وهي نصف مجتمعهم مسؤولية الأسرة والمنزل دون عزلها لأنهم بحاجة الى تعاون مستمر بدون تسلط واستبداد على نصف المجتمع وإزاء ذلك حصلت على حقوقها المادية والمعنوية.

4 – طغيان روح المودة والوئام فيما بينهم.

5 – تضحية الفرد في سبيل الجماعة وتغليب مصلحتهم على مصلحته.

    أما في النمط الثاني: جماعة (دوبو) فهم ايضًا يعيشوا في ضائقة اقتصادية حادة إلا ان هذا الضنك الاقتصادي دفعهم:

1 – ان يكونوا عدوانيين.

2 – فوضويون في حياتهم المعاشية لا يرأسهم رئيس.

3 – أنانيون يبحثون عن المصلحة الفردية وعدم مبالاتهم بالمصلحة العامة.

4 – لا يضبطهم دين بل السحر.

5 – يعيشون في تفكك أسري لا يربطها سوى الجنس.

    بينما الجماعة الثالثة (كواكنتل) فإن افراده وأثرياءه متطورين في تجارتهم تتصف شخصيتهم بما يلي:

1 – بالتدرج الاجتماعي ومناصب الأفراد.

2 – تسودهم المنافسة.

3 – يتبادلون الهدايا.

نرجع الان الى مقولتنا في بداية هذا الباب التي مفادها ان الثقافة الاجتماعية تمثل المعين الذي يتعلم منه الفرد طرق تفكيره وسلوكه، لكننا إذا عرفنا ثقافة جماعة معينة أو مجتمع خاص عندها نستطيع ان نعرف لماذا تصرفوا بتصرف معين لا يخرج من مزاج الفرد بل من خلال ما توجهه ثقافة مجتمعه. كذلك تعلمنا لماذا ابتكر الإنسان آلة معينة أو تصرف بتصرف خاص تلك هي مفاتيح الثقافة التي تفسر لنا لماذا تصرف افراد المجتمع بهذا التصرف أو تنمط بهذا النمط وانه من نتاج حياتهم اليومية ويمارسوا طقوساً وشعائر معينة خاضعة لمؤثرات بيئية واحتياجات بشرية، فتارةً يبتكرون سبيلًا معيناً لكي يشبعوا حاجاتهم إذا استطاعوا وعند عدم استطاعتهم فإنهم يدخلوا في صراعات ونزاعات فيما بينهم ويتطبعوا بطابع القسوة والعنف وعندما يشبعوا حاجاتهم يذهبوا الى تطوير نمط عيشهم ليرتقوا الى بها الى مراتب أرحب.

 أقول بإن الإنسان ابن بيئته فإذا كانت بيئته كريمة وجزيلة عندها يكون منبسطًا ومسروراً ومتعاونًا ومنسجمًا ومتوازنًا وإذا كانت بيئته فقيرة وقاحلة عندها يتطبع بطابع العدوان والعنف. لكن إذا استخدم تفكيره في كيفية معالجة ضنكه الاقتصادي دون اللجوء الى التصادم فإنه يبتكر وسائل تخدم مصالحه. فكل ما ينتجه الانسان من ماديات ومعنويات تكون ممثلة لعناصر ثقافته الاجتماعية.

دراسة (ماري كريت ميد): كشفت هذه الدراسة عن الثقافة البدائية في ثلاث مجتمعات وهي:

أ – الأرابش Arapesh

ب – موندوجومور Mundugumor

ت – تجامبولي Tchambuli

   ثلاث مجتمعات بدائية تعيش في بيئات مختلفة الواحدة عن الأخرى، فمجتمع (الأرابش) يعيش في محيط وبيئة جبلية وعرة وقاسية يكافح بجهد جهيد من أجل لقمة العيش في تضاريس جغرافية وعرة ومتعبة مشابهة لبيئة (دوبو) وهم مسالمين ومتعاونين واجتماعيين، فلاحين فقراء يحبون معاشرة الناس لا يوجد عندهم تمييز جنسي بين الرجل والمرأة ولا هناك اختلاف في شخصياتهم على الرغم من وجود تنظيمات اجتماعية مبنية على الجنس حيث هناك تنظيمات خاصة بالرجال وأخرى بالنساء. فالمرأة تقوم بحمل الاثقال ونقلها وهي ملمة بالشؤون الاجتماعية أكثر من الرجل وكلاهما لا يعرفا العنف والعدوان وكلاهما يتحملان مسؤولية الاهتمام بالأسرة ويتبادلان الاحترام فلا توجد اختلافات اجتماعية بين الجنسين.

أما مجتمع (الموندوجومور) فإنه مجتمع صيدي يعيش على صيد الأسماك والطيور لكنهم متوحشين لديهم مصادر طبيعية غنية بغزارة مصادر العيش يتعاملوا مع الطفل بقساوة يسيئوا معاملته لأنهم فرديين وعنيفين فيما بينهم حتى بين الزوج وزوجته كلاهما عنيفين في علاقاتهم الجنسية لدرجة أن كل واحد منهم يترك اثراً على جسم الأخر مثل العض أو الضرب المبرح. مع ذلك يعطوا أهمية واحترام بالغ للبنت العذراء بحيث يطلبها الجميع للزواج ثم هناك الزواج المرتب من قبل الأسرة وهناك زواج يحصل بين الرجل والمرأة عندما تكون بينهما علاقة جنسية قبل الزواج.

أما في مجتمع (تجامبولي) فهناك السلطة البطريقية – الذكورية المتسيدة على المجتمع لدرجة يكون الرجل مالكاً للزراعة والمنزل. أما المرأة فتكون مركز النشاط الاقتصادي والغذائي بينما يكون الرجال مشغولين بحضور الحفلات وممارسة الفن الغنائي والرسم والنحت ومغازلة النساء وما على الزوجة سوى تشجيع زوجها على التجارة واستحسان تجارته ومسامحته عندما يخرج عن طوره في ممارسة ذكوريته عليها فما عليها سوى مسامحته ومدحه. [Knuttila. 2002. Pp. 39 – 41]

      من خلال دراسة (ميد وبندكت) نستطيع ان نصل الى خلاصة مفادها إذا كانت ظروف المعيشة قاسية وجدبة وفي ضنك اقتصادي يعيشها افراد المجتمع يكونوا متسامحين ومتعاونين فيما بينهم أو مع الأخرين لأنهم يعانوا من ضنك العيش فيخلوا مجتمعهم من المشاكل الاجتماعية والسلوك العنيف وهذا ما وجدته (بندكت) في مجتمع (بوبلو) وما وجدته (ميد) في مجتمع (أرابش). أما إذا توقفت مصادر العيش الغنية فإن افراد المجتمع الذين يعيشوا في ظل هذه الوفرة عندئذٍ ينزلقوا الى العنف فيما بينهم والى العدوانية وليس الى التسامح والتعاون. أي يكونوا أنانيين وفرديين ومستغلين وهذا ما وجدته (بندكت) في مجتمع (دبو) وما وجدته (ميد) في مجتمع (موندوجومور) الذي تسود عندهم عدم الثقة بالأخرين ويركضوا وراء مصالحهم الشخصية وليست العامة فالغنى يولد الأنانية والقسوة والتخنث عند افرادها بينما يولد الفقر التسامح والتعاون والمحبة والمودة بين وعند الفقراء.

2 / ث – فشل الدمج الثقافي في بناء هوية كلية موحدة

    كانت هناك ممارسات سياسية واجتماعية تفرض على افراد المجتمع المتنوعين في أعراقهم وثقافاتهم وأديانهم وتاريخهم، الاندماج في تكتل جمعي واحد ليحملوا هوية كلية موحدة. هذه الممارسات كانت سائدة في المجتمعات ذات الأنظمة الشمولية والدكتاتورية والطائفية والدينية والتقليدية، استمرت هذه الممارسة لعدة عقود من الزمن وكانت عمليتهم هذه معارضة ومخالفة للتنشئة الثقافية العرقية والدينية، لأن الانتماء الثقافي الاجتماعي هو القاعدة الرصينة في حياة الأفراد التي تختلف عن الانتماء السياسي أو الإداري أو الإقليمي الذي يكون هدفه مصلحي وانتهازي لا يقدر ان يزيل الانتماء العرقي أو الثقافي الطائفي قسراً في الهوية الوطنية أو السياسية، لكنها فشلت في نهاية المطاف لأن الدمج الثقافي في بناء هوية كلية موحدة لا يصلح على الصعيد العملي والتطبيقي لأن الاختلافات بين الجماعات بارزة وظاهرة في سلوكهم وتفكيرهم ووعيهم. فضلًا عن ظهور متغيرات عصرية متفتحة ومؤمنة بالانتماءات الثقافية والعرقية والطائفية والدينية واحترام وجودها وقيمها وتقاليدها مثل حركة حقوق الإنسان والأحزاب الوطنية والناشطين السياسيين وظهور العولمة الجديدة المقترنة مع المخترعات التقنية المتجاوزة للحدود الوطنية والابتكارات في الاتصالات الفورية وثورة المعلومات، جميعها أثرت تأثيرًا فعالاً في تفتيت الدمج القسري الذي مارسته الأنظمة السياسية الشمولية الدكتاتورية والطائفية مما جعلها التمييز بين ثلاثة هويات للفرد وهي الشخصية والاجتماعية والثقافية وبعملها هذا أزاحت هيمنت الاستعمار المجتمعي على الفرد وألزمت المجتمع على احترام خصوصية المواطن وثقافته الاجتماعية التي تنشأ عليها في أسرته ومجتمعه المحلي. بعد هذا الاستهلال أدلف الى مدار هوية الفرد إذ له ثلاثة أنواع من الهويات في العصر الحالي (في القرن الحادي والعشرين) الأولى: “هويته الذاتية الشخصية” المعّبرة عن تصميمه وتخطيطه في بنائها في عمله ومواقفه وآرائه وجنسيته وعضويته الحزبية والثقافية والنقابية واختصاصه التعليمي ومكان اقامته وهواياته وهو حُر في تغييرها أو تعديلها. لأن هذه الميول والاهتمامات والانتماءات يحددها الفرد ذاته دون تدخل شخص أخر فيها. ثم هناك “هويته الاجتماعية” التي تنطوي على تفاعلاته وعلاقاته الشخصية مع الأخرين ومناشطه الاجتماعية والترفيهية وهو حُر في تغييرها أو تبديلها. ثم هناك “هويته الثقافية” المنطوية على تنشئته السلوكية واكسابه المعايير والقيم والتقاليد والأعراف واللغة والدين. وأسلوب الهوية لا يكون فيها الفرد حُراً في تبديلها أو تغييرها لأنها مرتبطة بجماعة ولِدَ فيها وتعلم ثقافتها ويحمل نفس لون بشرة افرادها فبذرت بذورها في وعيه الباطني فلا يقدر التنصل منها بسهولة لأنه تطبع بطبائعها.

فالفرد العراقي على سبيل المثال لا الحصر، لديه هويته الشخصية المعّبرة عن مزاجه وذوقه وأسلوبه في التعبير ولهجته في التخاطب وانتماءه للفرق الرياضية أو للحزب السياسي أو اختيار شريك حياته أو شريك حياتها دون ممارسة اية ضغط عليه من الأخرين. ويمتلك هوية اجتماعية عراقية معبرة عن النمط العراقي في السلوك كالانفعال السريع والمبالغة في تصوير الاحداث وحبه للعشرة مع الأخرين والاستمتاع بحضوره خارج المنزل في المقهى أو النادي وطربه بالمغنى العراقي وسواها. بذات الوقت يملك هوية ثقافية عربية تنطوي على مشاعره القومية والنزعة للوحدة العربية وتقديسه للرموز السياسية الوطنية والقومية واطلاعه على التاريخ الإسلامي والعربي والمشاركة في الاحتفالات الدينية والقومية وسواها.

كذلك لا جرم من القول بإنه في أغلب الأحيان تؤثر الهوية الثقافية على الهوية الشخصية والاجتماعية للفرد في مسيرة حياته وبالذات يحصل هذا التأثير بشكل مؤثر جداً في المجتمعات التقليدية أكثر من المجتمعات المتحضرة. الملاحظ هنا أن الفرد يعتز بهويته الثقافية عندما يواجه استعلاءً عليه من جماعات وثقافات مختلفة عن ثقافته أو احتقارها أو تعصبها ضده هنا تتسارع آليات الثقافة بالتمسك بضوابطها وطابعها المميز فتؤكد على أفرادها بالتماثل مع ضوابطها وهيبتها وتقاليدها وعدم الخروج عنها فتمسي اطاراً مرجعياً لأبنائها وحصناً منيعاً للاحتماء بها والشعور بالتضامن النفسي والاجتماعي. هذه إيجابية الثقافة يسميها علماء الاجتماع بـ (الهوية الجمعية الموحدة) Collective Identity لأنها تركز على التمسك بها والاعتزاز بعرقها أو رسها أو طائفتها والافتخار بها من خلال معرفة تاريخها واصولها العرقية ومكانها في البناء الاجتماعي والتفني بفنونها والاعجاب بأفكارها ومبدعيها.

لكن قبل قرن الحادي والعشرين كانت هناك محاولة في المجتمع الأمريكي سميت بالخلاط الثقافي melting pot لأنه متكون من عدة اعراق مختلفة (الأبيض والأسود والأسمر والأصفر) وكانت المشاحنات والنزاعات والمصادمات اليومية تحدث بينهم فأرادت الحكومة الأمريكية صهر هذه في العمق النفسي والذهني والديني والذوقي وطريقة العيش لكنها فشلت (الحكومة الأمريكية) كلياً بل زادت من الاضطرابات والتمردات والتصادمات بين البيض والزنوج وكلما تريد الحكومة الأمريكية معاقبة المتمردين على التميز العنصري زادت اضطرابات المجتمع الأمريكي العنصرية وزاد كره الاجناس بعضها مع البعض الأخر لأنه في الواقع من الممكن دمج أو ربط الجماعات الاجتماعية بمجتمع واحد وبلد واحد، إنما لا يمكن دمج أو ربط الثقافات الاجتماعية بثقافة واحدة أو صهرها ببودقة الثقاة الواحدة… هذا مالا تفهمه الحكومات والأنظمة السياسية لأنها تعتقد بإنه بالإمكان دمجها مثلما تدمج الجماعات الاجتماعية في بطاقة الأحوال المدنية (البطاقة الوطنية). نفس الخطأ قامت به الحكومة الصينية التي أرادت صهر كافة الأقليات العرقية والرسية في بودقة الثقافة الصينية أو بودقة الحزب الواحد الحاكم. ففشلت فيما بعد فاستقبلت اقلياتها في بداية القرن الحادي والعشرين. كذلك النظام السوفيتي الذي حاول دمج الأعراق والأرساس لمدة سبعين عاماً مثلما دمجوا افرادها في بودقة الحزب الشيوعي الحاكم لكنها فشلت فتفتت هذه البودقة ورجعت كل ثقافة عرقية ورسيه الى طبيعتها الأصلية تمارس هويتها الثقافية مثل أذربيجان وتركستان والقوقاز والأرمن والجورجيين وفشلت الحكومة الأمريكية كذلك وبرز فشلها في المهرجانات الوطنية والمحلية فظهرت هذه الأقليات معبرةً عن تقاليدها الموروثة في لباسها ولغتها وزيها مستعرضة طابعها ولونها أمام الناس دون أن تنصهر في البودقة الثقافية الأمريكية أي أظهرت خصوصيتها الثقافية.

    نقول ان محاولة صهر أو دمج الثقافات العرقية والرسية والطائفية في بودقة ثقافية واحدة أمر غير ممكن ولا يحصل بل يفشل إنما يمكن ان تتعايش جماعات هذه الثقافات العرقية معاً في مجتمع واحد وبلد واحد وتحت حكم واحد إذا لم يحصل عندهم تمييز عنصري لأن التمييز العنصري يؤدي الى ما يلي: –

    1 – معادات التطور الاجتماعي.

   2 – معادات للأنسقة المتطورة والمتقدمة.

   3 – تحطيم الكفاءات والمؤهلات في العمل والإبداع والعلم.

   4 – المبالغة في تسليط الضياء على عيوب الأخرين واخطائهم القديمة والحديثة وإطلاق مسميات ازدرائيه واحتقاريه مثل مسميات وصمية يطلقها أبناء الثقافة الموحدة والجمعية على العرقية مثل في بريطانيا يطلق البريطانيين عبارة Pankis على المهاجرين في الهند وباكستان وبنغلاديش. ويطلق الامريكان على السود بعبارة (نكر، زنجي، أمريكي من أصل افريقي) وعلى الهنود الحمر عبارة (زنجي أحمر) والأفراد من أمريكا اللاتينية بـ (اللاتينو Hispanic) للإشارة على انه من الدومنيكان أو الأرجنتينين أو المكسيك أو البرازيل وغيرها، بل حتى الأمريكان يكنوا بعضهم بعضًا بمسميات مثل (يانكي) و (انجلو) و (وسط شرقي) لكن عندما يسافر الأمريكي الى أوروبا لا تتم تسميته بهذه المسميات.

   5 – يقف حاجزًا كبيرًا أمام النقد البناء.

   6 – حصاده يتمثل في: الكراهية والتفرقة والاختلافات والتكبر والغرور والكسل وتزوير الحقائق والحسد وتحطيم الكفاءات والمعنويات.

وقد شاهدنا انعكاسات التعصب العنصري الذي يؤكد التركيز على التماهي والتماثل مع الثقافة العرقية أدى الى نشوء صراعات دامية بين البروتستانت والكاثوليك في ايرلندا الشمالية وبين الصرب والكروات في البلقان والكرد والعرب في العراق وسوريا وتركيا وبين المسلمين والهندوس في الهند وباكستان.

   مؤدى ذلك التأكيد الثقافي والولاء المتناهي مع الثقافة العرقية يؤدي الى التمييز العنصري الذي يصل في نهاية المطاف الى الصراع الدامي والتفرقة الاجتماعية والوطنية بين أبناء البلد والمجتمع الواحد وتوسيع الفجوة العرقية والطبقية. لكن في بداية هذا القرن ومع مؤثرات التقدم التكنولوجي السريع والعولمة ومؤثراتها على التجارة العالمية واختراقها للحدود الوطنية حصل تأكيد على عدم الالتزام والأخذ بالهوية الثقافية الجمعية الموحدة التي كانت تريد صهر ودمج الأعراق والارساس في بودقة الثقافة الواحدة فشجعت على تحرير واستقلال الثقافات العرقية.

     ثم جاءت مؤثرات حركة حقوق الإنسان التي حاربت صيرورة الاستيعاب أو الهضم الثقافي والمجتمعي فدافعت على الهنود الحمر والإيطاليين والأيرلنديين والبولنديين وشعوب أمريكا اللاتينية التي تعيش في أمريكا فخرجت جماعات هذه الثقافات مطالبة بعدم التميز العنصري من قبل البيض. وحصل مثل هذا في البلدان الأفريقية التي استقلت سياسياً عن الاستعمار الأوروبي. ثم قامت حركة حقوق الإنسان مرة ثانية بدعوتها المؤكدة على التحلي بالمعاملة الحسنة والوطنية مع الأقليات في المجتمع الواحد مؤكدة على عدم هضم واستيعاب الأرساس والأعراق في بودقة الثقافة الواحدة بل أكدوا على التسامح معهم والاعتراف بهم عندما يفتخروا بأصولهم وثقافتهم. وهذا ما حصل في ليبيريا والبوسنة والهرسك والكنغو.

    ديدني من هذا العرض هو القول بإن مسألة بناء هوية جمعية موحدة لكل الأعراق والأرساس ودمجهم في بودقة واحدة يهدف صهرها لهي تجربة فاشلة وفاسدة ومدمرة. هذا من جانب ومن جانب أخر هناك استغلال الناشطين السياسيين والحزبيين في دعم عدم الانصهار الثقافي بل الاحتفاظ بثقافتهم والتماهي معها من أجل كسب أصواتهم الانتخابية (البلدية والبرلمانية) لا حبًا في ثقافتهم أو عرقهم. شاهدنا هذه الحالة الانتهازية المداهنة الرخيصة عند المرشحين للانتخابات النيابية في العراق أبان الحكم الشيعي بعد عام 2003 ولغاية الان وهذا برهان واضح على تفاهتهم ورخص اسلوبهم الذين استغل سذاجة الناخبين من طائفتهم وابتزازهم بدون حياء.

     زبدة القول: هو ان المبالغة في التأكيد والتأثير الثقافي على أفرادها بشكل متطرف شيء جديد ونافع لأنه يرقي من الاعتزاز القومي أو الرسي عند الأفراد ويعزز تضامنهم وتكافلهم وعيشهم بأمان وسلام. لكن بنفس الوقت له تأثير سلبي جانبي على افراده وهو التعصب لثقافته وجماعته يجعلهم عرضه للانزلاق في منازعات وصراعات مع أبناء الثقافات الأخرى فالأفضل هو التسامح والاعتدال بالتعامل مع الثقافات الأخرى وعدم الاستعلاء أو الازدراء او الاحتقار لهم لكي يحصل تناغم وانسجام بين أبناء الثقافات المتباينة وان يكونوا واعين وحذرين من ابتزاز واستغلال الساسة المتثعلبين في استخدام أصواتهم في انتخابات البلدية أو البرلمانية في المجتمعات الحضرية والصناعية وان يطلعوا ويدرسوا تاريخ الثقافات الأخرى لكي يتعرفوا عليها ويحترموا نواميسها وضوابطها العرفية.

للمزيد من المعلومات عن التمييز العنصري وتأثيره السلبي على الثقافات الاجتماعية نقدم الطروحات التالية: –

التفسيرات السكولوجية والسوسيولوجية للتفرقة الأثنية

 ورغم محاولات علماء الاجتماع الدؤوبة تفسير تلك الظاهرة ودراستها وتحديد أطرها ومنشؤها وأساليب مكافحتها لتخفيف أثارها السلبية وتهذيبها ولمحاولة الانتقال إلى مرحلة جديدة من مراحل التطور البشري تنتفي معها التفرقة بين الناس على أساس العرق أو الدين أو اللغة أو اللون أو الجنس ليتفرغ الناس لما فيه صلاح وأنسنة هذا العالم المترامي الأطراف. وإن ما يدعونا حقيقة للاستغراب هو عدم قدرة الشعوب المتقدمة منها أو المتخلفة على تجاوز هذه العقدة فحتى الدول المتطورة التي خطت أشواطا كبيرة في مجال الحريات وحقوق الإنسان والديمقراطيات لا تزال تعاني من تلك الظاهرة حتى يومنا هذا وتاريخها حافل بالمآسي المخجلة التي يندب لها جبين البشرية وإن كان بوطأة أقل من دول العالم الثالث. ورغبة منا في محاولة تفسير هذه الظاهرة بكامل أبعادها تجنبا لإثارها السلبية ومحاولة للارتقاء نحو إنسانية أفضل فإننا نبدأ أولا بدراسة المقصود بالأقلية والإثنية والجماعة الإثنية ثم نبحث في أسباب التمييز والتحيز والعنصرية ثم نختتم بدراسة الأسباب والتفسيرات السيكولوجية والسوسيولوجية لتلك للتفرقة الاثنية.

العرقية

يمثل العرق واحدا من أكثر المفاهيم تعقيدا في علم الاجتماع نظرا للتناقض بين استخداماته في الحياة اليومية من جهة وغياب الأسس العلمية الموضوعية لمعانيه ودلالاته من جهة أخرى كما أن كثيرا من الناس يجانبون الصواب في أيامنا هذه عندما يميلون إلى تصنيف البشر على أساس انتمائهم إلى أعراق مختلفة بفعل العوامل البيولوجية وليس من الغريب حدوث هذه المغالطة لأن العلماء والباحثين قاموا بعدد كبير من المحاولات لتصنيف شعوب العالم إلى فئات مختلفة وقام عدد من الدارسين بالتمييز بين الناس بوضعهم في أربع أو خمس فئات بينما استحدث علماء آخرون ما يزيد على ثلاثين فئة.

ظهرت المحاولات العلمية الأولى في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر وكانت بمجملها تحاول تبرير النظام الاجتماعي بعد انتشار السيطرة الاستعمارية أو الأوروبية إلى مناطق وشعوب أخرى في العالم وطرح الكونت “جوزيف آرثر دو غوبينو” (1816-1882) الذي يعتبر عميد المدرسة العرقية العنصرية نظريته التي قسم بها الشعوب إلى ثلاثة أعراق الأبيض القوقازي والأسود الزنجي والأصفر المنغولي وكان هذا الدارس يرى أن لدى العرق الأبيض صفات متفوقة من حيث الذكاء والسمو الأخلاقي والإرادة وهذه الصفات الارثية هي التي أدت إلى بسط المجتمعات الغربية سيطرتها على العالم أما السود فهم يحتلون في المقابل مرتبة دنيا في قدراتهم ويقتربون من المرتبة الحيوانية في افتقارهم للقيم الأخلاقية والاكتفاء العاطفي وقد ترددت أصداء هذه الآراء في نزعات عنصرية وعرقية لاحقة مثل حركة أدولف هتلر النازية في ألمانيا والحركات التي شاعت في أوساط البيض مثل حركة كوكلوس كلان في الولايات المتحدة الأميركية وآباء النظام العنصري في جنوب أفريقيا قبل انهيار نظام الأبرتايد في مطلع التسعينات بعد نضال طويل قام به الأفارقة بزعامة نيلسون مانديلا وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية تهاوت جميع المحاولات النظرية العرقية التي تعلي من خصائص الرجل الأبيض وتبرر تفوق البيض والمجتمع الغربي عامة على الأعراق الأخرى.

الإثنية

فيما يوحي استخدام مصطلح العرق بدلالات ومعان عنصرية قائمة على أصول بيولوجية ثابتة فإن مفهوم الإثنية يحمل معنا اجتماعيا خالصا فالإثنية تشير إلى مجمل الممارسات الثقافية والنظرة التي تمارسها أو تعتنقها جماعة من الناس وتتميز بها عن الجماعات الأخرى ويعتقد المنتمون إلى جماعة إثنية أنهم يتميزون من الوجهة الثقافية عن الجماعات الأخرى في مجتمع ما وتعمل الخصائص المختلفة على تمييز الجماعات الإثنية إحداها عن الأخرى ومن أبرز هذه السمات المميزة: اللغة أو التاريخ أو السلالة والدين وأساليب اللباس والزينة، والفوارق الإثنية هي مما يجري تعلمه واكتسابه في سياق اجتماعي بصورة كلية وليس ثمة جانب فطري أو غريزي في الخصائص الإثنية فهي كلها ظاهرة اجتماعية خالصة يجري إنتاجها وإعادة إنتاجها على مر الزمن.

مفهوم الجماعة الاثنية

من المفهومات الرئيسية في العلم الاجتماعي مفهوم الجماعة العرقية أو الإثنية فكلمة إثنية مشتقة من أصل يوناني (ETHNO) بمعنى شعب أو أمة أو جنس وفي العصور الوسطى كان يطلق هذا اللفظ في اللغات الأوروبية على من هم ليسوا مسيحيين أو يهودا، ولكن في العصور الحديثة أصبح اللفظ يستخدم في العلوم الاجتماعية ليشير إلى جماعة بشرية يشترك أفرادها في العادات والتقاليد واللغة والدين وأيّ سمات أخرى مميزة بما في ذلك الأصل أو الملامح الفيزيقية الجسمانية ولكنها تعيش في نفس المجتمع والدولة مع جماعة أو جماعات أخرى تختلف عنها في إحدى هذه السمات. وملاحظة التمييز في هذه الصفة أو الصفات المشتركة في أفراد جماعة معينة وتباينها عن جماعات بشرية أخرى ينطوي على عنصر ذاتي وعنصر موضوعي – العنصر الموضوعي هو وجود الاختلاف  أو التباين بالفعل في أيّ من المتغيرات المذكورة أعلاه (اللغة – الدين – الثقافة – الأصل القومي – المكاني – السمات الفيزيقية ) أما العنصر الذاتي فهو إدراك أفراد الجماعة وإدراك الجماعات  الأخرى القريبة منها لهذا التمايز والتباين وهو يؤدي إلى الشعور بالانتماء إلى جماعة معينة في مواجهة الجماعات الأخرى.

وقد تتفاوت درجات كل من العنصرين الموضوعي والذاتي من موقف إلى آخر ومن مرحلة تاريخية إلى أخرى فالتباين الموضوعي في اللغة مثلا قد تتفاوت درجاته من الاختلاف الكامل (الأرمنية – العربية) الى الاختلاف الطفيف في اللهجات وفي إطار نفس اللغة (اللهجة العراقية – المصرية – المغربية) ويصدق الشيء نفسه على التباين بين الديني الذي تتفاوت درجاته من الاختلاف الهائل (ديانات سماوية – ديانات غير توحيدية) الى اختلاف أقل درجة مثل التباين داخل الديانات التوحيدية (التباين بين الإسلام واليهودية والمسيحية) الى اختلاف مذهبي أقل مثل (البروتستانتية – الكاثوليكية) في المسيحية.

والمهم من وجهة نظر التفاعل والعلاقات بين الجماعات الإثنية ليس هو عنصر التباينات الموضوعية أو درجة تفاوتها بل ما قد يترتب عليها من حدة في الإدراكات الذاتية ومن مواقف واتجاهات اجتماعية سياسية وانعكاس ذلك في أنماط السلوك والعلاقات تجاه الجماعات الإثنية الأخرى المجاورة لها أو المتفاعلة معها فقد يكون الاختلاف الموضوعي في أيّ من المتغيرات الإثنية كبيرا ولكن أفراد الجماعات المتفاعلة أو المتجاورة لا يضفون على هذا الاختلاف أهمية تذكر.

الأقلية والأقليات

يشيع استخدام مصطلح الأقليات في أوساط علماء الاجتماع المحدثين لا للدلالة على الحجم العددي أو الإحصائي لفئة معينة من السكان، ففي المفهوم الإحصائي العددي يشار إلى الأقلية باعتبارها دلالة على فئة متميزة بخصائص معينة يقل حجمها عن مجموع عدد السكان العام مثل فئة العمر (80 – 70 سنة) أو فئة من يزيد طوله عن 2 م وكثيرا ما تضاف صفة الإثنية بعد مصطلح الأقلية لتمييز مجموعة ما من الوجهة الاجتماعية بخصائص معينة سواء منها ما يتعلق بالسمات الثقافية وربما القيمية أو بصفات جسمانية.

ويميل علماء الاجتماع إلى النظر إلى الأقليات الإثنية التي تعيش في المجتمعات الغربية عموما باعتبارها جماعات مستضعفة ولكنها تحافظ على قدر كبير من التضامن والانتماء فيما بينها كما أن بعض الباحثين يستخدمون مصطلح الأقلية لا بمعناه الأدبي أو الإحصائي بل بمعنى خضوع هذه الفئة الإثنية لسيطرة فئة أخرى أقوى منها في هرم التراتب الاجتماعي ذلك أن مفهوم الأقلية الإثنية غالبا ما يحمل معنى الاستضعاف في مجتمع ما بينما يمثل هؤلاء أغلبية ساحقة في المجتمعات التي وفدوا منها عبر تاريخهم الحضاري.

التمييز والتحيز والعنصرية

في كثير من الأحيان ترتبط مظاهر استضعاف الأقليات الإثنية في نظر علماء الاجتماع بشيوع مواقف التمييز واللامساواة ضدها على المستويات الفردية والاجتماعية إلى أن تصل في بعض الأحيان إلى المستوى المؤسسي المتمثل بتطبيق القوانين والاستخدام في القطاعين العام والخاص أو مزاولة الأنشطة السياسية أو المهنية كما يشير علماء الاجتماع.

إلا أنه رغم تهافت الأسس العلمية الموهومة للتفوق العرقي واختفاء نظام الفصل العنصري في الولايات المتحدة الأميركية في الستينات وانهيار نظام التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا في مطلع التسعينات من القرن الماضي فإن العرقية أو العنصرية القديمة قد استعيض عنها في المجتمعات الغربية فيما يسمى العنصرية الجديدة، ويطلق أحد علماء الاجتماع على هذه الظاهرة اسم العنصرية الثقافية ويتمثل هذا الشكل الجديد في تغليب ثقافة معينة أو منظومة من القيم مع النظر بازدراء إلى ثقافات أو قيم تتبناها وتمارسها شرائح أخرى في المجتمع الواحد ويتجلّى ذلك في قوانين الهجرة المطبّقة في المجتمعات الغربية التي تستثني أو تقلل هجرة جماعات إثنية محدودة إليها أو التركيز في المجتمعات التي تدّعي التعددية الثقافية على ثقافة الأغلبية البيضاء مع الحط من قدر الثقافات والقيم التي تنتمي إليها مجموعات إثنية أخرى في المجتمع، أما العنصرية المؤسسية فهي في رأي كثير من الباحثين شائعة في المجتمعات الغربية وقد تغلغلت ورسّخت في بينة المؤسسات مثل الشرطة والخدمات الصحية والمدارس وكثير من معاهد الدراسة العليا ومراكز الاستخدام في القطاعين العام والخاص.

التفسيرات السيكولوجية للتفرقة الاثنية

هناك مقاربتان نظريتان في علم النفس قد تساعدان على فهم التوجهات المتميزة والأسباب التي يعلّق كثير من الناس من أجلها أهمية خاصة على الفوارق الإثنية. وتعتمد المقاربة الأولى على أن التمييز يدور في أساسه من خلال النمذجة أو التفكير التنميطي أي إسباغ خصائص ثابتة أو متصلبة على جماعة بشرية ما فقد يلجأ الأفراد أو حتى الجماعات إلى نماذج أو أنماط وقوالب جاهزة للتعبير عن كبش فداء لأفعال وتصرفات لا علاقة لهم بها وينتشر لوم الضحية أو استخدامها كبش فداء في الأوضاع السياسية التي قد يغالي فيها الطرف الأقوى في فرض سطوته على فئة مستضعفة ويشيع موقف التمييز هذا تجاه الجماعات الإثنية والأفراد نظرا لسهولة استخدامهم من جانب الفئات أو الأفراد الأكثر سطوة وقوة.

وعلى مستوى النزعات وأنماط السلوك الفردي ترى المقاربة النفسية الثانية أن هناك نوعا من الناس تتحكم فيهم اعتبارات تنشئتهم الاجتماعية المبكرة وتجعلهم ميالين أكثر من غيرهم إلى التفكير التنميطي أو الإسقاطي الذي يمثل نزعة الفرد إلى إسقاط رغباته وفورات مزاجه ولحظات غضبه على الآخرين وتبرز في هذا السياق الدراسة الشهيرة التي أجراها “تيودور أدورنو” وزملاؤه قبل أكثر من نصف قرن عن الشخصية التسلطية.

التفسيرات السوسيولوجية للتفرقة الإثنية

إن الآليات السيكولوجية التي استعرضناها توجد بين أعضاء جميع المجتمعات وتساعدنا في تفسير أسباب انتشار العداوات الإثنية في مختلف الثقافات غير أنها من جهة أخرى لا تعطينا إلا القليل في معرض إيضاح العمليات الاجتماعية التي تتضمنها التفرقة وهنا يجيء دور الأفكار التي طرحها علماء الاجتماع لتفسير هذه العمليات حيث تدور التصورات السوسيولوجية عن الصراع الإثني على المستوى العام في ثلاثة محاور هي التمركز الإثني وانغلاق الجماعة الإثنية وتخصيص الموارد. وتشير ظاهرة التمركز الإثني إلى التوجس والشك تجاه الأجانب مقرونا بالميل إلى تقييم ثقافات الآخرين بمعايير ترتكز على ثقافة الجماعة الأولى نفسها. وتظهر جميع الثقافات تقريبا هذه النزعة إلى التمركز الإثني الذي يلازمها في أحيان كثيرة الميل إلى التفكير التنميطي وفي هذه الحالة ينظر إلى الأجانب باعتبارهم غرباء وبرابرة أو منحطين أخلاقيا وهذه هي الطريقة التي نظرت فيها أكثر المدنيات إلى أبناء الثقافات الصغيرة مما أدى إلى مصادمات إثنية لا حصر لها عبر التاريخ. وقد يسير التمركز الا إني جنبا إلى جنب مع انغلاق الجماعة الذي يشير إلى محافظة المجموعة على الحدود الفاصلة بينها وبين الآخرين ويجري تشكيل هذه الحدود عن طريقة وسائل إقصائية تحدد وترسخ حواجز الفصل بين مجموعة إثنية وأخرى.

وتشمل هذه الوسائل حظر التزاوج بين الجماعات وفرض قيود على العلاقات الاقتصادية والتجارية أو بناء الحواجز المادية بين الجماعات كما في حالات الغيتو والفصل العنصري، وفي بعض الأحيان تقوم الجماعات المتساوية في القوة والنفوذ بوضع حدود الانغلاق بصورة مشتركة إذ يقوم أعضاء كل من الفئتين بالحفاظ على مسافة بين الجماعتين دون أن تقوم أيّ منهما بمحاولة فرض سيطرتها على الآخر غير أن الأكثر شيوعا هو أن تهيمن مجموعة إثنية على أخرى من خلال تخصيص الموارد في المجتمع مما يسفر عن مأساة اللامساواة في توزيع الثروة والمكاسب المادية.

ومن جراء خطوط الانغلاق هذه تنشأ أعنف الصراعات بين الجماعات الإثنية لأن هذه المعالم هي التي تدل على حالة اللامساواة والتفاوت في توزيع الثروة والسلطة والمنزلة الاجتماعية ويساعدنا مفهوم الانغلاق الإثني على فهم الفوارق المختلفة الظاهرة منها أو الخفية التي تفصل بين الجماعات فهي لا تشرح لنا أسباب إطلاق النار أو السحل أو الضرب أو التحرش الذي قد تتعرض له إحدى الجماعات فحسب بل توضح لنا الدوافع التي تحرم أعضاءها من الحصول على وظائف أو مناصب مناسبة أو تعليم لائق أو مكان ملائم للسكن والإقامة. فقد تقوم الجماعات التي تتمتع بهذه الامتيازات بأعمال بالغة العنف تجاه الآخرين للمحافظة على موقعها المتميز كما أن الجماعات المستضعفة تتحول إلى العنف بالمثل في محاولة تحسين أوضاعها.

وحاول بعض الدارسين تتبع النزعة العنصرية إلى أصولها في الثقافة العامة في المجتمع مع الإشارة إلى أن هذه الظاهرة تمثل استجابة طبيعية من جانب القوى الاجتماعية المحافظة في أوقات التغيير وعدم الاستقرار، وترى التفسيرات الثقافية في العنصرية شكلا من أشكال الدفاع ضد استحداث العادات أو اللغات أو أساليب العيش التي تهدد الوضع الراهن غير أن مثل هذه التفسيرات لا تفي بالغرض لأنها لا توضح لنا ارتباط النزعة العنصرية بالبنى والقوى الفاعلة على مستوى المجتمع بمجمله لا على مستوى الأفراد فحسب.

وفي المقابل تعنى نظريات الصراع بدراسة الصلة بين العنصرية والتمييز من جهة وعلاقة القوة واللامساواة من جهة أخرى وكانت أوائل المقاربات الصراعية لقضية العنصرية متأثرة إلى حد بعيد بالنظرة الماركسية التي تعتبر النظام الاقتصادي هو العامل المحدد لجوانب المجتمع الأخرى. ويرى بعض المتطرفين الماركسيين أن العنصرية هي من نتائج الرأسمالية وينتقدون الطبقة الحاكمة التي استخدمت العبودية والاستعمار والعنصرية العرقية بوصفها أدوات استغلال الطبقة العاملة غير أن الماركسيين الجدد يختلفون مع سابقيهم في هذه النظرة التي يعتبرونها متزمتة وساذجة ويرون أن العنصرية ليست حصيلة للقوى الاقتصادية بمفردها. وتطرح مجموعة من هؤلاء الدارسين أراء أخرى حول نشوء العنصرية وفي حين يقرون بأن الاستغلال الرأسمالي للعمال هو واحد من الأسباب فإنهم يشيرون إلى مجموعة من المؤثرات التاريخية والسياسية التي أدت إلى ظهور أنواع جديدة من العنصرية في بريطانيا في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي ويرى هؤلاء أن العنصرية ظاهرة مركبة متعددة الوجوه تشمل التفاعل بين المواقف والمعتقدات التي تحملها الكيانات الإثنية والطبقات العاملة. ويضيف هؤلاء أن مجال النزعة العنصرية هو أوسع بكثير من الأفكار القمعية التي تحملها وتمارسها النخب القوية ضد الجماعات الملونة التي لا تدخل في عداد الجنس الأبيض.

التكامل الإثني والصراع الإثني

تتميز كثير من دول العالم اليوم بتركيبة اجتماعية متعددة الإثنيات وقد تكون هناك أصول تاريخية لهذا العقد الإثني سواء في جوانبه الخفية أو المعلنة ويصدق ذلك على المجتمعات الأميركية الأوروبية وعلى مجتمعات كثيرة في آسيا وأستراليا وأفريقيا، وقد تزايد تعدد الإثنيات في بعض المجتمعات الحديثة في أعقاب السياسات التي انتهجتها خلال العقود الأخيرة لتشجيع الهجرة إليها أو بسبب السياسات الاستعمارية التي مارستها بعض الدول الأوروبية على أراضي شعوب أخرى في آسيا وأفريقيا خلال القرون الثلاثة الماضية.

ومع تسارع العولمة وعمليات التغير الاجتماعي في عالمنا المعاصر فإن التنوع الإثني وما ينطوي عليه من فوائد وتعقيدات يطرح تحديات جدية أمام أعداد متزايدة من البلدان، فالهجرة العالمية آخذة بالتزايد مع توسع عمليات التكامل في الاقتصاد العالمي كما أن تحرك التجمعات البشرية واختلاطها بعضها ببعض لا بد أن يشهد مزيدا من كثافة التفاعل بين الشعوب في المستقبل. ومن جهة أخرى فإننا نشهد تصاعد التوترات الإثنية في كثير من مجتمعات العالم وقد أدى بعضها بالفعل إلى تفكيك الكيان السياسي والاقتصادي في دول كانت تضم جماعات إثنية متعددة مثل بعض دول البلقان، كما أن بعض هذه الدول مثل يوغسلافيا سابقا شهدت ما أصبح يعرف بسياسة التطهير العرقي التي تقوم في جوهرها على خلق مناطق متجانسة ومتشابهة إثنيا بعد طرد الجماعات الأخرى المغايرة لها وتهجيرها من أراضيها. وقد نفذت هذه السياسات العرقية الإثنية عندما قام الصربيون بطرد عشرات الألوف من المسلمين من كرواتيا عام 1992 وتهجيرهم واغتصاب نسائهم وسلب ممتلكاتهم، وقد شنت الحرب في كوسوفو عام 1999 بعد قيام القوات الصربية بممارسة التطهير العرقي على المسلمين الألبان وتهجيرهم من موطنهم في ذلك الإقليم. وكان من نتائج الصراع الإثني في البوسنة وكوسوفو أن تحول النزاع الإثني إلى قضية عالمية وإلى هجرة مئات الآلاف من اللاجئين إلى الدول المجاورة.

التصنيف الحركي للجماعات الإثنية

هناك نظام تصنيفي للجماعات الإثنية لا يتوقف عند المتغيرات الهيكلية التي ينشأ عنها التنوع الإثني ولا عند ولادة نمط العلاقات السائدة بين هذه الجماعات الإثنية في نفس المجتمع بل يمضي إلى ما تحدثه من حركات اجتماعية سياسية داخل كل جماعة وبين هذه الجماعات ونقطة البدء في التصنيف الحركي هي عدم قبول الجماعات الإثنية لوضعها الراهن في المجتمع وتمرّدها على نمط العلاقات السائدة فيه بينها وبين غيرها من المجتمعات.

عدم القبول أو التمرد قد تختلف أو تتعدد أسبابه كما قد تختلف أشكاله ودرجاته ولكنه حين يتبلور في تيار هادف إلى تحقيق مرام معينة وحينما يتوفر لهذا التيار قيادة وحد أدنى من الإطار التنظيمي ويدخل فيه أو يلتف حوله عدد معقول من أفراد الجماعة الإثنية فإنه يتطور إلى حركة اجتماعية ويمكن تصنيف هذه الحركات على أساس ما تهدف إليه هو الأكثر جدوى:

الحركات الانصهارية: هنا تجد الصراعات الإثنية أن خاصية أو أكثر من خصائصها الهيكلية (الدين أو السلالة أو الثقافة)  تؤدي إلى عدم قبولها أو مساواتها مع الأغلبية بشكل كامل وقد تخلص إلى أن تفردها بهذه الخصائص الهيكلية هو المسؤول عن التعصب ضدها والتفرقة في معاملتها من جانب الأغلبية أو الجماعات الإثنية الأخرى. وطبقا لهذا الاستقراء يصبح هدف الجماعة مزدوجًا أولًا أن تتخلى بقدر الإمكان عن الصفات المميزة لها (مثل ثقافتها أو لغتها أو دياناتها الأصلية) وثانيًا أن تتبنى بقدر الإمكان كل الخصائص الهيكلية للأغلبية أو لجماعة إثنية أخرى تعتبرها أكثر حظا وأعلى مكانة في المجتمع، ويكون برنامج الحركة الاجتماعية الإثنية في هذه الحالة هو تشجيع أفرادها على التخلي عن مقومات إثنيتهم الأصلية من ناحية وإزالة العوائق والصعوبات التي تحول دون تبنيهم لخصائص الأغلبية أو الجماعة الإثنية المطلوب الالتحام بها والذوبان فيها. ويدخل في إزالة العوائق  والصعوبات إلغاء القوانين أو التقاليد التي تمنع التزاوج والمصاهرة والاختلاط والتفاعل المكثف  بين أفراد هذه الجماعة الإثنية وغيرهم من أفراد الأغلبية وأحيانا ترحب الأغلبية بذلك الهدف وتتعاون في تحقيقه وأحيانا أخرى ترفض وتعرقل هذا المطلب.

الحركات الاندماجية: عملية الاندماج الإثني هذه تفترض أن الجماعات الداخلة فيها متقاربة في السلطة والمكانة ولا تشعر إحداها بالاستعلاء أو التفوق على الجماعة أو الجماعات الأخرى لذلك لا تقف بينهم حواجز قوية في التفاعل المكثف أو الاستعارة الحضارية والثقافة المتبادلة بين الواحدة والأخرى. وربما كانت أهم آليات هذا الاندماج التكاملي هي التزاوج بين أفراد الجماعات الإثنية في نفس المجتمع وقد تكون دوافع ومبررات هذا الاندماج التكاملي هي المصالح المشتركة أو الإحساس بمخاطر مشتركة أو دعوة دينية أو أيديولوجية جديدة. والمؤرخون الاجتماعيون لنشأة الدول القومية يذهبون إلى أن نواة معظمها كان اتحادا بين العشائر والقبائل في رقعة جغرافية متجاوزة لأحد هذه الاعتبارات، وفي التاريخ الحديث توجد أمثلة عديدة للحركات الاندماجية بين الجماعات الإثنية حيث تؤدي إلى انبثاق وحدة قومية متجانسة ويمكن أن نذكر نيجيريا وباكستان وبنغلادش ولبنان كأمثلة لتلك المحاولات.

الحركات التعددية: النوع الثالث من الحركات الإثنية يهدف إلى احتفاظ كل جماعة بخصوصيتها الإثنية مع المساواة في الحقوق السياسية والمدنية ويطلق على هذه الأيديولوجية مذهب التعددية والذي ينطوي على رفض الذوبان والاندماجية والانفصالية السياسية والاستعلائية في آن واحد. ومن ناحية أخرى تؤمن هذه الأيديولوجية بقيمة الخصوصية الإثنية وبالتنوع الحضاري في إطار وحدة المجتمع السياسي. وبتعبير آخر تنطوي التعددية على نوع من الديمقراطية الإثنية أي المساواة في الحقوق والواجبات أمام القانون دون أن يكون ثمن ذلك تخلي أيّ جماعة عن خصوصيتها وتراثها وطريقتها في الحياة.

الحركات الاستعلائية: بعض الحركات الإثنية ولأسباب متعددة قد تنمّي بين أفرادها نزعة التفوق والاستعلاء على غيرها من الجماعات التي تعيش معها في نفس المجتمع، وفي نفس الوقت تدرك هذه الجماعة ذات الشعور الجمعي الاستعلائي أن مصالحها تملي عليها البقاء والتعايش في نفس المجتمع السياسي مع جماعات إثنية أخرى. وانطلاقا من ذلك تتبلور أيديولوجية صريحة أو ضمنية تؤمن بالتعايش مع عدم المساواة فهي لا تريد أن تنفصل الجماعات الأخرى عن المجتمع السياسي متعدد الإثنيات ولكنها في نفس الوقت لا تقبل مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات السياسية والمدنية ومن هنا يتركز نضالها حول الوصول إلى السلطة إن لم يكن قد تبوأتها بالفعل، وإذا كانت السلطة في أيديها فهي تريد احتكارها والاحتفاظ بها أو بنصيب الأسد منها.  وغالبا ما تقدم الحركات الإثنية الاستعلائية تبريرات أيديولوجية لأهدافها وممارساتها لاحتكار السلطة والتسلط على الآخرين قد تكون هذه التبريرات دينية (حقا إلهيا أو وعدا في كتب سماوية مثل مقولة شعب الله المختار) أو سلالية) تفوق العنصر الأبيض وتدني العنصر الأسمر أو الأسود في الذكاء والقدرات) أو ثقافية  (تفوّق الحضارة الغربية ورسالتها في التنوير وقيادة الأخرين. أو (اقتصادية) جماعة اثنية معينة هي التي تقوم بالدور الأهم في الإنتاج ودفع الضرائب وتمويل الدولة أو وطنية جماعة إثنية معينة أكثر التزاما وإخلاصا وأقوى دفاعا عن الكيان الوطني من غيرها من الجماعات) أو وجودية) جماعة إثنية تؤمن في قراره نفسها أو توحي للآخرين بأنه لا بقاء لها إذا تمتعت بمركز استعلائي في قمة السلطة وأياً كانت التبريرات فإنها تخلق ردود فعل معاكسة لدى الجماعات الإثنية الأخرى.

   ومع تسارع العولمة وعمليات التغير الاجتماعي في عالمنا المعاصر فإن التنوع الإثني وما ينطوي عليه من فوائد وتعقيدات يطرح تحديات جدية أمام أعداد متزايدة من البلدان. فالهجرة العالمية آخذة بالتزايد مع توسع عمليات التكامل في الاقتصاد العالمي كما أن تحرك التجمعات البشرية واختلاطها بعضها ببعض لا بد أن يشهد مزيدا من كثافة التفاعل بين الشعوب في المستقبل. ومن جهة أخرى فإننا نشهد تصاعد التوترات الإثنية في كثير من مجتمعات العالم وقد أدى بعضها بالفعل إلى تفكيك الكيان السياسي والاقتصادي خلال العقد الماضي في دول كانت تضم جماعات إثنية متعددة مثل بعض دول البلقان، كما أن بعض هذه الدول مثل يوغسلافيا سابقا شهدت ما يعرف بسياسة التطهير العرقي كما شهد القرن العشرين أحداثا وتطورات خطيرة تدخل في عداد الحروب والحملات الهادفة إلى إبادة شعوب أو جماعات إثنية بأكملها مثلما حدث للأرمن في أواخر عهود الإمبراطورية العثمانية ومثلما قامت به ألمانية النازية ومثل المذابح التي قامت بها الأغلبية في رواندا من قبائل (الهوتو) ضد الأقلية المتمثلة بقبائل (التوتسي)، كما كان من بعض نتائج الحروب والحملات هذه سقوط بعض الأنظمة السياسية واقتياد زعمائها إلى محاكم دولية بعد اتهامهم بجرائم ضد الإنسانية. [https://aljadeedmagazine.com]

التحيز العنصري ضد الأقليات

مما يدعو إلى الدهشة ونحن في القرن الحادي والعشرين وجود اتجاهات عنصرية من أي نوع ضد أقليات عرقية خاصة في بريطانيا. حول هذا الموضوع نشرت صحيفة (الجارديان) تقريرا مطولا وحصريا كتبه روبرت بوث وآمنه محمدين، بعنوان “دليل صارخ على التحيز العنصري اليومي في بريطانيا” جاء فيه أنه تم تحديد مدى التحيز العنصري الذي يواجهه المواطنون السود والآسيويون والأقليات العرقية في بريطانيا في القرن الحادي والعشرين في دراسة لم يسبق لها مثيل تظهر فجوة في كيفية معاملة الناس من مختلف الأعراق في حياتهم اليومية.
وشملت الدراسة التي أجرتها الصحيفة 1000 شخص من خلفيات عرقية تمثل أقليات، حيث كشفت عن مدى التحيز العنصري ضد السود والآسيويين والأقليات العرقية في بريطانيا، وأظهرت الدراسة وجود فجوة في كيفية معاملة الناس من مختلف الأعراق في حياتهم اليومية، حيث كانوا يواجهون دائما تجارب يومية سلبية مرتبطة بالعنصرية. ووجدت الدراسة أن 43% من هذه الخلفيات العرقية قد تم تجاهلهم في الترقية بالعمل بطريقة شعروا فيها بالظلم خلال السنوات الخمس الأخيرة، أكثر من ضعف نسبة البيض 18% الذين يتحدثوا عن التجربة نفسها.
وتشير نتائج الدراسة إلى أن الأقليات العرقية هي الأكثر تعرضا بمقدار ثلاث مرات لاحتمالات الطرد أو الحرمان من الدخول إلى مطعم أو حانة أو نادى في السنوات الخمس الأخيرة، كما أن أكثر من الثلثين يعتقدون أن بريطانيا تواجه مشكلة مع العنصرية. مع تركيز الدراسة على التجارب اليومية من التحامل التي يمكن أن تكون نتيجة انحياز لا يتم إدراكه. [https://www.omandaily.om]

التمييز الإيجابي

 هي اعتماد مبدأ الأفضلية أو بآليات إنعاش ملائمة في التعامل مع الأقليات، وهي السياسات التي تأخذ بعوامل (كالعرق واللون والدين والجنس والتوجه الجنسي أو الأصل)  في الاعتبار لكي تميز مجموعات مهمشة في التوظيف أو التعليم أو الأعمال، بعلَّة السعي لإصلاح التمييز الذي مورس ضدهم في السابق. وتختلف طبيعة سياسيات التمييز الإيجابي من دولة إلى أخرى، في بعض الدول مثل الهند يُستخدم نظام الحصص الذي تكون فيه نسبة معينة من الوظائف الحكومية والمناصب السياسية والمقاعد الدراسية محجوزة لأعضاء من مجموعة معينة، وفي بعض الدول الأخرى التي لا يتم استخدام نظام الحصص فيها، تكون الأفضلية للمنتمين إلى الأقليات أو تكون لهم اعتبارات خاصة عند عملية الاختيار. العديد من الدول مثل الهند تمنح الأفراد المنتمين إلى فئات محرومة الحجز السياسي ومناصب مهنية وتعليمية، وتختلف هذه النسبة حيث أنها تصل في الهند إلى 30 % ولكنها قد تصل إلى 70% في ولاية (تاميل نادو) فقط. وفي الولايات المتحدة، فإن التمييز الإيجابي في التوظيف والتعليم يعد موضع جدل على الصعيد السياسي والقانوني. في عام 2003 أصدرت المحكمة العليا في الولايات المتحدة (في قضيتي جرتر ضد بولينجر وجراتز ضد بولينجر) قرارات بالسماح للمؤسسات التعليمية باعتبار العرق عاملا عند قبول الطلبة لكنها حظرت استخدام نظام الحصص. وفي بلاد أخرى مثل المملكة المتحدة، فإن التمييز الإيجابي يعد غير قانونيا، إذ انه لا يتعامل مع جميع الأعراق بتساوٍ، ويوصف هذا النهج في المساواة على أنه “أعمى اللون”، وفي دول كهذه فإن التركيز يميل إلى أن يكون في ضمان تكافؤ الفرص، مثلا: الحملات الإعلانية الموجهة لتشجيع مرشحين من أقليات عرقية للانضمام إلى قوات الشرطة، ويوصف هذا أحيانا بـ “العمل الإيجابي”.

أصل المصطلح

استخدم المصطلح “التمييز الإيجابي” لأول مرة في الولايات المتحدة في الأمر التنفيذي 10925 ووقعه الرئيس (جون ف. كينيدي) في 6 مارس 1961، وقد استخدم لتعزيز إجراءات تهدف لعدم التمييز، واشتمل على بند ينص أن المتعاقدين الحكوميين “يجب أن يطبقوا التمييز الإيجابي لضمان توظيف المتقدمين ومعاملة الموظفين أثناء العمل دون النظر إلى عرقهم، عقيدتهم، لونهم أو موطنهم الأصلي”. في عام 1965 قام الرئيس “ليندون ب. جونسون” بسن الأمر التنفيذي 11246 الذي يشترط على أرباب العمل التابعين للحكومة باتباع سياسة “التمييز الإيجابي” للتوظيف بغض النظر عن العرق، أو الدين أو الأصل القومي، وهذا منع أرباب العمل من التمييز ضد الأفراد الذين ينتمون إلى الفئات المحرومة، وفي 1968، تمت إضافة نوع الجنس إلى قائمة مناهضة التمييز. هناك إجراءات مماثلة في دول أخرى مثل سياسة “التحفظ” في الهند و”التمييز الإيجابي” في المملكة المتحدة و”المساواة في العمل” في كندا.

الهدف

إن الغرض من التمييز الإيجابي هو تشجيع الفرصة المتساوية، ويكون في الوظائف الحكومية والمؤسسات التعليمية للتأكد من أن الأقليات في مجتمع تكون مضمنة في كل البرامج. يُبرر التمييز الإيجابي بأنه يساعد في تعويض التمييز والاضطهاد والاستغلال الماضي من الطبقة الحاكمة في الثقافة، وكذلك لتحديد التمييز الحالي. يعتبر أنصار سياسة التمييز الإيجابي، خاصة في الولايات المتحدة أن تنفيذ السياسة مبرر بسبب آثاره المتنوعة.

الحصص “الكوتا

تختلف قوانين الحصص والتمييز الإيجابي بشكل كبير من دولة إلى أخرى، وفي الهند تستخدم الحصص على أساس طبقي من أجل حجز المقاعد. لكن الحصص أو الكوتا غير قانونية في الولايات المتحدة. لا يمكن لرب عمل، أو جامعة أو أي جهة أخرى وضع أرقام محددة لكل عرق.

وفي عام 2012 وافقت مفوضية الاتحاد الأوروبية على خطة لجعل النساء يشكلن 40% في المجالس الإدارية الغير تنفيذية في الشركات الكبيرة بحلول عام 2020. في السويد، حكمت المحكمة العليا بأن التمييز الإيجابي والتحصيص العرقي في الجامعات يعتبر تفرقة وبالتالي فهو غير قانوني. ونص الحكم على أن المتطلبات في القبول يجب أن تكون متساوية للجميع. ذكر مستشار العدل، بأن الحكم لا يترك مجالا للشك.

المرأة

درست بحوث مختلفة تأثير التمييز الإيجابي على المرأة. وفي مراجعة قامت بها كورتولوس في عام 2012 للتمييز الإيجابي والترقية المهنية للأقليات والنساء بين عامي 1973 و2003 والتي أظهرت أن أثر التمييز الإيجابي على ترقية السود واللاتينيين والنساء البيض في الصعيد الإداري والمهني والمهن التقنية حصل بشكل رئيسي خلال فترة السبعينيات وأوائل الثمانينيات. خلال هذه الفترة رفع المتعهدون حصصهم من هذه الفئات بشكل أسرع من غير المتعهدين بسبب تطبيقهم للتمييز الإيجابي. لكن الأثر الإيجابي للتمييز الإيجابي اختفى تماما في أواخر الثمانينيات، الأمر الذي عزته كورتولوس إلى التباطؤ في الترقية المهنية للنساء وللأقليات بسبب التحول السياسي عن التمييز الإيجابي الذي بدأه الرئيس ريغان.

وعند حصول المتعهدين الفيدراليين فإن ذلك رفع حصة النساء البيض من المهن الاحترافية بـ 0.183 نقطة مئوية أو بـ 7.3%، والمتوسط خلال العقود الثلاثة، وقد رفع من حصة النساء السود بـ 0.052 نقطة مئوية أو 3.9%. وعند حصول المتعهدين الفيدراليين فإن ذلك زاد أيضا من حصة النساء اللاتينيات من المهن التقنية بمعدل 0.058 أو 7.7% وحصة الرجال السود في المهن التقنية بـ 0.109 نقطة مئوية أو 4.2%. ويمثل ذلك مساهمة كبيرة للتمييز الإيجابي في الاتجاهات العامة في النهوض المهني للمرأة وللأقليات على مدى العقود الثلاثة التي تمت دراستها. وفي دراسة أخرى قام بها كيم وكيم (2014) والتي تناولت تأثير أربعة عوامل رئيسية لدعم برامج التمييز الإيجابي للنساء: النوع الاجتماعي، العوامل السياسية، العوامل النفسية والبنية الاجتماعية، وجدوا أن “التمييز الإيجابي يصحح المعاملة الغير عادلة ويمنح النساء فرصا متساوية في المستقبل.”

السياسات العالمية

تنص الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري (في المادة 2.2) على أن سياسات التمييز الإيجابي قد يكون متطلبا على الدول التي وقعت على الاتفاقية، من أجل تصحيح التمييز المنهجي. تنص على أي حال، أن مثل هذه البرامج لا يجب أن تضمّن بأي حال كنتيجة لرعاية للحقوق غير المتساوية أو المنفصلة لمجموعات عرقية مختلفة بعد تحقيق الأهداف المرتبطة بها. تنص لجنة حقوق الإنسان/ الحيوان بالأمم المتحدة أن مبدأ المساواة يتطلب أحياناً أن تلتزم أحزاب الدول بالتمييز الإيجابي لكي تقلل أو تقضي على الحالات التي تتسبب أو تساعد في دوام التمييز الممنوع بالميثاق. مثلاً، في دولة ما عندما تكون الأوضاع العامة لجزء محدد من السكان يمنع أو يضعف استمتاعه بحقوق الإنسان، يفضل للدولة أن تتخذ إجراءً محدداً لتصحيح تلك الأوضاع. ذلك الإجراء قد يتضمن منح ذلك الجزء المعني من السكان معاملة تفضيلية مؤكدة في مسائل محددة مقارنةً ببقية السكان. لكن، مادام ذلك الإجراء مطلوباً بإصلاح التمييز، فهو في الحقيقة تفاضل شرعي حسب الميثاق.

التمييز الإيجابي حسب البلد

في بعض الدول التي لديها قوانين للمساواة العرقية، فإن التمييز الإيجابي يعد غير قانونياً لأنه لا يتعامل مع جميع العرقيات على حد سواء، هذا الوصول من التعامل المتساوي يوصف أحياناً بأنه “أعمى اللون” أملاً بأن يكون فعالاً ضد التمييز بدون التسبب بالتمييز العكسي. وفي مثل هذه الدول، يميل التركيز إلى ضمان تكافؤ الفرص، مثلاً: الحملات الإعلانية الموجهة لتشجيع المرشحين من الأقليات العرقية للانضمام إلى قوة الشرطة ويمكن وصف هذا بالإجراء الإيجابي.

آسيا

الصين: تطبق سياسة التمييز الإيجابي في التعليم للأقليات العرقية، وذلك من خلال تخفيض الحد الأدنى المطلوب في امتحان دخول الجامعة الوطني للأقليات العرقية (هذا الامتحان إلزامي لجميع الطلاب لدخول الجامعة). وتخصص بعض الجامعات حصصا للأقليات التي تنتمي إلى عرقيات غير عرقية الهان في قبولها للطلبة، كما أن الطلبة المنتمين إلى الأقليات الملتحقين بالتخصصات المتعلقة بالأقليات العرقية (مثل تخصصات اللغة والأدب) يمنحون منح دراسية و – أو لا يدفعون رسوما دراسية ويتم منحهم راتبا شهريا.

الهند: يعد حجز المقاعد في الهند شكلا من أشكال التمييز الإيجابي الذي يهدف إلى تحسين حياة الفئات المتخلفة والغير ممثلة بشكل كاف والذين يتم التمييز ضدهم بشكل رئيسي بناء على طبقتهم الاجتماعية.

ماليزيا: تعد السياسة الاقتصادية الجديدة الماليزية شكلا من أشكال التمييز الإيجابي، ويمُنح التمييز الإيجابي للأغلبية لأن عرقية الملايو بشكل عام لديها دخل أقل من الصينيين الذين يسيطرون على الشركات والصناعات. تعد ماليزيا بلدا متعدد الأعراق، حيث يشكل المالاويون الأغلبية ما يقارب الـ 52% من عدد السكان، ويشكل الصينيون حوالي 23%، بينما يشكل الهنود نسبة 7% من عدد السكان. وخلال الاستعمار البريطاني الذي طال أكثر من 100 سنة، شهد المالاويون تمييزا في العمل لأن البريطانيون كانوا يفضلون جلب عدد كبير من العمال المهاجرين من الصين والهند. وفي عامي 1957 و1958 كان متوسط  دخل  المالاويين 134، والصينيون 288 أما الهنود فكان 228. ثم أصبح متوسط الدخل لهذه العرقيات في العامين 1967 و1968 هو 154، 329، 245 (بنفس الترتيب: المالاويين، الصينيون، الهنود)، ثم في عام 1970 أصبح المتوسط 170، 390، 300. وقد زادت نسبة التفاوت في متوسط دخل بين الصينين والملايو من 2.1 في عامي 1957 و1958 إلى 2.3 في عام 1970، بينما ارتفعت نسبة التفاوت بين نسبة متوسط دخل الهنود والمالايو من 1.7 إلى 1.8 في نفس الفترة كذلك. ونظر المالاويون إلى الاستقلال على أنه استعادة لمكانتهم المناسبة في النظام الاجتماعي الاقتصادي في بلادهم، لكن كانت العرقيات الأخرى تعارض جهود الحكومة في تمكين المالاويين في السياسة والاقتصاد.

 سريلانكا: تم إدخال سياسة توحيد الجامعات السريلانكية في عام 1971 كبرنامج للتمييز الإيجابي من أجل الطلبة القادمين من مناطق تنخفض فيها معدلات التعليم أكثر من غيرها بسبب النشاط التبشيري في الشمال والشرق اللتين كانتا في الأساس مناطق لعرقية التاميل. وقامت الحكومات المتعاقبة بزرع أسطورة تاريخية بعد ذهاب القوى الاستعمارية، وهي أن البريطانيون كانوا يحابون (بمعنى يعطون الأفضلية لهم) المسيحيين وأقلية التاميل طوال فترة سيطرتهم على سريلانكا خلال 200 سنة. لكن في الحقيقة إن السنهاليين كانوا يستفيدون من التجارة والزراعة على حساب الفئات الأخرى، وكانت تهيمن لغتهم وثقافتهم وديانتهم البوذية في البلاد، بل حتى أن لغتهم تضمنتها المناهج الدراسية بدلا من اللغة التاميلية التي لم تلقَ نفس المعاملة، وكان التاميليون يتعلمون اللغة الإنجليزية لأنه لم تكن توجد وسائط باللغة التاميلية إلى ما يقارب فترة الاستقلال. ولقد جاءت معرفة التاميلين باللغة الإنجليزية والتعليم عن طريق الحملات التبشيرية الأمريكية من قبل المسيحيين في الخارج، الأمر الذي أثار قلق البريطانيين في أن ذلك سوف يُغضب السنهاليين ويخرب علاقاتهم التجارية، لذلك أرسلوهم إلى مناطق التاميل ليعلموهم ظنا منهم بأنه لن تكون هناك أية عواقب بسبب أعدادهم القليلة. كان إرسال البريطانيين للمبشرين إلى الشمال والشرق بغرض حماية السنهاليين والذي في الحقيقة أظهر محاباة للأغلبية بدلا من الأقليات من أجل الحفاظ على العلاقات التجارية ومصالحهم. وقد استفادت عرقية التاميل من تعلم اللغة الإنجليزية وقد امتاز وازدهر التعليم الأساسي عندهم، وكانوا قادرين على شغل الكثير من الوظائف الحكومية لإثارة استياء السنهاليين، إن أسطورة فرّق تسد غير صحيحة. وكانت “سياسة التوحيد” نموذجا لسياسيات التمييز الإيجابي، حيث أن المعدلات المطلوبة من السنهاليين كانت أقل بكثير من التي تُطلب من الطلبة التاميليين الذين كان عليهم تحصيل عشر درجات إضافية للالتحاق بالجامعات. إن لم تكن تطبق هذه السياسة فإنها كانت ستحول دون نشوب حروب أهلية لأن السياسات لم يكن لها أساس، بل إنها في الحقيقة كانت مثالا للتمييز ضد عرقية التاميل.

تايوان: إن تشريع عام 2004 يتطلب من الشركات التي لديها 100 موظف أو أكثر والتي ترغب في التنافس للحصول على عقود حكومية أن يكون  لديها على الأقل 1% من موظفيها من السكان الأصليين التايوانيين  وفي عام 2002 أعلنت وزارة التعليم ومجلس شؤون السكان الأصليين أنه سوف يتم رفع درجات الطلبة التايوانيين الأصلين (درجات الثانوية العامة وامتحانات القبول الجامعية) بنسبة 33% عندما يبدي الطلبة معرفتهم بلغتهم وثقافتهم القبلية. كما أن معدل الزيادة هذا قد تم رفعه عدة مرات والزيادة الأخيرة كانت في عام 2013 والتي وصلت إلى نسبة 35%.

القارة الأمريكية

البرازيل: أنشأت بعض الجامعات البرازيلية (تابعة للولاية أو فيدرالية) أنظمة لتفضيل قبول (تحصيص) بعض الأقليات العرقية (السود والبرازيليين الأصليين) والفقراء وذوي الإعاقات. هناك أيضاً حصص تصل إلى 20٪ من الأماكن الشاغرة محفوظة للمعاقين في الخدمات العامة المدنية. استأنف اتهام الحزب الديموقراطي مجلس مدراء جامعة برازيليا بالنازية لدى المحكمة العليا الفيدرالية حول دستورية الحصص التي تحفظ للأقليات في الجامعة.. رفضت المحكمة العليا إبطال الحصص ووافقت بالإجماع على شرعيتها في 26 أبريل، 2012.

كندا: يسمح قسم المساواة في الدستور الكندي للحقوق والحريات بوضوح تشريع نوع التمييز الإيجابي، مع أن الدستور لا يتطلب تشريعاً يعطي معاملة تفضيلية. ينص القسم الفرعي 2 من القسم 15 بأن بنود المساواة “لا تمنع أي قانون أو برنامج أو نشاط لديه هدف تحسين حالات الأفراد أو المجموعات المتضررة بما فيها أولئك المتضررين بسبب العرق أو الجنسية أو الأصل العرقي أو اللون أو الدين أو الجنس أو العمر أو الإعاقة العقلية أو الجسمية”. يتطلب إجراء المساواة الكندي للتوظيف من أرباب العمل في الصناعات المنظمة فيدرالياً بإعطاء معاملة تفضيلية لأربع مجموعات معينة: النساء والأشخاص ذوي الإعاقات والسكان الأصليين والأقليات الواضحة. في معظم الجامعات الكندية يكون للسكان الأصليين عادةً متطلبات دخول أقل ومؤهلين للقبول في منح دراسية حصرية. يوجد لدى بعض المقاطعات والمناطق سياسات مختصة بالتمييز الإيجابي. فمثلاً في المناطق الشمالية الغربية في الشمال الكندي يعطى السكان الأصليون أفضلية في الوظائف والتعليم ويسمى وضعهم P1. السكان غير الأصلين الذين ولدوا في المناطق الشمالية الغربية أو أقاموا نصف حياتهم فيها يسمى وضعهم P2 ويشابه وضعهم النساء والأشخاص المعاقين. انظر أيضاً، عدالة التوظيف في كندا.

الولايات المتحدة: أنشئ التمييز الإيجابي من الأمر التنفيذي 10925 الذي وقعه الرئيس جون ف. كينيدي في السادس من مارس 1961 ويطلب من أرباب العمل التابعين للحكومة بعدم التمييز ضد أي موظف أو متقدم للوظيفة بسبب العرق أو العقيدة أو اللون أو الأصل الوطني، لكن لاحقا توسع المفهوم ليشمل التمييز بين الجنسين. ويتخذ التمييز الإيجابي للتأكد من أن المتقدمين يتم توظيفهم وأن الموظفين يتم معاملتهم خلال التوظيف بدون أي اعتبار للعرق والعقيدة واللون والأصل الوطني. في 24 سبتمبر 1965 قام الرئيس “ليندون ب. جونسون” بتوقيع الأمر التنفيذي 11246 الذي يقضي باستبدال الأمر التنفيذي 10925 وتأكيد التزام الحكومة الفيدرالية بتشجيع الإدراك الكامل بفرص التوظيف المتساوية خلال برنامج إيجابي مستمر في كل دائرة أو وكالة تنفيذية. من الملاحظ أن التمييز الإيجابي لم يمدد ليشمل النساء حتى الأمر التنفيذي 11375 الذي عدل الأمر التنفيذي 11246 في 13 أكتوبر 1967 لتوسيع التعريف لتضمين “الجنس”. حالياً، يعبر عن التمييز الإيجابي بالأمر التنفيذي 11246 مع الأخذ بعين الاعتبار عوامل العرق واللون والدين والجنس والأصل الوطني. في الولايات المتحدة، كان المقصد الأساسي من التمييز الإيجابي هو الضغط على المؤسسات للالتزام بأمر عدم التمييز في قانون الحقوق المدنية في عام 1964. قوانين الحقوق المدنية لا تغطي المحاربين القدامى والأشخاص ذوي الإعاقة والأشخاص فوق 40 سنة. هذه المجموعات محمية من التمييز تحت قوانين أخرى. كان قانون التمييز الإيجابي معرضاً لكثير من القضايا في المحاكم، تم التشكيك في شرعيته الدستورية. في 2003، كان قرار المحكمة العليا (قروتر ضد 539 يو إس 244 – المحكمة العليا 2003) بخصوص التمييز الإيجابي في التعليم العالي ليسمح للمؤسسات التعليمية بأخذ الاعتبار للعرق كعامل، كعامل زائد صغير، عند قبول الطلبة، لكن يحكم بأن أنظمة النقاط الصارمة غير دستورية. كبديل لذلك، بعض الكليات تستخدم المعايير المالية لجذب المجموعات العرقية التي لم تُمَثَّل كما هو متوقع والتي لديها أوضاع معيشية أدنى. تجاوزت بعض الولايات مثل كاليفورنيا (مبادرة كالفورنيا للحقوق المدنية) وميتشيغان (مبادرة ميتشيغان للحقوق المدنية) وواشنطن (مبادرة 200) التعديلات الدستورية لمنع التمييز الإيجابي ضمن ولاياتهم الخاصة. زعم الناشطون المحافظون أن الكليات تستخدم بصمت حصص غير شرعية وأطلقوا عدداً من الدعاوى القضائية لإيقافها.

الشرق الأوسط

مصر: في مصر، يستخدم تعبير المساواة الرافعة، وخلقت سياسة “كوتة المرأة” واقتراحات “كوتة الأقباط”، حيث تم تطبيقه علي الأقباط، وخصصت لهم وزارات غير رئيسية مثل المواصلات والعلاقات الدولية والبيئة. كما يطبق التمييز الإيجابي للمعاقين بنسبة 5% على مستوى جميع قطاعات مصر ووجوب تعيين عدد من المسلمين في الشركات التي يملكها مسيحيون.

إسرائيل: خلال أوائل إلى منتصف 2000 تم إدخال سياسة التمييز الإيجابي على أساس طبقي في عمليات القبول في أكثر الجامعات انتقائية للطلاب في الكيان الإسرائيلي. وخلال تقييم أهلية المتقدمين فإنه لا يؤخذ في الاعتبار حالتهم المادية ولا أصولهم القومية أو الإثنية. ولكن التركيز يكون على الحرمان في البنى الأساسية، خاصة الحالة الاقتصادية والاجتماعية لمنطقتهم ومعايير مدرستهم الثانوية، كما أن المصاعب التي مر بها الأفراد لها وزن أيضا في القرار. لذا فإن هذه السياسة جعلت المؤسسات الأربعة – خاصة في الأقسام التي يتم اختيارها كثيرا- أكثر تنوعا مما كانت عليه. إن زيادة التنوع الجغرافي والاقتصادي والديموغرافي للطلبة يدل على أن تركيز الخطة على هيكل محددات الحرمان ينتج عنه فوائد واسعة. ويتم تطبيق التمييز الإيجابي على المواطنين الإسرائيليين الذين هم من الفئات التالية: النساء، العرب، السود أو ذوي الاحتياجات الخاصة في التوظيف في الخدمات العامة. كما أن المواطنين الإسرائيليين العرب، السود أو ذوي الاحتياجات الخاصة يمكن أن تمنحهم الدولة منحا دراسية كاملة للمرحلة الجامعية. في محاولة لغلق الفجوة بين القطاعات التعليمية بين العرب واليهود، أعلن وزير التعليم الإسرائيلي سياسة للتمييز الإيجابي، واعداً العرب سيضمنون 25٪ من ميزانية التعليم والتي تعتبر أكثر من نسبتهم في عدد السكان (18٪). وأضاف أيضاً بأن الوزارة سوف تدعم إنشاء كلية أكاديمية عربية.

وفي دراسة قامت بها “ازرائيلي” حول السياسات الجنسانية في إسرائيل أظهرت مفارقات في التمييز الإيجابي بالنسبة للنساء اللواتي يتقلدن مناصب إدارية، حيث أن التشريعات التي تشرع انضمامهن إلى المجالس الإدارية تسببت باستبعاد النساء المهمات بقضايا المرأة بسبب تشريعات أجندات مجلس الإدارة. “إن الثقافة الجديدة “لنادي الرجال” مغوية لأنها انتشلت النساء من تحت الضغط لتصبح “رجلا”، ولأجل أن تثبت المرأة كفاءتها كمديرة فهذا يعني أنهن لن يكن مختلفات كثيرا عن الرجال. وفي المفاوضات التي تتم من أجل اعتبارهن أقران أكفاء، فإنه يتم التأكيد على إشارات جنوسية بأن المرأة “دجالة” لا يحق لها تقلد منصب تطالب فيه”. وعندما يتم استيفاء التمييز الإيجابي للمرأة، ثم يشارك التمييز الإيجابي العنصر، فإن “مجموعة المطالبة بالمساواة” على حد قول “ازرائيلي” تجعل من السهل على المجموعات الأخرى المطالبة بتوزيع أكثر عدالة للموارد. وهذا يشير إلى أن التمييز الإيجابي يمكن أن تكون له تطبيقات على فئات مختلفة في إسرائيل.

أوروبا

ألمانيا: تمنح المادة 3 من القانون الألماني الأساسي حقوقا متساوية لجميع الناس بغض النظر عن الجنس، العرق أو الخلفية الاجتماعية. لكن تنص بعض البرامج على أنه في حال تساوي الرجال والنساء في المؤهلات فإن الأفضلية تكون للمرأة في الوظيفة، كما أنه يجب تفضيل ذوي الاحتياجات الخاصة على الأشخاص الصحيحين. وهذا هو الحال في جميع مناصب الدولة والجامعات اعتبارا من عام 2007. وعادة ما يتم استخدام عبارة “نحن نحاول زيادة التنوع في هذا المجال من العمل”. وفي السنوات الأخيرة أُثيرت نقاشات طويلة حول إصدار برامج تمنح النساء امتياز الوصول إلى الوظائف من أجل مكافحة التمييز، وأثار حزب اليسار الألماني نقاشا حول التمييز الإيجابي في النظام المدرسي الألماني. ووفقًا “لستيفان زيليتش” فإن الحصص يجب أن تكون “احتمالا” لمساعدة أبناء الطبقة العاملة الذين لم يستطيعوا تقديم أداء جيد في المدرسة بأن يلتحقوا ب”الجمنازيوم” (أي المدرسة التحضيرية للجامعة) وقد اعترض مديرو مدراس الجمنازيوم على ذلك بالقول بأن هذا النوع من السياسات سيتسبب “بالضرر” على الأطفال الفقراء.

النرويج: في جميع شركات المساهمة العامة (يرمز إليها بـ:ايه اس ايه) يجب تمثيل كلا الجنسين على الأقل بنسبة 40%، وهذا يؤثر على ما يقارب ال400 شركة من أصل أكثر من 300,000 شركة.

وفي دراسة قام بها “سيرستاد وأوبسال” حول آثار التمييز الإيجابي على وجود وبروز وشبكات العلاقات الاجتماعية للمديرات في النرويج، وجدوا أنه يوجد عدد قليل من المجالس التي تترأسها امرأة، ومنذ بداية تطبيق سياسة التمييز الإيجابي وحتى أغسطس عام 2009 فإن نسبة المجالس التي تترأسها امرأة قد ازدادت من 3.4% إلى 4.3%. وهذا يشير إلى أن هذا القانون له تأثير هامشي على جنس المقعد وتبقى المجالس مفصولة داخليا. على الرغم من أنه في بداية فترة الرصد والملاحظة فإنه فقط 7 من أصل 91 مدراء بارزين كانوا نساء. إن توازن الجنس بين المدراء التنفيذيين تغير بشكل ملحوظ خلال تلك الفترة، وفي نهاية الفترة فقد وُجد 107 امرأة و117 رجلا ضمن المدراء البارزين. والأمر المثير للاهتمام أنه عند وضع تعريفات مقيدة للبروز أو الأهمية فإن نسبة النساء ضمن المدراء تزداد بشكل عام. وعند النظر في نسبة الذين كانوا في مجالس الإدارة للمدة ثلاث سنوات على الأقل، فإن النساء يشكلن فيها نسبة 61.3%، وعند النظر في المدراء الذين كانوا في مجالس الإدارة لسبع مرات أو أكثر، فإن جميعهم من النساء، ولذلك فإن التمييز الإيجابي قد زاد من نسبة الإناث في المناصب الإدارية العليا.

المملكة المتحدة: يعد أي تمييز أو محاصصة أو محاباة جنس، عرق، وإثنية وغيرها من “الخصائص المحمية”  بشكل عام غير قانوني لأي سبب من الأسباب، في التعليم، التوظيف، المعاملات التجارية، في نادي خاص أو جمعية وأثناء استخدام الخدمات العامة.

وأرسى قانون المساواة 2010مبادئ المساواة وطرق تنفيذها في المملكة، لكن توجد إعفاءات محددة والتي تشمل:

أ – جزء من عملية السلام في إيرلندا الشمالية، اتفاقية الجمعة العظيمة، وتقرير “باتن” الذي يُلزم جهاز الشرطة في إيرلندا الشمالية بتجنيد 50% من الجهاز من الطائفة الكاثوليكية و50% من البروتستانت والمجموعات الأخرى، وذلك من أجل الحد من أي تحيز محتمل لصالح البروتستانت، وأطلق عليه لاحقا قياس 50:50

ب – قانون تمييز الجنس (لمرشحي الانتخابات) 2002 يسمح باستخدام لائحة كلها نساء لاختيار نساء أكثر كمرشحات في الانتخابات.

رومانيا: يخصص الرومانيون حصصًا للالتحاق بالمدارس العامة والجامعات الحكومية، ولكن هناك أدلة على أن بعض المنتمين إلى العرقية الرومانية استغلوا النظام بحيث يمكّنهم من الالتحاق بالجامعات، الأمر الذي أثار انتقادات من ممثلي الرومانين.

روسيا: كان نظام الحصص موجودا في الاتحاد السوفييتي لفئات اجتماعية تشمل الأقليات العرقية  والنساء وعمال المصانع (كتعويض لـ “تخلفهم الثقافي”). وكانت توجد حصص للحصول على التعليم الجامعي، وفي مكاتب النظام السوفييتي والحزب الشيوعي. على سبيل المثال: منصب الأمين الأول للجمهورية السوفياتية (أو الجمهورية ذاتية الحكم) في لجنة الحزب كان يشغله دائما ممثل عن “عرقية فخرية”.

سلوفاكيا: أعلنت المحكمة الدستورية في عام 2005 أن التمييز الإيجابي أي “إعطاء المزايا لمن ينتمون إلى أقلية اثنية أو عرقية” مخالف للدستور.

فرنسا: إن الدستور الفرنسي 1958 لا يسمح بالتمييز بناء على العرق، الدين أو الجنس، لكن ظهرت عبارة “التمييز الإيجابي” في القاموس السياسي الفرنسي عند أول استخدامٍ لها في الإعلام سنة 1987، لكنها شاعت في بداية القرن الحالي: في إطار الحديث عن الاقتراح القاضي بجعل السيَر الذاتية للمرشّحين للوظائف مغفلة، وعن الاتفاقية المبرمة بين معهد الدراسات السياسية وعددٍ من المدارس الثانوية المصنّفة ضمن “مناطق الأولوية التربوية”، والتي تُمنح مزيدا من الأموال أكثر من غيرها، ويستفيد الطلبة الملتحقون بهذه المدارس من سياسات خاصة في مؤسسات معينة (مثل معهد باريس للدراسات السياسية).

وفي عام 1990، حاولت وزارة الدفاع الفرنسية جعل ترقية الرتبة والحصول على رخصة قيادة أسهل للجنود الفرنسيين الذين تعود أصولهم إلى منطقة شمال أفريقيا، ولكن تم إلغاء الترقيات والرخص بعد أن قدم ملازم فرنسي شكوى قوية اللهجة في صحيفة وزارة الدفاع. وكان “نيكولا ساركوزي أوّل سياسيّ طالب بها لمدةٍ من الزمن، حيث أنه بعد انتخابه حاول منح تفضيل للطلبة الفرنسيين العرب، لكنه لم يستطع الحصول على دعم سياسي كاف لتغيير الدستور الفرنسي. أثارت سياسة ومصطلح “التمييز الإيجابي” في وسائل الإعلام نقاشاً تجدّد بفعل أعمال الشغب في الضواحي الفرنسية سنة 2005. لكن تقوم المدارس الفرنسية العريقة بتطبيق التمييز الإيجابي بحيث يكونوا ملزمين بقبول عدد معين من الطلاب المنتمين إلى عائلات معدمة.

وبعد الاحتذاء بالنموذج النرويجي فإنه بعد 27 يناير 2014 يجب أن تمثل النساء على الأقل 20% من أعضاء مجالس الإدارة في جميع البورصات المدرجة أو الشركات المملوكة للدولة. وبعد 27 يناير 2017 فإن النسبة سوف ترتفع إلى 40%، وسوف يتم إلغاء تعينات المدراء الذكور في حال لم يتم استيفاء الحصص، وقد يتم فرض غرامات مالية على مدراء آخرين.

فنلندا: في بعض التخصصات الجامعية -بما في ذلك التخصصات القانونية والطبية- لديها حصص للأشخاص الذين يتحدثون اللغة السويدية بمستوى معين، بل إنه سوف يتم الترتيب للطلبة الذين يُقبلون في هذه الحصص لأن يدرسوا بشكل جزئي باللغة السويدية إن الغرض من الحصص هو ضمان وجود عدد كاف من المهنيين المتعلمين الذين لديهم معرفة باللغة السويدية لتلبية احتياجات البلاد ولقد قوبل نظام الحصص بالانتقاد من قبل الأغلبية الناطقة باللغة الفنلندية حيث اعتبر البعض أنه نظام غير منصف. وإلى جانب هذه الحصص اللغوية قد تحصل النساء على الأفضلية في التوظيف في وظائف معينة في القطاع العام في حال وجود خلل في التوازن بين عدد الجنسين في المجال.

