التنظيمات الاجتماعية

 

تأليف: الأستاذ الدكتور معن خليل العمر

 

 

 

المقدمة

لا يوجد مجتمع إنساني بدون تشكيلات تمثل مكوناته الرئيسية في مسيرة حياته اليومية والمستقبلية وعادةً ما تكون هذه التشكيلات على شكل جماعات صغيرة الحجم وكبيرة في نفس الوقت تقوم بقيادة المجتمع والمحافظة على كيانه وثقافته ووجوده وكلما تقدم المجتمع في تطوره تنوعت وازدادت هذه الجماعات لكن ليس جميعها من نوع واحد بل نستطيع ان نصنفها بشكل رئيسي الى ثلاث أصناف، أولها التنظيمات العرفية غير الرسمية (العائلة الممتدة، العشيرة، القبيلة، الطائفة الدينية، الطبقة الاقتصادية، المجتمع المحلي، والجيرة) وثانيهما التنظيمات الرسمية مثل (الحكومة، البرلمان، الشركات، الأحزاب، السياسة، البنوك، الجامعات، الكليات، المستشفيات، الجيش، والشرطة) وثالثهما التنظيمات الإجرامية مثل (العصابات الإجرامية، المافيا، المليشيات المسلحة، القاعدة، داعش، المنظمات الإرهابية، عصابات التهريب البشري والأسلحة). ومن الجدير بذكره في هذا السياق هو انه كلما تطور المجتمع قلَّ عدد الجماعات العرفية وزاد عدد التنظيمات الرسمية والإجرامية وذلك بسبب تعقد الحياة الاجتماعية الحديثة وتنوع اختصاصاتها وارتفاع مستوى المعيشة وسيادة الحياة المادية على المعنوية وضعف الضوابط الرسمية كمعيار لقياس درجة نحضر وتمدن وتطور نمو العالم المادي والمنتظم وسيادة العلاقات الرسمية والسطحية والمجهولة بين أفراد المجتمع مع وجود تضامن اجتماعي عضوي وليس ميكانيكي فيما بينهم ويصغر حجم الجماعات العرفية ويقل عددها. ولا جناح من القول عن المجتمع العربي بإنه مازال في المرحلة الانتقالية للمرحلة المتحضرة (التي لم يدخلها بعد) وذلك بسبب بقاء العلاقات القرابية والأسرة والعشيرة والقبيلة متسلطة على المجتمع وان التنظيمات الرسمية مازالت تدار من قبلهم لا تخضع للنظام البيروقراطي ولم تُمارس فيه الديموقراطية ولا الحرية الفردية في التعبير والتفكير على الرغم من امتلاكه معظم الأجهزة التكنولوجية الحديثة والالكترونية المتقدمة، إلا ان مؤسساته وتنظيماته الرسمية متضمنة المعايير والقواعد والقيم العرفية القبلية والقرابية وليست المهنية المتمأسسة. وهذا ما يجعل حركة تقدم المجتمع العربي بطيئة جداً ان لم تكن هاجعه ومستكنه في مكانها حمايةً لقادة المؤسسات والتنظيمات الرسمية. بمعنى أنها هيكلياً وخارجياً تعد رسمية إلا ان واقعها وباطنها واجراءاتها غير رسمية – عرفية – قبلية وهذا (تنافر تنظيمي) سائد في المجتمع العربي في الوقت الراهن بدرجة انها فتحت أبواب المجتمع مفتوحة أمام التدخلات الأجنبية في الشؤون الداخلية والخارجية وتبديل الحكام وتغير الأنظمة السياسية في جميع بلدان الوطن العربي وهذا ما يريده الطامع الأجنبي (الأمريكي، البريطاني، والفرنسي، الإسرائيلي، الفارسي والتركي) لكي يبتزه اقتصادياً ويركعه سياسياً ويُسبتّه (من السُبات) ثقافياً. انطوى هذا المؤلف على ثلاث أجزاء رئيسية وهي: التنظيمات الاجتماعية غير الرسمية والرسمية والمهلكة أي التنظيمات المنسقة لحياة المجتمع والتنظيمات الرسمية المخربة لنواميس الحياة الاجتماعية مثل الجريمة المنظمة والجماعات المتحكمة ببيوت المال والبنوك المركزية والمتحكمة بمناجم الذهب ومنابع البترول وتهريب المخدرات والتهجير البشري والتحكم بسياسات الدول النامية لخدمة مصالحها ونفوذها. وفي هذا الموطن أقدم شكري الوافر لزوجتي ورفيقة دربي جيهان عاصم سامي التي ترافقني في نشاطي التأليفي عبر حوارها ونقاشها لما يورد في طروحاتي فضلاً عن طباعتها لمسودة كتبي فلها كل التقدير والثناء وأمد الخالق في عمرها وصحتها. اخيراً اسأل الحق الذي منح كل الحق وجوده أن يسدد خطانا وان يتوج بالنجاح مسعانا وان يوفقنا الى المعرفة التي هي غايتنا الأولى والأخيرة في كل ما نزاوله ونحاوله وبالله العون ومنه التوفيق.

الأستاذ الدكتور

معن خليل العمر

سدني – 2021

المحتويات

 

المقدمة

الفصل الأول

التنظيمات غير الرسمية

الجماعات الاجتماعية

أ – كيف تتشكل الجماعة وتنمو؟

ب – هوية الجماعة الاجتماعية.

ت – بنية الجماعة.

ث – أنواع الجماعات الاجتماعية

1 – الجماعة الأولية

2 – الجماعة الثانوية

3 – مجموعتنا

4 – خارج عن مجموعتنا

5 – الجماعة المرجعية

6 – جماعة الضغط (اللوبي)

7 – الجماعة الصداقية

8 – الزمرة

9 – العصابة الإجرامية

10 – الزمر السوقية

11 – الجماعة الإرهابية

ج – حقائق جديدة عن الجماعة الصغيرة

1 – حجم الجماعة

2 – ائتلاف الجماعات

3 – أدوار أفراد الجماعة

4 – أدوار معارضي الجماعة

5 – صراع الدور

6 – قيادة الجماعة

ح – اتصالات أفراد الجماعة

1 – حجم الجماعة واتصالات أفرادها

2 – شبكة اتصالات أفراد الجماعة

3 – المتغيرات المؤثرة على اتصالات أفراد الجماعة

أ – تماسكهم

ب – الاجماع بالرأي

ت – معاييرهم

ث – وضوح أهدافهم

ج – اختلافاتهم الفردية

الفصل الثاني

التنظيمات الاجتماعية الرسمية

استهلال

أ – جذور التنظيمات الرسمية

ب – الخلفية التاريخية للتنظيمات الرسمية

ت – التنظيمات الرسمية في مجتمعات مختلفة

1 – المجتمع الفلكلوري

2 – المجتمع الاقطاعي

3 – المجتمع الانتقالي

4 – المجتمع الحديث

5 – المجتمع التعددي

6 – المجتمع الاشتراكي

7 – المجتمع الجماهيري

8 – المجتمع الشمولي

9 – المجتمع النظامي

ث – مكونات التنظيم الرسمي

1 – التفاعل الاجتماعي

2 – العلاقات الاجتماعية

3 – سُلطة المكتب

4 – السيطرة

5 – التدرج السلطوي

6 – النفوذ التنظيمي

ج – أنواع التنظيمات الرسمية

1 – تصنيف امتاي اتزيوني

2 – تصنيف آرثر ستنجكومي

3 – تصنيف ارفنك كوفمان

4 – تصنيف جورج لندربرك

ح – السلطة المكتبية (البيروقراطية) من وجهة نظر الرأسماليين (فيبر وبلاو) والاشتراكيين (ماركس ولينين وتروسكي)

خ – وظائف البيروقراطية

تعقيب وتعليق

د – المؤسسات الاجتماعية

ذ – آليات الضبط الرسمية

1 – التنظيمات العقابية

2 – الالزام القسري

3 – الأجهزة التصويرية والتسجيلية

ر – آليات ضبطية مشتركة

1 – السخرية

2 – إطلاق الشائعات

3 – الفضيحة

ز – مقارنة التنظيمات الرسمية بغير الرسمية

الفصل الثالث

تنظيمات مهلكة للمجتمع

استهلال

أ – لماذا تتشكل تنظيمات إجرامية معادية للمجتمع؟

ب – التشابهات والاختلافات بين التنظيمات الرسمية والمهلكة

ت – أبرز المنظمات الإجرامية في العالم

ث – صفات الجريمة المنظمة

ج – طبيعتها وعضويتها وعلاقتها بالدوائر الحكومية

ح – تنظيمها الداخلي

خ – مراحل تطور الجريمة المنظمة في العصر الحالي

د – منابع جمع المعلومات والبيانات عن الجريمة المنظمة

ذ – محكات الجريمة المنظمة

ر – مدونات الجريمة المنظمة ووظائفها

ز – مستلزمات الجريمة المنظمة

س – تباين علماء الإجرام نحو الجريمة المنظمة

ش – المؤسسات الإجرامية للجريمة المنظمة

ص – خصائص الجريمة المنظمة

ض – اغتصاب الجماعة الأولية للتنظيم الرسمي الكبير

استهلال

1 – اغتصاب العائلة للمؤسسات العسكرية والأمنية

2 – اغتصاب العائلة للتنظيمات الاقتصادية والمالية

تعقيب وتعليق

3 – اغتصاب العائلة للتنظيمات الحكومية

4 – لماذا تغتصب العائلة للتنظيم الرسمي وليس العكس؟

ط – عصر تسلط المنظمات الإجرامية على المجتمع.

المراجع العربية

المراجع الأجنبية

المراجع الالكترونية

 

 

الفصل الأول

التنظيمات غير الرسمية

 

الجماعات الاجتماعية

أ – كيف تتشكل الجماعة وتنمو؟

ب – هوية الجماعة الاجتماعية.

ت – بنية الجماعة.

ث – أنواع الجماعات الاجتماعية

1 – الجماعة الأولية

2 – الجماعة الثانوية

3 – مجموعتنا

4 – خارج عن مجموعتنا

5 – الجماعة المرجعية

6 – جماعة الضغط (اللوبي)

7 – الجماعة الصداقية

8 – الزمرة

9 – العصابة الإجرامية

10 – الزمر السوقية

11 – الجماعة الإرهابية

ج – حقائق جديدة عن الجماعة الصغيرة

1 – حجم الجماعة

2 – ائتلاف الجماعات

3 – أدوار أفراد الجماعة

4 – أدوار معارضي الجماعة

5 – صراع الدور

6 – قيادة الجماعة

ح – اتصالات أفراد الجماعة

1 – حجم الجماعة واتصالات أفرادها

2 – شبكة اتصالات أفراد الجماعة

3 – المتغيرات المؤثرة على اتصالات أفراد الجماعة

أ – تماسكهم

ب – الاجماع بالرأي

ت – معاييرهم

ث – وضوح أهدافهم

ج – اختلافاتهم الفردية

الفصل الأول

التنظيمات غير الرسمية

 

أ – كيف تتشكل الجماعة وتنمو؟: لا توجد جماعة اجتماعية متشكلة بشكل اعتباطي أو عشوائي ولا مصادفةً بل من أجل تحقيق هدف معين لأن تشكيلها يتطلب تضافر جهود أدوار منسجمة وقائمة على نظام تقسيم عمل وإلا لا تتشكل الجماعة وعندما تتكون تمر بخمسة مراحل متصلة وهي مرحلة تبلور المعايير التي توجه الأداء في المرحلة الرابعة ثم مرحلة القرار في الاستمرار أو عدم الاستمرار بوجود الجماعة مجتمعة. في الواقع تختلف الجماعات في تشكيلاتها في المجتمع الحضري والصناعي الذي تزدحم فيه الجماعات التي لا تربطها روابط قرابية أو عرقية أو طائفية يلتقوا لأول مرة لا كما هو سائد في المجتمعات الريفية والتقليدية التي تكون لديهم خلفيات واحدة مسبقة. بمعنى التقاء مجموعة من الأفراد لأول مرة من أجل تحقيق هدف عام يكون لقائهم فيه نوع من التوتر والارتباك لأنهم غير متأكدين حول كيفية تصرف كلٍ منهم نحو الأخر لذلك يصيبهم نوع من التوتر وعدم الارتياح في بداية الأمر فضلاً عن عدم وضوح ادوارهم داخل الجماعة لكن عند نقاشهم وحوارهم حول هدف اجتماعهم تبرز حالة التماثل مع تجمعهم فتبرز نقاط الضعف والقوة عند كلٍ منهم نحو الثاني أو عدم الرضا والاستحسان هذه هي الخطوة الأولى التي تمثل القاعدة التي تتطلب منها لتشكيل الجماعة غير القرابية أو العرقية أو العرفية. بعدها تأتي مرحلة الاختلافات والتقاطعات حول بعض المواقع المطروحة في النقاش مثل من سيتولى قيادة الجماعة وما هي الأدوار التي يمارسها باقي الأفراد وكيف يتم التنسيق بينهم؟ ثم تأتي مرحلة ظهور المعايير التي تتبلور بشكل متكرر خلال العمل فتقوم بتوجيه وارشاد سلوك الأفراد. تمثل هذه المعايير أنماط متكررة بشكل متواتر ودوري يتقبلها الأفراد دون تردد لأنها تصبح أنماط متعارف عليها في أداء الأمور عندها تترسخ أدوار الأفراد وتتعزز القيادة فيها. بعدها تأتي مرحلة الأداء التي فيها تترسخ المعايير وتستقر فيتحول الفعل الى انجاز يدمج فيه الأفراد مهاراتهم وخبراتهم ومعارفهم وابداعاتهم بالعمل المنجز لخدمة اهداف الجماعة ويتغلبوا على العقبات والمصاعب التي تواجه اجتماعهم. اخيراً تأتي مرحلة الفض أو حل الجماعة التي تبرز فيها درجة انجازهم التي تحدد انهاء تجمعهم أو الاستمرار به لتحقيق عمل أخر.