جنوب أفريقيا

الأبارتيد الفصل العنصري

فضلت حكومة التفرقة العنصرية كسياسة للدولة الشركات المملوكة من البيض وكنتيجة لذلك فإن أغلب أرباب العمل في جنوب أفريقيا كانوا أشخاصاً بيض. حققت السياسات السابقة النتائج المرغوبة، ولكن خلال العملية قاموا بتنحية واستبعاد واستثناء الأشخاص السود. كانت الأعمال المتقنة محفوظة للأشخاص البيض أيضاً، وكان السود يتم تشغيلهم في الأعمال التي لا تتطلب إتقاناً بفرض من تشريع يتضمن قانون العمل والمناجم وقانون حفظ العمل وقانون عمال المنشآت الوطنية وقانون التدريب المهني وقانون تعليم (البانتو) وكل هذا التي أنشأت ووسعت “قضيب الألوان” في العمل في جنوب أفريقيا. مثلاً، في بدايات القرن العشرين كان ملاك المناجم في جنوب أفريقيا يفضلون العمال السود لأنهم أرخص. بعد ذلك أقنع البيض بنجاح الحكومة لتسن قوانين تمنع بشدة السود من الفرص الوظيفية..

منذ الستينيات أُضْعِفت قوانين حكومة التفرقة العنصرية. بالتالي، منذ 1975 حتى 1990 ارتفعت الأجور الحقيقية لعمال التصنيع السود إلى 50٪ وذلك أكثر من البيض بنسبة 1%. إن الهيكل الاقتصادي والسياسي للمجتمع خلال الفصل العنصري أدى في نهاية المطاف إلى تفاوت كبير في فرص العمل، المهن، والدخل في أسواق العمالة الأمر الذي منح مزايا لبعض الفئات في المجتمع. وذلك أصبح لاحقا -في الوقت المناسب – الدافع لتشريع التمييز الإيجابي في جنوب أفريقيا بعد نهاية الفصل العنصري .

ما بعد الأبارتيد

بعد التحول إلى الديموقراطية في 1994، اختارت حكومة حزب المؤتمر الوطنية الأفريقية تنفيذ تشريع التمييز الإيجابي لتصحيح الاختلال السابق (سياسة تعرف بالتوظيف المنصف) على هذا، أجبر جميع أرباب العمل بالقانون على توظيف المجموعات المحرومة من الحقوق سابقاً (السود، الهنود، أو الملونين) مفهوم مختلف متعلق بذلك هو التمكين الاقتصادي الأسود.

يهدف قانون التوظيف المنصف وقانون التمكين الاقتصادي الأسود المجلسي إلى تشجيع وتحقيق المساواة في مكان العمل بتقديم الأشخاص من مجموعات معينة. هذه المجموعات المعينة التي يتم تقديمها تتضمن الأشخاص بحسب اللون والنساء (من ضمنهن النساء البيض) والأشخاص المعاقين (من ضمنهم البيض). يتطلب تشريع التوظيف المنصف من الشركات التي توظف أكثر من 50 شخصاً لتصميم وتنفيذ خطط لتطوير التمثيل في إحصائية الأيدي العاملة، وإخبار دائرة العمل بها.

التوظيف المنصف يشكل أيضًا جزء من التمكين الاقتصادي للسود في الشركة: في نظام تسجيل معقد نسبيا، مما يسمح لبعض المرونة في تصرفات الشركة التي تقابل بها متطلباتها القانونية، كل شركة تلزم بمقابلة الحد الأدنى من المتطلبات من حيث التمثيل من قبل الجماعات المحرومة سابقا. المسائل المشمولة تتضمن الإنصاف في الأسهم الملكية، التمثيل في المستوى العملي والإداري (حتى مستوى مدير مجلس)، الشراء من الشركات المملوكة للأسود وبرامج الاستثمار الاجتماعي، وغيرها.

سياسات الإنصاف العملي، وخاصة التمكين الاقتصادي الأسود، قد تعرضت للنقد من قبل أولئك الذين يعرضونها كتمييز ضد البيض، وأولئك الذين يعرضونها كغير فعالة.

هذه القوانين تسبب تكاليف عالية وغير متناسبة للشركات الصغيرة وتقلل من النمو الاقتصادي والتوظيف. القوانين قد تعطي الطبقة الوسطى من السود بعض المميزات ولكن تجعل السود الاسوء معيشيا أكثر فقرًا. علاوة على ذلك فقد قضت المحكمة العليا بأنه يجوز من حيث المبدأ تفضيل السود، شريطة أن لا يؤدي ذلك إلى تفرقة غير عادلة ضد فئات أخرى. ومع ذلك فإنه من المستحيل أن يفضل شخص من غير التمييز ضد الآخرين.

الغرض من التمييز الإيجابي

لقد تم إدخال التمييز الإيجابي في جنوب أفريقيا من خلال قانون المساواة في العمل 55 في عام 1998 بعد انتهاء الفصل العنصري بأربعة سنوات، قد تم تقديم القانون من أجل تعزيز الحق الدستوري في المساواة وتطبيق ديمقراطية حقيقية. كانت هذه الفكرة للقضاء على التمييز الغير عادل في التوظيف لضمان تطبيق العدالة في التوظيف لمعالجة آثار التمييز وذلك لتحقيق قوة عمل متنوعة واسعة التمثيل لشعبنا لتعزيز التنمية الاقتصادية والكفاءة في القوى العاملة ولتنفيذ التزامات الجمهورية كعضو في منظمة العمل الدولية.

وقد تبنّى العديد القانون لكن البعض قال بأن القانون يناقض نفسه، إن القانون يلغي التمييز في قطاعات معينة في سوق العمل الوطني عن طريق فرض قيود مماثلة في قطاعات أخرى.

ومع إدخال التمييز الإيجابي وتقوية اقتصاد السود الذي انتشر في جنوب أفريقيا، لم تكن سياسة تقوية اقتصاد السود مبادرة أخلاقية لتصحيح الأخطاء السابقة لكنها كانت مباردة لتعزيز التطور واستراتيجيات تهدف إلى تحقيق الإمكانات الكاملة للبلد. كانت الفكرة استهداف الحلقة الأضعف في الاقتصاد والتي هي عدم المساواة والتي سوف تساهم في تطوير الاقتصاد. وهذا واضح في البيان الصادر عن وزارة التجارة والصناعة: “هذه الاستراتيجية تؤكد أن عملية تقوية اقتصاد السود مرتبطة بالتنمية والتطوير وتطوير المشاريع وليست مجرد إعادة توزيع الثروة”. إن أوجه التشابه بين تقوية اقتصاد السود والتمييز الإيجابي واضحة، لكن هناك اختلافات بينهما حيث أن تقوية اقتصاد السود يركز أكثر على المساواة في العمل بدلا من إبعاد الثروة عن العمال البيض المهرة.

إن الهدف الرئيسي للتمييز الإيجابي هو تحقيق إمكانات الدولة كاملة، وهذا من شأنه أن يُحدث قوة عمل متنوعة في القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، مما يعني توسيع القاعدة الاقتصادية وبالتالي تنشيط النمو الاقتصادي.

النتائج

عند تطبيق التمييز الإيجابي داخل الدولة فإن نتائج مختلفة تنتج عنها، بعضها إيجابي والآخر سلبي، هذا يتوقف على النهج الذي يُسلك وعلى طريقة النظر إلى قانون المساواة في العمل والتمييز الإيجابي.

الإيجابية: في الفترة التي سبقت الديمقراطية كانت حكومات الفصل العنصر تميز ضد الأعراق التي ليست بيضاء، لذا فإنه مع إدخال التمييز الإيجابي فهذا يعني أن الدولة بدأت بتصحيح التمييز الذي حدث في الماضي. ويركز التمييز الإيجابي أيضا على القضاء على هيكل العنصرية وعدم المساواة العرقية على أمل تحقيق أعلى قدر من التنوع في جميع طبقات المجتمع وقطاعاته، وتحقيق هذا من شأنه أن يرفع مكانة الطبقة الدنيا واستعادة الوصول المتساوي إلى المزايا التي يقدمها المجتمع.

السلبية: بالرغم من أن التمييز الإيجابي له إيجابيته إلا أن له سلبيات أيضا، فلقد تم تطبيق نظام الحصص الذي يهدف إلى تحقيق التنوع في قوة العمل، وهذا يؤثر على مستويات التوظيف ومستوى المهارة في قوة العمل مما يؤثر في النهاية على السوق الحر،  لقد ترتب على  التمييز الإيجابي التهميش للفئات الملونة والأعراق الهندية في جنوب أفريقيا وكذلك تنمية ومساعدة الطبقات المتوسطة والنخب وترك الطبقة الدنيا، مما أدى إلى خلق فجوة أكبر بين الطبقة الدنيا والمتوسطة التي أدت إلى صراعات طبقية وتفرقة أكبر. ومع نمو الطبقة المتوسطة والعليا فإن الاستحقاق والاستحقاق العرقي بدءا بالارتفاع. ويعتقد كثيرون أن التمييز الإيجابي هو التمييز العكسي، ومع نشوب كل هذه السلبيات فإن الكثير من الموهوبين بدأوا بمغادرة البلد إن العديد من الآثار السلبية للتمييز-خاصة نظام الحصص -أبعدت العمالة الماهرة بعيدا مما جعل النمو الاقتصادي سيئا، لأن القليل فقط من الشركات الأجنبية ترغب في الاستثمار في جنوب أفريقيا.

إن هذه النتائج السلبية والإيجابية للتمييز الإيجابي تدل على أن مفهوم التمييز الإيجابي لا يزال في تطور وتغير مستمر.

نيوزيلندا: غالبًا ما يُمنح الأشخاص ذوي الأصول الماورية وغيرها من الأصول البولينيزية فرصا أفضل للالتحاق بالجامعات ومنح دراسية خُصصت لهم، ويتضمن البند 73 من قانون حقوق الإنسان والبند 19 (2) من قانون الحقوق النيوزيلندي 1990 التمييز الإيجابي. [https://ar.wikipedia.org]

2 / ج – مصادر التغير الثقافي

   لا تتغير الثقافة بشكل تلقائي أو انسيابي لأن جذورها تمتد الى العمق التاريخي في حياة المجتمع فضلًا عن التصاقها بالممارسات السلوكية والمعتقدية اليومية، التي توّحد وتضبط العلاقات الاجتماعية بين الأفراد. بمعنى أنها تمثل الرباط الماضوي والرباط الحاضري (في اللغة والدين والمعتقد والضوابط والتفكير) لذلك تكون حركتها دائبة في مجالها الحيوي والتراثي أكثر من تطلعها للمتجدد والمستجد والاكتساب الحداثي، أعني انها محافظة وتقليدية أكثر مما هي تقدمية واستشراقية.

    لكن هذا لا يعني انها جامدة أو متكلسة أو هامدة، كلا إنما هي لا تميل الى التجديد الظرفي أو المرحلي لأن أفرادها متمسكين بها ومتواصلة مع جيلها الحاضر وأجيالها السالفة عبر تاريخهم أي يجعلها مترسخة في عقول ومحيط وتاريخ ممارسيها بشكل دائم ويومي تخضع لنوعين من المصالح هما مصلحة حامليها ومصلحة وجودها التاريخي.

    لكن عندما تحصل مؤثرات مستجدة غير تقليدية سواء من خارج المجتمع أو داخله فإنها تضطر الى تعديل وتطويع أساليب عيشها لكي ينتهي مفعولها على حامليها لأنها بقدر ما يه متحكمة فيهم تكون خاضعة لرغائبهم وميولهم أي للجيل المتفتح والمتنامي والمتطلع لخارج حدود ثقافته لكي يتساوق ويتناغم مع تطورات العصر ويتماشى مع متطلبات الحياة الجديدة إذن طالما هناك طموحات بشرية في ارقاء مستوى عيشهم فإن ثقافتهم المادية تفعل فعّلها الإيجابي على ثقافتهم المعنوية من خلال تحويل وتطوير تفاعلهم وتحقيق مطالبتهم المتنوعة وحاجاتهم العصرية الذي بدوره يفعل التغير ويعزز ويغذي التغير المادي الذي بدوره يشجع الناس على تغيرهم اجتماعيًا وهنا تمسي العلاقة جدلية بين الحاجات المعنوية والمبتكرات المادية (التكنولوجية) كلٍ منهما يشجع الثاني على التغير والنماء دون حدوث إعاقة حدهما للأخر.

ولكي نوضح ما قدمناه انفًا حول عدم انسياب تغير الثقافة الاجتماعية إلا بوجود مؤثرات داخلية وخارجية نذكر أهمها وهي ما يلي: –

1 – تغير الظروف المحيطة بالمجتمع.

2 – ذيوع الانتشار الثقافي.

3 – الابتكارات والمخترعات.

4 – فرض التغير الاجتماعي.

1 – يحصل التغير الثقافي نتيجة استجابته للظروف المحيطة به ذات التغير المستمر، مثل التغيرات الاقتصادية والسكانية وباقي التحولات الاجتماعية المتغيرة إذ انها جميعًا لها مؤثرات فعّالة على النمو الثقافي. فمثلًا المعدل العالي من المهاجرين الذي جلب معه العديد من التغيرات الثقافية في المجتمع المهاجر اليه، مثال هجرة المكسيكان الى ميامي ولوس انجلوس الامريكية جعل هذه المدن أن تتوسع لتصل الى ضواحيه مع ظهور أسواق تبيع المنتجات المكسيكية والأكل المكسيكي كذلك المهاجرين الى المانيا والدول الأوروبية إذ فتحوا لهم متاجر تبيع سلع خاصة ببلدانهم مثل السلع العربية والتركية والأسيوية بل حتى المدارس باتت تعج بأبناء المهاجرين والتكلم بأكثر من لغة واحدة. هذه الهجرات أخرجت المدن الغربية من طابعها التقليدي الى الإطار المفتوح والمتعدد الثقافات فوجدت مدن صينية في المدن الأمريكية والأوربية وأسواق إيطالية ويونانية وعربية تلبي احتياجات المهاجرين الجدد مما أدى ذلك الى التغير الثقافي في البلدان المهاجر اليها.

2 – يقع التغير الثقافي من خلال الانتشار الثقافي، أي انتقال العناصر الثقافية من مجتمع الى أخر أو من جماعة ثقافية الى أخرى. ففي وقتنا الحاضر وفي ظل الاتصالات الالكترونية السريعة والفورية حصل الانتشار الثقافي فبرّز فوحانَّه المعبق فأصبح بارق الذيوع. يؤكد هذا على عالمية الثقافة وبروز الثقافات الفرعية وتأثيرها على الثقافة المهيمنة، أي تأثير ثقافة الأم بثقافة الأقليات المهاجرة اليها فمثلًا وجود الموسيقى الخاصة بالزنوج واللاتينية في المجتمع الأمريكي بلور موسيقى (الراب) داخل المدن الامريكية فأثرت الموسيقى مثلما أثرت الوجبات الغذائية الإيطالية واللاتينية على الثقافة الامريكية فأصبحت جزءً من الثقافة الأمريكية والحالة ذاتها مع المجتمع العربي الذي انتشرت فيه أكلات إيطالية مثل المكرونة والسبكيتي والبيتزا وقهوة كابتشينو ومن خلال الانتشار الثقافي وانتشار الاكلات العربية في المجتمع الأوروبي والأمريكي مثل الكباب والحمص والتبولة والخبز اللبناني والفلافل، يعني ذلك تأثير ثقافة الجالية العربية في المجتمعات المهاجر اليها مما أصبحت هذه الاكلات العربية جزءً من الثقافة الغربية في وقتنا الحاضر وهذا يعد تغيرًا ثقافيًا.

3 – حصول التغير الثقافي عند ظهور ابتكارات واختراعات تكنولوجية. لا جرم من القول بإن الابتكار الثقافي يقدر ان يخلق تغيرًا شاسعًا في المجتمع مثل ابتكار العربات والسيارات والطرق السريعة جميعها غيّرت صفات المدن والناس القاطنين فيها حيث لم يبقَ الناس يذهبوا الى أماكن عملهم مشيًا على الاقدام بل بالمواصلات السريعة وهذا عمل على توسع المدن افقيًا ليصل بالمواصلات السريعة وهذا عمل على توسع المدن افقياً ليصل الى ضواحيها، ثم هناك التوسع العمودي الذي سببه وجود مصاعد كهربائية استخدمتها العمارات الشاهقة. ولا ننسى ابتكار تقنية الحاسوب الذي قرب المسافات البعيدة وجعل الناس يتحدثون يرون بعضهم وهم على ابعاد جغرافية واسعة وجعلت الأجداد يتفاعلون مع الأحفاد عن بعد وعززت الصلات الأسرية وهم متباعدين مكانيًا.

فالتغير الثقافي الحاصل بسبب الابتكارات التقنية جعل مهارة المهّرة لا صلة لها بمتطلبات المهنة الجديدة ولا معداتها تنفع للتكنولوجيا الحديثة. ليس هذا فحسب بل أصبح اللص يسرق البنك دون أن يدخل بنايته ويفتح خزائنه وجعلت أسرار الناس خاضعة لغزو القراصنة عبر الانترنت وجعلت الفرد يعمل في شركة وهو جالس في منزله. أي عن بعد من خلال أجهزة الانترنت لدرجة أصبح الجيل الحالي غير قادر على مواكبة حركات التغير السريعة مما جعلته دائن الحركة الذهنية والمهنية أكثر من الجغرافية.

4 – حصول التغير الثقافي عن طريق الفرض عليه، أي لا بسبب حاجته له أو رغبته فيه. بل يحصل بسبب استحواذ جماعة قوية ومتنفذة ومتسلطة على المجتمع بفرض ثقافة جديدة على عامة الناس مثل ما حصل ويحصل في الثورة الداخلية التي يقوم بها ثلة من الأفراد يستولون على سدة الحكم فيفرضوا مثلًا (النظام الشمولي) أو الحكم الطائفي الديني. أو هناك فرض خارجي يأتي من خارج المجتمع مثل الغزو الاستعماري مثل الاستعمار الفرنسي للجزائر وتوني والمغرب والاستعمار البريطاني للعراق والأردن وأخرها الاستعمار الأمريكي للعراق عام 2003 واسبانيا لدول أمريكا الجنوبية.

     لكن هذه الهيمنة الأجنبية تبلور تضامنًا اجتماعياً داخليًا عند المجتمع المهيمن عليه أو المستعمر فتحصل حركات ثقافية مناهضة للسيطرة الأجنبية تقاوم التغير المفروض بالقوة عليها والغريب عنها. هنا يحصل التغير الثقافي مولدًا تغيرًا اجتماعيًا مثلما يعمل التغير الاجتماعي تغيرًا ثقافيًا. أعني كلٍ منها يؤثر على الثاني إنما من يغير من؟ ذلك يعتمد على حيوية وفاعلية كلٍ منهما حيث تارة تكون الثقافة مغيرة للمجتمع عندما تكون جالبة له الرفاهية ومحققة له حاجاته المطلوبة والمستجدة ومشبعة لرغابته المتطلعة. ويكون المجتمع مغيّرًا للثقافة عندما يكون متطبعًا ومنفتحًا على العالم الخارجي والاحتكاك الثقافي.

الفصل الثالث

منهجية علم الاجتماع الثقافي

 

 

3 / أ – المنهج الكمي

3 / ب – المنهج النوعي

3 / ت – تحليل المضمون

3 / ث – التحليل الثقافي

3 / ج – التحليل الاحصائي

3 / ح – التحليل المقارن

الفصل الثالث

منهجية علم الاجتماع الثقافي

 

لكل حقل من حقول علم الاجتماع آليات منهجية خاصة به معتمدة على نوعية المبحوثين من حيث كونهم ذكورًا أو اناثًا يمكن الوصول اليهم أو هناك عوائق تعيق الوصول اليهم مثل الاناث في المجتمعات المحافظة والتقليدية التي تفصل بين الجنسين كذلك تعتمد على تحصيلهم الدراسي أي هل يعرفوا القراءة والكتابة أم لا حيث لكل منهم آلية منهجية خاصة مثل المقابلة مع الأميين والاستبيان مع الذين يعرفون القراءة والكتابة، وتعتمد ايضًا على انفتاح المجتمع أو عدم انفتاحه على الاخرين الغرباء عنهم حيث المجتمعات البدائية والمتخلفة لا تسمح بالتعامل مع الغرباء مما يضطر الباحث ان يستخدم آلية الملاحظة بالمعايشة لكي يدرس واقعهم وهكذا لأن هذا الحقل الاجتماعي يجمع بين ما ينتجه الإنسان من ماديات ومعنويات يمكن دراستها من خلال تحليل المضمون مع أفراد المجتمع الذين ينتجون هذين النوعين من الأنشطة.

لذا فإن هذا الحقل يكون متنوع المواضيع يستطيع ان يستخدم المنهج الكيفي والكمي ويستخدم العينات الصغيرة والمسوحات الكبيرة وإزاء ذلك نجد بحوثه غزيرة ومتنوعة في مواضيعه واهتماماته يجمع بين التراث والحداثة، بين الموروث والمكتسب، بين القديم والحديث يتناول قضايا وظواهر ومشاكل قريبة وبعيدة المدى يميل للبحوث النوعية أكثر من الكمية وهي أكثر صعوبة وجهدًا من الكمية.

    بشكل عام تستند منهجية هذا العلم على نوعين رئيسيين من المناهج وهما

3 / أ – المنهج الكمي quantitative

 الذي يستخدم المقاييس الرقمية والاحصائية في عيناته ومسوحاته ليضعها في جداول إحصائية ورسوم بيانية تؤهله لإقامة مقارنات مع دراسات وبحوث أخرى في نفس الحقل مثل عندما نريد ان ندرس مشكلة الأمية في مقطع من مقاطع المدينة. في هذه الحالة نقارنها مع مشكلة الأمية مع مقاطع أخرى في نفس المدينة أو مع نتائج إحصائية عن الأمية سائدة في البلد من أجل تقديم معلومات عصرية قائمة فعلًا نحصل عليها من المبحوثين مباشرةً دون تدخل شخص ثالث.

3 / ب – المنهج النوعي qualitative

الذي يستخدم أسئلة ذات نهايات مفتوحة أي يستطيع المبحوث أن يكتب ما يريد دون فرض قيود على إجاباته أو إقامة مقابلة مفتوحة غير مقننة أو استخدام آلية الملاحظة بالمعايشة لذا تكون إجابات المبحوثين انطباعية تحمل آراء شخصية لذا فإنها تحتاج الى ترجمة وشرح وتأويل وغالبًا ما تكون عينة البحث في هذا النوع من المناهج من الحجم الصغير. أي عدد المبحوثين قليل بالمقارنة مع عينات المنهج الكمي وهذا ما يفسر أو يعيق تعميم نتائج البحث في نفس الحقل المدروس مثل دراسة نمط التنشئة الأسرية من قبل الاباء عندما كانوا صبية. نتائج هذه الدراسة لا تسمح للباحث بتعميم نتائج دراسته على جميع الأجيال لأن عينة الدراسة صغيرة. بمعنى ان هذا المنهج يحتاج الى تفسير وتأويل لكل فقرات المعلومات المجمعة ومن ثم يتم استخلاص القواسم المشتركة لتعبّر عن مضمون البحث.

    إنما هذا المنهج يعتمد على الانعكاسات والانطباعات الشخصية للباحث لذا فإنه يحتاج الى امتلاك خبرة ودراية ثقافية وتمتعه بالنزاهة الفكرية والموضوعية وعدم التحيز والأمانة في نقل وتسجيل المعلومات وربطها بالمؤثرات البيئية لأن إجابات المبحوثين تكون عامة وشاملة تحتاج الى تأويل واستخلاص ملخصات منها أي انه يقوم باستخراج ردود أفعال شخصية للمبحوثين ووضعها في جداول ليقارنها مع ثقافات أخرى عبر محاور ثابتة دون تعديل أو تغيير أو تحوير.

   نأتي الان بأمثلة على هذا النهج الميداني في دراسة الثقافة الاجتماعية من خلال آلية الملاحظة بالمشاركة وهي دراسة “فلورنس كلكهون” باحثة أمريكية قامت بدراسة أحدى قرى نيومكسيكو التي يتكلم أهلها باللغة الاسبانية حيث وجدت عدم قبول ذلك المجتمع لسيدة بيضاء اللون لا تتكلم اللغة الاسبانية الأمر الذي دفعها الى ممارسة الأدوار الاجتماعية المقبولة عندهم فعمدت الى استكراء منزل في أحد احياء تلك القرية وممارسة دور ربة المنزل وبعدها سجلت في مدرسة اعدادية مسائية لدراسة اللغة الاسبانية من أجل التعرف على نمط عيش الطالبات المكسيكيات خارج منازلهنَّ. أخيراً فتحت لها متجرًا في سوق القرية تبيع فيه سلعًا منزلية.

تصرف هذه الباحثة بهذا الأسلوب كان هادفًا وليس اعتباطًا لأنها مارست دور ربة المنزل في مجتمع قروي لكي تتعرف على طريقة معيشة الأسرة المكسيكية ولعبت دور الطالبة لنتعرف على نمط الشابات في المؤسسة التربوية ومارست دور البائعة في سوق القرية (كمؤسسة تجارية) لنتعرف على عمليات البيع والشراء والقيم التي تتحكم فيها بذات الوقت لنتعرف على احتياجات الناس الاستهلاكية فيما يخص حياتهم المنزلية. [Cole. 1976. Pp. 170 – 171]

    ثم هناك دراسة نوعية – كيفية – ميدانية توضح نفس الغرض المنهجي وهي دراسة “هربرت كانز” باحث امريكي لأحد احياء مدينة بوسطن عام 1950 التي يقطنها أبناء الطبقة الدنيا (الفقيرة) من المهاجرين ويحييون حياة معدمة وبعيدة عن شروط الصحة والثقافة العامة. لذلك أراد أحد المسؤولين هدم بنايات الحي وتحويله الى قرية حضرية جديدة تتسم بشروط النظافة والصحة العامة. في بداية الأمر وصف “كانز” الحي بإنه يشبه قرية عتيقة ذات شوارع وأسوار قديمة فاقدة للشروط الصحية لكن بعد عدة أسابيع من مكوثه فيها لم ينظر الى هذه النواحي بنفس الرؤية بل وجد ان الأقليات الاجتماعية المهاجرة الى هذه القرية قد نقلت معها أنماط حياتها الاجتماعية وتمارسها بكل حرية بل انها تمثل جزءً من أنشطتها الاجتماعية والثقافية حيث نقلوا معهم طريقة الأكل وأساليب بيع الحاجيات ووضعية الجلوس في الطرقات والأزقة ولعب الأطفال في الحي ورمي القمامة في الشارع وما شابه. ووجد ان هدم هذه القرية العتيقة وبناءً قرية عصرية مكانها يعني بالنسبة لهذه الأقليات المهاجرة هدم ابنيتها الاجتماعية والثقافية وتفكيكها اجتماعيًا ولا تؤدي الى عيشها بأساليب عيش عصرية فقدم تقريرًا الى المسؤولين يطلب فيه منهم عدم إزالتها وهدمها بل تركها كما هي حفاظًا على ابنيتهم الاجتماعية وان كل ما موجود من طرز العيش في هذه القرية البالية يمثل حياة المهاجرين الأصليين وان هدم المنازل لا يعني او لا يؤدي الى تغير حياة المهاجرين التي جبلّوا عليها وباتت عماد حياتهم اليومية. [Cole. 1979. Pp. 177 – 180] هذه الدراسة توضح لنا إن آلية الملاحظة بالمعايشة بواسطتها يستطيع الباحث الاجتماعي الدخول بعمق الى صميم الحياة الاجتماعية ومعرفة كوامنها الثقافية.

3 / ت – تحليل المضمون content analysis

    الذي ينطوي على قراءة وملاحظة أو الاستماع الى مصادر معينة تساعد الباحث على دراسة موضوعه ومن ثم تحليله وتفسيره. أما مواد البحث فإنها تكون متنوعة بدءً بالصحف المحلية والمجلات والمقالات والمقابلات الاذاعية والبرامج التلفازية أو الأفلام. تحديدًا يمثل الباحث هنا محللًا لمضامين هذه المصادر المعبرة عن موضوع الدراسة. [Howitt and Julian. 2009. P. 24]

بعض الظواهر الاجتماعية والأنماط السلوكية لا تساعد الباحث على الوصول إلى مصادرها البشرية بسبب وفاتها أو بعدها الجغرافي أو علو مركزها البنائي الوظيفي (كالقائد أو الزعيم والرئيس) لذلك يذهب الباحث إلى استخدام الوثائق والمستندات والمذكرات والمحاضرات ومحاضر الجلسات والخطب والمقالات والأرشيف والصحف والرسائل الخطية من أجل الوصول إلى معلومات اكيدة وأصيلة تمكنه من الوصول إلى كتابة بحث علمي موضوعي.

لا يدرس هذا المنهج إذن السلوك الإنساني بشكل مباشر بل بشكل غير مباشر أي عن طريق مصادر غير بشرية، والفرق بين هذا المنهج والمنهج التاريخي هو انهما يستخدمان نفس المصادر لكن الفرق الأساسي بينهما هو أن هذا المنهج يدرس معطيات وإنتاجات السلوك البشري للأفراد المعاصرين والذين هم على قيد الحياة وفي بعض الحالات لا يستخدم هذا المنهج العناصر البشرية كأساس لدراسته بل يدرس اتجاهات وسائل الاتصال بالجماهير التي يخطط لها القادة والرؤساء. فمثلا تحليل سلسلة مقالات في صحيفة يومية معينة أو تحليل برنامج يذاع من المذياع أو يقدم على الشاشة الصغيرة أو سلسلة افلام سينمائية. أما كيفية تحليل هذه النصوص والعروض عند هذا المنهج فإنه يتم من خلال استخدام العبارات والرموز والتعليقات المتضمنة والمتكررة وربطها بعنوان الموضوع أو بصفات شخصية القائل والمحيط  الاجتماعي الذي يعيشه والفترة الزمنية التي حدثت بها.

فخُطب القائد مثلاً في مناسبة وطنية من الممكن تحليلها من خلال تكرار العبارات والإشارات والتلميحات إلى جوانب هذه المناسبة وعلاقتها بالأحداث الأخرى وشخصيته الوطنية والقيادية وملاحظة الاتجاه الفكري والسياسي الذي يتضمنه خطابه وربط كل هذا بالأحداث والمؤثرات التي حصلت مع موضوع خطابه. مثال آخر، لنفرض أن أحد المصلحين الاجتماعيين ألقى كلمة في اجتماع عام حول الحرية والمساوة في المجتمع واراد الباحث معرفة مدى ايمان هذا المصلح بالمساواة بين الرجل والمرأة في المجتمع ومدى ايمانه بتحرر المرأة في المجتمع فيستطيع هذا الباحث أن يلاحظ كم مرة تكررت عبارة الرجل والمرأة أو الزوج والزوجة وما هو الدور الاجتماعي الذي نسب إليها هذا المصلح وما هي طموحاته لهذه الأدوار في البناء الاجتماعي وعلاقة كلامه بمركزه الوظيفي واتخاذ القرارات الهامة وربطها بثقافته العامة. وعلى سبيل المثال لا الحصر قام كل من العالم “روبرت ستاين وباربرا بولك” ببحث عن طلبة جامعة وين الرسمية – متشغان – امريكا حول التمايز الجنسي بين الطلبة حيث اخذا عينة من الطلبة (ذكور وإناث) بشكل متساوٍ ووزعا عليهم استمارة استبيان تتعلق بتحديد آرائهم حول محاسن دور الرجل والمرأة في المجتمع الأمريكي طالبين من الذكور تسجيل الميزات الحسنة والسيئة للإناث والذكور، وطلبا أيضاً من الاناث تسجيل الميزات الحسنة والسيئة للذكور والإناث. وبعد جمع المعلومات وتصنيفها وتبويبها حللا عبارات المبحوثين وما تتضمن من معانٍ رابطين ذلك بدور المبحوث الجنسي فوجدا ما يلي:

الميزات الحسنة لدور الرجل في منظور المرأة

 1 – يأخذ راتباً اعلى من الاناث.

2 – يتمتع بفرص عالية من التعليم.

3 – لا يقوم بالمهام المنزلية.

4 – صاحب الكلمة داخل الدار.

5 – يتمتع بمسؤولية أقل من المرأة في تربية الأطفال.

6 – أكثر استقلالا من المرأة.

7 – أكثر تحركاً على السلم الاجتماعي.

8 – سريع في اتخاذ المبادرات.

9 – ذو اهتمام قليل بمظهره الخارجي.

الميزات الحسنة للمرأة في منظور الرجل

1 – غير مطلوبة لخدمة العلم.

2 – غير مجبرة على العمل.

3 – لا توجد لديها مسؤولية مالية امام الأسرة.

4 – ضغوط العمل عليها أقل من الرجل.

5 – لها حرية أكثر من الرجل بالإفصاح عن عاطفتها.

6 – أقل مبادرة من الرجل في اتخاذ القرارات.

7 – لا تمارس استخدام القوة مع الآخرين.

8 – يقوم الرجل بحمايتها.

9 – ذات تأثير كبير في تربية الأطفال.

المميزات السيئة لدور الرجل في منظور المرأة

1 – مطلوب لخدمة العلم.

2 – مجبر على العمل.

3 – يتحمل مسؤولية مالية أكثر من المرأة امام الأسرة.

4 – يخضع لضغوط العمل أكثر من المرأة.

5 – يجد صعوبة في الافصاح عن عاطفته.

6 – لديه القدرة على اتخاذ المبادرة في اتخاذ القرارات.

7 – يطلب منه ابراز قوته الجسمانية.

8 – يخضع لقوة المنافسة في الحياة الاجتماعية أكثر من المرأة.

9 – أقل تأثيراً في تربية الأطفال.

المميزات السيئة لدور المرأة في منظور الرجل

1 – ذات دخل أقل من الرجل.

2 – تتمتع بفرص تعليمية أولية.

3 – تتحمل مسؤولية بيتية أكثر من الرجل.

4 – ليست بصاحبة الكلمة داخل الدار.

5 – تقضي معظم وقتها في تربية الأطفال.

6 – أقل استغلالا من الرجل.

7 – عاطفية في تفكيرها.

8 – ذات حركة بطيئة ومحدودة على السلم الاجتماعي.

9 – كثيرة الاهتمام بمظهرها الخارجي.

الخصائص الحسنة لدور الرجل في منظور المرأة

1 – يتمتع بفرص أكثر في تحقيق ذاته.

2 – له الحرية في ممارسة الجنس أكثر من المرأة.

3 – له الحرية في اختيار مهنته وعمله أكثر من المرأة.

4 – له الحرية في اختيار مهنته وعمله أكثر من المرأة.

5 – لا يخضع لضغوط زواج قوية.

6 – غير مجبر على استخدام وسائل منع الحمل.

استنتج الباحثان بأن دور المرأة يشير الخنوع والانصياع بينما اشار دور الرجل إلى التسلط والقيادة ويخضع إلى ضغوط كبيرة للالتزام بمسؤوليات اجتماعية من أجل إثبات رجولته امام الناس وامام نفسه، أما الضغوط الموجودة على دور المرأة فهي الالتزام بعدم فقدان انوثتها في المجتمع الأمريكي.

ولا يغرب عن بالنا أن نذكر بأن هذا المنهج يمكن استخدامه في المجالات التالية:

1 – دراسة شخصيات القادة والزعماء والمصلحين الاجتماعيين والسياسيين.

2 – دراسة درجة تحضر امة من الأمم من خلال وثائقها وسجلاتها.

3 – دراسة اتجاهات وسائل الاتصال بالجماهير.

4 – دراسة اذواق الناس ومواقفهم.

5 – دراسة التباين الحضاري الموجود في أدبيات وفلكلور الشعوب.

6 – لمعرفة الاتجاه القومي والوطني في الكتب المدرسية المقرر لطلبة الابتدائية والثانوية.

7 – لدراسة طبيعة القيم الاجتماعي في قصص الأطفال.

8 – لمعرفة الحياة اليومية لمجتمع من المجتمعات من خلال دراسة نكاته التي يطلقها.

أخيرا أن هذا المنهج لا يواجه المبحوثين وجهاً لوجه، إنما يستخدم معطياتهم الفكرية

والسلوكية والمنطقية ويستقصي الحقائق ويحللها ويبني عليها أحكاماً علمية مترابطة مع البيئة الاجتماعية وأحداثها وشخصياتها رابطاً كل ذلك بالفترة الزمنية لدراسته. [العمر. 2015. ص. ص. 166 – 170]

3 / ث – التحليل الثقافي Cultural analysis

  استخدمت الثقافة من قبل الكثير من العلماء والباحثين الاجتماعيين لتفسير العمليات والظواهر والمشاكل الاجتماعية لأنها تمثل طريقة وأسلوب عيش أفراد المجتمع الذي ينتقل من جيل إلى آخر عن طريق التنشئة الاجتماعية. وقبل أن نعرض هذه الأداة التحليلية نجد ضرورة تعريفها. فقد عرَّفها تيلر بأنها الكل المعقد الذي يتضمن المعرفة والمعتقدات والفن والآداب العامة والقانون والاعراف والماديات التي ابتكرها الإنسان لخدمة أغراضه داخل وعرَّفها “كلايد كلكهون” بأنها طريقة عيش مميزة لجماعة من الأفراد تحدد نمط حياتهم الخاصة. أما صفاتها وكيفية مساعدتها للباحث الاجتماعي في تفسيره وتحليله للظواهر والمشاكل الاجتماعية فتعرف كما يلي:

1 – العمومية:

أي أن جميع أفراد المجتمع يمارسون نمطاً حضارياً واحداً كتكلمهم بلغة واحدة ولبسهم لزي معين أو ممارستهم أنشطة دينية واحدة (كذبح اضحية عيد الاضحى) (صوم شهر رمضان) (ختان الذكور) كما هو موجود في المجتمع الاسلامي أو ممارستهم قسماً اجتماعية واحدة مثل (الكرم والنخوة والشهامة) (الاهتمام بعلاقة الجيرة) كما هو موجود في المجتمع العربي. إن هذا العامل المشترك بين أفراد المجتمع الواحد يساعد الباحث على استخدامه لتفسير بعض الأنشطة الحضارية وتفسير الإطار العام لشخصية الفرد وتفسيره الطابع القومي العام للمجتمع الخاضع للدراسة.

2 – الخصوصية

وتعتبر الخصوصية هي الصفة الثانية للحضارة، أي هناك صفة مميزة تطبع أفراد مجتمع معين بنمط حضاري خاص. فتقسيم العمل والتخصص الوظيفي في مجتمع من المجتمعات يعملان على تجديد عيشهم وحياتهم حيث يكون هناك منطق وسلوك وعقلية خاصة بالأميين الذين لا يعرفون القراءة والكتابة، وأخرى خاصة بالمثقفين. وهناك منطق وسلوك وعقلية خاصة بالمجتمع الفلاحي… وهكذا فإن هذه الخصوصيات (السلوك والمنطق والعقلية) تعكس علاقة أفراد الجماعة الواحدة بالجماعات الأخرى المختلفة عنها وهكذا يساعد الباحث على استخدامها كأداة لتحليل سلوك الأفراد ومعرفة دوافع سلوكهم.

وحري بنا الآن أن نعرض توضيحاً آخر يوضح خصوصيات الحضارة فهو (موسم الزواج في المجتمع المغربي) فمن المعلوم اشتراك المجتمع العربي بصفات اجتماعية عامة تسود كافة اركان بنائه الاجتماعي وهذا لا يمنع من وجود بعض الجزر الحضارية تختلف في ممارستها اليومية للحياة الاجتماعية عن حضارة الأم وهي الحضارة العربية وتمثل هذه الجزر مجتمعات وحضارات جزئية غير منعزلة عن حضارة الأم مع الاحتفاظ بطابعها العام رغم مرور الزمن عليها وحصول بعض التغيرات الجزئية فيها بقي جوهرها ثابتاً وساكناً. وقد يرجع ذلك إلى اعتزاز افارد المجتمع بها وممارستها بشكل واضح وصريح امام المجتمع العام لتميزهم وإبراز طابعهم الاجتماعي والحضاري وباعتباره يمثل ركناً من اركان طرقهم الشعبية ولإشباع حاجاتهم الاجتماعية والنفسية التي ترمي إلى الحصول على مكانة اجتماعية عالية واعتبار اجتماعي محترم في مجتمعهم المحلي.

إن مجتمع وحضارة القطر المغربي جزء من حضارة المجتمع العربي وأن ممارسة الأنشطة الاجتماعية في الحياة اليومية لا تختلف أساساً عن ممارسة الأنشطة الاجتماعية في حياة المجتمع العراقي مثلاً. لكن هناك بعض العادات والممارسات الاجتماعية عند بعض القبائل الموجودة في القطر المغربي تختلف في اطارها ومضمونها عما هو سائد في المجتمع المغربي بشكل خاص والمجتمع العربي بشكل عام. فمثلاً هناك قبيلة اسمها (ايت حديدو) تسكن في مدينة امياشل في إقليم الراشدية قرب جبال الاطلس الكبير (جنوب المغرب) ولها افخاذ عديدة منها ايت ابراهيم وايت غزا وهي عربية الاصل تقوم بمهرجان قبلي سنوي كبير في هذه المنطقة بعد كل موسم حصاد ويكون عادةً في الاسبوع الأخير من شهر ايلول من كل عام ويستمر مدة ثلاثة ايام متتالية، حيث يحضر جميع أفراد القبيلة إلى منطقة امياشل، كذلك يحضر الناس من كافة المجتمع الغربي ومن خارجه لمشاهدة هذه الظاهرة الغريبة وفي نفس الوقت يأتي التجار لشراء المنتجات الزراعية والحيوانية وبيع سلعهم كالسكر والزيت والشاي والقماش والحلي وما شابه. وفي الصباح تباع السلع وتشتري المنتجات الزراعية والحيوانية وبعد الظهر تبدأ مباراة الخيل للفتيان وتكون أمام الفتيات، وفي المساء تبدأ حفلة ترفيهية راقصة يشترك فيها الشبان والشابات بشكل جماعي أمام أولياء أمورهم وأصدقائهم. وقد يشترك النساء المطلقات والأرامل في هذه الرقصة بشرط أن يضعن قطعة من القماش على رؤوسهنَّ لتميزهنَّ عن الفتاة البكر التي تتمتع بمكانة اجتماعية اعلى من المطلقة والأرملة. وأثناء هذه الحفلة الراقصة تبدأ المطارحة الغرامية وتبادل عبارات الاعجاب والغزل بين الراقص والراقصة وتأخذ هذه العملية أسلوبها الجدي وإذا أراد أحد الفتيان أن يمارس عملية الغزل بشكل غير جدي فسوف تحصل له مشاكل من قبل ولي امر الفتاة الموجود في هذا الحفل. ومن الجدير بالذكر في هذا المقام هو أن الادارة الحكومية لهذه المنطقة ترسل قضاة وشهوداً عدول لكي يعقدوا القرآن لهم فوراً فيما إذا حصل اتفاق بين الفتى والفتاة وموافقة اولياء امورهم دون الذهاب إلى المحكمة الشرعية ويعفى هذا النوع من العقود من الرسوم والضرائب الحكومية.

إضافة إلى ما تقدم أن هذا النوع من المراسيم الزواجية المفتوحة (قبلياً ورسمياً) لم يأخذ بنظام الزواج الداخلي فقط (أي الزواج من أبناء القبيلة الواحدة) بل يأخذ بنظام الزواج الخارجي (أي الزواج من خارج أبناء القبيلة) سواء من أبناء المجتمع المغربي أو الاوربي. إن المنطق الاجتماعي وراء هذه الظاهرة هي أن عرف القبيلة الاجتماعي لا يصيبه سوء من جراء هذه العادة امام باقي القبائل المتواجدة في المنطقة، إضافة إلى ذلك يوجد تشجيع من قبل الدولة ومن بقية أفراد المجتمع المغربي بتقديم كافة التسهيلات المادية والمعنوية والإدارية من أجل الاستمرار والمحافظة على هذه العادة. زد على ذلك فإن هذا (في نظر القبيلة) يزيد من ارتباطها مع بقية القبائل الأخرى وبقية أبناء قطاعات المجتمع الأخرى. إضافة إلى حصولها على شهرة اجتماعية ذات طابع قانوني امام الدولة وأمام المجتمع المحلي والعام.

إن هذا النوع من الزواج يختلف عما هو موجود وسائد في المجتمع العربي الذي يفضل نمط اختيار الوالدين للشريك أو الاختيار الذاتي للشريك…. إلا أن السؤال الذي نريد معرفته من الباحثين العرب هو أيهما أكثر نجاحاً ودواماً في الحياة العصرية التي يصبو إليها المجتمع العربي. نعود مرة ثانية إلى خصوصيات الحضارة من خلال استخدام الجماعات الاجتماعية رموزاً حضارية تعكس قيمهم وتفكيرهم وسلوكهم التي تساعد الباحث الاجتماعي في التحليل الحضاري في معرفة طريقة الاتصال بالأفراد ودوافعهم واستجاباتهم وتعبيراتهم الاجتماعية والوجدانية فهناك أمور خاصة بآداب التحية في كل مجتمع تختلف من واحد إلى آخر أو رمز يعبر عن الألم الذي يصيب الإنسان، فالفرد العراقي مثلاً يستخدم عبارة (أخ) إذا اصيب بألم والفرد المصري يستخدم عبارة (أي) والمغربي (أح). نلاحظ هنا اختلاف رموز التعبير عن الألم الفردي على الرغم من خضوعهم جميعاً للحضارة العربية.

3 – التغيير

من صفات الحضارة أيضاً التبدل والتغير الذي يشير إلى سلوك الإنسان في تغير وتبدل مستمر وأن أفكاره ومعتقداته وأسلوب حياته في تغير مستمر أيضاً مثل حجاب المرأة في المجتمع العراقي والسوري المصري والأردني، ختان البنات، تغير مكانة المرأة العربية، احقار المهن الحرة، نظام تعدد الزوجات بوقت واحد وزيارة المقابر. تساعد هذه الصفة الحضارية على معرفة التغيرات والتبدلات السلوكية والعقلية والقيمية الخاصة بالفرد والمجتمع في فترة زمنية معينة وجيل معين.

4 – الانتشار والتلاقح الثقافي بين الحضارات الإنسانية

مثل أخذ الثقافة العربية لبعض العادات الغربية مثل أعياد الميلاد وشهر العسل واستخدام العبارات الأجنبية في اللغة اليومية والأثاث المنزلي والمرافق العامة وموضة الملابس. إن هذه الصفة الحضارية تساعد الباحث على معرفة اثر هذه الاستعارة الثقافية على اذواق الناس وطرق عيشهم وفن الريازه وآداب التحية والمائدة عند أفراد المجتمع المستعير.

إضافة إلى صفات الثقافة وإمكانية استخدامها في التحليل الثقافي، نقدم بعض المفاهيم الثقافية والاجتماعية التي درست وحددت بواسطة هذا النوع من التحليل لأهمية تأثير الثقافة على صياغة عناصرها الأساسية مثل مفهوم الامومة والأبوة في المجتمع المرتبط بقيم ومعتقدات المجتمع وقواعده الأخلاقية والعلاقات القانونية التي تربط أعضاء الأسرة ففي مجتمع (النزوبرياند) يعتبر الزوج شخصاً غريباً بالنسبة لأولاده وليس له الحق في تأديبهم وتربيتهم إنما الشخص الذي يقوم بهذه المهمة هو خالهم والأب لا يجد غضاضة في ذلك لأن له دوره الأبوي والتربوي على اولاد اخته.

وفي قبائل (الدنكا والنوير) في المجتمع السوداني هناك ظاهرة الزواج بالميت فإذا مات الشاب دون زواج فإن اهله يخشون غضب روحه أن لم يزوجوه بعد وفاته. ففي هذه الحالة يجدون للمرحوم زوجة ينسب أطفالها إليه ويحملون اسمه أما المنجب فإنه شخص آخر، وعادة يكون ثمنه عدة ابقار ولا يكون لهذا الأب الفسيولوجي اية حقوق والتزامات مادية أو تربوية نحو الأطفال.

وفي نفس هذا المجتمع المذكور اعلاه هناك ظاهرة زواج امرأة بامرأة، فالمرأة الغنية والعاقر يكون لها حق بأن تتزوج أي عدد تشاء من النساء لتؤلف عائلة باسمها فتقوم باستئجار عاشق أو عشاق لهن ولكنها هي الزوج لهنَّ وهي (الأب الاجتماعي) للأولاد الذين يأتون من زوجاتها عن طريق العاشق المستأجر، وإذا كبر اولادها الاجتماعيون غير الفيسيولوجيون تعمل على تزويجهم وتقدم لهم المساعدات المادية وإذا شاءت إحدى زوجاتها أن تتزوج عاشقها وترحل فيبقى الاولاد مع الزوج وترحل زوجته مع عاشقها بدون مال وأولاد. أما الرجل المنجب فليس له شرف الأبوة لأنه يتقاضى اجراً نظير مقدرته على الانجاب.

نلاحظ هنا أن مفهوم الأمومة والأبوة يصاغ ثقافيًا ويختلف من مجتمع إلى آخر ومن الممكن تحليل هذه الظاهرة استناداً إلى محرماته ومفاضلته لبعض الممارسات السلوكية والاجتماعية والى معتقداته الاجتماعية والدينية. إضافة إلى ما تقدم يستطيع الباحث دراسة مشاعر وطريقة تفكير والتعبيرات الوجدانية لدى الأفراد من خلال معرفة نمط حضارتهم فدراسة العالمين “وين ومكرانهان” لـ 45 مسرحية مشهورة في المجتمع الأمريكي والألماني لمعرفة اذواق المشاهدين في كل من هذين المجتمعين والتوصل إلى معرفة اثر الثقافة على مشاعر وتفكير الناس الذين يخضعون لها فوجدوا ما يلي:

موضوع المسرحيةعند الأمريكانعند الالمان
الحب4%31%
الحكم الاخلاقي60%9%
ترسيخ العقيدة الفكرية36%44%
حب السلطة والنفوذ2%33%
الانسلاخ في المجتمع0%18%
الإيمان بالعمل11%9%
ذات هدف شخصي ومادي96%47%

توضح هذه الدراسة اثر حضارة كل من البلدين على اذواق واتجاهات فكر كتاب القصص الأمريكية والألمانية والتي تعكس حاجات المشاهدين الفنية والأدبية.

ووجد “مارك زيوروسكي” تشابه استجابة وتعبير اليهود والايطاليين في امريكا عندما يصابون بألم أو مرض حيث يعبرون عنه بالصراخ والعياط وإطلاق بعض العبارات التي تعبر عن ذلك الالم والمرض. نستنتج من ذلك أن التعبيرات الوجدانية كالشعور بالخوف والحب والكره والغضب والغيرة ممكن دراستها من خلال الإطار الثقافي وبإمكان الباحث استخدام الثقافة لتفسير وتحليل التعبير الوجداني ونمط حياة الأفراد.

وفي إمكان الباحث أيضاً دراسة تبعيات وآثار الصراعات على المجتمع التي تنتج عن صراع الأدوار الاجتماعية التقليدية والعصرية، ومن خلال تطبيق مناهج تعليمية تختلف عن الوضع الاجتماعي القائم كما حدث في المجتمع الهندي في بداية السبعينات خلال فترة حكم “أندريا غاندي” عندما التزمت عقم الرجال رسمياً من أجل تحديد نسل المجتمع الهندي ومن خلال صراع قيم الاجيال (قيم جيل الآباء والأبناء).

واستناداً إلى ما تقدم فإن الثقافة تقدم للباحث مجموعة عن التفسيرات والتحليلات العامة والخاصة بدراسة طرق حياة الناس المختلفة ودراسة طبيعة الإنسان المرنة فهي تساعده من خلال ابعادها المكانية والزمنية وصفاتها العامة. وإذا نظرنا من زاوية المجال المكاني للثقافة نجدها تتحدد برقعة جغرافية معلومة الأبعاد يعيش عليها ناس يمارسون نشاطهم الاجتماعي والثقافي كالمراكز الصناعية والتجارية والسكنية والزراعية والطلابية ومعرفة هذه المراكز تعرف الباحث على نوع النشاط الثقافي والاجتماعي لمجتمع ما.

أما إذا نظرنا من زاوية المجال الزمني فأننا نجد هناك نشاطات اجتماعية محددة بزمن معين كالمراسيم الدينية والموسمية فإذا اخذنا الثقافة العربية الاسلامية نجد هناك مراسيم وعيد الفطر وعيد الأضحى ومراسيم خاصة بشهر رمضان خاصة بمولد النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وهناك مراسيم عامة غير دينية كمراسيم عيد الشجرة ويوم الطالب. وهناك حضارات تحدد عمر الفرد الذي يريد الحصول على رخصة سياقة السيارة القانوني للزواج وبداية عمر اشتغال المرأة خارج الدار والعمر المحدد للأطفال المعفيين من أجور المواصلات الحكومية وهكذا.

إن معرفة هذه المناسبات تساعد الباحث على تفسير سلوك الناس في هذه المناسبات وأثرها على طرق عيشهم وعلائقهم الاجتماعية. وتظهر قوة الحضارة عند استخدامها لتفسير الفروق الجنسية في المجتمع فهناك أدوار اجتماعية خاصة بالمرأة تحددها الحضارة حيث تضع توقعات اجتماعية (التزامات وحقوق وواجبات) لكل دور اجتماعي يتوجب على الفرد ممارسته، أما ممارسة هذه التوقعات من قبل الفرد فإنها تعكس مركزه الاجتماعي الذي يكون أحد مكونات البناء الاجتماعي. والأمر الشيق الذي له أهمية كبيرة إلى حد ما في هذا المقام هو أنه إذا اجرينا مقارنة للمراكز المنسوبة للرجال والنساء في ثقافات مختلفة لوجدنا أن الثقافة هي التي تقر جميع المراكز الاجتماعية المنسوبة للجنسين. فإذا نظرنا إلى قبائل (الايركوس) نجدها تنظر إلى النساء كما لو انهنَّ بارعات في التعذيب وأنهنَّ ينزعنَّ إلى السادية ويستمتعنَّ بممارسة القسوة.

ويذكر “لنتن” أيضا أن نساء (الأرابش) يحملنَّ عادةً اثقل مما يحمل الرجل لأن رؤوسهنَّ أشد صلابة وقوة من رؤوس الرجال وفي بعض المجتمعات تقوم النساء بمعظم الاعمال اليدوية بينما في البعض الآخر كما هو الحال في جزر (المانكيز) نجد حتى الطبخ والاشراف على البيت ورعاية الأطفال من المهن التي يختص بها الذكور بينما تقضي النساء معظم أوقاتهنَّ في التبرج والتأنق. وعلى عكس ذلك فهناك مجتمعات تقوم المرأة فيها بالمهام الحياتية الصعبة فثقافة تسمانيا تفرض على نسائها صيد عجول البحر، إذ كنَّ يسبحنَّ إلى مأوى الفقمات بين الصخور ويطاردنَّها ويقتلنهَّا بهراوات خاصة وكانت النساء التسمانيات يصطدن السنجاب التسماني الذي يتظاهر بالموت ويتطلب هذا العمل تسلق الأشجار الكبيرة. ومع أن اسناد المهن على أساس الجنس تختلف في الواقع اختلافاً كبيراً فإن نموذج التقسيم الجنسي يكون ثابتاً. ويذهب “لنتن” في مجال آخر إلى استخدام النمط الحضاري لتفسير التميز الجنسي، ففي حضارة مدغشقر لم نجد اسناد نشاطات الرجل والمرأة في مهنة معينة. فمثلاً زراعة الارز يقوم الرجال بإعداد حوض البذور وبأعمال التجدير وبتحضير الحقول لنقل الاشتال إليها، أما النساء فيقمنَّ بزرع الاشتال وهو عمل شاق يقصم الظهور ويقمنَّ كذلك بأعمال التعشيب بينما يناط الحصاد بالرجال وبعد الحصاد تحمله النساء إلى البيادر حيث يدرسه الرجال وتذريه النساء وأخيراً تقوم النساء بهرس الحب في الجرن وطبخه بينما نجد في المجتمع العربي غموض الدور الجنسي وخاصة فيما يتعلق بدور الأم الموظفة التي لم تحدد لحد الآن الحضارة العربية أبعاد التوقعات الاجتماعية لهذا الدور فهل تريد الثقافة العربية منها أن تكون عنصراً بنّاء في المجتمع العربي الحديث والاحتفاظ بدورها القديم زوجة وأماً لأطفال دون تصارع هذه الأدوار الرئيسية في المجتمع عدم التحديد هذا ولَّد غموضاً لدور الأم الموظفة في المجتمع العربي.

إن معرفة هذه الصفة لدى الباحث تمكنه من تفسير وتحليل مشاكل العمل للأم الموظفة ومعرفة أسباب جنوح الاحداث الذين تكون امهاتهم بعيدات عن تربيتهم وعن البيت. ومن هنا نرى ضرورة استخدام الحضارة كأداة لتفسير العمليات والظواهر والمشاكل لاجتماعية وآثارها على المجتمع العام. وينبغي أن نضيف هنا إمكان الباحث استخدام التحليل الثقافي لتفسير المواقف الاجتماعية لكي تكون صورة ذهنية واضحة التفاصيل عن العناصر الداخلية في عملية التفاعل الاجتماعي عنده وكيفية تأثير هذه العملية على تشكيل جوانب معينة في سلوك الافراج وهذا بدوره يساعد الباحث على تصميم تجارب تمتاز بتحليل عميق ذي مدلولات ثقافية لتغير عملية التفاعل الاجتماعي. ولعلنا نستطيع أن نضيف إلى ذلك أن أدوار الفرد في المجتمعات الصناعية تكون متنوعة ومتباينة ومتخصصة بشروطها ومستلزماتها وواجباتها التي صاغتها حضارة المجتمع ومؤثرة على شخصية الفرد. وهذا ما يساعد الباحث على تحليل شخصية الفرد في المجتمع الصناعي وأثر التصنيع على سلوك الفرد.

أخيراً هناك دراسات علمية وميدانية استخدمت الحضارة كأداة لتفسير وتحليل كثير من العمليات والظواهر والمشاكل الاجتماعية منها:

1 – مورويكر ودنس ودكسن ولامبرت ومحي الدين صابر استخدموا أثر الثقافة على السلوك الاجتماعي من تفسير الشخصية البدوية.

2 – استخدم كل من ماري كريد ميد وهوروكس وسترودبك الحضارة في دراساتهم لتنظيم الأسرة.

3 – واستخدمت روث بندكست الحضارة لدراسة ظاهرة الحروب بين المجتمعات.

4 – ودري كروبر عملية التفاعل الاجتماعي في ضوء الحضارة.

5 – دراسة سروكن وتوينبي ونور بروب وكروفتش للمدينة والتكامل الاجتماعي من خلال دراستهم للثقافة.

6 – دراسة الاقليات الاجتماعية من خلال الزوايا الحضارية في المجتمع العراقي كما قدمها لنا كل من الاستاذ قيس النوري والأستاذ خالد الجابري

7 – استخدم محمد عثمان نجاتي الحضارة في تفسير القلق النفسي ومشاكل تكييف الإنسان للأنظمة الجديدة.

8 – استخدم كل من لويس كامل مليكة التحليل الحضاري في تفسير الفروق الجنسية في المجتمع العربي.

وفضلاً عما سبق فبإمكان الباحث استخدام الثقافة لمعرفة مدى تكيف الناس للاستخدام التكنولوجي الحديث وما يسبب ذلك من تخلف ثقافي، أي يستطيع الباحث تحليل أسباب عدم استخدام الفلاح في المجتمع الفلاحي للبذور المحسنة والآلات الفلاحية الحديثة عندما تكون عادات وتقاليد المجتمع إحدى معوقات التغير الاجتماعي والثقافي. إذن فالثقافة اداة غنية بالمعلومات وعميقة الدلائل وذات قيمة علمية أساسية في تفسير وتحليل العمليات والظواهر والمشاكل الاجتماعية. لذلك نجدها مستخدمة عند علم الاجتماع وعلم الإنسان وعلم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع الطبي وعلم الاقتصاد وعلم السياسة. [العمر. 2015. ص. ص. 173 – 182]

3 / ج – التحليل الاحصائي Statistical analysis

  لكي نجعل للإحصاء معنى اجتماعي نقوم بتطبيقه من خلال استخراجه من واقعه الاجتماعي على شكل ترجمة وتحليل معطياته ومؤشراته مثل عندما نستخرج النسبة المئوية لعدد الأميين في منطقة سكنية معينة نستطيع ان نترجمها اجتماعيًا لتسمح لنا لنقول بإنهم يعانوا من الجهل وعدم المعرفة الثقافية والعلمية وانهم بحاجة ماسة الى رعاية تربوية واجتماعية لكي يستطيعوا تنمية مجتمعهم المحلي أو عندما نستخدم الإحصاء الوصفي في دراسة جنوح الاحداث في الأسرة فإن أرقام هذا الإحصاء يشير الى الانحراف السلوكي للأحداث واحتياجاتهم للرعاية الاجتماعية.

     هذه مجرد توطئة للفائدة الإحصائية ندلف الان الى الولوج الى مدار التحليل الاحصائي المستخدم في علم اجتماع الثقافة وهي كما يلي: –

يستخدم هذا التحليل لدراسة الظواهر والمشاكل الاجتماعية صغيرة الحجم أو قريبة المدى كجنوح الاحداث أو الطلاق أو أسباب تغيب الطلبة في المدرسة أو أسباب هجرة المثقفين أو علاج الهجرة الموسمية للفلاحين والعمال وما شابه. يعتمد هذا التحليل على المعطيات الإحصائية وتشخيص أسباب الظاهرة أو المشكلة ونادراً ما يستخدم الوثائق التاريخية في تحليله لأنه يركز على تحليل الوقائع المعاصرة المستخلصة من أقوال وأفكار وسلوك المبحوثين عن طريق الاستبيان أو المقابلة أو الملاحظة بالمعايشة مستخدماً الطرق الإحصائية المتقدمة كالإحصاء الاستنتاجي الاستقرائي مقسماً مجتمع الدراسة إلى صفاته الاجتماعية (فئات اجتماعية) معبراً عنها بمصطلحات رياضية كالمتغير المستقل (الذي يشير إلى السبب) والمتغير المعتمد (الذي يشير إلى النتيجة) ومتغيرات متداخلة بين السبب والنتيجة إذن بتصنيف متغيرات الدراسة وكشف علاقتها وارتباطاتها ومؤثراتها الداخلية والخارجية. ويخضع هذا التحليل إلى تفسيرات دقيقة جداً لتحديد موقع كل متغير داخل الظاهرة أو المشكلة مستخدماً الرسوم والأشكال التوضيحية للتعبير عن موقع كل متغير واتجاه حركته نحو المتغير الآخر وارتباطاته ببقية المتغيرات. إن هذا التحليل ليس بحديث العهد فقد كان مستخدماً من قبل “دوركهايم” في دراسته لمشكلة الانتحار حيث ربط هذه المشكلة بعدة عوامل محيطة متصلة بها كحالة الزواجية فقد وجد ارتفاع نسبة الانتحار عند العزاب اعلى من معدل الانتحار عند المتزوجين وارجع ذلك إلى الاستقرار النفسي الذي يفتقر إليه الاعزب والى تمتعه بحرية فردية مطلقة نسبياً. وربط “دوركهايم” الحالة الزواجية بقانون الطلاق المعمول به في البلد، ووجد أيضاً البلدان التي تسمح بالطلاق يكون معدله فيها اعلى بكثير من البلدان التي يكون فيها قانون الطلاق معرقلا لعملية الطلاق أي يضع إجراءات عديدة لمنع وقوع الطلاق. وهنا اظهر “دوركهايم” قانون الطلاق كمتغير في تحليله السببي وأوضح لنا أن تأثير متغير واحد يؤثر على متغير آخر بشكل غير ثابت حيث يتأثر هذا المتغير بعامل الزمن والمكان الجغرافي لأنه يتغير من فترة زمنية إلى أخرى ومن مكان إلى آخر.

إن هذا النوع من التحليل يوضح لنا حقيقة مفادها ما يلي: “إن الأفراد الذين يتصفون بشكل متباين عندما يخضعون لتأثيرات اجتماعية ومحيطية مختلفة”. بمعنى آخر أن معدل الانتحار بين المطلقين في المجتمع العراقي أو الايطالي على سبيل المثال لا الحصر ليس واحداً بل يعتمد على الجماعات الاجتماعية التي ينتمي إليها المنتحرون والى طبيعة المحيط الذي يعيشون فيه والى نوع العلاقات الاجتماعية السائدة والى قانون الطلاق المعمول به في كل بلد.

أن الباحث (الذي يستخدم هذا التحليل) ينظر إلى موضوع الدراسة من زاوية تعدد المتغيرات المستقلة التي تمارسها تأثيراتها على المتغيرات المعتمدة لمعرفة فيما إذا كانت هذه التأثيرات والعلاقات أصلية أم وهمية (ظاهرية) ولمعرفة درجة تأثيرها عليهم ومعرفة فيما إذا كان الأفراد الذين يتصفون بصفات مشتركة ومتشابهة يتصرفون بشكل مختلف عندما يخضعون إلى وضعيات اجتماعية مختلفة أم لا. فمثلًا دراسة “ألن ولسن” التي استخدمت هذا التحليل لمعرفة لماذا يدرس الطلبة في الجامعة، أي لماذا لا يذهب الطلبة للحصول على عمل يشتغلون به بعد انتهائهم من الدراسة الإعدادية بدل الذهاب إلى الجامعة، لاحظت هذه الدراسة وجود عوامل متعددة تلعب دورها في أحداث هذه الظاهرة وهي قابلية الطالب العلمية وتطلعه نحوها والمنزلة الاجتماعية والاقتصادية التي تتمتع بها عائلة الطالب ودرجة التحصيل العلمي لأحد ابويه ومدى حث أبنائهم على الانجاز الاكاديمي ودفعه للتخصيص في مجالات العلم والمعرفة. إضافة إلى عامل المحيط الجامعي الذي تتصف به الجامعة وأنشطة وفعاليات علمية ودراسته ومدى فعالية هذا المحيط في تحقيق طموح الطالب وتقدمه العلمي، نلاحظ على هذه الدراسة أنها لم تؤكد فقط على مدى صدق العلاقة السببية بين المتغيرات، بل على تفاعلها أيضاً. مثال آخر يربط الظاهرة بجذورها الأصلية ومدى تأثيرها في احداثها (أي أحداث الظاهرة) وهي دراسة “جيمس دنفز” عندما وجد عدم تفوق بعض الطلبة في الجامعات التي تحمل اسماً لامعاً. فقد وجد أن الجماعة الأولى من الطلبة كانوا متفوقين في دراستهم الثانوية لكن عند تسجيلهم في جامعات كبيرة ذات اسم لامع يصبحون غير قادرين على تحقيق نفس التفوق الدراسي والتنافس المستمر مع باقي الطلبة في جامعات نشطة علمياً لشدة التنافس بين الطلبة في مثل هذه الجامعات. بينما وجد الطلبة المتفوقين في الجامعات الصغيرة غير لامعة لا تتصف بتنافس شديد بين طلبتها كانوا غير متفوقين في دراستهم الإعدادية وربط ذلك بتأثير المحيط الجامعي وأثره على تقدم وانجاز الطالب الجامعي.

وأرجع مؤلف هذا الكتاب في دراسته لتضارب أدوار الأم الموظفة في المجتمع البغدادي إلى سيادة القيم الاجتماعية في المجتمع العراقي (كسيادة الرجل على المرأة وزيادة الانجاب لديها كدليل على خصبها لا سيما الانجاب من السنة الأولى من الزواج، كذلك زيادة الانجاب لغرض توسيع حجم الأسرة يؤدي بدوره إلى الحصول على مكانة اجتماعية مرموقة، حيث كان ولا يزال يستخدمه البعض لقياس مكانة الأسرة من خلال عدد أفرادها في مثل هذا النمط) إضافة إلى متطلبات العمل الجهديه والزمنية كذلك متطلبات الحياة العصرية المادية والمعنوية. جميع هذه العوامل المتداخلة ادت إلى تضارب أدوار الأم الموظفة في مجتمع انتقالي (من مرحلة التقليد إلى المرحلة الحضرية) مثل المجتمع البغدادي.

لاحظ هنا ارجاع وجود الظاهرة إلى جذورها الاجتماعية والقيمية وربطها بواقعها الانتقالي وبتطلعات المرأة المستقبلية في الحياة العصرية. هذه مجرد امثلة توضيحية للتحليل السببي الأولى لأن التحليل السببي المتقدم يتضمن تشعبات وارتباطات وتفاعلات متعددة وتخضع لعمليات إحصائية متقدمة وأحسن من اوضح ذلك العالم “موريس روزنبرك”. وإذا اطلعنا على الاتجاهات المعاصرة في علم الاجتماع الحديث نجد أن النظريات الاجتماعية القريبة المدى ترتكز بشكل أساسي على التحليل السببي وذلك راجع لاهتمام انصار النظريات القريبة المدى إلى الكشف عن السبب والنتيجة بين المتغيرات على العلاقات الحقيقية الأصلية بينها (أي بين المتغيرات).

بيد أنه ليس كل صلة بين المتغيرات تسمى علاقة أو ارتباطاً وليس كل عاما اجتماعي يسمى متغيراً، فقد يكون (هذا العامل) يمثل مؤشرات لمتغير وليس المتغير نفسه. وقد تبدو للبعض أن هناك علاقة أصلية بين متغيرين إلا أن واقع الحال يمثل علاقة غير اقترانيه أي علاقة وهمية لكن اهمام علماء الاجتماع يتمركز حول العلاقات الحقيقية الاقترانية ولا يهتم بالعلاقات الوهمية الظاهرة أو العلاقات المبنية على الصدفة. بيد أن العالم “روزنبرك” يقول: “لا توجد علاقة وهمية بين المتغيرات بل هناك تفسيرات وهمية إلا أن العادة جرت عند البعض” فيقول “أنها علاقة وهمية بينما هي في الواقع تفسيرات وهمية” ويضرب مثال على ذلك فيقول: “يعتقد أفراد المجتمع السويدي بأن مجيء اللقلق إلى أي منطقة يزداد مع مجيئه انجاب الأطفال” أي هناك علاقة بين وجود اللقلق مع زيادة الانجاب فيسمي البعض أن هذه العلاقة وهمية وليست حقيقية. بيد أن العالم “روزنبرك” يقول: “أن هذه العلاقة ليست وهمية إنما تفسيرها يكون وهمياً لأن اللقلق لا يجلب الأطفال معه بل أن اللقلق يهاجر إلى المناطق الريفية وتمتاز المناطق الريفية بزيادة معدل الولادات أكثر من معدل المناطق الحضرية” . وهذا هو التفسير الحقيقي في نظر “روزنبرك” فيضرب مثالاً آخر على عدم وجود علاقة وهمية ظاهرية بل هناك تفسير ظاهري فيقول: “يعتقد البعض أنه كلما زاد حجم النار المشتعلة زادت الحاجة إلى عدد أكبر من رجال المطافئ لإخمادها وبالتالي تزداد اضرار المنطقة المحروقة”. لاحظ هنا أنه لا يوجد ارتباط بين حجم النار وعدد المطافئ ولا توجد علاقة سببية بينهما إلا أنه كلما زاد توهج النار المشتعلة زادت الحاجة إلى عدد أكبر من رجال المطافئ وبالتالي تزداد اضرار المنطقة المحروقة من العلاقة بين عدد المطافئ أو كمية اضرار المنطقة المحروقة ليست وهمية ظاهرية بل سماها “روزنبرك” بالعلاقة المبنية على المصادفة.

هناك مثال آخر ضربه “روزنبرك” ليوضح نوع آخر من العلاقات المتزامنة (أي العلاقة بين المتغيرات تكون ناشئة ومتطورة مع نشوء وتطور علاقة المتغيرات) مثل قراءة المسنين للكتب تكون أقل من قراءة الشباب أي كلما تقدم عمر المسنين قل ميلهم لقراءة الكتب على عكس الشباب. أن مثل هذه العلاقة تحدث بمحض التزامن بين متغير العمر ومتغير قراءة الكتب لأنه من الطبيعي أن المسنّ يكون معرضاً لأمراض الشيخوخة وتقل قوة بصره وتتحدد مواضيع قراءاته لذلك سماها “روزنبرك” بالعلاقة المتزامنة لأنها ليست سببية وليست وهمية في نظره.

نلاحظ على مناقشة “روزنبرك” أنه نفى وجود علاقة وهمية بين متغيرات الدراسة فقد تكون هناك علاقة سببية حقيقية أو تفسيرات وهمية كذلك ميز بين نوعين من العلاقات السببية غير الحقيقية هما العلاقة المبنية على المصادفة والأخرى علاقة متزامنة وهذا تحديد دقيق يخدم التحليل السببي.

وفي كتابه “منطق التحليل المسحي” للعالم “روزنبرك” حدد ثلاثة انوع من علاقة المتغيرات

هي ما يلي:

1 – العلاقة المتناظرة

أي أن هناك علاقة بين متغيرين أو أكثر لكن لا يؤثر احدهما على الآخر لكنهما مترابطان ويخضع ترابطهما إلى عدة عوامل مترابطة ومتداخلة لا يمكن تشخيص المتغير المستقل عن المتغير المعتمد بشكل واضح وقاطع، فمثلاً الجهاز الاداري البيروقراطي يتكون من عدة قواعد وأدوار ومراكز وظيفية وجميعها تخضع لمؤثرات بنائية تكون وظيفة هذا الجهاز الإداري حصيلة وظائف مكونات هذا الجهاز فمعرفة لماذا وظيفة الدور (أ) مرتبطة بوظيفة الدور (ب) غير ممكنة لأنها خاضعة لارتباطات جزئية وكلية داخلية وخارجية فيدخل المحلل في تشعبات متداخلة تبعده عن موضوع الدراسة وبالتالي لا يخرج بنتيجة واضحة وأكيدة. لذلك

من الصعب استخدام هذا النوع من التحاليل في الدراسات البنائية – الوظيفية لأن التحليل السببي يهتم بأبرز متغيرات الدراسة السببية دون الخوض بتبعيات متداخلة ولأنه أساساً مخصص لدراسة المشاكل والظواهر الصغيرة الحجم أو القريبة المدى أي أنه قادر على تشخيص أسباب مشكلة اجتماعية من عينة الدراسة وليس من مجتمع الدراسة. ولزيادة برهنة هذه النقطة نضرب مثالاً آخر، إذا أراد أحد الباحثين تحليل طريقة عيش إحدى الطبقات الاجتماعية فلا يمكنه تحليل ذلك بسبب واحد لأن هناك عدة عوامل تلعب دورها في تحديد طريقة عيشها كالمصالح والدخل والمنطقة السكنية ووسائل الترفيه والمستوى الثقافي والانتماء السياسي وغيرها. لاحظ هنا أن طريقة العيش لأحدى الطبقات الاجتماعية تمثل وحدة اجتماعية كبيرة الحجم لا يستطيع التحليل السببي حصرها ودراستها وتحليل وحداتها.

وهناك حالة أخرى لتوضيح العلاقة المتناظرة هي أكل الشرقيين للرز، فإذا أراد أحد الباحثين دراسة لماذا يأكل الشرقيون في اسيا الرز أكثر من أي أكلة أخرى فلا يستطيع تشخيص سبب أو أسباب ذلك إنما فقط يرجعها إلى المصادفة التاريخية كذلك هناك علاقة متناظرة بين شرب الشاي الاسود عند أفراد المجتمع العراقي وهناك أيضاً علاقة متناظرة بين شرب الشاي الاخضر عن أفراد مجتمع المغرب العربي فلا يوجد هناك سبب حقيقي يفسر هذه العلاقة غير المصادفة التاريخية كما يسميها “روزنبرك”.

2 – العلاقة التبادلية

هذا النوع من العلاقات يختلف عن النوع الأول من حيث حجم مجتمع الدراسة أي أنها موجودة في الدراسات الصغيرة الحجم كالأسرة والجماعات الصغيرة المدروسة والظواهر الاجتماعية القريبة المدى إلا أنها تشبهها (أي العلاقة المتناظرة) من حيث عدم تشخيص أيهما المتغير المستقل وأيهما المتغير المعتمد ففي داخل نفس الظاهرة يصبح المستقل معتمداً والمعتمد يصبح مستقلاً فتتغير الشخصيات على الباحث فلا يستطيع تحديد (بشكل واضح وقاطع) المتغير المستقل والمتغير المعتمد، فالأول يؤثر بالتالي وبالوقت نفسه يؤثر الثاني بالأول لذلك سميت بالعلاقة التبادلية أي تبادل التأثيرات بين متغيرات الدراسة. فمثلاً الشركة التي تزيد

من إنتاجها قصد زيادة محصولها، فكلما زادت استثماراتها زادت ايراداتها المالية، وزيادة ايراداتها تؤدي إلى زيادة استثماراتها وهكذا. مثال آخر نزاع الزوج العصبي المزاج مع زوجته النحسة حيث يسبب انفعال الزوج زيادة في نحاسة الزوجة، وزيادة نحاسة الزوجة يؤدي إلى انفعال الزوج العصبي وهكذا فإنها عملية دورية لا يستطيع الباحث تحديد السبب والنتيجة وفي هذا المجال يسأل “هربرت بلالوك”، نعم هناك علاقة تبادلية بين المتغيرين بشكل دوري ومستمر وعلى الباحث أن لا يقف مكتوف اليدين بل يجب أن تحدد بشكل واضح أيهما أكثر تأثيراً في كل مرة؟ أي عندما يؤثر المتغير (س) على المتغير (ص) في المرة الأولى، فكم تأثيره هنا وعندما يؤثر المتغير (ص) على المتغير (س) فكم تأثيره هنا وعندما يؤثر المتغير (س) على المتغير (ص) في المرة الثانية كم تأثيره هذه المرة وهكذا.

نلاحظ على هذا النوع من العلاقات أنه لا يخضع للمصادفة التاريخية بل إلى تأثيرات متبادلة دورية بين متغيرين متفاعلين بشكل جدلي لا يدخل في تشعبات وتفاعلات متداخلة بين عدد كبير بين المتغيرات.

3 – العلاقة غير المتناظرة

أي أنه هناك علاقة بين متغير (أ) ومتغير (ب) واستطاع الباحث أن يحدد أيهما المستقل وأيهما المعتمد وتشخيص درجة تأثير الأول على الثاني وهذا هو هدف أصحاب التحليل السببي لذلك نجده في بحوثهم باستمرار ونادراً ما نجد النوع الأول من التحليل السببي (العلاقة المتناظرة) والنوع الثاني (العلاقة المتبادلة) إلا أن تحديد المتغير المستقل والمعتمد ليس بالأمر الهين عند الباحث لأن المتغيرين يخضعان لعدة حالات اجتماعية حدد منها “روزنبرك” أربعة هي ما يلي:

أ – المحفزات والاستجابات: أي هناك مؤثرات تمثل المحفزات واخرى تمثل الاستجابات، تعمل هذه المؤثرات على تشكيل علاقة السبب والنتيجة لذلك يتطلب من الباحث في مثل هذه الحالة معرفة ماهي المحفزات والاستجابات ضمن تشخيصه للعلاقة السببية غير المتناظرة.

ب – الظروف الشرطية: لكل متغير ظروف مؤقتة تعكس الوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وتؤثر على تحركاته تجاه المتغيرات الأخرى مما يعمل على تشكيل علاقة سببية بينهما مرهونة بالظروف الشرطية المؤقتة لذلك يتطلب من الباحث في مثل هذه الحالة أن يستقصي هذه الظروف لكي يشخص نوع ودرجة العلاقة غير المتناظرة بين المتغيرات.

ت – الضرورات المسبقة: أي هناك عوامل أو ظروف أو شروط أساسية تسبق وجود علاقة المتغير المستقل بالمعتمد وذات تأثير بالغ على تشكيل علاقة المتغير وضرورة الانتباه إليها عند تشخيص العلاقة.

ث – العلاقة المستكنة: أي هناك ظروف أو شروط أو بذور داخل الظاهرة أو المشكلة المدروسة تساعد على تشكيل علاقة المتغيرات ولا يمكن فصلها عن هذه العلاقة لذا يتطلب من الباحث الانتباه إليها وإبرازها عند دراسته.

بعد أن عرفنا المؤثرات العامة على علاقة المتغير المستقل على المتغير المعتمد ننتقل إلى توضيح مرحلة أخرى من مراحل إجراءات التحليل السببي وهي تجديد موقع المتغير المستقل والمتغير المعتمد داخل الدراسة أي بعد أن شخص الباحث السبب والنتيجة وتعرف على العوامل المؤثرة في تشكيلها يأتي إلى تحديد هل أن العلاقة بين المتغيرين يعرف فيما إذا كانت مباشرة أو غير مباشرة؟ وإذا كانت غير مباشرة فبواسطة أي متغير ظهرت هذه العلاقة؟ وماهو موقع هذا المتغير الوسيط بينهما؟

فهناك عدة حالات للعلاقات غير المباشرة بين المتغير المستقل والمعتمد أهمها ما يلي:

1 – العلاقة المشروطة المؤقتة: أي أنه هناك علاقة بين متغير (أ) ومتغير (ب) لكن هذه العلاقة لا تتم إلا بحضور متغير مستقل آخر (ج) وإذا غاب هذا المتغير تختفي علاقة المتغير (أ) بالمتغير (ب). إذن علاقة (أب) مشروطة بحضور (ج) وتكون مؤقتة لأنها تغيب بغياب المتغير (ج). ويسمى المتغير (ج) بالعامل الاختباري أي الذي يختبر حقيقة علاقة المتغير المستقل بالمعتمد.

2 – علاقة سببية: تتم بالواسطة أي هناك علاقة سببية بين السبب (أ)والنتيجة (ب) إلا أن هذه العلاقة لا تحدث إلا من خلال المتغير (ج) الذي يجب أن يكون موقعه بين المتغير المستقل (أ) والمتغير المعتمد (ب) واي تغيير يحدث في المتغير (ج) يؤثر على المتغير (أ) فهو إذن متغير اختباري والمتغيران (ج و أ) يؤثران على المتغير (ب) المعتمد مثال على ذلك، علاقة قيمة المهر بتأخر سن الزواج عند الشاب، هذه علاقة سببية غير مباشرة لأن قيمة المهر تتأثر بطبيعة الاستهلاك الظاهري لأفراد المجتمع، فكلما زاد الاستهلاك الظاهري عند الأفراد (أي شراء كماليات وحاجيات مترفه قصد المفاخرة والتباهي امام الآخرين أو قصد عكس مكانة الفرد الاقتصادي والاجتماعية) زادت قيمة المهر لاحظ هنا أن الاستهلاك الظاهري اصبح متغيراً اختبارياً يؤثر على المتغير المعتمد (قيمة المهر) والمتغيران (الاختباري والمستقل) يؤثران على المتغير المعتمد (تأخر سن الزواج عند الشاب). وقد تبدو للبعض أن هذا النوع من العلاقة شبه النوع الأول (المشروطة المؤقتة). لكن واقع الحال ليس كما يبدو، لأن قيمة المهر غير مرتبطة ارتباطاً ميكانيكياً بالاستهلاك الظاهري بل هناك متغيرات أخرى تؤثر على قيمة المهر، أي هناك عوامل مؤثرة على المتغير المستقل والجميع يؤثرون على المتغير المعتمد لاحظنا معا أن هناك علاقة غير مباشرة بين المتغيرات تتم عن طريق ثالث، إلا أن هناك نوع آخر من العلاقات وهو العلاقات المباشرة التي تتم بين المتغير المستقل والمعتمد لكن هناك متغيرات تحاول أن تحجب أو تمنعه استمرارية هذه العلاقة أو تحول العلاقة من السلب إلى الموجب. إلى هنا نتوقف عن عرض أنواع العلاقات التي يستخدمها التحليل السببي. والآن نوضح أهم المفاتيح التحليلية التي يتم بواسطتها توضيح دقائق المتغيرات وهي ما يلي:

1 – متوقف على، أن هذا المفتاح التحليلي يعني علاقة المتغيرات داخل وخارج موضوع الدراسة معاً. فمثلاً أن نوع ودرجة العلاقة الاجتماعية (تتوقف على) نوع ودرجة التفاعل الاجتماعي الحاصلة بين الأفراد وليس العكس صحيح. مثال على ذلك، أن ظاهرة (ج) تحدث بنسبة 50 % تحت ظروف (أ) تكون ظاهرة (د) غير موجودة لكنها موجودة تحت ظروف (ب) أي أن ظاهرة (ج) متوقفة على ظرف (أ)، وتكون ظاهرة (د) متوقفة على وجود ظاهرة (ب).

انظر الجدول رقم (1)

       ظرف أ   ظرف ب
ظاهرة جـ      50    5
ظاهرة د        0       40

وقد نستطيع أن نترجم هذا المثال الرمزي على صعيد الحياة الاجتماعية في المثال الآتي انظر الجدول رقم (2)

نوع الجنسفقدان أحد الأبوين     الهجرة
ذكر       50       0
انثى        0       40

نلاحظ على هذا الجدول أنه هناك علاقة قوية بين جنوح الذكور وفقدان أحد الأبوين، وجنوح الاناث وهجرة العائلة من الريف إلى المدن. أي أن جنوح الاحداث يتوقف على ثلاثة عوامل هي نوع الجنس وفقدان أحد الأبوين والهجرة من الريف إلى المدن.

وهناك نوعان من مفتاح (التوقف على) هما، التوقف الأولي البسيط مثل يتوقف حدوث ظاهرة (أ) على وجود ظاهرة (ب). فانحراف الاحداث يتوقف على عامل تفكك الأسرة ولا يمكن اعتبار العائلة المفككة متوقفة على جنوح الاحداث. أما النوع الثاني فهو التبادلي أي أن وجود المتغير المستقل متوقف على وجود المتغير المعتمد وبالوقت نفسه يتوقف المتغير المعتمد على وجود المتغير المستقل أي هناك اعتماد متبادل بين متغيرات الدراسة. مثال على ذلك كلما زادت درجة الحراك الاجتماعي تغيرت مكانة الفرد الاجتماعية وكلما تغيرت مكانة الفرد الاجتماعية زادت درجة الحراك الاجتماعي. أي اعتماد متبادل بين مكانة الفرد والحراك الاجتماعي.

2 – الاشتمال على، أي احتواء الظاهرة على عدة متغيرات دون الاعتماد عليها. بمعنى آخر أن متغيرات الظاهرة لا تسبب حدوثها ولا تتغير بتغيرها. مثال على ذلك اشتغال المرأة خارج الدار تتضمن هذه الحالة عدة متغيرات منها قلة الإنجاب، ارتفاع دخل الأسرة، تغير نوع تربية الابناء، هبوط معدل الخصوبة الجنسية العام وغيرها. جميع هذه المتغيرات تتضمنها حالة اشتغال المرأة خارج الدار، بيد أن اشتغالها خارج الدار لا يتوقف على المتغيرات المذكورة آنفا. وهذا مفتاح تحليلي سببي ثان يساعد الباحث على تفسير مكنونات المتغير.

3 – المفتاح التحليلي الثالث، هو (العلاقة) أي اتصال متغير السبب بمتغير النتيجة واتصال متغير السبب بمتغيرات سببية أخرى (غير النتيجة) وقد شرحنا سابقاً أنواع العلاقات فلا داعي لتكرارها ثانية.

أخيراً يفيد التحليل السببي الدراسات الاجتماعية التجريبية والميدانية ذات حجم سكاني صغير يبحث بالوصول إلى معرفة جذور الظاهرة أو المشكلة المدروسة ومعرفة مكنوناتها من خلال تشخيص متغيراتها وكشف علاقات هذه المتغيرات. بيد أن هذا التحليل غير قادر على دراسة المواضيع التي تهتم بحجم سكاني كبير أو مواضيع تاريخية لتعدد متغيراتها وتشعب ارتباطاتها ومؤثراتها وسعة أبعاد حجمها الاجتماعي لذلك تأتي تعميمات نتائج التحليل السببي مقتصرة فقط على حجم دراستها وليس على كافة المجتمع الإنساني ثانية وعلى مر الزمن، أي نتائج محلية تعكس زمن موضوع الدراسة. [العمر. 2015. ص. ص. 146 – 156]

3 / ح – التحليل المقارن Comparative analysis

    استخدم عالم الاجتماع الروسي “بيترم سروكن” هذا التحليل عندما قارن بين المكونات الثقافية في مقاطعة فولكا في الاتحاد السوفيتي (سابقًا) مع مكونات الالة الميكانيكية حيث قال: “إن مكونات الثقافة تخضع لتفاعل مستمر فيما بينها بالإضافة الى تأثير المحيط الخارجي على استمرارية هذا التفاعل ونتيجة هذا التفاعل تتولد وظائف لا معنى لها داخل الثقافة لأن لها حيزًا فيها (داخل الثقافة) ففي شمال الاتحاد السوفيتي يشرب الناس الفودكا (أحد أنواع الخمور الروسية) وتبنى بيوت سكان فولكا من جدران سميكة حفاظًا على الناس من البرد القارص ويضعون داخل منازلهم مدافئ كبيرة ويلبسون احذية خاصة تحمي أرجلهم من البرد الشديد ويجتمع أفراد مجتمع فولكا كل مساء في أحد المنازل بشكل دوري يشربون مشروب الفودكا المسكر ويأكلون اللحوم ويغنون ويرقصون. هذه هي خصائص صفات ثقافة المجتمع الفولكي. كل صفة تمثل عنصرًا ثقافيًا خاصًا بها ولا يوجد ارتباط وظيفي أو منطقي بين هذه العناصر فشرب الفودكا لا يرتبط بلبس الحذاء الخاص بالبرد وهذا لا يرتبط بوجود المدفئة الكبيرة. لكن هذه العناصر الثقافية مرتبطة بالجو البارد لذلك ارتبط كلٍ منهما بالأخر بشكل جزئي وغير مباشر بسبب العامل الخارجي وهو الطقس البارد. هذه الارتباطات متشابهة في رؤية “سروكن” لموقع المسمار أو (البرغي) في الماكنة الذي لا يكون مرتبطًا بشكل مباشر مع جميع آلات الماكنة إلا انه يرتبط مع باقي أجزائها من خلال الهيكل العام للسيارة وإذا رفعنا – القول لسروكن – أحد آلات الماكنة للسيارة فإن ذلك سوف لا يتغير أي شيء في جوهر الماكنة إنما تفقد بعضًا من وظائفها المترابطة. [Sorokin. 1967. P. 110]

    مقارنة ظاهرة واحدة عبر مراحل مسيرتها التاريخية عند أكثر من مجتمع واحد قام بها “رينهارد بندكس” انصبت على مقارنة البناء الاجتماعي الياباني مع الألماني بعد المرحلة التطورية الصناعية وانتاجهما الصناعي حيث كانت الدولتان قد خرجتا من المرحلة الزراعية التقليدية واستخدام الحيوان وعضلات الإنسان في الزراعة التقليدية الى المكائن الحديثة وخرجتا اجتماعيًا من المرحلة التقليدية الى مرحلة الإنجاز والتحصيل العلمي ومن الاكتفاء الذاتي الى الإنتاج الخارجي وتصنيع وتحضر الريف الى درجة عالية ودقيقة في نظام تقسيم العمل داخل المعامل والمصانع والتنظيمات البيروقراطية والتعليم الابتدائي العام، كذلك قارن بين الفئة الحاكمة والطبقة الارستقراطية والفكر الارستقراطي عند البلدين. [Bendix. 1970. Pp. 311 – 316]

    بعد ان قدمنا مثالين على الدراسات المقارنة في علم الاجتماعي الثقافي ندلف الى محيط تحليله.

يقوم هذا التحليل بتفسير وتحليل وقائع مقارنة الوجهات الاجتماعية ضمن النظام

الاجتماعي الواحد مثل تحليل نتائج مقارنة جنوح الاحداث عند بناء الطبقة الفقيرة مع أبناء الطبقة الغنية أو دراسة النظام البيروقراطي عن الشركات الاهلية والحكومية في مجتمع واحد وتحليل وقائع مقارنة الوحدات الاجتماعية لظاهرة واحدة عند مجتمعين يمثلان مرحلة تطورية متشابهة مثل دراسة البناء الاجتماعي عند المجتمع الفرنسي والياباني أو مقارنة وحدات اجتماعية لظاهرة واحدة عند مجتمعين يمثلان مرحلتين مختلفتين في التطور مثل مقارنة النظام التربوي في المجتمع المغربي مع النظام التربوي في مجتمع المانيا الغربية.

يستخدم هذا التحليل الارقام والسجلات والوثائق والمواد التاريخية ونتائج البحوث

السابقة والجديدة عند التحليل سواء كان ذلك للدعم أو للرفض. كذلك يستخدم طريقة

تصنيف وترتيب وحدات الدراسة حسب تسلسلها وأهميتها بشكل منظم وأهمية هذا التصنيف هو إجراء عملية مقارنة من أجل الوصول إلى أو التعرف على أكثر الوحدات أهمية. أن تصنيف وترتيب الوحدات الدراسية لا يعني التحليل المقارن نفسه بل هو إحدى خطوات هذا التحليل لتحديد أي من الوحدات ذات أهمية أكثر من الاخريات بالمقارنة معها وتسمى هذه (المقارنة الضمنية) هدفها الخروج بوحدات مصنفة على سلم متدرج حسب اهميتها فمثلاً مقارنة النظام الصناعي المعاصر بالنظام الريفي التقليدي الذي يتطلب من الباحث هنا ملاحظة وحدات الدراسة عند النظام الصناعي المعاصر مثلاً وتصنيفها على سلم متدرج حسب اهميتها داخل نظامها ويعمل نفس الشيء مع النظام الريفي التقليدي ثم يعقد مقارنة مع وحدات الدراسة عند النظامين حسب درجاتهما في الاهمية وتسمى هذه العملية بالمقارنة المنظمة.

يخضع هذا التحليل إلى اربع حالات من المقارنة وهي كما يلي:

1 – مقارنة متغير واحد في مجتمعات متشابهة كدراسة “مارك ابرهامن” لثمانية وثلاثين مجتمعاً يمثلون مرحلة ما قبل التصنيع فصنف الباحث (استناداً إلى أسلوب هذا التحليل) المتغير إلى ست وحدات اجتماعية متسلسلة ومترابطة في تلك المجتمعات هي:

أ – البناء الاجتماعي

ب – البناء السياسي

ج – البناء السكاني

د – النمو الاقتصادي والاجتماعي

هـ – النظام القرابي

و – الاضطهاد الخارجي.

مثال آخر دراسة الوضع التربوي لأبناء العمال اليدويين في المدارس الابتدائية عند ثلاثة مجتمعات صناعية.

2 – مقارنة عدة متغيرات في مجتمعات متشابهة كدراسة “مارفن آلوسن” للتطور السياسي لمائة وخمسة عشر قطراً امياً وصنف متغير التطور السياسي إلى خمس وحدات اجتماعية هي كما يلي:

أ – الوظيفة الادارية

ب – الوظيفة القانونية

ج – التنظيم الحزبي

د – السلطان والسلطة

هـ – تأثير المواطنين

ثم صنف كل وحدة اجتماعية إلى ثلاث وحدات اصغر فأصبحت لديه خمسة عشر

متغيراً خاضعة للمقارنة في مائة وخمس عشر قطراً نامياً.

3 – علاقة متغيرات في مجتمع واحد مثل دراسة التنمية الاجتماعية وعلاقتها بالدخل القومي في المجتمع الصناعي، أو دراسة علاقة معدل الانجاب بالطبقة الاجتماعية والمنطقة الجغرافية (حضرية ريفية) في المجتمع في المجتمع الصناعي.

علاقة متغيرات في مجتمعات متباينة مثل دراسة علاقة التنمية الاجتماعية وعلاقتها

بالدخل القومي في مجتمع صناعي ومقارنة تلك العلاقة بمجتمع زراعي وانتقالي.

إن المثالين الآخرين يعتبران من اعقد أنواع التحاليل لأنهما يحتاجان إلى جهد كبير وثقافة عميقة وواسعة عند الباحث وخبرة لمثل هذا النوع من التحليل، لكن على الرغم من ذلك فإن مثل هذا التحليل يعطي اتساعاً أوسع في الفكر النظري ومتانة الأسلوب المنهجي في دراسته ظاهرة واحدة في عدة حالات ووضعيات وتعطي درجة وعمق موضوع الدراسة إضافة إلى انهائها للمعرفة العلمية عند الإنسان.

ومن الجدير بالذكر في هذا المبحث أن هذا التحليل يستخدم نوعين من المعلومات

والبيانات عند التحليل هما ما يلي:

1 – معلومات وبيانات موجودة مسبقاً في أدبيات علم الاجتماع.

2 – معلومات وبيانات جديدة خرجت من الميدان العلمي بواسطة بحوث حديثة بيد أن لكل نوع من هذه المعلومات والبيانات مشاكل تحليلية تقترن بها، فالمشاكل المقترنة مع النوع الأول هي اختلاف هدف جمع المعلومات والبيانات المتعلقة بقطر أو مجتمع الدراسة الخاضع للمقارنة. فمن المعلوم أن هناك دوائر ومراكز تهتم بجمع معلومات حول تركيب وطبيعة وتوزيع السكان داخل القطر وعمل مسوحات حول مواضيع مختلفة لكن هذا الاهتمام يختلف من قطر إلى آخر ومن مركز بحوث إلى آخر، وقد تجمع هذه المعلومات من قبل دوائر رسمية أو اهلية ومن الطبيعي أن هذه الدوائر تختلف حول هدف جمعها للمعلومات وتختلف في طريقة جمعها فمنها ما تجمع عن طريق المقابلة ومنها ما تجمع عن طريق الاستبيان أو الاثنين ولكل طريقة محاسن ومساوئ، وقد تخضع هذه الدوائر أو مركز البحوث لسياسات حكومية خاصة ومختلفة الواحدة عن الأخرى إضافة إلى اختلافهم في المستويات العلمية والإحصائية في جمعهم للمعلومات وهذا يؤثر على طريقة المقارنة وأسلوب تحليلها وقد يضطر الباحث إلى تعديل بعض هذه المعلومات والبيانات لكي تكون صالحة للتحليل وهذه تؤثر على درجة علمية تحليل الباحث ويشوه نتائج المقارنة.

المشكلة الأخرى التي تؤثر على عملية التحليل المقارن هي اختلاف عينة المسح المستخدمة في الدراسات المقامة مسبقاً من حيث الكم والنوع والجهة التي قامت بالمسح الاجتماعي. لذا يجب على الباحث الذي يستخدم هذا النوع من التحليل لن يعرف الجهة التي قامت بالمسح وظروف تحديد حجم عينة البحث. لأن مقارنة نتائج بحوث مستخرجة من عينات متباينة في حجومها يؤدي إلى تباين في التحليل المقارن لذا يجب على الباحث أن يحلل نتائج مستخلصة من بحوث ذات عينات واحدة أو متقاربة في حجومها. فدراسة “بندكس” ولبست للحراك الاجتماعي كانت مقامة على دراسات سابقة مستخلصة من بحوث ذات عينات متشابهة اعتمدت على مقارنة الجيل الثاني مع الجيل الأول أي مقارنة مهن الجيل الابناء مع مهن جيل

الآباء ومعرفة الفرق بينهما. ومن خلال ذلك توصلا إلى اتجاه الصعود الاجتماعي. ودراسة لبست “وزيتربرك” للحراك الاجتماعي لأبناء المهن اليدوية مع أبناء المهن غير اليدوية حيث سحبا عينتين متشابهتين من الجماعتين وحللا نتائج مقارنتهما.

أخيراً يجب على الباحث أن يفهم هدف أو أهداف المعلومات المجمعة مسبقاً فإذا كانت مجتمعة للأغراض غير العلمية فمن الخطورة استخدامها في هذا التحليل خوفاً من تحيزها وعدم موضوعيتها.

أما النوع الثاني من المعلومات المجمعة والتي تكون حديثة وذات هدف علمي يخدم

التحليل الاجتماعي وصممت من أجل الدراسات المقارنة فإنها تكون ذات فائدة علمية أكثر من النوع الأول ويمكن تصنيف هذا النوع من المعلومات الجديدة إلى نوعين هما ما يلي:

1 – نفس المعلومات، اجريت أكثر من مرة على عدة مجتمعات وحضارات مختلفة من أجل التوصل إلى تعميمات أكثر دقة وعمقاً في الموقع الاجتماعي.

2 – معلومات جمعت لغرض المقارنة العلمية منذ البداية.

لذا يجب على الباحث الذي يستخدم هذا النوع من التحليل أن ينتبه إلى أنواع المعلومات المجمعة وهدف وزمن جمعها لكي يصل إلى تحليل عميق ومنظم وقائم على معلومات رصينة.

أخيرا أن احسن أنواع التحليل المقارن هو الذي يبني على أساس برهنة الفرضيات أو رفضها عند عدة حضارات أو مجتمعات مختلفة ومتباينة من أجل توسيع المجرى الفكري في التنظيم الاجتماعي ومن أجل الوصول إلى تعميمات أوسع لنتائج الدراسة، لكن مثل هذه البحوث تتطلب جهداً أكثر وتكلف مالا باهظاً .

[العمر. 2015. ص. ص. 162 – 166]

                                الفصل الرابع

      مرئيات نظريات علم الاجتماع للثقافة الاجتماعية

 

 

4/ أ – النظرية الوظيفية

4 / ب – النظرية الصراعية

4 / ت – نظرية التفاعل الرمزي

4 / ث – نظرية ما بعد الحداثة

4 / ج – مستقبل الثقافة الاجتماعية

                              الفصل الرابع

     مرئيات نظريات علم الاجتماع للثقافة الاجتماعية

 

تحتل الثقافة الاجتماعية الركن الركين والعمود الفقري في تفاسير وتحاليل وشروحات علماء الاجتماع والانثروبولوجي (الإنسان) للسلوك الاجتماعي وبالذات في ضوابطه العرفية والوضعية التي تمثل ديدنهم ومرماهم الأول في اختصاصهم حتى عند اختلافهم التنظيري.

    يعتبر موضوع الثقافة الاجتماعية من المواضيع الشاملة والكاملة وليس الجزئية والصغيرة لذلك يراها علماء الاجتماع بإنها تمثل Macrolevel لا تشبه دراسة السلوك الإنساني لأنها بكلتا شقيها المادي والمعنوي من صنع ونتاج الإنسان وتفاعلاته الاجتماعية والبيئية. فثقافة البدو غير ثقافة الفلاحين ولا تشبه ثقافة الصناعيين…. وهكذا، لكن مكوناتها الرئيسية واحدة إنما أسلوب التعبير عنها يختلف من مجتمع لأخر وأنها موروثة تنتقل من جيل لأخر شفاهةً وكتابةً.

    فالنظريات الاجتماعية تناولت الثقافة الاجتماعية من حيث كونها: –

1 – مشبعة لحاجات الأفراد الاجتماعية بالإضافة الى الحاجات البيولوجية والاتصالية.

2 – ضابطة لقواعد سلوك وتفكير الأفراد وموجهة لهم.

3 – أنها متطورة لكنها ببطء في حركتها إنما غير راكدة. أي تأخذ وتعطي في تعاملها مع الثقافات الأخرى.

    فمثلًا النظرية الوظيفية لا تهتم ولا تركز على مصدر بلورة المعايير والقيم الثقافية بل تهتم بوظيفتها الإيجابية والسلبية بينما منظري الصراعية تناولوها وأكدوا على مصدرها هو أصحاب النفوذ والسلطة العليا المتنفذين في المجتمع والمتحكمين بأفراد الطبقات الأخرى.

   كذلك ترى الصراعية ان الأفكار والقيم الثقافية تخدم فئة ضيقة من المجتمع وليس كافته. أي الفئة التي صنعتها وتمسكت بها لخدمة مصالحها وضمان بقائها على قمة الهرم الاجتماعي وهنا تكون الثقافة أداة ضاربة في استعباد الأغلبية غير المتنفذة وإنها تصادر حرية الفرد وابداعه وتطلعه الخاص. أي يتم صهره في الثقافة لا حبًا بالثقافة بل لتحجيمهم وتقييد حريتهم. هكذا يرى منظري الصراعية للثقافة الاجتماعية على عكس الوظيفيين الذين يدعمون مكوناتها ويروا الخروج عنها يعني اعتلالاً ثقافياً.

فكبار السن وأصحاب المواقع العليا والأغنياء يكونون دائماً مؤيدي ومناصري لعناصر الثقافة الاجتماعية لأنها تخدم مصالحهم ومواقعهم لذلك يؤكدون على بقاء الوضع الراهن كما هو فيكونون معادين ومعارضين للتغير الثقافي وهذا ما لا يراه منظري الصراعية.

فضلاً عن ذلك ترى الصراعية ان الجانب المعنوي في الثقافة هو من صنع الجانب المادي وهو المتحكم فيها على نقيض الوظيفيين الذين يروا عدم تحكم الجانب المادي الثقافي على المعنوي لأنهم هم قادة وكبار الجانب المادي فيها فلا يؤيدون تحكم المادي بالمعنوي خوفًا على سلطانهم.

حالة أخرى يختلف حولها المنظرين الصراعين مع الوظيفيين وهي إن ثقافة الأغلبية في المجتمع تكون متسلطة على الثقافات الفرعية التي تمثل الأقليات العرقية والرسية والدينية مما تسبب انشطارات ثقافية في المجتمع الواحد، بينما الوظيفيين لا يروها هكذا بل انها مجرد فروع من الثقافة العامة السائدة ولا توجد بينهما خلافات ولا صراعات.

ولا جرم من القول بإن الصراعين يرون الثقافة قد تم تحويلها الى رأس مال ثقافي لخدمة أصحاب التفاعليين الرمزيين مع الصراعين في تحول المفاهيم المادية الى المعنوية من حيث معرفة قيم الإنسان الاجتماعية من خلال القيمة المادية التي يمتلكها. فالثري تكون مكانته ونفوذه عالٍ ومتميز، فالمادة جعلت بعض الأفراد ان يكونوا مشاهير وأبطال ونجوم أي انها باتت وسيلة للوصول الى أهداف معنوي وليس العكس ومن خلال ذلك أضحى الإنسان مبدعًا ومتحرراً من القيود الاجتماعية التي حجمت نشاطه وطموحه. هذا ما يجده أصحاب النظرية التفاعلية الرمزية.

     ثم جاء المنظرين ما بعد الحداثة الذين زادوا من تنظيرهم في المجتمعات الصناعية الرأسمالية الحديثة التي تمتلك الثقافة المقلدة للواقع والمفرطة في تأثيرها على الناشئة وهذا يعني أنهم دلفوا الى مدار جديد يختلف عن الصراعين والوظيفين.

   تعليقي على هذا التباين (وليس الاختلاف) بين المنظرين الاجتماعيين هو أنهم واكبوا حركة تطور المجتمعات من البدائية للريفية ومن ثم الحضرية والصناعية ولما بعد الحداثة هذا وحده يكفي للقول بإن ثقافتهم الاجتماعية تتطور مع تطور حياتهم المادية مما تؤثر على حياتهم المعنوية. فالوظيفية ليست محافظة في تنظيرها بل صورت المرحلة المحافظة التي كانت تعيشها المجتمعات قبل قرن من الزمن ثم جاءت المؤثرات المادية فحولت المجتمع الى الحالة غير المحافظة فنقدت المتمسكين بالثقافة لأنهم يريدوا الحفاظ على وضعهم الراهن بينما المرحلة التي جاءت بعدها خرجت من مرحلة تسلط الثقافة الموروثة على أهلها نحو الخروج عنها الى أن وصلت الى تأثيرات التقدم التكنولوجي في تنشئة الناشئة في العصر الحديث فأصبحت ثقافتهم مطنبه في تزيفها ومفرطة في تزويقها فباتت حياتهم تعيش في ظل النزيف الواقعي الشبيهة بالواقع الحي.

بعد هذا الاستهلال أتحول الى تقديم النظريات الأربعة في علم الاجتماع التي درست الثقافة الاجتماعية من منطلقاتها النظرية.

4 / أ – النظرية الوظيفية Function theory

   تركز هذه النظرية تأثير الثقافة الاجتماعية على تماسك الأفراد وتكتفهم وعدم تمزق صلاتهم الاجتماعية وعلى تنشيط فعالياتهم فضلًا عن نقل تراث اسلافهم (في اللغة والدين والسلوك والعادات والقيم) الذي كانوا يمارسوه في حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والصناعية والدينية والرياضية وتحثهم على خدمة المجتمع.

لكنها ترى الأفراد في الوقت الحاضر غير مندفعين في تطوعهم الاختياري لمساعدة الضعفاء والمحتاجين غير أبهين بالمعايير والقيم التقليدية بسبب خضوعهم للمؤثرات المادية التي طغت على المعنوية مما أدى الى هبوط في انتماءاتهم ومشاركاتهم الجمعية وضعف متماهي مع القيم الاجتماعية مما ساعد على تبلور التفكك الاجتماعي والتمزق النسيجي في الأسرة والجيرة والمجتمع المحلي فزادت حالات العلل الاجتماعية وطغت العلاقات الشخصية والمصلحية والمجهولية فهزل التماسك الاجتماعي فلم يبقى التكامل والتساند والاندماج الذي كان يمنح الفرد الشعور بالانتماء للمجتمع. ولما كانت حياة المجتمع المعاصر معقدة التركيب ومتنوعة الاتجاهات غاب الشعور بالانتماء الميكانيكي للمجتمع وحلَّ محلَّه الانتماء العضوي والشخصي والمصلحي.

   ولما كانت الثقافة الاجتماعية أقوى القوى الموحدة والمدمجة للأفراد في مجتمعهم أصبحت الان تفرض قوتها المادية (بسبب تفوق الجانب المادي على المعنوي في تركيبها) على الأفراد بعدما كانت قوتها المعنوية الأكثر تأثيراً فضعف التماسك والمشاركة العامة في النسيج الاجتماعي.

    يرى الوظيفيون ان للثقافة الاجتماعية وظيفة وخدمة كبيرة وجوهرية لأبناء المجتمع وهي انها تقوم بدفعهم للتجانس والتضامن على الرغم من اختلافهم عرقيًا ورسيًا وطبقيًا وعمريًا وقبليًا بحيث تجعلهم وكأنهم فريق رياضي واحد يلعب أمام الفرق الثانية لكن هذه الخدمة الوظيفية للثقافة من قبلها للأفراد تولد عندهم التماهي المفرط والمكثف في ممارسة عناصرها في الدين واللغة والعادات والمعتقدات مما تثير حفيظة أفراد المجتمع الذين لديهم ثقافات فرعية مسببة صراعاً بينهم بمعنى مسببة اعتلال اجتماعي ومشكلات تحمل التعصب والتميز بين أبناء المجتمع الواحد وهذا بدوره يولد تصدع في تماسك افراد المجتمع. فالثقافة الاجتماعية بقدر ما هي إيجابية في تضامن الأفراد تكون سلبية عندما تتعصب لمعاييرها وقيمها.

4 / ب – النظرية الصراعية Conflict Theory

   تستند هذه النظرية على احتمال مفاده أن الحياة الاجتماعية قائمة على الكفاح المستمر لإصحاب القوى والنفوذ في بحثهم عن وسائل السيطرة على المصادر الغنية والنادرة من أجل بقاء سيطرتهم على المجتمع، بذات الوقت يكونوا (أصحاب القوى المتنفذة) مصدرًا في بلورة المعايير والقيم الاجتماعية التي تخدم نفوذهم وسلطانهم التي تحافظ على مواقعهم ذات الامتيازات المتنفذة في المجتمع واستبعاد وتهميش الأخرين أو اقصائهم عن دربهم الكفاحي.

    من النظريات الصراعية القديمة هي نظرية “كارل ماركس” التي ترى مصدر الأفكار الثقافية يكمن في كفاح أصحاب المصالح المتنفذة والأكثر تسلطًا على المجتمع، بمعنى أن أفكار الطبقة الحاكمة في كل عصر تكون المصدر لرئيس لقيم ومعايير الحكم في المجتمع لأنها (أي الطبقة الحاكمة) تملك وسائل الإنتاج المادي المتحكم في العلاقات الاجتماعية فتكون العلاقات الاجتماعية صنيعة الطبقة الحاكمة لوسائل الإنتاج المادي المتحكم بالإنتاج الفكري الاجتماعي فتكون الأخيرة خادمة لمصالح الطبقة الحاكمة. باختصار شديد تقول هذه النظرية ان الثقافة الاجتماعية هي إحدى منتجات صناعة أصحاب المصالح المادية والسلطوية المتحكمة في العلاقات الاجتماعية لذلك تكون الأفكار الثقافية مفروضة على عامة الناس لخدمة المتنفذين والمتحكمين في المجتمع. هذا هو جوهر وجهة نظر النظرية الصراعية.

     يؤيد هذا المنطق الماركسي العديد من المنظرين الصراعين المعاصرين الان لأنهم وجدوا في حياة المجتمعات الرأسمالية المعاصرة جوهر ثقافتهم الاجتماعية تتمثل في الأفكار التي هي الركن الركين للجانب غير المادي فيها، وأنها (أي الأفكار) احدى الوكالات التي تستخدمها الطبقة المتنفذة والمؤثرة على سلوك وأفكار الطبقات الأخرى. بعبارة أخرى ترى النظرية الصراعية أن الأفكار تمثل الجانب غير المادي في الثقافة وإن الطبقة الغنية والحاكمة تستخدمها كوسيلة للاغتناء والتسلط على الأخرين من غير طبقتهم. كذلك نرى هذه النظرية ان الثقافة الجماهيرية – الشعبية الشائعة ذات الشهرة الواسعة بين الناس Popular Culture تعكس المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ففي المجتمع الرأسمالي اليوم انتقلت الثقافة الجماهيرية – الشعبية من نطاقها التقليدي الى النطاق الاقتصادي الرأسمالي مترعرعة ومتأصلة في حياة الناس اليومية الأمر الذي جعل الاعلامين العاملين في الصناعات الإعلامية وبرامجها الترفيهية والثقافية والرياضية والاستهلاكية استخدامها مثل وكالات ديزني وورنر وفايكون وسواهم يبلور ثقافة جماهيرية – شعبية على شكل أفلام وبرامج تلفازية والعاب مسلية وسباقات تنافسية بجانب ذلك قدموا خدمات للناس تعزز عندهم النزعة الاستهلاكية للسلع خارج المحلات التجارية فزادت من تيار الاستهلاك المظهري بين الناس من اجل التباهي والتفاخر والاقتداء بين الأصدقاء والزملاء وأبناء الجيرة فباتت البرامج التلفازية جزءً من الثقافة الشعبية التي تخدم أفكار وطموحات رجال الاعمال والطبقة الحاكمة والمتسلطة والغنية وهذا دفعهم نحو الانخراط في حركة التغير دون العودة الى التراث السحيق بل التطلع للمستقبل خضوعًا لمؤثرات مصالح التجار وأصحاب رؤوس الأموال والطبقة الحاكمة.

    فضلًا عن ذلك يتعين عليَّ ان أذكر مرئيات باقي النظريات الاجتماعية الأخرى التي تبحث في الجدل القائم بين الأقليات والأغلبية والأعراق والأرساس والأديان والرجل والمرأة وموقف الثقافة الشعبية منهما ومن هذا الدل القائم بينهم. هناك باحثة اجتماعية تدعى “سو جيول Sue Jewell” 1993 حددت وقوع هذا الجدل بعد ظهور النمطية السلبية بينهما فمثلًا الجدل السلبي الدائر بين البيض والسود في المجتمع الأمريكي وبالذات مع المرأة الزنجية الذي ينظر اليها على انها الخادمة في الأسرة البيضاء في الأفلام السينمائية وهذا غالباً ما يسبب تصادمًا فيما بينهم لأنه يعزز الصورة النمطية للعلاقة العرقية مسببة بذلك انقسامات ثقافية داخل المجتمع الواحد.

   أخيراً تركز النظرية الصراعية على عدم المساواة الاجتماعية المعززة من قبل القيم والمعايير الثقافية في المجتمع لأنها تبلور انفلاقات ثقافية ونزاعات اجتماعية.

هذا ولا بد لي بعد هذا الاستطراد ان أشير الى ان النظرية الصراعية تختلف مع وجهة نظر المنظرين الصراعين في علم الاجتماع عن وجهة نظر المنظرين في علم الاجتماع للثقافة الاجتماعية من عدة زوايا أبرزها: –

1 – تصادم المصالح الثقافية بين الثقافة المهيمنة والثقافة الفرعية.

2 – التطهير العرقي للأقليات.

3 – مُلاك الصناعات الثقافية الشعبية والإعلامية مع فاقديها.

4 – المحتكرين الاقتصادين في عالم النشر والتصوير مع المستهلكين.

5 – أصحاب الرأسمال الثقافي.

    يعني ان وجهة نظرهم لم نتناول الثقافة كمصدر للتضامن والتساند الاجتماعي بين أفراد المجتمع ولا كمصدر للمحافظة على الميراث الاجتماعي ولا التماهي مع الهوية الثقافية، بل نقيض ذلك مثل الذي يحصل من نزاع بين الثقافة المهيمنة والفرعية داخل المجتمع الواحد حيث الفرعية تريد ان تحقق هويتها العرقية وعدم قبول اذابتها في بودقة الثقافة المهيمنة لأنها تريد ممارسة طقوسها الثقافية وأسلوب عيشها الخاص لأنها تجد الممانعة والمضايقة والتحجيم والاستبعاد من قبل المتنفذين والسياسيين في الثقافة المهيمنة واحياناً يصل هذا النزاع الى حالة التطهير العرقي ethnic cleansing مثلما حصل للأكراد أبان حكم صدام حسين في العراق وفي سوريا وتركيا وإيران إذ واجه الأكراد محاولات عديدة في عدم ممارسة حقوقهم الثقافية واستبعادهم وتهميشهم اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً.

    ثم هناك مُلاك الصناعات الشعبية في الملبس والأدوات المنزلية والمأكل عند أبناء الثقافات الفرعية حيث يواجهوا مقاومة من قبل مُلاك الصناعات التكنولوجيا المتقدمة والحديثة. علاوة على وجود صراع بين المحتكرين الاقتصاديين في عالم الطباعة والنشر للكتب والمجلات والصحف ومُلاك الصناعة التصويرية في السينما والتلفاز الذين يستغلوا ويبتزوا المستهلكين والمشاهدين لخدمة مصالحهم المالية الذين يحتكروا الإنتاج الثقافي والسينمائي وفرضه على القراء وبالذات على الطلبة في فرض ثقافة السلطة البطريقية – الذكورية على الاناث. بل حتى احتكارهم للشركات الكبرى في الاتصالات الالكترونية كل ذلك من أجل الحفاظ على وضعهم الراهن دون المساس به أو بهم من أجل ارقاء مكانتهم الاقتصادية وهذا يعني ان الإنتاج الثقافي تم ربطه من قبلهم بمصالح وحاجات القلة المتنفذة في المجتمع.

    هذا من جانب ومن جانب أخر فإن المنظرين الصراعين لم ينسوا الثقافة كمصدر للتغير الاجتماعي واستخدامها في تحليل المقاومة والمناهضة السياسية وإصلاح الفئات الاجتماعية المتضررة والمكبوتة مثل الهنود الحمر في المجتمع الأمريكي والأمريكان من أصل أفريقي (الزنوج).

    إن سياق الحديث يلزمني ان أذكر عالم الاجتماع الفرنسي المعاصر “بير بوردو Pierre Bourdieu” 1984 الذي طرح مفهوم ومصطلح “رأسمال الثقافة” cultural capital الذي يعني به “معرفة النخبة الثقافية” أي النخبة المالكة لمصادر الثقافة وبالذات أعضاء الطبقة المسيطرة والمهيمنة المتنفذة ممن لهم أسلوب متميز وأسلوب عيش خاص لهم القدرة على فرض نمط عيشهم الثقافي على الأخرين وهنا باتت الثقافة مصدراً لعدم المساواة بين الفئات الاجتماعية.

4 / ت – نظرية التفاعل الرمزي Symbolic Interaction Theory

    تختلف هذه النظرية في دراستها للثقافة الاجتماعية عن النظرية الوظيفية والصراعية من حيث منطلقها التحليلي إذ تستخدم التحليل الجزئي microlevel بينما الوظيفية والصراعية تستخدم التحليل الكلي macrolevel علماً بإن موضوع الثقافة الاجتماعية يمثل موضوع كلي وبعيد المدى.

   حيث يدرس التفاعليين الرمزيين المجتمع من خلال تفاعل الأفراد في علاقاتهم ومن خلالها يبتكروا الإشارات والرموز والمعاني من أجل تيسير حياتهم اليومية فيما بينهم، ليس هذا فحسب بل يدرسوا تفاعل الأفراد مع مواقفهم التي يمروا منها وما تؤثر فيها من قيم ومعايير، معنى ذلك هم (الأفراد) غير مستقلين في تفاعلاتهم. من رواد هذه النظرية عالم الاجتماع الألماني “جورج سيمل George Simmel” الذي نبه الى ان الأفراد يخضعوا للمؤثرات الثقافية بعلم أو بدون علم لأنها هي التي تحدد معاني تفاعلاتهم فالنقود كما يقول “سيمل” قام الإنسان بابتكارها كوسيلة للتبادل التجاري لكنها أصبحت فيما بعد (النقود) مكتسبة لمعنى اجتماعي لها وظيفة اقتصادية فأصبحت غاية ثروتهم المالية يُقدروا ويبجلوا من خلال كمية ثروتهم التي يملكها المشاهير والفنانين والرياضيين بحيث يتم تقديرهم اجتماعياً حسب ثروتهم المالية لأنها تحدد كل شيء لدرجة ان حتى الانسان بات يقاس بثروته طالما يكون قادراً على شراء أي شيء وكل شيء ذلك يعني له مكانة اجتماعية جيدة. بتعبير أخر حللَّ “سميل” قيمة الإنسان من خلال قيمته المادية التي صنعها في القديم كوسيلة للتبادل التجاري لكنها الان باتت غاية يطلبها الناس ويتصارعوا في سبيل الحصول عليها لكي يحقق مركزاً اجتماعياً مرموقاً بين اقرانه وطبقته وإلا فسوف يكون معزولاً ومنسياً بسبب فقرة وفاقته. فالناس يركضون الان وراء الشهرة والنجومية من أجل الحصول على المال وليس للفعل الاجتماعي في الفن أو الرياضة أو الهندسة أو الطب لأن المال أصبح هدفاً بعد ما كان وسيلة للإنسان وهنا أصبح الانسان مطية للهدف الذي يلهث عليه ألا وهو المال معنى ذلك ان الثقافة الاجتماعية هي التي تمنح المعنى والمغزى للأشياء وللإنسان حتى لو قام هو بتحديد هدفه إلا أن الثقافة تقدم معنى اخر تحول هدفه الى وسيلة ووسيلته الى اهداف يحصل هذا بسبب قوة تأثير الثقافة عليه.

   وجهة نظر منظري التفاعل الرمزي هذه تختلف تماماً عن منظري الصراع والوظيفة الاجتماعية من حيث مرئيتهم الناقدة لكل من درس الثقافة الاجتماعية قديماً. إذ وجدوهم مبالغين في تركيزهم على الجانب المعنوي لها مثل القيم والمعايير والتقاليد والفلكلور وأهملوا الجانب المادي لها. تنظيرهم هذا صادراً من كون تأثير المؤثرات التكنولوجية القوية الحديثة على سلوك وتفكير الانسان المعاصر مما سحبته من خضوعه للمؤثرات المعنوية فأغرته وجذبته نحوها فأضحى لا يستطيع الاستغناء عنها في اتصالاته الاجتماعية عبر النت والتواصل الاجتماعي مستخدماً الصورة والصوت في ثقافته المعرفية معتمداً على الأجهزة الطباعية والتصويرية في الكتب والمجلات والسينما والتلفاز.

   كل ذلك أثر على علاقاته الاجتماعية جعلتها غير مباشرة بعدما كانت مباشرة (وجهاً لوجه) معنى ذلك ان هؤلاء المنظرين ينظروا الى الثقافة من أكثر من منظار واحد (مرئي وصوتي وكتابي) مما زادته معرفةً ودفعته نحو الابداعات والمبتكرات في ظل سرعة تطويرية فائقة تتطلب المتابعة وعدم السكون والهجوع والاحتماء بالتقاليد والمعايير والقيم التقليدية الموروثة. هذا التأثير جعل العلماء ان يبتكروا حقلاً جديداً أطلق عليه عنوان (الدراسات الثقافية cultural studies) حقلاً متوسطاً بين علم الاجتماع والإنسان والاقتصاد والسياسة يدرس السلوك الإنساني المعاصر من عدة أوجه لا من وجهة واحدة أي ليس من خلال التقاليد والعرف بل من خلال المؤثرات التكنولوجية الحديثة فبات هذا الحقل قريباً من نظرية ما بعد الحداثة في علم الاجتماع postmodernist theory.

4 / ث – نظرية ما بعد الحداثة Postmodern Theory

  انها نظرية متخصصة بدراسة الثقافة الاجتماعية في المجتمعات الصناعية الرأسمالية المعاصرة قدمت صورة جديدة لمفهوم ومضمون الثقافة الاجتماعية لا لكي تتميز وتختلف عن المنظرين الذين سبقوها في علم الإنسان والاجتماع في دراستهم لثقافات المجتمعات البدائية والريفية والخضرية بل لأن المؤثرات التكنولوجية وما انتجته من مشاهد وأماكن مصنعة وجذابة تصور الواقع الحي وليس حقيقة الواقع الحي كما هو، فلم تقدم دراسة شاملة كاملة عن ثقافة الشعوب كافة بل مقطعًا واحدًا مزوقًا زائفًا سائدًا في المجتمعات الصناعية يطلق عليه مصطلح Simulation.

   من أبرز منظري هذه النظرية المنظر الفرنسي المشهور “جين باودرلاراد Jen Baudrillard” الذي وصف ثقافة هذه المجتمعات بالثقافة الزائفة لأنها مقلدة للواقع الحي وليس وصفًا للواقع نفسه فالأطفال في هذه المجتمعات يشاهدوا البرامج التلفازية والأفلام السينمائية التي تصور الصور الخيالية عن الأبطال والأشرار والأوغاد والعاب وبرامج مسلية أكثر من اختلاطهم وتفاعلهم مع اصدقائهم وأفراد أسرتهم والساعات المكرسة للدراسة المدرسية حيث قال عن هذه الظاهرة “باودرلاراد” بإنها ظاهرة تعبر عن الإفراط المزيف للواقع الحقيقي hyperreality فزوار مدينة لاس فيغاس الأمريكية ودزني لاند في اورلاندو – فلوريدا الأمريكية يشاهد فيها الخيال الساحر والأماكن الرمزية الجذابة في زينتها وديكورها وعروضها المتحركة ومناظرها الخيالية بعيدًا عن الإجرام وحوادث السير. بمعنى ان ثقافة المجتمعات الصناعية هي ثقافة مفرطة في سحرها الزائف والجذاب للجيل الناشئ لا تعّلم أبنائها المفاهيم والأفكار الواقعية بل فقط تقدم لهم الإنتاج المادي في تصوير الخيال اشبه ما يكون مشاهدة الفرد لشاشة التلفاز يعني ثقافة مقلدة لمكونات الواقع الحي.

جدول يوضح التحاليل الاجتماعية للثقافة عبر نظريات علم الاجتماع

العناصر المكونة للثقافة 

الرموز

اللغة

القيم

المعايير

هي اية شيء مجدي ومفيد يعكس شيئًا اخر.

مجموعة رموز معبّرة عن الأفكار لمساعدة الأفراد في اتصالاتهم بعضهم ببعض.

مجموعة أفكار حول ما هو مجدي وغير مجدي وجيد ورديء ومرغوب فيه وغير مرغوب فيه في ثقافة معينة.

هي القواعد الأساسية للسلوك.

التحاليل الاجتماعية للثقافة

مرئية الوظيفين

مرئية الصراعين

مرئية التفاعلين الرمزيين

مرئية ما بعد الحداثة

الثقافة تساعد الأفراد على تحقيق واشباع حاجاتهم البيولوجية والتعبيرية والوسيلية.

الأفكار هي مبتكرات ثقافية ابتدعها الأكثر نفوذًا وتسلطًا في المجتمع يتحكموا فيها على أبناء الطبقات الأخرى (غير الحاكمة) من أجل التأثير على أفكار وأفعال أبناء الطبقات الأخرى.

يتذكر الناس رموزًا ثقافية ليحافظوا على مناشط حياتهم اليومية ويستمروا في اتصالاتهم.

معظم الثقافات المعاصرة مبنية على الوسائل الخادعة والمضللة المزيفة للواقع الحي كالذي نشاهده على شاشات التلفاز. أي ان الثقافة المعاصرة ليست واقعية بل مزيفة ومغرية.

أخذ هذا الجدول من كتاب Sociology. Diana Kendall. P. 66

4 / ج – مستقبل الثقافة الاجتماعية

   تحدثنا انفًا عن عراقة الثقافة في العمق الإنساني وسفرها التكويني وطرحنا تطوراتها عبر مرئيات المنظرين الاجتماعيين لكن الموضوع الذي يتسع بروزه وتتنوع الوانه هو التنوع والتعدد الثقافي في المجتمع الواحد بسبب اختلاط الأجناس والملل عبر الهجرة واللجوء والحركات السكانية مما زاد من مشاركتهم ومساهماتهم وهم من ذوي خلفيات تاريخية مختلفة. وفي ظل التحولات السكانية والتغيرات الاجتماعية والتطورات التكنولوجية الدائرة في عصرنا الألفي الثالث حصلت تحولات ثقافية للمجتمعات انتقلت من التراثية الموروثة الى المتأثرة بالمبتكرات الحديثة والتنوع العرقي والثقافي فحصل تنوع في اللغة والأزياء والمأكل والذوق والموسيقى أشبه بتثاقف المجتمعات والثقافات لكنه في مجتمع واحد وثقافة واحدة سبب ذلك جدال ونقاش بين الناس العوام والمثقفين لأنه أصاب حياة المدارس والكليات في المجتمعات الصناعية المتقدمة مثل المجتمع الأمريكي ففي مدينة لوس انجلوس – كالفورنيا يتكلم التلاميذ في مدراسها أكثر من (114) لغة ولهجة مختلفة. [Kendall. 2006. P. 67] مما يؤثر ذلك على الهوية الوطنية للطلاب. ثم هناك التكنولوجية التي هي مستمرة في تعميق المؤثر على الثقافة فالتلفاز والراديو والأفلام والفيديو والاتصالات الالكترونية الفورية مستمرة في تسارعها لمتابعة وتغذية المعلومات وتوسع نشر الثقافة في كافة ارجاء المعمورة عبر وسائل التواصل الكوني ومبتكراتها وهذا بدوره يُحرك صور ومشاهد حياة الناس وسلوكهم وأزيائهم بشكل فوري بين جميع الأمم مع تزايد مؤثرات النت والفضاءات الالكترونية التي باتت نافذة الناس على العالم الذي يؤدي في نهاية المطاف الى التكامل الأعظم فيما بين الأمم والملل أو يؤدي الى تفرقتهم. فالتكامل يحدث عندما تكون هناك ميول وتقبل للأفكار والقضايا مثل الديمقراطية والموسيقى الصاخبة وسراويل الجينز وشطائر ماكدونالد بين الثقافات على عكس التفرقة التي تحدث عندما يكون الأفراد في ثقافة واحدة يزدروا ويسخروا ويحتقروا المعتقدات والأفعال لثقافات أخرى. مثل هذه المؤثرات المادية تؤثر سلبًا على الثقافة التراثية الموروثة لأنها ستطغي عليها من خلال طغيان جاذبيتها وفوائدها العملية ورخص اقتنائها لا سيما وان النفس البشرية تواقة لتجريب كل شيء جديد طالما تنتفع منه.

   وإزاء ذلك سوف يسجل وينظّر علماء الاجتماع هذه التحولات السائدة في صيرورة الثقافة الاجتماعية في المجتمعات الحضرية والصناعية والمعلوماتية وبالذات عندما تتعرض العناصر المعنوية والأفكار والمعتقدات والمعارف الى مؤثرات مادية تقنية مختلفة عما هو مألوف ومعتاد عليه الذي بدوره يبدل سلوكيات وأذواق الأفراد فيحصل استحلال عناصر ثقافية جديدة محل عناصر ثقافية جديدة محل عناصر ثقافية موروثة مكونة ثقافة مطعمة بمقتنيات خارجية قادمة من ثقافات أخرى تمثل القواسم المشتركة بين الثقافات.

   فمثلًا في المجتمع العربي تثاقفت الثقافة العربية مع الثقافات الغربية في لبس سراويل الجينز والجاكيت الجينز والمصنوعة من الجلد وأكل الشطائر الأمريكية (ماكدونالد وبرجر كنك ودجاج كنتاكي) ولبس القبعة في الرأس وحلاقة شعر الرأس عند الرجال مقلدة لحلاقة شعر الكوريين وأفراد جنوب شرق اسيا واستخدام الوشم على أذرع وصدور الشباب ولبس الثوب العربي (دشداشة) صناعة صينية والغترة والشماغ صناعة الصين والباكستان واستخدام فوانيس رمضانية مصنوعة في الصين وأكل الجبن الدمياطي المصنوع في الدانيمارك وإقامة حفلات الأعراس في الصالات وليس في منزل العروس أو العريس كما كانت سابقًا والاحتفال بيوم الميلاد وقضاء شهر العسل والميل لمشاهدة أفلام أمريكية تعكس الحياة الأمريكية بكل جوانبها الإجرامية والمرفهة واستخدام وسائل الاتصالات الفورية بين افراد الأسرة الواحدة بعدما كانت وجهًا لوجه. كل ذلك أدى الى عدم بقاء خصوصية كاملة للثقافة العربية بل تطعمت بالغربية لذلك الذي يدرس الثقافة العربية سيجد التنوع الثقافي الحاصل عبر المؤثرات التكنولوجية الحديثة (تلفاز، سينما، فيديو، نت وسواها) هذا الاستحلال الثقافي وارد في كل ثقافة اجتماعية لأنها كالإسفنجة تأخذ وتعطي، تمتص وتفرز وحصلت ايضًا خضوع بعض المعنويات العربية مثل الأزياء والمأكولات والفن الموسيقي والمعماري للمؤثرات المادية الغربية.

   ديدني مما تقدم هو القول بإنه طالما هناك تطور تقني فإن المجتمع يتطور تباعًا وعندما يتطور الأخير يتثاقف مع الثقافات الأخرى التي سبقته في مراحل التطور وتزداد حالة التثاقف إذا كان هناك اعجاب من قبل افراد المجتمع المقلِد لأفراد المجتمع المقلّد أما إذا كانت هناك سخرية أو استهزاء من قبل افراد المجتمع للأخر فإنه لا يقدم على تقليده او الاقتداء به.

جدول يعرض وجهات نظر النظريات الاجتماعية للثقافة

1 – وجهة نظر النظرية الوظيفية للثقافة: –

أ – ترى الثقافة على انها تقوم بتماسك وتضامن افراد المجتمع بعضهم ببعض من خلال جماعاتهم الاجتماعية المتعددة والمتنوعة.

ب – تقوم بتعزيز وتزويد التماسك والتضامن الاجتماعي فضلًا عن عدم استقرار المجتمع.

ت – تعمل على بلورة معايير وقيم مهمتها تعزيز تماسك وتضامن الأفراد مع مجتمعهم.

2 – وجهة نظر النظرية الصراعية للثقافة

أ – تقوم الثقافة بخدمة مصالح الجماعات المتنفذة والمتسلطة والقوية في المجتمع.

ب – بذات الوقت تكون (الثقافة) مصدرًا للمناهضة والمقاومة السياسية ضد الظلم والاستبداد.

ت – وفي الان ذاته تخضع (الثقافة) بشكل كبير للاحتكارات الاقتصادية.

3 – وجهة نظر نظرية التفاعل الرمزي للثقافة

أ – للثقافة المقدرة الكبيرة على صياغة هوية الجماعة من خلال معانيها الثقافية المتنوعة في المجتمع.

ب – انها متغيرة مع تغير مرئيات الأفراد للمعاني الجديدة.

ت – تنظر الى المجتمع على انه نتج عن ممارسة مناشط الجماعات الاجتماعية.

4 – وجهات نظر دراسات ثقافية جديدة

أ – تتميز الثقافة بتغيرها المستمر وعدم جمودها لذا لا يمكن التنبؤ فيها.

ب – انها تمثل المظهر المادي والمعنوي لاتجاهات المستهلكين في حياتهم الاجتماعية.

ت – تساعد على فهم وتحليل المعطيات الفكرية والصورية الموجودة في الكتب والمجلات والصور والأفلام.

أخذ هذا الجدول من كتاب The essentials sociology. Andersen and Taylor. 2013. P. 44

                           

الفصل الخامس

                    ثنائيات علم الاجتماع الثقافي

5 / أ – ثنائية الثقافات المقترنة (التغير والتخلف)

         1 – التغير الثقافي

         2 – التخلف الثقافي

5 / ب – ثنائية الثقافات المقترنة (التعددية)

          1 – التعددية الثقافية

     أ – التنوع الثقافي والتعددية الثقافية

     ب – منافع التعددية الثقافية في المجتمع الواحد

     ت – ما بعد التعددية الثقافية في الالفية الثالثة

          2 – الثقافة المضادة

     أ – تأثير مفهوم الثقافة المضادة والامثلة التاريخية عليها

     ب – الثقافة المضادة في العصر الحديث

     ت – أهمية الثقافة في التغيير

     ث – الثقافة المضادة للفساد في العراق

5 / ت – ثنائية الثقافات المتنافية (المتصادمة والمتثاقفة)

          1– تصادم الثقافات وحروبها

    أ – صراع الحضارات

   ب – الهيمنة العقائدية

          2 – التثاقف

5 / ث – ثنائية الثقافات المتنافية (الجماهيرية والكونية)

         1 – الثقافة الجماهيرية

    أ – وسائل الاعلام والثقافة الجماهيرية

    ب – الثقافة الجماهيرية واختلافها عن الثقافة الشعبية والراقية

         2 – الثقافة الكونية

     أ – الأمن الثقافي في عصر الثقافة الكونية

     ب – السوق الثقافي ومستهلكيه

     ت – مأزق التذويب الثقافي

5 / ج – ثنائية الثقافات المتنافية (الاستعراقية والنسبية)

          1– الاستعراق

          2– النسبية الثقافية

5 / ح – ثنائية الثقافات المترادفة (الاستبدادية والمهيمنة)

          1 – ثقافة الاستبداد

     أ – صناعة الاستبداد

     ب – ثقافة الاستبداد العربي

         2 – الثقافة المهيمنة

   أ – مفهوم الثقافة المهيمنة

                                الفصل الخامس

                  ثنائيات علم الاجتماع الثقافي

 

تمثل هذه الثنائيات تطور الثقافات الاجتماعية التي لا تأخذ مسارًا واحدًا ولا وقتًا محددًا ولا حتى مكانًا خاصًا بل تتباين وتختلف كلٍ حسب عمقها في التاريخ البشري وحيوية منتجيها وامكانياتها المادية وتفتحها على الثقافات الأخرى. إذ كلما تكون الثقافة عريقة في تاريخها البشري كلما تحركت ببطء نحو التطور والتقدم مثل الثقافة الصينية والهندية والعربية، وكلما كانت حديثة النشوء مثل الثقافة الامريكية تتحرك بسرعة نحو التطور والتقدم وهكذا ديدنتها. لذا وجدنا انتاجات كل ثقافة مختلفة في خصائصها وصفاتها فتارة تكون متناقضة وتارة أخرى تكون مترادفة مع الثقافات في صفاتها وطبيعتها. وهذا يعني انه لا يوجد نمط ثقافي واحد مسيطر وطاغي على كل المجتمعات الإنسانية في كل العصور بل هناك عدة أنماط ثقافية لا تتصارع فيما بينها بل تتباين ومن ثم تتثاقف وتتلاقح لأن الإنسان مجبول على التطور والنمو مهما كانت ضوابط ثقافته متشددة لا سيما وأنها من صنيعته في الأصل والجوهر أقول انها تتطور مع تطور الانسان والمجتمعات.

   ولا جرم من القول ان الثقافات جميعها تتعرض الى العديد من المؤثرات الداخلية والخارجية تبلور عندها ثنائيات مترادفة ومتناقضة ومقترنة كلٍ حسب مرحلتها التطورية وعدد المؤثرات التي تؤثر فيها. لكن جميع الثنائيات لا تخرج عن معينها وجوهرها في التأثير لا يستطيع المجتمع ان يستغني عنها لأنها تمثل اطاره المرجعي في ضبط افراده وانتظام مناشطه وسلوكياته وهذا دليل على تطور الحياة الاجتماعية وتغييرها الأمر الذي يجعل من الثقافة الاجتماعية منشطرة الى شطرين منها ماهي مترادفة وأخرى متناقضة والثالثة مقترنة مما أثر ذلك على سلوكية افرادها وجعلتها مختلفة من مفردة ثنائية الى أخرى. لم تخضع هذه الثنائيات الى معايير وتصنيف نظري لإحدى النظريات في علم الاجتماع ولا الى مناهجها بل الى طبيعة مكوناتها والمحيط الذي عاشت فيها وهذه حالة صحية تجعل من علم الاجتماع الثقافي علمًا موضوعيًا ومتطورًا وليس ساكنًا بل متفاعلًا مع تطور المجتمعات الإنسانية لم يتمسك بقوالب ثقافية جامدة فمثلًا طرح الثقافة الكونية في القرن الحادي والعشرين ولديه ثقافة جماهيرية متنافية متنًا واطارًا وبعدًا مع الكونية والحالة ذاتها مع الثقافة المضادة والتعددية (الواحدة متنافية ومتجافية مع الأخرى) إلا ان التطورات المجتمعية بلورت هذه الثنائية في أصولها ومسيرتها.

    لذا نقول ان هذه الثنائيات لا تمثل حالة (عليّة) (باثولوجيه) في علم الاجتماع الثقافي بل صحية وسوية لأنها تعكس تطور الحياة الثقافية والاجتماعية فبات هذا الحقل المعرفي اشبه بالمرآة تعكس ما يحصل من تطورات في حياة الناس القديمة والحديثة. فعندما ظهر مصطلح الاندماج الثقافي (الانصهار البودقي) عام 1904 في الولايات المتحدة أدى الى ظهور عدة مصطلحات متفاعلة معه سلبًا وايجابًا كرد فعل له مثل الاندماج الثقافي والتعددية الثقافية والثقافة الفرعية والتخلف الثقافي إنها ليست اشتقاقات اصطلاحية بقدر ماهي تحديد وتوصيف ظواهر ثقافية مستجدة في رحم المجتمع.

    من إيجابيات هذه الثنائية الثقافية هي: –

1 – التعمق لا التسطح في دراسة الثقافة الاجتماعية.

2 – انها آلية وقائية ضد التميز الثقافي.

3 – تملك الأوجه الظاهرة والباطنة للثقافة من خلال نقيضها أحد أوجه النقد المستتر الذي يحاول طرح نقيض أحد جوانب الثقافة الاجتماعية.

4 – أنها أحد مؤثرات التغير الاجتماعي.

5 – لا تتضمن التكرارات القيمية والمعتقدية.

6 – لا تكرس ضوابط ثقافة واحدة على حساب ضوابط الثانية.

7 – انها ثنائية تضم الشيء ونقيضه أو رديفه أو قرينه في الثقافة الاجتماعية.

8 – انها ليست منهجية فريدة من نوعها بل هناك ثنائيات في علم الاجتماع سبقت هذا الطرح برزت عند “روبرت مرتون وأميل دوركهايم وفلفريدو باريتو وهاورد بيكر وفرديناد تونيز وإلى جنوي وهربرت سبنسر ورالف دارندورف وجيدون سجو بيرك ومايكل مان” وسواهم. (راجع مؤلفنا الموسوم – ثنائيات علم الاجتماع 2001). وبناءً على ذلك دأبنا على طرح هذه الثنائيات كأحد ميكانزميات هذا التخصص العريق الذي يتباين مع علم الإنسان (الانثروبولوجي) في تناوله دراسة الثقافة الاجتماعية التي له الريادة والأسبقية في دراستها قبل علم الاجتماع فأبرزت الحركات الثقافية المستحدثة في المجتمع المعاصر وما تفرزه التطورات التقنية في تشطير الاطار الثقافي الى ثقافات فرعية لا بهدف التجزئة لهذا الاطار بل لأن المجتمع أصبح بحاجة ماسة الى ان يخرج من هذا الاطار ليؤسس له اطارًا فرعيًا يعكس حركته الجديدة في الحياة المادية والفكرية المنفتحة والطموح المستجد عند الأجيال المختلفة عن الأجيال السالفة.

   نأتي الان الى تقديم هذه الثنائيات الثقافية وهي: –

1 – ثنائية التغير والتخلف (ثنائية اقترانية).

2 – ثنائية التعددية والثقافة المضادة (ثنائية اقترانيه).

3 – ثنائية التثاقف والتصادم الثقافي (ثنائية متنافية).

4 – ثنائية الثقافة الجماهيرية والكونية (ثنائية متنافية)

5 – ثنائية الاستعراق والنسبية الثقافية (ثنائية متنافية)

6 – ثنائية ثقافة الاستبداد والهيمنة الثقافية (ثنائية مترادفة)

مآلي من هذا الطرح هو القول بإنه لا يوجد مجتمع يمتلك ثقافة موحدة لكل أفراده، بل هناك عدة فروع مشتقة منها لأن المجتمع متطور ومتنامي هذا وحده يكفي ان يجعله أكثر تعقيدًا في مرحلته التطورية أكثر من مرحلته السابقة قبل تطوره في انماطه السلوكية وتقاليده، حيث كلما تعقد المجتمع زاد تنوع ثقافته. فالمجتمع الأمريكي مثلًا يتضمن عدد هائل من التنوع الثقافي الناجم والناتج عن الاختلافات الدينية والقومية والعرقية والإقليمية والعمرية والجنسية والطبقية.

   ولا جناح من القول بإن المجتمع الأمريكي الحالي فيه 12.8% من سكانه أجانب بالولادة أي ولدوا في بلدان غير الولايات المتحدة لدرجة انه في السنة الواحدة يهاجر اليها أكثر من 100 بلد يأتوا ليها من أمريكيا اللاتينية وأسيا ولغتهم تختلف عن الإنجليزية، بينما في السابق كان يهاجر اليها من أوروبا فقط. هذا في الواقع شكل تنوع ثقافي فسيفسائي معاصر في المجتمع الأمريكي. [Andersen and Taylor. 2013. P. 34]

     نستدل مما سبق ان الثقافة الاجتماعية الأمريكية متصفة بالتقاليد المتنوعة والمختلفة التي جلبتها جماعاتها من بلدانها ذات الخبرات الغنية بالفن الموسيقي وبالذات موسيقى الجاز والمأكل والمشرب والازياء والطقوس الدينية والعرقية جميعها كونت الثقافة الأمريكية والمجتمع الأمريكي.

   المنطق التحليلي لما تقدم هو ان لكل ثقافة خصائصها المتميزة بها بحيث تجعلها مختلفة عن الاخريات. فمثلًا الأسكيمو الذين يعيشوا في شمال كندا يلبسوا الفرو وجلد الحوت ولهم نظام غذائي خاص بهم وبيئتهم لا يشبهوا المجتمعات التي تعيش في جنوب شرق أسيا – الفلاحين الذين يزرعون الرز في حقول خاصة بها ويلبسوا ملابس خفيفة بسبب حرارة الجو، هؤلاء يختلفون عن البدو الذين يعيشون في الصحراء ويرعون الجمال ويجوبون الفيافي ويلبسون ملابس سميكة اتقاءً من الحر يعيشوا على صيد الحيوانات ورعي الأغنام والأبل هذه أمثلة بسيطة توضح كيف يتكيف الأفراد مع بيئتهم في لبسهم ومأكلهم ونشاطهم. هذا التكيف يعكس جزءً من ثقافتهم الاجتماعية التي نجمت ونتجت عن تأثيرات البيئة الطبيعية التي يعيشون فيها. فالمناخ والأدوات المادية المستجدة والمخترعات التقنية والمبتكرات العلمية والتثاقف وحجم مجتمعهم وموقعهم الجغرافي جميعها تبلور بعضًا من أوجه تثاقفهم التي تغطي لون معيشتهم وطرق تفاعلهم مع بيئتهم، بذات الوقت تحدد عناصر ثقافتهم. بمعنى تحدد اعرافهم ومعتقداتهم ومعاييرهم وعقوباتهم وقيمهم ولغتهم لدرجة انها تجعلهم متفردين بها على الرغم من وجود قواسم مشتركة بين الثقافات مثل الزواج والدين لكن عناصرهم الثقافية تبقى كما هي لا تنصهر في الثقافات الأخرى وفي ضوء ذلك تتشكل ثقافات فرعية تختلف عن ثقافة الأم أو الثقافة الشاملة للمجتمع.

5 / أ – ثنائية الثقافات المقترنة (التغير والتخلف)

   نوعين من الثقافات الاجتماعية يحدثان في كل مجتمع وفي كل زمان ومكان للثقافة الأولى (التغير) تسبب الثانية (التخلف) على الرغم من انهما متصلان اتصالًا لصيقًا في معينهما. هذا الاخلاف بينهما يمثلا الترتيب التزامني (السايكروني) الذي يبرز الترادف الفوري والمتزامن بدون ارتباط بالامتداد المكاني سواء كان داخل البلد أو داخل القارة الواحدة. يحصل هذا الاختلاف بسبب خضوع الثقافة للمؤثرات والاحداث زمانيًا مع القيم داخل المجتمع الواحد فالتغير يقع على الثقافة لكنه لا ينسحب على جميع مكوناتها بنفس الدرجة بل تتأثر بعضها بسرعة (مثل الأزياء والسلوك والجماعات والأحزاب والأنظمة والثقافة الشعبية الموروثة) وأخر ببطء (مثل المعايير والقيم والمعتقدات والعقائد) ومنها لا يتغير ابدًا (مثل اللغة والدين والعرق). مسببًا بذلك إعاقة في مسيرة وتقدم الأجزاء المتأخرة في التأثير والتي تتأثر. لا تمثل هذه الإعاقة حالة مرضية (باثولوجيه) بل تتمثل حالة سلبية تعطل سرعة تقدم الأجزاء المتأثرة ببطء والتي لا تتأثر.

1– التغير الثقافي Cultural change

 بدءً نقول ان المجتمع يتغير أسرع من ثقافته الاجتماعية لأنها تمتلك القواعد الرصينة لضوابط افراد المجتمع التي توارثتها أجيال المجتمع (هذه الضوابط هي القيم والمعايير والمعتقدات والعادات وطريقة الاكل وازياء الملابس) لذا فإن هذه القواعد متغلغلة في حياة الناس وفي سلوكهم وفي تفكيرهم يمارسوها كل يوم. هذا التغلغل يجعل الناس يناهضون ويقاومون تغيرها لأنها تُشبع مصالحهم النفسية والاجتماعية والاقتصادية لأنهم ألفوها ومارسوها فلا يميلوا لتغيرها. فمثلًا يسود المجتمع الأمريكي استهلاك وجبات الطعام السريعة fast food يستخدمها كل يوم فباتت جزءً من ثقافته المعاصرة لا تستطيع الاستغناء عنها. والحالة ذاتها مع شرب الشاي الأسود في المجتمع العربي المشرقي وشرب الشاي الأخضر في المجتمع العربي المغاربي وشرب القهوة في المجتمع الخليج العربي مع العلم ان المجتمع العربي لا يزرع الشاي ولا القهوة لكنها باتت جزءً من ثقافته العربية في المأكل والمشرب لا يستبدلهما بالمشروبات الغازية أو الساخنة الأخرى لأنه تعود على شربها كل صباح ومساء وفي كل مناسبة مفرحة ومحزنة في المنازل والمقاهي والنوادي والمجالس الرسمية والشعبية.

    اما في حالة الوجبات السريعة في المجتمع الأمريكي فإن معدل استهلاك شطيرة اللحم (الهمبرجر) فلإنها لا تقل عن ثلاثة شطائر مع أربع طلبات للبطاطا كل أسبوع. حيث يصرف الأمريكي مالًا على شراء وجبات الطعام السريعة والجاهزة أكثر مما يصرفه على ذهابه الى السينما أو شراء الكتب والمجلات والصحف والكمبيوتر والتعليم العالي إذ ان ثمن 1/8 الأمريكان عملوا عملًا في مطاعم ماكدونالد المتخصصة في اعداد الوجبات السريعة الذي يستخدم لحوم البقر والخنزير والبطاطا وإن تسعه وستون من طلبة المدارس الامريكية يعتبرون مطاعم مكدونالد موازيه لسانت كلوز. [Anderson and Taylor.2013. P. 46] في الواقع باتت ظاهرة أكل الوجبات السريعة جزءً من الثقافة الأمريكية الضرورية لكل فرد أمريكي على الرغم من لها التأثير السلبي على حميتهم وزيادة أوزانهم وسعراتهم الغذائية لكنهم يقبلون عليها لأنها رخيصة وجاهزة ومتوفرة بشكل دائم ولا تستغرق وقتًا طويلًا للحصول عليها. معنى ذلك ان الثقافة تتغير مع تغير مصالح أفراد المجتمع وتتغير مع تغير نمط عيشهم لأنها حيوية رغم بطء تغيرها.

    ومن أجل استجلاء أكثر عما تقدم نقول ان حدوث تغير في سلوكية ثقافية واحدة يؤدي الى قدح الشرارة أو التحريض على تغير سلوكي ثقافي أخر. مثال على ذلك الفتاة الأمريكية في الوقت الحاضر أكثر ميلًا لكسب المال من اية وقت مضى لأنه أصبح لها مكان في سوق العمل أكثر من والدتها وجدتها. هذا التغير الثقافي أدى الى تغير في الخلية الأسرية التي كانت كبيرة في حجمها لأن الأم كانت ربة بيت لا تعمل خارجه بيد أنها الان تعمل خارجه مما أدى الى تقليص حجم الأسرة لا يزيد على طفلين في أحسن الأحوال. وفي أحيان أخرى أدى هذا التغيير الى ارتفاع معدل الطلاق بسبب استقلالها المالي، فضلاً عن انحراف أحد أبنائها بسبب عملها خارج المنزل وحصولها على المال مما جعل ابنها خارج رعايتها وفي حالات ثانية أدى اهتمامها بالكسب المالي الى تأخر سن زواجها. بمعنى ان التغير الذي حصل للفتاة الأمريكية عند عملها خارج المنزل لكي تكسب المال أدى الى تغير العادات من العادات المعتادة التي كانت سائدة في المجتمع الأمريكي مثل تأخر سن زواجها وإذا تزوجت يقل عدد انجابها ويزداد استقلالها المالي مما يشجعها على الطلاق وهكذا. [Macionis, J. 2010. P.72]

    أما عوامل التغير الثقافي فهي الابتكارات التكنولوجية والعلمية والحروب ووسائل الاعلام والاتصالات والهجرة والاختراعات والاكتشافات وظهور مصادر طبيعية مثل البترول والغاز والتثاقف والاستعمار.

اخيرًا نقول ان التغير لا يحصل للثقافة بشكل كلي بل جزئي ولا يحصل ان تتبدل طبيعتها بشكل كامل بسبب المؤثرات الخارجية التي تطرأ عليها بل تغير جزئي وبعدها تحصل عدوى التغير لبقية الأجزاء الأخرى التي تأخذ وقتًا طويلًا بل اجيالًا لكي تحصل سلسلة تغيرات ثقافية مصدرها أحد عوامل التغير. فالثقافة العربية تعرضت الى الكثير من العوامل الخارجية المؤثرة مثل ظهور البترول والغاز كمصدر طبيعي للأثراء وخضعت للاستعمار الأجنبي الذي حاول طمس معالم الثقافة العربية لكنه لم ينجح ثم أتت وسائل الاعلام المرئية والسينما والعلوم جميعها عملت على تطوير وليس تغيير الثقافة العربية فزاد عدد المتعلمين والمهنيين وبناء المدن الحضرية والمستشفيات والجامعات وتَغير حجم الأسرة من الممتدة الى النووية وخرجت المرأة العمل خارج المنزل وسواها لكنها لم تعمل جميعها على تغيرها كليًا بل جزئيًا.

    غني عن البيان أن التغير الثقافي يعني تبدل في عناصر الثقافة المادية والمعنوية أي التبدل في المعرفة والأفكار والفن والمذاهب الدينية والأخلاقية والآلات والمكائن والتكنولوجيا بمعنى أخر هو التغيير في القواعد الاجتماعية ونظم المعتقدات والرموز والقيم والتكنولوجيا.

لكن “لسلي وايت” يرى ان التغير الثقافي يتم من خلال ثلاث زوايا وهي: الزاوية التكنولوجية والاجتماعية والفكرية، لكنه يعتبر التكنولوجيا عاملًا مقررًا وحاسمًا بالنسبة للزاويتين الأخيرتين وهو المحفز للتغير العام. [Doby. 1974. P. 508]

   وقد وجد “وليم أوكبرن” في دراسته للتغير الثقافي الذي وجده يمر بثلاث مراحل وهي: –

1 – الاختراع والابداع: وهذا يشيران الى القابلية الثقافية على بلورة شيء جديد إما ان يكون ذاتيًا صادرًا عن تفكير الإنسان وقابلياته وأما أن يكون ذا قابلية أجنبية بُنيت عليها أو أُضيفت اليها ابداعات خلاقة وأصبحت ابداعات مبنية على استعارات ثقافية. مثال ذلك ان الابداع التكنولوجي عند الانسان في اختراعه للعجلة الدائرة ثم ذلك ان الابداع التكنولوجي عند الانسان في اختراعه للعجلة الدائرة ثم القارب والبندقية البارودية والمطبعة والماكينة البخارية والتلفون والسيارة والراديو والطائرة والتلفزيون والقنبلة الذرية والعقل الالكتروني والصعود الى القمر. لكن اختراع (القوس) كان ابداعًا غير مبنيًا على ابداعات سابقة بينما اختراع الات النسيج الحديثة وصناعة الورق والطباعة بالحروف المتحركة وصناعة البارود والبوصلة الملاحية وابتكار التقويم والكتابة والحساب جميع هذه الاختراعات قامت على ابداعات سابقة قدمها الإنسان للمجتمع.

2 – التراكم: الذي يشير الى اكتساب الابداعات السابقة وإضافات إبداعية جديدة أخرى اليها.

3 – الانتشار: أي نمو الثقافة وتغييرها لا يأتي فقط من خلال الابداعات والاختراعات بل من خلال الانتشار ايضًا الذي يكون بوساطة وسائل الاتصال والتجارة والتزاوج والاتفاقات الثقافية بين الدول والسياح والهيئات الدبلوماسية والمهاجرين والملاحين حيث يقومون بنشر الإبداعات الجديدة بشكل مباشر أو غير مباشر. فانتشار الابداع يتضمن انتقال الاختراع أو الابداع من مجتمع الى أخر أو من منطقة جغرافية معينة الى أخرى وقد يتم ذلك ايضًا عن طريق الاحتكاك الثقافي.

جملة القول: ان عامل الانتشار الثقافي يتركز على وجود نقطة مركزية تمثل الاشعاع الثقافي للثقافات الأخرى وتتم عملية الانتشار هذه كما يلي: –

أ – قدرة مركز الاشعاع الثقافي على نقل مقومات التقدم والتغير وهي المعرفة العلمية والتكنولوجية ورأس المال والمهارات والقيم.

ب – قدرة تقبل المجتمعات المحيطة بمكرز الاشعاع الثقافي على اقتباس الابداعات الجديدة والمغايرة لأنماط حياتهم الخاصة. [Mercer. 1970. P. 485]

واستنادًا الى هذا المفهوم في التغيير عند “اوكبرن” نستطيع القول بإن القاعدة الأساسية للاختراع والأبداع هي القاعدة المادية للثقافة التي تتوفر فيها العناصر الثقافية للمخترع ليضع اختراعه بشكل جديد أكثر كفاءة وقدرة من الأشكال القديمة.

    هناك نموذجان قدمهما “دونالد سجون” خاصان بالانتشار الثقافي: الأول سماه نموذج المركز – المحيط الذي يقوم على ثلاث عناصر وهي: –

1 – فكرة جديدة تمثل الابتكار.

2 – فرد معين أو أفراد معينين يعملون بهذه الفكرة الجديدة ولديهم بعض المصالح أو الاهتمامات فيها فيقومون بترويجها أو بيعها للأخرين.

3 – هناك أفراد لا يعملون بها ولديهم القدرة على استعمالها أو استخدامها.

يمثل هذا النموذج الكاهن ووكالات الارشاد الزراعي والطبيب والمعلم ووكالات بيع الأدوية.

إن تأثير نموذج المركز – المحيط يعتمد اولًا على مستوى المصادر والطاقة الموجودة في المركز وعلى عدد نقاط المحيط وعلى طول الاشعاع خلال عملية الانتشار وعلى الطاقة المطلوبة التي تتطلب تكييفًا جديدًا. فقدرة الانتشار عند وكالة الارشاد الزراعية مثلًا تعتمد على طاقة ومهارة المركز نفسه وعلى عدد أماكن الفلاحين في المنطقة الزراعية والخدمات المتاحة والموجودة عندهم وعلى الوقت المخصص للعمل ضمن كل مركز زراعي ويتوقف نجاح هذا النموذج على عاملين هما: –

1 – موقف الثقافة الفرعية المتاحة خلال وصولها الى طاقة المستعملين لها أو المستفيدين منها.

2 – قدرة المركز على استيعاب ردود فعل المستفيدين الحقيقين والتأثير فيهم.

النموذج الثاني الذي سماه المتكاثر: يضم هذا النموذج مركزين الأول أطلق عليه اسم المركز الأصلي والثاني سماه بالمركز الفرعي الذي ينفّذ مهام الانتشار بينما يقوم الأصلي بتغنيه وتمويل المراكز الفرعية ويوجهها حسب سياسته. فالمركز الأصلي يشبه المدرب في كرة القدم والمركز الفرعي يشبه اللاعبين. هذا النموذج يشبه التعاونيات الحديثة في المجتمعات الصناعية وخير مثال عليه شركة (IBM) للأجهزة الالكترونية والحاسبات وشركات صناعة الأدوية الطبية. [Doby. 1974. P. 510]

في الواقع يشير الانتشار الثقافي الى التغير الحاصل في سلوك الأفراد نتيجة الاحتكاك الثقافي بين ثقافتين متباينتين في الصفات والعناصر فتحصل استعارات ثقافية. لاحظ “كروبر” اتجاه النمو الثقافي في حركته مبتدئًا بالمركز ومن ثم يصل الى المناطق المحيطة به. [Mercer. 1970. P. 486]

ومن نافلة القول ان الشريحة الشبابية هي اول من يستقبل ويتقبل ويتكيف للإبداعات والمخترعات الجديدة لأنها غير متوفرة في ثقافته وحياته الاجتماعية فضلًا عن كونه أكثر توقًا وانجذابًا لتجربة الخبرات الجديدة حتى لو كانت هذه الإبداعات صادرة من ثقافات أجنبية مغايرة لثقافته من أجل تقليدها ومحاكاة الأخرين من غير ثقافته بدافع الرغبة في ممارسة كل شيء جديد مختلف عن ممارسته الثقافية التقليدية.

     أما تعود الأفراد على عادات سلوكية مدعومة من معايير وقيم ثقافته التقليدية فإنها ايضًا تتعرض للاستبدال والتغيير إنما بشكل تدريجي وبطيء وبالذات عندما تكون حركة التغيير الثقافي الكونية سريعة مثلما نعيش في العصر الحالي إذ بات الشباب أكثر ولعًا وانجذابًا لاستخدام الابتكارات التقنية في المجتمع لأنها تغذي خبرته المعرفية والثقافية الجديدة مخترقةً معظم الحواجز الثقافية الموروثة مثل النت والهاتف النقال والقنوات الفضائية لأن إشعاعات هذه المبتكرات فائقة السرعة وجذابة في مغرياتها وهنا أضحت المبتكرات العلمية والتكنولوجيا الدافع القوي في التغيير الثقافي فحول القسم المعنوي عند الثقافة الى مراحل مبتعدة عن منابعه التراثية المعتقديه والذهنية المحافظة بحيث أدت الى رفع وتيرة وعي الشباب ودفعتهم للتمرد على السلطة الأبوية – الذكورية (البطريقية) فانتفضوا ضدها بشكل جماعي. بمعنى ان المركز أصبح منبعًا للإبداع والابتكار والانفتاح على العالم الأخر وأصبح المحيط هم الشباب (الجيل الألفي) الذي أخترق حاجز الخوف وتقديس الثقافة الموروثة لدرجة جعله يتفوق على جيل الكبار (والديه وأصحاب النفوذ الرسمي والعرفي في المجتمع) ويكشف زيف تسلطهم المدعوم من القسم المعنوي للثقافة.

بمعنى أخر أضحى القسم المادي للثقافة متفوقًا على القسم المعنوي لها على عكس ما كان سابقًا. أي سادت مكاسب الإبداعات والمبتكرات التقنية متفوقة على سيطرة معنويات الثقافة الاجتماعية فحصلت فجوة واسعة بينهما تخلفت في سرعة تطورها فأصبحت متخلفة عن مسايرة الركب المادي مما ولدّت مشاكل نفسية واجتماعية للفرد والأسرة والمدرية والحزب السياسي ورجال السياسة.

السؤال الذي ينبري أمامنا هو هل هذه الفجوة سيتم ردمها؟ ومن سيردمها؟ جوابي كلا، لا يوجد أحد من يردمها لأن التطور المادي مستمر في سرعة تغيره أكثر من سرعة تغير عادات ومعتقدات وقيم ومصالح الناس. دليلي على جوابي هو ان الفجوة كانت وما زالت بينهما وهو في اتساع قبل قرون وحتى الان فلم يحصل العكس في ذلك أي لم تتساير العادات والمعتقدات والقيم والمصالح مع المبتكرات والاختراعات المادية لأن عقل الانسان انشط من سلوكه الاجتماعي والفردي.

2– التخلف الثقافي   Cultural Lag

  هذا الموضوع مرتبط بالتغير الثقافي لأنه ناتج عنه ومُفرز منه يحصل في كل فترة تطورية تكون فيها مبتكرات وابداعات تقنية وعلمية يقف المجتمع عاقًا أمام تبنيها وعدم التكيف لها (في بادئ الأمر وليس بشكل دائم) وبالذات عند التقليديين وأصحاب العقول المغلقة والمحافظين والجهلة الأميين فتتعطل حركة تقدم المجتمع بسبب المواقع العليا لهؤلاء. أنها ظاهرة ثقافية ومشكلة اجتماعية في الان تسود جميع المجتمعات الإنسانية لأن كلا الفريقين العلماء والمبدعين موجودين لكنهم لا يملكون النفوذ والسلطة والمال. والفريق الثاني هم المحافظين والتقليدين من أصحاب المواقع العليا والنفوذ والمال لكن خوف هذا الفريق (الثاني) من فقدان نفوذه وسلطانه ومصالحه ومراكزه العليا وبسبب عدم تعودهم على الخوض في كل شيء جديد يقفوا موقف المعارض لما يطرحه هؤلاء المبدعين واللوذعيين سواء كانوا من أبناء مجتمعهم أو من غيره والمعارضة تكون أشد وأكثر وأقوى إذا أتت من خارج مجتمعهم ومن غير ثقافتهم.

    لتوضيح هذا الموضوع نبدأها من الثقافة الإنسانية المتكونة من قسمين الأول مادي والثاني معنوي، ومما لا شك فيه ان ثقافة الإنسان تتغير بشكل مستمر ودائم لكن هذا التغير لا يشمل جميع أجزاء الثقافة بنفس السرعة بل ان الأجزاء المادية تتغير بمعدل أسرع من الأجزاء غير المادية فيما يسبب بعض المشكلات الاجتماعية والثقافية لعدم تكييف القيم والأعراف والنظام الاجتماعي للتغير الذي حصل في الأجزاء المادية للثقافة فمثلًا الصناعة والتعليم مفهومان متصلان بعضهما ببعض مرتبطان سوية إنما التغير الذي حصل في أساليب الصناعة يتطلب توافقًا وتكيفًا في أساليب التربية والتعليم لهذا النوع من التغير. إلا ان الذي يحدث هو ان تغير الأساليب التربوية تأتي متأخرة وبعد فترة زمنية طويلة من تغيير الأساليب الصناعية وهذه الفترة الزمنية تزداد وتنقص حسب ظروف الثقافة المادية الموجودة داخل المجتمع. باختصار شديد نقول بإن التخلف (التأخير) الزمني لأحد أجزاء الثقافة (المعنوية والمادية) بالتساوق والانسجام مع الأخر في حركته التطورية. لكن هذا لا يؤدي الى جمود وسبات أحد الجوانب بل يعني التأخر والتعطل والاعاقة مما تولد مشكلات اجتماعية في حركة التحضر والتمدن وتراجع في موقع الثقافة بين الثقافات المتقدمة فيحصل التناشز الثقافي.

   ومن أجل تمحيص ما تقدم نقدم ثلاث صور تمثل التخلف الثقافي وهي ما يلي:

أ – تغير الجزء المادي للثقافة بشكل أسرع من تغير الجزء المعنوي فيها (قدمه وليام أوكبرن).

ب – معوقات اجتماعية تعيق تبني التقدم التقني العصري.

ت – حاجات الإنسان غير المشبعة تسبق الابتكارات العلمية والتكنولوجيا في تغذيتها للثقافة الاجتماعية فتولد تخلفًا ثقافيًا.

ندلف الان الى هذه المدارات الثلاثة وهي ما يلي: –

1 – إن أفضل من أوضح مفهوم التخلف الثقافي هو “وليم أوكبرن” الذي قال ان تكييف الأجزاء المادية للثقافة لا يوافق التغييرات التي تحصل في الأجزاء اللامادية. اما توافق اللاماديات مع الماديات فقد يحدث بصورة التدريجية وبطيئة وبشكل غير مرئي لذلك أطلق “أوكبرن” على البطء بالتوافق بـ (التخلف الثقافي).

   ويدلل “أوكبرن” على قوله بأن دخول عنصر تكنولوجي جديد الى المجتمع يتبعه تغيير أو إعادة تنظيم للنظم والمؤسسات الاقتصادية وتغيير في حجم الأسرة ووظائفها وأبنية المؤسسات الرسمية وكذا يحدث في الأفكار الفلسفية والفكرية للثقافة.

أما التوافق الثقافي فيتوقف على درجة هذه القيم والأعراف في تقبلها للإبداعات الجديدة ومن المعلوم ان بعض أجزاء المجتمع تتقبل الإبداعات الجديدة أسرع من غيرها فمثلًا تتقبل الأسرة الإبداعات الجديدة أسرع من المؤسسات الرسمية والدينية.

ولقد أوضح “أوكبرن” بشكل أدق أربع احتمالات سببيه للإبداعات والاختراعات التي تسبب تخلفًا ثقافيًا وهي ما يأتي: –

أ – قد تسبب الإبداعات التقنية ابداعات تقنية أخرى.

ب – قد تسبب الإبداعات التقنية ابداعات اجتماعية جديدة.

ت – وقد تسبب الإبداعات الاجتماعية ابداعات اجتماعية أخرى

ث – قد تسبب الإبداعات الاجتماعية ابداعات تقنية جديدة. [O’Brien. 1957. P. 69]

قدم “أوكبرن” امثلة على ذلك حيث قال ان العلاقة بين السيارة والطرق السريعة حيث تطورت صناعة السيارة بشكل سريع إنما لم يصاحبها تحسن أو تطور بنفس السرعة في نوعية الطرق السريعة مما أدى الى زيادة معدل حوادث المرور.

كذلك التباين الحاصل بين التطور الصناعي ودور المرأة. ففي الماضي كان الإنتاج الصناعي داخل المنزل وتؤدي المرأة دورًا حيويًا في عملية الإنتاج (الخياطة والحياكة وصناعة الصابون) لكن بعدما أصبحت هناك معامل خاصة بخياطة الملابس وحياكة الأصواف والسجاد وصناعة الصابون والعطور وأدوات التجميل لم يصاحب هذا التغيير تطور بنفس السرعة والدرجة لدور المرأة في المجتمع إضافة الى ذلك فإن التشريعات العمالية الخاصة بتأمين حياة العامل وتعويضات الخسائر المادية والمعنوية التي يفقدها العامل اثناء عمله داخل المعمل أخذت (75) عامًا لكي تصل الى ما وصلت اليه الان بينما التطور الصناعي أخذ أقل من ذلك بكثير. [Baldrige. 1980. P. 344]

2 – ننتقل بعد ذلك الى ذكر العوامل التي تؤدي الى إعاقة التكييف الاجتماعي للإبداعات التقنية الجديدة التي أهمها ما يلي: –

أ – مدى تعلق الناس بالإبداعات التقنية القديمة فإذا كانوا متمسكين بها بفوة فسوف يعيق ذلك تقبلهم أو يؤخر تبنيهم للإبداعات التقنية الجديدة والعكس صحيح.

ب – نوع الإبداع التقني الجديد ومدى معطياته الإيجابية للمجتمع. فإذا كان ذا فائدة أقل من الإبداع القديم فإن تقبل الناس له يكون بطيئًا والعكس صحيح فمثلًا أدى دخول التكنولوجيا الحديثة الى المجتمع الهندي تحسنًا كبيرًا في ظروف مجتمعهم ورعايتهم الصحية والطبية والى هبوط في معدل الوفيات الأمر الذي يعتبر سببًا اساسيًا الى نمو السكان السريع.

مثال أخر: قد يقابل ادخال البذور المحسنة والأسمدة والسلالات الحيوانية المحسنة قبولًا سريعًا عندما يتضح للفلاحين خلال فترة زمنية قصيرة.