اتصالات الأفراد داخل الجماعة: يختلف اتصال الأفراد باختلاف عدد افراد المشتركين في الجماعة، بمعنى إذا كان حجم الجماعة كبيراً في عدده فإن اتصالهم أو اتصالاتهم تختلف عن محادثة شخصين فقط. أعني تصبح أكثر تشعباً وتفرعاً بسبب مداخلاتهم. بينما لا تكون هكذا عندما يتحدث شخص أخر حيث تكون الرسائل المرسلة بين اثنين سريعة ومباشرة لكن عندما يتدخل شخص ثالث بينهما عندها تتوسع شبكة اتصالاتهم وتتحول من المباشرة لغير المباشرة. لذا كلما كبر حجم الجماعة أخذت الاتصالات بالصفات التالية: –

1 – ازدياد الاتصال الرسمي من حيث الاستئذان في الحديث قبل المشاركة وتنوع الأفكار والآراء مع وقوع مقاطعة من قبل المستمع لحديث المتحدث أي مداخلة اثناء حديث المتحدث مما يقطع سلسلة أفكار لمتحدث أو تحويل مجراه.

2 – لكل عضو وقت محدد للمشاركة في الحديث إذ ينظم رئيس الجلسة أو الجماعة جدولاً زمنياً لحديث كل عضو وهذا ما يفيد نوع وكم المشاركة مما يقنن إثراء موضوع المحادثة.

3 – تتحول المحادثة الى ان تكون أقل ودَّاً وحميمة وذلك بسبب كثرة المشاركين واختلاف وجهات نظرهم مما يجعل المحادثة متضاربة ومتصارعة في ميولها وأفكارها.

4 – يضحى تفاعل الأعضاء أكثر استهلاكاً للوقت إذ يتسع عدد المشتركين وعدد الراغبين في المشاركة مما يأخذ وقتاً طويلاً لكل متحدث الذي يرغب بالإجابة على المتحدثين الذين سبقوه.

5 – تصبح العلاقة أكثر تشابكاً وتفرعاً وذلك راجع الى ازدياد عدد المشاركين في المحادثة مما تتنوع العلاقة بينهم ويزداد ترابطها. [العمر. 2018. ص. 282]

ب – هوية الجماعة الاجتماعية: ليس كل تجمع بشري يُطلق عليه مصطلح (جماعة) لأن تَجمع وتواجد الأفراد ليس كافٍ بتشكيل جماعة لأنها تتطلب تفاعل مستمر بين أفرادها مع وجود علاقة مبنية على تفاعلاتهم فضلاً عن وجود عوامل أخرى مشتركة بينهم مثل الانتماء المشترك لذلك قام علماء الاجتماع بالتمييز بين ثلاث أصناف من تجمع الأفراد وهي: –

1 – التجمع aggregates: الذي يضم عدد من الأفراد يلتقوا صدفةً في مكان واحد ووقت واحد لكنهم مشتركين بموقف واحد غير متفاعلين ولا توجد بينهم علاقة اجتماعية مثل الأفراد الذين ينتظرون تبدل الضوء الأحمر في إشارة المرور في الشارع العام لكي يعبروا تقاطع الشارع. ثم هناك المتسوقين في السوق المركزي أو المتجر أو ركاب الطائرة أو الحافلة هم كذلك يمكن تسميتهم بـ (التجمع) لأنهم لا يتفاعلوا بعضهم مع البعض ولا توجد علاقة بينهم.

2 – المجموعة category: وهي مجموعة من الأفراد لا يعرف أحدهم الأخر ولم يلتقوا سابقاً لكنهم مشتركين بمرحلة دراسية واحدة مثل طلبة السنة الأولى في الكلية وهم من شريحة عمرية واحدة مثل طلبة السنة الأولى في الكلية وهم من شريحة عمرية واحدة ومن جنس واحد ومستوى تعليمي واحد ومرحلة دراسية واحدة.

3 – الجماعة group: وهي مجموعة من الأفراد يتصفوا: –

أ – بالتفاعل الاجتماعي المتبادل بشكل مستمر.

ب – بينهم علاقة اجتماعية مبنية على تفاعلاتهم.

ت – وجود شعور بالانتماء في علاقاتهم.

ث – ليدعم مشاعر متبادلة فيما بينهم.

ج – يحملوا هوية واحدة تجعل كل فرد منهم يعتبر نفسه جزءً من الجماعة وانه أحد عناصرها.

ح – لهم اهداف واحدة وسلوك مشترك.

خ – علاقاتهم متبادلة بحيث كل واحد منهم يؤثر في سلوك الأخر مما يجعل ادوارهم متساندة بسبب هدفهم المشترك.

هذه الخصائص المشروطة لا تكون سائدة عند (التجمع والمجموعة).

ت – بنية الجماعة: ينشأ بناء الجماعة من خلال تفاعل افراد يشتركون في الدوافع والأهداف خلال فترة من الزمن إذ يحصل التفاعل لحل مشكلة عامة أو لتحقيق هدف مشترك يدعو الى التعاون بينهم وتمايز الأدوار وتضافر الجهود. يتضح مما تقدم نوع العلاقات الاجتماعية بين أعضاء الجماعة وطريقة الاتصال بينهم، وقد تتحدد مراكز النفوذ وامكانيات الحراك الاجتماعي للأعضاء. يتكون بناء الجماعة من المواقع المتميزة فيها وترتيب بعضها بالنسبة للبعض الأخر ويقوم بناء الجماعة بضمان الكفاءة الموضوعية للجماعة. أي درجة نجاحها في تحقيق أهدافها الجماعية ولضمان الكفاءة الذاتية (أي درجة نجاحها في إرضاء أعضائها). هناك نظرتان الى بناء الجماعة اولاهما، تنظر الى الجماعة ككل وتبحث عن أنماط السلوك المرتبط بوجودها وتبتعد عن النظر الى مفاهيم الشخصية – الفردية وتركز على الجماعة كتنظيم له خصائصه التي تختلف عن خصائص الأفراد الذين تضمهم ويهتم أنصارها بمفاهيم مثل الأدوار الاجتماعية والتفاعل الاجتماعي. وثانيهما، تفضل النظر الى الجماعة ككيان اجتماعي يستجيب له الفرد ولا يرجع انصارها الى خصائص الجماعة فيما عدا تلك التي تستنتج من خصائص الأعضاء الذين يُكوّنون هذه الجماعة. اقترح كلٍ من (كارترايت وزاندر) أربع نماذج من دراسة بناء الجماعة وهي ما يأتي: –

1 – دراسة بناء العلاقات الاجتماعية لمعرفة العلاقات المبنية على الاختيار والتجاذب أو الرفض والتنافر لمعرفة (نجوم) الجماعة والمرفوضين فيها والمعزولين عن اهداف الجماعة ومعرفة فروع الجماعة.

2 – دراسة اتصالات الجماعة لمعرفة المرسل والمستقبل ووسائل اتصالهما ورسالتهما لكي يتم التعرف على شبكة اتصالاتهم.

3 – دراسة النفوذ الاجتماعي، أي لمعرفة من يؤثر في من؟ فقد يستطيع فرد ان يؤثر في فرد أخر ويحدد موضع الفرد في بناء النفوذ ما يستطيع هذا الفرد ان يفعل ومجال حريته في الحركة ومقدار استقلاله في عمله، فإذا كان موضعه ومركزه تحت نفوذ الاخرين فإن ذلك يهدد شعوره بالأمن وقد يحاول مهادنة أصحاب مراكز النفوذ. وهناك أسس لبناء النفوذ وهي: النفوذ الشرعي والنفوذ الالزامي ونفوذ الانابة ونفوذ الاحترام ونفوذ الخبرة ونفوذ المكانة. [زهران. 1982. ص. ص. 82 – 83]

في الواقع يخضع بناء الجماعة الى المؤثرات التالية: –

1 – ضمان كفاءة الجماعة من الناحية الموضوعية والذاتية.

2 – البيئة الطبيعية والاجتماعية: فقد نجد مثلاً المساحة المخصصة للعب الأطفال ونوع وكمية أدوات اللعب قد يؤثر في بناء جماعتهم وقد يؤثر ترتيب بناء المنازل في مدينة سكنية أو الشقق في عمارة سكنية من قيام الصداقات بين القاطنين فيها ثم طريقة جلوس الأفراد له ايضاً الأثر في بناء الجماعة. [ملكية. 1970. ص. 228]

ثم ذهب (فيرتشايلد) الى توضيح بناء الجماعة كما يلي: –

1 – النمط الثابت للتنظيم الداخلي لأي جماعة اجتماعية ويتضمن خاصية أو صفة مجموع العلاقات بين أعضاء الجماعة.

2 – بتعبير عام يتضمن بناء الجماعة أنواع الثقافة التي ينظر اليها على انها مُركبة من أجزاء متبادلة الاعتماد فيما بينها.

3 – وهناك نوعان من ابنية الجماعة يجب التميز بينها هما: –

أ – تقسيم الجماعات الاجتماعية الى جزئية ثم تقسيمها الى أفراد يختلف كلٍ منهم عن الأخر حسب المركز والدور.

ب – تقسيم أنماط الثقافة أو بنائها الكلي للمجتمع أو الجماعة الى عناصره الأساسية كالمعتقدات والأفكار الجماعية والعرف والنظم. [أحمد. 1979. ص. 232]

اخيراً قبل ان نختم حديثنا عن بنية الجماعة نتكلم عن معايير الجماعة لأهميتها في ضبط سلوك أعضائها، فالمعيار هو مجموعة من قواعد السلوك أو الاتجاهات التي تدور حولها محاولات الجماعة للتوحيد بين أعضائها. أي ان المعيار الجماعي ينشأ إذا عرف أعضاء الجماعة ان مدى معيناً من السلوك أو الاتجاه يكون متوقعاً منهم وان الانحراف عن هذا المدى لن تباركه الجماعة كما انه سوف يعالج بطريقة معينة والمعايير الاجتماعية هي التي تكّون الإطارات المرجعية للعلاقات بين الأعضاء. [مليكة. 1970. ص. 175] فضلاً عن ذلك فإن المعايير الجمعية تحدد ما هو (صح) وما هو (خطأ) وما هو (جائز) وما هو (غير جائز) وما هو (مباح) وما هو (عيب) أي تحدد كل ما يجب أن يكون وما يجب ألا يكون في سلوك أعضاء الجماعة فهي (المعايير) يكتسبها الفرد ويتعلمها ويتنشأ عليها ويستخدمها من خلال عملية التنشئة الاجتماعية. [زهران. 1982. ص. 121]

ث – أنواع الجماعات الاجتماعية: هناك تجمعات فردية للأشخاص لا تجمعهم روابط أو صلات شخصية أو مصلحية أو اهداف واحدة بل توجد بحكم الصدفة كما هو موجود في حافلة نقل الركاب أو التقوا بحكم الحاجة في عيادة الطبيب من أجل المعالجة أو تجمهروا في موقف حافلات النقل العامة في المحطة من أجل الانتقال الى أماكن مختلفة في المدينة. جميع هذه التجمعات واللقاءات لا تسمى في مصطلحات ومفاهيم علم الاجتماع بـ (جماعة اجتماعية (social group لأنه لا تربطهم هوية مشتركة ولا هدف واحد ولا علاقة مترابطة إذ انهم التقوا بشكل عشوائي دون معرفة الواحد للأخر أو دون حاجة أحدهم للثاني. هذه التوطئة تدعنا ان نذهب الى تحديد مفهوم الجماعة من زاوية علم الاجتماع الذي ينطوي على وجود فردين أو أكثر لهم أغراض مشتركة تدفعهم لإرساء علاقة متواصلة بأسلوب ترابطي متعاون. في الواقع إذا أردنا تفكيك هذا التعريف فإننا نجد احتواءه على ثلاث معايير جمعية تمنحهم صفة تتجاوز حالة التجمع العشوائي ألا وهي صفة الجماعة هذه المعايير الجمعية هي: –

1 – هوية واحدة، يشترك في حملها كافة أعضاء الجماعة من خلال احساسهم بتمثيل خصائصها والانتماء لها والتماثل معها (مثل أعضاء فريق كرة القدم) بمعنى تربطهم روابط مشتركة متضمنة تفاعلاتهم واتصالاتهم وعلاقاتهم معبرة عن انتمائهم الى اسم ووظيفة واهداف تكوينهم الاجتماعي.