ارتفاع الأسعار النقدية للمحاصيل المحسنة لكنها بنفس الوقت تجد لها معارضين ممن تضررت مصالحهم. وما دمنا بصدد عرض أصحاب ذوي المصالح المتضررة من جراء التغيير فإن دراسة “كارتل” لمجتمع محلي في الصحراء الغربية بالولايات المتحدة الامريكية مهمة حيث استبدلت الحكومة القاطرات البخارية بقاطرات ديزل وكانت هناك عدة قرى تعيش على بيع السلع والحاجات والمأكولات للمسافرين عند توقف القطار فيها. لكن استبدال القطار البخاري بالديزل جعل الأخير لا يقف في كل قرية او في كل محطة بل يقف كل مائة ميل مما أدى الى الغاء عدد كبير من المحطات التي يقف فيها هذا القطار مما أدى ذلك الى عدم استفادة أهالي القرى القريبة من خط القطار ماديًا من المسافرين مما دفع أهالي تلك المناطق الى الاعتراض على هذا التغيير التكنولوجي الجديد باعتبارهم يمثلوا أصحاب المصالح المتضررة. [O’Brien. 1957. P. 71]

ت – إذا كان الإبداع التقني الجديد لا ينسجم مع طبيعة المجتمع وقيمة واعرافه فإنه سوف يعيق عملية تنبيه واقتباسه له والعكس صحيح. ففي القرية الهندية التي يستخدم افرادها فضلات الحيوانات (الروث أو الجلة) وقودًا للناس في طبخ طعامهم في المطبخ الذي ليس فيه مدخنة لخروج الدخان بل فيه عدد قليل من الشبابيك مما يجعل المطبخ ممتلئًا بالدخان فيخرج من شقوق السقف المبني من القش وفي هذه الحالة يحصل ضيق للتنفس عند الهنود الذين يشتغلون في المطبخ وتدمع عيونهم. هذه الحالة دفعت بالدوائر العاملة من تنمية المجتمع المحلي الى ابتكار تنور (فرن فخاري) مصنوع من الفخار مزود بمدخنة تصل الى سقف المطبخ. بيد ان هذا الفرن الفخاري عمل على حرق سقف المطبخ. بيد ان هذا الفرن الفخاري عمل على حرق سقف المطبخ المصنوع من القش بسبب حرارة المدخنة الأمر الذي جعل أبناء القرية الهندية يعزفون عن استخدام أو تقبل مثل هذا الابتكار الجديد وبقوا محافظين على ما يستخدمونه داخل مطبخهم. [Biesan. 1973. P. 423]

ث – الجهل بخصائص الأنماط المبتدعة وطريقة استخدامها والنتائج المترتبة على اتباعها. مثال على ذلك عندما اكتشف “باستور” الجراثيم المسببة للأمراض وقف ضد هذا الابتكار جميع الأطباء ودامت هذه المقاومة فترة زمنية طويلة. كذلك اكتشاف “هارفي” (في بداية القرن السابع عشر) للدورة الدموية عند الإنسان عارضه وقاومه جميع أطباء علم التشريح لفترة زمنية طويلة. [Merrill, F. 1965. P.686]

ج – التخوف من نتائج التغيير وأماكن احداثه لهزات في قيم المجتمع ومعاييره. هناك قرية اسمها فايكوس تقع على قمة جبال اندوس في البيرو (إحدى دول أمريكا اللاتينية) سكانها من أصل هندي أمريكي ليس لديهم نفوذ أو تأثير على منطقتهم وحالتهم المادية فقيرة وتنتشر بينهم الأمراض العديدة ومعظمهم أميون لا يعرفون القراءة والكتابة ومقطوعين عن العالم الخارجي ويخافون ويتشككون في كل انسان غريب عن قريتهم ويعيشون على صيد الحيوانات المتوحشة ويخشون من أهالي القرى المجاورة لهم. وفي عام 1951 جذبت حالة هذه القرية انتباه علماء الإنسان (الأنثروبولوجي) في جامعة كورنيل الأمريكية الى دراسة حالة تغير هذا النوع من القرى النائبة والمنعزلة من خلال تقديم تقنيات زراعية (مكائن حراثيه) لهم ودفع أجور لهم في الاعمال الزراعية الجماعية وتقديم العلاج الطبي الحديث لهم ومحاولة استثمار موقع القرية في مجال النشاط السياحي من خلال بناء فنادق سياحية وتعليم أبنائها في مدارس ابتدائية واستبدال نظام تأجير الأراضي لأغراض زراعية أي إقامة تنمية اجتماعية واقتصادية وتربوية وصحية شاملة. لكن بعد أربعة سنوات من متابعة تنفيذ هذه المشاريع الإنمائية خضع أبناء القرية لبعض التغيرات إلا انهم رفضوا المعالجة الطبية الحديثة لأنها غير مرتبطة بمعتقداتهم المحلية ففضلوا الطب الشعبي عندهم ورفضوا استثمار الأراضي لغير المشاريع الزراعية مثل بناء الفنادق عليها ولكونها معزولة عن العالم الخارجي فلا حاجة للفنادق فيها ولم تبعث القرية أبنائها الى المدارس لعدم وجود حاجة الى تعليمهم ولعدم وجود وظائف لهم بعد تعليمهم ولا يريدون ارسالهم الى خارج القرية بعد التعليم الابتدائي بيد انهم تغيروا في استبدال زراعة نوع زراعتهم الى البطاطا. [Federico. 1979. P. 536]

ح – عدم وجود دعاية الإعلامية لتوضيح فوائد الابداع التقني الجديد. هذه هي أهم عوامل مقومات تكييف الأجزاء المعنوية للثقافة (عادات ومواقف واعراف وآداب عامة وقواعد اجتماعية ونظم اجتماعية وإدارية وسياسية) للأجزاء المادية الجديدة المبدعة (الإبداعات والاختزال والعقل الالكتروني).

خ – إذا كان الابتكار يسبق عصره وعدم وجود عناصر ثقافية لها صلة بالإبداع الجديد فإنه يفشل ولا يجد له طريقًا في ثقافته مثال على ذلك المبدع المعروف “ليوناردو دافنشي” أحد عباقرة عصره أمضى جُلَّ طاقته الذهنية في انتاج ماكينة تطير في الهواء (قبل اختراع الطائرة بأربعة قرون) هذا الابتكار الجدي شكّلَ اختراعًا هائلًا إلا انه لم يُقبل في وقته لأن ثقافة المجتمع لم تتضمن عناصر تكنولوجية لماكنات الاحتراق الداخلي ولم تكن هناك حاجة الى هذا الاختراع الأمر الذي أدى الى فشله. [Marrill, Francis. 1965. P. 488]

د – تسيّد ثقافة الخرافة والأسطورة والتماهي مع الرموز الغربية الغرائبية والاحتماء بالماضي والافتخار به الذي يعود الى القرن السادس الميلادي أي العودة الى الوراء أربعة عشر قرنًا وادعاء هؤلاء الحاملين لهذه الخرافات بإن ذلك العصر هو أفضل من هذا العصر (هذا العائق موجود في المجتمع العربي) وهذه عقبة كأداء أمام التقدم الثقافي مسببة تخلفًا ثقافيًا في المجتمع العربي.

3 – حاجات الإنسان غير المشبعة التي سبقت ظهور الابتكارات العلمية والتكنولوجية في تغذيتها للثقافة الاجتماعية فتولد تخلفًا ثقافيًا.

     نقول ليس دائمًا وفي كل الأحوال والازمان تكون الاختراعات المادية والعلمية متغيرة ومتطورة بشكل أسرع من تغير سلوك الإنسان بل في الواقع ان الحاجة أم الاختراع والابتكار والأخيرة تأتي بعد صدور حاجة اجتماعية عندهم فالحاجة اولًا والابتكار ثانيًا وهذا يعني ان الحاجة البشرية هي المحرك والمحفز الأول للاختراع والابتكار وليس العكس. مثال على ذلك: –

أ – حاجة الإنسان للعقار في علاجه من مرض الكورونا الذي تطلب من العلماء والأطباء البحث عن علاج شافي له واكتشاف نوع جرثومته وهذا تخلف علمي – طبي في الثقافة المادية.

ب – حاجة الزوجة في تنظيم انجابها أي ضبط نسلها الذي تطلب من العلماء والأطباء ابتكار وسائل لمنع الحمل. هنا ليس الابتكار نبه الزوجة في تنظيم نسلها.

ت – حاجة الرجال والنساء بإزالة الشعر من اجسامهم. دفع العلماء الى ابتكار أجهزة الليزر في إزالته بدلًا من استخدام الخيط والسكر.

ث – حاجة الرجال والنساء باستخدام رسوم الوشم على أجسامهم مما دفع العلماء الى ابتكار أجهزة الليزر برسم رسوم الوشم على أجسامهم.

ج – عقم النساء دفع العلماء والأطباء الى ابتكار إنجاب أطفال الأنابيب لها من أجل استولادها.

ح – حاجة الأسرة النووية للسكن حفز المهندسين المعماريين والمدنيين الى تصميم شقق أو منازل صغيرة الحجم تتناسب مع العدد الصغير للأسرة النووية.

خ – حاجة الشباب الى طرز معينة من الملابس جذب انتباه المصممين في دور الأزياء بابتكار وتصميم ملابس تشبع حاجات الشباب المستجدة.

د – حاجة الأسرة النووية للسيارة تطلب ذلك ابتكار سيارة صغيرة الحجم تسع لأربعة افراد فقط واقتصادية في استهلاكها للوقود.

ذ – حاجة الرياضيين الذين يستخدمون شواطئ البحار في ممارسة رياضتهم الفتت انتباه المبتكرين الى اختراع أجهزة رياضية خاصة بالرياضة المائية مثل الزوارق البخارية والتزحلق والطيران الشراعي فوق البحار.

ر – حاجة الرياضيين لسيارات السباق دفع المهندسين ان يبتكروا سيارات خاصة بالسباقات السريعة.

ز – حاجة الأطفال لمشاهدة أفلام تتناسب مع أعمارهم وفكرهم دفعت مهندسي صناعة السينما ومخرجي أفلام الخيال العلمي الى انتاج أفلام خاصة بأعمارهم وخيالاتهم.

س – حاجة المجتمع لمعالجة مشاكل اجتماعية دفعت بالصناعة السينمائية الى تناولها ومعالجتها على الشاشة البيضاء.

ش – حاجة الناس للاستمتاع بعطلهم وإجازاتهم دفعت رجال الاعمال بإنشاء شركات سياحية ومنتجعات وفنادق للترويح عن النفس لهم.

ص – حاجة مُلاك العقار (منازل وشقق ومزارع) لزراعة عقاراتهم بأشجار ونباتات الزينة والزهور وسواها كله جَلَّبَ المهندسين الزراعيين بابتكارات جديدة عن التربة وتخصيبها وابتكارات زراعية في تنويع النباتات المزهرة والمثمرة التي تزرع داخل المنازل.

ض – حاجة الإنسان للدفاع عن نفسه في الحروب دفع العلماء والمبتكرين الى اختراع الأسلحة الكيميائية والبيولوجية وأسلحة الدمار الشامل كذلك ابتكروا الصواريخ العابرة للقارات وصواريخ باتريوت التي تصد الصواريخ الباليستية.

ط – حاجة الانسان للتجسس على اعداه دفعت العلماء والمخترعين الى اختراع طائرة بدون طيار لتصوير مواقع العدو.

ظ – حاجة الإنسان الملحة في الوقت الراهن للتخسيس والرشاقة البدنية دفع بالأطباء والعلماء بابتكار أدوية وأجهزة خاصة لهذا الغرض.

ع – حاجة المرأة العاملة خارج المنزل دفع العلماء والمخترعين الى ابتكار أجهزة مطبخية كهربائية ويدوية تساعدها على طبخ الوجبات الغذائية السريعة لها.

غ – حاجة الأسرة العاملة للأغذية الجاهزة دفعت المبتكرين الى ابتكار أطعمة معلبة ومجمدة.

ف – حاجة الإنسان العصري الى تقنين صرف الطاقة الكهربائية دفعت العلماء والمخترعين الى ابتكار الطاقة الشمسية كبديل للطاقة الكهربائية.

     هذه مجرد أمثلة محدودة عن حاجة الفرد والمجتمع الحديث والعصري دفعت وحفزت المبتكرين والعلماء لتلبية حاجاتهم المستحدثة لتمثل الجزء المادي من الثقافة الاجتماعية ولم تكن هذه الحاجات معطلة أو معيقة لتطوير الثقافة المادية. ولا جرم من القول بأنه كلما تحضر الإنسان وأضحى يعيش عيشة مرفهة وصحية وراقية في مستواها المعاشي اندفع العلماء والمهندسين والأطباء والمفكرين الى استنباط واستكشاف ابتكارات تلبي حاجات الإنسان المتحضر لتيسير عيشه في حياته المتطورة وعدم تعقيدها وهذا يشير الى ان القسم المادي للثقافة يأتي بعد متطلبات القسم المعنوي للثقافة.

5 / ب – ثنائية الثقافات المقترنة (التعددية والمضادة)

        كلاهما موجودتان في المجتمعات الحضرية والصناعية والمعلوماتية وغير موجدتان في المجتمعات البدوية والريفية والدينية والشمولية فالمضادة مصاحبة للتعددية ومتقاربة معها بشكل متوازي. بمعنى كلاهما يمثلان الثقافة العصرية التي تزدهر فيهما روح المواطنة والحرية الفكرية والثقافية والتطور والتقدم واحترام الرأي الأخر والتفوق العلمي علمًا بإن الثقافة المضادة تمثل ثقافة فرعية بينما التعددية تمثل الثقافة الشاملة وكلاهما يضمان المثقفين والمبدعين والمتنورين والواعين.

   هذه الثنائية تهتم بها النظرية التفاعلية الرمزية والصراعية على السواء في تغذية مضامينها النظرية كذلك تشير الى عدم نمطية الثقافة الاجتماعية على جميع المجتمعات بل على طابع المرحلة التطورية التي يمر منها المجتمع وتدل ايضًا على ان الثقافة صنيعة المجتمع وليس المجتمع صنيعة الثقافة وتقول لنا كذلك بإن الثقافة ليست سجينة مرحلة تطورية واحدة ولا هي موروثة دائمًا بل هي متحررة من قيود الماضي تستطيع ان تزيل ما ورثته من ماضيها لتضيف على معاييرها وقيمها الكثير من مستجدات الخبرات الاجتماعية والثقافية المستحدثة.

ا – التعددية الثقافية Multiculturalism

من أكثر مفاهيم وقضايا السوسيولوجيا تطورًا هي “التعددية الثقافية” بسبب تطور ظاهرة التعددية الثقافية في العالم الغربي حيث أصبحت ظاهرة متنامية بسبب احتياج المجتمع الصناعي والحضري الرأسمالي الغربي الى تزاوج الأفكار والابتكارات العلمية والتصنيع لزيادة الإنتاجية وخلق منظور جديد وتعزيز مفهوم المواطنة وتقبل الأخر والتقليل من العنصرية مع تعزيز ثقافة التسامح والعيش المشترك فضلًا عن كونها وسيلة لتماسك الاجتماعي والمحافظة على أوجه الشبه القائمة بين افرادها لاعتقادهم بإن القيم والمعتقدات المشتركة تشكل مصدر شعور الأفراد بالفخر والثقة بالنفس وعدم ابقائهم على هامش الحياة ولأن الخوف من الأخر هو أصل النزاعات والحروب فالتنوع المختلف يؤدي الى الاستقرار الاجتماعي والسياسي والازدهار الاقتصادي والنهوض الثقافي.

   لا جرم من القول بإن المجتمعات الريفية والتقليدية والمحافظة والطائفية والشمولية تعمل على ادماج قسري للأعراق والثقافات المتعددة في ثقافة واحدة وهي ثقافة الحاكم ونظامه السياسي وهذا ما أدى الى تخلفها العلمي والاقتصادي والفكري بسبب اقتصارها على اللون الواحد من الثقافة وعلى المنتج الأوحد بمعنى ان الثقافة الأحادية هي سبب تخلف المجتمعات ليس إلا. لذا نستطيع القول بإن المجتمع الذي يتضمن تعددية ثقافية مع وجود قنوات متفاعلة بينهما تستطيع ان تعيش بسلام وهناء ورفاهية وتقدم على نقيض المجتمعات التي تمتلك التعددية الثقافية لكنها لا تؤمن بها ولا تمنحها أهمية بل تحاول دمجها وصهرها في ثقافة الحاكم المستبد مما أدى ذلك الى عزلتها حضاريًا وعلميًا وتحجر ثقافتها وعدم نموها ومسايرتها مع الثقافات المتقدمة لأنها تنشغل في صراعات عرقية تصل احيانًا الى الحرب الأهلية لكن إذا تفاعلت هذه الثقافات فيما بينها في ظل حرية الممارسات الفكرية والثقافية والمشاركة الوطنية والاعتراف بوجودها في الاعلام والثقافة والتعليم واتخاذ القرارات الوطنية عندئذٍ يتقدم المجتمع وينهض ويبتعد عن الصراعات العرقية ويتجنب العمليات الإرهابية المتطرفة التي تسببها الصهر القسري للأعراق والأقليات الثقافية.

    ديدني هو القول بإن التعدد الثقافي ظاهرة اجتماعية صحية وليست مرضية (باثولوجيه) فيما إذا تم الاعتراف بوجودها وتفاعلت فيما بينها. لكن إذا تم فرض ثقافة واحدة على بقية الثقافات فإن ذلك يؤدي الى صراعات مستمرة فيما بينها عندئذٍ تكون التعددية ممثلة لحالة مرضية وظاهرة غير صحية مثيرة للمشكلات الاحترابيه مثال على ذلك المجتمع العراقي المتصف بالتعددية الثقافية (العربية والكردية والتركمانية والمسيحية واليزيدية والإسلامية) لكن الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 1932 لم تعطِ أهمية لهذه التعددية بل تحكمت فيها فئة صغيرة من العرب مما أدى الى عدم استقرار العراق سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا تعددت فيه الانقلابات العسكرية والحزبية ودخلت في حروب عرقية بين العرب والاكراد وطائفية بين الشيعة والسُنّه كل ذلك بسبب تحكم فئة ثقافية صغيرة واحدة على مجتمع متعدد الأعراق والثقافات وسوف لا يستقر العراق طالما هناك تفرد طائفي ديني واحد وعرقي واحد على جميع التنوع الثقافي وهذا ما أدى الى افقار العراق بإنتاجاته الثقافية والعلمية والفنية والصناعية لأن ثقافته أحادية المصدر وتهمل وتهمش باقي الطاقات الخلاقة في الثقافات العراقية الأخرى.

     من بين المجتمعات المتضمنة تعدد ثقافي هو المجتمع الأمريكي الذي كان يتعامل مع هذه الخاصية تعاملًا متحيزًا لصالح ثقافة واحدة على حساب الثقافات الأخرى المتواجدة فيه مثل الثقافة الإنجليزية التي تم استخدام لغتها وطريقة عيشها على باقي الثقافات الثانية مثل الاسبانية والأسيوية والأفريقية والأمريكية الأصلية (الهنود الحمر) علمًا بإن هناك الكثير من المهاجرين الأوربيين والأفارقة والأسيويين لكن الحكومة الأمريكية لم تكن متعاملة معهم بشكل متساوٍ ومتكافئ بل متحيز للإنجليز وليس للأوروبيين بذات الوقت لم تظهر هذه الثقافات بثقافة واحدة على الرغم من كون الإنجليز كانوا يمثلوا الأغلبية إلا ان الحكومة الأمريكية تبنت الثقافة الإنجليزية واعترتها النموذج الأمثل للاحتذاء بها والانتماء اليها. وكان ذلك على حساب الاسلاف الأوربية والأمريكية الاصلية (الهنود الحمر) والمهاجرين من أفريقيا. بمعنى ان الثقافة المركزية في أمريكا كانت الثقافة الإنجليزية فاضحت اللغة الرسمية مطبقة في ثلاثين ولاية بينما هناك خمسة وخمسون مليون نسمة في خمس ولايات يتحدثوا غير اللغة الإنجليزية في منازلهم مثل الاسبانية كلغة ثانية وشائعة إضافة الى اللغة الإيطالية والألمانية والفرنسية والفلبينية واليابانية والكورية والفيتنامية فكانوا يتماثلوا مع ثقافتهم العرقية أكثر من تماثلهم للثقافة المركزية إنما هذا أضر وأوجع أصحاب هذه الثقافات لأن أبنائهم اصبحوا معزولين في مدارس خاصة بهم ويتسوقوا من أسواق خاصة بهم فحصلت صراعات عرقية فيما بينهم وبالذات بين الزنوج والبيض والهنود الحمر والبيض. [Macionis. 2010. P. 71]

يحسن بنا ان نشير في هذا السياق الى ان التفاعل المتسامح مع الأخرين والتعايش المثمر الخالي من الصراعات والنزاعات وبدون انصهار ثقافي يؤدي الى ظهور ملامح المجتمعات الحديثة لتكون الباب الواسعة لتقدم العلوم والمعرفة والفنون التي هي حالة مغايرة للأنظمة الشمولية والفردية والعائلية والقبلية تنعكس هذه التعددية على الشركات والأحزاب والمنظمات متعززة من قبل جمعيات مدافعة عن حقوق الإنسان ومحاربة الاضطهاد والتمييز العرقي وحقوق المهاجرين بالاحتفاظ بثقافتهم الوطنية. من بين هذه الدول التي أخذت مؤخرًا بالتعددية الثقافية هي استراليا وكندا وأمريكا وهولندا وفرنسا في عدم حصر الأقليات في مناطق خاصة ووجودها على هوامش الجانب الغربي أي أطراف المدن مثل إنكلترا وفرنسا.

    إن سياق الحديث يلزمني ان لا ابتعد عن صراع الأقليات العرقية والثقافية في المجتمعات القديمة والحديثة مع الغزاة والمحتلين الذين احتلوا العديد من البلدان الغنية والاصيلة في ثقافتها ومحاولة صهرهم في ثقافتهم قسرًا وجبرًا إلا ان هذه المجتمعات المحتلة التي استعمرها المستعمرين استمروا بالدفاع عن حقوقهم القومية والعرقية عبر ثورات وانتفاضات ونزاعات دموية مما أجبروا الغازي المحتل من ان يعترف بثقافة هذه الشعوب ذات الثقافات العريقة، ثم جاءت منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان والشعوب المضطهدة ومحاربة التمييز العنصري مما أجبر السياسة العنصرية على التراجع عن هيمنتها وصهرها لهم فتم الاعتراف بها ومنحها بعضًا من حقوقها الوطنية والثقافية.

   هذا ما قامت به الحكومة البريطانية في الهند وامريكا وكندا وأستراليا وهولندا. ديدني من هذا الطرح هو القول بإن ما برزت الدعوة الى التعددية الثقافية لم تحصل اعتباطًا ولا جزافًا ولا انسيابًا بل عبر صراعات دامية لعدة سنيين بعد إذن أضحت ظاهرة حضارية متمدنة تعترف بأحقية وعراقة واصالة الأعراق الاصيلة في موطنها وثقافتها. ثم جاءت ظاهرة الهجرة الخارجية الى أوروبا وأمريكا وكندا وأستراليا التي أجبرت حكومات هذه الدول باحترام التعددية الثقافية في بلدانها وعدم التعصب ضدهم. معنى ذلك ان كفاح ونضال أبناء الثقافات المتعددة جلب لهم الكرامة والاستقلال وعدم الانصهار في بودقة الثقافة الواحدة. فقد كان نضال الزنوج في الولايات المتحدة خير مثال على ذلك. لذا نقول عنه انه انجاز متميز لا من قبل الحكومات المتعصبة لنفسها بل انجاز ثقافي وعرقي للأقليات المضطهدة والشعوب العريقة في اوطانها.

أما ما نشاهده في بداية الالفية الثالثة من إرهاب وصدامات عنيفة من قبل المهاجرين للدول الأوروبية ما هو إلا تعبير عن اضطهادهم وتهميشهم وعزلهم والتعامل معهم على أنهم مواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة ليس إلا. جدير بذكره في هذا المقام الرجوع الى تصريح “توني بلير” رئيس وزراء بريطانيا الأسبق في هذا المقام عام 2005 عندما حصلت عمليات إرهابية في لندن حيث قال علينا ان نطرد المسلمين المتطرفين من بريطانيا لأنهم يرون أننا نعيش أفضل من معيشتهم وما عليهم إلا ان يغادروا بلدنا ونرسلهم الى بلدانهم. [Macionis. 2010. P. 72]

هذا القول خير مثال على تسطح وضيق أفق مسؤول لأكبر دولة غربية (متمدنة) حول هذه الأفعال الإرهابية دون الرجوع الى أسباب هذا الإرهاب الذي يعود الى التميز العرقي والسياسة المستبدة ضد المسلمين وهذا تصريح بعدم منحهم حقوقهم الوطنية وعدم احترام ثقافتهم التي يحملوها، وتهميشهم وعزلهم عن المسرح الثقافي والاجتماعي.

ثم هناك دفاع الأمريكان من أصول أفريقية في أمريكا عن وجودهم وكفاحهم من أجل تحررهم من العبودية التي يمارسها الجنس الأبيض عليهم وعلى الهنود الحمر (الأمريكان الأصليين). واتكاءً على ما تقدم نقول ان التعددية الثقافية تمثل مطلبًا انسانيًا وثقافيًا صائبًا يمنع التعصب والانصهار والاستعباد والاستبعاد والتهميش في المدارس والمستشفيات والسكن والمؤسسات الحكومية والاستثمارات والتجارة وسواها.

يعني ان ازدهار التعددية الثقافية لم تأتِ ولم تصدر من الحكومات الغربية طواعية أو انفتاحًا على الأخر بشكل انسيابي  بل أتت انتزاعًا منهم عنوةً بالكفاح الشعبي المستمر والمدعوم من المنظمات الإنسانية المدافعة عن حقوق الإنسان والتميز العنصري وهذا ما يجلب للبلد الاستقرار والسلام وتمتع الجميع بالمساواة والتسامح والاشتراك في بناء البلد دون الاستغناء عن كفاءاتهم وقدراتهم البنائية فظهرت التعددية الثقافية بعد ذلك كظاهرة متحضرة ومتمدنة في أواخر الستينات والسبعينات من القرن الماضي من أجل تطوير التفاهم المشترك بين المكونات الاجتماعية بما يحقق المساواة فيما بينهم في الحقوق والواجبات لإشعارهم بقيمتهم ومكانتهم الاجتماعية والثقافية.

أ – التنوع الثقافي والتعددية الثقافية

 ظهرت التعددية الثقافية في الخطابات العامة في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن العشرين، عندما بدأت كل من أستراليا وكندا في التصريح بتأييدها لها. وإنَّ في شعور هذين البلدين آنئذٍ بالحاجة إلى تبنِّي الهوية متعددة الثقافات وإلى إعلان تأييدهما للتعددية الثقافية أدلة مهمة على المغزى والدلالة العامَّين لهذين المصطلحين. تلك هي الفترة التي كانت فيها أستراليا وكندا قد شرعتا في السماح بهجرة جديدة راحت حينها تضفي الصبغة الآسيوية على هاتين الأمتين، فحتى ذلك الحين، كانت أستراليا تطبِّق سياسة تقصِر الهجرة على البيض طبقًا لنص قانون تقييد الهجرة لعام 1901، واعتُبِر الآسيويون واليهود على حد السواء غير قابلين للاستيعاب. وفي عام 1971 كان ثمة اعتراف رسمي بالحاجة إلى المساعدة في تكوين مجتمع متعدد الثقافات، مما مَهَّد الطريق أمام إلغاء تام للشروط العنصرية عام 1973. وقد حُثَّ المهاجرون على الاندماج بدلًا من مطالبتهم بالخضوع للاستيعاب، أي إنهم أصبح في مقدورهم الاحتفاظ ببعض مكونات ثقافتهم الوطنية، واعتُبِرت جمعيات الجاليات العرقية وسيطًا مهمًّا للاندماج. وقد سلطتُ الضوء على عنصر الاندماج في إطار التعددية الثقافية، وسأفعل ذلك فيما بعد، تأكيدًا على أن التعددية الثقافية لم تتعلق قط بالتشجيع على الفصل والعزل، وإنما تضمَّنت تشكيل كيانات يشارك فيها المهاجرون والأقليات العرقية مشاركةً منصفة مع الإقرار بمعقولية رغبتهم في الاحتفاظ بجوانب من ثقافاتهم، وبأن التنوع الثقافي أمر مستحسن في حد ذاته ويعود بالنفع على الأمة من نواحٍ عدة. وللتعددية الثقافية – فضلًا عن ذلك، كما سنرى – جانب يدعو إلى تكافؤ الفرص ومناهضة التمييز، الذي غالبًا ما تغفله النقاشات المتعلقة بمعنى التعددية الثقافية وفاعليتها. في كندا، بدأ النقاش بالعلاقات المضطربة بين الإقليمين الناطقين بالإنجليزية والفرنسية في ستينيات القرن العشرين، فأوصت لجنة مَلَكية معنية بثنائية اللغة وثنائية الثقافة بضرورة اعتبار الإنجليزية والفرنسية لغتين رسميتين، إلا أن قانون ثنائية الثقافة وثنائية اللغة لعام 1969 أثار أيضًا مسألة الأقليات الأخرى في كندا، واعتُمِدت التوصية الأخرى للجنة الملكية الداعية إلى ضرورة توسيع نطاق التعددية الثقافية في الهوية الكندية كسياسة رسمية، وكان هذا مقبولًا في البداية في إطار ثنائي اللغة يشمل اللغتين الإنجليزية والفرنسية، لكن بحلول عام1988 صدر قانون للتعددية الثقافية وسَّع نطاق شروط التضمين. وبالمِثل، فإنَّ وصول السكان المهاجرين من الهند وباكستان وبنجلاديش وجزر البحر الكاريبي إلى بريطانيا، إضافةً إلى الأعداد المتزايدة من العمال المهاجرين من شمال أفريقيا إلى فرنسا وبقاع أخرى من أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، وَضَع مسائل التعددية الثقافية على جدول الأعمال العام لتلك البقاع؛ إذ بدأت جاليات المهاجرين تشكِّل وجودًا دائمًا أو شبه دائم، وفي حين رفضت فرنسا بصفة خاصة أي سياسة تمنح المهاجرين الجُدُد اعترافًا رسميًّا، وضع بيان ألقاه “روي جنكينز” وزير الداخلية البريطاني آنئذٍ عام 1966 إطارًا عامًّا لتضمين جاليات المهاجرين الجدد، بل دمجها في الثقافة والتكوين السياسي القومي لبريطانيا:

“ربما تكون لفظة الاندماج فضفاضة إلى حد بعيد، فأنا لا أراها تعني فقدان المهاجرين لخصائصهم وثقافتهم القومية، ولا أظننا في هذا البلد بحاجة إلى بوتقة تُشَكِّل كل فرد في قالب مشترك، كنسخة ضمن سلسلة من نسخ كربونية من تَصَوُّر خاطئ عن الرجل الإنجليزي النمطي. لذا فأنا أُعرِّف الاندماج ليس على أنه عملية تسطيحيه تهدف إلى التجانس، بل إلى التنوع الثقافي، الذي يصحبه تكافؤ الفرص في ظل مناخ من التسامح المتبادل. وإن كان لنا أن نحتفظ بأي نوع من المكانة العالمية المرموقة فيما يتعلَّق بالمعيشة المتحضرة والترابط الاجتماعي، فعلينا أن نقترب من تحقيق الاندماج بقدر يفوق كثيًرا ما عليه الحال في الوقت الحالي”.

التعددية الثقافية وإضفاء الصبغة العرقية

بالرغم من الصيغة التي جاء عليها بيان “جنكينز”، فمن الضروري التنويه إلى أن رد الفعل تجاه السكان الوافدين إلى جميع أنحاء أوروبا الغربية، فضلًا عن أستراليا وكندا، كان النظر بصفة عامة إلى المهاجرين على أنهم مختلفون عرقيًّا عن أغلبية السكان البيض، على الرغم من أنه حينئذ كانت مشروعية فكرة العِرق قد أصبحت فعليًّا محل اعتراض جاد. وقد اتسمت قضية التعددية الثقافية بالصبغة العرقية منذ نشأتها. وتستمد التعددية الثقافية جذورها – إلى حد بعيد – من الاستجابة للشعوب التي أقامت سابقًا في مستعمرات أوروبا التي جرت العادة على النظر إليها على أنها أعراق دُنيا بطبيعتها.

وما زال من الشائع – لا سيما في بريطانيا – استخدام مصطلحَيْ (متعدد الأعراق) و(متعدد الثقافات) باعتبارهما وصفين متبادلين، على الرغم من أنه في ألمانيا أدى الكابوس العنصري المتمثل في الفترة النازية إلى خطاب عام ناقش القضايا – على  الأقل رسميًّا – من منطلق الأجنبي.

ويكون العِرق في معظم النقاشات الدائرة حول التعددية الثقافية – لا سيما في أوروبا – هو المشكلة الكبيرة التي يغض الجميع الطرف عنها. وعادة ما تكون العنصرية هي الشبح المخيف غير المذكور الذي بالنسبة للكثيرين لا يمكن ذكره، والذي عادة ما يصاحب الهجوم على التعددية الثقافية، حتى إن نقد التعددية الثقافية في وسائل الإعلام الشعبية والثقافة الشعبية كثيرًا ما يقوم مقام تعبير مُلطَّف لمعاداة هجرة الملوَّنين والمهاجرين الملوَّنين ذوي الأصول الجنوب آسيوية والكاريبية الأفريقية والشمال أفريقية والتركية. ويمكن اعتبار الكيان شديد الرسوخ لعدم المساواة على الصعيد العالمي المشكلةَ الكبيرة الثانية التي يغض الجميع الطرف عنها؛ فقد كان عدم المساواة هذا هو الدافع وراء الهجرة إلى أوروبا الغربية.

أيضًا، وهو ما جاء إلى حدٍّ ما نتيجة إضفاء الصبغة العرقية، ترجع أصول نقاشات التعددية الثقافية إلى الصعوبات المُدرَكَة في استيعاب هذه الجاليات الأحدث في ثقافات الدول المضيفة.

واعتُبِر الاستيعاب صعبًا – وإن لم يكن مستحيلًا – لثلاثة أسباب: الخصوصية العرقية المفترضة، التي تعلقت في الواقع باختلافات فسيولوجية سطحية مثل لون البشرة، لكنها بدت معبِّرة عن حاجز بيولوجي وثقافي يستحيل تخطيه، وإن اختُرِق فسينتهي به الأمر إلى تغيير الشخصية الوطنية بالكامل. وثانيًا: العداء الواضح الذي أبداه السكان البيض المضيفون إزاء الملوَّنين. وأخيرًا: عدم استعداد جاليات المهاجرين ذاتها للتخلي ببساطة عن جميع أوجه خصوصيتها الثقافية – على سبيل المثال: اللغة والدين – ومضاهاة الشعوب المضيفة بطريقة أو بأخرى في جميع النواحي الثقافية.

وقد كان ثمة اتجاه سياسي وثقافي آخر عضَّد تطوُّر التعددية الثقافية، وهو القبول المتنامي داخل الدول الديمقراطية الليبرالية الغربية بأحقية الأقليات العرقية في الحفاظ على ثقافاتها المميّزة، وإن كان ذلك دائمًا ضمن حدود معينة. وقد تصدَّر الجدل الدائر حول ما ينبغي أن تكون عليه تلك الحدود بالضبط العديد من النقاشات المتعلقة بالتعددية الثقافية. وتشكِّل فكرة الحقوق الثقافية – كما سنرى – جزءًا من قصة أكبر تتعلق بنشأة أجندة دولية لحقوق الإنسان.

ففي الولايات المتحدة، تحوَّلت معركة الأمريكيين الأفارقة ضد التفرقة العنصرية إلى نضال ثقافي أيضًا، بإصرارهم على إضفاء سمة ثقافية على السواد وحسِّ احترام للذات مميَّزَين جسَّدهما شعار الأسود جميل. وسرعان ما طالب كذلك الأمريكيون من أصل مكسيكي وغيرهم من الأمريكيين من أصل إسباني، والسكان الأصليون من الهنود الأمريكيين الذين طال قهرهم (الذين سُمُّوا بذلك خطأً ظنًّا من كولومبوس أنه قد وصل إلى الجزر الهندية) بمنحهم اعترافًا ثقافيًّا معلنًا بوصفهم جاليات مميَّزة منفصلة عن المزيج الأنجلو أوروبي الأبيض السائد الذي بات يحدد الهوية الأمريكية. ولم تدخل التعددية الثقافية قاموس المفردات العام إلا في تسعينيات القرن العشرين مصحوبةً بمطالبات هذه الجماعات العرقية غير البيضاء بالاعتراف الثقافي بها في مناهج المدارس والجامعات. ومن ثم، فقد احتلت القضايا العرقية مركزًا مهمًّا – وأحيانًا المركز الأكثر أهمية – في النقاشات الدائرة بالولايات المتحدة حول التعددية الثقافية.

معنى التعددية الثقافية: تقدير أوَّلي

إذن لا مجال للدهشة في أن يشير المعنى السائد الذي اكتسبته التعددية الثقافية بحلول الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين – كما جاء في قاموس “هاربر كولينز” لعلم الاجتماع عام 1991، على سبيل المثال إلى:

إدراك التعدد الثقافي وتعزيزه … فالتعددية الثقافية تحتفي بالتنوع الثقافي وتسعى إلى تعزيزه، على سبيل المثال: تشجيع لغات الأقليات. وهي تركِّز في الوقت ذاته على العلاقة غير المتكافئة بين الأقلية والثقافات السائدة.

إذن لدينا كذلك نقاط أخرى مهمة نلاحظها فضلًا عن القضايا المتعلقة بإضفاء الصبغة العرقية وقضايا الاستيعاب، فمسائل التعددية الثقافية ترتبط كذلك بالاحتفاء بالتنوع والتعدد الثقافيَّين، وبمعالجة أوجه عدم المساواة بين الأغلبيات والأقليات. وهذه مسائل تتعلق بالأغلبيات والأقليات العرقية في الدول القومية الحديثة.

إذن فالتعددية الثقافية عادة ما تشير إلى السياسات التي تضعها الدول المركزية والسلطات المحلية لتنظيم وإدارة التعددية العرقية الجديدة التي أحدثها وجود السكان المهاجرين غير البيض بعد الحرب العالمية الثانية. ومما يسبب الحيرة أن مصطلح متعدِّد الثقافات يُستخدَم استخدامًا وصفيًّا أيضًا، للإشارة إلى المجتمعات متعددة العرقيات، إلا أن النقاشات المطروحة في هذا الكتاب تتعلق بالتعددية الثقافية، أي الاستجابة السياسية للتنوع الناشئ لدى مجتمعات تزداد تعدديةً ثقافية (تعدديةً عرقية) باطِّراد.

توسيع مفهوم التعددية الثقافية

أشرتُ في معرِض الحديث عما يمكن تسميته التحوُّل إلى التعددية الثقافية إلى عدة أنواع من الأقليات التي أدى وجودها ونموها، وكذلك – في أغلب الأحيان – مطالبها ودعاواها، إلى نشأة التعددية الثقافية في الدول القومية الغربية الحديثة، وقد تناولت إلى الآن الأقليات المهاجرة في المقام الأول – التي تتضمن جماعات مثل الأتراك في ألمانيا، والجنوب آسيويين والكاريبيين الأفارقة في المملكة المتحدة – إضافةً إلى ما يطلق عليها أقلية قومية دون مستوى الدولة مثل سكان مقاطعة كيبيك، أو الكنديين الفرنسيين، وكذلك الأمريكيون الأفارقة، وهم ليسوا أقلية قومية دون مستوى الدولة، وإنما فئة سكانية متفرقة تتسم بصبغة عرقية عاصرت بالفعل مولد الدولة القومية الأمريكية، ولذا فأصولها تختلف إلى حد بعيد عن المهاجرين إلى أوروبا الغربية أو أمريكا الشمالية. وإضافةً إلى ذلك ثمة أنواع أخرى من الأقليات ذات صلة أيضًا بالتحوُّل العام صوب التعددية الثقافية، ولا سيما الشعوب الأصلية مثل الماوري في نيوزيلندا، والإنويت والأمم الأولى في كندا، والسكان الأصليين في أستراليا، والأمم الأولى في الولايات المتحدة.

لذا، ففي حين عُنِيَ آخر النقاشات المتعلقة بالتعددية الثقافية بالمهاجرين حديثًا إلى أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية في المقام الأول – والأمريكيين الأفارقة إلى حد ما – يدل ارتباط الشعوب الأصلية والأقليات دون مستوى الدولة بتلك النقاشات أيضًا على أن وصف التعددية الثقافية بأنها تتضمن العلاقات بين الأغلبية والأقلية لا بد من تفصيله لكي يعكس تشابكها الحقيقي.

أقصد من ذلك أن تاريخ أنواع الأقليات العرقية المختلفة ومطالبها يتباينان إلى حد بعيد؛ فمطالب الأقليات الوطنية دون مستوى الدولة مثل سكان مقاطعة كيبيك في كندا، والاسكتلنديين والويلزيين في المملكة المتحدة، والكاتالونيين والباسكيين في إسبانيا، والفلمنكيين في بلجيكا، والشعوب الأصلية المذكورة سابقًا، تختلف عن مطالب المهاجرين حديثًا مثل الباكستانيين والبنغال في المملكة المتحدة، أو المغاربة في هولندا، أو الأتراك في ألمانيا. وتختلف التسويات الوطنية التي تم التوصل إليها بشأن أقاليم الحكم الذاتي والحقوق المتعلقة بالأراضي والنظم القانونية والتعليمية المنفصلة وغير ذلك فيما يتعلق بالأقليات دون مستوى الدولة، من عدة أوجه، عن طرق استيعاب الأقليات المهاجرة حديثًا لدى أوروبا الغربية وأستراليا وكندا.

ونظرًا لقيود المساحة – والاختلاف البيِّن بين تاريخ أوروبا الغربية وتاريخ أمريكا الشمالية – سأُعنَى في المقام الأول بالقضايا والنقاشات المتعلقة بالمهاجرين الذين ارتحلوا إلى أوروبا الغربية في النصف الثاني من القرن العشرين. وقد استتبعت شروط التسوية التي أُشرِكَت بها شرائح السكان الدينية والعرقية الأقدم في الدولة القومية في تكوين أُطُر وطنية مختلفة للأقليات في المجالات الثقافية والقانونية والمؤسسية، التي كان لها تأثير باقٍ على استقبال المهاجرين حديثًا نسبيًّا، والتعامل معهم واستيعابهم، وقد أسفرت تلك المسارات الوطنية المتفرقة عن تشَكُّل صور متباينة إلى حد ما من التعددية الثقافية. وفي حين أنه ليس من الملائم الإشارة إلى نماذج قومية تامة الاختلاف للتعددية الثقافية، فإنَّ تسويات التعددية الثقافية في مختلف الدول الأوروبية وفي أمريكا الشمالية تحظى بترتيبات مؤسسية مميزة.

التعددية الثقافية والأجندة الدولية لحقوق الإنسان

يشير الدور الذي يضطلع به كفاح الشعوب الأصلية والأقليات الوطنية دون مستوى الدولة في نقاشات التعددية الثقافية أيضًا إلى أهمية تراث أكبر مرتبط بتطور التعددية الثقافية، فمن الممكن رؤية أصول التعددية الثقافية ضمن كفاح أوسع نطاقًا من أجل تحقيق المساواة بين البشر عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، كما أشار “كيمليكا” على وجه الخصوص.

وقد استهلَّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948 حقبة جديدة نَأَت بنفسها من حيث المبدأ عن أفكار ما قبل عام 1945 المتعلقة بالتفوق والدونية من النواحي العرقية والقومية، التي جسَّدها – وارتبط بها على نحو خاص – النازيون الذين قاتلهم الحلفاء الغربيون في حربهم ضد ألمانيا تحت حكم هتلر.

وينبغي الإقرار بأن هذا المبدأ المتعلق بالمساواة بين البشر جديد بحق، ففي عام 1919، حين حاولت اليابان إدخال عبارة تتعلق بالمساواة بين البشر في عهد عصبة الأمم، رفضته الدول الغربية على الفور. وليس في ذلك ما يثير الدهشة، فقد كان الأوروبيون، على أي حال، ضالعين في حماية إمبراطوريات تحتل أجزاءً كبيرة من آسيا وأفريقيا ترتكز علنًا على مبادئ عنصرية تعتبر البيض متفوقين على الأعراق الأخرى.

وكما ذكرتُ ببعض التفصيل في كتابي عن العنصرية ضمن هذه السلسلة، كان تقويض الأفكار العنصرية قد بدأ في فترة ما بين الحربين في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين – ولا سيما على يد علماء الأنثروبولوجيا الأمريكيين – وهي عملية أكسبتها الاكتشافات التي تمت في مجال علوم الأحياء – ولا سيما علم الجينات – قوة دفع هائلة، إلا أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مثَّل تغيرًا رمزيًّا كبيرًا للأيديولوجيات العنصرية وصدًّا سياسيًّا عالميًّا للحركات المناصرة للسياسات العنصرية.

إلا أن تهيئة مناخ ثقافي دولي متعاطف مع حقوق الإنسان والمساواة بين البشر لم تتحقق إلا عَقِب معارك مستمرة قادتها مختَلَف الجماعات الخاضعة، بما فيها سكان المستعمرات الأوروبية.

ولا ريب في أن الفترة الممتدة منذ ستينيات القرن العشرين زخرت بعدد لا حصر له من الحركات الاجتماعية ومعارك الحملات الدعائية التي خلَّفت عميق الأثر في الثقافة السياسية والمدنية للديمقراطيات الغربية؛ فقد تلاقت الحركة النسائية والحملة المعنية بتغيير أوضاع المثليين والحماية البيئية المتزايدة – على سبيل المثال لا الحصر – مع اتجاهَيْ مناهضة العنصرية والتعددية الثقافية لتشكيل ما سماه نقادها على وجه التحديد فترة سياسات الهوية، ورُفِعَت مطالب الاعتراف الثقافي، التي قد تكون أتَمَّت الكفاح اليساري والليبرالي السابق من أجل إعادة توزيع الثروة، أو تجاوزته واستنزفت طاقاته، حسب وجهات النظر المختلفة، التي نتناولها بالمناقشة في وقت لاحق.

أنواع التعددية الثقافية

على الرغم من عدم ملاءمة الحديث عن نماذج وطنية متباينة للتعددية الثقافية – وهو ما يرجع جزئيًّا إلى ما ينطوي عليه هذا الحديث من وجود تباينات قومية مدروسة دراسة وافية – فالواقع أن المسارات التي سلكتها التعددية الثقافية في البلدان المختلفة تباينت للعديد من الأسباب، وقبل أن نشرع في عرض موجز لأوجه التباين، من المهم أيضًا أن نبني أساسًا للمقارنة عن طريق وضع قائمة بالسياسات التي تُعَرَّف عادةً بأنها سياسات التعددية الثقافية. وقد أجرى “كيمليكا” والمؤلفون المشتركون معه حصرًا مفيدًا في تحديد درجة اعتبار البلدان متعددة الثقافات أي مدى تبنِّيها لسياسات التعددية الثقافية.

وقد تشكَّلت تلك القائمة على أساس أن سياسات التعددية الثقافية تتضمن مبدأين رئيسيين، أولًا: ينبغي أن تكون شروط الدخول إليها محايدة عرقيًّا، حتى يتزايد مجيء المهاجرين إلى البلدان المناصرة للتعددية الثقافية من بلدان غير أوروبية ومن بلدان غير مسيحية في أغلب الأحيان، وحتمًا من بلدان أغلبيتها مسلمة. وثانيًا: يكون للمهاجرين أن يحتفظوا بهوياتهم العرقية وأن يعبِّروا عنها، ومن ثَمَّ تلتزم المؤسسات العامة مثل الشرطة والمدارس ووسائل الإعلام والمتاحف والمستشفيات وخدمات الرعاية الاجتماعية والسلطات المحلية إجمالًا، بمراعاة تلك الهويات العرقية. وقد أفرزت هذه المبادئ ثماني سياسات للتعددية الثقافية اعتُمِدَت بدرجات متفاوتة في البلدان المختلفة:

1 – التأكيد الدستوري أو التشريعي أو البرلماني على التعددية الثقافية على المستويين المركزي والإقليمي، أو أيهما، وعلى مستوى البلديات.

2 – تبنِّي التعددية الثقافية في المنهج المدرسي.

3 – إدراج تمثيل الأقليات العرقية ومراعاتها في إطار مهام وسائل الإعلام العامة أو إصدار التراخيص لها.

4 – الإعفاء من قواعد الملبس – على سبيل المثال: السماح للسيخ بارتداء العمامات بدلًا من الخوذات الواقية أو القبعات المدرسية — والإعفاء من القوانين التي تمنع الاتجار أيام الآحاد وما إلى ذلك.

5 – السماح بازدواجية الجنسية.

6 – تمويل تنظيمات الجماعات العرقية من أجل تشجيع الأنشطة الثقافية.

7 – تمويل التعليم ثنائي اللغة أو التعليم باللغة الأم.

8 – اتخاذ إجراءات إيجابية لمصلحة الجماعات المحرومة.

ليست هذه القائمة محل اتفاق، وينبغي بالأخصِّ تسمية البند الأخير بمسمى أصوب: صياغة تشريعات مناهضة للعنصرية، على غرار سلسلة القوانين البريطانية المسماة قوانين العلاقات العنصرية التي جَرَّمت على نحو متزايد التمييز ضد الأقليات الملوَّنة في التوظيف والإسكان ودخول الحانات والمطاعم، والحصول على غير ذلك من الموارد وسبل الراحة والترفيه.

ومع ذلك، تتيح القائمة مقارنة معقولة بين البلدان المختلفة من حيث قوة التزامها بسياسات التعددية الثقافية، وعلى هذا الأساس، يذهب “كيمليكا” والمؤلفون المشتركون معه إلى أنه ينبغي تصنيف أولئك الذين يتبنون ٦ من السياسات الثماني ضمن التبني القوي للتعددية الثقافية، في حين يُعتَبَر الذين يحققون ما بين 3 و5,5 درجة (تشير نصف الدرجة إلى تبني السياسات وتطبيقها تطبيقًا أكثر صورية) ضمن التبني المتوسط، والذين يقلُّون عن 3 درجات ضمن التبني الضعيف لسياسات التعددية الثقافية.

وينبثق من هذا التصنيف الترتيب الآتي:

قوي: أستراليا وكندا.

متوسط: بلجيكا وهولندا ونيوزيلندا والسويد والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية.

ضعيف: النمسا والدنمارك وفنلندا وألمانيا واليونان وأيرلندا وإيطاليا والنرويج والبرتغال وإسبانيا وسويسرا.

إلا أن القائمة لا تشير سوى إشارة بالغة الإيجاز إلى الاستجابات الصادرة عن الدول القومية المختلفة تجاه أقلياتها العرقية الأحدث، فهي – على وجه التحديد –  تحجب اختلافات مؤسسية مهمة بين سياسات الدول داخل التصنيف الواحد وبين التصنيفات، وكذلك لا تلقي الضوء على المسارات التاريخية المختلفة للتعددية الثقافية، ومن ثم فالقائمة لا تصلح أيضًا كأساس لتفسير الاختلافات. والاختلافات – وأسباب تلك التباينات – ذات دلالة مهمة. وقد كان المؤثران الرئيسيان في تطوُّر الأنماط المختلفة للتعددية الثقافية في الدول القومية الأوروبية هما: العلاقات القائمة بين الكنيسة والدولة، وما سُمِّيَ نُظُم المواطنة.

ويُعزَى التبنِّي الأوسع انتشارًا للتعددية الثقافية في أستراليا وكندا إلى بحثهما عمَّا يُدعى أسطورة تأسيسية من النوع المتوافر في سائر الأنحاء، والموجود مثلًا في تصور الولايات المتحدة لذاتها كأُمَّة من المهاجرين، أو الهويات العرقية والدينية التي تشكِّل جزءًا كبيرًا من التراث الوطني لدول أخرى مثل المملكة المتحدة وهولندا والسويد. واستتبَع هذا أيضًا أن نُمِّي في كندا وأستراليا مفهوم الأمة ذات التعدد العرقي والثقافي الأكيد ليمثِّل هوية البلد بأسره. وعلى النقيض من ذلك، كانت التعددية الثقافية لدى معظم الدول الأوروبية ترمي بالمقام الأول في أغلب الأحيان إلى دمج الأقليات العرقية باعتبارها جزءًا تابعًا – وأحيانًا شديد الثانوية – من التراث القومي. وفي بعض البلدان، يكون ذلك بلا شك جزءًا من تراث استعماري لطالما – على الرغم من العلاقة الوثيقة القائمة بين رعايا المستعمرات والمدن الكبرى في تكوين الدولة القومية الحَضَريَّة – انتُقِص فيه من دور المستعمرات الاقتصادي ودورها في الحروب الرئيسية وفي الثقافة وغيرهما انتقاصًا بالغًا، وهو ما أنوي العودة إليه.

وإنَّ دراسة المسارات التاريخية المختلفة للتعددية الثقافية في بريطانيا وهولندا — على سبيل المثال – في سياق تاريخ كلٍّ منهما قبل الهجرة إليهما في النصف الثاني من القرن العشرين لَأمر في غاية الأهمية في سبيل إتاحة استيعاب سليم للاختلافات بينهما، تلك الاختلافات التي يحجبها تلقيب كلٍّ منهما ببساطة بالمتبنِّي المتوسط للتعددية الثقافية، كما جاء في التمرين التصنيفي الذي حاول “كيمليكا”، ضمن آخرين، أن يجريه.

هولندا: «التقسيم العمودي» والاستقطاب والاندماج

أسس الهولنديون نظامًا مُنِحَت فيه الأقليات العرقية الأحدث – التي جاءت من المستعمرات السابقة في إندونيسيا وسورينام فضلًا عن تركيا والمغرب – استقلالًا  ثقافيًّا جديرًا بالاعتبار، وموارد تتيح لهم الحفاظ على هوياتهم الثقافية. وبحلول عام 2000، كان ما يقرب من 9% من السكان مولودين بالخارج، وكان أحد أبوَيْ 17% من السكان على الأقل مولودًا بالخارج. وبحلول عام 1980 كان قد اتضح بالفعل أن أغلبية المهاجرين ينوون البقاء، مخيِّبين الأمل في كونهم عمَّالًا زائرين يمكن أن يعودوا لديارهم في نهاية الأمر، ووضعت الحكومة الهولندية ما سمته برنامج سياسات الأقليات العرقية. ومُنِحَت الأقليات المزيد من الموارد للحفاظ على لغاتها الأم وثقافاتها عن طريق دعم إنشاء صحف وقنوات تليفزيونية خاصة بها. وكان الهولنديون بذلك يسلكون دربًا وطنيًّا مطروقًا في حكم الجماعات الثقافية المختلفة داخل الدولة، وكان لديهم هيكل تقسيم عمودي مؤسَّس بالفعل – يتضمَّن  دوائر ثقافية منفصلة – أتاح منذ القرن التاسع عشر للبروتستانت والكاثوليك واليهود والجماعات مختلفة الميول السياسية – الليبراليين والاشتراكيين – أن يتعايشون معًا في سلام، لكن في إطار الحد الأدنى من الاتصال بينهم. على أنه بحلول ستينيات القرن العشرين، كان التقسيم العمودي قد فقد الكثير من أهميته – كما أشار “إنتسينجر” – بسبب قُوَى العَلْمَنَة تحديدًا، وأيضًا بسبب الاتجاه العام صوب مراعاة الفردية، لكن أثره ظل بالغ القوة في مجال التعليم؛ فحتى في الوقت الراهن لا يتبع الدولة سوى ثلث المدراس الابتدائية الهولندية، وتخضع بقية المدارس لإدارة خاصة، إما لجماعات دينية، أو جماعات ذات رؤى تعليمية محددة.

وقد استهدفت السياسة الأكثر وضوحًا تجاه الأقليات العرقية المستجدة بدءًا من عام 1983 فصاعدًا إنشاء مجتمع يحظى فيه جميع الأفراد المنتمين إلى الأقليات في هولندا – سواء أكانوا أفرادًا أم ضمن جماعات – بالمساواة وفرص التطور الكاملة، أو ما شاعت تسميته (الاندماج مع الاحتفاظ بالهوية).

بيْد أن تاريخ التقسيم العمودي في هولندا يدل في حد ذاته على أن سياسة الأقليات أدت بالفعل إلى فصل مؤسسي رسمي أكثر مما في غيرها من البلدان، بإعطاء الأقليات قدرًا أكبر من الحرية والموارد لإنشاء مدارسها الخاصة وصُحُفها وإذاعاتها وجمعياتها الثقافية.

نادرًا ما يشير الهولنديون إلى سياساتهم بوصفها متعددة الثقافات، وهو ما أكَّده حديثي الخاص مع الباحث المميز “هان إنتسينجر”. حتى في ثمانينيات القرن العشرين، ومع التشجيع على التعددية على نحو أكثر صراحة فيما يتعلق بالأقليات الأحدث، سُمِّيت المبادرات سياسات الأقليات العرقية، ولم يُشَر إليها بوصف سياسات التعددية الثقافية إلا بأثر رجعي، وفي أغلب الأحيان من خارج هولندا. ومن المفارقات أن الصيغة الهولندية التي تأثرت بقوة بتاريخها السابق القائم على الديمقراطية التوافقية أو التقسيم العمودي، هي الوحيدة ضمن صِيَغ التعددية الثقافية الأوروبية كافة التي يمكن أن تُتَّهم عن حق بتعزيز الفصل بين الجماعات العرقية، وهو الاتِّهام الذي جرت العادة على توجيهه إلى جميع أشكال التعددية الثقافية هذه الأيام.

وقد تنبأ شكل رد الفعل العنيف في هولندا ضد سياسات الأقليات العرقية في تسعينيات القرن العشرين بالصورة التي جاء عليها رد الفعل في البلدان الأوروبية الأخرى؛ فقد انتُقِدَت تلك السياسات بصفة عامة لعجزها عن دمج الأقليات العرقية سواء من الناحية الاقتصادية أو الثقافية، واستُشعِر أن عدم الإجادة الكافية للغة الهولندية والافتقار إلى المعرفة بالمجتمع الهولندي كانا عقبتين منيعتين على وجه الخصوص، واستتبع ذلك أنْ كان على المهاجرين الجدد أخذ دورات جديدة في اللغة والاندماج المدني، صارت شروطها أكثر تعسُّفًا في القرن الجديد؛ بإلزام المهاجرين بتمويل الدورات على نفقتهم الخاصة، وتحويل مسئولية الاندماج على نحو أكثر حِدَّة تجاه المهاجرين أنفسهم، إلا أنه – في الوقت ذاته – كان ثمة اعتراف رسمي بهولندا كبلد هجرة ومجتمع متعدد الثقافات.

استهلَّ النقَّاد أيضًا – كما أشار “برينز وساهارسو” – ما بات يُعَدُّ واقعية جديدة جاءت في حينها، وصيغَت تلك الواقعية الجديدة وفق منظور افترض وجود فرق شاسع بين الليبرالية الغربية، بمبادئها الداعية إلى حرية التعبير والعلمانية، والكبت الذي تمارسه ثقافات الأقليات الإسلامية خاصةً. وقد تأثَّر هذا جزئيًّا بأحداث وقعت خارج هولندا، لا سيما قضية سلمان رشدي في بريطانيا. وصاحَب ذلك الاستقطاب الاتهام القائل إن التساهل مع ثقافات الأقليات أتاح لها الانفصال عن عموم المجتمع الهولندي – وهي مرثاة ترددت فيما بعد في أكثر أنحاء أوروبا – وجعلتها أيضًا أكثر اعتمادًا على الرعاية الاجتماعية.

وقد استجمع رد الفعل المضاد لسياسة الأقليات العرقية قواه – كما في سائر الأنحاء – بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. وفي هولندا، اكتسب زخمًا خاصًّا في البداية بصعود حزب بيم فُورْتُوين (هولندا القابلة للعيش) والهجمات التي شنَّها على دولة الرفاه والوحدة الأوروبية والإسلام والتسامح الليبرالي وليبرالية الكنيسة والتوافد المستمر للمزيد من المهاجرين وطالبي اللجوء. وفيما بعد تأججت نيران الجدل التي أشعلتها تدخلات فُورْتُوين الشهيرة باغتيال أحد المسلمين للمخرج “ثيو فان جوخ” في نوفمبر عام 2004، والتهديدات الموجَّهة إلى أيان حرسي علي شريكته في صُنع الفيلم الوثائقي ونائبة البرلمان، وهي ذاتها مهاجرة مسلمة وناقدة شرسة للإسلام.

إلا أن لهجة الخطاب المعادي للهجرة والإسلام خفَّت حدَّتها منذ عام 2007، وظهرت سياسة أكثر تعاطفًا تجاه طالبي اللجوء، تأثرت بلا شك بتنديد المجلس الأوروبي وهيومن رايتس ووتش بهولندا لانتهاكها حقوق طالبي اللجوء والمهاجرين، إلا أن صعود حزب الحرية شديد المعاداة للإسلام أدخل على السياسة الهولندية ديناميكية أخرى مزعزعة للاستقرار.

المملكة المتحدة: «العِرق» و«الجوهرية» والسياسة المتغيرة للاعتراف

في حالة بريطانيا، ثمة رواية مختصرة يكثر سردها تلمِّح إلى أن هذا البلد عامَل المهاجرين إليه بعد عام 1945 من مستعمراته السابقة – ومن العديد مما كانت لا تزال مستعمراته حتى ستينيات القرن العشرين – تقريبًا مثلما عاملهم عندما كانوا مواطنين في المستعمرات. فعلى حد قول “فافل”:

“حكمت بريطانيا تاركة المواطنين كما كانوا، مهذِّبة إياهم عن طريق … مؤسسات كانت … في كثير من الأحيان صِيَغًا معدَّلة لتلك القائمة في الثقافة الوطنية … وكانت بريطانيا ترى إمبراطوريتها ملكوتًا للحضارة البريطانية الجامعة يمكن فيه لجميع حضارات العالم أن تزدهر تحت الشمس التي لا تغيب.

إلا أن المعلِّقين الأكثر تشكُّكًا أضافوا أيضًا أن بريطانيا تعلَّمت الكثير عن سياسات فرِّق تَسُد في غزو الهند وأفريقيا، وعن مزايا استمالة القيادات المحلية بغية إخضاع الشعوب المستعمَرة، ثم ترويض مهاجري مرحلة الاستعمار وما بعدها الذين استوردتهم تعزيزًا لقوة العمل في مرحلة إعادة الإعمار بعد الحرب”. وإضافةً إلى ذلك، “نمَّت الإمبراطورية البريطانية أيضًا المفاهيم التي صوَّرت بريطانيا على أنها البلد الأم، وهو ما آمن به إيمانًا ساذجًا العديد من مواطني جزر الهند الغربية تحديدًا عند ركوبهم سفينة «إس إس ويندرَش» أولًا عام 1948، ثُمَّ غيرها من السفن لشغل وظائف العمالة غير الماهرة – لا سيما في مجال الصناعات المتدهورة – التي كان البريطانيون البيض قد بدأوا يتهرَّبون منها من أجل وظائف أعلى راتبًا وأقل إجهادًا وتتطلَّب مهارة أعلى”.

وبدا أن تصوُّر بريطانيا أُمًّا ترحب بأبنائها في الخارج ثبتت صحته بصدور (قانون الجنسية) لعام 1948، الذي منح المواطنة وحرية الدخول لجميع القادمين من المستعمرات وولايات الكومنولث البيضاء المتمتعة بالحكم الذاتي، وهي: أستراليا ونيوزيلندا وكندا.

لكن لم تكن الأمور مثلما تبدو في الظاهر، فنحن نعلم الآن من السِّجِلات أن قانون الجنسية لعام 1948، الذي كفل المواطنة وحرية الدخول، وُضِعَ في الواقع كي يتيح للبيض من ولايات الكومنولث المجيء والاستقرار أو السفر ذهابًا وإيابًا حسب رغبتهم، ولم يَدُر بخلد أحد أن من سيقتنص الفرصة هم ملوَّنون من جزر الهند الغربية والهند وباكستان. وحاولت حكومة حزب العمال البريطانية منع “إس إس ويندرَش” من الإبحار، لأن السياسة المفضَّلة كانت توظيف البولنديين وغيرهم من الأوروبيين الشرقيين البيض النازحين. وعندما أبحرت السفينة على أي حال، أُرسِل موظفون عموميون من وزارة المستعمرات إلى جزر الهند الغربية والهند حتى يوقفوا أي هجرات إضافية، ولم يُدَّخَر وسعٌ في محاولة إقناع المهاجرين المستَقبَليين بعدم وجود وظائف في بريطانيا.

لكن هيئة الخدمات الصحية الوطنية المتنامية الحجم وإدارة المواصلات بلندن سرعان ما بدأتا حملات توظيف بجزر الهند الغربية والهند، واقتنص أصحاب الصناعات التحويلية المتلهفون في الشمال وميدلاندز ولندن العمال المهاجرين أيضًا، مما أدَّى إلى سلسلة من الهجرات لدى وصول أنباء إلى جزر الهند الغربية والهند وباكستان عن وجود فرص عمل. وكما هو الحال بالنسبة إلى الهجرات المشابهة في المرحلة الاستعمارية وما بعدها إلى هولندا وفرنسا، حتى العمال المَهَرَة اضطُرُّوا إلى القبول بوظائف العمالة غير الماهرة التي تتسم بالقذارة والخطورة، وتتضمن نوبات عمل ليلية، والتي استطاع العمال البريطانيون البيض أن يهجروها في ظل اقتصاد مزدهر. وعثر المهاجرون الملوَّنون على السكن الرخيص في الأحياء الأفقر، حيث لم تُقَيَّد خياراتهم بالدخل والرغبة في إرسال النقود إلى بلادهم فحسب، وإنما أيضًا بالتمييز المباشر الذي مارسه ملَّاك العقارات الخاصة والسلطات العامة ضدهم.

يدل الاستخدام الشائع لوصفَيْ (ملوَّن) و(أسود) في المملكة المتحدة – ناهيك عن الإشارات الأكثر إهانةً مثل لفظ (ووج) (الذي يُطلق على المُلوَّنين من أصل أفريقي أو آسيوي) – على إضفاء الصبغة العرقية إضفاءً أكثر صراحة على المفردات والأساليب التي حُكِمَت بها الأقليات الأحدث، مقارنة بسائر أنحاء أوروبا. وخلافًا لهولندا، التي طالما كان عندها سياسة أقليات عرقية، صاغ البريطانيون تلك القضايا من منطلق العلاقات العرقية. وفي عام 1969 صدر تقرير مهم “لروز” تحت عنوان لم يلقَ خلافًا، هو: “اللون والمواطنة: تقرير بشأن العلاقات العرقية البريطانية”. وما زالت صفتا متعدد الأعراق ومتعدد الثقافات تُستخدَمان استخدام المترادفات.

غير أن إضفاء الصبغة العرقية على الخطاب العام – الذي يترتب عليه الأثر المؤسف المتعلق بمنح الشرعية لفكرة (العرق) المشكوك تمامًا في صحتها، والذي يفسح المجال أمام بقاء مخلَّفات الأيديولوجية العِرقية القائلة بالتفوق الطبيعي للبيض على مقربة – صحبته أيضًا تدابير متزايدة القوة ضد التمييز، عُرِفَت باسم قوانين العلاقات العرقية (أوَّلها صدر عام 1965)، سبقت مثيلاتها في سائر أنحاء أوروبا بعدة خطوات، وكان أحد أهم تلك القوانين قانون العلاقات العِرقية لعام 1976، الذي أقرَّ بحاجة التمييز غير المقصود وغير المباشر إلى الإصلاح والمعالجة. ومما لا شك فيه – علمًا بأنه ليس ثمة وجود فعلي للأعراق – أن التشريع المناهض للعنصرية يواجه معضلات مستعصية فيما يتعلق بكيفية تعريف (الجماعات العرقية)، ويجدر الإشارة إلى أنه – تحت تأثير معارك الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأمريكية – تبنَّى الناشطون المناهضون للعنصرية في بريطانيا دون تردد تصنيف الأسود ذي الصبغة العرقية لتوحيد كلٍّ من الجنوب آسيويين والكاريبيين الأفارقة في إطار كفاح مشترك من أجل محاربة التمييز في التوظيف وفي مجال الخدمات العامة، وهي استراتيجية انهارت في النهاية بإنشاء الآسيويين عددًا لا حصر له من الجمعيات العرقية، وتناوُلهم القضايا المتعلِّقة بالهجرة وتوفير الخدمات التي كانت تشغلهم على نحو أكبر.

نُفِّذَت أخيرًا الخطط التي طال بحثها بشأن تقييد هجرة الملونين بدءًا من عام 1962 فصاعدًا، بصدور قوانين الهجرة من الكومنولث والتشريع المعني بالجنسية والمواطنة؛ تلك القوانين التي وضعت حدًّا لأي هجرات أخرى – فيما عدا جمع شمل الأُسَر – من الكومنولث الجديد المزعوم. وميَّز هذا في الأساس بين الملوَّنين القادمين من المستعمرات السابقة والبيض من ولايات الكومنولث، أستراليا ونيوزيلندا وكندا. وكان قانون الجنسية لعام 1981 مهمًّا كذلك لإلغائه ممارسة (حق الأرض)، أي منح الجنسية تلقائيًّا للأطفال المولودين في المملكة المتحدة لآباء غير مواطنين.

إذن التعددية الثقافية البريطانية دائمًا ما انطوت على نهج واضح الازدواجية جمع بين اندماج المهاجرين الموجودين داخل البلد بالفعل ووضع قيود صارمة على مزيد من هجرة الملونين.

لَقِي القول بأن الهوية البريطانية تنطوي على مضمون عنصري أبيض معارضة عنيفة من وسائل الإعلام الرئيسية – المعادية أصلًا للتعددية الثقافية – وحتى من رجال السياسة المنتمين ليسار الوَسَط والمتعاطفين بصفة عامة مع مبادرات التعددية الثقافية. وتجلَّى هذا في السخط العام الذي ثار بشأن مجرد الإشارة إلى ذلك في تقرير “باريك” عن (بريطانيا متعددة العرقيات) الذي نُشِر عام 2000، لكن ثمة حقيقة مهمة تكمن في هذه المعلومة، فدولة بريطانيا المتعددة القوميات – التي توحِّد الإنجليز والاسكتلنديين والويلزيين والأيرلنديين الشماليين تحت مظلة الهيمنة الثقافية الإنجليزية – دائمًا ما استصعبت منح مكانة الإنجليزي أو الاسكتلندي أو الويلزي أو الأيرلندي الشمالي لمواطنيها غير البيض، الذين يُضطرون إلى البحث عن هوية ما في إطار الهوية البريطانية غير محددة المعالم. ويبقى الآسيويون البريطانيون والكاريبيون الأفارقة البريطانيون على وعي تام بهذا الرفض من خلال السؤال الذي يواجهه الشخص ذو البشرة السمراء أو الداكنة بصفة روتينية: لكن من أين جئت في الواقع/الأصل؟ أو من أين جاء أسلافك؟ وتُبطِل هويةُ الزنجي أو الباكي (التي تُطلق على المواطنين البريطانيين ذوي الأصول الممتدة إلى جنوب آسيا وشبه القارة الهندية) بطلانًا منتظمًا وفظًّا الادعاءات القائلة بانتماء الأشخاص ذوي الأصول الآسيوية والأفريقية انتماءً حقيقيًّا، ويعني الخلط بين متعدد العرقيات ومتعدد الثقافات أن في بريطانيا يُعبَّر عن معارضة المهاجرين والهجرة في كثير من الأحيان من خلال معارضة التعددية الثقافية.

لكن بدأ وجود مبادرات التعددية الثقافية ومناهضة العنصرية في المدارس، ووصول خدمات السلطات المحلية بالأخص، مصحوبًا بإنشاء جمعيات أهلية للأقليات العرقية – كثيرًا ما حصلت على تمويل كلي أو جزئي من تلك الأقليات، والعديد منها تعاطفت معه السلطات المحلية مانحةً إياه المباني – يشير إلى أن تحولات ثقافية مهمة ربما تكون في سبيلها إلى مد جذورها. فعلى الصعيد الوطني، تحوَّل ما بدأ بتقرير “رامبتون” بشأن ضعف تحصيل مهاجري جزر الهند الغربية في المدارس إلى تقرير سوان لعام 1982 الذي أوصى بتطبيق التعليم متعدد الثقافات على الجميع. وقد وضعت اضطرابات المناطق الحَضَريَّة التي ضَلَعَ فيها الشباب السُّود في لندن وميدلاندز إبَّان ثمانينيات القرن العشرين القضايا المتعلقة بالمناطق الحضارية المحرومة التي يقطن بها السود وضعف تحصيلهم وبطالتهم، ولا سيما أن تقرير “سكارمن” عن اضطرابات “بريكستون” في لندن ألقى باللوم على الحرمان وأوجه عدم المساواة بصفة عامة – لا العنصرية المؤسسية بين أفراد الشرطة وغيرها من الهيئات – لإثارتهما الإحباط والغضب لدى الشباب الأسود.

وقد تعرَّضت آمال التطور الجدِّي للتعددية الثقافية لضربات قاصمة في ظل حكومة تاتشر التي انتُخِبَت عام 1979، إذ أُرجِئت توصيات تقرير سوان، وفُرِض (منهج وطني) يركِّز بشدة على التاريخ البريطاني الأبيض وعلى المبادئ المسيحية. وأسفر الهجوم المتكرر من الحكومة المركزية ووسائل الإعلام على السلطات المحلية التابعة لحزب العمال ذات الالتزام المعلَن القَوي بالتعددية الثقافية – لا سيما في لندن – التي عادةً ما حظيت بقيادات ذات ميول يسارية عن ترسُّخ عبارة (مجالس اليسار الخرقاء) في الوعي الوطني تعبيرًا عمَّا يفترض كونه مقترحات مجنونة تبتغي فَرْض أشكال اللياقة الأدبية، حتى إن الصحف الصفراء – كما ذكر الباحثون الإعلاميون لاحقًا – نَسَجَت قصصًا مثل القصص المتعلقة باقتراحات منع عبارة أكياس القمامة السوداء أو أغنية الأطفال الخروف الأسود.

ومما ينطوي على أهمية رمزية، أن أقوى خطوة اتُّخِذت ضد مبادرات التعدد الثقافي ومناهضة العنصرية كانت إلغاء حكومة تاتشر عام 1986 لمجلس لندن الكبرى اليساري الاتجاه برئاسة “كين ليفينجستون”، الذي كان قد وضع رسميًّا مبادئ مناهضة للعنصرية في مركز الصدارة بأجندته الراديكالية الرامية إلى تعزيز المساواة – لا سيما في مجال التعليم – مقترنةً بمبادرات متأثِّرة بالحركة النسائية وبصيغة من المساواتية أكثر صرامة فيما يتعلق بالتفاوت الطَّبَقي.

إلا أن الصيغة الأكثر راديكالية لمناهضة العنصرية التي اعتمدها مجلس لندن الكبرى بدأت أيضًا في تنفير الليبراليين، وحدث شقاق بين من يدعون أنفسهم «مناهضي العنصرية» ومن يسمونهم هازئين (أنصار التعددية الثقافية)، ظهر جليًّا مرة أخرى في وجهات النظر المتضاربة بشأن التدخل في المدارس. وشكَّك مناهضو العنصرية – الذين غالبًا ما يُقرَنون بمعهد العلاقات العرقية – في مدى قدرة السياسة الليبرالية للتعددية الثقافية المتعلقة بتدريس الثقافات الأخرى على التصدي الفعَّال المباشر للأساليب والممارسات العنصرية يومًا ما، مضيفين أن المعرفة بثقافات الأقليات لا تعالج قضية العنصرية الكامنة في ثقافة الأغلبية. وعلى أي حال – وكما يذهب النقَّاد – كان التدريس المتعلق بثقافات الأقليات باليًا وسطحيًّا، بتركيزه على تعريف الأطفال البيض بفنون الطهي والموسيقى والأزياء السائدة في الهند وجزر الهند الغربية، وهو ما صار يُعرف بمتلازمة (الساري والسمبوسك والطبل الفولاذي). وكان مناهضو العنصرية يعتبرون هذا مجرَّد نشاط تضليلي.

إضافةً إلى ذلك – وكما أشار نقاد تلك المحاولات المبكِّرة لإدخال التعددية الثقافية – فقد ارتكزت على قدر غير مقبول من الجوهرية.

بات معظم دارسي التعددية الثقافية يدركون الآن أن الجوهرية الثقافية واحدة من العقبات الكبرى أمام إقامة نقاش بنَّاء بشأن التعددية الثقافية، وهي تعيق كذلك صنع سياسات التعددية الثقافية وتطبيقها. ولقد سلكت الكثير من صور التعددية الثقافية – بما فيها تلك التي كانت تنشأ في المدارس البريطانية وفي مجال توفير الخدمات الاجتماعية – منحًى (جوهريًّا)، أي وفق صِيَغ مبَسَّطة لثقافات الأقليات العرقية وميلٍ لاعتبارها تتسم بعدد قليل من الخصائص الرئيسية الثابتة، واعتبارها كيانات مُحكَمة الحدود، وهو ما أُطلق عليه لقب (متلازمة كرة البلياردو). وكان مناهضو العنصرية وغيرهم من النقاد على جانب كبير من الصواب في إبراز هذا القصور. ومن ناحية أخرى، عمل النقاد المحافظون الذين تبنَّوا وجهة نظر أكثر استيعابية وفق صِيَغٍ جوهرية للهوية البريطانية التي كان من المفترض استيعاب المهاجرين فيها، وهي قضية نتناولها في الفصل الخامس بالأساس.

وعلى صعيدٍ وطني، استمر صدُّ مبادرات التعددية الثقافية ومناهضة العنصرية طوال فترة تسعينيات القرن العشرين إبَّان إمساك المحافظين بزمام السلطة في بريطانيا. على سبيل المثال: في يناير لعام 1997 اعترضت حكومة جون ميجور على خطط الاتحاد الأوروبي لإنشاء مركز أوروبي لرصد العنصرية وكراهية الأجانب، كان سيسجِّل بدء السنة الأوروبية لمكافحة العنصرية. وتزامن مجيء حكومة حزب العمال في وقت لاحق من العام مع إحراز بعض التقدُّم إزاء تلك القضايا. وسمحت الحكومة الجديدة لبريطانيا كذلك بإصدار تشريعات متعلِّقة بحقوق الإنسان موافَق عليها أوروبيًّا، وفَتْح التحقيق في مقتل المراهق الأسود “ستيفِن لورنس”، الذي كشف عن ثقافات وممارسات عنصرية متأصِّلة داخل هيئة شرطة العاصمة لندن التي كانت قد سمحت للقَتَلَة بالإفلات من المحاكمة.

إلا أن الموقف كان مختلفًا على مستويات محلية متعددة، ففي حين لم تحقق العديد من المدن في شمال إنجلترا الكثير فيما يتعلق بالتعددية الثقافية إبان سنوات حكم المحافظين – وهو إهمال سرعان ما انكشف جليًّا في أعقاب الاضطرابات التي انتشرت في المناطق الحَضَرِيَّة عام 2001 – واصلت مدن مثل ليستر استثمار طاقاتها بهدوء في اتخاذ حِزمة واسعة من التدابير المدرسية والمجتمعية أصبحت الآن مثار الإعجاب باعتبارها نموذجًا يُحتَذى به، واستمرت العديد من بلديات لندن أيضًا في اتخاذ تدابير التعددية الثقافية، مثل طباعة النشرات بعدة لغات، ومواصلة ما سُمِّيَ الوعي العرقي، أو تدريب العمال في مرافق الصحة والخدمات على التنوع. وثمة أدلة تفيد بأن بعض السلطات المحلية التابعة لحزب العمال في لندن وبرمنجهام وليدز – على وجه التحديد – كانت تقدِّم موارد مجتمعية إلى الأقليات ضمانًا لأصواتها في الانتخابات، وأن تلك الأقليات كانت على دراية بثِقَلها الانتخابي واستغلته، وأدَّى ذلك أيضًا إلى ترسيخ الانقسامات داخل المجتمعات، وأعطى سلطة محسوبية مفرطة لأولئك الذين قُبِلوا لعدة أسباب بصفتهم (قادة المجتمع المحلي). وقد سلَّط نقَّاد التعددية الثقافية في بريطانيا – مثل  مالِك وحَسَن – الضوء على هذه العملية المتفاوتة محاولين تقويض التعددية الثقافية برمَّتها باعتبارها تصرف الانتباه عن المعارك الحقيقية الرامية إلى معالجة التفاوت العرقي وغيره من أوجه التفاوت الأشمل، لكن من الواضح أيضًا أنه كان ثمة التزام حقيقي، وإن كان متقطِّعًا، بكفالة معالجة الحرمان العرقي ودمج الأقليات العرقية عبر الجمعيات المحلية المزدهرة وغيرها من أشكال ما سماه الفيلسوف الكَنَدي البارز “تشارلز تايلور” (سياسات الاعتراف) في عام 1992.

اقترنت المخاوف المتعلقة بالجوهرية في أوساط العديد من مناهضي العنصرية والمنتمين إلى فِكْر المساواتية العامة في كثير من الأحيان بالنقد الذي ربما يكون أبلَغ مَن عبَّر عنه هو الكاتب الأمريكي “تُود جيتلين”، القائل إنَّ الدفع من أجل إقامة التعددية الثقافية – مصحوبًا بظهور حركات اجتماعية جديدة أخرى مثل الحركة النسائية وحركات حقوق المثليين وحقوق الحيوان وحماية البيئة – أدَّى إلى ظهور نوع من سياسة الهوية صَرَفَت الانتباه والطاقات عن المعركة الحقيقية المتمثلة في الحدِّ من أوجه التفاوت الطَّبَقي. وأحيانًا كان الحوار يُدار بلغة مختلفة قليلًا عن طريق الاتهام – الذي كان أشهر من وجَّهه أمريكية أخرى هي “نانسي فريزر” –  ومفاده أن التعددية الثقافية ومناهضة العنصرية كانتا معركتين من أجل الاعتراف الثقافي في المقام الأول، مما قوَّض الحاجة الأكثر إلحاحًا للقتال من أجل إعادة توزيع الموارد المادية أو تعارض معها، وهي مخاوف ترددت في بريطانيا على لسان معلِّقين مثل “مالك”. إلا أن كلا الاتهامين مُضَلِّل، فالانتقادات من نوعية رأي “جيتلين” لم تعجز عن استيعاب فكرة أنه حتى الصراع الطبقي ينطوي على هويات اجتماعية فحسب، بل أيضًا عن استيعاب أنه كان ثمة اهتمام مُفرِط في الماضي بالطبقات على حساب أوجه عدم المساواة المتعلقة بالنوع والحياة الجنسية والانتماء العرقي، وأن تلك ليست قضايا جانبية تافهة، وإنما تتطلَّب سرعة المعالجة وأن من شأنها أن تُوَلِّد المزيد من الديمقراطية والعلاقات الاجتماعية القائمة على المساواة بصفة عامة. وفي الوقت ذاته، كما أشار العديد من المعلِّقين – ربما يكون باريك أكثرهم بلاغة – فإن إعادة التوزيع والاعتراف ليسا على طرفي النقيض، بل هما متشابكان بطبيعتهما، ويلزم كلٌّ منهما الآخر لتعزيز الأهداف الشاملة المتعلقة بتحقيق المزيد من المساواة الاقتصادية ونطاق أوسع من التعبير الثقافي والتنوع.

أيضًا أفرط من يدعون أنفسهم مناهضي العنصرية البريطانيين – كما أشرتُ في مقالة كتبتها في أوائل تسعينيات القرن العشرين – في الاعتماد على اختزال أوجه عدم المساواة ذات الصبغة العرقية واختزال العنصرية في مسألة الطبقات بمختلف صورها، ومَفاد ذلك أنه على الرغم من رجاحة النقد الذي وجَّهوه إلى الجوهرية، كان لا بد أيضًا من الابتعاد عن نزعتهم للاختزال الطبقي إذا كان لنا أن نستبدل استراتيجيات أكثر رقيًّا بالانقسامات الضارة التي وقعت بين معسكرَيْ أنصار التعددية الثقافية ومناهضي العنصرية. وقلتُ أيضًا إنه ينبغي تناول القضايا المتعلقة بالنوع – بما في ذلك قضايا الذكورة – عن طريق إدراج اهتمامات الحركات النسائية. وكان تقرير عام 1989 بشأن التحقيق في مقتل طالب المدرسة الآسيوي بمدرسة بِرنيج الثانوية في مانشستر إيذانًا ببعض تلك الانتقادات، وفيه انتُقِدَت سياسة مناهضة العنصرية الخاصة بالمدرسة لتحلِّيها بنزعة أخلاقية مفرطة، وإغفالها إشراك أولياء الأمور البيض من الطبقة العاملة في سياساتها، وعجزها عن التصدي لثقافة العنف الذكورية المتفشية، وكل ذلك أسهم في تشكيل موقف أسفر عن القتل. وقد أسفر عدم إشراك البيض بصفة عامة عن سخط بالغ في نهاية الأمر، إذ اعتُبِرَت التعددية الثقافية بمنزلة امتيازات تُمنَح للسود والآسيويين على حساب البيض، بدلًا من كونها محاولة لمحاربة الحِرْمان الاقتصادي والاجتماعي العرقي فضلًا عن الإقصاء الثقافي من الهوية الذاتية للأمة.

مثَّل اندلاع أعمال العنف واسعة النطاق في مدن شمال إنجلترا عام 2001 نقطة تحول، وكان له عظيم الأثر على حكومات حزب العمال المتوالية، التي انتُخبت أُولاها عام 1997. وأُلقِيَت المسئولية عن الاضطرابات إلى حد بعيد على عاتق التعددية الثقافية وآثارها المفترضة من حيث السماح للأقليات العرقية بأنْ تسلك معايش متوازية.

وسادت بريطانيا على نحو متزايد نزعة إدماجيه جديدة، مشابهة من عدة جوانب للتحوُّل الهولندي الكامل الذي تعرضنا له سابقًا، وبدأت حقبة جديدة من (الترابط المجتمعي) – المفترض أن يكون على النقيض من التعددية الثقافية – تتضح  معالِمها، وهو ما سأتعرَّض له في الفصل الرابع ببعض التفصيل.

في الوقت الحالي، يجدر الإشارة إلى أنه في كلٍّ من هولندا وبريطانيا كانت صور التعددية الثقافية التي نشأت تكويناتٍ فائقةَ البرجماتية موَجَّهةً من القمة إلى القاعدة، وتفتقر إلى الحوار العام الحقيقي ومشاركة الأغلبية أو الأقليات، فمثَّلت ذكورية ليبرالية كثيرًا ما وجدت نفسها ضائعة ومذعورة في مواجهة موجات السخط الجماهيري المتفجِّرَة أو الإحساس بالظلم، النابعة من القاعدة. وثمة قدر كبير من الحقيقة في التعليق التهكُّمي الصادر عن “ياسمين علي بهائي براون”:

“لقد خذلتِ النخبةُ السياسية البريطانيين البيض على مدى التاريخ، إذ لم تُعدَّهم للتغيُّرات التي جاءت بعد الحرب، وما زالت تصدر عنها آراءٌ متضاربة فيما يتعلق بمسألة هل الهجرة أمر محمود لهذه الأمة. فتارة يُلَقَّن الناس في بريطانيا أنهم السادة الاستعماريون الذين حُمِّلوا مسئولية إلهية عن تهذيب من يحكمون من هَمَج، وتارة أخرى يجدون أولئك السود والآسيويين في مقصف العمل مطالبين بالمعاملة على قدم المساواة. وقيل للبريطانيين البيض إن الهجرة السوداء والآسيوية مصدر تهديد، لكن في نفس الوقت تَلَقَّوا تعليمات بمعاملة المهاجرين الموجودين بالفعل على قدم المساواة.”

فرنسا: العلمانية والهجرة والتعددية الثقافية بحكم الواقع

تتسم الواجهة المعلنة للدولة الفرنسية وسُلْطاتها المحلية بعدائية متصلِّبة إزاء النهج المسمَّى – تسمية خاطئة وغريبة  النهج (الأنجلو ساكسوني)، الذي يُفتَرَض أن تُجَسِّده الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، والمتعلق بالاعتراف المعلن بالأقليات العرقية، والالتزام بتنمية ثقافات الأقليات، والاحتفاء عمومًا بالتنوع الثقافي والتعددية العرقية.

ويتأثر النهج الفرنسي إلى حد بعيد بمفهومه عن العلمانية، وقد شهدت العلمانية الفرنسية – التي تتضمَّن الفصل الرسمي بين الكنيسة والدولة – تقنينً مهمًّا بصدور (قانون الفصل) الشهير لعام 1950 بعد مسيرة ملتوية خاضتها عملية العلْمَنَة التي كَفَلَت حرية العبادة، وإنْ مَنَعَت وضع أي (رمز أو علامة) دينية على الآثار العامة، على الرغم من قبول الدولة تمويل مكاتب القساوسة في المدارس والسجون. ولطالما تباينت تأويلات العلمانية الفرنسية – كجميع صور العلمانية – والأساليب المؤسسية للتعبير عنها، فيميِّز فيتزر وسوبِر بين الصيغة المتشددة والصيغة المتساهلة اللتين سادتا في فترات مختلفة وفي قطاعات الدولة المختلفة وبين رجال الدين والتربويين والساسة، فطبقًا للصيغة المتشددة – التي تحظى بتأييد نقابات المعلِّمين والحركات النسائية واليسار الجمهوري – يُعتبَر كلٌّ من الصلاة في العَلَن والامتناع عن تناول أطعِمة معيَّنة في مقصف المدرسة وارتداء ملابس أو حُلِيٍّ ذات طابع ديني انتهاكًا للعلمانية. أما الصيغة الأكثر تساهلًا – السائدة في أوساط (اليساريين المناصرين للتعددية الثقافية) وناشطي حقوق الإنسان والعديد من الزعماء المسيحيين واليهود والمسلمين – فتدعم تمويل الدولة للمدارس الدينية أو العقائدية، وتُشَجِّع إقامة الحوار بين الأديان، وتناصر حرية الطلاب في التعبير عن هوياتهم الدينية في المدارس ما داموا يحترمون تعدد الأديان. ويذهب أيضًا مؤيدو هذه الصيغة إلى أن نظيرتها المتشددة تنتهك القانون الدولي والعهدين الدوليين الخاصين بحقوق الإنسان.

وفي السنوات الأخيرة وضعت الصِّيَغ المختلفة للعلمانية الفرنسية في دائرة الضوء، وذلك في إطار الخلافات المتعلقة بالحجاب الإسلامي.

شهدت فرنسا معدلات هجرة مرتفعة من بلدان أوروبية أخرى مثل بولندا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال طوال الفترة السابقة على نهاية الحرب العالمية الثانية، بل شجعت عليها، واتَّسَمَت تلك الموجات من الهجرة بسمتين ميَّزتاها عن تدفقات الهجرة الوافدة من المستعمرات الفرنسية السابقة في شمال أفريقيا بعد عام 1945 أولًا: لم تُلصق الصبغة العرقية بالمهاجرين الأوروبيين، ولذا لم يُعتَبَروا مسبِّبين لأي مشكلات فيما يتعلق بالاستيعاب، وأتاح ذلك لفرنسا أن تستمر في اعتبار نفسها دولة لا تلعب فيها الهجرة دورًا في تكوين هويتها الذاتية. وثانيًا: اضطلع (الحزب الشيوعي) والنقابات العمَّالية التابعة له بدور مهم في تنظيم صفوف المهاجرين ودمجهم؛ مُشَجِّعًا بذلك تشكيل تجَمُّعات عرقية منفصلة وآليات سياسية عرقية صَمَدَت طويلًا حتى بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

إلا أن المهاجرين غير الأوروبيين وغير المسيحيين من مستعمرات المغرب العربي عُومِلوا باعتبارهم مختلفين عرقيًّا وبطريقة أو بأخرى غير قابلين للاستيعاب. وقد أوصى تقرير كالفيه المُقَدَّم إلى (المجلس الاقتصادي والاجتماعي) في وقت ليس ببعيد – هو عام 1969 – بأنه ينبغي على الدولة أن تتصرَّف مع العُمَّال القادمين من المغرب العربي باعتبارهم عمالًا (مؤقَّتين) مرتبطين باحتياجات معيَّنة لسوق العمل فحسب، وأنه لا بد من التحكُّم في دخولهم من خلال عملية تتضمَّن تعاونًا رسميًّا مع بلد المنشأ. وإضافةً إلى ذلك، نظرت البلديات التابعة للحزب الشيوعي – التي كانت تعامل المهاجرين الأوروبيين سابقًا وفق (تقاليد التضامن) – إلى  المهاجرين الجُدُد على أنهم سكان مؤقتون لا بد من تشجيعهم على العودة إلى أوطانهم، وامتدَّ ذلك كما أشار “هارجريفز وتشين” وغيرهما ليشمل الممارسة المتعلقة بتخصيص حصص من المساكن والمدارس لذوي الأصول الشمال أفريقية. إذن على حد قول “تشين” ظلَّ الشيوعيون يعاملون المهاجرين باعتبارهم كتلة واحدة، لكنهم متبعون (أسلوبًا إقصائيًّا) هذه المرة. وانطبق مصطلح (مهاجر) على غير البيض وحدهم، وأُعِدَّت حصص لتعليم اللغة العربية في المدارس من خلال اتفاقات عُقِدَت مع بلدان المنشأ. وفي يونيو عام 1974 أُوقِفَت جميع الهجرات من خارج المجموعة الأوروبية، وإنْ سُمِحَ بجمع شمل الأُسَر كما في التدابير التقييدية المُتَّخَذة في المملكة المتحدة.

إلا أن العداء إزاء المهاجرين لطَّفَته المحاولات التي قام بها (اليسار) لإشراك الدولة في الاعتراف بالجماعات العرقية وفي التعبئة العرقية في ثمانينيات القرن العشرين. لكن النموذج الجمهوري ظل قائمًا بصفة عامة، وكانت إحدى النتائج المترتبة على ذلك هي بقاء سياسة عدم منح الأقليات العرقية اعترافًا رسميًّا، في إحصاءات تعداد السكان على سبيل المثال.

كان السواد الأعظم من الوافدين من المغرب العربي مسلمين، فوجدوا أنفسهم مقيَّدين تقييدًا مضاعفًا، فقد أضفى الفرنسيون عليهم صبغة عرقية، وكذلك كان للفرنسيين تقليد قوي من التناقض والعداء إزاء التعبير الصريح عن الهوية الدينية، وهو ما تعارض مع ممارسات التديُّن العلنية في الإسلام.

على أن الدولة الفرنسية عمليًّا مارست بدورها شكلًا من أشكال (التعددية الثقافية) بحكم الواقع، بصرف النظر عن مدى بُغضها لذلك المصطلح. ففي عام 1981 رَفَع أحد القوانين القيود عن مهاجري شمال أفريقيا التي كانت تمنعهم من تأسيس رابطات عرقية سيرًا على نهج المهاجرين الأوروبيين، فانتشرت تلك التنظيمات، وبحلول أواخر ثمانينيات القرن العشرين كان ثمة ما لا يقل عن 3 آلاف منها، تقوم مقام الوسيط لدى النقابات العمالية والسلطات المحلية والأحزاب السياسية، وكان ما لا يقل عن ألف من تلك التنظيمات إسلاميًّا صريحًا، واتسمت التنظيمات الأخرى  مثل (إس أو إس راسيزم) بقاعدة أوسع، وأنشأت الدولة كذلك مناطق ذات أولوية تعليمية في المناطق الحَضَرِيَّة الأفقر التي كما في هولندا وبريطانيا وغيرهما  اضطُرَّ المهاجرون إلى الاستقرار فيها أيضًا، والتي قامت فيها سلسلة من الاضطرابات شملت شبابًا من المهاجرين في الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين.

ولم يبدُ التناقض بين الخطاب العام الداعي للعالمية ومعارضة التعددية الثقافية من ناحية والممارسة الفعلية للدولة من ناحية أخرى أوضح مما في الدعوة التي وُجِّهت عام 1990 إلى ممثلي المنظمات الإسلامية لتشكيل مجلس تشاوري بشأن مستقبل الإسلام في فرنسا، وتلا ذلك تمويل الحكومة لإنشاء معاهد تدريبية للأئمة في محاولة لتهيئة إسلام فرنسي متحرر من المؤثرات الخارجية. وفي عام 2003 تأسس مجلس إسلامي مركزي ذو تمثيل وطني، هو (المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية).

ويشير الجدل الدائر حول مسألة (الحجاب) إلى التوتر القائم في إطار الثقافة الشعبية الفرنسية بين التنازلات البرجماتية المقَدَّمة للانتماء العرقي ومظاهر التديُّن العلني من ناحية والرغبة في صَوْن تقاليد (النظام الجمهوري الجاكوبي) من ناحية أخرى، إلا أن صعود الإسلام الدولي المتشدد وانتشار الاضطرابات في المناطق الحضرية في القرن الحادي والعشرين متضمِّنة الشباب من سلالة مهاجري شمال أفريقيا وأغلبه مسلم احتجاجًا على البطالة واستخدام الشرطة للقوة الغاشمة التي سنتناولها بمزيد من التفصيل فيما بعد والحاجة إلى الاتصال بالرابطات العرقية المزدهرة، كل ذلك أبقى عدة أشكال من التعددية الثقافية القائمة (بحكم الواقع) على قيد الحياة

ويبدو جليًّا أن حكومات كلٍّ من اليسار واليمين خَلُصَت إلى أن أفضل سبيل أمام فرنسا هو إيجاد وسيلة للجمع بين الاعتراف بالتباين الثقافي وتقاليد (النظام الجمهوري الفرنسي)، غير أن ذلك التنازل ما زال لا يتَضمَّن طرح أسئلة عرقية في تعداد السكان، وما زال العدد الحقيقي للمواطنين من الأقليات العرقية رهن التخمين المدروس. ويظل السؤال هل ذلك يشكِّل أساسًا صالحًا لوضع السياسة الاجتماعية سؤالًا مثيرًا للشِّقاق في الحياة العامة الفرنسية.

وقد شهد نوفمبر لعام 2010 تطورًا من المحتمل أن يكون ذا أهمية، إذ أصدر مكتب الإحصاءات الوطنية الفرنسي أول أرقام رسمية تتعلق باختلالات في أنماط التوظيف بين المواطنين الفرنسيين لآباء من المهاجرين، وأولئك ذوي الآباء الفرنسيين، فبلغت نسبة تعيين الرجال الفرنسيين لآباء قادمين من المغرب العربي 65% مقارنةً بنسبة 86%  لذوي الآباء الفرنسيين، وبلغت النسب المقابلة لدى النساء 56% و74% وأقرَّ مكتب الإحصاءات بأنَّه من المحتمل أن يكون التمييز قد اضطلع بدور كبير في إحداث ذلك الفَرْق. وفي خطوة لا تقل أهمية، أعلن الرئيس ساركوزي إلغاء (وزارة الهجرة والهوية الوطنية)، مُقِرًّا بأنها أدت إلى (التوتر وسوء الفهم)، وكان إنشاء تلك الوزارة مثار نقد المؤرِّخين وغيرهم من المثقَّفين واليساريين لأنها تصِم المهاجرين وتشير إلى أن المواطنين ذوي الآباء الأجانب يمثِّلون نوعًا من التهديد على الدولة. وقد جاءت هذه الخطوة بعد فترة وجيزة من إقرار تشريع يمنع النقاب في جميع الأماكن العامة.

ألمانيا: أمة “عرقية” ترضخ لمطالب المواطنة

ورثت ألمانيا عن أوائل القرن التاسع عشر، وإلى حد أكبر عن الوطنية العضوية الوحشية للفترة النازية، تصوُّرًا للمواطنة الرسمية فضلًا عن حس ثقافي أشمَل، مفادهما أنه لا ينتمي انتماءً حقيقيًّا إلى الأمة سوى من ينحدر من أصل ألماني خالص. وطوال الفترة ما بين الخمسينيات وأوائل السبعينيات من القرن العشرين، في الوقت الذي توافد فيه ملايين العمال الأجانب من إيطاليا واليونان والبرتغال وتركيا ويوغوسلافيا إلى ألمانيا، ظلت سياسة المواطنة صارمة في أخذها بمبدأ حق الدم، وكان هذا يعني أن الملايين من ذوي الأصول الألمانية في جميع أنحاء العالم مُنِحوا حقوق المواطنة تلقائيًّا، في حين لم يَكُن للعمَّال الأجانب من سبيل إلى المواطنة، واكتسبت ألمانيا سمعة مشينة بسبب سياسة العمالة الزائرة التي تبنَّتها في تسفير العمال الأجانب جيئةً وذهابًا حسب متطلبات السوق. فمن أصل 14 مليون عامل زائر عام 1973، رحل حوالي 11 مليونًا في أعقاب أزمة النفط والركود، لكن حوالي 3 ملايين عامل تركي بقوا وتمكَّنوا بمساعدة المحاكم الألمانية والدولية من إحضار أُسَرهم لينضموا إليهم. ويقيم في ألمانيا الآن حوالي سبعة ملايين ونصف مليون شخص من أصل أجنبي أي 9% من السكان و14 مليونًا وفقًا لبعض التقديرات.

وبدأ إحداث بعض التغييرات المبدئية في قانون المواطنة في تسعينيات القرن العشرين، مصحوبةً باعتراف جاء متأخرًا بأنَّ على ألمانيا التخلي عن زعمها بأنها ليست بلد هجرة، وقد أحدث التشريع الخاص بالمواطنة عام 2000 وقانون الهجرة لعام 2005 تغييرات أكثر جوهرية، مسجلين قبولًا أكثر صراحة باعتبار العمال الزائرين ألمانًا.

ليس من المستغرب أن التعددية الثقافية لم تحظَ قط بتأييد رسمي صادق ولا دعم شعبي ذي بال لدى أمة تتمتع بمثل هذا التصور الذاتي العرقي القوي، فكثيرًا ما دعا الأتراك الألمان إلى اتخاذ خطوات أوسع تجاه التعددية الثقافية والاحتفاء بالتنوع، لكن حتى (الخُضْر) الذين تعاطفوا في البداية أداروا ظهورهم لتلك الفكرة فيما يبدو، وإنْ ظلوا يحتجُّون بمزايا الهجرة والتنوع. وفي أكتوبر عام 2010 صَرَّحَت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بأن التعددية الثقافية (مُنيت بفشل ذريع)، وهو أمر يدعو إلى السخرية، على اعتبار أن سياسات التعددية الثقافية لم تَكَد تُخْتَبَر.

إلا أن بعض التنازلات قُدِّمَت على أرض الواقع، استجابةً للظروف المحلية، ولا سيما في مدن مثل فرانكفورت وشتوتجارت، حيث الكثير من السكان ينحدرون من أصول مهاجرة. فقد حظيت فرانكفورت بمكتب مختص بشئون التعددية الثقافية منذ عام 1989، قام مقام النصير للتدابير المناهضة للتمييز لدى السلطات المحلية، وقاد الحملات التي تروج للتسامح وقبول التنوع، وقدَّم خدماته في مجال الوساطة وحل النزاعات. وعلى صعيد الدولة، اتُّخِذَت تدابير ترمي إلى تحسين الأداء التعليمي للأطفال ذوي الأصول المهاجرة، ولا سيما تيسير تعلُّم اللغة الألمانية، إلا أن التدريس باللغة الأم للأقليات ما زال مشروعًا هامشيًّا في إطار نظام التعليم. وقد أتاح الضمان الدستوري للحرية الدينية والهيكل الفيدرالي حيِّزًا لبعض التباين في السياسات، وإنْ كان بناء المساجد وارتداء المسلمات الحجاب ما زالا يثيران مشاعر العداء والمعارضة. ويعتبر المعلِّقون مثل “كارين شُونفيلدر” زيادة نسبة زواج الألمان من حاملي الجنسيات الأجنبية التي بلغت 16% عام 2000 مقارنةً بنسبة 4% عام 1960 مؤشرًا يبعث على الأمل بصفة عامة في نشأة قبول بالتنوع الثقافي نابع من القاعدة تجاه القمة.

وقد اكتسب مفهوم (التواصل الثقافي) قدرًا من الرواج في ألمانيا يفوق كثيرًا التعددية الثقافية مع ظهور محاولات لتشجيع التفاعل والحوار بين الأقليات والأغلبية، وهو تطور أعتزم الحديث عنه أكثر في خاتمة هذا الكتاب.

لا تتوافر لي هنا المساحة لتقديم مواد للمقارنة بين النمسا والدنمارك والسويد وإيطاليا وإسبانيا، فمجموعة رد الفعل العنيف ضد التعددية الثقافية “لفيرتوفيك وفيسيندورف” ذات فائدة كبيرة من حيث تقديمها المعلومات عن هذه البلدان.

الاستنتاجات

تبرز عدة استنتاجات من أي دراسة مُطَّلِعة للهجرة والتعددية الثقافية في أوروبا الغربية في النصف الثاني من القرن العشرين. فالحقيقة الصارخة والمزعجة، بالنسبة للكثيرين، هي أن المهاجرين غير البيض من المناطق الأكثر فقرًا في العالم ومعظمها مستعمرات حالية وسابقة للقوى الاستعمارية الغربية لم يكونوا موضع ترحاب ولا حسن وفادة؛ فحكومة حزب العمال المتسمة بالراديكالية فيما عدا هذا الأمر، التي انتُخِبَت في بريطانيا عام 1945، انزعجت من الأنباء الصادرة بقرب إبحار سفينة (إس إس ويندرَش) إلى بريطانيا، حاملة على متنها، ضمن الركاب القادمين من جزر الهند الغربية، العديد فعلًا ممن قاتلوا من أجل بريطانيا في الحرب. فبُذِلَت محاولات جهيدة لمنعها من الإبحار، وأُرسِلَت الرسائل إلى بقية المستعمرات، وإلى الهند وباكستان حديثتَي الاستقلال، لإبلاغهم بعدم توافر وظائف في بريطانيا. أما الفرنسيون فحاولوا معاملة مهاجري شمال أفريقيا باعتبارهم عمالة زائرة، وابتكر الألمان بقوانين المواطنة ذات القيود العرقية القائمة بالفعل نظامًا صارمًا للعمالة الزائرة كان الفرنسيون والبريطانيون والهولنديون يودون على الأغلب لو أمكنهم إنشاؤه. وعلى أي حال، أتاح تقليد التقسيم العمودي لهولندا أنْ تُبقي المهاجرين غير البيض بمنأى عن عموم المجتمع الهولندي، وأَمِلَت حكومات أوروبا الغربية وقطاعات عريضة من سكانها البيض في ألا يبقى المهاجرون سوى فترة قصيرة.

تجاهلت الصناعات التحويلية بأوروبا الغربية والقطاعات العامة لا سيما قطاعا النقل والصحة حكوماتها، إذ كانت متعطِّشة للعمالة، ووَظَّفَت العمال بكثافة من المستعمرات الحالية والسابقة، إلا أن هؤلاء العمال وهذا هو الاستنتاج الثاني بصرف النظر عن مستوى مؤهلاتهم التعليمية والمهنية، وجدوا أنفسهم يعملون في الوظائف التي لا تتطلب مهارة وغير المرغوب فيها التي استطاع العمال البيض نبذها في ظل اقتصاداتهم المزدهرة. وإذ تعرَّضوا للتمييز ضدهم من جانب ملَّاك العقارات العامة والخاصة، عثروا على مساكن مستأجرة خانقة في المناطق الحضرية الأكثر فقرًا، وقد استتبع التورُّط الاستعماري الأوروبي في البلدان العربية وشبه القارة الهندية انتماء جزء كبير من المهاجرين إلى أصول مسلمة، مع أن ذلك لم يبدُ آنئذٍ ذا أهمية.

والأهم من ذلك الفكرة المتأصلة لإضفاء الصبغة العرقية التي كانت جزءًا من تركة الاستعمار التي ورثتها مجتمعات أوروبا الغربية، والتي ترتب عليها المعاملة بيِّنة الاختلاف للعمال الملوَّنين عن المهاجرين الأوروبيين من إيطاليا وإسبانيا والبرتغال وبولندا الذين غذوا أسواق العمل سابقًا. ولَقِيَ غير الأوروبيين شعورًا واسع الانتشار بدونيتهم وشبه استحالة استيعابهم، وأُغلِقَت الأبواب أمام المزيد من هجرة العمالة المماثلة بحلول أواسط سبعينيات القرن العشرين.

ثالثًا: كان على التعددية الثقافية، التي نشأت في نهاية المطاف في محاولة لتأسيس مبادئ قبول التنوع الثقافي الذي أوجدته التعددية العرقية الجديدة والاحتفاء به، أن تخوض معارك مستمرة ضد التراث الاستعماري للعنصرية. وقد استضاف الأوروبيون الغربيون المهاجرين غير البيض على مضض، وتبنُّوا أيضًا التعددية الثقافية على مضض.

رابعًا: كانت التعددية الثقافية مشروعًا موجَّهًا من القمة إلى القاعدة إلى حد بعيد، على الرغم من محاولة العديد من النقابات العمالية ونشطاء الأحزاب السياسية والتنظيمات المناهضة للعنصرية القيام بالتعبئة على المستوى الشعبي، وما فتئوا يضغطون من أجل تحقيق المعاملة المنصفة والتوعية بمزايا التنوع الثقافي الجديد، وتسبب النهج الموجه من القمة إلى القاعدة في إثارة السخط، مما أدَّى بدوره إلى رد فعل عنيف من البيض.

ولم يصدر نقد التعددية الثقافية عن القوميين المحافظين فحسب، فكما ذكرتُ، ارتفعت أصوات العديد من اليساريين قائلة إن فِكر التعددية الثقافية وسياساتها أضعفهما الفشل في معالجة العنصرية بصورة مباشرة، وأنهما وقعا في شَرَك الجوهرية العرقية التبسيطية، وعجزا عن الانضمام على نحو لائق إلى كفاح المساواتية العام من أجل التصدي للتفاوت الاجتماعي الاقتصادي.

وتدل المعارضة الرسمية والشعبية في بلدان مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا والنمسا والدنمارك على أن تطور التعددية الثقافية في أوروبا الغربية ما زال غير منتظم بالمرة. وقد شهد القرن الحادي والعشرون نشأة رد فعل عنيف ضد التعددية الثقافية، إلا أنه يجدر الانتباه إلى أن التعددية الثقافية بالرغم من العديد من التصريحات الشائعة المنافية لذلك لم يكُن مفادها قط تشجيع التنمية المنفصلة بين الأقليات العرقية والأغلبية، وإنما كان الهدف دائمًا هو تهيئة سبل منصِفَة وغير تمييزية تؤدي إلى الاندماج الثقافي والاجتماعي الاقتصادي.

على التعددية الثقافية الآن أن تتواءم مع الأنماط الجديدة للهجرة وظهور ما سماه “فيرتوفيك” بـ (التعددية الفائقة) التي نتجت عن الحركة الأكثر حرية للعمالة مع توسيع الاتحاد الأوروبي، وانهيار الاتحاد السوفييتي، ووصول طالبي اللجوء الهاربين من الدول المفككة والحروب الأهلية، وآثار التدخلات الغربية في الشرق الأوسط، وطلب القطاعات المعرفية والمالية الجديدة لعمال على درجة عالية من الكفاءة، وتراجع معدلات المواليد. [https://www.hindawi.org]

ب – منافع التعددية الثقافية في المجتمع الواحد

تعريف التعددية

 تُشير التعدّدية إلى التنوّع في وجهات النظر والمواقف حول نهج أو فكرة معيّنة. يدخل مفهوم التعددية في مختلف المجالات ولها أقسام عديدة، حيث نجد أنّ هناك تعددية سياسية، تعددية اقتصادية، تعددية دينية وتعددية ثقافية. تعبّر كلّ من التعددية السياسية والاقتصادية عن وجود أكثر من نظام سياسي أو اقتصادي في البلد الواحد. في حين تعبّر التعددية الدينية عن وجود عدّة توجهات دينية في المجتمع الواحد مع تقبّلها وتشجيع التعايش السلمي بينها. أمّا التعددية الثقافية، فهي تعبّر عن الجماعات الصغيرة التي تعيش ضمن مجتمع أكبر وتحتفظ بهويّاتها الثقافية، وقيمها وممارساتها حيث يتمّ تقبل هذه الممارسات والقيم من قبل الثقافة السائدة مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ ثقافة الأقلية لا تتعارض مع قانون الدولة ونظامها. تعتبر الهند والولايات المتحدة من الأمثلة القوية على المجتمع التعددي. ففي الهند نجد تعددية دينية لا مثيل لها، مواطنو الهند يتّبعون ديانات مختلفة مثل الهندوسية، المسيحية، الإسلام، السيخية، اليانية، البوذية، وغيرها إلاّ أنهم مع ذلك يتعايشون معًا في دولة واحدة ويتقبّلون بعضهم البعض. كذلك الحال في الولايات المتحدة الأمريكية التي تحتضن أناسًا من أصول عرقية وثقافية متنوعة يعيشون معا بتناغم. ومن الأمثلة الأخرى على المجتمعات التعدّدية، نجد تركيا التي تمثّل بوتقة لانصهار الثقافات من قارتين مختلفتين تمامًا وهما آسيا وأوروبا.

ما هي أهمية التعددية؟

 تسهم التعددية بأشكالها التي سبق أن ذكرناها في خلق تجربة مميزة وفريدة من نوعها لكلّ فرد. وربّما علينا التوقف للحظة والنظر بتمعن في المجتمع من حولنا… إلى أيّ درجة هناك تعددية من حولنا؟ وهل هناك تعددية في مدارسنا، وبيئة عملنا وحياتنا بشكل عام؟ على الرغم من أنّ المجتمعات التعددية قد تواجه بعض التحدّيات فيما يتعلّق بتنظيم الفئات المختلفة التي تشكّل المجتمع، والتي قد تميل أحيانًا للانعزال عن بعضها البعض لتشكّل وحدات صغيرة بعقليات جامدة ترفض التغيير والتعايش مع الوحدات الأخرى، إلاّ أن أهمية التعددية وإيجابياتها تطغى بلا شكّ عن سلبياتها.

 إليك فيما يلي خمسة أمور تؤكد على أهمية وجود التعددية بأشكالها في مجتمعنا بحسب ما نشرها موقع AMP Global Youth

1 – زيادة الإنتاجية: عندما تتواجد مع أشخاص من خلفيات متعدّدة وتجارب مختلفة، سيصبح بالإمكان خلق أفكار أو وجهات نظر قد لا يستطيع الآخرون التفكير فيها. لكلّ شخص طريقته الخاصة في التعامل مع مشكلة ما، مبنية على تجاربه الشخصية وموروثه الثقافي والديني والاجتماعي. سيكون من الأفضل بلا شكّ أن يتمّ استعراض هذه المشكلة (سواءً في العمل أو المدرسة) من وجهات نظر متعددة بدلاً من محاولة حلها من قبل أشخاص يتشاركون نفس التجارب والأفكار. الأمر الذي سيسهم بشكل فعّال في رفع الإنتاجية وخلق المزيد من الحلول الإبداعية لمختلف المشكلات. ولهذا السبب بالذات تسعى كبرى الشركات مثل جوجل أو مايكروسوفت إلى تقديم فرص التدريب (Internships) في مختلف مدن العالم لتعزّز لدى موظفيها شعور تقبّل الآخرين والتفكير خارج الصندوق. اطّلع على فرص التدريب التي تقدمها منصة فرصة.

2 – نشر مفهوم المواطنة العالمية: عندما تختبر التعددية في حياتك اليومية، ستتعرّض بشكل يومي لأشخاص، ثقافات، تقاليد وممارسات تختلف كلّ الاختلاف عنك وعمّا تملكه. وستدهشك آثار هذا التفاعل. حيث ستتعلم مهارات التعامل مع مجتمعات ومفاهيم غريبة عنك وستكتسب وجهات نظر عالمية. العيش في بيئة تعدّدية لن يسهم في تطويرك اجتماعيًا وحسب، لكنه سيزيد من فهمك للعالم، ويهيّؤك لتصبح جزءًا من مجتمع عالمي سواءً كنت ستسافر إلى دولة أخرى، أو ستعمل في مؤسسات عالمية تضمّ موظفين أجانب. أو حتى في حال قرأت عن أحداث أثّرت في شعوب أخرى مختلفة عن ثقافتك. وهنا يأتي دور المؤتمرات العالمية والفعاليات متعدّدة الثقافات في مساعدتك على التعرّف على أشخاص جدد من مختلف أنحاء العالم ومعرفة المزيد عن ثقافاتهم وعاداتهم وبالتالي تعزيز مفهوم المواطنة العالمية في داخلك. اطّلع على المؤتمرات العالمية والفعاليات التي تقدمها منصة فرصة.

3 – خلق منظور جديد: عندما تتعرّف على تجارب الغير، فإنك بذلك تسلّط الضوء على حياة مختلفة تمامًا عن حياتك، الأمر الذي يمنحك منظورًا جديدًا. عندما تقارن صراعاتك، أولوياتك وقيمك مع الآخر، ستبدأ في فهم وجهات نظر الغير وتصرفاتهم وردود أفعالهم. التحدّث مع الآخرين ذوي الخلفيات الثقافية المختلفة قد يغيّر من عقليتك أو على الأقل سيجعلك أكثر تفهّمًا لوجهات نظر الغير ودوافعهم والصعوبات التي تواجههم. ومن الجدير بالذكر أنّ التبادلات الثقافية وفرص التطوع تسهم وبشكل كبير في خلق هذا المنظور. فضلاً عن أنّها تقدّم فرصة للسفر والالتقاء بأشخاص جدد وحتى العمل وكسب المال، فهي تتيح للشباب الاطلاع على عوالم أخرى مختلفة تمامًا عن عالمهم وتوسيع آفاقهم ومنظورهم للحياة من حولهم. اطّلع على برامج التبادل الثقافي التي تقدمها منصة فرصة. اطّلع على فرص التطوع التي تقدمها منصة فرصة.

4 – تقبل الآخر والتقليل من العنصرية: تعتبر التعددية الخطوة الأولى ليس فقط للتسامح مع الآخر وإنما لتقبّله تمامًا. من خلال التواصل المتنامي مع أشخاص جدد يحملون أفكارًا مميزة والتعامل المستمر معهم، سيكتشف كلّ فرد أنّ هنالك الكثير من النقاط المشتركة بينه وبين الآخرين، ربما أكثر ممّا كان يتوقع. وفي أحيان أخرى قد يكتشف أن الاختلاف لا يزال كبيرًا ولا مشكلة في ذلك إطلاقًا. التكيف مع هذه الاختلافات يعرّض الفرد لوجهات نظر مختلفة كما سبق أن ذكرنا، الأمر الذي يقلّل من إطلاق الأحكام المسبقة ويصحّح الكثير من المفاهيم الخاطئة التي تغذّي العنصرية. وممّا لا شكّ فيه أنّ المنح الدراسية في الخارج تلعب دورًا فعّالاً في هذا المجال، فأن تلتزم بالدراسة لسنة أو أكثر في بلد مختلف تمامًا عن بلدك، وتتعامل خلال هذه الفترة مع جنسيات وثقافات مختلفة سيدفعك في نهاية المطاف لتقبّل جميع البشر على اختلافهم والتعامل معهم بحيادية بعيدًا عن إطلاق الأحكام المسبقة أو العنصرية. ليس هذا وحسب، بل في الواقع لابدّ من مراعاة مبادئ احترام التعددية عن طريق التقدم لأي منحة دراسية أو فرصة في الخارج والحرص على إظهار هذا الاحترام والاهتمام من خلال رسالة التغطية، الأمر الذي سيسهم بلا شكّ في زيادة نسبة حصولك على هذه الفرصة أيًّا كانت. اطّلع على المنح الدراسية التي تقدمها منصة فرصة.

5 – خلق تجربة ممتعة: يقال: “التعددية ملونة!” وهذا صحيح تمامًا… التعددية تضفي لونًا على المجتمع الذي نعيش فيه. ماذا لو كان كلّ من يحيط بك هو نسخة عنك في كلّ شيء؟… ستكون الحياة مملّة بلا شكّ، إننا بحاجة لأفكار جديدة ووجهات نظر مختلفة وأشخاص مختلفين نتعلّم من تجاربهم ونستلهم منهم حلولاً لمشاكلنا الخاصة. وهنا لابدّ من أن نأتي على ذكر فرص الإقامات الفنية والبحثية التي تتيح للطلاب والباحثين وكلّ من يهتم بالسفر الفرصة للإقامة في بلد آخر والمشاركة في نشاطاته الثقافية المختلفة، الأمر الذي يخلق تجربة ممتعة تجمع بين التعلم والتسلية في نفس الوقت.

كيف يمكننا تعزيز التعددية؟

بعد أن توضّحت لنا أهمية التعددية وآثارها الإيجابية على الفرد والمجتمع، لا بدّ لنا من دعمها والعمل على تعزيزها من حولنا، سواءً كان ذلك في العمل أو في بيئة الدراسة أو غيرها، فما الذي بوسعك فعله كفرد لتدعم التعددية في مجتمعك؟

1 – أعمل على زيادة فهمك لثقافات الآخرين من خلال التعامل مع أشخاص من ثقافات أخرى غير ثقافتك بشكل مستمر، فلا يمكن للعلاقات أن تتطور من دون التفاهم.

 2 – تجنّب محاولة فرض قيمك وآرائك الخاصّة على الآخرين والتي قد لا تتوافق مع ثقافاتهم ومعتقداتهم.

 3 – عندما تتواصل مع أشخاص آخرين لا يتقنون لغتك، لا تعتبر أن جهلهم بلغتك يعكس مستواهم الثقافي أو التعليمي.

4 – ضع دائمًا في عين الاعتبار أنّ المفاهيم ذات العلاقة بالعمل والعائلة والأمور الروحانية تختلف من ثقافة لأخرى وتؤثر بشكل كبير على السلوك.

5 – احرص على استخدام أدوات ومواد (محسوسة أو مكتوبة أو غيرها) تتناسب مع مختلف الثقافات ووجهات النظر والخلفيات الاجتماعية. سواء كان ذلك في العمل أو في مكان الدراسة أو الأماكن العامة.

6 – تدخّل بطريقة ملائمة في حال لاحظت أنّ الآخرين يظهرون سلوكًا لا يحترم التعددية أو يتسم بالتعصب والتحيّز.

7 – كن مبادرًا في الاستماع للأفكار الجديدة المختلفة عن أفكارك الخاصة، وتقبّلها والترحيب بها. وأخيرًا، اختلافاتنا تسهم في بناء مجتمع عالمي قويّ وجميل، وفي هذا الزمن الذي يشهد الكثير من العنف والتعصب والتمييز في أجزاء واسعة من العالم، لابدّ من العمل بجدّ أكبر للتعريف بأهمية التعددية ونشر فكر التسامح والتعايش والردّ على هذا العنف بالحبّ والاحتفال. [https://www.for9a.com]

ت – ما بعد التعددية الثقافية في الالفية الثالثة

تفهم التعددية الثقافية، بمعنى أو بآخر، بوصفها قاعدة توافق الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية الوسطية التي سادت لعدة أجيال في أوروبا والتي تراجعت لصالح أحزاب اليمين واليمين الراديكالي واليمين الجديد لاحقاً. عُدَّت التعددية الثقافية في أحسن الأحوال تجربة نبيلة ولكنها مثالية محكوم عليها بالفشل في مواجهة حقائق العولمة والاختلاف الثقافي، وفي أسوأ الأحوال مؤامرة نخبوية على نقاء أوروبا.

هاجم اليسار التعددية الثقافية لأنها تحصر التفكير في الأقليات بطريقة معينة وتمارس الأبوة العنصرية القائمة على أساس مفاهيم تفاضلية مثل “التسامح” فضلاً عن أنها تُشيِّئ الخارج الثقافي. وهاجم اليمين المتطرف التعددية الثقافية لأنها تمنح الاختلاف أولوية غير طبيعية على التشابه والتجانس وتفترض “المساواة” حيث لا توجد مساواة حقيقية.

ومن اليسار ما بعد الماركسي، هاجم الفيلسوف السلوفيني “سلافوي جيجيك” الوسط “الليبرالي التقدمي” الذي سلّع التنوع في شكل من أشكال رأس المال الثقافي، واحتفظ، رغم الإشادة الاسمية بالتسامح والمساواة الثقافية، بمسافة من الآخر الثقافي من خلال فرض توقعات الاستيعاب وكذلك تشديد الهجرة تحت ستار التوازن “المعقول”. وفي الوقت نفسه، اتهم المتطرفون اليمينيون الأحزاب الوسطية السائدة بالخنوع للكياسة السياسية في عملية جلب الغرباء الضارين المتورطين في الإرهاب والاغتصاب.

ومع ذلك فإن تحديد “الوسط” بوصفه معقل التعددية الثقافية مواجهاً الحصار من اليمين واليسار يحجب الطريقة التي اتبعتها السياسات الوسطية ذاتها في توظيف قصة “التعددية الثقافية الفاشلة” لتعميم تصورات اليمين من أجل حماية الأصوات من الأحزاب اليمينية الأكثر تطرفاً ولكنها، بهذه العملية، ساهمت في إضفاء مزيد من الشرعية على رهاب الأجانب.

خذ مثلاً إعلان المستشارة الألمانية “أنجيلا ميركل” من الاتحاد الديمقراطي المسيحي، بعد نشر السياسي الألماني “تيلو سارازين” من الحزب الاشتراكي الديموقراطي كتابه (ألمانيا تدمّر نفسها بنفسها) عام 2010، “أن نهج التعددية الثقافية فشل، فشل بصورة مطلقة”، ثم عادت وأكدت ذلك عام 2015 حين قالت إن “التعددية الثقافية ما زالت كذبة الحياة المستمرة”.

يشير اتفاق هذين الحزبين الوسطيين الرئيسيين على “نهاية التعددية الثقافية” (أو على الأقل التسامح مع هذه السردية)، إلى أنها قد أصبحت حقيقة متكررة حتى في الوسط، الأمر الذي جعل هذا الوسط هشّاً أمام اختراق كارهي الأجانب اليمينين، موجهاً سياسات “القلق من عدم التمكين” -الاقتصادية بالدرجة الأولى- نحو الثقافة والغرباء الثقافيين.

في وقت مبكر من العام 2000، أصبح “فشل التكامل” كلمة طنانة لكل من اليمين واليسار، وتطورت سردية أن التكامل الثقافي والاقتصادي للمهاجرين فشل وأن التعددية الثقافية حبستهم في مجتمعاتهم الضيقة وخلقت طبقة دنيا لا مبالية ومعزولة، لتطالب بالاستيعاب بدلاً من التكامل من خلال التعلم القسري لتاريخ البلد الأوروبي ولغته.

يكمن الفرق الرئيسي بين التكامل integration  والاستيعاب / الدمج  assimilation في علاقة الثقافة الجديدة بالثقافة الأصلية. يتوقع التكامل أن تتكامل الثقافتان دون أن تفقد الثقافة الجديدة تميزها ولكن أن تتحول إلى تجمع وظيفي صغير داخل المجتمع الكبير وأن تساهم في الثقافة المحلية ككل. ويتطلب الاستيعاب أن تتبنى الثقافة المهاجرة الثقافة الأصلية لا أن تساهم فيها.

ولذلك اجتاحت المجتمعات الأوروبية فكرة (نظام الحقيقة الثقافوي) الذي يضع الاختلافات الثقافية بين المواطنين والمهاجرين في قلب قضايا قصور التكامل. ليصبح هذا القصور السردية الكبرى التي صعد منها رهاب الأجانب المعاصر.

[https://www.trtarabi.com]

الثقافة المضادة

هي ثقافة فرعية معارضة ومتنازعة مع الثقافة المهيمنة معبرًة عن استيائها ومقتها للأقلية الحاكمة او لما يتبلور من ممارسات ظالمة ومسيئة للكرامة الإنسانية أو لطموحات الشريحة الشبابية التواقة للتحرر من قيود صارمة ومتعسفة. ففي نهاية العقد السادس من القرن الماضي برزت ثقافات فرعية عديدة في المجتمع الأمريكي تضم الشباب اليافع والحيوي لفظت المعتقدات المادية الحديثة (التكنولوجي الحديث) فكان موقفها السياسي متطرفًا ضد هيمنة القيم المادية التي لا ترحم المشاعر الإنسانية فطالبوا بالعيش في ثقافة إنسانية معنوية تقدر الحس الإنساني والتعايش السلمي والمشاركة في اتخاذ القرارات الرسمية ونادت بالمحبة واحترام البيئة وعارضت سياسة الحرب مع فيتنام واعترضت وقاومت سياسة التجنيد العسكري للشباب وزجهم في الحرب مع فيتنام. هذه هي كانت مطالب وأهداف الشباب الأمريكي ضد الثقافة الأمريكية المتغطرسة والعدوانية المتسلحة بالتكنولوجيا الحديثة فشكلوا ثقافة فرعية مضادة ومعارضة للثقافة الأمريكية المهيمنة. لم يكونوا من المشردين ولا من المتسولين أو أبناء الشوارع بل من الواعين بالواقع الاستغلالي والمتجني على الحقوق الإنسانية والبيئية، مطالبين بشمولهم واحترام وجودهم البشري والإنساني في سياسة الحكومة.

   إنهم لم يعارضوا جميع أوجه الثقافة المهيمنة بل بعضًا من اوجهها المتنكرة لحقوقهم. نمت هذه الثقافة بين الشباب وليس بين المعمرين بين كلا الجنسين من الذكور والاناث.

لا جرم من توضيح السمات المميزة للثقافة المضادة بالنقاط التالية: –

1 – إن سبب ظهورها رد فعل سلبي ضد تحكم قيم ومعايير وقواعد الثقافة المهيمنة.

2 – رفض هيمنة وتسلط قواعد وقيم ومعايير الثقافة المهيمنة.

3 – رفض التسلط السياسي والأدبي.

4 – لهم ممارسات ثقافية صريحة في رفضها لقيم الثقافة المهيمنة بشكل سافر وصريح.

5 – أغلب أعضاء هذه الثقافة يكونوا من الشباب الباحثين عن استقلالهم وحريتهم وممارسة هويتهم ونفوذهم في المجتمع والاعتراف بمكانتهم الاجتماعية بين اقرانهم.

6 – لهؤلاء الشباب اسلوبهم الفريد والمميز في الملبس واللغة والطقوس والمعايير.

7 – بعض الثقافات المضادة تكون سرية غير علنية بالذات تحت حكم النظام الدكتاتوري الذي يمنع على الأفراد التحدث بلغتهم أو التدين بدينهم مثل اسبانيا ابان حكم فرانسسيكو فرانكو الذي حرم على الاسبان التحدث بلغة كاتالونيا لغة اقليم حول برشلونة لكن عندما توفى فرانكو عام 1975 أصبحت اسبانيا ديمقراطية فازدهرت فيها لغة كاتالونيا يتحدث فيها الاسبان بشكل علني رسميًا واعلاميًا.

8 – لهذه الثقافة صلات كونية مع الثقافات المضادة لكي تعرّف أهدافها وتحصل على دعم وتعزيز أولي منهم.

    ثم برزت ثقافة فرعية مضادة بعد احداث 11 سبتمبر عام 2001 عندما حصل الهجوم على مركز التجارة العالمي في نيويورك حيث ظهرت جماعات إرهابية في أوروبا ضد الثقافة المهيمنة.

أما في المجتمع العربي فقد ظهرت ايضًا ثقافة مضادة ضد ثقافة الاستبداد الحكومي في مصر وتونس والعراق وليبيا واليمن وسوريا ضد الأنظمة الشمولية الدكتاتورية جميعهم من الشباب العربي المسلم مطالبين بعدم توريث السلطة.

5 / ت – ثنائية الثقافات المتنافية (المتصادمة والمتثاقفة)

يحصل احيانًا احتكاكًا ثقافيًا بين ثقافتين من خلال التجارة أو السفر أو الدراسة أو وسائل الاعلام المرئية والمكتوبة والمحبكة أو التبادل الثقافي والتجاري او الاحتلالي. عندها يحصل اكتساب بعض الأنماط العلمية والتكنولوجية أو الأزيائيه أو الغذائية وما شباه. هذه في الواقع حالة صحية وسوية على الرغم من اختلافاتهما لكنها تسبب تغير اجتماعي وثقافي الذي لا يعني الدمج او الانصهار الثقافي بل تطعيم طوعي من قبل الثقافة التي تحتاج الى اشباع حاجاتها المستحدثة أو المفتقرة في بنيانها. انه تفاعل إيجابي على نقيض حرب الثقافات الذي لا يعكس عدوانية الثقافة بل عدوانية رجال السياسية والدين في استخدام الثقافة كآلة أو وسيلة لمحاربة أعداء مصالحهم وطموحهم وليس الثقافة تحديدًا. وهنا نقول بإن لا التجارة ولا الاحتلال ولا وسائل الاعلام لها التأثير في منع تصادم وتصارع الثقافات بل ان ساسة البلد ورجال دينه يستغلون هذه الوسائل لتصوير ثقافتهم الاجتماعية (قيمهم ومعتقداتهم ومعاييرهم) هي مصدر الصراع وهذا غير حقيقي لأن الثقافة مهما كانت فهي كالإسفنجة تمتص وتطرح لكن لا تتنازع لأن الإنسان من طبيعته التعلم والتثاقف والتفاعل مع الأخر.

هذه ثنائية متنافية في صورتها وواقعية في حدوثها لكنها مختلفة في دوافعها. فالصراع الثقافي ليس واقعي إنما الواقعي هو تصادم مصالح واهداف رجال السياسة والدين مع الأخرين يتاجروا في ثقافتهم ويدّعوا بإنها متصارعة مع ثقافة أخرى وهذا يتنافى ويتجافى مع طبيعة وحقيقة كل ثقافة إنسانية. أنهم يستخدموها لأنهم يعرفوا ان الثقافة لنها تأثير كبير على افرادها أكبر وأكثر من تأثيرهم على افرادها.

1– تصادم الثقافات وحروبها

إذا أردنا التحري والتنقيب والتفتيش عن جذور الصراعات الاجتماعية نجدها متجذرة ومستوطنة في تصادم القيم الثقافية ليس إلا. بمعنى عدم انسجام القيم الثقافية بين المجتمعات والجماعات مؤدية الى الصراع بينهما وقد التفت الى هذه الحقيقة الرأي العام وبالذات في المجتمع الأمريكي ابان العقد التاسع من القرن الماضي الذي أبرز موضوع (الحرب الثقافية) الاستقطاب الاجتماعي polarization – الأحادية القطبية لأمريكا، عند المجتمعين المتصارعين والقيم الثقافية المتصادمة بينهما حيث يقوم هذا التصادم بتسخين قضايا حادة مثل الإجهاض والتعبير الديني وضبط التسلح والسيطرة عليه والتحرر الجنسي. لم يتوقف هذا التسخين إلا انه بعد ذلك بقليل اتسعت رقعته فبلور ما يسمى بـ (الحرب الثقافية Culture war) تحديدًا بعد 11/9/2000 الذي أدهش المجتمع الأمريكي من كره العالم له عندما قامت دراسة عالمية لتقيس الرأي العام العالمي حول موقفه من الولايات المتحدة وكانت عينة الدراسة هي المغرب وألمانيا فظهرت نتيجة الدراسة إيجابية في موقفها من الولايات المتحدة (ايجابيتها لكرهها للولايات المتحدة). لكن في عام 2003 عندما غزت أمريكا العراق تحول الرأي العالمي ضد الولايات المتحدة فكان موقفه سلبي بالمطلق. بعدها قام عالم النفس الأمريكي “شالوم شوارتز Shalom Schuartz” بدراسة مفهوم تأثير القيم الثقافية في 60 مجتمع حول العالم مركزًا على القيم المشتركة فيما بينها مثل الولاء والتسامح والنفوذ والسلطة والتسلط وعلاقتها بالقيم الثقافية. ومن نافلة القول الإشارة الى ان الدراسات التي أقيمت بعد ذلك وتحديدًا في العقد الأول من القرن الحالي فسرت الإرهاب والإبادة الجماعية والحروب والغزو العسكري معبرًا عن تصادم المدنيات (الثقافات) Clash civilization وان الهوية الثقافية والانتماء الديني هما المحرك الأكبر لهذا التصادم أكثر من الولاء السياسي أو الانتماء الحزبي والوطني والقومي. بمعنى ان الهوية الثقافية والدينية هي المصدر الرئيسي للصراعات الدولية ولو ان هذا التفسير لا يعتبر جديدًا بل له جذوه في تاريخ المجتمعات.

باختصار شديد نقول ان الصراع الاجتماعي مرده تصادم القيم الثقافية وان النزاعات الدولية منشؤها الهوية الثقافية أو الدينية وليس منشؤها الولاء السياسي أو الوطني أو القومي. وهذا يعني ان المؤثر الثقافي أكثر فاعلية من المؤثر المادي والوطني في اشعال فتيل الصراع بين الأمم. بتعبير أخر نقول ان مصدر الصراعات الدولية يرجع الى تصادم الثقافات والتعارض الثقافي وليس السياسي. [Schaefer. 2009. P. 46]

أما الأنظمة المؤثرة في تصادم الثقافات فهي: –

أ – صراع الحضارات

الأنظمة المؤثرة في صراع الحضارات تضم الأنظمة المؤثرة في صراع الحضارات ما يلي:

 النظام الأول: يتمثّل هذا النظام بالمرحلة التي تمكّن فيها الإنسان من اكتشاف النظام الزراعي، وبناءً عليه فقد نشأت عددٌ من الإمبراطوريات الزراعية الكُبرى وخاصّةً في المنطقة القائمة حول البحر الأبيض المتوسط ومصر واليونان ورومانيا، وعُرفت هذه الحضارات بأنها من أولى الحضارات المتصارعة فيما بينها.

 النظام العالمي الثاني: شَمِلَ هذا النظام ما عاشه الإنسان من استبداد وطغيان على مر التاريخ، وتخللّ هذه الفترة قدوم الرسالات السماوية.

النظام العالمي الثالث: أثرت الحركة التجارية في هذا النظام بشكل كبير؛ حيث أفضى هذا النظام إلى نشأة الفوائض المالية، وتمكّن الإنسان من تحقيق الاكتشافات الجغرافية والقارية وغيرها الكثير..

 النظام الرابع: تُعتبر الثورات من أبرز سِمات هذا العصر، حيث شرعت أمريكا بإقامة المُستعمرات والظهور بشكلٍ جليّ، وجاء ذلك على هامش ما حققته أمريكا الجنوبية من ثورات.

النظام العالمي الخامس: يعتبر العصر الشاهد على نشأة الإمبراطوريات الصناعية الكبرى، حيث انتقَل العالم فيها من استخدام البخار بنقلة نوعيّة إلى اكتشاف الطاقة الكهربائية والنووية، وظهور كلٍّ من الرأسمالية والليبرالية ايضًا. [https://mawdoo3.com]

نظرية صامويل هنتنغتون Samuel Huntington

   ندلف الى مدار نظرية تصادم الثقافات التي طرحها “صامويل هنتنغتون” عام 1993 بعنوان “صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام الدولي” التي تقول بصراعات ما بعد الحرب الباردة لن تكون بين الدول القومية واختلافاتها السياسية والاقتصادية بل ستكون الاختلافات الثقافية المحرك الرئيسي للنزاعات بين المجتمعات.

بعد هذا التقديم نقدم أطروحة هذه النظرية وهي كما يلي:

في عام 1993، أثار “هنتنغتون” جدلاً كبيراً في أوساط منظري السياسة الدولية بكتابته مقالة بعنوان صراع الحضارات في مجلة فورين آفيرز، وهي كانت رداً مباشراً على أطروحة تلميذه “فرانسيس فوكوياما” المعنونة (نهاية التاريخ والإنسان الأخير). جادل “فرانسيس فوكوياما” في نهاية التاريخ والإنسان الأخير بأنه وبنهاية الحرب الباردة، ستكون الديمقراطية الليبرالية الشكل الغالب على الأنظمة حول العالم. “هنتنغتون” من جانبه اعتبرها نظرة قاصرة، وجادل بأن صراعات ما بعد الحرب الباردة لن تكون بين الدول القومية واختلافاتها السياسية والاقتصادية، بل ستكون الاختلافات الثقافية المحرك الرئيسي للنزاعات بين البشر في السنين القادمة. توسع “هنتنغتون” في مقالته وألف كتاباً بعنوان صراع الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي جادل فيه بأنه وخلال الحرب الباردة، كان النزاع أيديولوجيا بين الرأسمالية والشيوعية ولكن النزاع القادم سيتخذ شكلاً مختلفاً ويكون بين حضارات محتملة وهي :

هذه المنظمة الثقافية تناقض مفهوم الدولة القومية في العالم المعاصر. لفهم الصراع الحالي والمستقبلي، يجادل “هنتنغتون” بأن الصراعات الثقافية وليس الأيديولوجية أو القومية يجب أن تُقبل نظرياً باعتبارها بؤرة الحروب القادمة. يجادل “هنتنغتون” بأن الاختلافات أو الخصائص الثقافية لا يمكن تغييرها كالانتماءات الأيديولوجية، فبإمكان المرء أن يغير انتمائه من شيوعي إلى ليبرالي ولكن لا يمكن للروسي مثلاً أن يصبح فارسياً. ففي الصراعات الأيديولوجية، يمكن للناس أن يختاروا الجانب الذي يؤيدونه، وهو ما لا يحدث في الصراع الثقافي أو الحضاري، ونفس المنطق ينطبق على الدين، فبإمكان المرء أن يحمل جنسيتين فرنسية وجزائرية مثلاً، ولكنه لا يمكن أن يكون مسلماً وكاثوليكيا في آن واحد. كما يجادل بأن العوامل الثقافية تساعد في بناء تكتلات اقتصادية متماسكة مثل حالة النمور الآسيوية وتقاربها مع الصين وربما انضمام اليابان إليهم برغم انتمائها لحضارة مميزة بحد ذاتها، وهو ما سيؤدي لنمو الهويات الإثنية والثقافية للحضارات وتغلبها على الاختلافات الأيديولوجية.

في كتابه، ركز “هنتنغتون” على الإسلام وقال بأن “حدوده دموية وكذا مناطقه الداخلية”، مشيراً لصراعات المسلمين مع الأديان الأخرى مثل الصراع في السودان وجنوبه، بين الهند وباكستان والصراعات داخل الهند نفسها بين المسلمين والهندوس وتسائل “هنتنغتون” ما إذا كانت الهند ستبقى دولة ديمقراطية علمانية أو تتحول إلى دولة هندوسية على صعيد سياسي، ومشاكل الهجرة في أوروبا وتنامي العنصرية في ألمانيا وإيطاليا ضد المهاجرين من شمال أفريقيا وتركيا، مشاكل المسلمين التركمان في الصين، صراعات المسلمين الآزيريين مع الأرمن، صراعات المسلمين في آسيا الوسطى مع الروس، صراعات المسلمين الأتراك في بلغاريا، ولكنه حدد الصراع بأنه بين “العالم المسيحي” بقيمه العلمانية من جهة، و”العالم الإسلامي” من جهة أخرى..

أستشهد “هنتنغتون” بالغزو العراقي للكويت عام 1990، فشعبية صدام حسين كانت مرتفعة في أوساط الشعوب العربية والإسلامية برغم أن معظم الأنظمة العربية لم تؤيد موقفه وانضمت لتحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة لتحرير الكويت. جماعات الإسلام السياسي عن بكرة أبيها كانت تعارض التحالف الدولي، واستعمل صدام حسين خطاباً شعبوياً صور فيه الحرب بأنها حرب بين حضارات، والجماعات الإسلامية نفت أنه “تحالف دولي ضد العراق” بل “تحالف غربي ضد الإسلام”. حتى الملك الحسين بن طلال، والأردن دولة محسوبة على “محور الاعتدال” المتصالح مع الغرب، قال بأنها ليست حرباً على العراق بل “حرب ضد كل العرب والمسلمين”.

وضرب مثالاً آخر بالنزاع بين أرمينيا وأذربيجان، فتركيا وجدت نفسها مضطرة لدعم الآذريين بعد أن ألزمت نفسها رسميا بالحياد، الرئيس التركي حينها عام 1992، “توركوت أوزال“، قال بأن الصحف التركية كانت تمتلئ بصور المجازر وتزايد الضغط الشعبي على السياسيين لتذكير أرمينيا بأن تركيا لا تزال موجودة للدفاع عن الآذريين الذين يشتركون أثنيا مع الأتراك. في هذه الأزمة، الإتحاد السوفييتي الشيوعيالملحد“، كان مؤيداً لأذربيجان سابقاً ولكن فور انهياره، وجد الروس أنفسهم مضطرين لمساعدة الأرمن الأرثوذكس مثلهم.

المثال الثالث، متعلق بالنزاع في يوغوسلافيا السابقة، حيث أظهر الغرب دعمه للبوسنة لما تعرضوا له من مجازر تطهيرية على يد الصرب دون أي إجراءات عملية تمنع وقوع المجازر ولكن الدول الأوروبية لم تظهر نفس الموقف اتجاه مجازر الكروات بحق الأقلية المسلمة. وبذلت ألمانيا جهوداً استثنائية لإقناع الدول الأوروبية بالاعتراف بكرواتيا وسلوفينيا، وهما دولتان بأغلبية  كاثوليكية ولكنها اتخذت موفقا وسطاً اتجاه الصرب الأرثوذكس، ووجدت روسيا نفسها  أمام ضغط شعبي متصاعد لعدم تدخلها لدعم الصرب، وبحلول عام 1993، كان مئات من المقاتلين الروس يقاتلون في صربيا. على الصعيد المقابل، قامت إيران بتسليح وتدريب من ثلاثة إلى أربعة آلاف مقاتل لمساعدة البوسنة  ووجدت السعودية نفسها تحت ضغط متصاعد من جماعات أصولية بداخلها لتحديد موقف واضح مما يجري في ذلك البلد.

يحدد “صامويل هنتنغتون” عدة سيناريوهات لعلاقة الغرب أو “الحضارة الغربية” ويقصد الولايات المتحدة وكندا والإتحاد الأوروبي، وإلى حد ما اليابان، مع “الآخرين”. إذ يقول “هنتنغتون” بأن الغرب لا يواجه تحديا اقتصاديا من أحد، وقرارات الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي تعكس بطريقة أو بأخرى مصالح الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي وإن جاءت متنكرة باسم “المجتمع الدولي” بغرض إضفاء الشرعية على قرارات تصب في مصلحة الولايات المتحدة بالدرجة الأولى. إذ تستعمل الدول الغربية مزيجا من القوة العسكرية والمؤسسات الدولية والترويج لقيم الديمقراطية والليبرالية لحماية مصالحها وضمان هيمنتها على إدارة العالم. يعقب “هنتنغتون” بالقول أن هذه هي نظرة غير الغربيين على الأقل وفيها جانب كبير من الحقيقة.

يقول “هنتنغتون” بأن النضال والسعي العسكري والاقتصادي للقوة هو ما سيحدد شكل الصراع بين الغرب والحضارات الأخرى مهما حاول الغرب أن يقول أن قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والحرية والعلمانية والدستور هي قيم عالمية تستفيد منها البشرية جمعاء، فوفقاً لـ “هنتنغتون”، صحيح أن جوانب من الحضارة الغربية وجدت طريقها في حضارات أخرى ولكن قيم الديمقراطية وسيادة القانون والسوق الحر قد لا تبدو منطقية في عقلية المسلمين أو الأرثوذكس وسيؤدي لردود فعل سلبية. وفقا لـ “هنتنغتون”، الديمقراطية والتعليم يؤدون لعملية “تأصيل” المجتمعات وعودتها لـ “جذورها”، تحضر المجتمعات يؤدي لتبنيها قيما غربية سطحية ولكن شرب كوكا كولا لا يجعل الروسي أميركيا، ولا أكل السوشي سيجعل من الأميركي يابانيا، فانتشار السلع الاستهلاكية الغربية ليس مؤشرا على انتشار الثقافة الغربية.

حدد هنتنغتون سيناريوهات للصراع بين الغرب ومن سماهم بالـ “آخرين”: –

  • أن تحاول تلك الدول عزل نفسها وحماية مجتمعاتها من “الفساد الغربي” وربما الانعزال عن ساحة السياسة الدولية، ولكن ثمن ذلك باهظ ودول قليلة لديها المقدرة على الشروع في خطة كهذه.
  • السيناريو الثاني أن تعمل تلك الدولة محالفة الغرب و”تغريب” مجتمعاتها مثل تركيا.
  • السيناريو الثالث هو أن تتحالف تلك الدول أو الحضارات مع حضارات غير غربية أخرى وتسعى لتشكيل قوة اقتصادية أو عسكرية معها بغرض تحقيق التوازن أمام الدول الغربية.

يختم “هنتنغتون” بالقول أنه لا يقترح اختفاء الدول القومية، أو بروز هذه الحضارات ككتل سياسية واضحة وموحدة، ولا يقترح أن الاقتتال الداخلي سينتهي، ولكنه يقول أن “الضمير الحضاري” أمر واقعي وحقيقي ويتزايد منذ انهيار الإتحاد السوفييتي، نخب مثقفة في دول غير غربية ستعمل على تقارب بلدانها مع الغرب ولكنها ستواجه بعراقيل كثيرة، الصراع القادم سيكون بين “الغرب والآخرين” والمستقبل القريب يشير إلى صراع بين الغرب والدول ذات الأغلبية المسلمة، وعلى الغرب أن يقوي جبهته الداخلية بزيادة التحالف والتعاون بين الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي ومحاولة ضم أميركا اللاتينية القريبة جدًا من الغرب ومن اليابان. [https://ar.wikipedia.org]

  بعد هذا التقديم نقدم ما فند به “بيتر اوبرون” في موقع ميدل ايست أي حول هذه النظرية وهي ما يلي: إليكم تذكير بما عبر عنه “هنتنغتون” حينها بكل ثقة:

“إني أرى بأن المصدر الأساسي للصراع في العالم الجديد سيكون بالدرجة الأولى عقائدياً أو بالدرجة الأولى اقتصادياً. وستكون التباينات الكبرى بين البشر والمصدر المهيمن للصراع ثقافية. وستظل الدول القومية أقوى اللاعبين في الشؤون العالمية، إلا أن الصراعات الرئيسية في السياسة العالمية ستحدث بين الأمم والجماعات التي تنتسب إلى حضارات مختلفة. سوف يسود صدام الحضارات السياسة العالمية، وستكون خطوط التصدع بين الحضارات هي خطوط المعارك في المستقبل.”
الإسلام والغرب

كان الجزء الأكثر نفوذاً في نظرية “هنتنغتون” هو ذلك المتعلق بالإسلام. فقد قال “هنتنغتون” بأنه مع نهاية الحرب الباردة بين روسيا السوفياتية والغرب، سيحل محل ذلك نضال جديد تدور رحاه بين عدوين لا يمكن التوفيق بينهما: الإسلام والغرب.
وأكد “هنتنغتون” أن الهوية، بدلاً من العقيدة، هي جوهر السياسة المعاصرة، متسائلاً: “ما أنت؟” ومضى يقول: “نحن نعرف أنه، من البوسنة مروراً بالقوقاز حتى السودان، يمكن للإجابة الخاطئة على ذلك السؤال أن يكون ثمنها استقرار رصاصة في الرأس.” وأضاف: “إن للإسلام حدوداً دموية.”

وكان “هنتنغتون” قد أسس نظريته بناء على ما نشره المؤرخ المستشرق الشهير بيرنارد لويس، والذي كان أول من صاغ مصطلح “صدام الحضارات” عندما كتب في عام 1990 يقول:

“إننا نواجه نمطاً وحراكاً يتجاوز إلى حد بعيد مستوى القضايا والسياسات والحكومات التي تنتهجها. لا أقل من أن يوصف ذلك بأنه صدام الحضارات – ولعله رد الفعل التاريخي غير العقلاني، ولكن المؤكد، الذي يصدر عن خصم عتيق ضد تراثنا اليهودي المسيحي، على حاضرنا العلماني، وعلى التمدد العالمي لكل منهما.”
مثله في ذلك مثل “هنتنغتون”، كان لويس منحازاً ومتعصباً. حينما كتب بعيد اندلاع الثورة الإيرانية وتفجر السخط في شوارع طهران (والذي لم يكن بأي حال غير مبرر إذا ما أخذنا بالاعتبار الدعم الأمريكي المستمر لنظام الشاه القمعي والدموي)، كانت مقاربة لويس الاختزالية مخزية. فقد كتب كما لو أن مليار ونصف المليار مسلم كلهم كانوا يفكرون بنفس الطريقة وكأنهم لم يكن يشغلهم سوى العداوة تجاه الغرب.

 دول الحادي عشر من سبتمبر

هل تحققت نبوءات كل من “هنتنغتون ولويس”؟ هل بات المسلمون منهمكين في حرب جماعية مع الغرب بالشكل الذي تنبأ به هذين الحكيمين الأمريكيين؟ هل يوجد فعلاً صدام حضارات، كما كان يعتقد “هنتنغتون” وكما يعتقد كثيرون غيره؟
من المؤكد أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر، عندما شنت القاعدة هجوماً ضارياً على الولايات المتحدة، أضفت مصداقية هائلة على تحليل “هنتنغتون” الكئيب. وبدا كما لو أن موجهة الهجمات الغربية على البلاد الإسلامية خلال السنوات التي تلت عززت نظريته بالإضافة إلى الهجمات الإرهابية المدمرة التي شنت في لندن وباريس وفي غيرهما من المدن الغربية.

يتحدث السياسيون البارزون اليوم بلغة صدام الحضارات، من رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنجامين نتنياهو إلى رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي. كما أدت نظرية “هنتنغتون” إلى ازدهار كبير في قطاع النشر، حيث صدر ما لا يحصى عدده من الكتب التي تنادي بالتعبئة وإعداد العدة للحرب المفترضة ضد “الإسلاموية”.

في كتاب له بعنوان “سيلسياس 7/7” يقول الوزير في الحكومة البريطانية “مايكل غوف”: “ما الحرب التي انخرط في صفوفها المتطرفون إلا صراع أزماننا، إنها الصراع بين القيم الليبرالية والشمولية المنبعثة من جديد.” وأما الكتاب الذي ألفه “دوغلاس ماري” بعنوان “الموت الغريب لأوروبا: الهجرة، الهوية والإسلام”، والذي يصور فيه أوروبا المسيحية كما لو كانت تغرق في خضم الأمواج المتلاطمة للمهاجرين المسلمين، فبات من أكثر الكتب مبيعاً.

ولكن، لأن بدا في الظاهر أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر حققت نبوءة “هنتنغتون”، إلا أنها في واقع الأمر لم تفعل ذلك. فالصدام الحقيقي هو ذلك الذي بين الولايات المتحدة والقاعدة أو بينها الولايات المتحدة وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وليس بين الولايات المتحدة والإسلام.

داعش والقاعدة في الهوامش

لم نشهد ولا حتى واحدة من البلدان الخمسين التي تعيش فيها أغلبية مسلمة تعلن الحرب على الولايات المتحدة، ولا شهدنا تشكل تحالف إسلامي. بل عندما تشكل مثل هذا التحالف في عام 2017 كان بقيادة المملكة العربية السعودية ومباركة الولايات المتحدة.

وبغض النظر عن مدى عنف واتساع رقعة ظاهرة الإرهاب اليوم، ووجود نشاط لداعش والقاعدة في العديد من البلدان، تظل هذه المجموعات على هامش الإسلام. أما القوى الإسلامية الكبرى فتنهج الواقعية في إدارتها لعلاقاتها الدولية، هذا بينما أكبر تجمع إسلامي عالمي، منظمة التعاون الإسلامي، لا يعدو كونه منتدى للخطابة الفارغة.
تتأرجح تركيا بين روسيا والولايات المتحدة، وقواتها المسلحة هي ثاني أكبر قوات داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو). وأما إيران، وعلى الرغم مما يشوب خطابها من عبارات إسلامية، إلا أن سياستها قومية. وعلى الرغم من أن صدامها مع الولايات المتحدة آخذ في التصاعد إلا أن أهم معارك إيران اليوم ذات طبيعة جيوسياسية (أي موجهة ضد المملكة العربية السعودية)، هذا في الوقت الذي تهرول أوروبا (أي النصف الآخر من الغرب) باتجاه تحسين علاقاتها مع طهران.
ويبقى النظام السعودي هو أكثر حلفاء أمريكا ولاء لها في المنطقة مع أنه يتبنى تفسيراً حرفياً للإسلام – من خلال الوهابية – وخصومه الرئيسيون هم قوى إسلامية أخرى مثل تركيا وإيران وقطر.

 سياسة الدين

كثير من المحللين في العالم العربي، ممن يشهد لهم بالمصداقية، يحملون الولايات المتحدة المسؤولية عن إيجاد الظروف التي سمحت للمجموعات الإرهابية مثل داعش بأن توجد في المقام الأول، وذلك حينما غزا الأمريكان العراق واحتلوه وقضوا على كافة مؤسسات الدولة فيه.

 وفوق ذلك كله، كان “هنتنغتون” مخطئاً حينما زعم أن الدين هو العامل الحاسم في الحروب. ما من شك في أن الدين يستخدم كأداة، ولكنه بحد ذاته ليس المستهدف. ولكن تنبع أهمية ما قاله “هنتنغتون” من أن نظريته، التي ترى بأن العالم المتحضر يحارب “الإسلام الراديكالي”، وفرت للمجمع الصناعي العسكري الغربي عدواً كونياً ونظامياً ومتعدد الأعراق ليحل محل الشيوعية.

     لقد انهارت نظرية “هنتنغتون” في سوريا، حيث فندت شبكة التحالفات التي برزت أثناء ما يزيد عن سبعة أعوام من الصراع نموذجه الحضاري، وأكدت أن المصالح الجيوسياسية والاقتصادية تأتي في المقدمة وليس الاعتبارات الثقافية.
في سوريا، شكل الغرب (الولايات المتحدة وأوروبا) تحالفاً مع القوى الإسلامية ضد الحكومة السورية، وهي نظام علماني. حيث قدمت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا الأسلحة بشكل مباشر للمجموعات التي يمكن اعتبارها إسلامية، وغضت الطرف عن حلفائها وهم يسلحون المجموعات الراديكالية، بما في ذلك داعش والقاعدة.
وصف هذا الوضع نائب الرئيس السابق “جو بايدن” في خطاب ألقاه في جامعة هارفارد عام 2014، حيث قال: “لقد شكل حلفاؤنا في المنطقة أكبر مشكلة تواجهنا في سوريا. فماذا كانوا يفعلون؟ كانوا قد حزموا أمرهم وعزموا على إسقاط الرئيس السوري “بشار الأسد”، فأشعلوا حرباً سنية شيعية بالوكالة. ماذا فعلوا؟ لقد أغدقوا مئات الملايين من الدولارات وسلموا أطناناً من الأسلحة لأي شخص لديه الاستعداد للقتال ضد الأسد – وكانوا بذلك يزودون بالسلاح النصرة والقاعدة والعناصر الجهادية المتطرفة القادمة من أماكن أخرى من العالم.”

جهود الدعاية

في تلك الأثناء، لم يعد سراً أن إسرائيل تدعم المتمردين السوريين على امتداد خط فك الارتباط في مرتفعات الجولان، علماً بأن نسبة كبيرة من هؤلاء المتمردين هم من الإسلاميين – بما في ذلك المجموعة التي كانت تعرف سابقاً باسم جبهة النصرة، والتي هي فرع القاعدة في سوريا.

وفي سوريا أيضاً، تتعاون الولايات المتحدة بحماسة بالغة مع مجموعة مسلمة كبيرة أخرى، وإن كانت علمانية، ألا وهم الكرد. كما تنسق الولايات المتحدة سياستها داخل سوريا مع المملكة العربية السعودية والأردن ومصر، وكانت تفعل نفس الشيء مع تركيا إلى أن دب الخلاف بين الطرفين بشأن الكرد.
ولذلك، لا يمكن اعتبار الصراع في سوريا صداماً بين الحضارات، رغم كل الحماسة الدينية الرساليّه التي تدعيها بعض الجماعات هناك ومنها داعش. بل يكاد المسلمون السنة يكونون الهدف الرئيسي للعنف الذي تمارسه داعش، والتي تعتبر معظم المسلمين السنة مرتدين لأنهم لم ينخرطوا في صفوف الخلافة التي ولدت بزعمهم من جديد.

وعلى الرغم من كل ما تبذله من جهود في الدعاية والترويج، تبقى داعش مجموعة هامشية، مع أنها جذبت إليها الآلاف من الشباب الذين يعانون من الحرمان والتهميش. ينبغي علينا ألا ننسى وجود ما يزيد عن مليار ونصف المليار مسلم في العالم اليوم، ومعظم هؤلاء يعيشون حياة اعتيادية.

قد يجادل أنصار “هنتنغتون” قائلين بأن حرب سوريا عبارة عن حرب تدور رحاها داخل المكون الحضاري الواحد، أي داخل الحضارة الإسلامية. إلا أن مثل هذا التحليل يجانب الصواب في أحسن أحواله. صحيح أن العالم الإسلامي لم يلبث يناضل في سبيل إعادة تعريف نفسه منذ الإنهاء الرسمي للخلافة في عام 1924، إلا أن النضال في سوريا يغلب عليه أنه صدام مصالح، حتى لو بدا للبعض غير ذلك.
تنافس من أجل الهيمنة

تدعم إيران المليشيات الشيعية في سوريا وفي اليمن – ولكنها أيضاً تدعم حماس والجهاد الإسلامي في قطاع غزة، وكلاهما من السنة. ورغم أن إيران قوة شيعية، إلا أننا نرى أن بعض كبار الزعماء الشيعة في العراق، مثل مقتدى الصدر، يعملون بشكل حثيث مع السعوديين للحد من نفوذ الإيرانيين داخل البلاد.

لا تجد المملكة العربية السعودية غضاضة في استقبال أولئك الزعماء العراقيين الشيعة ولا في دعم الحزب المسيحي اليميني، القوات اللبنانية، الذي ارتكب مذابح بحق الآلاف من المسلمين في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين في سنوات الحرب المدنية اللبنانية – لمجرد أن هذا الحزب انحاز إلى جانب السياسة السعودية داخل لبنان.

ليس الصدام السعودي الإيراني حرباً داخل المكون الحضاري الواحد، وإنما تنافس جيوسياسي من أجل فرض الهيمنة في المنطقة. ونفس الشيء يمكن أن يقال عن السياسات التركية، وذلك بالرغم من الخطاب الناري الذي يلجأ إليه الرئيس رجب طيب أردوغان. وها هي تركيا اليوم في حالة شقاق ونزاع مع القوى السنية الرئيسية في المنطقة، المملكة العربية السعودية ومصر، وفي حالة من التقارب والتفاهم مع إيران تتزايد يوماً بعد يوم.

تركيا جزء لا يتجزأ من الناتو ولم تتخل حتى الآن عن تطلعها إلى أن تصبح جزءاً من الغرب. ولذلك تبدو التحالفات المذكورة آنفاً مفارقة للواقع من وجهة نظر النموذج الحضاري الوارد في نظرية “هنتنغتون” بينما تبدو منطقية تماماً إذا ما نظر إليها من وجهة نظر توازن القوة في الواقعية السياسية.

بعد خمسة وعشرين عاماً، ما تزال القدرة التفسيرية لنظرية “هنتنغتون” موضع شك. ورغم أن نبوءته صدقتها إلى حد ما أحداث الحادي عشر من سبتمبر، إلا أن بإمكان كل مراقب جاد لأحوال العلاقات الدولية أن يدحضها بسهولة. [https://arabi21.com]

ب – الهيمنة العقائدية

تناول هذا الموضوع المنظرين الاجتماعيين من النظرية الوظيفية والصراعية في علم الاجتماع حيث اتفقا على ان الثقافة والمجتمع مشتركين في تأييدهم لهذه الهيمنة على الكيان الاجتماعي لكنهما اختلفا حول أسباب هذه الهيمنة حيث أكد الوظيفيون على الاستقرار الاجتماعي الذي يتطلب اجماع ودعم أفراد المجتمع بقوة للقيم المركزية والمعايير المشتركة اليت تغذي الهيمنة العقائدية على كافة افراد المجتمع لدرجة ان هذه الرؤية باتت سائدة ومنتشرة في أدبيات علم الاجتماع بدءً من العقد الخامس من القرن الماضي التي كانت مستعارة من علماء الإنسان – الانثروبولوجي – البريطانيين الذين يروا الصفات الثقافية ما هي سوى عناصر ثابتة ومستقرة في وعاء الثقافة فضلًا عن دعمهم للسمات الثقافية التي تنجز وظائف المجتمع واشباع حاجاته المجتمعية لأنها تساهم في استقرار المجتمع وانسجام  افراده.

   بينما المنظرين الصراعين لم يعترضوا على القيم المشتركة التي يلتزم بها أفراد المجتمع إلا انهم قالوا بإن هذه القيم تخدم مواقع الجماعة المتنفذة وحماية امتيازاتها وتدعم مصالحهم الشخصية ونفوذهم وابقائهم على قمة الهرم الاجتماعي، بذات الوقت تجعل غيرهم تابعين وخانعين لهم.

في الواقع ان مصطلح العقيدة المهيمنة dominant ideology ينطوي على مجموعة من المعتقدات الثقافية المساعدة على احتفاظ مصالح المتنفذين اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا.

    جدير بذكره في هذا المقام هو ان أول من استخدم هذا المفهوم هو عالم الاجتماع الماركسي الهنغاري “جورج لوكاس Georg Lukacs” 1923 وعالم الاجتماع الماركسي الإيطالي” Antonio Gramsci” 1929 لكن لم يكن لهذه الطروحات في أمريكا في العقد السابع من القرن الماضي. أما وجهة نظر “كارل ماركس” فإنها ترى ان المجتمع الرأسمالي يملك عقيدة مهيمنة تخدم الطبقة الحاكمة.

من الزاوية الصراعية تكون للعقيدة المهيمنة أهمية اجتماعية جوهرية ليس فقط للجماعات الأكثر نفوذًا والمؤسسات المسيطرة على الثروة والملكية التي تكون أهميتها أكثر إذا كانت متسلطة على متنفذة بالوسائل المنتجة للمعتقدات الخاصة بمواقعهم وذلك من خلال الدين والتعليم والوسائل الإعلامية.

     فالوظيفيين يروا إذا كان جميع أفراد المجتمع والمؤسسات المهمة ترى المرأة ضرورة ارقائها تابعة وخاضعة للرجل فإن هذه هي العقيدة المهيمنة التي تساعد الرجل على اخضاع المرأة لنفوذه وتسلطه وجعلها في مواقع أدنى على التدرج الاجتماعي.

لكن مع تنامي اعداد علماء العلوم الاجتماعية وجدوا صعوبة تحديد نواة أو لب الثقافة الأمريكية Core culture لأنه لا يوجد اتساق أو انسجام بين القيم الثقافية الامريكية لأنه مجتمع متعدد ومتنوع الأعراق والثقافات.

     هذا ولا بد لي بعد هذا الاستطراد ان أشير الى ان كل عقيدة تمثل أحد عناصر الثقافة الاجتماعية وان القيم الثقافية تخدم الجماعة المتنفذة وتحافظ على امتيازاتها وحماية مصالحها. وعندما تستخدم هذه الجماعة عقيدتها في فرضها على عامة الناس أو بقية الجماعات الكائنة في المجتمع فإن ذلك يعني استخدام القيم الثقافية وعقيدة الجماعة المتنفذة – الطبقة الحاكمة – في هيمنتها على باقي أفراد المجتمع وهي التي تقوم بتشريع  المعتقدات الاجتماعية لتجعل غيرهم تحت سيطرتهم وخانعين لهم هذا هو تأويل الصراعين والوظيفيين والتقليديين ايضًا يدعمون هيمنة القيم الثقافية والالتزام بها وهذا يعني ان القيم الثقافية تمثل حصنًا منيعًا تتحصن بها الطبقة الحاكمة وتستخدمها للدفاع عن مصالحها ومواقفها ويتصادموا مع الأخرين من غير طبقتهم وبالذات من حملة قيم ثقافية تختلف عن قيمهم. بمعنى ان ظاهر الصراع هو القيم الثقافية التي تدعم مصالح ووجود الطبقة الحاكمة وهو باطن الصراع. ومن هنا نقول ان صراع الثقافات المختلفة جوهره ولبه لا يكون صريحًا في نزاعه بل في واقعه تصادم مصالح الفئة المتحكمة أو الطبقة السياسية المتمسكة بالقيم الثقافية تستخدمها كذريعة لنزاعها لأن الثقافة لا تتصادم لأنه إنسانية قبل كل شيء وودودة تتثاقف بعضها مع البعض وتستعير الواحدة من الأخرى من قبيل وسائلها ومنتجاتها وإبداعاتها. فالثقافة العربية على سبيل المثال لا الحصر تثاقفت فاستعارت الكثير من المبتكرات والتقنيات الصناعية من المجتمع الغربي كالسيارة والهاتف والثلاجة والكهرباء والراديو والتلفاز وجميع المخترعات الالكترونية ولم يعترض على استخدامها فلم تتصارع أو تتصادم معها. إنما الطبقة الحاكمة تدافع عن مصالحها ومواقعها بحجة القيم الثقافية أو الطائفية بإنها لا تتلاءم أو تنسجم مع القيم الثقافية الأخرى وان الأخيرة تريد أن تفكك ثقافتها وتصهرها في ثقافة ثابتة وهذا تبرير ساذج وغير واقعي.

    باختصار نقول ان تصادم الثقافات والحرب الثقافية ما هي سوى تأويل مغاير ومخالف لطبيعة الثقافات الإنسانية التي لا تعرف التقوقع أو الانعزال أو النزاع إنما المحتمين والمتحصنين بها يتصادموا مع الطبقات الأخرى أو المجتمعات الأخرى لأنها تهدد مصالحهم وليس ثقافتهم (دينهم أو لغتهم او تقاليديهم) لا سيما وإن الإنسان تواق لتنويع ذوقه واشباع حاجاته المتبدلة ولا يتعصب للبقاء على ما جُبّلَ عليه من عادات في المأكل والمشرب والملبس والتعليم والطب والهندسة يتطور مع تطور حاجاته التي لا حدود لها.

    والحالة مشابهة مع الطوائف الدينية حيث لا توجد طائفة دينية تحث وتشجع على الحروب والاقتتال بل هي في الوقاع تشجع على اكتساب الأفراد بالدخول سلميًا وإيمانيًا فيها دون غصب أو أجبار وما يحصل من حروب بين الأديان والطوائف هي بدوافع سياسية واطماع نرجسية للقادة السياسيين وخوفًا على مناصبهم ومصالحهم واطماعهم إنما يصوغون عدوانيتهم واعتداء باسم الدين أو الطائفة وهذا ما هو حاصل في العراق واليمن وسوريا ولبنان في الوقت الحاضر من أجل تحقيق أطماع فارسية وليست شيعية دينية وما على الباحثين الاجتماعيين الى أن يوضحوا هذا النوع الصراعي المفتعل باسم الدين الذي جوهره أطماع سياسية خبيثة تهدد المبادئ الإسلامية الحنيفة ليس إلا.

2– التثاقف Acculturation

هذا الموضوع لا يشبه ما تناولناه في الفصل السابق عن تصادم الثقافات بل يتناقض مع معناه ومضمونه لأنه ينطوي على تفاعل واحتكاك واتصال مباشر يحصل فيه اقتباس خبرات وأفكار وعادات وأزياء ومأكولات وترفيهات مبتكرة بين ثقافتين الأولى ثرية بخبراتها وتجاربها وابتكاراتها والثانية فقيرة ومحتاجة في ذلك. حيث لا توجد ثقافات متساوية بشكل متكافئ في كل عناصرها ومضامينها المعيشية والعلمية والفكرية والتطورية بل متفاوتة في مستوياتها حتى بين الثقافة الأمريكية والكندية مثلًا أو البريطانية والفرنسية – على سبيل المثال لا الحصر وحتى بين المجتمعات العربية التي جميعها تمتلك ثقافة عربية واحدة وعلى الرغم من ذلك فهناك تباين في مستويات عيشها في المأكل والأزياء والذوق والفن والادب والخبرة التقنية والعلمية وسواها.

    معنى ذلك ليس هذا فحسب بل انه حتى ضمن المجتمع الواحد يحصل تثاقف بين مجتمع القرية مع مجتمع المدينة. إذن التثاقف حالة طبيعية سوية وليست سلبية أو مرضية (باثولوجيه) لأنها تعمل على الاحترام والتسامح والاعتراف بالأخر وتنمي معرفة المتثاقفين مع انفتاح كل منهما على الأخر وتزيل الكثير من الأوهام والمخاوف لأن التثاقف يبلور قواسم مشتركة وإزالة البؤر المتوترة والغضب التي تغذي التقوقع والانعزال والجهل بالأخر بل وحتى الأفكار المسبقة والسلبية. جدير بقوله في هذا السياق الى ان التثاقف لا يلغي الهوية الوطنية أو العرقية.

    لا جرم من القول عن التثاقف بإنه أحد أشكال التغيير الثقافي Cultural change الذي يحصل عبر الاحتكاك والاتصال المباشر أو الغزو الثقافي أو الهجرة أو وسائل الاعلام والاتصالات الالكترونية الحديثة. فهي مكتسبة يكتسب عبرها الأفراد عادات ومعايير وانماط سلوكية ولغوية من ثقافة تختلف عن ثقافتهم، أما بسبب وجود حاجة مجتمعية أو عدم وجودها في معين ثقافتهم فتحصل الاستعارة الثقافية بوعي أو بدون وعي. يعني هي محاكاة وتقليد سلوكي لتصرف يحتاجه المستعير في حياته اليومية.

    أنها استعارة ثقافية تحصل بين الفقير والغني بين الجاهل والمتعلم تكشف عن اللاتكافؤ بينهما من الناحية العلمية والفكرية والسلوكية والأزيائيه والفنية. ولما كانت الثقافة الاجتماعية اشبه بقطعة الاسفنج فإنها تستطيع ان تكتسب ما هو شاغر فيها وتمتصه لملئ الفراغ المعرفي أو السلوكي أو العلمي المتوفر في ثقافة مغايرة عنها ففي الثقافة العربية – على سبيل المثال – استعارت من المجتمع الغربي مناسبات لم تكن متوفرة فيها مثل: شهر العسل عند المتزوجين واحتفال بيوم ميلاد الفرد وبمرور عام على الزواج واستخدام بطاقات الدعوة للمدعوين في حفلة الزواج واستخدام أسماء أجنبية غير واردة في اعراف المجتمع العربي بل حتى في بعض المفردات اللغوية مثل ok. أو week and (عطلة نهاية الأسبوع) أو good – bye (مع السلامة) وhalloo (مرحبًا) وسواها أي تقليد عادات وأذواق صاغتها تجارب وخبرات غيره لكنه لا تؤدي الى طمس هوية المقلد بل تمنحها الوانًا جديدة غير موجودة في مجريات حياته الثقافية انها أشبه بالتغذية الامتصاصية تعمل على عدم الانكفاء الذاتي مثل تقليد أبناء الريف لسلوكيات وعادات ومعايير أبناء لحضر من قبل أبناء الريف. إنها حالة من حالات الاستيعاب وليس الدمج الثقافي فلا ضير منه ولا خلل والتثاقف على عدة أنواع منها ما هو فردي وأخر فئوي والثالث حكومي وأخر تعليمية وطبية وهندسية وإعلامية وفنية وسواها. وفي ظل وجود القنوات الفضائية والانترنت أضحت عملية التثاقف مفتوحة وغير مقننة وسريعة تصل الى الأسرة والأطفال دون استئذان أو اعتبارها غزو ثقافي وطمس للهوية الشخصية أو الوطنية.