2 – أهداف واحدة، أي اشتراك جميع أعضاء الجماعة بأهداف واحدة بحيث تجعل تماثلهم الواحد مع الاخر من خلالها وعادةً ما تعكس هذه الأهداف مهمة الجماعة وغايتها من التجمع في إطار جماعة واحدة.

3 – علاقات مترابطة، بمعنى متصلين بعضهم ببعض يكون اتصالهم حاضناً لهم ومغذي لعلاقاتهم بعضهم ببعض يكون اتصالهم حاضناً لهم ومغذي لعلاقاتهم وذلك تبني أدوار محددة يتعاونون من أجل انجاز أهدافهم العامة والخاصة. لذا يمكن القول عند توفر هذه المعايير الجمعية الثلاث في أي تجمع بشري يطلق عليه مصطلح (جماعة اجتماعية) مثال على ذلك، أفراد الأسرة الواحدة وزملاء العمل في الشركة أو البنك أو الكلية أو أبناء الحي السكني جميعهم يمثلون الجماعة الاجتماعية إذ ان كل فرد فيها يكون مشتركاً في هويتها مع أعضائها ولديه شعور نحوهم سواء كان شعوره سلبي أو إيجابي وعندهم أهداف مشتركة وواحدة وهم مترابطين بعضهم ببعض ومعتمدين الواحد على الأخر في محبة أو صدقة أو عمل. بيد أن هذا لا ينطبق على الغرباء الجالسين في حافلة نقل الركاب على الرغم من اشتراكهم في ذهابهم الى منطقة واحدة لكنهم غير مترابطين وليس لديهم هوية واحدة أو مصلحة واحدة، والحالة ذاتها مع الأفراد المنتظرين في عيادة الطبيب المعالج (أي عندهم غاية واحدة وهي المعالجة الطبية لكن لا توجد بينهم صلات وعلاقات ومصالح واهداف). ومن نافلة القول الإشارة الى موضوع (حجم الجماعة) الذي يمثل متغيراً مهماً في بلورة الجماعة إنما للسهولة في التقنية الحديثة نجد اتصال الأشخاص عبر التلفون أو النت لكن هذا وحده ليس بكافً ليكّون جماعة اجتماعية. اما حالة أربعة أصدقاء جالسين في مقهى يقومون بدردشة حول اولمبيات ريودي جانيرو، هنا هؤلاء يمثلوا جماعة اجتماعية بذات الوقت عند وجود أربعة باحثين اجتماعيين في قاعة حلقة نقاش حول موضوع انخراط الشباب في مليشيات إرهابية، هؤلاء المجتمعين يمثلون جماعة اجتماعية ايضاً مثلهم مثل الأصدقاء الأربعة في المقهى حيث الافراد في كل المثالين يشكلوا جماعة اجتماعية لان أعضاءها مشتركين في حضورهم واهتمامهم وترابطهم لكنهم مختلفين في حجمهم. أي في عددهم وهذا يجعلنا ان نقول بإنه ليس لحجم الجماعة أثر في تعريف الجماعة الاجتماعية لان ليس جميع الجماعات متشابهة في حجموها أي في عدد أعضائها. عادةً ما نتلفظ بعبارة “الجماعة” في أحاديثنا وحواراتنا ووصفنا للإشارة الى ثلاث أفراد أو أكثر نلفظها بشكل فضفاض خالية من التحديد الدقيق عن طبيعة تواجدهم سواء كان في مقهى أو مقصف أو يتمشون في الشارع أو يتحدثون في ساحة المدرسة. لكن علماء الاجتماع لا يستعملوها بهذه لصورة لأنها تعني عندهم عدد من الأفراد لهم معايير متشابهة وقيم مشتركة وتوقعات واحدة متفاعلين فيما بينهم بشكل منظم مثل فريق كرة السلة أو القدم أو الطائرة أو نادي الطلبة لكن الأكثر أهمية من هذه المشاركات فيما بينهم هي وجود “روح الانتماء” لأن هذه الخاصية تمييزهم عن باقي التجمعات الأخرى مثل المسافرين في الطائرة حيث لا يطلق عليهم جماعة بل يطلق “تجمع aggregates” لأنه لا توجد عندهم روح الانتماء ولا تجمعهم قيم واحدة أو معايير متشابهة بل ولا تربطهم توقعات واحدة. بمعنى انهم لا يمثلوا (جماعة) والحالة مشابهة مع فصائل متصفة بصفة خاصة مثل المتقاعدين أو المحاربين القدماء أو خريجي قسم علم الاجتماع حيث يطلق عليهم عبارة categories حيث لا يتصرفوا تصرفاً واحداً لكنهم يمثلوا فئة اجتماعية ذات خلفية مهنية أ وظيفية أو دراسية واحدة إنما هم غرباء بعضهم عن بعض، لا تربطهم روابط قيمية أو معيارية واحدة. لكن ما الذي دفع علماء الاجتماع وجعله يهتم بهذه الفئة الاجتماعي؟ الجواب هو انها تقوم (أي الفئة) بنقل الثقافة الاجتماعية من جيل لأخر حيث يتم نقل نمط التفاعل والعلاقات والتفكير والمحافظة عليها والانضباط بضوابط عرفية واحدة ومنشئين عليها تمنحهم المودة والمحبة والشعور بالألفة مع الاخرين الذين تجمعهم بضوابط واحدة. لأن الإنسان لا يقدر ان يعيش منعزلاً عن الأخرين وإذا استطاع فإن هناك مناشط واعمال تلزمه بالتجمع مع الاخرين سواء كان بعلم أو بدون علم مثل جمهور مشاهدة مباراة كرة القدم أو جمهور مشاهدة مسرحية أو جمهور الانتظار في محطة القطار وسواها، لذلك انتبه علماء الاجتماع الى هذا التنوع الذي يجتمع فيه الأفراد الذي يختلف الواحد عن الأخر. ليس هذا فحسب بل أنهم صنفوا الجماعات الى الأنواع التالية:

1 – جماعة أولية primary group

2– جماعة ثانوية secondary group

3 – مجموعتنا in – group

4 – خارج عن مجموعتنا out – group            

5 – الجماعة المرجعية reference group

6 – جماعة الضغط (اللوبي)

8 – الجماعة الصداقية

9 – الزمرة

10 – الرمز السوقية

11 – الجماعة الإرهابية

لكل نوع من هذه الجماعات له صفات وخصائص تميزه عن الثانية وله أهداف خاصة به تختلف مرماها وتتباين في حجمها وتدرج هيكلها ووظيفتها. (جارلس هرتون كولي Charles Horton Cooley 1902) صاغ: –

1 – مصطلح الجماعة الأولية: يشير الى الجماعة الصغيرة المتصفة بالعلاقة الحميمية والتفاعل المتقابل – وجهاً لوجه – متعاونين فيما بينهم مثل، زمرة أولاد الشوارع – يشكلون جماعة أولية وكذلك أفراد العائلة الذين يعيشون في منزل واحد. تلعب الجماعة الأولية دوراً محورياً في عملية التنشئة وتنمية الأدوار الاجتماعية والمكانة الاجتماعية معاً. في الواقع تستطيع الجماعة الأولية أن تساهم في وجود الشخص اليومي عندما يجد نفسه متماثل بشكل كبير مع الجماعة. كذلك نحن نساهم في عدة جماعات ممن لا تتصف بروابط قوية لتمثل الصداقة مثل طلبة الكلية أو الجمعيات التجارية.

2 أما مصطلح الجماعة الثانوية: فإنه يشير الى الجماعة الرسمية لا يعرف أحدهم الأخر يعني تجمع الغرباء لكن يكون الاحترام والمودة سائداً بينهم كذلك التفاهم المشترك. ان التميز بين الجماعة الأولية والثانوية ليس واضحاً دائماً مثل النوادي الاجتماعية التي تتحول الى تجمع كبير يضم الغرباء ولا أحد يعرف الثاني ولم تعد تعمل كجماعة أولية. الجماعة الثانوية غالباً ما تظهر في أماكن العمل بين أولئك الذين لهم تفاهم خاص حول عملهم ووظيفتهم.

3 – جماعتنا in – group والخارج عن جماعتنا out – group: أي مننا وليس مننا، أو من اتباعنا وليس من اتباعنا، من ربعنا وليس من ربعنا.