5 / ث – ثنائية الثقافات المتنافية (الجماهيرية والكونية)

هما ثقافتان مختلفتان حجمًا وهدفًا ونشاطًا يمثلان المصطلح (السايكروني) – الترتيب التزامني – أي لا يجتمعان معًا في مجتمع واحد أو مكان معين أو زمان محدد. فالأولى (الجماهيرية) سادت في القرن الماضي (العشرين)، بينما الثانية (الكونية) سادت في العقدين الأول والثاني من القرن الحالي (الحادي والعشرين). الأولى معنوية في صفاتها ومحلية في موقعها ووطنية في شعبها نابعة وصاعدة من قاعدة الهرم الاجتماعي المحلي، بينما الثانية مادية في صفاتها واقتصادية في طبيعتها وربحية في هدفها وعالمية في نشاطها مفروضة على المجتمعات كافة نازلة من أعلى قمة الهرم السكاني العالمي لخدمة مصالح مجموعة اقتصادية متميزة بثرواتها وقدرتها الصناعية والتجارة الدولية والاتصالية والمواصلاتيه تضع الفرد بين فكي رحى بين المادة المغرية والتراث الشعبي على عكس الثقافة الجماهيرية – الشعبية التي تغذي عناصر الثقافة الوطنية الجماهيرية معتمدة على مثقفيها وعلمائها في انتاج ثقافتها ولم تعتمد على الثقافات الأخرى.

أنها ثقافة نابعة من رحم مجتمعها، بينما الكونية تكون نابعة من مصالح الشركات التجارية والصناعية العملاقة تخدم الإنسان العصري في ثقافته وذكائه ودخله المالي وتسلب الثقافة الجماهيرية فتقوم بضمور الابداعات المحلية لتغيّب الثقافة الجماهيرية. لذلك هي تمثل ثقافة تقانيه متنافيه ومتجافيه في مكوناتها وأهدافها ومصالحها مع الثقافة الجماهيرية التي هي ابنة مجتمعها لكنها ليست ابنة زمانها بينما الكونية هي ابنة زمانها لكنها ليست ابنة مجتمعها.

1– الثقافة الجماهيرية Popular culture

أنها المنتج الفني والذوقي والجمالي والأدبي والرياضي الشائع والمتداول بين عامة الناس والمألوف عندهم والأكثر تعلقًا فيه.

من خصائص هذا المنتج ان يتبلور بشكل متدرج بدأً من المرحلة المحلية مارًا بالمرحلة الوطنية (القطرية) واصلًا للمرحلة الكونية تسمح لممارسيها ومستهلكيها بالوصول الى مداخل أوسع وتغيرًا مستمرًا وتطور دائم وهذا ما يجعل جيل الشباب المتعلق بها والمستمرين فيها التعامل معها والانتفاع المادي منها. ولما كان هذا المنتج متجدد ومتنوع فإن الشباب أكثر ارتباطًا فيه لإثبات هويتهم العمرية وتميزهم عن جيل الوالدين وجيل الأطفال تكون فيها لهجة ومصطلحات ومفاهيم خاصة بهم معبرين عن اتجاهاتهم ومواقفهم السلوكية وموضة أزيائهم ونمط عيشهم. في الواقع هذا المنتج يمثل حركة متمردة ومتحدية لتقاليد المجتمع الموروثة وبسبب حيويتهم السريعة ومتحدية لتقاليد المجتمع الموروثة وبسبب حيويتهم السريعة يصبح تعبيرهم عن هذا الممارسات أخذة صفة الجماهيرية مثل الموسيقى الصاخبة والسريعة والأفلام العلمية والمفزعة المخيفة وأفلام الخيال ودمى خاصة مثل دمية باربي أو كرة القدم أو رياضة ركوب الأمواج والأفلام البوليسية وأفلام نجوم الحرب وسواها أي منتج خارج عما هو مألوف.

بتعبير أخر، منتج يختلف عن ثقافة النخبة المجتمعية معبرًا عن حيوية وذوق ومواقف واتجاهات شريحة عمرية لا تريد أن تتماهى مع ثقافة الأجيال السالفة والمتقدمة بالسن، حيوية في تعبيرها وتغيرها لا يتعامل معها سوى الشباب التواق للتجديد والتجارب المستحدثة لكي يبلور خبراته الخاصة المبنية على ذوقه ومزاجه وطموحه.

ولكي نجول طردًا مع ما تقدم نتناول موضوع الثقافة الجماهيرية في المجتمع العربي في الوقت الراهن مثل العناصر الثقافية في الغناء مثل كاظم الساهر الذي اشتهر في العراق ثم في الوطن العربي وتوسعت شهرته بين الشباب كذلك المطرب المصري عمرو ذياب والسوري علي الديك، أما على صعيد الرياضة فقد اشتهر لاعب كرة القدم المصري صلاح حسن الذي ذاع صيته وشهرته في بريطانيا وأوروبا، ثم هناك مصمم الأزياء اللبناني إلي صعب الذي أبدع في لبنان والعالم الغربي.

يمثل هؤلاء الثقافة الجماهيرية الشعبية معبرين عن ذوق وجمالية فنونهم وابداعاتهم المحلية التي تنامت وتطورت فذهبت الى خارج حدود مصدرها.

أما في العالم الغربي فقد برز الفيس برسلي Elvis Presley المغني الأمريكي والبيتلز Beatles في بريطانيا وذاعت شهرتهم في كافة انحاء العالم حيث لعبت شبكة المحطات التلفازية دورًا كبيرًا في انتشار ثقافتهم الجماهيرية فحولتها من المحلية الى القطرية والى الكونية. هذه العناصر الثقافية الشعبية ساعدت على التغير الاجتماعي فيما يخص تقليص الفجوة العرقية بين البيض والزنوج في العالم الغربي وكذلك الرياضيين. بمعنى انهم باتوا آليات في صيرورة التغير الاجتماعي على الصعيد العرقي والثقافي فيما يخص تقليص الفجوة بينهم.

    بجانب المنتج الفني والرياضي هناك نسق المعتقدات Belief system في محيط الثقافة الشعبية – الجماهيرية. ينطوي مستوى عيشهم ومستقبلهم الثقافي والاجتماعي والنفسي والاقتصادي والكوني بذات الوقت يساعدهم على تفهم الحياة والتعايش فيها وهذا يعني انه يتضمن مدارًا أو محيطاً واسعًا يتفاعل مع المحيط المحلي والإقليمي والعالمي من خلال مكوناته الأساسية في الدين والمعرفة والخرافات والبيئة والاقتصاد والسياسة.

     وإزاء هذا التحديد نجد الإنسان منذ الأزل ولحد الان تساوره أسئلة محيرة له تتساءل عن: –

1 – ماذا نعني الحياة؟

2 – ماذا سيحصل للإنسان بعد وفاته؟

3 – كيف بدأت الخليقة؟ وكيف تعمل؟

4 – لماذا يعاني الناس ويكابروا ويدفعوا الثمن؟

5 – هل هناك طريق مثالي ومتكامل في تنظيم تفاعلات الناس فيما بينهم.

     على الرغم من وجود نسق المعتقدات في كل مجتمع إنساني إلا ان هناك جماعات فيه يتفقون معه ويخضعون له عندما تكون أهدافهم المعرفية واحدة أو متقاربة بذات الوقت هناك جماعات داخل نفس المجتمع تعارض نسق المعتقدات تقع في صراع اجتماعي وديني وعقائدي مثل صراع الهندوس مع المسلمين في المجتمع الهندي وصراع الكاثوليك مع البروتستانت في شمال إيرلاندا وبين الاشتراكيين والرأسماليين وبين العرب والإسرائيليين. هذه الأمثلة توضح لنا ان نسق المعتقدات يؤثر سلبًا أو ايجابًا عند وبين الناس لأنه يؤثر على قيمهم ومواقفهم وسلوكهم وعلائقهم فضلًا عن ذلك فإنه يقدم لهم اطارًا قيميًا ومعياريًا واخلاقيًا وموقفيًا يخدمهم في حياتهم العامة والخاصة وبالذات في المعتقدات المقدسة.

أ – وسائل الاعلام والثقافة الجماهيرية

الثقافة الجماهيرية : Mass-Culture‏ هي مجمل التأثير والتوجيه الفكري والإعلامي الذي تمارسه وسائل الاعلام من صحافة وتلفزيون وإذاعة وسينما على الرأي العام.

لقد تميز القرن العشرين بنمو القراءة وانتشارها، وسبل الاتصال الإلكتروني والكتابي على حد سواء، فأطلق بعض علماء الاجتماع والسياسة على هذه الحقبة صفة “عصر الجماهير“. ولم يعد التوجه الفكري والكتابي والإعلامي مقتصراً على النخبة أو الشركات، إذ أصبحت الوسائل الإعلامية والثقافية جزءاً من الحياة العادية واليومية للمواطن، ومن العملية السياسية والحكومية والجهد الانتخابي والتمثيلي بحيث أدت إلى نشوء “علم اجتماع وسائل الإعلام” في الولايات المتحدة. وقبيل الحرب العالمية الثانية أخذت الطبقة السياسية الأمريكية تهتم بالاستفادة من تأثير وسائل الإعلام على الجماهير.

وقد نشأت عن ذلك مخاوف عديدة، فذهب بعض اليساريين إلى أن الشركات الكبرى المالكة لوسائل الإعلام والشركات الكبرى المعلنة لدى هذه الشركات تمارس عمليات “غسيل الدماغ” بوسائل تجارية ووسائل غير مباشرة. كما أن رأس المال الذي يدعم الحملات الانتخابية في النظم البرلمانية الغربية يلعب دوراً فائق الأهمية في إنجاح مرشح أو حزب ضد آخر. أما على الصعيد الثقافي المحض فإن رغبة وسائل الإعلام في الإثارة وانخفاض المستوى الذوقي، بعث المخاوف لدى بعض المثقفين والفنانين بسبب ما تواجهه القيم الفنية والثقافية من أخطار جدية جديدة.

أما في المجتمعات التقدمية والاشتراكية فإن ثقافة الجماهير تتوجه نحو نشر القيم والمفاهيم الاشتراكية وانعكاساتها التطبيقية من جهة، ونحو تبسيط الثقافة والتراث الثقافي ووضعه في متناول الجماهير من جهة أخرى، فيتغلب العامل الايديولوجي على العامل التجاري والاستهلاكي.

أما بالنسبة للقاعدة الأساسية في علم اجتماع وسائل الإعلام فتنطلق من تعبير عالم الاجتماع الأمريكي “لازويل” “من يقول ماذا ولمن وبأي غرض”. وعلى هذا الأساس قامت دراسات ذهبت إلى القول بقدرة وسائل الإعلام على صنع الرأي العام وتغيير القناعات السائدة، كتلك الدراسات التي نشرها “بول لازارسفلد” وغيره. ومن المهم في هذا الصدد التنويه بأن “حرية” وسائل الإعلام في الغرب تخضع لاتجاهات أصحاب تلك الوسائل من أفراد ومؤسسات، ولضغط شركات الإعلان أيضاً، وللإرهاب الفكري أحياناً، كما حصل أثناء الموجة المكارثيه في الولايات المتحدة في الخمسينات.

يمكن أن تعتبر مناهج التعليم أحد وسائل الثقافة الجماهيرية، حيث أنها تترك أثراً كبيراً على الطلبة في المرحلة العمرية المبكرة، ما يعطي الفرصة للأفكار التي يتعلمونها للثبات والتحول إلى جزء من شخصيتهم يبقى مسيطراً على توجهاتهم ومبادئهم لفترات زمنية طويلة. مارست الدول الاشتراكية نوعاً مفرطاً من استخدام الثقافة الجماهيرية على مواطنيها، بحيث اعتبرت خضوعهم لاستقبال هذه الثقافة سواء من وسائل الإعلام أو المناهج الدراسية بمثابة أحد شروط المواطنة الصالحة. يمكن أن تتعدى الثقافة الجماهيرية حدود دولة معينة، بحيث تصبح رسالة تحمل دولة تدعى لنفسها سبقاً حضارياً، أو مسؤولية تجاه الإنسانية، كما تفعل الولايات المتحدة الأمريكية في دعمها لنشر قيم الديمقراطية والليبرالية على اعتبار أنها الحلول المتفردة لمختلف المشكلات الإنسانية وتوظف منم أجل تحقيق ذلك تمويلاً لبرامج كثيرة في معظم دول العالم، وهو الدور الذي لعبه الاتحاد السوفياتي سابقاً، إذ كان يدعم نشر الفكر الشيوعي حول العالم من خلال توفيره للمنح الدراسية للطلبة من الدول الفقيرة وتزويده لمختلف الدول بمطبوعات زهيدة التكلفة لترويج أفكار الشيوعية ومبادئها. [https://ar.wikipedia.org]

ب – الثقافة الجماهيرية واختلافها عن الثقافة الشعبية والراقية

يعتبر التربويون أن وسائل الإعلام هي الرديف الأساسي للتنشئة الاجتماعية في حياة البشر، بل إنها باتت تنافس الأسرة والمدرسة في هذا الدور، وقد زخرت المكتبة بآلاف الدراسات التي ترصد تأثيرها على الإنسان بمراحله العمرية المختلفة وكذلك تأثيرها في مجالات الحياة المختلفة، وتلعب وسائل الإعلام عموماً دوراً في التأثير على الثقافة وتشكيلها وخلق أنماط جديدة منها.

ويفرق الباحثون في مجال الثقافة بين ثلاثة أنواع من الثقافة: الثقافة الراقية والثقافة الشعبية والثقافة الجماهيرية.

والثقافة الراقية: هي ثقافة الصفوة التي سجلت في الكتب الدراسية والأدبية والفنية، وفي الأعمال الفنية الراقية والتي أنتجت للنخبة المتعلمة.

أما الثقافة الشعبية: فهي تتسم بالتلقائية التي يصنعها الشعب وتنمو نمواً من أسفل تصنعها الجماهير لتعبر بها عن نفسها من خلال مواهب طبيعية لدى الفنان الشعبي.

أما الثقافة الجماهيرية: فهي التي تستمد مضمونها من الثقافة الراقية ومن الثقافة الشعبية، وهي منتج من منتجات وسائل الاتصال الجماهيري الراديو والأفلام وكتب التسلية والقصص التلفزيونية والسينما، وهي معدة للاستهلاك الجماهيري وتتسم بالتماثل والنمطية وتعمل على إرضاء أذواق الجماهير وتعمل على توحيدها، وهي ثقافة مُصطنعة مفروضة على الجماهير من أعلى. فالثقافة الجماهيرية هي الرسائل الاتصالية التي تبثها وسائل الإعلام الجماهيري غير موجهة إلى طبقة محددة، ولا إلى مستوى ثقافي أو تعليمي محدد.

يعتمد مضمون الثقافة الجماهيرية على الأغنية والتمثيلية والفيلم، إنه مضمون ترفيهي مسيطر يخضع لقانون السوق التجاري. ويستدعي تبسيطاً وتسطيحاً للثقافة، ويهدف إلى اقتناص أكبر عدد ممكن من الجمهور عن طريق هذا المضمون الترفيهي.

ومع انتشار الفضائيات العربية التي بات عددها يزيد على ألف ومائتي قناة، ومع تنوع مضامينها واختلاف مستوياتها أصبح دورها أكثر تأثيراً في صنع الثقافة الجماهيرية، خصوصاً أن برامج هذه الفضائيات تتراوح مستوياتها ما بين البرامج الجادة جداً، والبرامج الهابطة جداً، والتافهة التي تزخر بها محطات عديدة مثل التنجيم والزواج والفيديو كليب والنصوص التفاعلية.

إن العلاقة بين الفضائيات العربية والثقافة الجماهيرية علاقة تفاعلية، إذ تقوم الفضائيات العربية بضخ مضامينها كمنتجات موجهة إلى الاستهلاك الجماهيري وباتت هذه الثقافة الجماهيرية إحدى الأدوات التي تشكل قيم جمهور المتلقين وذوقهم وآراءهم واتجاهاتهم.

وهكذا تقوم وسائل الإعلام بترتيب الأولويات وبناء المسرح وتحديد الممثلين عليه وتطالب الجمهور بالمشاهدة، بأسلوب يمتاز بالمحاصرة والتكرار، مما يجعل الجمهور يقبل على هذه البضاعة الجماهيرية التي تعرض أمامه، ومضامينها تكاد تكون متشابهة، فهي ترفيه ومزيد من الترفيه. فلننظر إلى عشرات المحطات التي لو أخفينا شعاراتها فلن نشعر بأي فرق بينها، حيث تتشابه مضامينها ولا نكاد نجد ما يميز المحطة عن غيرها سوى نشرة الأخبار التي تعطي أولوية لأخبارها المحلية.

ولا نغالي إذا قلنا بأن أهم المشكلات التي تواجه الثقافة الجماهيرية هي أن معظم الفضائيات العربية تقدم مواد ثقافية سطحية للغاية، كما أن الترفيه يسيطر على مضمون برامج الفضائيات العربية.

إن المسؤولية الملقاة على عاتق وسائل الإعلام الجماهيرية مسؤولية هائلة، ذلك أنها لا تقوم بمجرد نقل الثقافة ونشرها، بل بانتقاء محتواها أو ابتداعه. وهذا يعني أن على الفضائيات أن تعمل على اختيار برامجها بعناية وهي تقوم بدور أساسي في التربية ونشر الثقافة. ولا يمكننا أن نتصور الفضائيات بدون ترفيه فهو حاجة أساسية للإنسان، ولكن المقصود أن تتحمل الفضائيات العربية مسؤولياتها نحو جمهورها فتفاضل بين الترفيه الذي يحتوي مضموناً ذا قيمة وبين الترفيه التافه مثل ترفيه الفيديو كليب المعتمد على الإثارة الرخيصة، ومثل برامج تلفزيون الواقع وبعض برامج المسابقات التي تستدرج الجمهور للمشاركة عبر الاتصال أو التصويت عبر الهاتف، والهدف منها سرقة جيوب المشاهدين. [https://www.albayan.ae]

الثقافة الشعبية

 يشير مصطلح ثقافة بشكل عام، كما يذهب “كابلان” الى ان الثقافة تتكون من تقاليد وعناصر تراثية منظمة ومتداخلة مع بعضها وأنها انتقلت عبر الزمان والمكان من خلال آليات غير بيولوجية تعتمد على القدرة على استخدام الرموز والإشارات اللغوية وغير اللغوية المتطورة التي ينفرد بها الإنسان.

ويعني ذلك ان الثقافة هي طريقة الحياة التي يشترك فيها أعضاء المجتمع أو الجماعة، وتُكتسب من خلال اكتساب الأعضاء لعضوية المجتمع، من خلال مشاركتهم في طريقة الحياة. أي يكون تعلم الثقافة من خلال تفاعل مع الأخرين. وتتكون الثقافة من جانبين: الجانب المادي، مثل الاختراعات والإنتاج.. الخ. والجانب المعنوي كالاعتقادات والاتجاهات والقم وقواعد السلوك. ومن ثم فالثقافة أوسع وأشمل من مفهومهم الإنتاج أو الإبداع الذي يشمل العلوم والمعارف والفنون لأن الثقافة حصيلة النشاط الإنساني في مجتمع من المجتمعات. ومن ثم أضحى لكل مجتمع ثقافته الخاصة، ولذلك فهي تتميز وتستقل عن الأشخاص الذين يحملونها ويمارسونها في حياتهم اليومية لأن عناصرها كلها مكتسبة.

والثقافة، مفهومًا ليست مقصورة على مجالات بعينها من المعرفة لأنها تتضمن كل أساليب السلوك المشتقة من مجالات النشاط البشري بأنواعها كافة. فالثقافة لا تتضمن فقط تقنيات ومناهج الفن والموسيقى والآداب، وإنما تشمل كذلك التقنيات والطرق المستخدمة في صناعة الفخار أو حياكة الملابس أو بناء البيوت.

ومن بين المنتجات الثقافية كذلك المطبوعات الفكاهية والأغاني التي يرددها رجل الشارع جنبًا الى جنب مع “ليونارد دافينشي” وموسيقى “يوهان باخ”. ومن ثم فالأنثروبولوجي لا يعرف تلك المقابلة بين المثقف وغير المثقف لأن هذا التمييز الشائع في الاستخدام العادي لا يمثل عنده سوى اختلاف في حظ الفرد من الثقافة ولكنه لا يدل على وجودها أو عدم وجودها.

   يولد الأفراد – عادةً – في طبقات اجتماعية أكثر تعقيدًا، لها طرق متمايزة وأساليب مختلفة للحياة ويؤثر الأفراد ويتأثرون في الوقت نفسه بالقيم والسلوكيات والنظم، التي تؤثر بدروها في العلاقات الاجتماعية لهذه الجماعات فضلًا عن أنهم

يشكلون ويتشكلون بمجموعة العلاقات الاجتماعية اللازمة لتنامي وجودهم الاجتماعي وتكاثره. ومن ثم يبدؤون في بناء وتطوير هويتهم وثقافتهم المحددة، والتي تشمل على شبكة من العلاقات وبناء من المعاني والرموز والقيم الاجتماعية.

   ومن هنا فإن الثقافة الشعبية Popular culture تعمل على نقل ذلك البناء اجتماعيًا وثقافيًا، حتى يتمكن افراداها من فهم أنفسهم وفهم العالم المحيط من حولهم. ومن ثم يعتمد أعضاء تلك الثقافة على معاييرها الخاصة، والتي تمكنهم من تحديد إطار علاقاتهم بالثقافة القومية أو السائدة.

وعلى هذا الأساس يُتيح مفهوم “الثقافة الجماهيرية أو الشعبية” قدرًا من التفاعل الاجتماعي بين أفرادها، وفقًا للخلفية القيمية والرمزية لهم، ان الثقافة الشعبية تعني ببساطة انها الثقافة التي تروق لعموم الشعب، أو التي يستوعبها الشعب أكثر من غيرها، وُضاف الى ذلك ان الثقافة الجماهيرية أو الشعبية قد تشير إما الى الإبداعات الفردية، والتي منها مثلًا الأغاني الشعبية والفلكلور الشعبي، وإما إلى أسلوب المعيشة الخاصة بالجماعة بمعنى أنها نمط الابداعات والممارسات وأشكال التفاهم، التي تساعد على تثبيت دعائم الهوية المميزة لهذه الجماعة.

   وبتطوير علم الاجتماع لوسائل الاتصال الجماهيري، وعلم اجتماع الدراسات الثقافية بفضل أعمال “هوجارت Hoggart” أصبح يُنظر الى جمهور الثقافة الشعبية على انه (جمهور إيجابي) تتزايد درجة فعاليته باستمرار، ومن ثم أصبح يُنظر الى العملية التي يتم بواسطتها توصيل رسالة الثقافة الجماهيرية أو الشعبية بوصفها عملية تزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم ويمكن تمييز فعالية الشعب على مستوين هما:

1 – المستوى الأول: يُعرف جماهير الشعب بأنهم منتجو الثقافة الجماهيرية أي ثقافة العامة أو الثقافة الشعبية.

2 – المستوى الثاني: وهو ان تكون الجماهير الشعبية هي مفسرة لهذه الثقافة الجماهيرية.

وقد فرق دارسون بين الثقافة الجماهيرية أو الشعبية، وبين ما يُطلق عليها “الثقافة الراقية” التي تضم عناصر من قُبيل الموسيقى الكلاسيكية والروايات الأدبية الجادة والشعر والرقص وغيرها من المنتجات الثقافية التي لا يتذوقها إلا شريحة قليلة العدد نسبيًا من المتعلمين.

    أما الثقافة الشعبية، فهي أوسع انتشارًا من ذلك بكثير وأقرب لوجدان كل ومشاعره، ويتركز الاهتمام الرئيسي للثقافة الجماهيرية على التسلية والترفيه، وتسيطر الرياضة والتلفزيون والأفلام السينمائية والموسيقى الشعبية.

وتحدد الثقافة الشعبية كنموذج مثالي، بوصفها تنطوي على أنماط السلوك التي تتميز بالتقليدية والشخصية. وهي تعتمد على القرابة وتخضع لضوابط غير رسمية، وتركز على النظام الأخلاقي والتراث الشفاهي ولهذا تكون مستقرة نسبيًا وبالغة التماسك والتكامل وقد وُجد هذا النموذج للثقافة في المجتمعات البدائية كما يشيع ايضًا في المجتمعات القروية غير المتحضرة.

ويرجع استخدام مصطلح Folk أو الشعبي، الى “روبرت ردفيلر” الذي كان يعني به استخدام الأغاني الشعبية والفلكلور كمؤشرات للدلالة على الثقافة الشعبية، وقد أكد باستمرار على ان الثقافة الشعبية هي نموذج مثالي، أو بناء عقلي، لا يمكن أن نجده في صورته الخالصة، وإنما تقترب منه المجتمعات التي يهتم بدراستها علماء الأنثروبولوجيا. وأوضح ان اهم خصائص الثقافة الشعبية أنها تنتمي الى الجماعات الصغيرة المنعزلة التي تسود فيه العلاقات الشخصية وتتفوق فيها القيم المقدسة على القيم العلمانية، ويكون النظام الأخلاقي السائد بالغ القوة والضبط الاجتماعي غير الرسمي وهو تقليدي ومقدس ويرجع ذلك الى ان انتقال الثقافة يجري بصورة شفاهية. وتتميز الثقافة الشعبية عن الثقافة الحضرية والمجتمع الحضري بأنها وحدة كلية للتواصل المستمر بين الجماعات أثناء مواجهتها للمشكلات المختلفة.

أي ان الثقافة الشعبية هي التي تميز الشعب والمجتمع الشعبي وتتصف بامتثالها للتقاليد والأشكال التنظيمية الأساسية وعلى الرغم من طابعها المحافظ إلا انها تكون عرضة للتغير باستمرار بسبب المؤثرات الخارجية. [desert-warrior.com]

2– الثقافة الكونية A global culture

هل نحن الان شهود عيان على ميلاد ثقافة كونية واحدة؟ نجيب على هذا السؤال من خلال ازدهار التجارة العالمية وتطور التقنيات الاتصالية الفورية والهجرة الجماعية الكونية. هذه هي روابط كونية ساعدت على تقارب الثقافات في العالم. بحيث استطعنا معرفة كل حدث صغير وكبير محلي أو إقليمي أو دولي سياسي أو تجاري، إصلاحي، أو فسادي يحدث في أية بقعة من بقاع العالم في وقت حدوثه عن طريق الأقمار الصناعية وأجهزة الكمبيوتر دون أي عائق حكومي أو أمني ونستطيع ان نتصل بكل فرد في أي مكان على الكرة الأرضية فورًا دون رقيب أو حسيب ونستطيع ايضًا ان نمتلك البضاعة التي تصدر من خارج بلدنا بنفس المواصفات والأزياء مثل الجينز والأحذية والبدلات وأدوات الزينة والمطبخ والأثاث وحركات الموضة.

وأصبحت اللغة الإنجليزية اللغة الثانية في معظم دول العالم وذلك لأن الوسائل الاتصالية تستخدمها بشكل مكثف. ومع تنامي الاقتصاد العالمي بدأت تتدفق المنتجات العالمية بكل حرية بدءً من السيارة مرورًا بالتلفاز وانتهاءً بالقمصان تصل الى المراكز التجارية والأسواق المركزية بدون تأخير فضلًا عن توفر واسع لشركات الطيران في نقل البضائع والبشر بوقت قياسي.

    لكن هذه الميزة الحسنة للروابط الكونية ليست متساوية وواحدة في كل مكان بل هي منتشرة في المدن الحضرية إنما هي مفقودة في القرى والأرياف ولا جناح من القول ان شمال أمريكا وغرب أوروبا أكثر تأثيرًا في تسويق منتجاتها من باقي أجزاء العالم أي أكثر من تأثير أمريكا وغرب أوروبا بها هذا ما جعلنا نستخدم المبتكرات العلمية والالكترونية والغذائية والكسائيه الحديثة دون أن نعرف شيء عن شعوبها وكيف ابتكرتها بل ننظر اليها من خلال عيون ثقافتنا. على سبيل المثال لا الحصر نحن نأكل (السباغيتي) أكلة إيطالية لكننا لا نعرف كيف توصل الإيطاليين الى ابتكارها ونحن نأكل (السوشي) الاكلة اليابانية إنما لا نعرف كيف توصل اليابانيون الى اكتشافها ونأكل (الناتشوز) اكلة مكسيكية لكن لا نعرف كيف عرفوها المكسيكان ونأكل (الكوزلمة) أكلة تركية ولا نعلم كيف عرفوها الاتراك كذلك قصص الأطفال الخيالية مثل Harry Potter التي يستمتع الأطفال عند مشاهدتها لكن ليس نفس استمتاع الأطفال البريطانيين الذين الفوها وصاغوها. إذن نحن شهود عيان على ميلاد ثقافة كونية واحدة عبر الروابط الكونية الثلاثة.

[Macionis. 2010. Pp. 76 – 77]

    يحسن بنا أن نطرح في هذا الموطن حقيقة ثقافة العولمة التي تنطوي على انها ثقافة أحادية القطب تتضمن معلومات كونية غايتها إرساء أسس معلوماتية وتقنية لنوع جديد من المجتمعات الإنسانية يدعى بـ (مجتمع المعلومات) يحتوي على نمط حضاري أحادي وفكري تنموي أحادي وتنظيم اجتماعي أحادي وطريق أوحد في التعامل الدولي. تتضمن المعرفة التقنية والمعلوماتية القائمة على أعمال العقل بمعناه الحسابي والعلم الحديث، تقني في جوهره أي خاضع لما تقتضيه التقنية بالدرجة الأساس أي الكم منهجاً والتجكم والسيطرة غايةً.

نقول تقوم ثقافة العولمة في خدمة التقنية ذات المعرفة الحسابية والكمية والأداتيه همها النجاعة والفعالية وغايتها السيطرة الداخلية والخارجية على الإنسان وعلومه الاجتماعية تقوم بنزع الطابع السحري من عالمه لتضع مكانة ثقافة مادية معلوماتية منشؤها واحد مما تؤدي (هذه الغاية) الى إيقاع الفرد بين فكي رحى… أي بين النظام الاجتماعي القائم في مجتمعه وبين ما أتى اليه عبر الفضائيات والأنترنت من ثقافة مادية متطورة جدًا وإزاء ذلك تحصل تشوهات ذهنية ومعرفية وسلوكية عند الفرد المتلقي لعناصر ثقافية جديدة عليه لم تخرج من رحم مجتمعه فيحصل تجافي عنده بينما ما هو ثقافي وما هو اجتماعي فيؤدي فيما بعد الى تناشز اجتماعي (أي يفكر تفكيرًا ثقافيًا ماديًا ويسلك سلوكًا اجتماعيًا تقاليديًا) ولا غرو من القول بإن (الصورة) هي أحدى آليات ثقافة العولمة الماضية والحادة في تأثيرها على المتلقي أكثر من الكلمة تجذبه نحوها بشكل سريع أكثر من الفكرة أو العبارة لذا فإن الصورة يشاهدها عامة الناس وخواصها بينما الكلمة يعرفها الخواص فقط وهذه إيجابية لثقافة العولمة الذي بدوره أدى الى تراجع كبير في معدلات القراءة في العالم.

هذا من جانب ومن جانب أخر، هناك فريق من الناس يرى ان ثقافة العولمة كجزية للمبدعين والرائدين والمغامرين وذوي المعرفة والمال لكنها قاسية على المهمشين والمحرومين والأميين والتقليدين لأنهم ينظروا اليها على انها امتداد طبيعي للتطور التكنولوجي إذ كان هناك ثقافة تقانية بمرحلة الصيد وأخرى بمرحلة الزراعة وثالثة في مرحلة الصناعة والان تقانية بالمعلومات. ومن سمات ثقافة العولمة أنها لا تكن قابلة للاستهلاك أو التجزئة لأنها تراكمية وأكثر الوسائل فاعلية لتجميعها وتوزيعها تقوم على أساس المشاركة في عملية التجميع والاستخدام العام.

    فضلًا عن ذلك فإنها تقوم بأتمتة الذكاء لأنها تركز على العمل أو النشاط الذهني عن طريق الأبداع المعرفي وحل المشكلات لذا فإن صناعة المعلومات تفيد كل الناس ويحصل الجميع عليها لأنها روح العصر تغذي معارف الأفراد بالأزمات الكونية حول نقص المواد الطبيعية وتدمير البيئة الطبيعية والانفجار السكاني علاوةً على تنمية الذكاء الكوني عند الفرد تساعده على تكيفه في مواجهة الظروف الكونية المتغيرة بسرعة.

   أنها ثقافة مفروضة على شعوب العالم الغربي والشرقي حيث غزت أسواق العالم ويشاهدها في الأفلام والمسلسلات التلفازية والسينمائية وحركات المودة في الملبس والمأكل والتكنولوجيا الاستخدامية، جميعها تعبّر عن الرأسمالية التجارية المهيمنة على كافة الثقافات الاجتماعية المتنوعة والمتعددة في العالم مكونة شبه انسجام في عالم الثقافة. لكن السؤال الذي يواجهنا في السياق هل هذا يعني استسلام الثقافات التقليدية لقيم ثقافة العولمة؟ الجواب نعم ولا في ذات الوقت، نعم لأن معايير وقيم ثقافة العولمة قد وصلت الى كافة أسواق العالم ووجدت لها زبائن محليين منجذبين لها. ولا، لأن مصالح أصحاب القيم المحدودة الأفق والضيق يقاوموا هذا الغزو التجاري المادي لها لأنها تريد ان تحافظ على وجودها الوطني والقومي الارثي. “بنيامين باربر” 1995 وَصَفَ هذه العلاقة بإنها تمثل الصراع بين ماكدونالد وحركات الجهاد الإسلامي مبلورة توتر في العلاقات الدولية ومبلورة حركات متطرفة ضدها. [Andersen and Taylor. 2013. P.38]

    وإزاء ذلك نشأت نخبة ثقافية عولمية عابرة للقارات والثقافات والقوميات واللغات والبلدان تتواصل فيما بينها باستمرار وبغض النظر تموضعها المكاني المادي أو انتمائها الثقافي أو القومي الوطني على سطح الأرض فإنها تستخدم (العولمة) حدث داخلي هامشي لتجعل منع انفجار عالمي طاغي وتحويله مشكلة حدودية بين بلدين الى قضية عالمية شاملة. أي تدويل صغائر الأحداث بين كافة بقاع العالم وتهويل منمنمات المشاكل ليجعلوا منها معضلات وهكذا.

    مثل هذه الأساليب (التدويل والتهويل) تؤثر على الكاتب أو المفكر المحلي – الوطني أو القومي إذ تسحب منه متلقية وجمهوره لا بسبب ضعف إمكانية بل لأن قرائه ذهبوا الى مدارات واهتمامات أخرى فيحتضر انتاجه وهو على قيد الحياة وتذوي ابداعاته والهاماته التي ساهمت في الفكر المحلي.

    ليس هذا فحسب بل عمل فكر العولمة على انسداد آفاق الفئات الاجتماعية الوسطى (حاملة الثقافة المحلية) مما أدى الى تأقلمها السريع لبيئة العولمة الجديدة ومع شروطها ومتطلباتها ومستلزماتها التي تحيط بهم تضغط ابداعه المحلي وتراجعها في البحث عن أفكار جديدة ومناهج حديثة للتعامل مع بيئته الأصلية. ثمة حقيقة أخرى فعلها فكر العولمة وهي اسهامه في نشوء بنية ثقافية جميلة متزاوجة مع ثقافة العولمة تستطيع التفاعل مع مستجداتها العابرة للقارات والقوميات واللغات متواصلة مع الأخر تحمل خصائص مميزة وتتمتع بامتيازات معينة.

أ – الأمن الثقافي في عصر الثقافة الكونية

     كتبت شما بنت محمد بن خالد آل نهيان عن هذا الموضوع فقالت:

   يمثل تحقيق الأمن الثقافي غاية من الغايات التي ينبغي السعي نحو بلوغها في هذه المرحلة المهمة من مراحل التطور الثقافي والمعرفي. وفي ظل ثقافة كونية تنزع نحو انتهاك الخصوصيات الثقافية، وتهميش الثقافات الوطنية، وطمس الهويات القومية. ومن هنا تأتي أهمية تحقيق الأمن الثقافي، الذي يعد جزءًا لا يتجزأ من الأمن الاجتماعي والحضاري، بل إن الأمن الثقافي يجب ان يحتل الأولوية، في هذه المرحلة المهمة من مراحل التطور الذي بلغته الثورة المعرفية. وفي ظل تعاظم التحديات والمخاطر التي تواجه الثقافات المحلية والوطنية. ذلك لأن الأمن الثقافي قضية ترتبط ارتباطًا مباشرًا بكيان المجتمع ووجوده. كما تربط بهويته ووحدته الحضارية وتتعاظم أهمية التأكيد على قضية الأمن الثقافي في ظل المخاطر والتحديات التي تفرضها الثقافة الكونية حيث أصبحت هذه الثقافة الكونية عابرة لحدود الزمان والمكان ومتجاوزة لنطاق الأمم والمجتمعات. ولا شك انها خلقت وسائل لا حصر لها لتبادل المعرفة والمعلومات، وحققت وفرة غير مسبوقة في الإنتاج الثقافي والمعرفي، بفضل ثورة المعلومات والاتصالات التي يعيش العالم في قلبها الان. لكنها أفضت – في الوقت نفسه – الى خلق اشكال جديدة من الاحتكار الثقافي. ذلك لأن الإنتاج الثقافي والمعرفي والتكنولوجي لهذه الثقافة لا يتم توزيعه بشكل متساوي بين الثقافات. كما أن تدفق المعارف والمعلومات لا يتم بصورة متساوية بين الدول والمجتمعات وقد أفضى ذلك الى تزايد الفوارق والفجوات المعرفية والثقافية بين دول العالم. وتفاوت حظوظ الأفراد والمجتمعات في نصيبهم من القدرات المعرفية ومن رأس المال الثقافي اللازم للتفاعل الإيجابي مع مستلزمات هذه الثقافة الكونية، والتي تمكنهم – في الوقت نفسه – من الدفاع عن خصوصيتهم الثقافية وتحقيق شروط الانتماء الحقيقي لمجتمع المعرفة والمعلومات. من ناحية أخرى تتسم هذه الثقافة الكونية في معظمها بإنها ذات طابع كلاسيكي تميل الى إشباع حاجات الأفراد بوسائل دعائية جاذبة، تغذيها وسائل الاعلام والدعاية المتنوعة، وتسعى الى خلق قيم واحتياجات ثقافية قد لا تعبر عن الحاجات الحقيقية للأفراد. كما تتسم الثقافة الكونية بأنها ثقافة تهيمن عليها الصورة. ولا شك ان العلاقة وثيقة بين الثقافة الاستهلاكية وثقافة الصورة، حيث أصبحت الصورة وسيلة أساسية من وسائل انتشار الثقافة الاستهلاكية التي غدت – بفعل أساليب البث الفضائي المتنوعة – ظاهرة عالمية تتجاوز حدود الزمان والمكان. وأصبحت الصورة تمثل سمة بارزة من أهم سمات الثقافة الكونية. وشهدت حضورًا طاغيًا، جعلها تستطيع اختراق ملايين العقول، داخل العديد من المجتمعات في وقت واحد. مهما كان حظ هذه المجتمعات وتلك العقول من المعرفة والتعليم. ذلك لأن استقبال الصور أو التأثر بها لا يحتاج الى تعلم أبجدية القراءة أو الكتابة، ولا يحتاج الى خلفية معرفية. وهذا ما دفع ببعض المفكرين الى القول بأننا أصبحنا نعيش “عصر الصورة”. والحاصل ان هيمنة ثقافة الصورة قد تم على حساب ثقافة الكلمة أو الثقافة المكتوبة. والأخطر في هذه الثقافة الكونية أنها تعمل على إخضاع كافة الثقافات المحلية لسطوتها المعرفية والقيمية. بغض النظر عن طبيعة التباينات والخصوصيات الثقافية التي تميز الثقافات المحلية، وما تتسم به هذه الثقافات من أصالة ومن ثراء وتنوع لذا فإن الثقافة الكونية تمثل تهديدًا حقيقيًا للخصائص الجوهرية والقيم والعادات والتقاليد التي تجسد هوية المجتمعات وثقافتها الوطنية. ويفضي ذلك الى ان تصبح الثقافات المحلية مجرد تابع أو خادم يسير في فلك هذه الثقافة الكونية. وتخضع لشوط انتاجها المجحفة، وتتحول الى مجرد “مُستقبْل” أو “مستهلك” سلبي لكل ما تقذف به هذه الثقافة الكونية من قيم وعادات وتقاليد، قد تتعارض مع قيم وعادات وتقاليد هذه الثقافات المحلية. من أجل ذلك فإننا نؤكد على أن تحقيق الأمن الثقافي هو العاصم من الخضوع لشروط هذه الثقافة الكونية والوقوع في فخها. ولكن كيف السبيل الى تحقيق الأمن الثقافي؟ إن أول شرط لتحقيق الأمن الثقافي يرتبط فيما نرى بالمحافظة على القدر الثابت والجوهري من السمات التي تميز الثقافة الوطنية، والتمسك بالثوابت المتينة للهوية التي تتجسد في القيم والعادات والتقاليد. وترتوي من منابع الدين (الذي هو روح الهوية) واللغة (التي هي قلب الهوية) والأصول المشتركة (التي هي جسد الهوية). هذه المقومات هي الكفيلة بتقوية أواصر النسيج الاجتماعي والثقافي وتعزيز قيم الولاء والانتماء وحب الوطن، وخلق ثقافة تنها من منابعها المحلية وتفاعل في الوقت نفسه مع هذه الثقافة الكونية تفاعلًا يعكس علاقة بين ندين ويتجاوز منطق الخضوع، أو الإحساس بالدونية تجاه هذه الثقافة الكونية. عندئذٍ لن يكون الأمن الثقافي قرين التقوقع والانغلاق على الذات الثقافية، بل سيكون قرين الندية الثقافية، والتفاعل الخلاق مع الثقافة الكونية ولكن ما طبيعة المؤسسات الكفيلة بتحقيق متطلبات الأمن الثقافي؟

[www.alittihad.ae]

ب – السوق الثقافي ومستهلكيه

أوضح هذا الموضوع عبد الخالق عزوزي الذي قال:

لا بد وأن يتمخض تاريخ أيّ بلد عن ثقافات تكون ثمرة تفاعل متعدّد الأطراف والأجناس والمكوِّنات، بحيث تعكس هذه الثقافة ذات الروافد المتعدّدة التي يفرضها الموقع الجغرافي للبلدان، والعلاقات الجيوسياسية لها، وذلك بانفتاحها على المناطق الجغرافية الأخرى. ومن ثَمَّ تكون جل البلدان بحكم هذا التبادل بُوتَقَةً لانصهار كل العناصر الوافدة عليه، والتي سرعان ما تمثّل روح أرضه وسمائه، وتتجاوب مع مزاج ساكنته، في النزوع إلى الاستمزاج والانتقاء، والواقعية والاعتدال.

وقد ساهم تطور الفكر الأنثروبولوجي في التخلي عن مفهوم الثقافة كمرادف للحضارة ليشمل المنظومات الرمزية وكل المعارف والمعتقدات والفنون والأعراف والعادات والطقوس التي تلازم الحياة الاجتماعية كتعبير إنساني.. وهنا نجد “ليفي ستراوس (Levi Strauss) ” الذي يقول بأن كلّ ثقافة لابدّ أن تُعبّر عن هويتها القومية، المتمثلة في خصوصيات الشعب الذي أنتجها. وفي هذا السياق يقول: “إنّ كلّ ثقافة من المنظور الأنثروبولوجي تؤكّد ذاتها بوصفها الثقافة الحقيقية الوحيدة التي يجدر بها أن تُعاش، لكونها الثقافة التي تعبّر تلقائياً عن ذاتية من يمثلونها.. وهو ما نسمّيه الأصالة. فكلّ ثقافة هي بالأساس ثقافة أصيلة، تُجاه أيّ ثقافة أخرى”.

ولا جرم أنه كما يكتب العلامة محمد الكتاني في ضوء التمييز بين المكوّن العقلانيّ وبين المكوّن الوِجدانيّ، الديني أو الوطنيّ يتجلّى الاختلاف بين الثقافات.. وهو اختلاف لا يعني بالضرورة أيّ أفضلية أو تَراتُب، وإنّما يعني الخصوصية والأصالة بالنسبة لكلّ ثقافة وطنية أو قومية. ولذلك لم يقل أحد من علماء الاجتماع بالتراتب أو بالتفاضل بين اللغات، باعتبارها نظاماً تتكافأ فيه الألسن واللغات، كما لا يوجد تفاوت بين الأذواق والفنون، باعتبارها أشكالاً تعبيرية ذاتية، لا يسدّ الدخيل منها مَسدّ الأصيل.

وإذا سلّمنا بالاختلاف، بين ما هو خصوصي، وبين ما هو كونيّ في الثقافة، فلا مناص من ربطه بمسار التاريخ. إذ من المعلوم أنّ ثقافة أيّ أمّة إنّما تتكوّن خلال مسار حركتها التاريخية، وذلك حينما تتمخّض هذه الحركة عن ترسيخ مجموعة من النُّظم والمؤسّسات، التي تقوم عليها الحياة الاجتماعية، وعن عقيدة تُبلوِر منظورها إلى الكون، وعن تقاليد متوارثة تُعبّر عن منظومة من الثوابت المتحكّمة في القيم والقواعد الأخلاقية.

ومن خلال هذا التوجّه لا يرى البعض أيّ مبرّر لطرح إشكالية التعارض بين الحفاظ على الخصوصية الثقافية الوطنية، وبين ما يمكن تسميته بالثقافة الكونية، أيّ الحضارة العالمية الراهنة.. ولكن يعتقد معظم الناس بأنّ هذا التعايش معناه إخضاع إحداهما للأخرى. فالبعض منّا يعتقد أنّ ما هو كونيّ من القيم يجب أن يُزيح من طريقه كلّ ما هو خصوصيّ أو يهيمن عليه. بحيث تأخذ القيم الكونية مكان ما هو خصوصيّ، ولو أدّى ذلك إلى التخلّي عن الهوية الوطنية. والبعض الآخر يرفض هذه الكونية، ويعتقد أنّ ما هو خصوصيّ يجب أن يُدير ظهره لكلّ ما هو كونيّ، باسم الحفاظ على الهوية الوطنية. وفي الموقفين معاً سوء فهم وتجاهل للواقع.

ونحن نتحدث عن هذا الموضوع، فمن البديهي أن وجود سوق ثقافية يتوقف على وجود مستهلك ثقافي، كما أن أساس الاستهلاك الثقافي هو توفر القراء والنقاد للأدب والشعر، والإعلاميين والمحبين للفن، والصناعة الثقافية في كل المجالات الثقافية: مطابع الكتب ودور النشر والمعارض الفنية التي تمنح الثقافة قيمة تبادلية واستهلاكية إلى غير ذلك. ولله در الأستاذة “رحمة بورقية” عندما أشارت إلى أن الثقافة المحلية تواجه تحدي العولمة الثقافية جراء تنقل البضائع والسلع والمنتوجات الثقافية عبر حدود الأوطان، داخل عولمة ثقافية قد تجعل الأطباق الصينية تباع في بلداننا، والوجبات السريعة الأمريكية تباع في جل بلدان العالم. كل هذا ممكن نظراً لكون الثقافة أضحت مرتبطة بالصناعات التي تحول الأشياء الثقافية إلى بضاعة وما يولده ذلك من انتشار سريع للإنتاج والاستهلاك الثقافيين.

ثم إنه أحد الحواجز التي تعوق التنمية الثقافية دون جعلها جماهيرية في واقع مجتمعاتنا العربية هي الأمية، لا الأمية الأبجدية فحسب، وإنما أيضاً الأمية الثقافية التي تعكسها المؤشرات حول عدد القراء ومبيعات الكتب. كما أن طرق التلقين ومنهجه الذي يعتمد، في نظامنا التعليمي، على حشد المعلومات التي تجعل من التلميذ خزاناً للمعلومات لا عقلاً يفكر ويرغب في القراءة، ويملك فضول السعي إلى المعرفة الذي يضعه فوق سكة اكتساب الثقافة. كل هذا يجعل الثقافة في بلدنا تحت محك تحد كبير. [http://www.al-jazirah.com]

ت – مأزق التذويب الثقافي

       لم تعد الحروب تأخذ أشكال القتال التقليدية، مواجهات بين دول وجيوش وتحالفات، كما حدث في الحربين العالميتين الأولى والثانية، أو الحرب الأمريكية الفيتنامية، ولا يتحدد شكل الحروب بين الأمم والدول بالمضاربات الاقتصادية واستعمال الاقتصاد كسلاح ضد الدولة المناوئة، فهناك شكل أقل حدّة وأقل في الخسائر البشرية، وهو النوع الذي سمّي بالحروب الثقافية، يميل إلى النعومة وتجنّب الصدام المباشر، فالحرب الثقافية باتت أكثر تأثيرا وخطرا من أشكال الحروب التقليدية المتعارف عليها.

واعتمد الغرب ومنه الولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص، العولمة الثقافية لتحقيق انتصارات راكزه على الثقافات الأخرى، في محاولات مستمرة بلا كلل أو ملل، لصنع نموذج ثقافي كوني تذوب في جوهره جميع الثقافات المحلية التابعة لدول أو أمم أو شعوب متأخرة، سبب اللجوء إلى هذا النوع من الصراع الناعم، يعود إلى أن (فكرة الثقافة تعد أحد الأوجه الرئيسية لظاهرة العولمة بمعناها الكلي، وتعني خلق صياغة مكوّن ثقافي عالمي وتقديمه كنموذج ثقافي، وتعميم قيمه ومعاييره على العالم أجمع، بالإضافة إلى الإشارة من خلال هذا البعد من العولمة إلى الثقافة كسلعة عالمية تسوَّق كأي سلعة تجارية أخرى، ومن ثم بروز وعي وإدراك ومفاهيم وقناعات ورموز ووسائط ووسائل ثقافية علمية الطابع) بحسب الكاتبة “لمياء طالة” في كتابها الإعلام الفضائي والتغريب الثقافي.

وقد شاع هذا النوع من ثقافة العولمة، بعد أن تفرَّدت الولايات المتحدة كقطب أوحد وأقوى في العالم، ووجدت أنه الأسلوب الأنفع والأقل كلفة لإنجاز أهداف الهيمنة على العالم من خلال النموذج الثقافي الأمريكي الذي يتم تمريره بطرائق إعلامية مختلفة عبر وسائل العولمة،

ولأن الولايات المتحدة الأمريكية انفردت كقطب مهيمن في السياسة الدولية في ظل الوضع الدولي الذي خلف انهيار الاتحاد السوفيتي، فإن العولمة الثقافية اليوم ما هي إلا هيمنة الثقافة والقيم الأمريكية، وبتعبير آخر ما هي إلا نشر القيم والمبادئ الأمريكية وفرضها كنموذج كوني. كما يقول “محمد بن مرسي الحارثي”: “إن الثقافة الكونية التي تدعو لها العولمة لن تسمح لأي ثقافة محلية أن يكون لها دور ملموس في صياغة الثقافة الكونية ما لم تتنازل (الثقافة) المحلية عن بعض منجزاتها ومرجعياتها التي تنتمي إليها، وتتبنى مقابل ذلك قيما جديدة وهذه الحساسية الثقافية التي تنشأ بين الثقافة المحلية والثقافة الكونية ستتحول إلى صراع حضارات، وليس إلى تعارض أو تقارب بين الثقافات”.

في حين أن التلاقح الصحيح والمقبول بين الثقافات ليس الإلغاء أو التذويب في نموذج ثقافي أمريكي أوحد، فالصحيح أن تبقى الثقافات المحلية قائمة ومحمية من الانقراض، وفي نفس الوقت تقوم علاقات ثقافية متكافئة بين جميع الثقافات تنصهر في بوتقة الإنسانية التي تراعي مصالح الجميع ولا تفضّل نموذجا على آخر أو تجعله سيدا على الجميع.

لهذا يرى مفكرون عرب وإسلاميون أن هناك خطورة جدية ومصيرية تتهدد النماذج الثقافية المحلية، (فالعولمة الثقافية أضحت خطرا فاعلا على خصوصية ثقافات المجتمعات المتخلفة وتهدد ذاتياتها بما تطرحه من أشكال ثقافية غربية، وبما تتسم به من سطحية، هشاشة، خداع، تلاعب بالعقول، نشر للأوهام، توليد للإحساس بالخواء والاستلاب، مع عدم إمكانية نقدها أو تفحصها أو إخضاعها للتحليل والتدقيق، بحسب المصدر المذكور سابقاً.

وقت تفنن الأمريكيون في صياغة وتوصيل أو تسويق نموذجهم الكوني، فهناك شركات وأفراد ومؤسسات تخصصت في التصدي لهذا الجهد العالمي، لأن العولمة الثقافية هي ثقافة تشبه سائر مواد الاستهلاك، معلبات تتضمن مواد مسلوقة جاهزة للاستعمال، وشركات إعلامية تتنافس لتقديم سلعها إلى المستهلك في إخراج مثير يضعه تحت وطأة إعراء لا يقاوَم، فلا وقت للتفكير والتمحيص والتردد النقدي وسائر ما يمكن أن يحمي الوعي من السقوط في إغراء الخداع.

وطالما أننا نقف في خط المواجهة الأول، وطالما أن شبابنا العراقي والعربي والإسلامي يواجهون هذا المأزق (مأزق التذويب الثقافي)، ولأن الشباب يشكلون المنطقة الرخوة في هذه المواجهة بسبب المشاكل الكثيرة التي تواجههم (البطالة، الفراغ، الإهمال…. وغيره)، فإن المطلوب وضع آليات للمواجهة، سهلة واضحة منظمة قابلة للتطبيق، فقد تم تحديد خمس نقاط لمضمون ثقافة العولمة، والتي تمثل نقاط التهديد للثقافات المحلية لبقية شعوب العالم، هذه النقاط هي:

–  إن ثقافة العولمة تمجّد الاستهلاك: وهذا يعني أننا نحتاج إلى حملات كبرى للتوعية وتعبئة الشباب ووضعه أما الواقع بكل ما يحمله من مخاطر وتهديدات، لكي يحذر الشباب من أساليب الترويج الاستهلاكي الأمريكي، إن تركيز النموذج الثقافي الغربي يعتمد تزويق الشكل وتسطيح العقل، وإعدام التفكير الخصوصي أو المحلي، وهذا يعني أن الشباب يجب أن يكونوا على وعي تام في بطبيعة هذا المواجهة.

–  إنها (ثقافة العولمة) تمهّد للعنف، بأن تبشر بنشر أجيال كاملة تؤمن بالعنف كأسلوب حياة وكظاهرة عادية طبيعية: وهذا يعني أننا جميعا مطالبون بمساعدة الشباب وتوعيته لهذا المأرب الخطير، فالعنف لا يمكن أن يكون حالة طبيعية لأنه محاولة لتدمير الإنسان وإشاعة قوانين الغاب وتدمير القيم المحلية.

–  إن ثقافة العولمة تمجّد الأنانية والفردية: وهذا يعني أننا يجب أن نفهم هذا المقصد وأن نواجه هذا الهدف الخبيث، فالأنانية لا يمكن أن تبني إنسانا أو جماعة، ويجب أن يفهم الشباب وعموم المجتمع هذا الهدف وأن يحذروا من الانجرار إليه.

–  إنها ثقافة مادية بحتة: ومن أخطر ما يكوم عليه النموذج الثقافي الأمريكي الكوني أنه يعتمد القيم المادية ويقصي القيم الروحية في نوع من الحرب الناعمة عبر أساليب مبتكرة يجب أن يفهمها الشباب وغيرهم ويتصدون لها، من خلال تعميق الجانب الروحي واعتماده كرديف ومساعد أساس للجانب المادي.

[https://annabaa.org]

5 / ج – ثنائية الثقافات المتنافية (الاستعراقية والنسبية)

    ثنائية ثقافية ليس بينهما قواسم ثقافية مشتركة بل فيهما العديد من المعايير والقيم والمعتقدات المتخالفة والمتجافيه لا تجتمعان في مجتمع واحد. كلاهما يمثلان اهتمام النظرية البنائية الوظيفية في علم الاجتماع لأنهما مرتبطان بالعرق ويمثلان الامتداد المكاني (الدايكروني) وليس الزماني. تسود الثقافة الاستعراقية المجتمعات القديمة ومجتمعات ذات أنظمة سياسية شمولية بينما تسود الثقافة النسبية المجتمعات الحضرية والصناعية والمعلوماتية العصرية.

ثنائية الاستعراق والنسبية الثقافية

هذه ثنائية ثقافية طرحها علم الاجتماع معبرة عن التنافي المتناقض ضمن الثقافة الاجتماعية لا تمثل الوفاق والانسجام والتصافي في الحياة الاجتماعية. أنها نواة الثنائية المتناقضة المتمثلة في الميول المعيارية المتعاكسة في الثقافة، فضلًا عن وجود تنازعات في مصالح وقيم ومواقع اجتماعية مشغولة من قبل شخص واحد فتنعكس على سلوكه ومواقفه واحكامه وعلائقه، كذلك تكشف عن وجود قيم تمجد شرف الانتماء وتجانبها تبرير انحراف الفرد عنها.

   هذا التناقض المتثاني يوضح عدم تجانس العلاقات الاجتماعية.

1– الاستعراق Ethnocentrism

  ففي حالة الاستعراق فإنها علائق داخل الجماعة الواحدة أنما في النسبية الثقافية Cultural relativism فإنها توضح علاقات خارج الجماعة. الأمر الذي يخلق حواجز ومواقع في اتصالات الجماعة وتفاعلاتها وهذا بدوره يزيد من عدم التجانس.

هذا النوع من الثنائيات يمثل ثنائية (دايكرونية – أي الامتداد المكاني وليس الترتيب التزامني – السايكروني).

ندلف الان الى محيط الاستعراق الذي يعني ايمان الفرد بإن عرقه أسمى من سائر الأعراق وان ثقافته أعرق الثقافات. بينما النسبية الثقافية تعني عكس ذلك التي ترى ان معايير وقيم ثقافة الاخرين من غير ثقافة الفرد المنتمي الى معايير وقيم ثقافة أخرى لا ينتقدها أو يستنكرها أو يعيبها طالما هي مقبولة من أفراد مجتمعها.

ومن أجل تمحيص ما تقدم نقول كثيرًا ما تتردد عبارات تقول الدول النامية أو المتخلفة أو البدائية للإشارة على انها لا تشبه مقاييس ومحكات معينة وبالذات عندما تكون المجتمعات تمارس السحر والشعوذة وتؤمن بالأساطير الخرافية والمرئيات غير العلمية.

واحيانًا تنطلق هذه العبارات من اشخاص متزمتين ومتعصبين لثقافتهم أو لسياستهم المحلية فيوصموا المجتمعات الأخرى التي لا تشبه مجتمعهم أو ثقافتهم فيوصموها بإنها متخلفة أو بدائية وهذا يعبر عن التعصب العرقي عند الشخص الذي يطلق هذه العبارات أو المسميات.

عالم الاجتماع الأمريكي القديم “وليام كراهام سبنسر” 1906 صاغ مصطلح الاستعراق ليشير الى الميل الافتراضي للأفراد بالتعالي والتغطرس على الأخرين سواءً على طريقة عيشهم أو ثقافتهم أو دينهم. فالغربيين مثلًا يستهجنوا طريقة عيش الهندوس الذين يعبدون البقر ولا يأكلون لحمها فينظروا إليهم نظرة دونيه متعالين عليهم.

لكن علماء الاجتماع الوظيفيين يرون أن الاستعراق يوّلد التضامن والتماسك الاجتماعي من خلال اعتزاز الأفراد بعرقهم وبلدهم، لكن هناك من يشوه سمعة الأقلية العرقية ويسيء الى الحس الوطني واشعارهم بإنهم أدنى منهم مكانةً وأقل منهم وطنيةً.

بذات الوقت يستغرب الهندي من وجود كلاب وقطط تعيش مع أفراد الأسرة في نفس المنزل التي تسبب العديد من الأمراض والتلوث والقذارة داخل المنزل. ثم هناك الكثير من شعوب العالم الثالث يرون الحكومة الأمريكية بإنها مجرمة في حقهم وهي التي تقوم بإيقاد فتيل الفتنة والحروب الأهلية والدولية.

    فالمستعرق هو الفرد الذي يكون متشربًا ومتنمطًا بمعايير ثقافته ويجدها الأفضل والأحسن والأرقى مما تجعله ينظر الى الثقافات الأخرى من زاوية ثقافته المنتمي اليها وهذه نظرة ضيقة وقصيرة لأنها ترفض التعرف على أكثر على أكثر مما تراه ثقافته ولا يريد التنوع في الرؤية ويرفض الاحتكاك الحضاري مما يجعله ذلك اصدار احكاماً جزاف على ثقافة الأخرين صادرة من معيار ثقافته الذي يركز على التمسك والتعصب برأي معيار ثقافته وهذا هو الاستعراق.

    لكن هناك حالة شاذة عما ذكرناه انفًا وهي حالة العربي الذي يتبجح بماضيه العريق ويفتخر بإن ثقافته العربية هي التي ابتكرت الصفر والعجلة والأرقام الحسابية والعلاج الطبي المتقدم وإن الثقافة العربية تقبل الاحتكاك والاستعارات الحضارية وتتقبلها ولا تتعصب لماضيها المجيد إنما الفرد العربي المعاصر – وللأسف – لا يقبل التكيف للتطورات الجديدة والابتكارات العلمية الحديثة، بذات الوقت يتغنى بماضيه التليد!!! هل هذا غباءً أم هروبًا من مواجهة التطور أو خوفًا من التمدن أو جهلًا به أو عدم قدرته على الدخول في معركة النهضة والارتقاء؟

    ديدني ومآلي من ذلك هو القول بإن الرؤية الاستعراقية المتعصبة والمتحيزة تمنع رأيها من تفهم العالم كما هو وما يشاهده، ما هي سوى رؤية أحادية ذات لون شخصي تؤدي الى تفكير ضيق في ملخصه وخلاصته حول العالم المتنوع في ثقافاته، نجد هذه الرؤية واضحة عند الشباب عندما تتم مسألتهم عن الجماعات الأخرى التي لا ينتمون الهيا حيث يحكموا عليها بإنها دون مستوى جماعتهم، وإن جماعتهم هي الأفضل والأحسن.

    لكن مهما قيل ويقال عن الاستعراق فإنه لديه إيجابيات منها أنها تحقق التضامن والتماسك الاجتماعي الداخلي ويكشف عن أسباب الصراعات السياسية والعرقية والدينية بشكل صريح وعلني وبالذات في الحروب والنزاعات السياسية والإرهاب والإبادة الجماعية لجماعات معينة، كذلك يساعدنا الاستعراق على معرفة معتقدات الجماعة المستعرقة مثل جماعة القاعدة وداعش التي تدّعي بالجهاد المقدس دفاعًا عن العقيدة الإسلامية إلا انه في الواقع يعبر عن التعصب البغيض والكره والمقت ضد الأخرين.

2– النسبية الثقافية (نقيض الاستعراق)

   التي تعني عدم اطلاق احكام متطرفة على الثقافات الغربية عليها أو التي تجدها مخالفة لها ولا تعتبرها شاذة أي نقيض الاستعراق لأنها (النسبية) تستخدم المعايير والقيم الحيادية في تقييم الثقافات الثانية فلا ترى مصارعة الثيران في اسبانيا ولا تعدد الزوجات في بعض المجتمعات ولا الحكومات الملكية المطلقة حالة شاذة وغريبة بل هي سوية في محيطها وبيئتها الثقافية، فمثلًا يعتبر الأمريكان بإن الأزياء الفرنسية أجمل من الأزياء الأمريكية وإن الأجهزة الكهربائية اليابانية الصنع أجود من الأجهزة الكهربائية الأمريكية دون ان تتعصب لأزيائها أو صناعتها الالكترونية. كذلك لا ينتقد المجتمع الغربي لطريقة حرق الميت في الديانة الهندوسية ولا الى عدم دفن الميت في التبت بل يتم تقطيع جثته الى قطع وتركها في العراء لكي تأكلها النسور لأن الجو عندهم مثلج فلا يقوموا بحفر الثلج ودفن جثة الميت فيها لأن الثلج سوف يذوب وتظهر الجثة مرة ثانية. لذلك يميلوا الى عدم دفنها وتقطيعها وتركها للنسور لتأكلها.

    ثمة حقيقة أخرى إنما عن ختان الاناث الصغيرات قبل الزواج في بعض المجتمعات الأفريقية والعربية التي تفرضه ثقافتهم الاجتماعية وذلك ببتر جزء من بظر البنت حيث يتم ختان مليوني بنت كل عام لتأكيد طهارتها وعذريتها التي لها قيمة اعتبارية وشرفية للبنت ولأسرتها زوجها الذي سيتزوجها. لكن هذا الختان غير وارد في المجتمعات والثقافات الغربية ولا تقره قوانينهم لكن لا أحد منهم يعيبه أو ينتقده أو يستهجن ثقافة الشعوب التي تمارس ختان الاناث بذات الوقت لا يقومن أبناء هذه الثقافات الافريقية والغربية باستهجان ونقد البنات الغربيات اللواتي لم يتم ختانهنَّ قبل الزواج. هذه هي النسبية الثقافية التي تعني عدم استهجان أو نقد أي ممارسات سلوكية أو معتقداتية التي تقوم بها أو تفرضها الثقافات الاجتماعية على أبنائها. [Schoefer. 2003. Pp. 213 – 215]

5 / ج – ثنائية الثقافات المترادفة (الاستبدادية والمهيمنة)

    انها ثنائية ثقافية منشطرة الى شطرين مترادفين في المتن للدلالة على نفس الموضوع، والمتكافئ في المعنى تحمل نفس المغزى المتشابه. مثال على ذلك (الحزن، الغم، الأسى، الشجن، الكآبة، الجزع، الأسف، اللوعة وسواها جميعها تعطي نفس المعنى فهي مترادفة) أي مترادفة في تفرعها لكنها متصلة في أصلها وجذورها ألا وهي (الثقافة). انها احدى اهتمامات النظرية البنائية الوظيفية التي تؤكد على هيمنة الثقافة على جلَّ أوجه الحياة الاجتماعية في جميع مراحلها لا تتضمن هذه الثنائية التناقضات أو التناحرات أو الصراعات بين المستبد والمستبد عليه بين المهيمن والمهيمن عليه، انها ثنائية تعرض جانب واحد من جوانب الحياة وليس المعارضة للاستبداد أو الهيمنة. انها ثنائية تمثل المصطلح (الدايكروني) أي الامتداد المكاني الزماني. كلا الشطرين يشتركان في: –

1 – تسلط فئة اجتماعية على باقي فئات المجتمع أو اغلبيته.

2 – تتمتع الفئة المتسلطة بنفوذ وسلطة ومال طاغي.

3 – انها ثقافة السادة وليس العبيد، المتغطرسين وليس المستبعدين.

4 – انها ثقافة لا تملك الحوار والنقاش والاعتراض.

5 – معايير ثقافتها مفروضة على ثقافة الأغلبية.

6 – انها ثقافة الحاكم الذي انتجته ثقافته ولم ينتجها هو. أعني الحاكم المستبد ما هو سوى نتاج ثقافة مجتمعه افرزته ليحقق معاييرها وقيمها وديمومتها.

فثقافة السلطة الذكورية ذات الاعمار المتقدمة تعزز التسلطية والاستبدادية وعدم الحوار والنقاش داخل الأسرة والمجتمع وهنا يصبح الاستبداد حاجة مجتمعية لتشبع حاجة ثقافية وهذه علاقة تبادلية بين المجتمع وثقافته لأن المجتمع استجاب لحاجة ثقافته فيكون الحاكم المستبد أحد افرازات أو نتاجات حاجة ثقافية ومجتمعية عندها يبرز المستبد كصناعة ثقافته ومجتمعه معًا. بمعنى انه ليس مفروضًا على المجتمع بل مطلبًا اجتماعيًا مستجيبًا للمطلب الثقافي. لكن هذه الحالة لا تكن سرمدية وخالدة تسود المجتمعات والثقافات بشكل دائم وفي جميع المراحل التطورية، بل تتغير عندما تخضع ثقافة المجتمع لمؤثرات خارجية مثل التثاقف والاحتكاك الحضاري والخضوع للمؤثرات العلمية والتقنية عندها تتبدل هذه الحاجة الثقافية لتطالب بغيرها ولا تستمر في مطالبتها بقيادة مستبدة وهذا ما حصل للمجتمع العربي بعد العقد الأول من القرن الحالي ابان ثورة الربيع العربي حيث أصبحت الثقافة العربية تطالب بقيادة غير ابوية – غير مستبدة – بسبب الوعي الذي أصاب الشباب العربي. هذا النمط الثنائي – الثقافي يمثل ثقافة الأقلية ليس إلا وهي مفروضة على المجتمع لأنها تمثل ثقافة الغالب وليس المغلوب عليه معتقدةً ان الطبيعة البشرية تتصف فقط بالخنوع والخضوع لا تستطيع العيش بدون الاستبداد. إلا ان هذا الاعتقاد يغفل ان الطبيعة البشرية تتغير مع تغير المؤثرات الخارجية عليه وتحل محل ثقافتها ثقافة حرَّه تتطلب أنظمة حرَّه لأن سُنّة الحياة هي التغير والتطور وليس السكون والهجوع.

1– ثقافة الاستبداد Autocratic Culture

لا ترتبط ثقافة الاستبداد بغطرسة وظلم وقهر الحاكم لأتباعه فقط بل ترتبط بأساليب ومعايير وضوابط تمجد وتحمد الخضوع والانصياع والركوع لأصحاب المواقع الهرمية العليا. تبدأ هذه الثقافة بتكريس عناصرها المكونة لها من الأسرة مرورًا بالمدرسة والمؤسسات الحكومية والجماعات والأحزاب السياسية والنقابات المهنية لتنتهي برئاسة الدولة. أنها عملية تنشيئيه لا تأخذ مقطعًا واحدًا من الكيان الاجتماعي لأن الاستبداد لا يتحقق إلا بوجود بيئة ومحيط حاضن لها يترعرع فيه مثل السلطة الابوية وطاعة الأخرين لهذه السلطة المدعومة من قبل الثقافة التقليدية الموروثة. بمعنى وجود حاضنة لتقبل ونشأة النزعة التسلطية الفوقية ولا ننسى العنف والعدوانية والقوة كعناصر أساسية لإنباتها في التربة الاجتماعية وهذه لا تتواجد إلا في حياة الجماعات الريفية والقبلية والطائفية والدينية والأمية المعزولة حضاريًا لا تأخذ بالرأي الأخر ولا تسمع لغير السلط الأبوية التي تحتضنها الثقافة البطريقية (الذكورية ذات السن المتقدم).

    معنى ذلك ان ثقافة الاستبداد تمثل ثقافة فرعية نابعة من الثقافة الشاملة لمجتمع التي لا تكن مخالفة لها بل تغذيها وتعززها وتعكس بعضًا من أوجهها في حياة الأسرة والمدرسة والحزب السياسي والفرق الرياضية. ديدني من هذا الاسترسال في هذا الموضوع هو ان المستبد لا يرث استبداده بل يكتسبهُ من محيطه الذي يعيش فيه والمغذى من قبل الجهلة والأميين والمرتزقة والمنافقين والافاقين والمداهمين. أي من ذوي العاهات الاجتماعية وهؤلاء لا يخلو أي مجتمع منهم فيحصل تفاعل بين المستبد وأصحاب هذه العاهات ليكون هذا التفاعل على حساب الأغلبية المغلوب على امرها المستبعدة والمهمشة قسرًا وجبرًا.

بتعبير أخر، تكون ثقافة الاستبداد وصنيعة عدة وكالات اجتماعية ومعيارية لا تمانع وجود ممارسات قمعية واضطهادية وقسرية وتصفويه من أجل أنعاش نفوذ المستبد وتجفيف أو تميع قوة وحيوية الرعيّة التي بدورها تلغي أو تجمد نزعة المعارضة والمسائلة واحترام الرأي الاخر. بمعنى ان ثقافة الاستبداد لا تتضمن حالات المعارضة والمسائلة والتسامح بل تتضمن الطاعة والخنوع والقنوع وعدم الاعتراض أو المعارضة ولا الحوار أو النقاش بل الرضوخ للمحتلين في المواقع الهرمية العليا.

   علاوة على ذلك فإن هذه الثقافة لا تخدم التفكير النيّر والمتنور ولا الذهنية اللامعة والمبدعة بل المحدودة الذكاء والطيعة. فهي إذن ثقافة الاذلاء والمقهورين والمسلوبي الإدارة والمنزوعي القرار لصالح السلطة الأبوية – الذكورية المتسيدة على كافة تنظيمات المجتمع العرفية والرسمية المدعومة من قبل الثقافة التراثية الموروثة اليت وضعها الأموات للأحياء.

    لذا نقول ان ثقافة الاستبداد لا تظهر فجأةً أو عشوائيةً بل لها حواضن ومواطن في الأسرة والجماعة والتاريخ المحلي أي لها من يدعمها ويغذيها من غير الحاكم. ولا ننسى ان لهذه الثقافة جموع جاهلة وفقيرة وغير واعية مغلوب على امرها ومسلوبة الإرادة من قبل قوى أمنية وعسكرية وفئات مداهنة ومنافقة مستفيدة من المستبد ماديًا ومعنويًا عندئذٍ تتشكل ثقافة تُمجّد وتُحمّد الاستبداد فهي إذن لا تمثل سلوك فردي بل جمعي مغذي من قبل أكثر من وكالة اجتماعية تقوم بزرع بذور الاستبداد وعدم المشاورة والمحاورة مع القوى الأخرى داخل المجتمع انها ثقافة الرأي الأوحد الذي لا يفهم الحوار والمنافسة بل يريد الجميع يكونوا كالغنم في طاعتها والكلاب في تملقها. لذلك فإن إزالتها لا تكن بمجرد إزالة المستبد بل بإلغاء القواعد والمعايير والقيم المغذية للاستبداد والاقهار بأخرى تعبّر عن الحوار والتسامح واحترام الرأي الأخر. تلغي الثقافة الأحادية والشمولية ليحل محلها التنوع والتعدد الفكري لكي تكون ثقافة مثمرة ومنتجة ثمار مغذية لمصالح المجتمع بدل من مصالح الحاكم المستبد. أما معادلة الثقافة الاستبدادية فهي ما يلي: –

مستبد + بطانة متملقة + استخدام القهر والجور وقمع التفكير الحر وسلب الحريات + خنوع وخضوع واستسلام الاتباع = ثقافة مستبدة

باختصار شديد تؤدي ثقافة الاستبداد الى: –

1 – انتاج المستبد وليس المستبد ينتج ثقافته.

2 – افراز رعية خانعة ومطيعة للمستبد.

3 – تغذية القهر والظلم والقمع على الاتباع.

4 – سلب الحريات الفكرية والشخصية عند العوام.

5 – البحث عن ذيول وعملاء لخدمة المستبد.

6 – تدجين الاتباع من أجل تعطيل مفاعيل القوة والجدية في العمل المثمر الذي يخدم عامة الناس.

7 – احتكار السلطة واستخدام الوسائل المختلفة لإدامة المستبد في تجهيل وتفقير الاتباع.

اخيرًا أقول إنها ثقافة موروثة لكن المستبد مكتسب استبداده منها عبر تنشئته في المنابت الاجتماعية. وإن أهم ركن في ديمومة الاستبداد هو الثقافة التي يستخدمها المستبدون في تطويع الجماهير المستبد بها.

أ – صناعة الاستبداد

    تناول هذه الصناعة محمد يتيم الذي قال: غالبًا ما يتم التركيز عند مختلف أطياف المشهد السياسي والثقافي والاجتماعي على الاستبداد باعتباره ظاهرة سياسية ولكن قليلا ما يتم إبراز عمقه وبعده الثقافي. لن ندخل في ذلك الجدل العقيم المتعلق بالتأسيس والأسبقية أي ذلك السؤال الذي يطرح عادة في مثل هذه الحالة : من يسبق منهما ومن يؤسس الآخر ؟ هل الاستبداد السياسي هو الذي ينشئ القابلية للاستبداد وما يرتبط بها من مظاهر سلوكية مثل التملق والنفاق الاجتماعي والخنوع والتبعية، أم أن تلك القابلية أصلا هي التي تمكن لواقع الاستبداد وتصنع المستبد؟ نعتبر الوقوف عند هذه الأسئلة والسعي للجواب عليها من قبيل الجدل العقيم حول أسبقية الدجاجة على البيضة أو البيضة على الدجاجة، والواقع أنه لا البيضة سبقت الدجاجة في الوجود ولا الدجاجة سبقت البيضة لأن الله خلق كل شيء على قاعدة الزوجية مصداقا لقوله تعالى: “ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تعقلون”. وبعد ذلك فكل واحدة منهما تسبق الأخرى في مرحلة معينة وتؤسس لها أي لأنهما يسبقان معا ويتأخران معا. فالأسبقية في هذه الحالة نسبية وترتبط بالسياق والمرحلة. وقاعدة الزوجية والتركيب هي قاعدة كونية تصلح أيضا في فهم الظواهر الاجتماعية إذ أن هذه الظواهر تتأبى أكثر على التفسير البسيط الأحادي الجانب. فالاستبداد السياسي كما أنه قد يؤدي إلى خلق القابلية للاستبداد وما يرتبط به من ظواهر خلقية وثقافية، فإنه قد يؤدي في المقابل إلى خلق حالة من المقاومة للمستبد، بما يرتبط بها من ظواهر وسلوكيات ثقافية مثل العزة واستقلالية الشخصية والانعتاق والصدق مع الذات والصدق مع الآخرين …إلخ غير أننا في هذه الحلقات نركز على المسألة الثقافية، وعلى المدخل الثقافي في الإصلاح، أي على البؤرة المتعلقة بالإنسان وما يمكن أن تفعل إرادة الإنسان،  نركز على دور الفكر والشعور والوجدان والسلوك، أي على دور الفعل الإنساني. فهذه المجالات هي مجالات الحرية بامتياز، إذ على الرغم من تأثرها بالأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية إلا أنها لا تخضع لحتمية ميكانيكية بدليل أن الناس يستجيبون لنفس الشروط التي يعيشون فيها بطرق مختلفة. وهكذا وفي الارتباط بموضوعنا أي الاستبداد نقول إن الناس الذين يعيشون في ظل أوضاع استبدادية يستجيبون استجابات، فالوضع الاستبدادي قد ينشئ لدى البعض ميلاً إلى المقاومة والانتفاضة ، بينما قد ينشئ لدى البعض الآخر ميلا إلى الدعة والخنوع والاستقالة والتبعية والاستضعاف. وبما أن المساحة التي يمتلك الفرد أن يؤثر فيها ويغير هي نفسه وذاته على الأقل، وبما أنه إذا كان بإمكانية الطاغية أو المستبد أن يسيطر على الجسد بالاعتقال أو النفي أو التعذيب أو الإلغاء من الوجود، وأنه ليس بإمكانه أن يسيطر على الروح والفكر والوجدان والإرادة والعزيمة، فإنه يتبين أهمية إصلاح هذه المساحة أي مساحة الثقافة (مساحة الإنسان). أهمية الإصلاح الثقافي في العلاقة بقضية الاستبداد لا تظهر فحسب من زاوية أن الاستبداد السياسي هو منشئ لمزيد من القابلية للاستبداد ولظواهر التبعية والنفاق الاجتماعي، ولكن أيضا من زوايا أخرى متعددة نلخصها أهمها في ثلاث: ـ الأولى أن القابلية للاستبداد قد تكون هي الأصل في نشأة المستبد، فالاستبداد قد يكون صناعة اجتماعية، وفي كثير من التجمعات نجد أن الناس يصنعون المستبدين بأنفسهم وبما كسبت أيديهم ولعل في قوله تعالى : فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا فاسقين. وفي التنظيمات الحزبية والنقابية والجمعوية عدة نماذج ماثلة، إذ نلاحظ كيف يصنع التملق والحرص للقرب من بعض المسؤولين الذين يملكون التحكم في بعض الامتيازات التافهة في حقيقة الأمر الزعيم المستبد ، أو القيادي المستبد. ولذلك هناك جدلية بين نفسية الاستعباد وثقافة الاستبداد وبين صناعة المستبدين .

 ـ أن الاستبداد ليس دوما استبدادا نازلا كما يتصور بل إنه قد يكون استبدادا صاعداً. وللأسف فقد جرى التركيز في تاريخنا وواقعنا على الاستبداد النازل بينما لم يتم التركيز على الاستبداد الصاعد. ومن الناحية التاريخية وفي عصر الخلفاء الراشدين على سبيل المثال لم يكن المشكل في الحاكم ، فقد كان الخلفاء مثلا سامية استحقوا عليها صفة الرشد، لكن المجتمع واللحظة التاريخية والحضارية والثقافية لم تكن على نفس المستوى من الرشد، وصار الحكم تغلبا بالسيف من فوق بعد أن كان منطق التغلب بالسيف قد انطلق من القاعدة. وتبين عدة تجارب سياسية تاريخية ومعاصرة أن كثيرا من الملوك والرؤساء هم مملوكون ومرؤوسون ومغلوبون على أمرهم في سراياهم وقصورهم أي أنهم مستبد بهم من لدن مراكز قوى ولوبيات مختلفة وأن مساحة فعلهم وتأثيرهم بالرغم مما يظهر من اتساع صلاحياتهم وسلطتهم .

 ـ أن للاستبداد بعدا أفقيا فكما أننا نتحدث عن الاستبداد النازل، وهذا هو الاستبداد المعروف، وكما أن الاستبداد يمكن أن يكون صاعدا، فإن الاستبداد يمكن أن يكون أفقيا حيث نجد علاقات استبدادية تحكم العلاقات فيما بين المستبد بهم وبين الفقراء والمستضعفين، وفي العلاقات بين الأقران. ولذلك فالاستضعاف في القرآن الكريم لا يأتي دوما في سياق وصف العلاقة الاستبدادية العمودية أي بين الطاغية المستكبر وبين الضعيف المغلوب على أمره وإنما يأتي أيضا في سياق الذم أي في سياق إبراز جانب آخر من ظاهرة الاستبداد ألا وهو القابلية للاستبداد التي يتحمل مسؤوليتها في هذه الحالة المستضعف، ولعل إلى ذلك الإشارة في قوله تعالى: الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قال فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قال “ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها” وقوله تعالى: “إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بينهم الأسباب” ومن جميل ما قرأت في تفسير قوله تعالى: “قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أومن تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض” فقد ورد في بعض التفاسير أن العذاب النازل هو استبداد الأمراء أو أن العذاب الذي يأتي من تحت الأرجل هو الفتن والثورات (الاستبداد الصاعد)، إضافة إلى الفرقة والاختلاف، فهذه كلها صور من التظالم والاستبداد المتعدد الاتجاهات. لذلك ففي معالجة ظاهرة الاستبداد السياسي يكون من الأولى قبل ومع وبعد الإصلاح السياسي العمل على معالجة ظاهرة القابلية للاستبداد والقابلية لصناعة الاستبداد، والقابلية للاستعباد والقابلية للاستضعاف، فذلك من أهم المداخل لمقاومة الاستكبار والاستبداد في صورتهما السياسية، وهذا باب من أبواب إصلاح نظام الثقافة  [https://www.maghress.com]

ب – ثقافة الاستبداد العربي

       لكي نميط اللثام عن أوجه الحياة السياسية في العالم العربي قبل نهوضه ليبرز من وراء الأفق بات علينا ان نلج باب الاستقصاء والتحري عن الأسباب التي دفعت العالم العربي الى نهوضه وانتفاضه على واقعه لكي يبرز امام الأفق لكي ندلف الى خلفيته التاريخية التي سبقت العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

     ففي عام 2000 قدمت الدائرة الإقليمية الخاصة بالحكومات العربية في الأمم المتحدة – قسم برنامج المفوضية التي تضم جماعة من العلماء وأصحاب القرار تقريراً نشرته عام 2002 تضمن تقديراً لحالة التنمية البشرية في العالم العربي محددين الاضرار والخسائر البشرية الناجمة عن الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية قبل اندلاع ثوراتهم.

وعطفاً على ما تقدم فقد انطوى التقرير السياسي عام 2002 على كشف الفجوة الواسعة والظاهرة بين الأقطار العربية وباقي الأقطار المجاورة في مجال المشاركة السياسية في الحكم وموضحاً الموجات الديمقراطية التي نقلت معظم دول أمريكا اللاتينية وشرق اسيا في العقد الثامن من القرن العشرين وشرق اوروبا ومعظم دول اسيا في أواخر العقد الثامن وبداية العقد التاسع إلا ان هذه الموجات لم تشمل او تصل الى الدول الغربية وكانت هذه احدى المظاهر المؤلمة بل والأكثر ايلاماً في إعاقة التنمية السياسية في الدول العربية.

     باختصار شديد لم تكن هناك تنمية سياسية ومشاركة شعبية وممارسات ديمقراطية في الدول العربية على نقيض دول العالم الثالث أمثال دول أمريكا اللاتينية وشرق اسيا وأوروبا. وكانت هذه هي أكبر المفارقات المتفاوتة بين الدول العربية وباقي دول العالم الثالث الذي شكّلَ دافعاً قوياً في الانتباه والالتفاتة الى وضعه السياسي والى ابتعاده عن الموجات الديمقراطية التي هبّت على الكثير من دول العالم الثالث وسوف نرى بعد نجاح الثورات العربية واستلام الكتل والكيانات السياسية إدارة الحكم السياسي والإداري والمالي لم يتوقفوا في ادارته بل طغى عليهم أنواع متنوعة ومتعددة من الصراعات والنزاعات وصلت الى الحالة الدموية واستخدام الأسلحة العسكرية وانشغال الكثير منهم بنهب المال العام وافساد السياسية لأنهم لم يتنشئوا عليها ولم تكن الحكومات العربية أخذه بالاتجاه الوطني بل بالفئوي – الاسري فسادت حالة الفوضى السياسية والاحتراب الفئوي واستخدام المليشيات لا حرصاً على أموال البلد وسياسته ومصلحته بل حرصاً على منافعهم ودوافعهم الشخصية الانتهازية والمصلحية فأمسى الربيع العربي يمثل (زمهرير عربي لا يطاق) أدى الى تداخلات اجنبية واستنزاف اقتصادها وتهجير أبنائها فأضحى الربيع العربي نقمة على المجتمع العربي وليس نعمة.

     ومن باب الاغناء والإفاضة والتحديد الدقيق نسجل ما طرحه هذا التقرير عن العديد من الخصائص الخاصة بالنسق السياسي في المنطقة العربية وهي ما يلي:

1 – عندما تأتي الى موضوع الحرية المدنية والإجراءات البيروقراطية واستقلالية الخدمات المدنية لا تجد سوى ثماني حكومات عربية من أصل عشرين منها يصلوا الى المتوسط الدولي في هذه الخصائص المذكورة.

2 – وعندما تصل الى المشاركة العامة في الفساد (مثل الابتزاز والرشوة والوساطة) تجد عشرة حكومات عربية من أصل سبعة عشر مكون تصل الى المتوسط الدولي في هذه الخاصية.

3 – وعندما تتقدم نحو الحقوق السياسية واستقلال الاعلام فإنك لا تجد سوى الأردن متميزاً بهذه الخاصية التي تعلو على المتوسط الدولي ثم الكويت التي تصل الى المعدل الدولي.