4 جماعتنا وجماعتهم (نحن وهم): لا يوجد فرد سواء كان يعيش في مجتمع بدوي أو ريفي أو حضري أو صناعي أو رأسمالي أو شمولي لا يعيش خارج لجماعة اجتماعية سواء كانت جماعة أولية أو ثانوية مثل الأسرة أو العشيرة أو الفريق الرياضي أو النادي الثقافي أو الحزب السياسي أو الطائفة الدينية أو الجماعة العرقية أو الزمر الصداقية أو الإجرامية بغض النظر عن حجم الجماعة التي ينتمي اليها. إذ يبدأ حجمها من فردين (مثل الأسرة) أو العشرات والمئات من الأفراد. لكن العامل المميز عند هذه الجماعات هو “الشعور بالانتماء اليها” فإذا كان هذا الشعور متماهي مع هوية وأهداف ومصالح الجماعة فإنه يكون من النوع المتماسك وإذا كان – هذا الشعور – يشوبه الفتور وعدم الاستمرار فإنه يكون ضعيفاً. لكن السؤال ينطرح في هذا السياق هو ما قيمة (الشعور بالانتماء) عند الأفراد؟ الجواب، هو انه يمنحهم التعبير عن تعاضدهم وتكاتفهم عند التعبير عن (نحن) وليس (الأنا) أو انه من ضمن جماعتنا in – group الذي يشير الى تماسك العلاقات الاجتماعية بين أفراد الجماعة (we – group) وأنهم مختلفين عن باقي الجماعات مثل اختلافهم عرقياً أو حزبياً أو علمياً أو رياضياً عن باقي الجماعات. لكن هذا التميز لا يعني فقط الاستعلاء والاستكبار أو الاستقواء أو الأفضلية بل يعني ايضاً الاستضعاف أو الدونية أو الضعف أو الفقر أو الاضطهاد، بمعنى ان التعبير عن (نحن) ثم هناك جماعة أخرى مختلفة عنهم يطلقوا عليهم (هم) They أو out – group أي جماعتهم وجمعاتنا. هذا التمييز والتفرقة تبرز من خلال التعبير عن شعور الانتماء لجماعة لها خصوصية متفردة قد تصل الى حالة التعصب والتحيز وعدم الموضوعية والعدالة في تقييم الأمور وابداء الرأي بل وعدم احترام الرأي الأخر. نقول ان الشعور بـ (نحن) سواء كان إيجابياً أو سلبياً فهو موجود في كل المجتمعات يؤدي الى المنافسة واحياناً الى الصراع مثال على ذلك، مشجعي الفرق الرياضية في كل المجتمعات يعبروا عن فريقهم ضد الفريق الثاني يصل تحمسهم الى اهتياج جماهيري يصل الى حد التصادم بعد انتهاء المباراة. كذلك تظهر هذه الحالة في المناقشات التي تدور في المجالس الشعبية أو البرلمانية موضحةً لوناً من ألوان الانتماء بالـ (نحن) ضد الأخرين تصل هذه المناقشات الى استخدام العبارات الجارحة واحياناً الى استخدام الأيدي بالضرب عند المختلفين في انتماءاتهم للـ (نحن). ولا جرم من القول بإن أعضاء جماعتنا يشعروا بإنهم متميزين ومتفوقين أو متعالين وأنهم أفضل من الأخرين وأن سلوكهم لائق واحكامهم صائبة دون أن يروا أنفسهم بإنهم أقل شأناً من الأخرين، بذات الوقت هناك جماعة تشعر بإنها مضطهدة ومظلومة من قبل الجماعة الحاكمة أو الأغلبية فيشعروا أفرادها بإنهم أقل قيمةً وأكثر دونيةً وفقراً ونفوذاً وسلطةً من جماعة الأغلبية. ديدني من هذا القول بإن الشعور بالانتماء لجماعة معينة يشير الى الـ (نحن) والـ (هم) يوضح نزعة الانتماء والتضامن والتماسك مع مجموعة أفراد يحملوا نفس المشاعر والأفكار والمواقف بذات الوقت توضح نزعة الاختلاف والتباين وعدم التوافق مع الأخرين المختلفين معهم في الهدف والمصلحة والتكوين كذلك توضح الانغلاق على الذات وعدم الانفتاح على الأخر واتسامح معه. إن سياق الحديث يلزمني الى ان أشير الى ان أول من ميز بين هذين المفهومين (نحن) و (هم) هو العالم الأمريكي القديم في علم الاجتماع (وليام كراهام سمنر William Graham Sumner، 1906) صاغها بعبارات جماعتنا وجماعتهم أو ضمن جماعتنا In – group وليسوا من جماعتنا out – group ثم أضاف الى هذا المفهوم عالم الاجتماع الأمريكي المعاصر (روبرت مرتون Robert Merton 1968) الذي قال بإننا نجد هذا التمييز حتى عند شعوب العالم في الوقت الراهن التي تحصل على شكل عمليات إرهابية في قتل المدنيين وإيذائهم من خلال وجود نزعة الانتماء الى طائفة دينية معينة تكون مصدرها وجذورها الشعور بـ (نحن) و (هم) كذلك وجدنا هذا الصراع الطائفي بين الشيعة والسُنّه في المجتمع العراقي بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003 ليس مصدره العقيدة الدينية بل مصدره الانتماء الطائفي بين طائفتنا وطائفتهم. نقول بعد ذلك ان الشعور بـ (نحن) يكون أشبه بالقوقعة الاجتماعية التي تحمي الأفراد بها عند التنافس والصراع أو عند الشعور بالخطر والخوف من الأخر لأنها (القوقعة الاجتماعية) تؤدي ليس فقط للحماية بل للدفاع عن النفس ومجابهة الأخر المختلف عنهم شكلاً ومضوناً لا يستطيع الإنسان أن يتخلى عنها طالما يعيش في وسط اجتماعي متعدد ومتنوع الجماعات الاجتماعية.

5 – الجماعة المرجعية Reference group: هي جماعة من الأفراد لهم اولاع وأفكار ومعتقدات وقيم وهوايات واحدة مختلفة عن باقي الجماعات الاجتماعية باستثناء الجماعة الأولية وجماعتنا (نحن) المتشابهة معها في العلاقات والتضامن الاجتماعي وغالباً ما تضم شريحة عمرية متقاربة موجودة في كل مرحلة عمرية وفي كل مكانة اجتماعية يشغلها الفرد ويمارس دورها، بمعنى إنها ليست مقتصرة على الأطفال أو المراهقين أو المتزوجين والمتزوجات أو المطلقات بل لكل مكانة اجتماعية لديها جماعة مرجعية يرجع اليها الفرد للتماهي والمقارنة معها في سلوكه وتفكيره ومعتقده كأساس لحكمه على تصرفه وتفكيره يستخدمها للمقارنة أو الأسناد مع سلوكه لذا نجده يسعى للحصول على عضويتها في الانضمام اليها ليكون أحد أفرادها. جدير بذكره في هذا السياق الإشارة الى أنواعها إذ قد تكون مرجعية الفرد على شكل تماهي مع شخصية تاريخية أو مفكر أو فيلسوف أو قائد أو فنان لامع أو نجم رياضي وليس مجموعة أفراد. بذات الوقت قد تكون مرجعية الفرد متماهية مع نظرية اجتماعية أو نفسية أو منهج علمي أو حزب سياسي وليس مجموعة أفراد أو مصمم أزياء أو ناقد علمي. ولا جرم من الإشارة اليها ووصفها بإنها ثابتة ومتحركة في الان وإنها واحدة لكنها متنوعة بمعنى انها واحدة في وظيفتها للمراجع لها وهي تطبعه بطابعها المختلف عن باقي الطوابع الاجتماعية الأخرى، تأثيرها وعلاقاتها لكنها متحركة ومتنوعة تتبدل مع كل مرحلة عمرية للفرد وتتغير مع كل مكانة اجتماعية يشغلها. يعني هي ليست واحدة لكل المراحل العمرية (للطفل والصبي والمراهق والناضج والشيخ) ولكل المواقع الاجتماعية (للأعزب والمتزوج والمتزوجة والمعلم والطبيب والمهندس وسواهم). ليس هذا فحسب بل هي المحك والمهماز الذي يقارن به الفرد سلوكه وتفكيره وذوقه فيدفعه هذا المحك ليكون مهمازاً للتماهي مع ما تتضمنه الجماعة المرجعية من معايير وقيم. أما تنشئتها فغالباً ما تكون وظيفتها غير مكملة للتنشئة الأسرية بل متعارضة مع تربية الأبوين للأطفال والاحداث المراهقين أي تتعارض مع جماعة الأقران، وتكون مكملة للتنشئة المهنية في العمل المهني والتنظيمي. واحياناً تكون وعاءً دينياً أو عشائرياً (بالذات في المجتمعات البدوية أو الريفية أو الريفية أو الطائفية أو التقليدية) تقدم النصائح والتوجهيات والاسناد والاستشارة المعيارية أو القيمية أو الدينية للباحثين عنها أو المحتاجين لها. بقيَّ ان نقول ان الفرد هو الذي يبحث عن الجماعة المرجعية وليست هي تبحث عنه لذا فهي جماعة مستقطبة للأفراد المحتاجين للتغذية السلوكية والفكرية في حياتهم اليومية وهنا يصح ان نقول عنها أنها (وكالة اجتماعية) تساهم في تنشئة الفرد في مرحلة عمرية محددة ومكانة اجتماعية خاصة يقرها المجتمع وثقافته الاجتماعية. فالمرأة المتزوجة ولديها أطفال قد تجد مجلات متخصصة بشؤون الأسرة وتربية الأطفال كمرجع لها في تعلمها طرق حديثة في تربية أطفالها أو لديها مجموعة من الصديقات المتزوجات تتبادل معهم شؤون الأسرة وتربية الأطفال هذه الجماعة المرجعية ليست هي نفس الجماعة المرجعية لها عندما كانت طالبة في الكلية أو المدرسة الإعدادية حيث لكل مرحلة وكل مكانة اجتماعية لها جماعة مرجعية يرجع اليها الفرد للتزود بالاستشارات والنصائح والاسناد لأفكاره وسلوكه ومواقفه فالفنان تكون جماعته المرجعية نقابة الفنانين أو المجموعة التي تمثل نهجه في الفن يتفاعل معها ويناقش ويتحاور معها في مستجدات الفن ومدارسه وتياراته الحديثة ويقارن انتاجه مع انتاجهم ليحكم عليه بإنه صائب أو خائب. والباحث الاجتماعي عندما ينشر بحثه تكون جماعته المرجعية النقاد وهيئة تحرير المجلة والباحثين في اختصاصه. فهي إذن (الجماعة المرجعية) تمثل أحد وكالات التنشئة الاجتماعية للفرد بعد العائلة تلازمه في كل مرحلة تطورية في حياته إلا ان نوعها ولونها ومستواها وثقافتها تختلف من مرحلة الى أخرى. وقد تكون الجماعة المرجعية في مرحلة النضج والرشد تستنكر ما اكتسبه الفرد من جماعته المرجعية في مرحلة المراهقة أو ان جماعة الرجل المتزوج له جماعة مرجعية مختلفة تماماً عن جماعته المرجعية عندما كان شاباً اعزباً وهكذا لكن وظيفتها لا تتبدل في الاسناد والإرشاد والاستشارة والمقارنة والدعم السلوكي والفكري واستشراف المستقبل وتحقيق الطموح. أنها جماعة داعمة للفرد تشعره بالانتماء لجماعة تحمل نفس الطموح والهموم والمعاناة تساعده على اجلاء الأفكار الغامضة عنده وتحلل مشكلة وتقدم لها الحلول فهو لا يستطيع الاستغناء وعنها سواء كانت جماعة مرجعية مهنية أو شلليه أو ترفيهيه أو ثقافية أو رياضية لأنها تساعده على أنضاج تفكيره وتصحيح سلوكه وبلورة اهداف يصبوا الى تحقيقها. أخيراً لا أريد أن اترك هذا الموضوع مالم أسبر غور كافة جوانبه لكي أصل الى كبده الذي أجده يتمثل في موضوع “المرجعية المتجافية أو المتنافية” التي هي نقيض الجماعة المرجعية التي يتماهى ويتماثل الفرد المعجب بها. يحصل هذا النوع من المرجعية بين الجماعات المتصارعة والمتنازعة أو الأفراد الذين يستنكفوا أو يحتقروا أو يعادوا جماعة معينة فلا يتم استخدام أفكارها ومعاييرها وقيمها وأهدافها فلا يتبنيها أو يتكيف معها بل يستخدم نقيضها لدعم عدائه وتجافيه وتنافيه واختلافه معها. بمعنى أنها مرجعية معادية ومغايرة له لا يعجب بها أو يتمنى الانضمام لها بل يهدف القضاء عليها من خلال التماهي مع نقائضها لأثبات بطلان وجودها وخلل معاييرها وتفاهة جدواها. لقد اعتبرنا هذا التجافي المتنافي مرجعية للفرد المتصارع معها لأنها تتحكم في تبني سلوك وفكر ومعتقد متجافي ومتناقض معها. فهي إذن مرجعية إنما من النوع المتنافي ليكون مهمازاً لعدم التماهي مع ما تتضمنه الجماعة المرجعية. وعلى الجملة وباختصار شديد فالجماعة المرجعية قد تكون فرداً مثل البطل الرياضي أو النجم الفني أو الفيلسوف أو العالم أو القائد الوطني أو عصابة إجرامية أو زمرة من المدمنين على المخدرات أو طائفة دينية أو حزب سياسي أو حركة اجتماعية أو الوالد والوالدة أو الجد أو الجدة وهي متنوعة على الرغم من كونها واحدة في وظيفتها التنشيئية وهي متماهية من قبل الأفراد بذات الوقت هي متنافية من قبل المتجافين معها. وهي موجودة في كل مرحلة عمرية ومع كل مكانة اجتماعية يذهب اليها كل من يبحث عن استشارة أو نصيحة أو نمط عيش متميز أو صفة سلوكية أو فكرة أو قيمه يحتاجها في تعزيز صفاته الشخصية. بقيَّ أن أقول عن المرجعية سواء كانت جماعة أو فرد لا تتطلب أو تشترط ان يكون التماثل معها تفاعلاً مباشراً (وجهاً لوجه) لأن بعضاً من أنواعها يكون التماثل معها صورياً أو خيالياً عبر الاطلاع ومعرفة المتماثل لخصائص وصفات شخصية المرجع الذي يتماثل معه مثل النجم السينمائي أو البطل الرياضي أو الفيلسوف أو القائد الوطني أو الجد أو الجدة يعني تماهي صوري وخيالي بذات الوقت هناك مرجعية متجافية يتنافي مع صفاتها المعادي والمعارض لها. اخيراً نقول ان الجماعة المرجعية عادةً ما تكون صغيرة الحجم في عددها لكنها قوية وكثيرة التأثير على المتاهي والمتنافي معها.

6 – جماعة الضغط أو جماعة اللوبي Pressure group or Lobby group

إنها ليست من نوع الجماعات الأولية أو الثانوية أو المرجعية، تسود المجتمعات ذات النظام الديمقراطي الليبرالي وليس النظام السياسي الدكتاتوري أو الشمولي أو التقليدي أو المحافظ تعمل بمثابة جهاز رقابي على المؤسسات الحكومية من وراء الستار وليس بالعلن مستخدمة آليات الترغيب والترهيب والاقناع في تحقيق مطاليبها وتوجيهاتها فضلاً عن استخدام التظاهرات الجماهيرية في تعبئتها للرأي العام كأحد وسائل ضغطها على الحكومة لتحقيق مكاسب سياسية أو مالية لها. يتركز نشاطها في أوقات الانتخابات البلدية والشعبية البرلمانية مستخدمة أصحاب المناصب العليا في ضغوطها. لا جرم من القول عنها أيضاً بإنها تكون ممثلة للمصالح الخاصة، باحثة عن بلورة رأي عام وإيجابي أو مجامل يخدم سياستها، يفرضه على حزب سياسي أو أحزاب سياسية ترمي الى تحقيق التغير الاجتماعي إنما بشكل محدود النطاق، لا تملك أيديولوجية فكرية مثل التجار الكبار ومُلاك العقارات والمصانع والشركات التجارية، لا تستخدم العنف غير المشروع في تحقيق التغير غير المشروع ولا ترهب المدنيين الآمنين الأبرياء. وعلى صعيد أخر، تمارس الجماعة الاجتماعية ضغوطها عندما لا يتماثل أعضاؤها معها أو لا يلتزمون بشروط عضويتهم حيث يتطلب تماثل عضوها الإذعان لمعاييرها أو قواعدها لكي يخضع لتوجيهاتها وارشادها من أجل خدمة أعضائها المنتمين اليها. فالعضو هنا يتجنب النظرة الساخطة من أعضاء جماعته له او يخشى نفرتهم منه أو لومهم أو نقدهم فلا يريد اجماعهم السلبي عليه، وإزاء هذه الشعور والإدراك الذاتي عند الفرد (طواعية أو خشية) الى الانصياع أو الإذعان لضغوط جماعته المعنوية (أي اللوم أو النقد أو النظرة السلبية أو النميمة) لذا سميت بضغوط الجماعة المعنوية. فهي إذن آلية إلزامية معنوية تملكها الجماعة التي تتمتع بحيوية مادية أو معنوية وذات فاعلية ناشطة في محيط الشخص وإذا عقدنا مقارنة بين هذه الالية واليات الجزاء العرفي الأخرى فإننا نجد أن الأولى لا تشبه الثانية من حيث اسبقيتها في الجهاز التقويمي والضبطي. بيد انها تشبها من حيث قوة ضبطها وتقويمها للشخص. عن الجماعة الاجتماعية الضاغطة تستخدم وسائلها الالية (اللوم أو النظرة الساخطة او النقد أو النفرة الجماعية) على أعضائها من أجل المحافظة على تماسكها وتحقيق أهدافها وممارسة نفوذها الداخلي والخارجي فالعضو الجيد يخضع لضغوط جماعته وغير الجيد هو الذي لا يلتزم بها أو من يخرج عليها أو على بعضها. [العمر. 1992. ص. 124] ليس هذا فحسب بل هناك لوبيات في صناعة الدواء والسلاح في العالم تعمل على تسخير وسائل الاعلام لتهويل الوضع وترويع العالم من فايروس مميت لترويج اللقاحات المضادة له حيث يجري في مخابر غربية صناعة فيروس متطور وراثياً. حصل هذا مع فايروس (السيدا) الإيدز وفايروس (الريبولا). أنها جماعة لا تسعى للوصول الى السلطة بل الدفاع عن مصالحها الخاصة معنى ذلك أنها جماعة محدودة الحجم تتباين مع تباين المجتمعات التي نشأت فيها تتمثل في النقابات والاتحادات والجمعيات والنوادي السياسية والكتل البرلمانية والاقتصادية والشركات فضلاً عن وجود جماعات لوبية عرقية ودينية وبترولية. للمزيد من المعلومات عن هذه الجماعة الحضرية في المجتمعات الحديثة نقدم المقال التالي:  تُعد جماعات الضغط أو اللوبيات الآن من أهم وأكثر التكتلات البشرية التي تؤثر على سياسات المؤسسات والشركات بل وسياسات عامة لدول بأكملها، فبقوتها وانتشارها وتحكمها في الكثير من وسائل الضغط وعلاقاتها الوثيقة بالأشخاص البارزين في كل مجتمع وكبار رجال الدولة تعمل تلك المجموعات على الحفاظ على مصالحها وأهدافها والسعي إلى عدم المساس بكل ما يتعلق بالمحظورات التي تضعها كل مجموعة من المجموعات لنفسها استنادًا على الأيدولوجيات والأفكار الخاصة بها. واللوبي “Lobby” كلمة إنجليزية تعني الرواق أو الردهة الأمامية في فندق، وتستخدم هذه الكلمة في السياسة على الجماعات أو المنظمات التي يحاول أعضاؤها التأثير على صناعة القرار في هيئة أو جهة معينة، وقد تبلور هذا المصطلح في الولايات المتحدة الأمريكية خلال عام 1830 عندما بدأت مجموعات المصالح تمارس الضغوط على الكونغرس وحكومات الولايات. فاللوبي عبارة عن جماعة قانونية منظمة تدافع عن قضايا ومواقف ومصالح معينة، محددة لدى السلطات العامة في الدولة، يجمع بين أفرادها مصالح مشتركة وتنشط في سبيل تحقيق هذه المصالح عن طريق الاتصال بمسؤولي الدولة ومؤسساتها ومحاولة إسماع صوتها مستخدمة كل ما تملك من وسائل متاحة وفى مقدمتها أسلوب الضغط، وتلعب اللوبيات دوراً محورياً وهاماً في الحياة السياسية، حتى بات معروفًا بأن لوبيات الضغط القوية هي المُتخذ الحقيقي للقرارات وهي التي تصنع السياسة المُتبعة داخل الدولة وفي حالة وجود لوبي قوي من لوبيات الضغط في دولة معينة ينحصر دور سلطات تلك الدولة في إضفاء الصفة الرسمية على تلك السياسات والقرارات.

لوبيات الضغط والأحزاب السياسية: من ضمن الخصائص الأساسية لمجموعات الضغط هي أنها لا تعمل على الوصول للحكم ولا تسعى لأن تكون مُمثّلة في المناصب التنفيذية أو التشريعية في الدولة، فهي تسعى للتأثير على أصحاب السلطة لدفعهم للاستجابة لمطالب معينة سواء كانت اقتصادية او اجتماعية أو سياسية، ويكون ذلك بصورة غير مباشرة عبر وسائل مختلفة على رأسها إنشاء شبكة من العلاقات مع الحكوميين والبرلمانيين ورجال الدين والقانون والقضاء والباحثين والأكاديميين والسياسيين والإعلاميين والفنانين وما نحوهم من أصحاب النفوذ، وتعتمد لوبيات الضغط في عملها على نوعين من الوسائل، الوسائل مباشرة عن طريق الاتصال بأصحاب القرار في الدولة وبذل كل ما يمكن لإقناعهم بإصدار القرارات التي تخدم مصالحهم، ذلك بالإضافة إلى وسائل غير مباشرة مثل استخدام أسلوب الترغيب والترهيب عن طريق تعبئة الرأي العام لدفعه لحث أصحاب القرار على اتخاذ قرارات معينة تصب في مصلحته، فهي تسعى للتأثير في الدولة من جهة وعلى الدولة من جهة ثانية وفي الرأي العام من جهة ثالثة. ويكون هدفها خلال ذلك هو أن تبقى وراء الكواليس أي أنه وعلى سبيل المثال، تعمل مجموعة الضغط من الخارج لإقرار أو إيقاف قانون معين في البرلمان دون أن يكون لها ممثلين داخله، ولهذا فإن الرصيد الحقيقي والمؤثر لأي لوبي من العلاقات ولاسيما في الاتجاهات المذكورة يعتبر أساسًا للتحرك والعمل والنجاح. على العكس تمامًا يكون الحزب السياسي، فالأحزاب السياسية عبارة عن جماعة من الأفراد تربطهم مصالح ومبادئ مشتركة، في ظل إطار منظم لغرض الدخول في معترك السعي نحو السلطة والمشاركة فيها لتحقيق أهدافهم لخدمة للصالح العام ومن السيطرة على مقاليد الحكم في الدولة من خلال الوسائل الدستورية، لذلك فإن الحزب السياسي، وعلى عكس اللوبيات، يسعى لحفظ حصته سواء في الحكومة أو في السلطة التشريعية مما يعني أن اللوبيات هي من تؤثر وتضغط على الحزب السياسي ولا يمكن للحزب أن يضغط عليها.

لوبيات الضغط والديموقراطية: تعد لوبيات الضغط مكونًا أساسيًا من مكونات الخرائط السياسية في كل دولة، حيث إنها تلعب دورًا هامًا في الأنظمة السياسية المختلفة وتسعى للحفاظ على مصالحها بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي المتبع في الدولة، ويظهر دور اللوبيات بشكل بارز في الدول التي تعتمد على النظام الديموقراطي الليبرالي كأساس للحكم. ففي معظم الديمقراطيات الليبرالية، تميل الوبيات إلى استخدام البيروقراطية، وهي تطبيق القوانين بالقوة في المجتمعات المنظمة وذلك بالاعتماد على الإجراءات الموحدة وتوزيع المسؤوليات بطريقة هرمية، بصفتها قناة التواصل الرئيسية للتأثير، حيث يقع اللوبي في الأنظمة السياسية الديمقراطية هرميًا بين الحكومة والبرلمان ومؤسسات المجتمع المدني، وتحديدًا بعد الحكومة والبرلمان وقبل مؤسسات المجتمع والأحزاب فهو فوق مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب تنظيميًا وتأثيرًا ودون الحكومة والبرلمان من ناحية الصفة الرسمية. لذلك يلعب اللوبي دور الوسيط بين مؤسسات المجتمع المدني التي تمثل الشعب من جهة والحكومة والبرلمان من جهة أخرى، فحين ينعدم اللوبي أو يضعف يؤدي ذلك إلى ضعف في العلاقة والتفاعل بين المؤسسات الأهلية والحكومة والبرلمان، وتزداد الهوة بينهما وبالتالي تضعف العلاقة بين الشعب والحكومة والبرلمان، فالشعب بعد أن يختار ممثليه في البرلمان والحكومة عبر الانتخابات لا يتركهم يتصرفون وحدهم كما يرون وحتى الانتخابات القادمة، بل تتم متابعة أولئك والضغط عليهم عبر اللوبيّات المختلفة. يعني ذلك أن عدم وجود لوبيات قوية يهدد مستقبل الديمقراطية ويقود إلى نشوء مراكز ضغط غير قانونية تفتقر إلى التنظيم والشفافية والتركيز، ويضعف أداء البرلمانيين والحكوميين، كما يبقي دور الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني هامشيًا ويقود إلى ضعف في العلاقة والتفاعل بين الشعب والدولة بالمعنى الأعم. غير أن وجود لوبيات قوية بشكل أكثر من اللازم يفرغ النظام الديموقراطي من فكرة أساسية يعتمد عليها ألا وهي الحرية في إبداء الرأي والتعبير وحرية الاختيار، فعلى سبيل المثال، وجود مثل تلك اللوبيات يجعل من عملية الاقتراع مجرد عملية لشرعنة العمليات التشريعية والتنفيذية في الدولة، فلتلك اللوبيات أصرح إعلامية ضخمة تؤثر في العملية الانتخابية بشكل كبير بل لديها من العلاقات داخل أجهزة الدولة ما يجعلها مسيطرة بشكل كبير على المسار السياسي والاقتصادي للدولة، وتبقى السياسات المفروضة من قبل اللوبيات ثابتة حتى وإن تغيرت الحكومات وتعاقبت؛ مما يطرح حينها سؤالًا عن جدوى الأنظمة الديموقراطية وفكرة تداول السلطة مادامت هناك حالة من حالات تقويض الدولة المفروضة من اللوبيات.