4 – ان تقرير 2004 صنف جميع الحكومات العربية (تقريباً) على انها حكومات موصومة بالوصمة السوداء التي تتضمن دائرة حكومية متنفذة جداً تقوم بتغير وتعديل المحيط الاجتماعي بحيث تقوم بتجميد او تنشيط أي دائرة حكومية بل نستطيع ان تلغي وزارة بحالها حسب مصالحها.

5 – في الحكومات التي لا تتضمن تعاقب حيوي مثل الجزائر وتونس والعراق ومصر واليمن يقوم الرئيس عادةً في تحويل وتغير القوانين والممثلين الحكوميين حسب مزاجه ومصلحته. وفي سوريا والعراق هناك المرددين لأقوال الرئيس ترديداً ببغاوياً ويوافقون على برنامج سياسي من دون تفكير او مناقشة بل وحتى تغير القوانين في البرلمان السوري استطاعوا تعيين ابن الرئيس القاصر ليكون رئيساً للجمهورية بعد والده.

6 – معظم الحكومات العربية تعتبر نفسها سوراً حصيناً وملجأً شرعياً يستطيعوا من خلال مناصبهم ابتزاز الأموال وسرقة المال العام وما تقوم به الحكومات الإسلامية من قتل وخطف للجماعات والأحزاب يبرروا عملهم هذا على انه جزء من مهمتهم الحكومية بل واحياناً كثيرة يشرعوا قواعد تنظيمية لتنسيق مجتمعهم وسياستهم باسم الدين ويتعاملوا معها بكل حيوية ونشاط.

7 – معظم الحكومات العربية مشدودة بحبكة في تشكيل الأحزاب السياسية. مثال على ذلك وزارات الداخلية أو اللجان الحكومية في كل من مصر واليمن وتونس والأردن لديها السلطة في تكوين أي حزب جديد والحكومات الخليجية وليبيا تعاملوا مع هذه القضية الخاصة بالأحزاب السياسية من اجل ربطها بهم أي ربطها بالنظام الحاكم ورئيسه.

8 – هناك سبعة عشر من أصل تسعة عشر حكومة عربية تطالب الصحف والمجالات المحلية الحصول على رخصة رسمية أو إجازة رسمية منها لكي تصدر بجانب ذلك وجود هيئة لرقابة المطبوعات تراقب كل ما ينشر فيها في احدى عشر حكومة.

9 – يعيش السوريون تحت نظام حكومة الطوارئ منذ عام 1963 والمصريين منذ عام 1981 والجزائريين منذ عام 2004 والفلسطينيين منذ عام 2007 والسودانيين منذ عام 2008. حيث تقوم حكومة الطوارئ انتزاع وتجريد المواطن من حقوقه الأساسية والشرعية مثل المثول القضائي بإحضار شخص للمثول بين يدي المحكمة او امر قضائي بالتحقيق في قانونية سجن شخص معتقل وحق التجمهر والتظاهر وتعطيل القوانين او توسيعها. ثم إن بعض القوانين تضمن حقوق أساسية مثل حرمة البيت وهناك قوانين غامضة عندما تأتي الى الحقوق الشخصية لكن هناك حقوق مضمونة متعلقة بالعقيدة الحزبية الحاكمة والاشتراكية المتبعّة في البلد والوحدة الوطنية.

10 – وفي تقرير هيئة الأمم المتحدة في عام 2008 ذكر ان التنظيم العربي لحقوق الانسان حدد سبع حكومات عربية وهي العراق وسوريا ومصر والسعودية والمغرب والأردن والكويت والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة تقوم بشكل منتظم بتعذيب السجناء داخل السجن أما الجزائر والبحرين والمغرب وتونس فإنها أقل ممارسة لهذا التعذيب بشكل كبير.

11 – المحاكم الأمنية الحكومية تعمل بشكل غير واضح في عدالتها وغير دقيقة إذ هناك إحدى عشر حكومة عربية تقوم بحجز وسجن الافراد خارج عن اختصاص المحاكم مثل البحرين ومصر والأردن ولبنان وليبيا والعراق وموريتانيا والسعودية والسودان وتونس واليمن.

      باختصار شديد لا توجد حكومة عربية واحدة تتسم بمستوى عالي من الرفاهية الاجتماعية إذ هناك سبع حكومات تمثل 8.9% من السكان الأصليين من أصل عشرين حكومة تمنح متوسط الرفاهية والباقي ضمن 91% من أصل عشرين حكومة تمثل مستوى متدني من الرفاهية بالنسبة للسكان.

      هذا ولا بد لي بعد هذا الاستطراد عدم مغادرة هذا الموضوع ما لم أوضح المفاعيل الحيوية التي وضعها الحاكم العربي لحماية نفسه وحكمه وموقعه سالباً حق الوجود العربي في مجتمعه وبلده ودولته (لا حكومته) ومجرداً وطنيته ليحل محلها ولائه لشخص الحاكم ومراقباً لحديثه وتصريحاته وتفكيره وعلاقاته السياسية ومعاقباً له إذا خرج عن الحدود الحكومي التي حددها له الحاكم من أجل حماية الحاكم من الفساد الذي يمارسه في المؤسسات الحكومية وسرقة المال العام وتبذير خزينة الدولة لتلميع صورته البشعة إذ يقوم بسجنه أو حجزه تحت قانون الطوارئ والاحكام العرفية إذا تجرأ وحاسب الحاكم وبطانته عن أي خطأ يرتكبه ضد الشعب والمواطن مع تقييده بقيود غير إنسانية في تنقله وسفره وعمله وتفكيره وحديثه العلني.

     أنهم حكام غير وطنيين لأنهم لم يتعاملوا مع العربي من زاوية الوطنية والوطن بل من زاوية الحاكم وفلسفته الفردية الشمولية المستهلكة لكل المصادر الطبيعية والبشرية في البلد ومستخدماً الجيش لحمايته من الشعب وليس لحماية الشعب من العدو الخارجي ومسخراً الأجهزة الأمنية لا لحماية المواطن بل لحمايته من أبناء شعبه الذي يحكمهم وعلى الجميع ان يقدموا الطاعة والاذعان له ولأسرته وبطانته فما يقوم به الحاكم من فساد يكون مسموح وما يصادر من حقوق سياسية وإعلامية تكون مجازة وما يحصل من استبداد سياسي وإجبار الأحزاب غير الحكومية يكون مقبول وغير مرفوض. اما الشيء المرفوض فهي المشاركة الشعبية في الأنشطة السياسية والحرية المدنية والمطالبة بحقوق الإنسان وإزاء كل ذلك حصل تراكم وتكدس للمسموحات والممنوعات على مرّ الزمن الأمر الذي أدى الى انفجار شعبي شبابي ضد الحاكم غير الوطني واللاإنساني والغير حضاري لأن الانسان يولد حراً ويعيش في أحضان اسرته وثقافته ومع استخدام التواصل الاجتماعي الحر مع العالم الاخر واطلاعه عليها أدى الى إنعاش توقه للحرية الإنسانية الطبيعية بعيداً عن الانحرافات الإدارية والقيادية والأخلاقية التي يمارسها الحاكم المفروض عليه بالقوة.

هل نستطيع بشكل دقيق وموضوعي محايد تعين وتحديد المفاعيل المسببة للثورات في العالم العربي؟

للإجابة على هذه السؤال علينا ان لا نتخذ موقفاً احادياً في هذا التعيين المحدد ونقول ان النظام الديكتاتوري هو السبب الرئيس في ذلك ونهمل باقي المفاعيل في انهاض المجتمع العربي من إركاعه وكظمه للغيض وخنوعه للظلم والاستبداد autocracy المستمر.

إلا انه من أجل التشخيص الدقيق والتشريح الحاذق علينا ان ندلف الى مدار العنصر البشري وما يحيط به من ظروف معادية ومؤلمة للعيش الطبيعي للبشر. ولكي أوضح ما جئت به انفاً استعين بما كان شائعاً بين وعند المؤرخين والباحثين الاجتماعيين والسياسيين عند ربطهم الثورات بالمتغيرات أو الفواعل أو الظروف الاقتصادية، مثال على ذلك حالة الثورة الفرنسية التي حدثت عام 1789 التي ربطوها بارتفاع أسعار الخبز خلال السنين التي أدت الى اندلاع الثورة واثبتوا بإن هذه الزيادة كانت السبب المباشر في تسبيب الثورة بذات الوقت كان هناك فريق اخر من الباحثين فسروا اندلاع الثورة الفرنسية الى تمزق المجتمع في فترة تحسن الظروف الاقتصادية.

      لكن كلا التأويلين لم يكونا دقيقين في تحديد اندلاع الثورة لأنهما كانتا أحادية التأويل والتفسير. مثال أخر نورده في هذا السياق وهو عدم تمرد الامريكان بعد وقوع الكساد الاقتصادي العالمي عام 1929 وانهيار الاقتصاد العالمي. كذلك لم يتمردوا في عام 1973 عندما حصل هبوط مفاجئ وحاد للاقتصاد بعد استشفاءه.  بيد أن حصول عدم عدالة وظلم وجور وفساد وقمع وبطالة وغلاء معيشة هي التي تؤدي الى اندلاع الثورة ضد نظام الحكم الذي يمارس هذه الممارسات اللاإنسانية.

     نردف الان وعلى هدى ما سبق الى المنطق التحليلي لما تقدم وهو بروز احداث غير متوقعة لعبت دوراً فعالاً في خلع الرئيس التونسي والمصري من السلطة وانهاض الجماهير الشعبية لتتحدى استبدادية الحكم وظلمه وجوره التي حفزت وحركت المعارضة الجزائرية واليمنية إلا وهي مواجهة هذا النهوض الجماهيري الشعبي من الأنظمة الحاكمة بإطلاق النار من قبل الشرطة والجيش على جماهير متظاهرة سلمياً لم تتحمل معارضتها ثم تبعتها جماهير السورية في اعتراضها على استبداد الحكم لدرجة ذهبت السلطات الأمنية الى اعتقال تلاميذ المدراس في القرى والارياف والمدن السورية مع قتل ابويهما وجيرانهما. مثل هذه المواجهات المسلحة من قبل الأجهزة الأمنية فجّرت المزيد من التمرد الشعبي في هذه الدول ومضاعفة توقعات الشعب بالثورة العارمة والشاملة وأخرين تساءلوا عن قوة هذه الأنظمة التسلطية والبعض الأخر تحدث عن الازمات والمشكلات الاقتصادية التي يعاني منها الشعب وبعضهم تناول موضوع الحرب الباردة التي اصابت العالم مع غياب الديمقراطية واحترام حقوق الانسان فيها.

         لكن إزاء هذه المواجهة الشعبية بدأت الأنظمة العربية المستبدة يهفت نجمها وتأفل قوتها مع تراجع توريث السلطة لأبناء الرؤساء، صاحب ذلك ارتفاع وتيرة سخط واستياء وتذمر الجماعات الإسلامية كل ذلك فاقم من حالات التنبؤ بنشوب الثورة فكانت هذه التنبؤات بمثابة إيقاف عقارب الساعة والبدء بتوقيت جديد يؤثر على البناء الجديد والتشييد الحديث لأنظمة ديمقراطية حرّه.

      إن سياق حديثي يلزمني الإجابة على السؤال الذي طرحته في بداية هذا الباب وهو أنه لا يوجد سبب واحد رئيسي لاندلاع الثورات العربية لشخص الحاكم نفسه او اسرته او استبداده او استئثاره بالسلطة او أوحديته في القيادة. فالظلم والجور والاستبداد وحده غير كافٍ للتمرد مالم يرافقه ويصاحبه مفاعيل أخرى لها صلة وثيقة بعيش الناس وعدم رفاهيتهم وعدم شعورهم ببناء مجتمعهم وتطويره علماً بإن علم الاجتماع المعاصر لا يأخذ او يعتمد على أحادية السبب في إحداث المشكلة او الظاهرة بل عدة أسباب متفاعلة لكي يتقرب من الموضوعية العلمية في تحديد ظهور المشكل. وقد شاهدنا الفرنسيين وتمردهم وهم في ظل الأزمة الاقتصادية وهذا يعني انه لا يمكن الأخذ بتأويل تمرد الناس وثوراتهم بسبب واحد يقع لكافة المجتمعات الإنسانية بل ولكل مجتمع ظروفه الخاصة التي يعيش فيها ونوع الحكم والمرحلة التطورية التي يمر منها ويعيش فيها والتغيرات المحيطة به.

     والعالم العربي الذي حدث فيه الربيع العربي لم يكن استبداد حكامه السبب الرئيسي في ايصاله للربيع بل كانت هناك عدة مفاعيل فيه مثل بطالة الشباب المتعلم وتقاليد عيشه العتيقة ذات الكلفة الاقتصادية العالية التي لا تناسب مع روح العصر وارتفاع مستوى المعيشة وغلاء اثمان السلع التي يحتاجها كل يوم في معايشة وتفاعل المجتمعات العربية بعضها مع البعض في نهوضها ووعيها ورفضها لاستمرار الظلم والجور. لذا فإن استبداد الحكام العرب وحده غير كافٍ لاستمرار التمرد والثورة لأن للحاكم أنصار وأزلام ومنافقين ومصلحيين من التجار والصناعيين والإعلاميين والمثقفين ورؤساء أحزاب انتهازية مستفيدة منه وجميعهم يقوموا بدعمه وتآزره في كل قرار يتخذه علاوة على امتلاكه للأجهزة الإعلامية المتطورة والأمنية والعسكرية لحراسته ولا ننسى ثروة البلد تكون تحت تصرفه دون حساب ومحاسبة أي يتصرف بها كما يشاء كل ذلك يجعل من الجماهير العربية خنوعه ومطيعه ونهوضها ووعيها وتمردها اشبه بالمستحيل.

      ديدني من هذا الاستطراد هو القول إن ثورات الربيع العربي لم تحصل بعفوية او فجأةً أو بسبب واحد بل تعدد وتراكم وتنوع الأسباب المعيشية على مرّ الزمن حصلت الانتفاضات الشعبية التي تحولت بعد وقت قصير الى ثورات جماهيرية سلميّه شبابية أدت الى خلع الرؤساء من مناصبهم وهذه أول تجربة ثورية عاشها المجتمع العربي في العصر الحديث. [العمر. 2018. ص. ص. 174 – 183]

2– الثقافة المهيمنة

كتب عن هذا العنوان محمد بن علي المحمود الذ ي قال فيه:

من الطبيعي أن يحاول كل تيار فكري فرض هيمنته الثقافية على كافة أطياف التنوع الثقافي في المحيط الذي يحاول التموضع فيه؛ لأن هذه الهيمنة جزء لا يتجزأ من طبيعته الملازمة له، بوصفه حراكاً ثقافياً يسعى – على نحو تلقائي، يفرضه المنطق الداخلي للبنية الثقافية – لتحقيق الانتشار والرواج، ومن ورائه، توجيه الفعل المتعين في البيئة الاجتماعية التي يمارس فيها فاعليته، لتنتقل سلطاته الفكرية المتعالية المجردة إلى سلطة فعلية تحاول توظيف المؤسسات المدنية لممارسة هيمنتها.

إذن، فالثقافة – أياً كانت – تسعى لتحقيق أكبر قدر من التنميط والهيمنة والتسلط والاحتكار الثقافي، الذي يقود بدوره، إلى التنميط والتسلط والاحتكار الفعلي في الواقع المتعين. وهذا النشاط الذاتي الذي تمارسه الثقافة لا تختص به ثقافة دون ثقافة، وإنما هو جزء من آلية الحراك الثقافي، حتى في أعلى صوره تفتحاً وتسامحاً وقبولاً للآخر، لأنه بشكل أو بآخر، ينطوي على محاولة للتعميم، قد تكون خافية، ولكنها – بالضرورة موجودة. ولا يشفع لها – أخلاقياً – إلا سلمية المحاولة التي تفتقدها كثير من أنواع الحراك الثقافي، ولا سيما إبان الهيمنة.

وإذا كان هذا السعي للهيمنة، أمراً طبيعياً في الحراك الثقافي بوجه عام؛ لأنه ممارسة للأبوية السلطوية الآمرة الناهية، ولو على نحو مسالم، فإن الأمر سيزداد سوءاً، والهيمنة ستكون أكثر حدية، والنتائج ستصبح أعظم وحشية، عندما تكون الثقافة التي تحاول الهيمنة ذات طبيعة قمعية في مضمونها، بحيث لا تقبل الآخر المختلف – أياً كانت درجة اختلافه – ولا تستطيع احتواءه كجزء من الكلي العام، إذ هو في تصنيفها القمعي، معتقل في دائرتها التكفيرية أو التبديعية أو التضليلية أو التفسيقية. وهي دوائر ليست هامشية في سياق الممارسة الفعلية لمثل هذه الثقافة، وإنما هي من أهم المفردات التي تكون العمود الفقري لخطابها. هذا، إن لم تكن هي المفردات التي تسوق بواسطتها مشاريعها الماضوية شعبوياً، عندما تجيش بها الهمج الرعاع، أتباع كل ناعق، كما وصفهم علي – رضي الله عنه – .

وبهذا، فما لم يكن المجتمع – أفراداً ومؤسسات – على درجة عالية من الحساسية تجاه كافة صور الهيمنة، والهيمنة الثقافية منها خاصة، فإن كل تيار فكري سيتسلل – لواذً – ليمارس قمعه الفكري، ونفيه للآخر، وسيحاول – على حين غفلة، وما وجد إلى ذلك سبيلاً – فرض ايديولوجيته الخاصة بكافة وسائل الإرهاب الفكري المدججة بكافة الأسلحة المادية والمعنوية، وسيمارس الحرب النفسية سراً وعلانية – متجرداً من الأخلاق الإنسانية العامة – حتى تتحقق له هيمنته التي يسعى إليها. ولن يبالي – من أجل تحقيق هذا الهدف – أن يسحق في طريقه، ما “يدعيه!” من قيم، وما يتشدق به من منطق، وما تختزنه ذاكرته من أدلة.

وإذا كان هناك من يعتقد أن الهيمنة الفكرية لتيار فكري محدد، في أي مجتمع، يمكن أن يحفظ الاستقرار لهذا المجتمع، فإن هذا – ابتداء – جهل أو تجاهل لأهمية جدلية الفكر في مسيرة الوعي، فضلاً عن الجهل بحقيقة الاستقرار، من حيث كونه تقبلا للمغاير، بوصفه موجودا كحقيقة موضوعية على أرض الواقع، ومن ثم، فإن نفيه – فكرياً – لا يعني انه أصبح معدوما. وهذا ما لا يعيه – أو لا يريد أن يعيه – أحادي الفكر في ممارسته لنشاطه الثقافي.

ومن الواضح ان في هذا دلالة على ان الاستقرار الذي ينتج عن هيمنة أحد التيارات الفكرية استقرار موهوم، يغتر به من لا يتبصر بما وراء جدلية الظواهر؛ لأنه – في الواقع الفعلي – ليس إلا تغييباً لموجود، لا يزال يطلب فرصته في الظهور، وإذا ظهر – تبعاً لمتغيرات الواقع الفعلي – فلا شك انه سيكون محملاً بترسبات الإقصاء السابق، مما يعني الوعي بالإقصاء سيكون محركه الأساس فيما يستقبل من نشاط.

ولعل أبرز مثال على الصهر الثقافي القمعي، وهيمنة الأفكار الشمولية الإقصائية ما فعلته الشيوعية، فقد كانت الشيوعية – كأيديولوجيا – تعي منذ البداية انها فكرة مؤدلجة، تسعى لتكون مهيمنة على الواقع المتعين، ومن ثم، فإن البعد الإقصائي كان ظاهرا فيها منذ أن كانت فكرة، مع انها ترى إقصاءها – كحال أية فكرة إقصائية – إقصاء مشروعًا، لأنه خاضع لقوانين الإنتاج والتوزيع التي قامت عليها فلسفتها، والتي تسعى من خلالها لتحقيق العدالة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فهي تراه رداً على إقصاء سابق تسعى للانقلاب عليه. وبهذا، سعت الشيوعية – كنظام شمولي – لتغييب كافة الأديان، وطمس معالم الثقافات المغايرة، حتى في مظاهرها الشعبوية، مع أن تلك المظاهر لم تكن تحمل أكثر من دلالات الهوية المغيبة.

بهذا التنميط المتعمد الذي مارسته الشيوعية، بعد ان تمكنت كثقافة، ظهرت المجتمعات الشيوعية وكأنها مجتمعات ذات ثقافة واحدة، تحتضن كافة أنواع المغايرة في تلك المجتمعات سلميا، بحيث لا تظهر تلك الأنواع المغايرة إلا لماما، وهذا بلا شك قد أبهج رموز الايديولوجيا الشيوعية، وأقنعهم – زيادة على القناعة الدوغمائية لديهم – بصلاحية الفكرة. ومع ان هذا كان هو الظاهر الذي يجري التسويق له، إلا أن الجميع كان يعي انها ليست إلا ثقافة مهيمنة غيبت – قسراً – ما سواها، وأن الثقافات المغيبة كانت تغلي من الداخل. ولذا جاء سقوط الشيوعية – كثقافة قبل أن تسقط كنظام – فرصة لظهور الثقافات الأخرى. معبرة بذلك عن وجودها، بعد أن ظن الكثير أن الموت طواها.

وإذا كان هنالك ما يمكن تعويضه، فإن انسحاق ملايين من البشر، لعشرات السنين، تحت هيمنة ثقافة أحادية، ألغت كل تنوع، ومارست كل إقصاء، أمر لا يمكن تعويضه بحال؛ لأنه لا يمكن تعويض الإنسان. ولا يبقى من كل هذا، إلا الدرس العميق الذي منحته هذه التجربة للإنسانية الأليمة، والذي لابد أن يكون حاضرا في الوعي الإنساني كافة، هو أن هيمنة الثقافة الواحدة سيؤدي – بالضرورة – إلى انسحاق الإنسان، تحت سنابك التطرف والإرهاب، طال الزمان أو قصر.

وإذا كان المثال الشيوعي مثالاً بعيداً في المكان، – وإلى حد ما في الزمان – فليس ببعيد ما حاولته إحدى الايديولوجيات الإسلامية المعاصرة في بداية الثمانينيات الميلادية، من تصدير متعمد للفكرة التي هيمنت على مجتمعنا فمكنتها من الهيمنة كسلطة فعلية، كي تصبح الفكرة ذاتها مشروعاً لتعميم الهيمنة. ولكنها تنبهت – وإن كان على نحو غير واضح – إلى أن الثقافة المهيمنة على مجتمعات ذات تنوع ثقافي بطبيعتها، لا يمكن أن تؤدي في النهاية إلا إلى التعصب الذي يغري بمزيد من الإلغاء والنفي، لمن هو – في الأصل – يتململ من قيود تلك الثقافة المهيمنة، ومن ثم، فلابد لهذا الملغى والمنفي أن يسعى للمحافظة على وجوده، وقد لا يجد سبيلا إلى ذلك غير التعصب المضاد، وهذا – بدوره – يؤدي إلى تقويض الثقافة المهيمنة التي أريد تعميمها، ولكن الجاهل عدو نفسه.

وإذا كان الإنسان يطغى، متى ما أحس من نفسه الاستغناء، فإن الثقافة كبنية لم – ولن – تكون خارج هذا القانون الطبيعي الذي يحكم الأشياء كما يحكم الأشخاص. ولقد وعى العالم الغربي المتحضر هذه الحقيقة التي نطقت بها حقائق التاريخ قديما وحديثا، فرسخ مفهوم التنوع الثقافي، وكان ازدهاره متساوقا مع خروجه التاريخي المبهر – وبجهد ذاتي خالص – من أحادية الثقافة، وهيمنتها القمعية التي نمطت تلك المجتمعات – ثقافيًا – لقرون عديدة. ولذا أصبح العالم المتحضر اليوم حذراً أشد الحذر من أن تهيمن ثقافة ما – أياً كانت – على ما احتفظ جاهداً به من تنوع، خاصة وأن الفترات “الاستثنائية” المعاصرة التي شهدت فيها بعض مجتمعاته نوعا من الهيمنة الثقافة أكدت له أن الكارثة ستكون أعظم، لكون الآليات التي ستستخدمها الثقافة في الهيمنة أكثر فاعلية، ومن ثم ستكون أكثر قمعاً ومأساوية، كما ظهر ذلك جلياً في التجربة النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا.

ومن هنا نستطيع أن نفهم سر الديناميكية التي تجلت في الحضارة الأمريكية المعاصرة، بحيث مكنتها من أن تكون أكبر منتج – مع أن الإنتاج ليس المعيار الأوحد للفاعلية الحضارية – في التاريخ الإنساني كافة. وذلك – في ظني – راجع إلى التنوع الثقافي الذي يطبع المجتمع الأمريكي ويرسم معالم هويته، إضافة إلى عوامل أخرى ليس هذا سياقها.

وهذا التنوع الثقافي الذي حظيت به الولايات المتحدة الأمريكية ليس تنوعاً في الثقافي المتعالي بوصفه منظومة أفكار يسعى لتفعيلها، وإنما هو تنوع يمتد في العمق الثقافي “بالمفهوم الأوسع للثقافة” لأنواع المهاجرين الذين لم ينقطعوا منذ أربعة قرون. انه تنوع غائر في أعماق اللاوعي الجمعي، قبل أن يكون تنوعاً في الثقافة الواعية، ومن ثم فهو تنوع في أعلى درجات التنوع. وهذا ما يفسر البعد الحيوي في الحياة الأمريكية كافة، بوصفه بعداً إيجابياً، كما يمكن أن تفسر به – من زاوية أخرى – ملامح السلب في الشخصية الأمريكية.

إن تعدد مراكز القوى الثقافية، وإعطاء كل ثقافة حيزاً في الحراك الثقافي العام، يضمن عدم انفراد أي تشكل ثقافي بالهيمنة؛ لأن انفراده سيؤدي بالضرورة إلى محاولة فرض ثقافته على بقية الثقافات الأخرى، وخاصة إذا كانت الثقافة ذات ملامح وثوقية. ولذا فإن السماح بحراك ثقافي يتجاوز قناعات الثقافة التي تطمع – بحكم شعبويتها – في فرض هيمنتها سيقلل من خطر أن تكون سلطة في الواقع الفعلي، تنفي ما سواها من الثقافات، وفي مسيرة هذا النفي الذي لن يتم دون ممانعة تمارس القتل والتفجير في كل ميدان. [http://www.alriyadh.com]

                         الفصل السادس 

                   الثقافات الفرعية وأنواعها

استهلال

6 / أ – ثقافة الشباب

     1 – خصوبة ثقافة الشباب

     2 – ثقافة الاحداث

6 / ب – ثقافة الحرب

     1 – الحرب مضمونها الثقافي

     2 – ثقافة الحرب الحديثة

     3 – منتجات ثقافة الحرب الحديثة

     4 – سان تسيو ثقافة تتخطى الحروب

6 / ت – النرجيلة…. وثقافتها الاجتماعية

6 / ث – ثقافة الفقر

     1 – نظرية ثقافة الفقر

     2 – الثقافة منتجة للفقر

     3 – التأثير السلبي لثقافة الفقر على المجتمع

     4 – هل ثقافة الفقر مسؤولة عن فقر الفقراء؟

     5 – المصالح السياسية وثقافة الفقر

                              الفصل السادس

                  الثقافات الفرعية وأنواعها

 

الثقافة الفرعية Subculture

نشاهد هذا التفرع الثقافي بكثرة ووضوح في المجتمعات الصناعية والحضرية الرأسمالية المتقدمة أكثر من المجتمعات الريفية والبدوية إذ نشاهد ثقافة فرعية خاصة بالطوائف الدينية والجماعات العرقية والمناطقية (الجيرة) وأطفال الشوارع والزمر الإجرامية في المدن الكبيرة والعواصم لهم معاييرهم الخاصة ولهجتهم ورموزهم وإشاراتهم اللغوية الخاصة بهم فضلًا عن أزياء ملابسهم ونوع طعامهم بل حتى أسمائهم ومناطق اقامتهم. كل ذلك لا يجعلهم منفصلين عن الثقافة الأم لأن أفراد الثقافة الفرعية يعيشوا في رحم المجتمع الكبير يمثلوا مقطعًا من مقاطع الحجم السكاني لهم انماطهم الخاصة بالآداب العامة والطرق الشعبية والقيم. إنها حالة حضرية صرفه لا تمثل مشكلة ثقافية ولا اجتماعية بل تعطي خارطة فسيفسائية لمكونات المجتمع الكبير والثقافة العامة التي تسمح للثقافات الفرعية بالتعايش معها لتبين بإنه مجتمع متروبوليتان متعدد الثقافات غير متعصب لأحد ولا متحيز للغير.

    ومن أجل استجلاء أكثر عما تقدم نقول بإن الثقافة الفرعية تعني ثقافة جماعة اجتماعية تختلف عن الثقافة المهيمنة، تختلف في زيها وملبسها وزينتها ولهجتها وتعابيرها اللغوية ولون هواياتها تعبّر عن أعضائها في عدم رغبتهم بالتماهي مع عناصر الثقافة المهيمنة أو بعدم قدرتهم بالتماثل معها، لديها موقف معارض مع معايير وقيم الثقافة المهيمنة. وغالبًا ما يحصل ذلك مع المهاجرين الجدد الى المجتمع المغاير عن مجتمعهم الأصلي جالبين معهم عناصر ثقافتهم الخاصة وهذا عادةً ما نشاهده عند المهاجرين من الريف للمدينة مكونين ثقافة فرعية خاصة بهم لا تتناغم مع إيقاعات وضوابط ومعايير الثقافة الحضرية حيث لهم وسائل عيشهم الخاصة بهم ولهجتهم وفنهم وذوقهم وطعامهم.

    أما في المجتمع الأمريكي فهناك ثقافة فرعية خاصة بالأمريكان من أصل أفريقي (السود) فشباب هذا الأصل ابتكروا موسيقى الراب hip – hop وRap

معبرين عن معارضتهم للهيمنة الثقافية المفروضة عليهم من قبل البيض أصحاب النفوذ لأنهم يشعروا بإنهم مهمشين ومستبعدين من قبل البيض. هذا الضرب من ضروب المعارضة أخذ أسلوب الموسيقى الفنية مم تم الاعجاب بها من قبل الكثير من الشباب البيض فانسلخوا من الثقافة المهيمنة مثل جماعة الأمش Amish وبعض الطوائف الدينية والجماعات الشعبية.

    لا جرم من القول بإن الجماعة الفرعية تتبلور عند الجماعات المعارضة للثقافة المهيمنة مثل الأقليات العرقية والرسية والدينية والثقافية معبرة عن عدم رغبتهم بالتماهي والتماثل مع هيمنة ثقافة القلّة المتنفذة والحاكمة.

   هذا ولا بد لي بعد هذا الاستطراد والتميز بين شقي الثقافة الاجتماعية الى ان أشير الى علاقة أبناء الثقافة المهيمنة مع أبناء الثقافة الفرعية لأنها ليست متكافئة بل تتنقل بين الاستعلاء والاحتقار والاستبعاد والاستصغار والتحدي والاستغلال والابتزاز لأن مرجعيتهم تستند على الإطار الثقافي المهيمن والمتسلط الذي يغذي كافة شرايين المؤسسات الاجتماعية في الجسد المجتمعي ولأن شعورهم بإنهم أصحاب نفوذ وثروة وسلطة شرعية وعلى الجميع من غيرهم أن يخضعوا ويخنعوا ويستجيبوا لهم.

   أما أبناء الثقافة الفرعية فهم على نوعين: الأول من الشباب المتمرد على معايير وقيم الثقافة المهيمنة رافضين التماثل والانضباط بها بل متحدين ومعارضين لها. لذلك يكون أبناء الثقافة المهيمنة محتقرين ومستصغرين لأبناء الثقافة الفرعية. ثم هناك ابناء الأقليات العرقية والرسيه والطائفية الذين يكونوا خانعين ومذعنين ومنصاعين لأبناء الثقافة المهيمنة بسبب شعورهم بإنهم من فاقدي النفوذ والسلطة والمال لذلك لا يتجرؤون على تحديهم أو معارضتهم. [Kandall. 2007. P. 43]

    وعلى الجملة، فإن لعلاقة بين أفراد المجتمع الواحد لا تكن متكافئة أو متساوية أو متوازنة في الحقوق والواجبات بسبب وجود اختلاف في عضويتهم الثقافية (المهيمنة والفرعية) وهذا عادةً ما يؤثر على تدرج مواقعهم ومكاناتهم الاجتماعية على التدرج الاجتماعي حيث يكون أبناء الثقافة المهيمنة في الطبقة العليا والوسطى وأبناء الثقافة الفرعية في الطبقة الوسطى والدنيا.

   ومن أجل استجلاء أكثر عما تقدم نقول بإن الثقافة الفرعية هي نمط عيش لجماعة اجتماعية تعيش في مجتمع كبير تتميز بنمط ثقافي يضم معايير قيمية واعراف وسنن تقليدية وآداب شعبية تختلف عن أنماط ثقافة المجتمع الكبير الذي تعيش فيه. هذا التفرع الثقافي والمجتمعي لا يكون مستقلاً وحرًا أو منفصلًا عن مجتمع الأصل بل يعيش في وسطه ويخضع له ولثقافته الشاملة.

    ومن نافلة القول ان أفراد الثقافة الفرعية – إضافةً الى نمط معاييرهم القيمية الخاصة والمختلفة عن نمط المعايير التقليدية للمجتمع الذي يعشوا فيه لديهم لهجة لغوية عامية خاصة بهم argot متضمنة رموزًا ومعاني خاصة لا يعرفها ولا يفهمها غيرهم حتى أفراد المجتمع الذي يعيشون فيه وهذا ما يمنحهم التماسك والتضامن والوحدة والحصانة والحفاظ على هويتهم وكينونتهم وخصوصيتهم لأنه لا يعرفها باقي افراد المجتمع. هذه الحالة تكون طاغية في الثقافة الفرعية للزمر الإجرامية وبالذات في الجريمة المنظمة أو الجماعات العرقية والطائفية والإقليمية التي تزيد من تميزهم عن الأغلبية أو أصحاب الثقافات الفرعية الأخرى لحمايتهم من الاعتداء عليهم لأنها تمثل جوهر خصوصيتهم. مثال على ذلك في الهند هناك ثقافة فرعية جديدة تبلورت عند الموظفين العاملين في شركات عالمية غير هندية مقرها في أمريكا وتتعامل مع زبائن لا يعيشوا في الهند بل في أمريكا وأوروبا موظفين يتقنوا اللغة الإنجليزية ويحسنوا اللهجة الامريكية تضم هذه الشركة موظفين مختلفين في ثقافاتهم من أجل تقديم خدمات تقنية للزبائن في أمريكا وأوروبا على اعتبارهم موظفين امريكان وان لا يجعلوا اللهجة الهندية تطغى على اللهجة الامريكية بذات الوقت عليهم ان يتبنوا ويتكيفوا لأسلوب العيش الغربي الأمريكي تحديدًا ويتصرفوا مهنيًا بأسلوب العمل وعاداته المتصف بالسرعة في الإنجاز والدقة فيه. يعني نمط العمل الأمريكي ويأخذ قسطًا من الراحة وتناول الطعام الأمريكي وليس الهندي وأن يرقصوا الرقص الغربي وليس الهندي وتلبية طلبات الزبائن عن طريق التلفون والانترنت مع التمتع بالعطل الأمريكي وليس الهندية مثل عطلة يوم العمال وعيد الشكر وأعياد السنة (الكريسمس) هؤلاء الموظفين يعرفوا بعضهم البعض أكثر مما يعرفوا أصدقاء من الهنود خارج الشركة يعني هم ليسوا احرارًا ولديهم الوقت الكافي لإقامة علاقات مع اخرين من الهنود. (أما لماذا هذا النوع من الشركات التقانية والتجارية الأمريكية تعمل في الهند وليس في أمريكا فالسبب يكمن في ان جدارة التقني الهندي من النوع الماهرة وأجور عملهم أرخص بكثير من التقني الأمريكي فضلًا عن الهروب من دفع الشركة ضريبة للحكومة الأمريكية).

ديدني من طرح هذا المثال هو ان هؤلاء الموظفين شكلوا ثقافة فرعية داخل المجتمع الهندي وأسلوب عملهم يختلف عن متطلبات الثقافة الهندية على الرغم من كونهم من الهند يتمتعوا بصفات خاصة بالشركة مثل الدقة في انجاز العمل وسرعة الأداء والاستمتاع بساعات وأيام العطل والإجازات الأمريكية وليس الهندية والتصرف بتصرفات أمريكية في المأكل والمشرب والرقص والغناء والعلاقات داخل العمل. أي تكيفوا مع الثقافة الأمريكية وهم ليسوا في أمريكا وليسوا من الأمريكان بل هنود يعيشوا في الهند إلا ان عملهم في شركة عالمية تتطلب ان يتصرفوا بهذا السلوك المتفاعل مع غير الهنود.

أخيرًا نقول ان هذه الثقافة الفرعية واجهت انتقادات كثيرة من الرأي العام الهندي لأنه تنصل عن ثقافة المجتمع الهندي. [Schaefer. 2009. Pp. 48 – 49]

6 / أ – ثقافة الشباب

على الرغم من اتصاف الثقافة بالعمومية الشاملة فإن هناك صفة أخرى لها وهي الخصوصية حيث هناك ثقافة عليا High culture تعكس حياة المستويات الراقية ومتميزة في سلوكها وتفكيرها نجدها عند الجماعات البرجوازية. وهناك تحديد للثقافة طرحه علماء الإنسان (الانثروبولوجي) وهو تحديد قديم مرتبط بالحياة البدائية والمجتمعات المتخلفة يطلق عليها الثقافة الدنيا Low culture تعكس مشاعر واحاسيس الناس في حياتهم الاجتماعية. معنى ذلك انه لا توجد ثقافة واحدة في المجتمع بل عدة ثقافات حسب نمط عيش الجماعات وبالذات في المجتمع المتحضر والصناعي (حيث هناك ثقافة خاصة بالاستهلاك وأخرى خاصة بالإنتاج وثقافة خاصة بالمراهقين وأخرى بالأطفال والشيوخ وهكذا) لكن هذا لا يعني ان الثقافة قد تفتت الى عدة اقسام أو فئات بل ان الجماعات الاجتماعية تفردت بسلوكها وتفكيرها ومواقفها ولهجتها ورموزها فلم تبقى على نمط عيش واحد.

    ومن نافلة القول ان الثقافة الفرعية احدى مكونات الثقافة العامة والشاملة للمجتمع وهي مكتسبة عن طريق التنشئة الاجتماعية التي تقوم بها ثقافة الجماعة الفرعية. لا جرم من الإشارة في هذا السياق الى ان علماء الإنسان سبقوا علماء الاجتماع في تعريف الثقافة الفرعية أمثال “تيلر” 1871 الذي عرفها بإنها المركب الجامع بين المعرفة والعادات المكتسبة اجتماعيًا ثم هناك “فيرث” 1951 الذي عرفها على انها سلوك اجتماعي مكتسب بينما “كروبر وكلاكهون” 1951 فقد استخلصوا تعريفًا واحدًا مستخرجًا من بين 160 تعريف أُخذ من العديد من علماء الاجتماع قالوا عنها بإنها تتضمن إنجازات مميزة للجماعة البشرية المتمثلة في التقاليد والأفكار والقيم والافعال الاجتماعية.

    لتوضيح هذا الموضوع المتنوع والمتعدد في المجتمعات الإنسانية يكون خير مثال عليه تناول المجتمع الأمريكي لأنه متصف بالتعددية Pluralistic الثقافية والعرقية والدينية مما تجعل هذه الخاصية المجتمعية عدم وجود معايير وقيم ومعتقدات واحدة تعكس المجتمع الأمريكي ككل ولجميع أفراد ثقافاته المتعددة مترجمة على سلوكيات ومواقف وصراعات الأفراد في المشهد الأمريكي. أقول لا يوجد نمط سلوكي واحد يجمع بين أفراد هذه الجماعات المتعددة الثقافات بدءً من الطفولة وانتهاءً بالرشد والبلوغ لكن على الرغم من ذلك هناك قواسم مشتركة بين شباب هذه الفئات العرقية والدينية قدمها لنا عالم الاجتماع الأمريكي المعاصر “بينت برجر Bennett Berger” وصف الخصائص النمطية للشباب دون ربطها بعمر محدد وهي ما يلي: –

1 – الاستمتاع بالحياة Hedonism

2 – حرية التعبير Expression عن المشاعر والأحاسيس والمواقف دون مراءات أو تحذلق.

3 – عدم القدرة على تحمل المسؤولية Irresponsibility

4 – التمرد على الواقع Rebellion. [Berger. 1972. P. 49]

   هذه الخصائص الشخصية للشباب الأمريكي تتواجد عندهم بغض النظر عن اختلافهم في الأعراق والأديان لا توجد عقوبات مجتمعية على هذه الخصائص من قبل الثقافة الاجتماعية الأمريكية.

لتفصيل ما جئنا به آنفًا عن خصائص الشباب الأمريكي وهو في مرحلة المراهقة وما قبل دخوله للكلية يكون ميالًا للاستمتاع للموسيقى وانتقاء الملابس الأنيقة والحديثة الطراز واختيار السيارة السبورت وسياقاتها ويستمتع للموسيقى العصرية – الشبابية ذات الايقاعات السريعة والصاخبة من الراديو أو الأسطوانات. هذه الميول تكون متأثرة بالمرحلة الإعدادية (المدرسية)وبثقافة عرقه وثقافته الرسيه والمنطقية السكنية التي يقطن فيها. بمعنى ان ذوقه الفني والاستمتاع للموسيقى تأخذ مساحة من وقته ولهوه واهتمامه ومن هنا يبلور الشباب الأمريكي ثقافته الفرعية تعقبها اختياره لأنواع معينة للمجلات المختصة بالرياضة والسيارات والفنون والمباريات الرياضية والشؤون السياسية المتطرفة والحركات الجماهيرية. هذه الاهتمامات والنزعات غالبًا ما تؤثر على إنجازه المدرسي حيث كلما زاد ميله نحوها هزل إنجازه المدرسي والعكس صحيح. وفي هذه المرحلة يبرز اعجابه بأبطال الفرق الرياضية ومشاهير الفنانين وكبار الموسيقيين إذا كان الشاب من البارزين بين اقرانه في المدرسة الإعدادية ويكون تضامنه وتعاضده مع أفراد الجماعة الرفاقية متماسكة جدًا وبالذات عند أبناء الطبقة الوسطى والمنحدر من أسرة نووية – صغيرة وبيضاء في جنسها وليس من الزنوج.

    أما شباب الشوارع فإنهم لا يعيروا أهمية للاعتبار الاجتماعي لأنه مفقود عندهم بسبب افتقارهم للمال والشحة الاقتصادية مما يدفعهم ذلك للاستمرار في علاقاتهم من أجل مواجهة مشاكلهم المادية والنفسية والاجتماعية.

هذا من جانب ومن جانب أخر، فإن شباب الشوارع يتماهو مع الصلات القرابية والجيرية في مجتمعهم المحلي فتكون عندهم العلاقات القرابية والجيرية في مجتمعهم المحلي فتكون عندهم العلاقات مركزية ويفتقروا للعلاقات المهنية لأنهم عاطلون على العمل ويمثلوا الجماعة الأولية التي تكون بمثابة المصفى الذي يصفي قيم المجتمع العام عندهم أي تنتفي معايير وقيم خاصة بها ليس لها صلة بأبناء الطبقة الوسطى أو العليا وهذا ما يجعلهم منبوذين من قبل شباب الكليات ومبعدين من قبل المجتمع وهامشين لا يعيشوا مع روح العصر لكن على الرغم من كل ذلك فإنهم ينخرطوا في الأنشطة السياسية وبالذات المتطرفة التي تطالب بتغير النظام الاجتماعي وسلبين تجاه الاعمال الجادة والمبدعة وطائشين ومتسرعين في مواقفهم السياسية.

    في الواقع، على الرغم من تنوع المجتمع الأمريكي الذي يعيش في ترف مادي وتطور تقني متقدم إلا انه يعج بالصراعات العمرية والجنسية والطبقية والعرقية.

1 – خصوبة ثقافة الشباب

   لأكثر من نصف قرن بدأ اهتمام علماء الاجتماع بدراسة ثقافة الشباب وكان أبرزهم عالم الاجتماع الأمريكي “تالكوت بارسونز” الذي حدد خصائص هذه الثقافة من زاوية شخصية وفردية وليس جمعية حيث قال عنها بإنها غير مسؤولة ومتمردة على الوالدين وتضم العابثين. في الواقع هذه الخصائص محصورة بالعمر الزمني للأفراد وهذا تحديد غير سليم لتحديد مفهوم الثقافة التي تتضمن المعايير والقيم والمعتقدات. بمعنى كان الأجدر تحديدها بعيدًا عن المرحلة العمرية للشباب لأنه ليس جميعهم عابثين أو متمردين أو غير مسئولين لأن الثقافة تتضمن مواقف جماعة معينة ومعاييرها وقيمها التي تعمل على تماسكهم وتضامنهم، ولأن الثقافة نتاج مصالح ومواقف واهتمامات جماعة أو مجموعة افراد وليس فردًا واحدًا. هذه الخاصية تجعل الثقافة أن تكون خصبة وحيوية وبالذات عند الشريحة الشبابية ذات النشاط المتنوع والمتدفق بالنشاط والعطاء.

2 – ثقافة الاحداث

هناك نوعان من الاحداث في المجتمع الأمريكي هما المراهقين والاحداث، كلاهما يصرفون ساعة واحدة كل يوم بالتحدث في التلفون مع أصحابه وساعتين في اليوم يستمعون الى الموسيقى الصاخبة ويرتادون السينما لمشاهدة أفلام حول الأشباح والأهوال الفظيعة والمهولة ويسمعون الروك اندرول، لكن أكثر من يصفهم يصرفون وقتهم بالدراسة وممارسة الجنس وسياقة السيارة وقراءة المجلات المتخصصة بالسيارات أو قراءة القصص المثيرة لكنهم لا يقرأوا الكتب الدينية ولا يذهبوا الى الكنيسة بشكل منتظم ومستمر ويضجرون من سماع او مشاهدة الاحداث السياسية ولا يعيروا أهمية لمعرفة حقوقه القانونية.

    أما في المرحلة الانتقالية من مرحلة الطفولة الى مرحلة البلوغ فإنها تتسم بالقلق والاضطراب السلوكي والفكري لأنها تخضع للنمو الجسمي السريع والنمو الثقافي السريع ايضًا ما تؤثر على سلوك ومواقف الشاب أو الشابة بسبب الحيوية التي يتمتعوا بها ورغبته أو رغبتها في الاستقلال الذاتي والبحث عن تكوين هوية شخصية له أو لها اتي تدفعه أو تدفعها نحو التحرر من سلطة الأبوين التي تولد عندهما أزمات حادة مثل عدم الاستقرار النفسي والفكري والاضطراب المزاجي بحيث تجعله يتقلب بين الاندفاع والانسحاب. أعني الاندفاع نحو تطلعات أفاقه وخيالية وانسحاب من الأنماط الثقافية والاجتماعية المعتادة والتقليدية أقول يتصارع مع نفسه ومع الإطار الثقافي الذي وِلِدَ فيه.

      وبسبب صغر سنهم تكون خبرتهم الحياتية والاجتماعية قليلة تباعًا لأن انخراطهم في مناحي وجوانب الحياة محدودة وقليلة مما تحدد خبرتهم فتجعلهم سذج في الشؤون العلائقية. لذلك نجدهم مندفعين في سلوكهم وجريئين في   تصريحاتهم وعفويين وحيويين ومغامرين بذات الوقت فهم سريعي التعلم والاكتساب للعادات والمهارات لذا نجدهم يميلوا للبحث عن المجهول والأشياء الغامضة أكثر من بحثهم عما هو مكرر ورتيب ومستقر.

   هذا من جانب ومن جانب أخر، فهم يعوزهم الانتباه والحذر فيما يقدمون عليه لأنهم مدفوعين بالتباهي بنشاطهم لإثارة الأخرين من حولهم. كل ذلك يجعلهم قليلي الخبرة والدراية والمعرفة بجوانب الحياة العامة.

6 / ب – ثقافة الحرب Culture war

  بادئ ذي بدء نميز بين ثقافة الحرب والحرب الثقافية إذ تعني الأخيرة معركة الصراع في السيطرة على عقول البشر تلك هي الحرب الباردة التي تقوم بنشاط سري جدًا ناعمة وساكنة في اذهان الناس وقد لا يشعر بها الكثيرون لأنها لا تحتاج الى عناء حربي من مدافع وطائرات وقنابل القصف، هي حرب أشد نعومة وأقسى فتكًا ودمارًا لأنها حرب على المقدسات والعادات والتقاليد واللغة والتراث. جنودها لسوا ضباطًا عسكريين وقياديين إنما كُتّاب ومثقفين وأدباء وسياسيين وفنانين من أجل طمس الهوية الوطنية في إثارة النعرة الطائفية والحزبية وأساليب التربية والتعليم.

انتقل بعد ذلك لشرح ثقافة الحرب التي تعني سرطان الحضارات كما عبّر عنها المؤرخ البريطاني “ارنولد توينبي” لأنها ثقافة صراعية، ونحن نقول عن الحرب بإنها حالة ثقافية وفكرية على الصعيد المجتمعي وليس الفكري لأنها توحد أفراد المجتمع لكي يقدر ان يواجه الخطر الخارجي الواقع عليه وان يطيع القائد العام أو رئيس الدولة. وإزاء هذه الحالة تتبلور ثقافة تُمجد وتُحمّد القوة والبطولة والبسالة وحب الوطن والتضحية والاستشهاد في سبيله فتطلق الأناشيد الوطنية الحماسية ويتبارى الشعراء وتنطلق أقلام المثقفين في الدعوة للوحدة الوطنية وتحقيق الانتصار على العدو فضلًا عن الوسائل الإعلامية التي تنشط في إعطاء صورة مجسمة ومكبرة عن قوتها وحكمة قائدها وطاقاتها العسكرية مشجعة على التضحية في سبيل الوطن.

    هذه الثقافة مستقلة عن ثقافة السلام والثقافة التراثية الموروثة والثقافة الأسرية والمدرسية. انها ثقافة السلاح التي لا تعرف المشاعر والاحاسيس الإنسانية لأنها تؤمن بالتضحية والقوة والانتصار على جيش الخصم. أما تقنياتها المادية فهي الأسلحة الثقيلة والخفيفة والآلات التوثيقية الحديثة مثل كاميرات الديجيتال والأقلام والساعات اليدوية وأجهزة الهاتف النقال والطائرات بدون طيار لمراقبة الأعداء عن بُعد والروبوتات. أما المعنوية فتشمل الاستخباراتية والأمنية.

لا جرم من الإشارة في هذا السياق الى المخرجات الجديدة للحرب الحديثة أبرزها:

1 – الجماعات الإرهابية.

2 – الجريمة المنظمة.

3 – ميليشيات مسلحة.

4 – تجارة الأسلحة والمخدرات.

5 – بروز امراء الحرب.

6 – المرتزقة.

7 – غسيل الأموال القذرة.

8 – تسلل المخابرات الأجنبية.

9 – ظهور محاربين مأجورين مجندين لا يمثلون الدولة يديرون الحرب بطريقة لا مركزية.

10 – تخرج الدولة عن سيطرتها.

11 – نشاط مكثف للسوق السوداء.

12 – شيوع الفساد في المؤسسات الرسمية.

وهنا نقول ان ثقافة الحرب تمثل غزيرة العدوان تعكس ذهنية الأفراد والجماعات التي تنعكس على السلوك التي تساعد على فهم مسار الحرب ونتائجها. أنها ثقافة الولاء والوعي الفردي والتربية المكتسبان من الأسرة والمدرسة وكل ما له علاقة بالنظر الى العالم الأخر ويعكس بالضرورة على سلوك الأفراد في الحروب بين الدول والحروب الأهلية وثقافته حول الموت وما بعده ونظرتها الى المقدس والمدنس.

    هناك العديد من علماء الاجتماع ممن جذَّروا ثقافة الحرب بالمصدر البيولوجي وهي غريزة العداء عند الإنسان (المحبة والكره) ونفسية (كالعاطفة والوجدان) وهذا المصدران في نظر “جورج سيمل Georg Simmel” عالم الماني قديم عاش ما بين (1858 – 1918) يولدان تضامنًا اجتماعيًا ليحافظ على بقاء المجتمع وعدم تفككه. أما “ابن خلدون” و “كارل ماركس” فإنهم ينظروا الى الحرب بإنه أحد أوجه الطبيعة البشرية الموجودة في المجتمع الإنساني سببها العصبية القبلية (عند أبن خلدون) وطموح القبيلة الى الملك والسيادة والكفاح من أجل العيش والتمدن والتحضر. بينما ربط “ماركس” الحرب بالعامل الاقتصادي وليس بالغريزي بيولوجي أو تعصبي. [العمر، 1982. ص. 25]

   بعد هذا الاستهلال ندلف الى مدار معززات ونماذج من ثقافة الحرب كأحد اشكال الثقافة الفرعية وهي: –

1 – الحرب مضمونها الثقافي

 “الحرب الثقافية” هي معركة الصراع في السيطرة على عقول البشر، تلك الحرب الباردة التي تقوم نشاط سري جداَ، هي حرب ناعمة ساكنة قد لا يشعر بها الكثيرون فهي تعمل كالدبيب في صمت دون أن ننتبه لها، قد تكون في أي مكان نتواجد فيه “مدارس – مستشفيات – دوائر حكومية – دور أيتام – جامعات – معاهد – وحتى الأسواق.”

هي حرب تستخدم الثقافة لتغيير أذهان البشر، هي حرب  لا تحتاج إلى عتاد حربي من مدافع وطائرات وقنابل  القصف ورشاشات ، هي حرب اشد نعومة واشد فتكاَ ودماراَ ، هي حرب على المقدسات والعادات والتقاليد واللغة والتراث.جنودها ليسوا ضابطًا عسكريين وقياديين يحملون رتبًا عسكرية ونياشين، وإنما كتاب ومثقفون وأدباء وسياسيون سابقون وعلماء دين وفنانون ، ممن يمتلكون شعبية عالية بين الناس . وترسانة هذه الحرب ليست مدافع و صواريخ وأسلحة بيولوجية وكيماوية،  بل كتب وصحف ومجلات وإذاعات وقنوات فضائية  ودور نشر وترجمة وندوات ومحاضرات ومؤتمرات وجامعات ومعاهد ومدارس ،ومهرجانات وجوائز فنية وثقافية للترويج لمصطلحات رنانة كــ “الحرية الفكرية – حرية التعبير – حرية الرأي والإصلاح الاقتصادي … وغيرها “وهي مبادئ عامة يصعب الاختلاف بشأنها لأنها تبدو بشكل كلي وكأنها في صالح البشرية، بيد أن الحقيقة على النقيض من ذلك تماماً.  والهدف من هذه المصطلحات أو بالأحرى من هذه  الحرب ليس احتلال الأرض وإنما احتلال العقل وتشويه كل ما هو جميل لديه وتهدف إلى استبدال ثقافتنا بثقافات أخرى.

وعدونا  يكرس موارد واسعة من أجل برنامجه السري  للدعاية الثقافية “كما يدعي” باسم الحرية، يرتكز على الحرية الثقافية وحرية الرأي والتعبير “كما يدعي ايضاً”. فإنه يحاول دائما اختراق ثقافة البلدان التي تود السيطرة عليها من خلال إنشاء جمعيات ثقافية وتمويلها بطرق مباشرة وغير مباشرة و تجنيد النخب الثقافية والعلمية للسيطرة على عقولهم وتوجيهها .

الهدف الأكبر للعدو من وراء هذه الحرب الثقافية هو طمس هويتنا وقيمنا وعادتنا وتقاليدنا وتراثنا ومعتقداتنا ، وتشويه صورة ديننا وانتصاراتنا وأبطالنا وأمجادنا وأجدادنا وتدمير آثارنا وتاريخنا بأكمله وتشويه صورته .

ولديهم هدف آخر هو استبدال ثقافتنا بكل ما هو متخلف ليسهل عليهم  احتلال ارضنا وتقسيمنا والسيطرة علينا. وهذا ما نراه من نداءات بعض أذناب الغرب في بلادنا إلى التبعية الفكرية للغرب وأن تمسكنا بماضينا وحضارتنا وقيمنا وثقافتنا هو سبب تخلفنا، ينادون بالتحلل والإباحية يردون منا ترك قيمنا وديننا وتعالمنا وعاداتنا وتقاليدنا الموروثة ،وراء ظهورنا ونلهث نلهث وراء الغرب، وهي دعوة خبيثة تهدف إلى التخلي عن الأخلاق والتربية والأدب  .

تمويلات ضخمة لتغيير الحقائق

وللحرب الثقافية مجالات عديدة ومتنوعة منها التعلمية والتربوية والإعلامية والفنية وغيرها .وخير شاهد عليها ما نراه اليوم من غزو فكري، هو الإعلام الموجه الإخباري والفني، فالقنوات الفضائية الاخبارية والفنية هي شريكة في الحرب والقتل والدمار ، تلك القنوات المدفوعة الثمن التي تنشر كل ما هدفه التدمير والتخريب وتمزيق البلد والتفريق بين أفراد الشعب الواحد، وخاصة القنوات الطائفية التي تعتبر أخطر من أي نوع من أنواع الاسلحة الفتاكة .

وكذلك القنوات الفنية التي تعتمد على التعري وإثارة الغرائز والعلاقات الأسرية التي لا تمت إلى مجتمعنا باي صلة ” المسلسلات المدبلجة ” . فالأعداء يتدخلون في مراحل الإعداد للأفلام والأعمال الفنية والمسرحية بالحذف والتغيير والإضافة وفق إستراتيجية محددة في أذهانهم قائمة على زرع أفكار الكراهية والحقد بين مكونات الشعب السوري وبين الشعب وقيادته عن طريق تزوير الحقائق واللعب في الاخراج والمكياج وغير ذلك ، وذلك بالاستعانة بفنين عاميين ومخرجين أيضا مأجورين ، حتى يكاد المشاهد يصدق أن الذي يراه حقيقة وليس صناعة سينمائية وخدعة .

 تلك القنوات التي تصلها الملايين من الدولارات على مدار الساعة لتبث أفكار يريدها العدو الذي يمولها ويمول كل طرف من اطراف الغزو الثقافي “وهذا يلاحظ في نوعية الاخراج والارسال ومستوى البث الفضائي” وهدفها عدم تقديم المعلومات الى المتلقي كما هي  عن طريق إجراء التعديلات في النص أو في الصورة بشكل مدروس و منهجي مما يؤدي الى تغيير في المفاهيم.

وهذا التغيير يقد ينجم واقع جديد لا علاقة له بالواقع الحقيقي، وذلك بهدف خدمة العدو.

أما في مجال التربية والتعليم في المدارس والجامعات، فالحرب الثقافية هنا هي الأخطر لأنها تتعامل مع أطفال وناشئة وشباب ، تأتي هذه الحرب أو الغزو الثقافي تحت شعارات خداعة زائفة براقة ينخدع بها الكثيرون، تحمل شعارات لا يُختلف على إنها في صالح البشرية، غطاء هذه الحرب هي العلم والمعرفة والتمدن والحرية الفكرية والديمقراطية والعدالة والإصلاح الاقتصادي وحقوق الإنسان وحقوق المرأة والطفل، وهو ما يمكن أن نسميه وضع السم في العسل .

ما من شك بأن ليس هناك على الأمة من خطر أقوى من أن تجد تاريخها الفكري والثقافي والفلسفي والأخلاقي يتعرض لأكبر خطر في الوجود ، فما نشهده اليوم هو أن  أنظمة ديمقراطية تنادي بالحرية وحقوق الإنسان ، وبالمقابل تتولى تهديد البشرية .

ولنا أن نتصور ما يجري في بلدنا منذ خمس سنوات تقريبا من تدمير لكل ما هو حضاري وزرع افكار هدامة ومصطلحات طائفية مدمرة، حتى فرض نوعية اللباس ولونه  وطريقة العبادة والتدخل في كل ما هو شخصي، والغريب في ذلك ان ما يفرضوه اليوم يبعث على التخلف والانغلاق الثقافي.

فمن هؤلاء الذين أتوا إلينا من كافة أصقاع الكون ليرون أن ثقافتنا شراً خطيراً، فيتولون معاقبتها ومعاقبتنا؟ ومن هؤلاء  الذين تحوَّلوا إلى قوَّة عظمى، فصاروا يمثِّلون الحق والعدالة ؟؟؟

الثقافة سلم، وسلام وحرية، معرفة وادب. فلماذا يامن تدعون الثقافة  وتطالبون بالحرية تمارسون عليها العنف ؟؟؟ ولماذا يامن تدّعون الثقافة لا تستخدمون عقلكم وثقافتكم وأدبكم في الحفاظ على تراثنا الحضاري وعاداتنا الأخلاقية؟؟  لماذا لا نحافظ على الماضي ونسعى الى مستقبل افضل بالبناء وقبول الآخر وليس بالدمار وقتل الآخر والسير وراء شعارات رنانة لا تعرفون ما خفي من وراءها؟؟

فالثقافة مثلها مثل علم الفلسفة والمنطق فهي تدخل في شيء وهي صفة تستخدم في جميع الميادين، في الحرب هناك نوع من الثقافة – ثقافة التدمير والانتماء إلى الأعداء، وآخر ثقافة المقاومة والانتصار على الأعداء والانتماء إلى الوطن

[http://www.alboselh.net]

2 – ثقافة الحرب الحديثة

 يتطرق المؤلف في كتابه Wired for War”” الى هذا النوع المحدد من الحروب الحديثة، وهي الحروب التي تعطي فيها الاوامر وشن الهجوم بالتحكم عن بعد، ذلك ان التكنولوجيا الحديثة والمتطورة التي دخلت حروب القرن 21، والصورة التي ظهرت عليه، والنتائج التي ترتبت علي ذلك، كما حدث في حرب العراق وافغانستان، او حرب اسرائيل علي غزة هي التي دعت الكاتب لان يبحث في هذا المجال ويقدم كتابه الشيق.

“بيتر سينجر” مؤلف الكتاب هو نفسه طيار سابق وخبير عسكري وضع رؤيته بشكل مهني مما جعل للكتاب اهمية فهو يري ان الحرب الحديثة التي تعتمد علي القتل عن بعد باستخدام التقنيات الحديثة باتت تشكل مسألة اخلاقية، وهي مازالت محل دراسة ونقاش لا يتوقف من جانب الخبراء ولجان حقوق الانسان، ذلك ان الانعطافه التي جنحت اليها التكنولوجيا الحديثة في طريقة قتل البشر او من ناحية ان الحرب لم تعد حربا نظامية كما كان معروفا عنها بالقتال بين جيشين متقابلين، يقول الكاتب ان مصطلحات واعداء جدد دخلوا قاموس الحرب مثل الحرب ضد الارهاب او الحرب الدينية، ولم يتوقف الامر علي هذ التفسير لهذه المصطلحات، فمن جهة أخري بدأت الجيوش لاسيما الجيش الامريكي من الاستعانة بالشركات الأمنية الخاصة علي غرار شركة بلاك ووتر الأمريكية سيئة الصيت.

يستند الكتاب في جوهره علي الحقيقة المزعجة التي يمكن ان تؤدي اليها الحروب، ويأخذ الشريط التسجيلي المصور الذي تم تسريبه الي الموقع الاليكتروني فيكي لاكس والذي تم عرضه في شهر ابريل الماضي كدليل علي قذارة الحرب الاليكترونية المصورة فالشريط الذي عرضه الموقع سبب صدمة كبري للعالم، وكانت صورة حية كشفت عن تردي الاخلاق في الحروب، صور الشريط قائد مروحية امريكية وهو يفتح النار علي مدنيين عراقيين عزل في عام 2007 بشكل فاضح ومريب.. يقول الكاتب في ذلك العام رصد قائد المروحية الامريكية هذه المجموعة من الناس في أحد شوارع بغداد، ومن ثم طلب الاذن من قائده بالتعامل معهم ويفرد الكتاب اقوال الطيار التي رافقت التسجيل بصوته وهو يقول هل تسمح لي سيدي بفتح النار؟ اسمح لي بذلك؟ ثم اخذ الموافقة وفتح النار وقتل المجموعة البريئة ثم تلي ذلك صوته وهو يقول انظر الي هؤلاء الاوباش الممددين علي الارض!

يؤكد الكاتب في هذا الشأن ان توثيق الحروب اتخذ اشكالا جديدة في التطور التكنولوجي الحادث في العالم فالتوثيق لم يعد مقتصرًا علي جهة معينة فيمكن لأي جندي او عامل في الجيوش من توثيق ما يحدث بكاميرات الديجتال او الاقلام او ساعات اليد او اجهزة الهاتف النقال، ان تسريب بعض هذه التسجيلات في السنوات الماضية هو اكبر دليل علي هذا التطور في امكانية فضح الاعمال الحربية المنافية للأخلاق ويري المؤلف ان تسريب هذه الاعمال فضح اخلاق العسكريين وسبب صدمة للعالم من جراء ما يحدث من عنف ووحشية وتدني اخلاقي.

من ناحية اخري يفند الكاتب تقنيات الحرب الحديثة ويقول انه اصبح بمقدورها حماية العسكريين من الموت ومن اخطار المجابهة مع العدو، وهذا يعود فقط علي من يملك هذه التقنية المتطورة ويري ان الولايات المتحدة الامريكية اصبح بمقدورها حماية جنودها بشكل آمن وكبير ويقارن في هذا المضمار بين الحروب القديمة والحديثة ويقول ان الحرب الحديثة اصبحت آمنة للجنود وحياتهم اصبحت بعيدة عن الخطر ويفرد عدد من صفحات الكتاب لإبراز مصادر هذه الحماية التي تتلخص في استطاعة القوات المهاجمة من تحريك آلاتها الحربية بعيدا عن عيون الاعداء ومن ثم استخدام الطائرات التي تطير بدون طيار لمراقبة الاعداء علي بعد مئات الكيلومترات وقتلهم بكل دقة اذا لزم الامر ذلك دون اللجوء الي المجابهة وجه لوجه.

خبرة المؤلف كمستشار عسكري في واشنطن وخبرته العسكرية الواسعة وخبرته ايضا في مجال الحرب الحديثة ساعدته كثير في اعداد دراسة ضمنها كتابه عن مؤسسة بلاك ووتر الخاصة سيئة السمعة والتي شاركت في حرب العراق وافغانستان والتي تقوم الولايات المتحدة الامريكية باستئجار خدماتها نظير عقود يتفق عليها أحد اهم اجزاء الكتاب ايضا هو ما طرحه سينجر عن امكانية وجود اخلاق في الحرب الحديثة، وما مدي مشروعية الاسئلة التي تتعلق بالأخلاق والحرب ومن الذي يحق له شراء الاسلحة اللاسلكية الحديثة التي تقتل بكفاءة عالية عن بعد ومن يسمح له ايضا في استخدام الكاميرا لتوثيق الحرب ومن ثم مشروعية الاسئلة الاخلاقية والعادلة التي من حق البشر طرحها، كما يطرح هو نفسه اسئلة علي سبيل المثال من حقه شراء الاسلحة اللاسلكية والروبوتات التي يمكن ان تقتل عن بعد؟ من حقه ايضا استخدام الكاميرا بأشكالها المتعددة وقيامه بتوثيق الحرب؟ هل باستطاعة كل فرد ذلك؟

وينتقل المؤلف الي جانب اخر في الكتاب ويتحدث بإسهاب عن المشاكل والتعقيدات التي نجمت اوقد تنجم من الاشارات الخاطئة التي قد تسببها الروبوتات في الحرب العسكرية ومن يتحمل المسؤولية آنذاك، خاصة وانه يؤكد ان برمجة هذه الآليات قد لا تخلو من نسبة خطأ وهنا يكون السؤال من اذن الذي عليه تحمل هذا الخطأ؟ هل هو من قام بتشغيلها ام الذي اعطاها الاوامر ام الشركة المصنعة.. انه يري ان الحقيقة يمكن ان تغيب بتشتتها بين كل هذه الجهات. انه يري ايضا انه بصرف النظر عن الجوانب الاخلاقية المتعلقة بالحرب فان الحرب عن بعد ستكون لها نتائج كارثية خاصة اذا ما رافقتها صور وشبهها بالأفلام الاباحية اذ ستكون ضد الاخلاق والضمير. [https://elaph.com]

3 – منتجات ثقافة الحرب الحديثة

   هل تطورت عمليات الجماعات الإرهابية والمنظمات الدولية للجريمة المنظمة الى الحد الذي أوجد بينها تداخلًا بحيث أصبحت معًا بمثابة شبكة مصالح تجمع بينها عناصر مشتركة في أساليب نشاطها في دول متعددة؟ وهل جعل منها هذا التداخل ساحة مفتوحة أمام مخابرات القوى الخارجية لتتحرك داخلها من خلال عملاء مستثمرين يشعلون حماس الإرهابيين للقيام بعمليات دموية تخدم في النهاية مصالح هذه القوى بحيث تحولت هذه المنظمات الى أدوات في أيدي المخابرات الأجنبية بعضها من دون وعي وبعضها يعرف ما الذي يفعله؟

   هذه التساؤلات قفزت أمامي اثناء قراءتي كتاب “مشكلات في السياسات العلمية للقرن الواحد والعشرين Issues in 21st century world ” والذي شارك فيه عدد من أساتذة العلوم السياسية والعلاقات الدولية من أوروبا وأمريكا وآسيا، وركزت فيه على الجزء المنشور بعنوان الحروب القديمة والجديدة للبروفيسور “مان جيلنجنسورث” أستاذ العلاقات الدولية وواحد من أبرز خبراء علم الحروب الجديدة.

     ومن خلال عرضه تشعر وكأنه يضعنا أمام الملامح الدقيقة لعمليات الإرهاب الجارية في سيناء، وفي غيرها بتشخيص علمي سجله هذا الكتاب الصادر عام 2010 قبل ان تشهد سيناء تصاعد الإرهاب بالشكل الذي وصل اليه بعدها.

بداية يشرح الكتاب تطور الحروب الى المحلة التي أصبحت عليها الان ويقول: خلال الفترة ما بين توقيع معاهدة “وستفاليا” عام 1648 والتي أسست لقيام الدولة القومية الحديثة وحتى نهاية الحرب الباردة عام 1989. كانت الحروب عامة تشترك في عدد من الخصائص فالجهة الرئيسية في الحرب هي دولة. وهي التي تمولها وتنسق خططها والطرف الفاعل فيها جيش محترف. وكانت هذه الحروب قواعد يلتزم بها المتحاربون تشمل أشياء عديدة منها عدم استهداف المدنيين، وطرق معاملة أسرى الحرب.

   وفي السنوات الأخيرة اتفق كثير من الخبراء المتخصصون على ان هذا الشكل للحرب قد تغير وحدث تراجع في حرب الدولة، بسبب عوامل متعددة بما فيها العولمة وانتشار وسائل الاتصال والتكنولوجيا الحديثة.

وظهرت ثقافة جديدة للحب تعكس نوعيات الحروب الأهلية ووجود محاربين ليسوا دولة ولا يمثلونها، ويديرون حروبهم بطريقة لا مركزية. وفي خروج على الدولة وسيطرتها. وهم عبارة عن مليشيات مسلحة وتجار سرح ومحترفي الحروب أو ممن يسمون أمراء الحرب وعصابات الجريمة المنظمة والإرهابين المحترفين.

وتكشف ثقافة الحروب الجديدة ان هؤلاء لا يوجهون سلاحهم ضد أعداء دولتهم بل ضد جيش الدولة وضد سكان مدنيين ويكون قصدهم هز هيبة الدولة. وهؤلاء يعتمدون في تمويل نشاطهم على النهب، والسرقة وخطف رهائن، وتهريب السلاح، والمخدرات، وتهريب الوقود، وغسل الأموال.

    وتكشف ثقافة جديدة للحرب تعكس نوعيات الحروب الأهلية ووجود محاربين ليسوا دولة ولا يمثلونها ويديرون حروبهم بطريقة لا مركزية وفي خروج على الدولة وسيطرتها. وهم عبارة عن مليشيات مسلحة وتجار سلاح ومحترفي الحروب أو ممن يسمون أمراء الحرب وعصابات الجريمة المنظمة والمرتزقة والإرهابين المحترفين.

   وتكشف ثقافة الحروب الجديدة للحرب، ان هؤلاء لا يوجهون سلاحهم ضد أعداء دولتهم بل ضد جيش الدولة، وضد سكان مدنيين ويكون قصدهم هز هيبة الدولة. وهؤلاء يعتمدون في تمويل نشاطهم على النهب، والسرقة وخطف الرهائن وتهريب السلاح والمخدرات وتهريب الوقود وغسل الأموال.

هذا التشخيص الذي استخلصه المؤلف من تجارب عملية يضعنا مباشرةً أمام ما يحدث في سيناء فكل هذه المواصفات تنطبق على سلوك جماعات الإرهاب هناك.

لقد اتسع نطاق العلاقات بين مختلف التنظيمات الخارجة عن القانون، بخاصة بسبب شدة احتياجها للتمويل. والكل يعرف ان التنظيمات المسلحة في أفغانستان، كانت قد توسعت في تجارة المخدرات والإتجار فيه. وما ظهر بعد ذلك من تورط منظمات إرهابية في مناطق أخرى في تجارة المخدرات لتمويل عملياتها. ولأن الأطراف التي تنوع نشاطها في مجالات السلاح والسرقة والمخدرات وغيرها قد سهلت لعملاء المخابرات الأجنبية التسلل اليها واقتحامها. وتستر بعضهم تحت دعوى تبنيهم فكر جماعات الإرهاب وخصوصًا القاعدة.

   وعلى سبيل المثال فقد نشرت صحيفة (بلتيمور صن) الأمريكية، أن المخابرات الأمريكية ضاعفت نشاطها في الخارج لتجنيد جواسيس. وأن الكونغرس قد ضغط من أجل اختراق المنظمات الإرهابية بخاصة في الشرق الأوسط. كما أن لجنتي المخابرات بمجلس النواب والشيوخ قد ناقشنا هذه المسألة.

وجاء في دراسة للكاتب “ف. روستمان” أن تجنيد عناصر جديدة كمصادر للمخابرات هو الهدف الأساسي لضباط المخابرات المركزية، وأن هذه المهمة هي أول ما يتعلمه في البرنامج السري دورة التجنيد. بالإضافة الى ذلك فإن الموساد الإسرائيلي يتباهى باختراقه الجماعات الإرهابية العربية. وان اختراق تنظيم القاعدة ظل على قمة أولويات الموساد طوال فترة التسعينات.

إن منظمات الإرهاب التي اتسع نشاطها في بلادنا أخيرًا والتي تداخل نشاطها مع منظمات الجريمة المنظمة وتجار المخدرات والسلاح في إطار شبكة مصالح دولية تتجاوز الحدود، وقد تحولت الى أدوات في يد مخابرات دول أجنبية تحقق لها مصالحها في بلادنا العربية، سواء كانت هذه المنظمات تدرك حقيقة الدور الذي يقوم به أو انها جاهلة به، وهي منخرطة فيما أصبح يعرف بالحروب الجديدة.

[www.alkhaleej.ae]

4 – سان تسيو…. ثقافات تتخطى الحروب

من تراث فكرها ورحم حضارتها أنجبت الصين أقدم مفكر استراتيجي وواحداً من أذكي جنرالاتها عبر التاريخ، ولا خلاف على أنه المؤسس الفكري الأول للعلوم الاستراتيجية سابقاً العلماء الغربيين المُحدثين من أمثال “كلاوزويتز وجوميني”، فكتابه (فن الحرب) هو أقدم الكتب في هذا المجال، ولكنه مثله مثل الثقافة والفكر الصينيين يختلف في وسائله عن الفكر التقليدي الغربي المتعارف عليه.
لقد وضع “سان تسيو” في هذا الكتاب فلسفة فكرية بنى على أساسها المفهوم العام للاستراتيجية والحرب بطبيعة الحال في ثلاثة عشر فصلاً، متأثراً بالإطار العام للثقافة والفكر الصينيين والمرتبطين بالعلاقة الممتدة بالزمن والترشيد كأداتين لتحقيق النصر بأقل تكلفة، فعلى حين يؤكد الفكر الاستراتيجي الغربي أن هدف الحرب هي هزيمة جيش الخصم وتقليم أظافره العسكرية استناداً إلى مقولة “إن الحرب هي امتداد للسياسة بوسائل أخرى” كما وضعها مؤسس علم الاستراتيجية الغربية “فون كلاوزويتز”، ولكن سان تسو يؤكد أن أعظم الانتصارات العسكرية هي التي تتحقق عندما لا نستخدم الجيوش في المعارك، فقط نستخدمها للمناورة لإخضاع الخصم ثم احتوائه. وهنا تبرز عبقرية الرجل عندما يؤكد أنه تجب مهاجمة استراتيجية أو فكر الخصم في الأساس ثم تحييد حلفائه وأخيراً جيشه، “فآخر خيار هو مهاجمة العدو”، على حد قوله. وبالفعل استطاع الرجل أن يهزم عدوه على أرض الواقع وقدم النموذج الفكري لأجيال قادمة على رأسها هو شي مينه مؤسس فيتنام الحديثة، بعد حربه مع الولايات المتحدة ودحرها، والزعيم العبقري ماو تسي تونغ الذي وظّف فكره فانتشل النصر من براثن الهزيمة إبان الحرب الأهلية. فـ “سان تسو” دعا لأن تكون السيطرة الميدانية هدفاً مهماً لتوظيفها في الأساس كأداة “للسيطرة النفسية” على الخصم، فلم يفصل الحرب عن السياسة والمجتمع في أي لحظة، بل إنه ابتكر مفهوماً لا يزال غائباً عن الفكر العام وهو مفهوم “تشي” وأقرب مرادف له هو (التيار الاستراتيجي)، فأكد أهمية الإدراك بأن الحرب جزءٌ من تيار عام يجب على الساسة والعسكريين والمفكرين وكل طاقات الدولة أن تستوعبه، ومن لا يعي الكل فقد غاب عنه معني الأمة أو الدولة.
يبدأ الرجل فكره بمقولة شبيهة بالمقولة السقراطية (اعرف نفسك)، فيؤكد أهمية أن يعرف القائد نفسه والأهم أن يعرف عدوه، ويفهم أن الهدف هو الانتصار بأقل جهد وثمن، وذلك من خلال معرفة مواطن قوة العدو وعدم التعرض لها، فيضع خمسة قوانين تجب مراعاتها وهي: (قانون المعنويات) أي كيفية الإبقاء على الروح المعنوية للجنود والضباط، و(السماء) أي التأثيرات المناخية على الحروب، و (الأرض) أي التضاريس والمسافات، و (القيادة) أي المواصفات التي يجب أن يتحلى بها القائد العسكري، و (الالتزام) أي كيفية تحريك الجيوش والمناورة والتموين والتكلفة إلخ… ويؤكد أن القائد المحنك هو من يستخدم المناورة والمفاجأة والخديعة والحسابات الدقيقة بحيث يستطيع أن يتغلب على ذكاء الخصم، ويؤكد أنه كلما استطاع الخصم التعبئة فعليك أن تعرف كيف تفككها وتشرذم قواته بالمناورة لا بالاشتباك، وأهمية خداع الخصم فلو كان أقوى منك فيجب تفاديه، ويكون الهجوم عندما يكون الخصم غير مستعد. ثم يضع قانونه المهم بضرورة ألا تُطيل أمد الحرب؛ فلا دولة استفادت من حرب ممتدة، (فالقائد المحنك سيُخضع خصمه وجيشه من دون حرب، يحتل مدنه دون حصار، يقوّض مملكة خصمه دون عمليات ممتدة في المسرح). وقد وضع أيضاً قواعد رئيسية للاشتباك والمناورة، مشدداً على أهمية فصل القيادة السياسية عن إدارة المعركة، بل إنه في مناسبات عدة حرض القائد على عدم الالتزام بالتعليمات السياسية إذا ما كانت ستضر بجيشه وبقائه.
وقرب نهاية الكتاب صاغ الرجل أعظم فقراته على الإطلاق فيقول: “إن الأسلحة أدوات تعاسة… تُستخدم فقط عندما لا يكون هناك مناص من ذلك، فالغاضب يمكن إسعاده… ولكن الأمة المحطمة لا يمكن أن تعود إلى سابق عهدها، فالميت لا يمكن إعادته للحياة”.

حقيقة الأمر أن فكر “سان تسو” يتعدى المفهوم الضيق للحرب إلى المفهوم الأوسع للاستراتيجية العامة للدولة والفرد على حد سواء، فإننا يمكن أن نُطبق فلسفة الرجل خارج النطاق العسكري الموضوعة لها، فالاستراتيجيات والتكتيكات التي صاغها هي في واقع الأمر صالحة للاستخدام الفردي في كل التعاملات، من التعامل اليومي إلى إدارة الأعمال إلى السياسة، مروراً بإدارة العلاقات في الأُطر المختلفة، وذلك من خلال الاستعارة التطبيقية المقارنة، والأمثلة متعددة، فلو طبّقنا مفهوم الصراع الاجتماعي بدلاً من الحرب لوجدناه متطابقاً في أبعاد كثيرة، فالصدام مُكلف بطبيعته وآثاره، فإخضاع الخصوم بوسائل مختلفة في إدارة العلاقات الإنسانية يكون في الأغلب أفضل الخيارات المتاحة، كذلك فإن مبادئ الإدارة والحوكمة التي وضعها تنطبق تماماً على إدارة أي مُنشأة سواء عامة أو خاصة وفي أي مجال، ولكن أكثر ما يجذب في فكر سان تسو هو علاقته بالزمن كعنصر فعال في إدارتنا اليومية للعلاقات الإنسانية، فالزمن هو أفضل حليف أو أعتى عدو لنا، والقدرة على تسخيره ما هي إلا انعكاس لقمة الانضباط وعظمة الحكمة. [https://aawsat.com]

6 / ت – النرجيلة… وثقافتها الاجتماعية

هل للأرجيلة (النركيلة – النرجيلة) ثقافة اجتماعية؟ على الرغم من اضرارها الصحية مثل أمراض السرطان الرئوي والجلد والشفاه وأمراض القلب والأوعية الدموية والأكزيما والرشح والانفلونزا وتأثيرها على النساء الحوامل، فإن لها ثقافة اجتماعية فرعية تخرج من ثقافة المجتمع وذلك لعدة أسباب حيث كانت ملتصقة في العقود الزمنية المنصرمة بالشيوخ وكبار السن. لكن الان وفي القرن الحادي والعشرين باتت منتشرة بين الشباب والشابات بين المتزوجات والعازبات والطلبة والعاطلين عن العمل لدرجة تنوعت أماكن تدخينها فخرجت من المنزل لتذهب الى المقهى والمطعم والكافتيريا والبار. بمعنى أضحت وسيلة لأكثر من شريحة اجتماعية واحدة، لديها زبائنها وأصنافها وتنوع تبغها وألوانها فتفننوا بصناعتها وتطورت في اجزائها المكمونة لها. مما شجع الشباب والشابات بالولوج الى عالم تدخينها والاستمتاع بها بحيث صارت جزءً من لقاءاتهم ومسامرات تجمعهم في أوقات محددة وأماكن مخصصة فلم تبقى مرتهنة بالكتاب والشعراء والأدباء والفنانين بل تجاوزت هؤلاء فذهبت الى غيرهم مثل الرياضيين والصبايا دون احراج أو عيب في تدخينها لوم يلفتوا الى نصائح الأطباء والجهات الصحية بالتصريح بأضرارها الصحية، وهذا يعني أنها تحولت من مصدر للمشكلة الصحية الى مظهر من المظاهر الاجتماعية الحضرية بعدما كانت ريفية وبدوية.

    السؤال الذي يواجهنا في تناول هذه الظاهرة هو هل التقليد والمحاكاة هي السبب في تحولها الى ظاهرة اجتماعية.؟ أم بسبب اللذة في الخبرة الجديدة؟ أم رفاهية المجتمع والأسرة هي التي تدفعهم الى ذلك؟ أم الرفقة الحميدة في عصر العلاقات السطحية والمصلحية؟ أم شيوع اللا معيارية في المجتمع؟ أو راجع الى تطوير شكل ألوان وتقنية الاركيلة؟ أو يعود الى كونها أصبحت الكترونية؟ أو الى الحرية الشخصية التي يتمتع بها الشباب في ظل الانفتاح على العالم الخارجي؟ أو الى تأثيرات التواصل الاجتماعي؟

    إذن ما هو سبب ظهور مثل هذه الظاهرة الثقافية بعدما كانت مقتصرة على فئات اجتماعية محدودة في حجمها ومكانتها الاجتماعية. للإجابة على هذه الأسئلة نود ان نقول بإنها تمثل ثقافة اجتماعية لكونها تتضمن طقسًا وجوًا ومحيطًا اجتماعيًا متميزًا اثناء تدخينها، محددًا مكانًا وزمانًا بشكل متكرر ومعتاد يعكس نوع الحديث ومتانة المودة وحرية التعبير والتفكير وهم في حالة انشراح وانبساط دون وجود ضغوط اجتماعية عليهم اثناء جلستهم مع تداول النكات والخبرات المستجدة عندهم ذات مستوى معين من الثقافة.

بمعنى لا تكون جمعتهم عائمة ولا عشوائية أو مضيعة للوقت بل لتناول أحد مواضيع الساعة عندهم، لهم خصوصيتهم تميزهم عن باقي الجماعات التي لا تدخن الاركيلة فهي ليست من نوع الثقافة العليا ولا الدنيا بل الوسطى خاصة بجماعة لها هدف في تدخينهم للنرجيلة وهي ما يلي: –

1 – التسلية والترفيه عن هموم المعيشة وقساوة العيش.

2 – الاسترخاء بعد عناء العمل.

3 – تمنح الصبر والقدرة على الاحتمال.

4 – الهروب من المنزل ومسؤوليته ومشاكله.

5 – مهرب للعاطلين عن العمل.

6 – كسر التمييز الجندري ضد المرأة.

7 – الرفقة الحميدة والوفية الودودة.

8 – تضم الأصدقاء والخلان في مكان واحد ووقت محدد.

9 – تزرع شوق اللقاء من جديد وتجعلهم متلاحمين.

10 – يتداول مجلسها الأخبار الاجتماعية والسياسية والرياضية والفنية والعائلية.

11 – تفجر عند مدخنيها طاقة الأبداع في التفكير والخيال الواسع وتبادل المعلومات.

12 – تحث مدخنيها على ضبط مواعيد اللقاء.

13 – تجعل روادها بنسيان مشاكلهم وقلقهم ومعاناتهم.

معنى ذلك ان للأركيلة وظائف اجتماعية ونفسية تخدم محبيها ومستخدميها تبعث على الراحة والالفة والعشرة الطيبة والتعبير عن المزاج والتنفيس عن المعاناة وتلاقح الأفكار والمواقف الشخصية. هذه هي التي تبلور القسم المعنوي للثقافة الفرعية التي بلورتها الاركيلة. اما القسم المادي فلها اجزائها المكونة لها التي تتنوع بين التبغ على انواعه وأصنافه والشيشة والحجر والأنبوبة وورق الالمنيوم وسواها.

تتضمن في جلستها للخلان والاتراب طقسًا منفتحًا على الاخر القريب والبعيد ممتنًا الصلات الاجتماعية والمعرفية فضلًا عن كونها وسيلة جامعة ورابطة بين محبيها ومستخدميها على الرغم من معرفتهم بأضرارها الصحية مع ذلك فهم يقبلون عليها لأنها تعزز روابطهم الصداقيه وتسليهم وتقتل وقت فراغهم.