أنواع لوبيات الضغط: يعتمد تعريف نوعية لوبيات الضغط بشكل أساسي وكلي على أنشتطها، وهناك العديد من لوبيات الضغط في العالم سواء كانت لوبيات اجتماعية أو سياسية أو ثقافية إلا أن أنواع اللوبيات الأكثر وضوحًا تكون مثل منظمات مكافحة التشهير والتي تُصدِر ردودًا أو انتقادات على الازدراءات الحقيقية أو المزعومة من أي نوع، تتضمن الكلام أو العنف، الصادرة من فرد أو مجموعة ضد فئة معينة من الشعب أو معتقد من معتقداته. كما تبرز لوبيات الضغط السياسي بشكل قوي، وهي عبارة عن لوبي لتغيير قانون أو الإبقاء على قانون معين، وتمول الشركات الكبرى جماعات ضغط سياسي مهمة للغاية ومؤثرة على المشرعين؛ مثلاً في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد ظهرت لوبيات الضغط السياسي لأول مرة، فبعد أن وجدت بعض المؤسسات الاقتصادية والمجموعات ذات المصالح نفسها بعيدة عن التأثير عبر آلية اتخاذ القرار السياسي في الكونغرس الأمريكي، ظهرت لوبيات تمثل مصالحها من أجل إيجاد مواقع لها قريبة من المشرّعين في واشنطن، بقصد ممارسة نوع من الضغوط والإغراءات للدفاع عن مصالحهم حتى تكون القوانين التشريعية التي يضعها الكونغرس متلائمة مع تلك المصالح، وتمتلك بعض جماعات الضغط السياسي موارد مالية ضخمة تحت تصرفها، وكثرت بعدها اللوبيات السياسية داخل أمريكا والتي يعد من أهمها “اللوبي اليهودي” والذي يتكون مما يقارب 34 منظمة يهودية سياسية في الولايات المتحدة تقوم بجهود منفردة ومشتركة من أجل مصالحها في الولايات المتحدة ومصالح دولة إسرائيل. لكن كل تلك اللوبيات تعتبر أوهن من بيت العنكبوت إذا ما قورنت بلوبيات السلاح ولوبيات المال فمثلًا، تُعد شركات السلاح الأمريكية أهم لوبي في الولايات المتحدة، ويعدهم المراقبون صانعي القرار الحقيقيين، فهم القوى الخفية التي تدير وتنتج برامج ومخططات الحرب للحزب الحاكم في أمريكا ما بعد الحرب الباردة، وبات جليًا أن المتضرر من المشروع الإمبراطوري الذي تعمل له الإدارة الأميركية لم يعد يقتصر على العالم العربي والعالم الثالث، بل أصبح الضرر يشمل دول العالم الصناعي المتقدم في أوروبا وأسيا، وتفيد الدراسات التي أُجريت في العقد الأخير من الزمان أن الحرب الباردة التي أنتجت سباق التسلح لم تنته إلا سياسيًا، إذ إن مصانع السلاح لم تتوقف سواء في الولايات المتحدة أو في دول حلفائها مثلما بقيت مستمرة في الكيان الصهيوني. أما لوبيات المال فهي تمارس نشاطها في الميدان الداخلي وتتسم نشاطاتها بأنها غير وطنية، أي أنها لا ترتبط ببلد أو وطن بل ترتبط تلك اللوبيات بوجود الشركات العابرة للقارات متعددة الجنسيات التي هي شركات عملاقة ورأس مالها ومركزها الأساسي داخل الدول الكبرى مثل أمريكا واليابان، ولا يقتصر عمل لوبيات المال في ممارسة الضغط على متخذي القرار داخل بلدانها ولكنها تمتد بأيديها بقوة نحو البلدان التي تمارس فيها استثماراتها، وهنا تظهر بعض الممارسات المرتبطة بالرشوة واستغلال النفوذ والإغراءات.

قلاع اقتصادية: بالنظر إلى اللوبيات المالية نجد أن تلك اللوبيات تُعَد قلاع اقتصادية عالمية قد تجاوزت بقوتها الاقتصادية قوة دول مجتمعة، ويرى الدكتور عبد الغني عماد، وهو أستاذ في الجامعة اللبنانية، أن هناك “مؤسسات ضخمة تعنى بالفكر الإستراتيجي، وبتحويله إلى خطط وخرائط وبرامج وأولويات يطلق عليها Think Tanks، وهذه التسمية التي تمزج الفكر بفلسفة القوة لم تأتِ مصادفة، فهي تعبر عن التحالف بين الفكر والسلاح في الولايات المتحدة، وهذه المؤسسات الإستراتيجية وبيوت الخبرة السياسية تمثل قوة ضاغطة وفاعلة تعمل بنشاط قل مثيله في العالم، وهي تتموّل وتتمتع بميزانيات ضخمة من كبريات الشركات الأمريكية المعولمة”. ويشير إلى أن “هذه الشركات العملاقة الممولة يقارب إنتاجها ما يساوي 25 في المئة من الإنتاج العالمي”، يذكر على سبيل المثال أن خمسة منها “جنرال موتورز” و”وال مارت” و”إكسون موبيل” و”فورد” و”ديملركرايسلر” يتجاوز ناتجها القومي 182 دولة في العالم، بل إن شركة “إكسون” يفوق دخلها دول “الأوبك” مجتمعة، وشركة “جنرال موتورز” يساوي دخلها دخل الدانمارك، وشركة “بكتيل” للمقاولات، يساوي دخلها إسبانيا، وشركة “شل” يساوي دخلها فنزويلا، وأن هذه الشركات وغيرها هي طليعة القوى الصانعة للعولمة، وهي الأسخى تبرعًا وتمويلاً لمرشحي الرئاسة الأمريكية ولمراكز الأبحاث وبيوت الخبرة السياسية والإستراتيجية مثل مؤسسة التراث (أُنشِئت منذ 30 سنة) ومركز مانهاتن للدراسات (أُنشِئ من 25 سنة) ومؤسسة المشروع الأمريكي (أُنشِئ منذ 60 سنة).

خلق حروب من نوعيات جديدة: بدأ العالم مرحلة جديدة من نوعها، يواجه فيها الصنف البشري حروبًا جديدة من نوع خاص، خلقت تلك الحروب داخل أنابيب الاختبار في المعامل التي كانت تعمل على تطوير فيروسات تفتك الآن بحياة الإنسان وتضعه أمام حرب بيولوجية لا يستطيع مقاومتها. فعلى سبيل المثال نجد فيروس “السيدا” (الإيدز) والذي بدأ كفيروس في القردة في غرب أفريقيا ثم تحول إلى فيروس قاتل مع تدخل علمي معملي أخرجه عن نطاق التحكم ليتحول إلى واحد من أشد أمراض العصر فتكًا، كذلك فيروس “الإيبولا” التي تشير بعض التقارير إلى أن لوبيات صناعة الدواء والسلاح في العالم تعمل على تسخير وسائل الإعلام لتهويل الوضع وترويع العالم من الفيروس المميت لترويج اللقاحات المضادة له وهو السيناريو الأقرب للواقع، حيث يجري في مخابر غربية صناعة فيروسات متطورة وراثياً. وأشارت بعض الأبحاث والدراسات إلى أن إنتاج فيروسات مميتة في مخابر غربية ونشرها ليس محض خيال بل تعود حقيقة جذورها إلى سنة 1763، عندما أرسل السير (جيفري أمهرست)، قائد الحملة الإنجليزية إلى الهنود الحمر، مناديل وأغطية لمرضى مصابين بالجدري، فكانت النتيجة انتشار هذا المرض بين جميع السكّان الأصليين لأمريكا قبل قدوم الإنجليز، كما أكدت التقارير والأبحاث العلمية أن العالم يشهد أعمالًا سرّية لتطوير الأسلحة البيولوجية الفتّاكة في تحالف بين لوبيات صنّاع السلاح والدواء. [http://www.noonpost.com]

7 – الجماعة الصداقية Friend group: لماذا يبحث الفرد عن جماعة يسمى أفرادها بالأصدقاء؟ ذلك لأنه حيوان اجتماعي وليس حيوان بيولوجي بمعنى يحتاج الى احتضان مشاعره والتدثر بألفتهم عبر تفاعلهم معهم لأنه يخشى عزلته في عيشه. فهي إذن ضرورية له لكي يتمدن لا يتوحش. أما من هم هؤلاء الأفراد المبحوث عنهم؟ أنهم من بيئته وثقافته ودينه وعرقه لكيلا يشعر بإنه يختلف عنهم بل جزءً منهم. إلا ان ليس جميع أصدقائه بنفس المستوى والقيمة والصلة. ففي المجتمع الحضري والصناعي الرأسمالي تكون المادة والمصلحة الشخصية المعيار الذي يحدد العلاقة الصداقية بين الأفراد إضافة الى الجاذبية الشخصية والمظهرية والاقتراب المتجاور والمماثلة المتشابهة. لكن في المجتمعات ذات الثقافة الاجتماعية العريقة مثل العربية والهندية والصينية تكون مقايسها عرفية – معنوية وأدبية غير مادية أو مصلحية هي التي تحدد صلة العلاقة الصداقية بين الأفراد التي حددها (أبي حيان التوحيدي) (310 – 414 هـ) وهي ما يلي: –

1 – كرم العهد2 – بذل المال
3 – تقديم الوفاء4 – احتمال الكل
5 – بذل المعونة6 – الثبات على الثقة
7 – حفظ الذمم8 – اخلاص المودة
9 – رعاية الغيب10 – توقير الشهادة
11 – حمل المؤونة12 – طلاقة الوجه
13 – الصبر على الضراء14 –
15 – كظم الغيظ16 – استعمال الحلم
17 – مجانية الخلاف18 – لطف اللسان
19 – حسن الاستبانة20 – المشاركة في البأساء

[التوحيدي. 1964. ص. 118]

بينما في الوقت الحاضر لم تبقى هذه المعايير لقياس الصداقة في المجتمع العربي بل أثرت عليها المؤثرات المادية وضعف الروابط القرابية وتوهن التربية الدينية في التنشئة الأسرية والمدرسية مما أبعدت العربي عن هذه المقاييس فلم يبقى الوفاء والثقة والمودة والحلم وبذل المال محتفظاً بقيمته في الصلات الصداقية. بمعنى هزلت وتميعت بسبب تغلب المادة والمصلحة الشخصية عليها مما أثرت الجاذبية الشخصية والمظهرية والمماثلة المتشابهة عليه جعلته لا يستغني عن الجماعة الصداقية في المجتمع العصري. لا جرم من تقديم المؤثرات الشخصية التي يخضع لها الفرد المجتمع العصري عندما يريد ان يبني صلة صداقية مع الأخر أو الأخرين في مجتمع تسوده العلاقات المجهولة وصغر حجم الأسرة وتسيد التنظيمات الرسمية والخضوع للمؤثرات المادية والمصلحية – الذاتية وتعدد وتنوع الهوايات والطموحات جميعها استبدلت دوافعه في اختيار أصدقائه مما لم تدعه ان يهتم بالصلات القرابية والدوافع المعيارية أو الخصال القائمة على التضحية والكرم والإخلاص والحلم وسواها. لكن مع كل ذلك بقيت حاجته للصداقة قائمة إنما اختلفت في دوافعها وهي ما يلي:

1 – الجاذبية الشخصية.

2 – الاقتراب المجاور.

3 – الجاذبية المظهرية.

4 – المماثلة المتشابهة.

نأتي الان الى شرح هذه الدوافع من زاوية اجتماعية وهي: –

1 – الجاذبية الشخصية Interpersonal Attraction: أي هناك منبهات مؤثرة منها ما تكون خادعة ومنها ما تكون صادقة في اغرائها تفرزها تغيرات الحياة العصرية مثل حركات الموضة ورشاقة الجسد والوجبات الغذائية التي تتبدل من وقت لأخر تجعل الانسان يركض ورائها لأنها ذات سطوة مؤثرة على سلوك الناس وبالذات الجيل الصاعد من الشباب تضحى بمثابة منبهات تثير انتباه الأفراد حول أحدث التطورات التي تمسّي الحياة الشخصية في الملبس والمأكل والصحة والدراسة والعلاقات الأسرية والصداقية مستقطبة ميول الناس لها، وهذا لا يتم إلا من خلال العلاقات الشخصية التي تقوم بتعريفها للأفراد.

2 – الاقتراب المجاور Proximity: تخضع العلاقات الصداقية لعامل الجوار والبعد المكاني (الجغرافي) فالأفراد الذين يعيشوا في حي واحد أو الذين يدرسوا في مدرسة واحدة أو يعملوا في دائرة أو شركة واحدة تكون علاقتهم ودية وشخصية أكثر من أولئك الذين يكونوا بعداء بعضهم عن بعض وكما يقول المثل العربي (البعيد عن العين بعيد عن القلب). أعني أن التفاعل الاجتماعي الذي يتم بين الأفراد المتجاورين مكانياً يبلور علاقة صداقية متينة والعكس صحيح.

3 – الجاذبية المظهرية Physical Attraction: يلعب المظهر الخارجي لجسم الانسان (الرشاقة ولون البشرة والشعر وطول الجسم) دوراً مهماً ومؤثراً في جذب انتباه ونظرة الاخرين بالذات في بداية نشوء العلاقة الصداقية حيث تتشكل الانطباعات الأولى عن الأفراد المنطوية على حسن المظهر وطلاقة الوجه وأنهم دافئي العلاقة أو أذكياء أو شفافين أو صادقين في حديثهم أو لطيفي المعشر أكثر من الذين لا يكونوا جذابين فتكون لهم الأولوية في عقد صداقية معهم أو الاقتران بهم. لكن يحسن بنا أن نتبه الى حقيقتين مهمتين ليس لهما صلة بالجاذبية المظهرية وهما: إن النظرة الأولى لا تكن كافية في ابداء الحكم على الجاذبية لأنها متبدلة خضعت لتأثير النظرة الخاطفة والسريعة لذا فأنها تتبدل فيما بعد عندما تتمعن بالجاذبية المظهرية، ثم هناك المعيار الثقافي المختلف من ثقافة الى أخرى. فمثلاً قبيلة (باداونك) احدى قبائل جنوب شرق اسيا تضع اسلاكاً معدنية حول رقبتها لتضغط على ترقوتها نحو الأسفل وترفع اضلاع قفصها الصدري حتى تطّول رقبتها. إذ تعتبر هذه القبيلة طول الرقبة معياراً جمالياً راقياً يعكس ثروة الأسرة (اسرة الفتاة) فالفتاة ذات الرقبة الطويلة تكون جذابة مظهرياً وذات دلالة اقتصادية عالية بذات الوقت. بيد إن هذا المعيار الجمالي لا قيمة له في الثقافة الغربية. فالفرد الغربي يعطي انطباعه عند الاخر بعدما يتفاعل معه في الأخذ والعطاء عبر رسائله الشفوية والايمائية ومن ثم يحكم عليه بأنه جذاب اولاً ليس له علاقة بطول الرقبة والاناقة المظهرية أو رشاقة الجسم. بمعنى أوضح تكون نتيجة الاتصال عند الغربيين معيار القرار على جاذبية الفرد أم عدم جاذبيته. فالقبيح في مظهره قد يقيم جذاباً من خلال حسن اتصاله ويقيم جميل المظهر تقيماً سلبياً غير جذاباً عندما لا يكون اتصاله ناجحاً مع الاخرين وهكذا فالجاذبية المظهرية ليس لها وزن قراري أو قيمة اعتبارية في تحديد جاذبية الفرد الغربي بل الاتصال الشفوي والايمائي، على عكس ما هو سائد في المجتمعات غير الغربية التي تكون للجاذبية المظهرية دوراً مؤثراً في عقد العلاقات قبل الاتصالات وذلك بسبب دلالاتها الاقتصادية والجمالية المحلية (المجتمع العربي من هذا النوع من المجتمعات التي تأخذ بالمظهر الخارجي دليلاً على الجاذبية الذي يكون دائماً مخادعاً ومضللاً للواقع الحي إذ يُستخدم المظهر الخارجي كمكياج مزوق لتغطية ما هو غير جذاب).

4 – المماثلة المتشابهة   Similarity: كثيراً ما يقوم به الأفراد من مقارنات سلوكية وفكرية ومزاجية وعاداتيه وموقفيه وسمات شخصية وخلفية تاريخية ومظهرية بينهم وبين اخرين يحملوا نفس المستويات والمعايير المتشابه في مجتمعات أخرى أو ثقافات ثانية من أجل معرفة درجة التشابه والاختلاف بينهما. إذ هناك تشابه في الجينات عندما يكون المقارن منحدر من نفس الجماعة العرقية يذهب فيها المقارن الجاذبية الاجتماعية والجسدية والفكرية مما يدفعه للاتصال مع افراد نفس الجماعة العرقية. او عندما تكون هناك سمات وخصائص تخضع للمناظرة الثنائية عند جماعتين متشابهتين في بعض السلوكيات مثل العقلانية أو العنف أو العبث أو المفاضلة الذكورية على الانوثة أو الذكاء أو البخل أو الكرم أو الغرور المتعجرف مثل هذه المماثلات المتناظرة تدفع بالأفراد نحو الاتصال والتفاعل فيما بينهم. [العمر.2019. ص. ص. 187 – 189]

8 – الزمرة Clique: هي أحد أنواع الجماعات المتفرعة من الجماعة الكبيرة أو الجمهور الكبير أو الحزب السياسي أو العصابة الإجرامية أو من المناطق الشعبية أو الطلبة معبرة عن أهداف أو قبول أو أفكار أكثر دقة من أفكار وأهداف الجماعة الكبيرة وتكون علاقة أعضاء الزمرة متينة وذات صلة مستمرة حتى بعد انحلالها بسبب التصاق مصلحة أو فكرة أو هدف افرادها. أما وقت بروز الزمرة فإنها تظهر عند الاجتماعات والمؤتمرات والحشود الجماهيرية وغالباً ما تواجه تحديات كثيرة من نفس أفراد الجماعة الكبيرة أو من خارجها وقد تقاطع كلٍ من لا يتعارض معها. بمعنى تكون علاقاتهم حميمية وقوية وعميقة تصل الى حد التفاني في سبيل أعضائها. بعد ان عرضنا وحددنا أنواع الجماعات في علم الاجتماعي بذات الوقت هناك أنواع أخرى من الجماعات طرحها وحددها علم الإجرام وهي الزمرة المرادفة للعصابة الإجرامية ومن الأخطاء الشائعة بين عامة الناس تداولهم لمصطلح الزمرة للتعبير عن مجموعة أفراد خارجين عن القانون مختلفين عن حماية الرفاق أو الاقران أو المعشر أو الأصدقاء أو الزملاء أو الشلّة. كذلك انها تختلف عن الجماعة الأولية والثانوية والمرجعية من حيث أهدافها ومصلحتها وتركيبتها الهيكلية لكنها تشبه الجماعة الأولية من زاوية حجمها الصغير واعمار أعضائها وتشبه الجماعة الثانوية ايضاً من حيث بنائها الهيكلي واعمار أعضائها لكنها تتميز عن جميع الجماعات التي ذكرتها انفاً من حيث كونها مطلوبة من رجال الأمن والشرطة والقضاء بسبب إيذائها للمجتمع وخروقها للضوابط القانونية والعرفية. وعادةً ما يسمى العصابات الإجرامية بالزمرة وكذلك الجماعة الإرهابية تسمى بالزمرة لا بسبب حجمها الصغير بل بسبب افعالها الجرمية المؤذية لحياة ومصالح أفراد المجتمع. إن سياق الحديث يلزمني ان أطرح أنواع الزمر الإجرامية المستخدمة في علم الإجرام وهي: –

1 – زمر الشباب المراهق.

2 – العصابة الإجرامية.

3 – الزمر السوقية.

4 – الجماعة الإرهابية.

ولا أجد بأساً من التمييز بين العصابة الإجرامية المنظمة وزمر الشباب المراهق adolescent gang في تصرفاتهم العنيفة والإجرامية. إذ هناك عدة زمر من الشباب لا يمثلون ولا يعكسون مصطلح ولا مفهوم الزمر الإجرامية المحترفة لأنهم يصرفون جلَّ وقتهم بالأنشطة الرياضية والتسكع في الحواري والأزقة والأرصفة مع ممارسة لعب القمار ومشاهدة أفلام سينمائية والرقص في المراقص ولعب البلياردو وسواها أي شباب غير منضبطين كجماعة منظمة لأن حياتهم وسلوكهم ومناشطهم تسودها الفوضى والعبثية بالذات عندما ينخرطون في الأفعال الإجرامية مثل النشل وسرقة السلع من المحلات التجارية والسطو على المنازل التي غالباً ما تؤدي من قبل شخصين أو ثلاث ليس أكثر من ذلك فلا غرو من القول عن هذه الأفعال الإجرامية بإنها تمسي محرضة على الجريمة أو محفزة لها تخدم مصالح فاعليها التي هي في الجوهر تمثل ردود افعالهم الباحثة عن المغامرة والاستمتاع بها. مثال على ذلك، خلال حالات الشغب العرقية التي حصلت عام 1919 بين البيض والسود في مدينة شيكاغو حيث كان هناك زمر من الشباب البيض ممن قاموا بالتحرش بالسود وقتل بعضهم وحرق وتدمير ممتلكاتهم (أي ممتلكات السود) هذه الأفعال لم تتبلور من زاوية الدفاع عن النفس أو الخوض في معارك بل مدفوعة من قبل الرغبة في الرياضة. [العمر. 2013. ص. 172] ما زلنا في الحديث عن مفهوم لزمر الشبابية المنظمة حيث تلقب بأسماء نواديها الرياضية التي يكون بعضها مكفولاً من قبل الساسة المحليين الذين يقومون بدعم ومساعدة التنظيمات المحلية للتصويت لصالح السياسيين المرشحين عن المنطقة التي يرشحون عنها أو التي يقطنوا فيها وهذا التكفل من الساسة المرشحين يمنح الزمر الشبابية المنظمة حماية الشرطة لهم عندما يقومون بسلب أو ينهب أو سرقة أشياء صغيرة وتافهة أو باقي الاعمال الإجرامية البسيطة واحياناً جرائم خطرة أو حرجة. هذا النوع من النشاط – بدون شك – يمثل نشاطاً عصابياً يعكس عمل العصابة الإجرامية لكنه ليس ذاته الذي يتم تنفيذه من قبل زمر إجرامية منظمة إنما زمرة شبابية منظمة.

9 – العصابة الإجرامية: مجموعة من الأفراد تجمعهم علاقة حميمة وود متبادل بحيث تكون مهمة كل فرد فيهما حماية وأمن وسلامة جميع أعضاء جماعته مثل إذا أصاب أحد الأعضاء بجروح أو كدمات اثناء العملية الإجرامية فإنه يتطلب من باقي الأعضاء تقديم كل العون له والمساعدة والعلاج بحيث يكون هدفهم الأبعد هو وحدة العصابة أو الزمرة وسلامة أعضائها. ولا مناص من القول بإنهم (أي افراد العصابة) يستخفوا ويستهتروا ويحتقروا حقوق المواطنين الأسوياء من خلال قوانينهم الخاصة بهم والتي عادةً ما تكون ملزمة على جميع الأعضاء بالتقييد بها وتنفيذها بحذافيرها. ومن خصائصها البارزة هي تخصصها بالعمل الإجرامي والأنشطة التابعة لها لكنها لا تمارس قطع الطرق مثلما تقوم به الزمر الشبابية ولا تهدف الى لفت النظر وجذب انتباه المواطنين والعامة من الناس لها كما تفعله الزمر الشبابية. علماً بأن جميع مناشط العصابة الإجرامية تكون مخطط لها سلفاً وبشكل معتز به من قبل الأعضاء إذ يهمهم سلامتها ووحدتها. في الواقع تتسم العصابة الإجرامية بتدرج هرمي تضع أعضائها على المواقع المتدرجة لهذا الهرم الوظيفي إذ هناك القائد (الزعيم) والمساعدين والمستشارين من الأطباء والمحامين وهناك مُبلغين وبائعي سلع مسروقة وسواها. وهذا غير موجود عند الزمر الشبابية المنظمة فضلاً عن ان العصابة الإجرامية لا تقتصر نشاطها الإجرامي في منطقة جغرافية واحدة بل تتنقل من مكان الى أخر حسب مصلحتها بل حتى تنتقل من مدينة الى أخرى إذا تطلب الأمر وغالباً ما تعتمد في عملها على خطط محكمة وبراعة وحذاقة قيادتها في تجنب القبض على أعضائها وهذا غير وارد عند الزمر الشبابية المنظمة.