هذه هي مكونات الثقافة الفرعية للأركيلية تبعث على سلوكيات المحبة والتعاون والانشراح والتعبير عن المكبوتات والابداعات من الأفكار لذا فهي لا تمثل ولا تخص أقلية اجتماعية ولا أقلية عرقية أو طائفية بل تتجاوز كل ذلك لتوحد شاربيها في جلسات ودودة وحميدة تساعد على الاستمتاع بالحياة واحيانًا بالتمرد على الواقع وعند البعض الأخر تسهل البعض على الهروب من الواقع العصيب المشحون بالبطالة والعبء الأسري وقساوة غلاء المعيشة والاستبداد السياسي. أنها ثقافة فرعين تجمع هذه النماذج من الأفراد يتناولون فيها التفاعل والتبادل العلائقي والفكري.

   لا جرم إذن من القول عنها بإنها وسيلة علاجية لشريحة اجتماعية ومن خلالها تعقد الصفقات والدعوات وتعزز الصلات الأسرية بين مدخنيها وتزيل الحساسيات في المواقف لا تؤثر على اعتباراتهم ومكاناتهم وأدوارهم الاجتماعية لأنها مقبولة اجتماعيًا تساعدهم على مواجهة مشاكلهم المادية والنفسية والمهنية والاجتماعية لأنهم يمثلوا الجماعة الأولية Primary group وليس الجماعة الثانوية Secondary group لأنهم من الأتراب أو الأقران Peer group صلاتهم تكون وجهاً لوجه وليست سطحية أو ظرفية أو مصلحية ولا دل على الانتماء الطبقي أو السياسي ولا الطيش بالاستمتاع الودي والتنفيس عند المتمردين على قادة المجتمع واقتصاد البلد وعلى السلطة البطريقية – الذكورية من كبار السن، المتمتعين بمرحلتهم الشبابية وتجربة كل شيء جديد متحدين الفوارق الطبقية والجندرية. هذه هي قواعد الثقافة الفرعية للأركيلة فهي إذن عامل موحد لا مفرق بين الاحباب والخلان يبحثون عن الأمور الغامضة والمجهولة أكثر من بحثهم عنما هو مكرر ورتيب وساكن أعني يبحثوا عن حيوية المجتمع وليس جموده.

    اخيرًا أصل الى الإجابة على الأسئلة التي طرحتها في بداية الاستهلال لأقول انها تدل على الرفقة الودودة بين الخلان ولم تتبلور مشكلة اجتماعية لأنها تجمع بين الأقران بشكل مستمر في مكان محدد وزمان معين لكننا لا ننكر من كون التقليد والمحاكاة واللذة في الخبرة دافعًا في بداية تدخينها من قبل الأفراد ومن بعد ذلك تطور هذا الدافع ليكون عادة سلوكية واجتماعية محببة عندهم. كذلك انها تدل على التحرر من قيود العائلة والموانع القيمية التقليدية في ممارسة سلوكية مضرة بالصحة لكنها مفيدة بالتسلية والرفقة والتنفيس وتبادل الأفكار والمواقف لأنها لا تشبه شرب الخمرة والمخدرات ولعب القمار ولا تمثل السلوك المنحرف ولا الجريمة يقبل عليها الشباب والشابات أكثر من غيرهم ومن المتعلمين أكثر من الأميين ومن المثقفين أكثر من الجهلة.

    وفي نهاية المطاف حديثي انا لا أحث عليها بل أسجل شرحي وتأويلي لظاهرة اجتماعية من زاوية الثقافة الفرعية.

6 / ث – ثقافة الفقر

   يرى الأمريكان بصورة خاصة إن سبب الفقر يرجع بالدرجة الأساس الى الثقافة النوعية التي يشكلها الفقراء أنفسهم ويتوارثها من أجيالهم السالفة التي تتضمن عدم الاعتماد على النفس بل الاتكال على الغير وعدم حب العمل وعدم احترام الوقت والالتزام به مع وجود معايير قيمية تؤكد على التحصيل الدراسي الابتدائي وعدم تحمل المسئولية بل التهرب منها عن طريق الإدمان على المسكرات والمخدرات. إذ يرى الأمريكان بإن النجاح يتطلب عزيمة الفرد وارادته وقدرته على انجاز عمله وهذا غير متوفر عند الفقراء لأنهم تنشأوا كسالى ومعتمدين على الحكومة وعلى الغير في معيشتهم.

بمعنى غياب قيم العمل عند الفقراء وطغيان شعورهم بعدم المسئولية وإهمال أنفسهم ومستقبلهم. بعبارة أخرى أنهم اتكاليون ومعتمدون على الحكومة بسبب كسلهم وتقاعسهم وتجردهم من تحمل المسئولية مع غياب الطموح الشخصي عندهم.

هذه الخصائص الثقافية ليست وليدة الساعة بل موروثة عن الأجيال السالفة ومنقولة للأجيال السائدة عن طريق التنشئة الأسرية والثقافية حالها حال القيم الثقافية الأخرى. لذلك تم تبني هذه المرئية من قبل صناع القرار في السياسة الاجتماعية عندما يناقشوا الأسباب الحقيقية التي وجدوها سائدة في المؤسسات الاجتماعية الرئيسية مثل الأسرة والمدرسة والكنيسة. وهنا ينجم السؤال التالي: هل مرئية ثقافة الفقر صائبة؟ للإجابة على هذا السؤال علينا أن نطرح السؤال التالي: هل يقبل الفقر الانتقال من جيل الى اخر؟ هناك إجابات مختلفة عند الباحثين الذين يرون بوجود العديد من الفقراء بقوا على فقرهم لمدة عام واحد أو عامين فقط إنما نسبة قليلة من الفقراء بقوا في فقر دائم ومزمن وغالباً ما يكون الفقر عندهم ناتجاً عن أزمات تعيشها ربة المنزل مثل الطلاق أو المرض أو العطل عن العمل أو موت أحد الوالدين. البعض الأخر يميل الى ان الفقر يسير على شكل دائرة يدخلوا فيها ويخرجوا منها ولا يكن مقفلاً على مجموعة ثابتة.

    لكن في الواقع هناك صورة نمطية شائعة بين الناس تقول بأن الفقر ينتقل من جيل الى أخر، هذا الزعم ينقصه الدعم الواقعي أي إن دعاة هذا الرأي ليس لديهم حقائق تثبت ذلك. السؤال الثاني يقول هل فعلاً يريد الفقراء أن يعملوا؟ هنا تقول الصورة النمطية السائدة بين عامة الناس أنهم لا يرغبون ذلك. في الواقع هذه الصورة صادرة من معتقدات وتأويلات ثقافة الفقر. هذا الموقف الثقافي يفترض أن الفقر يرجع الى كسل الفقراء أنفسهم لأنهم لا يريدوا تغير قيمهم ويكتسبوا قيم العمل وعند اكتسابهم قيم العمل يزول فقرهم تباعاً لكن ما هي الاحداث التي تثبت ذلك؟ لأن الواقع يقول بأن الفقراء يعملوا بشكل جزئي وكلي إلا أن أجور العمل غير كافية لا تنتشلهم من هاوية الفقر وإن الدعم الحكومي (الضمان الاجتماعي) يغطي العلاج الطبي وتكاليف العيش المرتفعة باستمرار أكثر من أجور العمل. باختصار شديد نقول بأن الفقر ينتج عن ثقافة الفقر يعوزه الأثبات الواقعي بل أنه يصدر من حكم مسبق ومتسرع وجائر.

 الأسباب الثقافية للفقر: من زاوية علم الاجتماع تعيش الأسباب الكامنة للفقر في رحم التحولات الاقتصادية والاجتماعية وهي متعددة لكن اثنان منها مهمين وهما: اولاً في إعادة هيكلة الاقتصاد الذي يبرز في الحاجة الى اكتساب قوة ونفوذ ثانياً مع تفاقم مشكلة البطالة ومكانة المرأة في الأسرة والى سوق العمل جميع هذه الاحداث جعلت المرأة في الاقتصاد الجديد أكثر من المحتملين للأعباء والمسئوليات بين الفقراء يضاف الى هذه الظروف الكامنة سياسة الحكومة في السنين الأخيرة فيما يخص الدعم الاجتماعي للفقراء في مجال الضمان الاجتماعي والمساكن الحكومية والتأهيل المهني. لكن هذه الإجراءات لا تعالج الفقر بشكل كبير وإن إعادة هيكلة الاقتصاد بسبب اختفاء الاعمال التقليدية للعمال في المصانع بروز اعمال جديدة مبتكرة بلورتها المكننة الجديدة والسياسة الاقتصادية وبالذات عند العمال من أصول افريقية ولاتينية وجعلت الرجال لا يقدمون دعماً ومساعدة مالية لأسرهم مما أجبر المرأة (ربة البيت) على تحمل هذا العبء الكبير على عاتقها فأضحت أكبر وأكثر الأفراد فقراً في عالم الفقر في المجتمع الأمريكي. هذا من جانب، ومن جانب أخر فإن هذه الاعمال الجديدة والمبتكرة لا تدفع اجوراُ عالية لعمالها لذلك لا يقدم عليها الرجال ولا تمنح للعاملين فيها مكاسب إضافية مثلاً التأمين الصحي ومخصصات مواصلات وتعويضات عن الاضرار التي تسببها للعاملين فيها كل ذلك لا يساعد ولا يسعف هؤلاء النساء بالخروج من هاوية الفقر وما يزيد الطين بله هو إن موقع هذه الاعمال الجديدة تقع في مناطق بعيدة عن سكن الفقراء وهذا يتطلب زيادة مصاريف الذين يشتغلون فيها ويزيد من فقرهم.

[العمر. 2020. ص. ص.272 – 274]

1 – نظرية ثقافة الفقر Culture of Theory

     طرح هذه النظرية عالم الإنسان الأمريكي “اوسكار لويس” 1959 Oscar Lewis عندما درس خمسة عوائل مكسيكية حسب منهج طريقة الحالة في المناطق الفقيرة في حضرية المكسيك موضحاً فيها الثقافة الفرعية للفقراء كنواة لثقافة الفقراء عاكسةً موقعها الثقافي بين ثقافتين مختلفتين (الحضرية والريفية) بمعنى أنها تعيش على الخط النهائي من ثقافة الريف وبداية الخط الحضري، لذا فإن أفرادها يكونوا هامشيين في شعورهم. يعني لا هم حضريين في تماهيهم الثقافي ولا هم فلاحيين في تماثلهم الثقافي مع الثقافة الريفية. هذه أبرز سمة ثقافية وشخصية بارزة عند الذين يعيشون بين حدود ثقافتين، وهذا ما جعلهم يشعروا بأنهم مخذولين لا يوجد أحد يساعدهم من الثقافتين وإزاء هذا الشعور أمسوا معتمدين غير مستقلين بأنفسهم لأنهم فاقدي الانتماء لأي ثقافة مما تبلور عندهم الشعور بالغربة وهم في بلدهم، ومما يزيد من تعلق مشاعرهم وعدم تجذرها في أية تربة ثقافية محددة هو عدم تلبية المؤسسات الاجتماعية لطلباتهم وحاجاتهم ومصالحهم مما جعلهم يدركوا بأنهم عديمي النفوذ وعدم الاعتزاز بكرامتهم فأمسوا منحطين في نزرتهم لذواتهم وأنهم غير مهمين في المجتمع ولا قيمة لهم في الحياة الاجتماعية لأنهم يعيشوا في حي الفقراء slum حي مزدحم بالسكان وموسوم بطابع الفقر والرذيلة وموبوء بالجريمة في مدينة مكسيكو.

     ليس هذا فحسب بل أن أبناء هذه الثقافة لديهم أحساس ضئيل بتاريخهم وغير مهتمين به ولا يفتخروا به حتى. لكنهم يعرفوا فقط مشاكلهم الخاصة وظروف عيشهم اليومية التي يعانوا منها وهذا ما يجعلهم فاقدي الرؤية للعالم والاطلاع على عقائده الفكرية مما يجعلهم لا يعقدوا مقارنة من يشبههم أو مع من يختلفوا معهم.

     بتعبير أخر، أنهم لا يمثلوا شعوراً طبقياً بذات الوقت فهم حساسين جداً بمكانتهم المزرية. هذه المشاعر الثقافية ينقلوها الى اجيالهم القادمة عن طريق المشافهة. أما حياتهم الاجتماعية فأنها تعكس الاعتقاد بالقضاء والقدر وإن أسرهم تتصف بمعدل عالٍ من الطلاق وتخلي الإباء عن أبنائهم فباتت الأم تمثل المركز الأمومي أي المحور الذي يقوم بالتنشئة الأسرية الكاملة وتحمل المسئولية الأسرية والاقتصادية وإن الأب غير مسئول عنهم وهذا ما يجعل أفراد الأسرة مشغولين بهمومهم وحاجاتهم غير المشبعة غير ابهين بالعالم الخارجي أو حتى بالاشتراك بحياة مجتمعهم المحلي أو الانتماء الحزبي – السياسي بل ولا يتعاملوا مع البنوك والمصارف والمستشفيات إلا نادراً. أما أبنائهم ممن عمرهم ما بين 6 – 7 عاماً فأنهم متشربين بالقيم الأساسية والمواقف الثقافية عن طريق أسرهم ورفاقهم في الحي فيتشربوا بالمعايير والمعتقدات الخاصة بثقافة الفقر لا يرغبون بتغيرها ومعتنقي ثقافة الاعتماد على الغير في انجاز أمورهم. أي غير اصرا ومستقلين بآرائهم أو مواقفهم بتعبير أخر أنهم اتكاليين وكسالى غير مبادرين في انجاز أعمالهم لذا لا يملكوا طموحاً أو رؤية مستقبلية. أنها ثقافة مجتمعات العالم الثالث ومجتمع المرحلة الأولى في التطور الصناعي حسب تعبير أوسكار لويس.

[العمر. 2020. ص. ص. 337 – 338]

2– الثقافة منتجة للفقر

يقول المعنيون بمجال التنمية إن القضاء على ثقافة الفقر هو أصعب من القضاء على الفقر نفسه، المعضلة التي تؤرق ملايين الفقراء حول العالم، جميعهم يطمحون إلى تحسين حياتهم المعيشية وتجاوز حالة الفقر، غير أن بعضهم فقط من ينجح في الوصول إلى الثراء، فهل يمكن أن تكون للعوامل الثقافية دور في إنتاج الفقر وتكريسه عبر الأجيال؟

نظرية “ثقافة الفقر

يُعرّف علماء الاجتماع الفقر بكونه وضع عيش الكفاف، أي توافر الشروط الأساسية التي يحتاجها المرء ليظل على قيد الحياة في وضع صحي معقول، من غذاء ومأوى ودواء، دون أن يتجاوز ذلك، أما عندما تغيب إحدى هذه الحاجيات الأساسية فيسمى ذلك بالحرمان، وكلا المفهومين يحيلان إلى تلك الفئات الشعبية الهشة، التي تعاني من نقص حاد في الموارد، مما يؤثر على جودة معيشتها وفي بعض الأحيان يهدد حياتها بالفناء.

يقول المعنيون بمجال التنمية إن القضاء على ثقافة الفقر هو أصعب من القضاء على الفقر نفسه

في عام 1961، طرح أحد المنظرين الأمريكيين، يدعى لويس أوسكار، تفسيرًا لانتشار الفقر في فئات اجتماعية دون أخرى، بالرغم من أنهم قد يتشاركون نفس الأرض والفرص، وأوضح رأيه في وجود “ثقافة الفقر” في أوساط كثير من الناس، تعيق صعودهم خارج شرنقة الفقر.

وتحيل فكرة “ثقافة الفقر” إلى أن هناك مجموعة من المعتقدات والقيم والعادات، مسؤولة عن إنتاج الفقر وتكريسه في بعض الأوساط الاجتماعية الحاضرة فيها، كفكرة القدرية، والتواكل، والتبعية، وانعدام الطموح، والإيمان بالقوة بدلًا من العقل، والذكورية، وبالتالي فإن الفقر، حسب هذه النظرية، ليس نتيجة لنواحي القصور والعجز الفردي، وإنما هو نتاج بيئات ثقافية اجتماعية معينة ينشأ فيها الأفراد، لينتهي بهم المطاف في صفوف الفقراء.

كيف تعمل العوامل الثقافية على إنتاج الفقر؟

يتلقى الأفراد ثقافة الفقر عبر التنشئة الاجتماعية، انطلاقًا من أسرهم والوسط الذي تربوا فيه المتسم بقلة الموارد، الذي يلقن معتقدات وعادات، تكرس اليأس والتبعية وضعف الطموح وعدم تقدير المعرفة، ويزداد الوضع سوءًا عندما تكون هذه الأوساط حافلة بالجريمة والمخدرات والفوضى والجهل، حيث تترسخ في الأفراد قيم العدوانية والانحراف ويُحرم من المعرفة اللازمة لتحسين وضعه.

ويقول في هذا الصدد “لويس أوسكار” إن “الناس الذين يعيشون في كنف الفقر تنطبع سماتهم وسلوكهم وشعورهم بقيمهم داخل المجتمع، إذ يتعدى الأمر مسألة الحرمان إلى الجريمة، كالإدمان وفقدان القدرة على الحراك الاجتماعي”، فيدرك الأطفال مبكرا أنه لا معنى للطموح أو التطلع إلى حياة أفضل، ويستعيضون عن ذلك بالاستسلام والتواكل والرضى بأوضاع الفقر.

وهكذا يتشرب الأفراد هذه المعتقدات والقيم والعادات من خلال تنشئتهم الاجتماعية، التي تلقوها في أوساطهم الفقيرة، ليعلموها بدورهم لأطفالهم جيلًا بعد جيل، فيعيدون بذلك إنتاج الفقر فيما يشبه دوامة لا متناهية، طالما لم يغيروا تلك الثقافة أو الوسط الذي عاشوا فيه، بالحصول على تعليم جيد أو بالهجرة نحو العيش في بيئة أكثر رفاها، لاكتساب معتقدات وقيم وعادات أكثر طموحا.

ولذلك يعتبر أوسكار بأن ثقافة الفقر هي: “تكيف ورد فعل الفقراء على مكانتهم الهامشية في مجتمع طبقي، رأسمالي، على الفردية، إنها تمثل جهدًا للكفاح والتغلب على المشاكل، مع شعور بفقدان الأمل واليأس الذي يتطور من إدراك عدم احتمال إنجاز النجاح بقيم وأهداف المجتمع الأكبر”.

نقد نظرية “ثقافة الفقر

إذا كان اتجاه “لويس أوسكار”، يحمل المسؤولية للأفراد بدرجة أولى عن فقرهم بإرجاعه السبب إلى الثقافة التي يعيش فيها الفقراء، فإن هناك اتجاهًا آخر، يجد ذلك “لومًا للضحية”، ويعتقد أن القوى الهيكلية والعوامل البنيوية في المجتمع هي التي تنتج الفقر وتعيد إنتاجه، محملًا هذا الاتجاه المسؤولية للنظام السياسي والاجتماعي.

يقول منظرو هذا التيار إن البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية القائمة في المجتمع، من مثل الطبقة الاجتماعية والجنوسة والمرتبة المهنية والتحصيل العلمي والسلطة والانتماء، هي التي تشكل أسلوب توزيع الثروة، أما هبوط الهمة وانعدام الطموح وغياب الحافز فهو في واقع الحال “محصلة ونتيجة” للقيود المفروضة على أوضاع الفقراء، وليس سببًا في إنتاج الفقر.

ومن ثمّة فإن تخفيف الفقر، لا يعتمد تغيير توجهات الناس ونظرتهم للحياة، بقدر ما يرتبط الأمر بوضع سياسات هادفة لتوزيع الدخل والموارد بين أفراد المجتمع بصورة أكثر إنصافًا، عبر دعم الفئات الهشة من الأطفال والنساء والأقليات، بالإضافة إلى توفير الدولة الحاجيات الأساسية لجميع العائلات، ومن هنا جاءت فكرة التعويض على البطالة والأطفال وتقديم الخدمات التعليمية والصحية المجانية بالإضافة إلى تخفيف الضرائب على محدودي الدخل بأوروبا.

غير أنه علينا أن نتحاشى الطابع الإطلاقي لتصور كلا الاتجاهين للفقر، سواء الأول الذي يرهن مصير الفرد بالثقافة التي تلقاها في تنشئته الاجتماعية، أو الثاني الذي يربط وضعه بالبنى الراسخة في المجتمع، إذ أن الأفراد ليسوا مجرد أشخاص سلبيين لا حيلة لهم أمام الفقر، بل لديهم قدرة ذاتية على التفاعل بأشكال مختلفة مع أوضاعهم الاجتماعية، مثلما يتعرضون لفرص وتجارب مختلفة، بدليل أن هناك الكثير من الفقراء المختلفين في طباعهم الشخصية وتكوينهم العلمي، تمكنوا من تجاوز شرنقة الفقر. [https://www.ultrasawt.com]

3 – التأثير السلبي لثقافة الفقر على المجتمع 

ليس الفقير فقير المال ولا يحدد فقره فقط قلة مصادر دخله، بل الفقر ثقافة تعكس نظاماً قيمياً مجتمعياً معيناً. هكذا يخط عالم الأنثروبولوجي الشهير أوسكار لويس في دراسته لحالة المكسيك وبورتوريكو أسسه حول نظرية ثقافة الفقر “Culture of Poverty ” عام 1959م. لقد ساعدت هذه النظرية علماء الدراسات التنموية الدولية في التركيز على ثقافة دول العالم الثالث لمعرفة بعض من أسباب عدم لحاقه بالعالم الأول هذا بالرغم من تطبيقه نفس أسس نظرية الحداثة (Modernization) التي طبقها العالم الأول فحققت له المكانة الاقتصادية المعتبرة في العالم. ويبدو أن النظرة التشاؤمية التنموية التي سادت بين مثقفي أمريكا اللاتينية في منتصف الخمسينيات وإلى أوائل السبعينيات من القرن الماضي لتصل إلى مثقفي دول إفريقيا فيما بعد في تفسير فشل دولها في تحقيق التنمية الاقتصادية، تجسدت بشكل أساسي في نظرية الاعتماد (The Dependency Theory ) وهي النظرية التي يعتقد أنها أسست بعضاً من أسسها على نظرية ثقافة الفقر لأنها قد أتت متزامنة معها وكلاهما قد تأثر بسيطرة أنموذج (Paradigm) فكري علمي واحد. ولا يهدف هذا المقال بشرح أبعاد نظرية الاعتماد التنموية، بقدر إيضاح التأثير السلبي لثقافة الفقر على المجتمع وكيفية الخلاص منها. فالنظام القيمي المجتمعي لثقافة الفقر، يعني أن أجزاء المجتمع بأطيافه المختلفة قد أصيبت بأنفلونزا معدية وفيروسها قد تشكل من قيم تتناغم وتنسجم وتترابط مع بعضها بعضاً بشكل سريع لتكون ثقافة دافعة نحو فقره.

بيد أن هذه الأنفلونزا، قد حددت معالم المجتمع منذ مرحلة طفولة أبنائه لتنمو وتنتشر للأجيال القادمة وفي جميع أرجائه. حيث ينمو الطفل في ظله فلا يرى سوى قيمة الفقر تسيطر على مأكله ومشربه وملبسه وعمله وفكره فتصبح محركاً لسلوكياته. وإن وضعاً بهذه القيم، يصعب أن يحقق المجتمع معه تنمية اقتصادية. ولهذا، فإن لويس يحدد عدداً من الصفات العاكسة لقيم ثقافة الفقر. نذكر منها: التهميش والغربة واللامبالاة واللا أمل والاعتماد والاستسلام للواقع دون محاولة تغييرية.
إن الصفات المذكورة أعلاه، لا شك أنها تشير إلى أن جماعة معينة ومحددة لا تشعر أصلاً بانتمائها للمجتمع وتفضل أن تحمل تلك الصفات لتنزوي بها بين جنباته إنها بكل وضوح الأقلية المجتمعية مثل الأقلية الأمريكية ذات الأصول الإفريقية. ولكن، خطورة ثقافة الفقر ليست مقصورة على أقلية مجتمعية معينة لتنتهي تلك الثقافة عندها، بل تكمن في الصفات التي تحتضنها فتنتشر بسرعة بين أرجاء المجتمع فيصبح مجتمعاً فقيراً في أسلوب حياته. وتظهر ثقافة الفقر في المجتمع المصاب به، أكثر ما تظهر في قيمة الإحباط. فإذا شعرت يوماً أن المجتمع محبط فاعرف أنه مجتمع يحمل ثقافة الفقر وإن كان لديه موارد مالية جيدة ومستقرة.
فالإحباط له وجوه عديدة وتأثيره قوي وسريع. ويكفي أن ترى إنساناً محبطاً يتحدث إليك ليدخل تلك الطاقة السلبية على نفسيتك فتسيطر على مجريات يومك دافعة نحو التراخي واللامبالاة بل والاستسلام أيضا وكأن فيروس ثقافة الفقر قد بدأ عمله فوراً. وأنت بدورك تنقل ذلك الإحباط حينما تروي قصة صاحبنا المحبط لشخص آخر وهكذا تنتقل حالة الإحباط من الدوائر الصغيرة المحيطة بنا إلى دوائر المجتمع ككل فتتشكل قيمة من ثقافة الفقر من حيث لا ندري ودواليك تنتشر باقي قيم الثقافة لتجعل المجتمع فقيراً. ولهذا فإن المجتمعات التي تريد أن تنجز تنمية حقيقية عليها الابتعاد عن ثقافة الفقر بكل ما تحمله من قيم وبناء ثقافة الغنى أي أن يصبح المجتمع غنياً بقيمه المعنوية والمادية الدافعة نحو الإنجاز وعدم الاستسلام للواقع والتقدم إلى الأمام. ولكن، يا ترى كيف نتغلب على قيم ثقافة الفقر؟

تتطلب الإجابة منا معرفة أن أصل المشكلة يقع في مفهوم الثقافة نفسه الذي يعني أنه تاريخ متراصٍ من القيم التي بنيت عبر أجيال وأجيال وأن تغييره يتطلب الوقت والصبر والمثابرة والتعليم والتثقيف وبناء أجيال تستطيع أن تزيح أنموذج ثقافة الفقر إلى أنموذج ثقافة الغنى. وشاهدنا هنا، قصة وتجربة وكفاح الأفارقة الأمريكان لإزاحة تلك الثقافة واستبدالها بثقافة الغنى. فلن أنسى منظر تلك الدموع التي انهالت من عيني القس “جيسي جاكسون” وهو يحتفل بخبر فوز الرئيس الأمريكي الحالي “باراك حسين أوباما” في الفترة الرئاسية الأولى وكأنها تروي قصة نهاية آخر فصل من ثقافة الفقر التي عاشتها تلك الأقلية في أمريكا ولتجسد حلم “مارتن لوثر كينج” بأن يري يوماً أبناء البيض والسود يجلسون على طاولة واحدة بل تعدت تلك الدموع وضع الجلوس على الطاولة للجلوس على كرسي رئاسة أقوى دولة في العالم. [http://www.alsharq.net]

4 – هل ثقافة الفقر مسؤولة عن فقر الفقراء؟

تناول الباحثون الأنكلوساكسونيون بإسهاب خصوصيات الطبقة السفلى في المجتمعات الصناعية المعاصرة، وبالخصوص وسط المجتمعات الوافدة. وسَنُحاول هنا ملامسة النقاشات التي اهتمت بمفهوم ثقافة الفقر من خلال محاولة التطرق إلى بعض الإشكاليات والنقاشات التي همَّت هذه النقطة المعقدة، حيث تُطْرح أسئلة كثيرة من قبيل: هل ثقافة الفُقَراء هي المسؤولة بالفعل عن حالتهم؟ هل هي التي تُحَدِّدُ وضعية الدينامية أو الركود حين نقارنها بباقي الفئات الاجتماعية الأخرى؟
إن استخدام مفهوم طبقة بدل فئة لدراسة الظواهر الاجتماعية برز في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وقد تعددت المنظورات المعتمدة في تحليل المجتمعات الغربية والغيرية الأخرى، واشتهرت بصورة خاصة أفكار كل من كارل ماركس وماكس فيبر وبيير بورديو في هذه المسألة.

 إن الدرجة التي يجب عندها اعتبار شديدي الفقر طبقة اجتماعية موضوع تكرّر في دراسات متعددة، فقد سبق أن تحدث كارل ماركس عن (البروليتاريا الرَّثة). كما أنشأ “ألكساندر شايانوف” نظرية خاصة بالاقتصاد القروي إبان الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918)، وكان “شيانوف” هذا، الذي قُتِلَ في تصفيات ستالين لخصومه، أشار في جزء من نظريته إلى سؤال مهم حاول الإجابة عليه، وهو سؤال يتعلق بعجز الفلاحين عن تحقيق الربح المتراكم، ليخلص إلى القول أن لديهم اقتصاد عيش هامشي، هو الذي يعوقهم عن القيام بمخاطرات في هذا الاتجاه.
في بحث ميداني كان قد قام به سابقاً براد كليف براون في المكسيك، ركز على سؤالين اثنين: الأول، هل يمكن أن يُقال إن المجتمعات القروية لها بالفعل ثقافتها الخاصة؟ وهل طريقة حياتهم هي مجرد نتاج لاقتصاد الضرورة والكفاف المعيشي؟
نجد الجواب عن هذا السؤال عند “ريدفيلد” الذي اعتبر أن الفلاحين لديهم ثقافتهم الخاصة، بل إنه أظهر كيف أن طريقة حياة الفلاح أوجدت طابعاً ثقافياً خاصاً أو روح مجتمع ليس إلا، غير أنه تعامل في دراساته لهذه المجتمعات المعزولة بتفرع ثنائي بين الثقافة الشعبية والثقافة الحضرية، وهو الأمر الذي انتقده بشكل كبير الباحث أوسكار لويس الذي شكَّك في خلاصات “ريدفيلد”، من خلال إعادة دراسته للقرية المكسيكية، حيث باشر عمله ميدانياً ليخرج باستنتاجات مختلفة للغاية.
قام في سنوات الخمسينات الباحث الفرنسي “لابنس” بدراسة المقيمين في التجمعات السكنية الانتقالية في فرنسا، وهم أشخاص فقراء جداً، وفي الأساس يُفترض أن يكون إيوائهم مرحلياً، ولكن هؤلاء السكان أقاموا هناك بصورة دائمة، وتزوجوا فيما بينهم، وكانت احتكاكاتهم مع الخارج ضئيلة جداً، بل وأكثر من ذلك، ظهروا وكأنهم مستقرون في هذا الوضع منذ عدة أجيال. كان لهؤلاء الأكثر فقراً جميع ميزات الجماعة الحقيقية، مما يمكن، إلى حد ما، وصفهم بسهولة بـ (طبقة اجتماعية منسجمة) قائمة الذات ومنغلقة على نفسها. وفي نفس السياق ظهرت في ذات البلد، خلال السبعينات، عبارة (ثقافة المهاجرين)، حيث تكونت معازل حقيقية، وبالخصوص في ضواحي المدن الكبرى. وفي الوقت الذي كانت فيه مؤسسات فرنسا تدافع عن التنشئة الجمهورية ضد خطر الطائفية الذي يهدد المواطنة الجمهورية، كانت هذه الطائفية تتغلغل بين الجيل الجديد من أبناء المهاجرين الذين كانوا يُعَرِّفون أنفسهم بديانتهم الأصلية وليس بوضعهم الاجتماعي أو انتمائهم السياسي، مما يؤكد أن تأثير البيئة الأسرية والمحلية قد تزايد نتيجة النَّبذ والعَزْل والتَّهميش الذي تعيشه المجموعات الوافدة، التي سرعان ما لاقت، إلى حد ما، صدى واسعاً واهتماماً كبيراً من متتبعي الشأن السياسي. وبدا الأمر وكأنه اكتشاف جديد، على الرغم من أن ظروف جيل المهاجرين الأوائل، كانت تشير، إلى أنهم متجهون للاستقرار بشكل دائم في بلد الاستقبال. لقد تم التساؤل، فجأة، عن ظروف اندماجهم، وفي علاقة بهذا التساؤل أيضاً تم الانتباه إلى اختلافهم الثقافي والهوياتي.
لقيت الفكرة التي تؤكد وجود علاقة بين الثقافة والفقر، التي هي جزء من أطروحة الإثنولوجي “أوسكار لويس”، نجاحاً كبيراً في عدد من الدراسات المشابهة في جميع أنحاء العالم، حيث تم تبني فكرة اختلاف هذه الفئة الاجتماعية عن الطبقة الوسطى، باعتبارها فئة لا تسمح لها خصائصها بالاندماج الكامل في كيان المجتمع الجديد المختلف. وقد احتدم لاحقاً الخلاف حول هذه الأطروحة التي أصبحت موضوع نقاش وجدل كبيرين، وغدت جزءاً من القضايا النظرية التي ولَّدت لنا فكرة (الطبقة الدنيا الحضرية) لوصف وشرح مختلف المظاهر والسلوكيات السلبية التي تميز هذه الفئات المجتمعية التي تعيش في الضواحي وعلى الهامش.
إن الأطروحة المتعلقة بثقافة خاصة مميزة للفئات الأكثر فقراً في المجتمعات الصناعية لاقت معارضة قوية وحامت حولها الظنون، لأن هذه الفئات كانت على الأقل بأمريكا اللاتينية تُساهم، بشكل أو بآخر، في الثقافة العامة للفئات العمالية والمتوسطة وتنخرط في النضالات التفاعلية. بيد أن هذا النوع من التحليل ظل عنصراً دائماً في الإجابات المقترحة لتفسير الحضور الدائم للفقراء من المهاجرين في المجتمعات الوافدة. وقد استعيدت بعد ذلك فكرة ثقافة الفقر في حالات مُشابهة، وتم تطبيقها على (غيتوات) السود في الولايات المتحدة. كما تم ربطها في حالات أخرى بالعطالة، الذي يُعتبر محدداً رئيساً لهذه الطبقة السفلية داخل المجتمع.
لقد ظهرت مفاهيم أخرى في الدِّراسات المختصة، ومنها (مفهوم الغريب)، الذي يعني حسب مقالة “ألبيون سيمول”، مؤسس قسم علم الاجتماع والأنثروبولوجيا بجامعة شيكاغو، من يُقيم في المجتمع على الهامش، فلا يُدرك آلياته الاشتغاليه ويبقى على نحو ما وبشكل مستمر خارج الجماعة، مُتَأَقْلِماً بشكل جيد مع الإخفاق والفقر.
لقد جادل الثوريون الجُدُد في الولايات المتحدة الأمريكية ممن عُرفوا بدفاعهم عن السود من أصل أفريقي، بأن المجتمع الأمريكي قائم على صراع محتدم بين الجماعات المُستقويه والمُسْتضعفة. فَبِحِرْمَانِ هؤلاء من حقهم في تكافؤ الفرص، ولغياب عدالة اقتصادية وسياسية واجتماعية في مجالي توزيع السلطة والثروة، ظل الأمريكيون من أصول أفريقية يَدينون بالولاء أولاً وأخيراً للجماعات التي ينتسبون لها، أكثر من ولائهم لمُثُل التَّلاحم والتآلف والبَلد الموحد وطنياً. وقد تناول موضوع (الغريب) أيضاً إي “شوتز” في دراسته عن الغيتو Ghetto، وهذه اللفظة في الأصل أطلقت على الأحياء اليهودية في المدن الإيطالية خلال العصور الوسطى، ثم أصبحت تُطلق على كل أحياء اليهود في جميع المدن الأوروبية. ومن المعلوم أنه تَم فرض الاختلاف على اليهود في العصور الوسطى فكان عليهم أن يعيشوا في أحياء منعزلة عن باقي المجتمع، وكان يقال إن لهم رائحة مميزة مثلما يتم اتهام المهاجرين اليوم بأن لهم رائحة نتنة، وعلى مَرِّ القرون في أوروبا، ظل اليهودي هو الآخر، أي المختلف المعزول والهامشي، إذ كان عليه في بعض الحالات ارتداء شارات أو ملابس خاصة تميزه، وكان يمنع من ركوب الدواب، ولذا تمسك العديد منهم -ولهم الحق في ذلك-، تمسكاً شديداً بلغتهم وثقافتهم الأصلية.

[http://www.arabicmagazine.com]

5 – المصالح السياسية وثقافة الفقر

جادل المؤيدون الأوائل للنظرية بأن الفقراء لا يفتقرون إلى الموارد فحسب، بل يكتسبون أيضًا نظام قيم يديم الفقر. وفقًا لما قاله عالم الأنثروبولوجيا أوسكار لويس، فإن “الثقافة الفرعية للفقراء تطور آليات تميل إلى إدامتها، لا سيما بسبب ما يحدث للنظرة العالمية والتطلعات والشخصية التي يكبر الأطفال فيها.

يزعم بعض الباحثين اللاحقين (يونغ 2004، نيومان 1999، إيدن وكيفالاس  2005، دوهان 2003، هايز 2003، كارتر 2005، والير 2002، دونيير 1992) أن الفقراء ليس لديهم قيم مختلفة.

ظهر مصطلح “ثقافة فرعية للفقر” (اختصر فيما بعد إلى “ثقافة الفقر”) لأول مرة في كتاب الإثنوغرافيا الإثنوغرافية لخمس أسر: دراسات حالة مكسيكية في ثقافة الفقر (1959). كافح “لويس” لجعل “الفقراء” أشخاصًا شرعيين تحولت حياتهم إلى الفقر. وقال إنه على الرغم من أن أعباء الفقر كانت منهجية وفُرضت على هؤلاء الأفراد في المجتمع، إلا أنها أدت إلى تكوين ثقافة فرعية مستقلة حيث تم دمج الأطفال اجتماعيًا في سلوكيات ومواقف أدت إلى استمرار عجزهم عن الهروب من الطبقة الدنيا.

أعطى “لويس” 70 خاصية (1996، 1998) تشير إلى وجود ثقافة الفقر، والتي قال إنه لم يتم تقاسمها بين جميع الطبقات الدنيا.

الناس في ثقافة الفقر لديهم شعور قوي بالهامشية، والعجز، والتبعية، وعدم الانتماء. إنهم مثل الأجانب في بلدهم، مقتنعون بأن المؤسسات القائمة لا تخدم مصالحهم واحتياجاتهم. جنبا إلى جنب مع هذا الشعور بالعجز هو شعور واسع النطاق بالدونية، وعدم الجدارة الشخصية. هذا صحيح بالنسبة لسكان الأحياء الفقيرة في مكسيكو سيتي ، الذين لا يشكلون مجموعة عرقية أو عنصرية متميزة ولا يعانون من التمييز العنصري. في الولايات المتحدة ، فإن ثقافة الفقر الموجودة في المجتمع الأسود لها عيب إضافي للتمييز العنصري . الناس مع ثقافة الفقر لديهم القليل جدا من الشعور التاريخ. إنهم أناس مهمشون لا يعرفون سوى مشاكلهم، وظروفهم المحلية، وجوارهم، وطريقة حياتهم الخاصة. عادة، ليس لديهم المعرفة والرؤية ولا الإيديولوجية لمعرفة أوجه التشابه بين مشاكلهم ومشاكل الآخرين مثلهم في أي مكان آخر في العالم. بمعنى آخر، فهم ليسوا وعيًا طبقيًا ، على الرغم من أنهم حساسون جدًا بالفعل لتمييز المكانة. عندما يصبح الفقراء وعيًا طبقيًا أو أعضاء في منظمات نقابية، أو عندما يتبنون نظرة دولية للعالم، فإنهم، في رأيي، لم يعدوا جزءًا من ثقافة الفقر رغم أنهم قد لا يزالون فقراء بشكل يائس.

رغم أن “لويس” كان مهتمًا بالفقر في العالم النامي، فقد أثبت مفهوم ثقافة الفقر أنه جذاب لصانعي السياسة العامة والسياسيين في الولايات المتحدة. وقد أبلغت بقوة مستندات مثل تقرير “موينيهان” (1965) وكذلك الحرب على الفقر، بشكل عام.

تبرز ثقافة الفقر أيضًا كمفهوم رئيسي في مناقشة “مايكل هارينجتون” للفقر الأمريكي في أمريكا الأخرى (1962). بالنسبة إلى “هارينغتون”، فإن ثقافة الفقر هي مفهوم هيكلي تحدده المؤسسات الاجتماعية للإقصاء التي تخلق وتديم دورة الفقر في أمريكا.

التفاعلات

منذ الستينيات من القرن الماضي، حاول منتقدو ثقافة الفقر شرحًا لاستمرار الطبقات الدنيا في محاولة لإظهار تلك الحقيقة. بيانات العالم لا تتناسب مع نموذج “لويس (Goode & Eames 1996) “في عام 1974، أصدرت عالمة الأنثروبولوجيا كارول ستاك انتقادات لها، واصفة إياها بأنها “قاتلة” ولاحظت أن الإيمان بفكرة ثقافة الفقر لا يصف الفقراء بقدر ما يخدم مصالح الأغنياء.

كتبت، مستشهدة “هيلان لويس” بانتقاد آخر لأوسكار لويس “ثقافة الفقر”: ثقافة الفقر، كما يشير هيلان لويس، لها طبيعة سياسية أساسية. والأهم هو أن الجماعات السياسية والعلمية تحاول ترشيد سبب فشل بعض الأميركيين في تحقيق ذلك في المجتمع الأمريكي. يقول “لويس” (1971) إنها “فكرة يعتقدها الناس ويريدون إيمانها وربما يحتاجون إلى تصديقها”. إنهم يريدون أن يصدقوا أن زيادة دخل الفقراء لن يغير أنماط حياتهم أو قيمهم، ولكنهم سيحولون مبالغ مالية أكبر إلى حفر غير قابلة للتدمير الذاتي. تحظى هذه النظرة القاتلة بقبول واسع بين العلماء ومخططي الرعاية الاجتماعية والجمهور المصوت في الواقع، حتى في أعرق الجامعات، أصبحت نظريات البلاد التي تزعم الدونية العنصرية سائدة بشكل متزايد.

وهكذا، توضح الطريقة التي تخلق بها المصالح السياسية للحفاظ على أجور الفقراء منخفضة مناخًا مناسبًا سياسياً للمشاركة في فكرة ثقافة الفقر في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، خلق المفهوم رد فعل عنيف، دفع العلماء إلى النظر في الهياكل بدلاً من “إلقاء اللوم على الضحية.”

منذ أواخر التسعينيات، شهدت ثقافة الفقر تجددًا في العلوم الاجتماعية، لكن معظم العلماء يرفضون الآن فكرة ثقافة الفقر المتجانسة وغير المتغيرة. البحوث الحديثة ترفض عادة فكرة أن ما إذا كان الناس فقراء يمكن تفسيره من خلال قيمهم. غالبًا ما يتردد في تقسيم التفسيرات إلى “هيكلي” و “ثقافي”، بسبب الفائدة المشكوك فيها بشكل متزايد لهذا التمييز القديم.  [https://ar.wikipedia.org]

                            الفصل السابع

                    دكتاتورية الثقافة الاجتماعية

 

7 / أ – أنواع المشكلات الاجتماعية ذات التسبب الثقافي

     1 – حبل المراهقة العازبة… تحلل معياري

     2 – تعارض المجتمع العربي مع ثقافته… تناشز ثقافي

     3 – تسلط الصلة القرابية على المسؤولية الرسمية… استبداد ثقافي

     4 – الرشوة… استولدتها الثقافة الاجتماعية

     5 – التوجس والريبة في تفاعلات العربي مع الأخرين سببها الثقافة العربية

     6 – عدم احترام الوقت بلورته الثقافة العربية

     7 – القتل غسلًا للعار مقبول عرفيًا عربيًا

     8 – الثأر عرف قبلي عربي مصدرًا لمشكلة اجتماعية عصرية

     9 – تزويج البنت القاصر ثقافيًا

     10 – تسلط السلطة الذكورية على الانثى… دكتاتورية ثقافية

     11 – وأد البنت بأمر ثقافي اجتماعي

     12 – كي صدر الانثى اجراء ثقافي أفريقي

     13 – عنوسة البنت العربية سببها المعايير الثقافية الاستهلاكية

     14 – الجنس الثالث افراز ثقافي مترف

     15 – العنف المكعب ضد الزوجة الهندية… أحد مطالب الثقافة الهندية

     16 – ختان الاناث… معتقد ثقافي شعبي

     17 – الصاق وجود المرأة بوجود الرجل… إلزام ثقافي

     18 – اشتغال الصبية المبكر… ضحية الثقافة الاجتماعية

7 / ب – تبعيات علاقة الثابت بالمتحول

7 / ت – الفجوة الثقافية

     1 – البيئة الثقافية مصدر الفجوة الثقافية

     2 – الفجوة الثقافية بين الأجيال القديمة والجديدة

     3 – معارف اليوم والأمس

     4 – الفجوة بين ثقافة الفقراء وثقافة الأغنياء

 الفصل السابع

                دكتاتورية الثقافة الاجتماعية

 

يتناول هذا الفصل ثلاثة مفاهيم رئيسية هي: الثقافة الاجتماعية، دكتاتورية الثقافة الاجتماعية، المشكلات الاجتماعية.

نبدأ بتجديد مفهوم الثقافة الاجتماعية التي تعني كل ما ينتجه الإنسان من معايير وقواعد وقيم سلوكية وتفكير حول عادات ومعتقدات وتقاليد تنظيم حياة الأفراد. هذا على الصعيد المعنوي وهناك صعيد مادي يتمثل بكل ما يصنعه من أدوات والآلات يستخدمها في حياته اليومية.

      أما دكتاتورية الثقافة فإنها تعني الاستبداد المطلق لكافة الضوابط الثقافية العرفية التي توصم كل من يجنح عنها لأنها موروثة من الأجداد وصلت الى الاحياء عن طريق الوراثة الشفوية. لذلك يمنح المجتمع قدسيته عليها ويكسبها الحصانة المطلقة ويحولها الى آلة عمل متناسقة ومتناغمة مع حياة الأفراد.

     لكن على الرغم من هذه الميزة فإنها تجمد التفكير وتقتل الحيوية المتحركة والفكر المتطور وتتعارض مع التطورات التقنية تنتعش هذه الدكتاتورية في المجتمعات الريفية والمحافظة والتقليدية يدعهما كبار السن لأنهم تنشئوا عليها ونقلوها للجيل الناشئ وتخدم مكانتها الاجتماعية ودورهم الحيوي فيها فضلًا عن ذلك يستغلها ويسخرها حكام هذه المجتمعات لأنها تعزز سلطتهم المطلقة فيستخدموها كأحد آليتهم الضبطية لمجتمعهم المحافظ.

    أما المشكلات الاجتماعية فإنها تعني عدم اتساق سلوك وتفكير الأفراد مع الضوابط العرفية والقيمية والمعتقدية والأدبية التي تحملها ثقافتهم الاجتماعية. لكن ما هي أسباب عدم الاتساق عندهم؟ نقول انها ناتجة عن: –

1 – صرامة وجمود الآداب العامة والأخلاق المبدئية التي تتضمنها ثقافة المجتمع.

2 – مؤثرات تكنولوجية حديثة الابتكارات والجديرة النفع في حياة الناس الحديثة.

3 – تأثير التعليم والمعرفة العلمية التي تعمل على تفتيق وعي الأفراد وبالذات الناشئة.

4 – الاحتكاك الثقافي مع ثقافات مغايرة.

5 – صراع جيل الشباب مع جيل المعمرين المتمسكين بالمعايير العتيقة التي تخدم وجودهم ومواقعهم ومصالحهم.

6 – تبلور منظمات مدنية تدافع عن حقوق الإنسان وعدم التعصب الجنسي والعرقي.

7 – حيوية الأنشطة الإعلامية والمرئية والمكتوبة والمسموعة في توعية الناشئة ضد التعصب والتخلف.

لا جناح إذن من القول بإن الثابت والمتغير والمشكل هم ثالوث علم الاجتماع الثقافي.

8 – تأثير الحركات السياسية والاجتماعية والثورات السياسية.

     جميع هذه المؤثرات تسبب مشكلات اجتماعية للأفراد وتجعلهم بين مفترق طرق أو بين فكي رحى، إما ان يتبنوا تأثير المؤثرات السالفة الذكر ويواجهوا نقد المتزمتين والمحافظين والتقليديين من أبناء مجتمعهم. أو يبقوا ملتزمين بأعرافهم دون الخضوع للمؤثرات المذكورة أعلاه ويتخلفوا عن مسايرة التطورات الحديثة ويخسروا الحداثة والتمدن. وفي كلا الحالتين تحصل لهم مشكلة اجتماعية. وهنا تبرز المقومات الثقافية في الآداب العامة والقيم والأعراف والتقاليد والمعتقدات في ممارسة ضوابطها لأنها تعتبر هذه المؤثرات مهدد لوجودها. لذلك يقوم أصحاب المصالح السياسية والاجتماعية وأغلبهم من كبار السن وأصحاب المواقع الاجتماعية المتنفذة يرفض التغير ووصمه بأسوء الوصمات تصل الى حالة النبذ الاجتماعي لكل من يتخلى أو يتجنى على هذه المقومات الثقافية عندئذٍ تحصل المشكلة لهم.

   إن سياق الحديث يلزمني ان لا أغفل ما أوضحه “جون ماسيونس Jhon Macionis” 2010، عن جانبين متناقضين للثقافة الاجتماعية وهما الجانب الكابح والجانب السامح. ففي الجانب الأول (الكابح) الذي تلعب فيه – الثقافة – قوة مقيدة للعواطف والأفكار والطموح البشري على الرغم من حاجة الأفراد للعيش ضمن ثقافتهم لأنهم لا يقدروا ان يعيشوا بدونها على الرغم من سلبياتها. حيث تحتضن ثقافتهم العديد من الخبرات والرموز والابداعات والقاعدات والمعايير تحدد اختياراتهم لدرجة انها تدفعهم الى تكرار نفس النمط في كل يوم لأنها أنماط مقفلة مثل التعصب العرقي والفئوي والتمييز الجندري (بين الجنسين) يحدث هذا مع كل جيل من أجيال الأفراد. بذات الوقت يؤكد المجتمع على المنافسة في الاداءات ويحث بشكل متابع على التفوق وهذا ما يجعل الفرد أن يعيش بين نقيضين الأول دافع التنافس والتفوق (مجتمعي) والثاني كابح (ثقافي) فضلًا عن قيام الجانب الكابح بعزل الأفراد بعضهم عن بعض ويتيح لنا الماديات الثقافية للعيش برفاهية وهناء ويعطينا الأمن والأمان عبر علاقات منغلقة على نفسها مدعمة من قبل روحية. هذا على الجانب الكابح، أما على الجانب السامح للثقافة فقد فتح الباب للتنوع الثقافي حيث هناك ثقافة تمنح الحرية الفردية مثل الثقافة الأمريكية وأخرى تمنع الحرية الجمعية مثل الثقافة الكندية حيث تسمح الثقافة لنا باختيار ما انتجناه لأنفسنا.

[Macionis. 2010. P. 80]

      لكننا نقول بإن الكوابح الثقافية أكثر كمًا ونوعًا من التسامح الثقافي في المجتمع الإنساني وسوف نعرض هذه الحقيقة – الكفة الكابحة وتفوقها على الكفة المتسامحة الممنوحة للفرد.

جميع هذه المؤثرات كشفت وأوضحت الجانب السلبي للثقافة الاجتماعية التي تساهم في إحداث مشاكل اجتماعية لأفرادها بجانب المؤثرات الاقتصادية والسياسية والنفسية والتربوية. فمثلًا الزواج المبكر للفتاة وهي بعمر 13 أو 12 سنة في النيجر هو العمر المفضل لزواج البنت عندهم ولا يعدوه مشكلة وعندما يصل عمرها سن العشرين وليس لها أطفال (على الأقل طفل أو طفلين) عندها يعتبروا هذا مشكلة اجتماعية أسرية لأنهم يروا كل امرأة متزوجة يجب ان تنجب، وبدون إنجاب يسبب مشكلة لها ولأسرتها. [Griswold. 2004. P. 114] هنا تكون الثقافة النيجيرية مسببة مشكلة للفتاة المتزوجة وللأسرة النيجيرية لأن الثقافة تقول ذلك والمجتمع يرددها (أي مشكلة عدم الإنجاب) لكن هذه الثقافة النيجيرية لا تعد زواج المراهقة مشكلة ولا حبلها وهي مراهقة مشكلة ولا تعتبر عدم تمتع المراهقة بحياتها مشكلة بل تدفعها للحياة الأسرية والزوجية وهي صغيرة وغير ناضجة في تحمل تربية الأطفال ومسؤولية الأسرة وهذا حكم اعتباري جائر وقاسي على المراهقة النيجرية لأن ثقافتها تقليدية غير متحضرة ولا متمدنة بل موروثة.

    لكن المجتمع الأمريكي يعتبر حبل المراهقة يمثل مشكلة اجتماعية لأنها غير مؤهلة أسريًا ولا ماليًا ولا تربويًا في تنشئة طفلها وهنا يكون الطفل ضحية حبلها وهي ضحية نزوتها لذلك يدين المجتمع الأمريكي هذا الحبل عند المراهقة وهنا ايضًا تعتبر الثقافة الأمريكية هي التي اعتبرت حبل المراهقة مشكلة اجتماعية وليس الفرد الأمريكي.

لاحظ هنا ان الثقافة ليس لها معيار واحد في كل المجتمعات بل يختلف من مجتمع لأخر كلٍ حسب تطوره على سلَّم المدنية والحداثة والتطور التكنولوجي فحبل المراهقة مثلًا يعد مشكلة اجتماعية في مجتمع صناعي متقدم ومتمدن لكنه لا يعده مشكلة بل يعتبره مطلبًا ثقافيًا مُرحبًا به في مجتمع تقليدي لا بسبب الكلفة المالية في تربية الأطفال بل بسبب عدم نضج المراهقة نفسيًا واجتماعيًا في مجتمع تركز ثقافته على مستقبل الطفل وصحة المراهقة. لكن في ثقافة ثانية مثل النيجيرية فإنها تركز على الخصوبة الإنجابية للأنثى وتوسع حجم الأسرة الذي يمنحها الاعتبار الاجتماعي العالي في مجتمعها المحلي.

إذن حبل المراهقة يُعده مشكلة سببها الثقافة الاجتماعية في المجتمع الأمريكي وعدم حبل المراهقة يُعد مشكلة اجتماعية سببها الثقافة الاجتماعية في نيجيريا. لكن المجتمع الصيني الذي عانى من التضخم السكاني أصدرت حكومته سياسة الطفل الواحد في الأسرة وإذا تجاوزت الأسرة سياسة الطفل الواحد فإن ذلك يُعد مشكلة اجتماعية. وإذا كان طفلها ذكرًا فإنه يرحب فيه لكن إذا كان لدى الأسرة طفلًا وحبلت الأم فإن عليها أما أن تخفيه أو تقوم بالإجهاض. هذه أكثر من مشكلة اجتماعية واحدة مصدرها الثقافة الصينية التي خَلَقت مشكلة للأسرة وللأم وللبنت الرضيع على السواء بحيث جعلت الثقافة الصينية خضوع الأسرة لضغوط خارجية ضد رغبة الأسرة في الانجاب وهذه مشكلة أولى، وعندما تلد انثى فإن الثقافة الصينية لا تحبذ الانثى بل تفضل الذكر عليها وهذه مشكلة اجتماعية ثانية وقعت على الأسرة وعلى الأنثى الرضيع الذي يكون مصيرها التخلي عنها في دار الأيتام أو التبرع بها للأخرين والمشكلة الثالثة هي تدفعها الأنثى الرضيع التي لا تعيش في أحضان أمها وأسرتها بل في دار الأيتام. يعني ان الثقافة الاجتماعية الصينية خلقت ثلاثة مشاكل اجتماعية للأسرة الصينية والأنثى الصينية. كذلك تفاضل الذكر على الانثى في تعاملها داخل الأسرة والمؤسسات الرسمية. أما في المجتمع العربي لأن الثقافة الاجتماعية العربية ثقافة بطريقية ذكورية تقليدية بدوية وريفية غير متفتحة على العالم الخارجي وفلا تُعد هذه المفاضلة مشكلة اجتماعية والحالة الثانية التي تخلقها الثقافة العربية هي مباركتها للزواج المبكر للفتاة وهي مراهقة الذي يطلق عليه (زواج القاصر).

وللمزيد من التوضيحات عن الثقافة الاجتماعية كمصدر لبلورة مشاكل اجتماعية نقدم مشكلة حبل المراهقة والأم العازبة التي تسود في المجتمع الأمريكي في الوقت الراهن مع العديد من المشكلات الاجتماعية التي يكون سببها الثقافة الاجتماعية علمًا بإننا لا نأخذ ولا نؤمن بسببية السبب الواحد بل الأسباب المتعددة يعني ان الثقافة الاجتماعية ليست هي الوحيدة في خلق المشكلة الاجتماعية بل هناك مسببات مصاحبة لها مثل العامل المادي والنفسي والسياسي وسواها.

أدلف الان الى طرح أنواع المشكلات الاجتماعية ذات السبب الثقافي وهي: –

7 / أ – أنواع المشكلات الاجتماعية ذات التسبب الثقافي

1 – حبل المراهقة العازبة… تحلل معياري

 

    من غرائب المشكلات الاجتماعية العصرية هي ممارسة الجنس من قبل البنت المراهقة مع صديقها دون وجود عقد زواج بينهما. تنطوي هذه الممارسة على مشكلتين هما: ممارسة الجنس من قبل بنت قاصر يتراوح عمرها ما بين 15 – 19 عاماً. وثانياً من قبل شخص لا تمت به من صلة زواجية بمعنى علاقة جنسية غير شرعية لفتاة قاصر. السؤال الذي ينطرح أمام هذه المشكلة المزدوجة هو أين فاعلية التنشئة الأسرية؟ ألم يقم والديها أو والد الشاب بتوجيههم ويقولا لهما بأن هذه الممارسة محرمة دينياً واجتماعياً وأخلاقياً؟ أين تعليمات المؤسسة الدينية (دور العبادة الكنيسة تحديداً) في تبصير الناشئة حول مخاطر هذه الممارسة؟ أين توجيهات المدرسة في هذا الخصوص؟ معنى ذلك إن هذه المؤسسات (الأسرية والدينية والتربوية) فاشلة في تحقيق أهدافها. إن مثالب هذه الممارسة تبرز في تربية الأطفال من قبل مراهقات غير قادرات على تحمل هذه المسؤولية الأمومية فيحصل الإجهاض وعدم الرعاية الصحية والأمومية للأطفال وظهور حالة الأب الهارب أو المفقود في الأسرة لطفل المراهقة وسواها.

     قدمنا هذا الاستهلال بعد أن سجل علماء الاجتماع الأمريكان حالة ارتفاع معدل الولادات بين المراهقات في المجتمع الأمريكي بوتائر عالية وهذه حالة شاذة لأنها حدثت في مجتمع يعتبر من أغنى المجتمعات وأكثرهم تمدناً وتقدماً على الصعيد التكنولوجي والعلمي والصحي. حصل رصد لهذه الحالة منذ ثلاثة عقود مضت من الزمن فوجدوا انها قد ارتفعت في عام 2006 بنسبة 3% عما كانت عليه في عام 1991. أما بالنسبة للولادات الطبيعية فكانت بنسبة 41.9% علماً بإن هذه المشكلات سادت مراكز المدن الحضرية الواقعة في جنوب الولايات أكثر من شمالها. أما على الصعيد الرسمي فكانت المراهقات الأمريكيات من أصل أفريقي زاد عندهم حبل المراهقات بزيادة 5% وعند البيض 3% وعند الأمريكيات من أصول لاتينية 2%. [Kendall. 2012. P. 237]

    إن المنطق التحليلي لهذه المشكلة الأسرية التي تنطوي على إن الأم المراهقة لا تكن ماهرة ومؤهلة لدورها الأمومي بسبب صغر سنها وافتقار خبرتها في تربية الأطفال التي لم تكن هادفة أن تحبل وتلد طفلاً لتربية بل انزلقت في متعة الجنس وحبلت وهذا ما يجبرها على ترك مدرستها ودراستها لأنه يمنعها من الاستمرار في تعليمها وما تواجهه من اعراض صحية عند الحبل من جانب وفي الجانب الأخر لما كان حبلها غير الشرعي وهي قاصر لا يكن مرحباً به من قبل أهلها واقاربها بل مستنكراً مما لا يجعلها الحصول على دعماً عاطفياً ومالياً لاسيما وإن الحامل تكون بأمس الحاجة للدعم العاطفي والمالي من أقرب الناس لها. علاوة على هروب والد الطفل وعدم تواجده معها اثناء حبلها وهذا ما يزيد متاعبها النفسية والاجتماعية والمالية. كل ذلك يدفعها نحو جدتها أو أحد اقاربها اللجوء اليها أو إليهم لمساعدتها في حبلها وتربية طفلها غير الشرعي.

   ومؤدي ما سبق، فإنها لا تكن قادرة على نقل تنشئتها التي تنشئة عليها لوليدها وهذا ما يبلور عدم قدرتها على تأسيس وحدة أسرية وناضجة بل متعرضة لعديد من الاضطرابات النفسية والاجتماعية والمالية والصحية. ولا ننسى غياب والد الطفل يجعل من الأم المراهقة العازبة معرضة للعزلة الاجتماعية لا سيما وإنَّ معظم هؤلاء الأمهات لا يتمتعنَّ بثقافة عالية أو تعليم متقدم بل تعليم بسيط ومحدود، بذات الوقت لا تستطيع الحصول على فرصة عمل تعمل فيه وتكسب عيشها. كل ذلك يجعلها العيش بالمستوى الفقير وفي مناطق فقيرة وموبوءة بالجريمة. جدير بذكره في هذا السياق هو انها تحبل مرة ثانية بعد مرور ثلاثة أعوام على حبلها الأول ومما يزيد الطين بلة هو إن الحكومة الأمريكية قلصت وقللت الكثير من مساعداتها للأم العازبة والقاصرة. [Kendall. 2001. P. 237]

     تكمن مخاطر هذه المشكلة في نشوء أسرة مفككة قبل بنائها الأسري تتصف بتعدد الانكسارات منها: –

1 – فقدان الأب.

2 – عدم تمتع الأم بمؤهلات خبرية أمومية.

3 – مرفوضة من أسرتها وأقاربها.

4 – فرص عمل نادرة.

5 – مساعدة حكومية شحيحة.

6 – لا يتنشأ أطفالها في أحضان دائفة وراعية.

7 – تعرض الطفل لشتى أنواع المؤثرات المنحرفة من جماعة الأقران بسبب عيش الأم في منطقة فقيرة وذات دخل واطئ.

8 – تفاقم السلوكيات المنحرفة والجانحة في الاحياء والشوارع.

9 – حصول – مستقبلاً – زيجات لأبناء هذه الأمهات من اخوانهم بسبب عدم معرفة أباءهم وهذه الطامة الكبرى لهذه المشكلة غير الشرعية والغير مسئولة.

    في الواقع لا يوجد منتفع من هذه المشكلة بل يوجد عدد غفير من المتضررين منها وهم الأم والطفل والأسرة والمجتمع والتنشئة الاجتماعية والضوابط العرفية.

[العمر. 2019. ص. ص. 174 – 176]

   هنا تكون الثقافة الاجتماعية هي المسؤولة عن ولادة هذه المشكلة الاجتماعية لأنها منحت الحرية الشخصية للمراهقين في علاقاتهم وعدم تقديم الإرشادات الاجتماعية والعقبات المترتبة على الحمل وعدم احترام عقد الزواج الشرعي بل حتى عدم احترام الأسرة التي لا يمكن ان تسمى أسرة بدون عقد شرعي يبرم بين الزوج والزوجة وتربية أطفالهم في أسري متماسك فيحصل ان تكون طفلة تربى طفلتها أو طفلها ويسبب لها (الأم) عدم استمرارها في الدراسة المدرسية ويجعلها تعيش في دائرة الفقر مع استنكار الناس لحملها وإنجابها. كل ذلك يرجع الى الثقافة الأمريكية التي منحت الحرية للصبية والصبايا في علاقاتهم الاجتماعية والجنسية.

2 – تعارض المجتمع العربي مع ثقافته… تناشز ثقافي

   ذلك في مجال العلاقة العاطفية بين الشاب العربي والشابة العربية. فالأدب العربي القديم والحديث يتغنى بالعلاقة العاطفية والحب العذري والتعبير الصريح عن المشاعر الجياشة والخيال الرومانسي للحب الروحي والجسدي، برز في هذا اللون الأدبي شعراء أفذاذ في التعبير عن حب الفتاة للفتى والفتى للفتاة مثل الشعراء القدامى “كُثير عزة” و “عنترة” و “قيس بن الملوح” وسواهم. والشاعر السوري “نزار قباني” الذي تحولت قصائده الشعرية الى أغاني يؤديها فنانين لامعين أمثال “كاظم الساهر” و “نجاة الصغيرة” و “عبد الحليم حافظ” و “فيروز” و “ماجدة الرومي” وسواهم والجماهير العربية تطرب عليهم وتتغنى بها وتذيعها الإذاعات والمحطات الإذاعية والتلفازية الحكومية. لكن المجتمع العربي لا يسمح للفتاة أن تحب فتى وتعبر بشكل علني عن حبها لذا يحصل عندها حب من طرف واحد أي من طرفها دون أن يعرف ذلك الطرف الأخر بحبها لأن الحب في الأسرة والمجتمع العربي محرم (تابو) ويُعد عار على المُحبه (الفتاة) وأسرتها وإذا عرفت أسرتها بحبها فيكون الزجر أو القتل أو تزويجها لغير حبيبها لكي لا تحصل الأسرة على سمعة سيئة من الأخرين فتوصم البنت والأسرة بأسوء الوصمات ويؤثر ذلك على زواجها لأن الرجل العربي لا يتزوج من فتاة لها علاقة غرامية سابقة مع غيره وهنا يحصل تعارض يصل الى درجة الصراع بين الثقافة العربية التي تشجع وتتغنى بالعواطف الغرامية والحب العذري والتعبير الشجي مع موقف افراد المجتمع من الفتاة التي تحب فتى لكنه لا يقف موقف الرافض والمتنكر من حب الشاب للشابة بل يعجب به ويطلق عليه مسميات إعجابيه مثل الشاب الأنيق والوسيم والرشيق ويتم تشبهه بأحد النجوم السينمائية هذا التعارض بين الثقافة العربية ومجتمعها يخلق مشكلة للفتاة العربية التي عبرت عن عواطفها الجياشة وعاطفتها كأنثى لا سيما وإنها خاضعة لمؤثرات فنية يوميًا من أغاني عاطفية تذاع يوميًا من الراديو والتلفاز ومشاهدة الصور الغرامية الساخنة في السينما والمسلسلات التلفازية، جميع هذه المؤثرات الإعلامية تمارس تأثيرها يوميًا ويريد المجتمع العربي من الفتاة ان لا تعبر عن تأثرها بالأدب الرومانسي العاطفي وتُعامل مثلما يتعامل أخيها الوالد في حبه للفتاة. هذا نفاق اجتماعي عربي بلورته الثقافة العربية من خلال تمجيدها وتحميدها للشعر العاطفي والغزل العذري وتحريم المجتمع لتعبير البنت عن مشاعرها نحو الحبيب.

    إنها علّة اجتماعية خلفتها ثقافة مجتمعها. معنى ذلك ان ضوابط المجتمع العرفية العربية أقوى من آليات الثقافة العربية في الشعر والنثر والقصة الروائية وإنها انتجت مشكلة عاطفية وعلائقية وأسرية للفتاة وهي تعلم بإن موقف المجتمع منها سلبي وصارم ويضع جزاءات عرفية ونفسية على الفتاة التي تتجاوب وتستجيب للفن العاطفي والغزل العذري ولا تضع جزاءات عرفية على الشباب العربي الذي يحب شابة ويتغازل معها بل يمنحه اعتبار اجتماعي شبابي عالي، هذا نفاق اجتماعي بلورته الثقافة الاجتماعية العربية.

3 – تسلط الصلة القرابية على المسؤولية الرسمية… استبداد ثقافي

   تمثل الصلة القرابية – الدموية في المجتمع العربي أقوى الصلات فيه (أقوى من الحزبية والطائفية والزماليه والصداقية) لأنه ما زال محتفظًا بوحدة الأسرة والعشيرة وذلك راجع الى تركيز وتأكيد القيم الثقافية العربية على هذه الصلة لأنها تعزز التضامن الاجتماعي وتمنع تمزق نسيجه، هذا من جانبها الإيجابي لكت من جانبها السلبي عندما تخرج من محيط الأسرة والقبيلة لتذهب الى المؤسسات الرسمية (دوائر الحكومة والشركات) ويمارسها افرادها داخلها عندها تصبح مسببة لمشكلة مؤسسية واجتماعية في ذات الوقت لأن المؤسسة الرسمية تعتمد على العلاقات المهنية والمؤسسية وليس القرابية، وعندما يحصل الفرد المهني والمثقف العربي رئاسة مؤسسة رسمية نجده يتكلم بالموضوعية والحيادية وارقاء أداء المؤسسة بواسطة كوادرها المتخصصة، نجده لا يستطيع تجنب او الهروب من ضغوط اقاربه في تعيين أحد اقاربه حتى لو كان لا يملك مؤهلات وخبرات المنصب المراد اشغاله إذ يواجه النقد والتقريض والزعل بل وحتى قطع الصلة معه ووصمه بأسوء الوصمات لأنه لم يعين أحد اقاربه، بذات الوقت هو ايضًا يحتاج الى من تكون له عيون معاونة من اقاربه على شئون الموظفين وأداء المؤسسة لكي يخبره بأخبار لا يقدمها الموظف المهني أي انه يكون اشبه بشرطي الأمن والجاسوس على الموظفين لخدمة اقاربه وليس لخدمة المؤسسة التي يعمل فيها. فأطلق المجتمع العربي على هذه الممارسة بمسميات لطيفة تحمل عملها مثل (الشفاعة في المجتمع السعودي) أو الواسط (في المجتمع العراقي).

    في الواقع هذا التنصيب الذي لا يراعي المؤهلات والمتطلبات المهنية يسبب مشكلة مؤسسية تنظيمية سببها القيمة القرابية التي تؤكد عليها الثقافة العربية وما زالت هذه القيمة سائدة في الثقافة العربية مما جعلت (هذه القيمة) عدم ارتقاء اداءات المؤسسات البنائية العربية لأنها تساير وتراعي الصلات القرابية في أدائها وليس العلاقات المؤسسية المهنية القائمة على المجهولية والاختصاص والتدرج المهني. هذه مشكلة اجتماعية من الطراز الأول خلفتها الثقافة الاجتماعية العربية، وهذا هو أحد أسباب تخلف المجتمع العربي سببته له قيم الثقافة الاجتماعية. وقد أطلق على هذه المشكلة المؤسسية التي سببتها الثقافة العربية عالم الاجتماع الكويتي “محمد الرميحي” بـ (البدوقراطية) إنما نحن اسميناها بـ (القرابقراطية).

القرابقراطية

     هي نقيض البيروقراطية (سلطة المكتب) التي تقوم بالإجراءات المكتبية المتدرجة مهنياً حسب مواقع متخصصة كلٍ حسب مسئولياته الإدارية والفنية من أجل تنظيم إجراءات العمل لا تقبل تجاوز الروتين لا لخدمة الماكنة أو الجهاز الإداري بل لخدمة الزبون أو العميل في مهمته او معاملته. سلطة المكتب هذه تسود المجتمعات الحضرية المتمدنة والمعلوماتية لكن في المجتمعات التقليدية والريفية لا تأخذ سلطة المكتب مكانها في التنظيم أو المؤسسات أو المنشأة بشكلها الصحيح بل تخضع للعلاقات القرابيّه والصداقيّه والطائفية والحزبية في تمشية المعاملات الرسمية للأفراد التي تأخذ حالة المفاضلة بين الناس مما تولّد نفور وتهميش واستبعاد الغرباء عن شاغلي المواقع الهرمية فيضطر المواطن الى استخدام الواسطة أو الشفاعة أي الذهاب الى أحد أقرباء أو أصدقاء المؤول الإداري لكي يُيسّر معاملته أو يتجاوز تدرجها المهني وفي هذه الحالة لا يكن أداء الجهاز الإداري كفوءً أو شفافاً أو موضوعياً بل محابياً لأصحاب القرار في المؤسسة أو التنظيم عندها يحصل الفساد الإداري والرشوة والتزوير والاختلاس واستغلال النفوذ.

     هذه المشكلة نجدها منتشرة في مجتمعات العالم الثالث والمجتمع العربي أجدها علّه اجتماعية من النوع الرسمي تنخر الجسد المؤسسي فتعيق نموها وتطورها في الأداء الوظيفي. نقول بأن العلاقات القرابية والعرف الاجتماعي أقوى من الروتين وسلطة المكتب وغالباً ما يتم تنصيب الرئيس الأعلى للتنظيم أو المؤسسة دون الأخذ بعين الاعتبار لاختصاصه أو خبرته المهنية لأنه من أحد أقارب الوزير أو رئيس الجمهورية أو من أعضاء الحزب الحاكم الذي بدوره ينتقي من اقاربه لينصبهم مساعدين له ويكونوا عيوناً راصدة تراقب كل من يخالف رئيس المؤسسة ويلتفوا على أصحاب الاختصاص ويحاصروهم ويضيقوا الخناق عليهم لكي يتركوا عملهم. انها تمثل مشكلة من نوع ذات المدى المتوسط لأنها تمارس في تنظيمات رسمية وسطية (أي متوسطة بين الفرد والسلطة). أما علاجها فلا يتم إلا بواسطة نقدها من قبل السلطة الرابعة (الصحف والمجلات الاهلية غير الحكومية) وتقديم الشكاوى من قبل المواطنين المستبعدين ومورس علسهم الفساد الإداري. والحل الأخر يتم من خلال استبدال المنصبيّن بآخرين مؤهلين وأصحاب الخبرة والاختصاص.

    هناك (الدكتور محمد الرميحي عالم اجتماع كويتي) استخدم مصطلح بدوقراط في منتصف العقد السابع من القرن العشرين ليصف العلاقة القرابية العشائرية البدوية في مجتمع الخليج العربي وكيفية إدارة التنظيمات والمؤسسات الحكومية في دول الخليج العربي التي لا تلتزم بالإجراءات الرسمية المبنية على التخصص والانجاز والدقة في العمل بل على تنصيب افراد من أبناء القبيلة الحاكمة ولا يحمل أية مؤهلات تتعلق بالمنصب المنصّب فيه بل لأنه من أبناء الأسرة الحاكمة الأمر الذي يحوّل هذا التنظيم الرسمي الى أهدافه البدوية المغلفة بغلاف بيروقراطي. أي ان الدكتور “الرميحي” بينَّ فعل البداوة في أروقة وسجلات وتدرج التنظيم الديواني الرسمي مكوناً مصطلحاً مركباً من البدو ومن البيروقراطية فنحت مصطلحاً مركباً يدعى “البدوقراط”. [العمر. 2019. ص. ص. 269 – 270]

بعد الانتهاء من الاقتباس ومن افرازات تسلط الصلة القرابية على المسؤولية الرسمية تبلورت منها ظاهرة مؤسسية الشخص الواحد في الانساق البنائية. هذا النوع من المؤسسات الرسمية – الحكومية ساد المجتمع العربي منذ استقل سياسياً من السيطرة الأجنبية وما زال سائداً لحد الآن. إذ يتم فيه تعين شخص غير مؤهل مهنياً أو لا يحمل مؤهلات متخصصة، إنما يكون فقط من أقرباء أو زبانية وبطانة رئيس الحكومة أو الفئة الحاكمة لا يمتلك كفاءة تطويرية يخدم فيها المؤسسة التي يشغلها، بل يعرف فقط كيف ينفذ أوامر المسؤول الأعلى منه بشكل صارم وبدون وعي، يُجبر فيها الموظفين الذين يعملون تحت أمرته على تنفيذها ويعاقب مهنياً أو مالياً أو نفسياً أو اجتماعياً كل من يتردد في تنفيذها لأن هدفه الأساسي هو إرضاء المسؤول الأعلى الذي نصبّه وعينّه وبذلك يحول المؤسسة الرسمية – الحكومية الى إقطاعية، أو مزرعة خاصة به ويستخدم صلاحيته الإدارية والمالية لإيذاء وإساءة معاملة المواطنين من خلال عنف لفظي وإداري ومالي لكل من لا يستجيب لأوامره المتعسفة والمرتجلة والعابثة. بمعنى أخر انه لا يخضع لقوانين المؤسسة التي يدريها بل يستخدمها كأداة لتعنيف كل من لا يمتثل لأوامره أو من لا يحترمه. انه عنف لا يخدم المؤسسة ولا المجتمع بل يخدم شخصيته المريضة ومآربه المصلحية – الذاتية وهذا أحد أوجه الانحراف أي الانحراف عند خدمة المصلحة العامة وتكون ضحاياه من الموظفين الأكفاء والمؤهلين، ويكون مستشاروه من غير المؤهلين مهنياً ومؤسسياً ومن المنافقين المصلحين والأفاقين.

    حريًّ بنا الإشارة الى انه على الرغم من تبدل أنظمة الحكومات العربية عن طريق الانقلابات أو الثورات أو الوفاة الطبيعية، فإن هذا النمط المؤسسي يتكرر مع زمرة تقفز على سدة الحكم وهذا بطبيعة الحال يدفع عجلة تخلف المؤسسة الرسمية العربية نحو النكوص والارتداد الورائي والماورائي.

    بتعبير أخر، يبحث في أوجه المؤسسة الرسمية عن وسائل طرق شرعية وغير شرعية خفيّه أو ظاهرة لتقديم ولائه لرئيسه ومولاه الذي نصبه على رئاسة المؤسسة التي لا يستحقها ولا تؤهله مؤهلاته لإدارتها لا من أجل وفائه له بل من أجل الحصول على مكاسب مادية ومعنوية لا يستطيع أن يحصل عليها بكفاءته في عمله الطبيعي الذي يتناسب طرداً مع وظيفته. أقول لكي يكتسب مكاسب غير شرعية من أموال وأراضي ومساكن وسيارات وسفرات الى خارج البلد ومكافئات واحترام زائف واعتبار اجتماعي مؤقت، علماً بإن الاحترام والاعتبار يزولان حال مغادرته رئاسة المؤسسة أو عند طرده منها. أما الماديات فيحصل عليها بطرق غير مشروعة (نفاق ومداهنة وغدر) فإنها تكون أموال حرام تذهب فيما بعد الى أشخصا آخرين أمثال الأطباء والنصابين والمحتالين أو تبذر من قبل أبنائه، لأنه حصل عليها بدون تعب ومشقة مهنية شريفة، بل بواسطة جهد منافق لم يخدم المصلحة العامة ولا أهداف المؤسسة مستخدماً الصلاحيات الرسمية الموقعية الرئاسية في إجبار وإقهار وإلزام الموظفين للإذعان لأوامره المتقلبة والمرتجلة التي تصب في خدمته وخدمة مولاه الذي نَصَبّه على هذا المنصب، وهذا عنف شخصي نرجسي متغلف بغلاف المسؤوليات المؤسسية أي ينطق باسمها وبأهدافها لفظاً إنما واقعياً وميدانياً تصب في مصلحته ومصلحة رئيسه الأعلى. فهو إذن ناطق باسم المؤسسة إلا انه لم يمت بصلة بها، بل يخرب هيكلها ويحرف أهدافه من أجل إشباع رغائبه الجنسية. بتعبير ثاني أنه ناطق باسم المؤسسة لكن في واقعه عنف صادر من رئيسها الذي يعكس أهدافها ورسالتها المؤسسية.

     زبدة القول يحاول أن يسخر المؤسسة بموظفيها وإمكانياتها الوظيفية لتلميع صورته أمام سيده ومولاه كي يحصل على المزيد من رضاه قاصداً بذلك المزيد من المكافآت التي لا يستحقها وهذا هو لب الفساد الإداري والمالي والأخلاقي والاجتماعي. [العمر. 2019. ص. ص. 267 – 268]

4 – الرشوة… استولدتها الثقافة الاجتماعية Bribery

    تنطوي الرشوة على تبادل منافع تحصل بين الموظف الرسمي والمواطن العادي، يتاجر الأول بصلاحيات موقعه الوظيفي من خلال ابتزاز واستغلال المحتاج للأداء الوظيفي المهني وفي أحيان أخرى يكون مراد الراشي الحصول على حقوق أو مزايا باطلة أو أبطال واجبات أو التزامات مستحقة أو دفع ضرر أو خوف أو خطر واقع أو متوقع. هنا يكون كلاهما الراشي والمرتشي يقوما بممارسة الفساد المؤسسي والقيمي والأخلاقي حيث يخون المرتشي شرف مهنته ويخون الراشي شرف مواطنته. هذه الممارسة تعبر عن المنفعة المتبادلة المسوفة للأداء البيروقراطي الذي لا يعيش إلا في بيئة الحياة الحضرية ذات الأنظمة العقلانية لخدمة المصلحة العامة لا الخاصة الآخذة بالقوانين الوضعية وليس العرفية. لذا نقول عنها بإنها بذرة تشوه النظام العقلاني الرشيد المبني على المسؤولية العامة لا الخاصة في المؤسسات الرسمية (الحكومية والأهلية) في المجتمعات الحضرية التي تعارض ممارسة العلاقات القرابية فيها وتعاقب المتاجرين فيها.

حريًّ بنا أن نشير في هذا السياق معنى الرشوة في اللغة العربية إذ يطلق العرب لفظ الرشوة على رشى الدلو يقال رش الدلو إذا جعل له رشاء أي حبل يتوصل به الى الماء ويربطه من أحد طرفيه وايضًا تُطلق هذه اللفظة على رأس الفرخ حينما يمد رأسه ويرفعه الى الأعلى لتطعمه أمه، ويطلق على ولد الظبي حينما يتحرك ليمشي. ومن الالفاظ المرادفة للرشوة (السحت) أي الحرام أو خبث من المكاسب فلزم عنه العار. أما الجرجاني فيقول عن الرشوة: “انها ما يعطي لأبطال حق أو أحقاق باطل. [www.linkedin.com]

أما آثارها فهي ما يلي: –

1 – تمثل الوهن القيمي واللامعياري (الأنومي) ومن هذا الأثر نقول عن الرشوة انها نتاج وافراز الثقافة الاجتماعية وبالذات في المجتمع العربي الذي سادت فيه حالة اللامعيارية في الوقت الراهن بسبب تحوله من المرحلة الريفية الى الحضرية وحداثة تعامله وتعايشه مع المؤسسات الرسمية التي تتعارض مع المعايير التقليدية مع عدم الاستقرار السياسي في المنطقة العربية فضلًا عن كون المثقف العربي غير عقلاني في سلوكه إنما عقلاني في كلامه ونظرياته.

2 – تمثل خرقًا للتعاليم الدينية السمجة التي تركز على احترام العمل وتقديسه وتقديم الخدمات الإنسانية والمهنية والتعامل الحر الغير مقيد بمصلحة ذاتية أو نفع مادي.

3 – تقوض انساق البناء الاجتماعي مما يؤثر ذلك على تحويلها الى بازارات رخيصة.

4 – تمنع النمو وتغير وجهة الاستحقاقات لغير مستحقيها.

5 – تضيع فرص الاستثمار.

6 – تضييع اتباع معايير الجودة والسلامة معًا.

7 – تسيء الى هيبة الدولة وكرامة الوظيفة العامة.

8 – تنخر هيبة القضاء.

9 – انها تآمر خفي بين الراشي والمرتشي على سلطة القانون.

    جميع هذه الاثار تكّون مشكلة اجتماعية تعبث في النسق البيروقراطي في التنظيمات الرسمية يدفع ثمنها افراد المجتمع.

أسباب حدوثها

لقد بينت انفًا آثارها لكي أحدد وأشخص أسبابها وهي كما يلي: –

1 – عدم وصم المعايير والقيم الثقافية للمرتشين والراشين.

2 – استشرائها يبدأ من القمة ثم تسري الى جميع أجزاء الجسد الاجتماعي ليصل الى الموظفين والمستخدمين الصغار فأمست الرشوة تمارس بدون حياء أو خجل من قبل المرتشي والراشي.

3 – أنها ممارسة لا تطاولها العقوبات القانونية ولا المعنوية الوصمية الازدرائية.

4 – غض النظر الحكومي على ممارسيها لحماية رموز السلطة المرتشين.

5 – وجود قوانين وتعليمات رسمية غير وطنية وغير إنسانية عقيمة في أدائها المهني لا تخدم افراد المجتمع لأنها ظرفية وعشوائية.

6 – قلة رواتب الموظفين في ظل ارتفاع مستوى المعيشة.

7 – التفاوت الطبقي بين الأغنياء والفقراء.

طرحت انفًا أهدافها وأثارها وأسبابها في المجتمع العربي، اتحول بعد ذلك الى تقديم مسمياتها بين الناس في المجتمع العربي وهي: البرطيل، البخشيش، الحلاوة، الاكرامية لأنها لا تعني المكافئة ولا الهدية أو العطية أو الأجرة.

    علاوةً على ذلك هناك إشارات لفظية رمزية يتلفظها المرتشي في مصر للحصول على رشوة من المُراجع لدائرته مثل: –

1 – كُلك نظر.

2 – فين الشاي يا باشا.

3 – بتدخن يا بيه.

4 – ما تقلقش.

5 – حنشوفك بأي حاجة المرّه الجاية.

6 – أصبر هتزبط معانا.

7 – فتح دماغك بدل ما تضل واقف في الطابور.

8 – ده النبي قبل الهدية.

   أخيرًا نشير الى انتعاشها يظهر في أوقات الأزمات والهزات الاقتصادية والسياسية والحروب الأهلية والدولية.

   بعد هذا الاستهلال المفصل نعرض امثلة عن الرشوة في بعض البلدان العربية لكي نثبت ان الرشوة هي نتاج سيادة اللامعيارية وتوهن القيم والمعايير الثقافية التي أضاعت الضوابط الاجتماعية العرفية التي هي أقوى تأثير من الضوابط القانونية في المجتمع العربي التي أدت الى انتشار الرشوة في الوقت الراهن وشكلت مشكلة اجتماعية في النسق التنظيمي.

أ – الرشوة في المجتمع العراقي

أصبحت الرشوة منتشرة بشكل كبير في كافة دوائر وأجهزة الدولة، لاسيما بعد التحوّل الكبير الذي شهدته البلاد بعد احتلالها في عام 2003 ، وصار أفراد كثيرون من الشرطة برتب متدنية، يصل دخلهم الشهري إلى ما يعادل ما يتقاضونه من رواتب خلال عام كامل.

وقال ضابط في وزارة الداخلية للعربي الجديد إنّ “أفراداً من الشرطة يدفعون مبالغ طائلة تصل إلى أكثر من 50 ألف دولار أميركي لنقلهم إلى مواقع معيّنة، من قبيل المفارز التفتيشية على الطرقات الخارجية. من خلال ذلك، يتمكّنون من فرض مبالغ معينة على سائقي الشاحنات للسماح لهم بالمرور وعدم تأخيرهم”.

وأضاف الضابط أنّ “مبالغ طائلة يتقاضاها أفراد من الشرطة لتوفير الراحة لسجناء داخل مراكز الاعتقال المؤقت”، مشيراً إلى أنّ “الشرطي اليوم لم يعد ذلك الواشر الذي يتلقى مبلغاً صغيراً، بل صار يعيش حياة رفاهية بسبب الرشاوى الكبيرة”.

ويتحدث مواطنون عراقيون للعربي الجد