10 – الزمر السوقية mob: أنها مجموعة من الرعاع السوقيين يتجمهرون من أجل الاعتداء على العامة وسرقة أموالهم أو حاجاتهم الشخصية ذات الحجم الصغير والوزن القليل والقيمة العالية فهي صغيرة الحجم تتميز بعدم استخدام القوة الجسدية في أداء جرمها في النشل وسرقة المحلات التجارية والسطو على المنازل وباقي أنواع اللصوصية المعتمدة على المهارة اليدوية والسرية والكتمان التي يفتخرون ايضاً بعدم استخدامهم للسلاح الناري في أداء عملهم اللصوصي. غذ ان الرجل الكتوم يعتمد على قدراته النفسية وشطارته في سرعة ودقة نشله وسطوه واعتدائه على الضحية دون اللجوء الى استخدام العنف الجسدي في ايذائه لها وهذا ما يجعلهم فخورين ومعتزين بهذه القدرة المهارية حيث يعدونها ذكاءً وفهلوة وشطارة يمتلكوها وحدهم وبالذات في انتقاء ضحيتهم المرسوم لها أو المحتملة إذ انهم يتابعون ضحيتهم خطوة خطوة دون علمها. على نقيض ذلك أفراد العصابة الإجرامية الذين لا يترددون في قتل ضحاياها من أجل تحقيق ما يصيبون اليه وهذا يجعلهم يستخدمون الأسلحة النارية في التسليب أو سرقة المحلات التجارية ويتطلب منهم ايضاً الاعتماد على مهاراتهم بشكل كبير وكلي أكثر من اعتمادهم على اسلحتهم التي يحملونها. لا جرم من لقول عن الزمر السوقية بإنها تتألف من اثنين أو ثلاث من الرجال وإن نشاطهم يمارس في زاوية من زوايا الحي والحارة والشارع العام الذي يتجمع فيه المارة من الناس أو في خطوط تحول المرور العام للسيارات وفي أوقات الازدحام او في المناطق المزدحمة. أقول يستغلون هذه المواقف لممارسة نشل نقود الأشخاص أو اصطياد ضحاياهم.

معايير المقارنةالزمر السوقيةالعصابة الإجرامية
حجمهاتتألف من شخصين أو ثلاثةتتمن أكثر من عشر رجال
اختصاصهامحدودة بحدود المناطق الشعبيةمتنوعة الاختصاصات الإجرامية
مغانمهابسيطة في مادتها وثمنهاثمينة في مادتها وثمنها
مناشطهاكثيرة في تكرارهاكثيرة في عددها، قليلة في تكرارها
استخداماتها في أداء العمل الإجراميتكثر في الإمكان المزدحمة، لا يستخدمون السلاح الناري ولا العنف الجسدي في أداء اجرامهم بل يعتمدوا على السرية والشطارة والفهلوة في الاعتداء على ضحاياهممستخدمين القوة الجسدية والأسلحة في قتل الضحية
اسلوبهمالانتقاء ومتابعة الضحية خطوة خطوةالتخطيط المسبق للعملية الإجرامية بشكل محكم وبراعة وحذاقة متجنبة القبض على أعضائها.

جدول يوضح الفرق بين الزمر السوقية والعصابة الإجرامية

11 – الجماعة الإرهابية Terrorism group: أنها مجموعة من الأفراد لها تدرج موقعي خاص بهم يتكون من القاعدة (المجندين – الذخيرة البشرية) والأمراء والامناء والمستشارين والمنظرين والقائد الأعلى. تؤكد في عملها السرية التامة والالتزام الصارم دون مناقشة، ولها أهداف ومرئيات تعكس مستلزمات وجودها وتبرر فيها كفاحها وصراعها مع النظام الحاكم. آلياتها الرئيسية في مزاولة نشاطها هي السلوك العنفي غير المشروع الذي يؤدي بخفية وسرية تامة ليس لهم أي صلة بالنظام الحاكم هدفهم في ذلك إشاعة الفزع والهلع بين المدنيين العُزّل وممارسة الضغط على الرموز السياسية في أجهزة الدولة. ومن نافلة القول في هذا السياق أن نشير الى ان الجماعة الإرهابية تستخدم القتل الجماعي للمدنيين الأبرياء من أجل احراج الحكومة وأصحاب القرار السياسي لتلبية وتنفيذ مطالبها الفئوية. أقول تستخدم القتل العشوائي للمدنيين كوسيلة ضاغطة على الحكومة انه مقترن بالعنف السياسي. في الواقع هذا النوع من الإجرام لا يكون فردياً بل جمعياً ومخططاً سلفاً ينفذه المجندون الذي يطلق عليهم (الذخيرة البشرية) مهمتهم تنفيذ العمليات العدوانية والإجرامية على المدنيين أو البنايات أو خطف رجال لهم نفوذ وسلطة في النظام السياسي. هذه الجماعة لها تدرج في الواقع ولكل موقع مسؤولية مرتبطة بالأخرى يكتنف عملها السياسي التام والاختبارات النفسية والتدريبات القتالية فتمسي هذه بمثابة أسرة المجند. أعني أسرة استحلالية تستحل اسرته البيولوجية تعوضه عن الاهتمامات والرعاية العلائقية والنفسية والعقائدية ترضعه من أفكارها المتطرفة والمغالية لكي يكون قرباناً لها لا يتردد في تنفيذ أوامرها وتوجيهاتها. أما من هم هؤلاء المجندون في الجماعة العدوانية فهم لا يكونوا من الأفراد العاديين أو الأسوياء أو المواطنين الصالحين أو العاملين في خدمة المجتمع بل من العاطلين عن العمل والحاصلين على تأهيل تعليمي أولي ومن المنحدرين من أواسط اجتماعية واقتصادية فقيرة نستطيع تسميتهم بـ (الذخيرة البشرية) التي تستخدمها قيادة الجماعة العدوانية في تنفيذ تمردها على النظام الحاكم. يقول (هاري هولوي، طبيب أمريكي) و (آن نورد، طبيبة أمريكية) 1997 بإن الأفراد ينخرطون في الجماعات الإرهابية يكون دافعهم تبني معتقداتها وثقافتها ويعملون ضمن خلية ذات بناء محكم. وفي هذا الخصوص قال كلٍ من (سيتنك كنوتسون والهودسبرنزاك) 1995 بإن هناك معتقداً غائراً عند المنخرطين في الجماعة الإرهابية يعكس تماهيمهم الشديد مع معتقدها ومعاييرها وقيمها. ثم أضاف (بوست) الى ما تقدم   1990 يمسي هؤلاء المنخرطون غير قادرين على التخلي عن إرهابهم لأنه يضحى حاجة ماسة في تحقيق طموحهم وعندما يتخلون عن ذلك فسوف يخسرون وجدودهم الاجتماعي (حسب تفكيرهم) وهذا يعني ان الجماعة الإرهابية تقوم بتطبيع أعضائها على صفات دامغة ومنيعة تقودهم نحو الافراط في التفاؤل ودفعهم نحو الاقدام على الجرأة المعنوية الجسورة وادراكاً متزايداً بالعدو وتصويره على انه شرير ومتعصب. اخيراً يرى (بوست) ان الجماعة الإرهابية تمجد العمل التخريبي للعدو الذي تتصارع معه. بتعبير أخر، ان الجماعة الإرهابية تستخدم التخريب والتدمير والحرق والقتل والخطف والاغتيال اسلوباً للتعبير عن أهدافها ومصالحها من أجل إزالة الضغط والاضطهاد عليها من قبل السلطة وتدعي بإنها سوف تزيل الظلم وتنشر العدالة والأمان وتطبيق القانون والمساواة بين أفراد المجتمع كشعارات اغرائية جاذبة اكسب تأييد الأخرين ممن هم خارج الجماعة. Hudson. 1999. P. 35]] مثل جماعة حزب الله في لبنان والعراق وسوريا وإيران وجماعة عصائب الحق في العراق وباقي الجماعات الإرهابية الطائفية الشيعية والسُنيّه.

جدول يبين أسس تصنيف الجماعات الإرهابية

أسس التصنيف   أنواع الجماعات          أمثلة
التفاعلأولية، ثانويةالأسرة، الرفقة، فريق العمل، القرية، الحيرة، المحافظة، الأمة، الحزب السياسي
النظامرسمية، غير رسمية، وسطىكجلس الجامعة، الأصدقاء، الأسرة
الاختيارجبرية، اختيارية، مفروضةالجنس البشري، السلالة، الأسرة، الديانة، الجنس، النشاطات في الكليات، الانتخابات (مجلس، هيئة)
التجانسمتجانسة، غير متجانسةجماعة طلاب يدرسون مادة متخصصة، الطلاب الجدد القادمون قبل توزيعهم
أمكان الدخولمقفلة، محدودة، مفتوحةالطائفة الدينية، النقابة، هواة، عقيدة، مذهب سياسي
الاستمرارطارئة، مؤقتة، تدوم لفترة محدودة، دائمة نسبياًتجمع حول حادثة، مسافرون في سيارة أو قطار، الجندية، لجنة، الأمة
الطبيعةطبيعية، مصطنعةالأسرة، القرية، معسكر
المكانالجيرة، الجماعة المحلية، الأمةحارة معينة، قرية معينة، الأمة العربية
الحجمصغيرة، متوسطة، كبيرة، كبيرة جداًثلاث أفراد، طلاب في محاضرة، طلاب كلية، الجنس البشري
الجنسالاناث، الذكور 
السنالأطفال، المراهقون، الكبار الراشدين، الشيوخ المسنين 

أُخذ هذا الجدول من كتاب البناء الاجتماعي لمعن العمر 1992 صفحة 94

ج – حقائق جديدة عن الجماعة الصغيرة: كشفت البحوث الاجتماعية المتخصصة باستقصاء التفاعلات الاجتماعية بين الأفراد وبالذات عن الجماعات الصغيرة بإن هناك صفات تتصف بها غير المعروفة عنها (كونها قليلة العدد وتكون تفاعلاتها مباشرة تجمعهم صلات حميمية وودية وان تفاعلاتهم مستمرة مثل الأسرة) مثل جماعات صغيرة تختلف في صفاتها عن مثل صفات الجماعة الأولية من حيث: –

1 – عدم اتصافها بالعلاقات الشخصية والحميمية والودودة مثل المجلس الأعلى للمصنع الذي يجتمع مرتين في السنة مع مندوبي المبيعات في مؤتمر سنوي وهم (هؤلاء المندوبين) يقطنوا في مناطق جغرافية متباعدة الأطراف ويشكلوا جماعة ثانوية وهم محسوبين على الجماعة الأولية.

2 – اتصافها بتدرج هرمي في هيكلها مثل ما هو قائم في العصابات الإجرامية المنظمة التي سادت مدينة شيكاغو الأمريكية حيث كانت تضم رئيساً ومعاونيه وسجلات رسمية للأعضاء ورواتب مالية ولها خلايا صغيرة في كل منطقة ولكل خلية نفس التدرج الهرمي في إدارتها.

3 – لديها شبكة اقتصادية في تجارة المخدرات.

4 – لديها شبكة اتصالات رسمية مع سماسرة منتشرين في احياء سكنية من أجل نشر تجارتهم بين الاحياء السكنية. [Schaerfer. 2003. P. 138]

ديدني من هذا الطرح هو لقول بإن الجماعة الصغيرة ليس دائماً تمثل الجماعة الأولية بسبب عيشها في مدن حضرية أو صناعية كبرى فتكتسب خصائص ثانوية وهي صغيرة الحجم. بمعنى أن ليس كل جماعة صغيرة تعتبر جماعة أولية وليس كل جماعة كبيرة تعد جماعة ثانوية. فصغر حجم الجماعة لا يمكن الاعتماد عليه في اعتبارها أولية.

1 – حجم الجماعة: متى نستطيع ان نطلق عبارة جماعة على تجمع الأفراد؟ وما هو عددها؟ وإذا اعتبرنا يشكل الأفراد جماعة فما هو نوعها؟ هذه التساؤلات يجيب عليها علماء الاجتماع لأنهم يعتبروا الجماعة تمثل “الخلية الأولى” في الجسد الاجتماعي، معنى ذلك أنها تبدأ من الأسرة التي تألف في البداية من فردين (زوج وزوجته) لكن هذا العدد غير كافٍ إذا لم يصاحبه تفاعلات وعلاقات فيما بينهما وغيابهما لا يمكن تسميتها بالجماعة. فعندما يكون تجمع الأفراد قليلاً يبدأ من اثنين الى أربع فإن نسيجها الاجتماعي يختلف عن تلك التي نسيمها أكثر من أربعة حيث:

1 – تزداد تفاعلاتهم وعلاقاتهم فيما بينهم أكثر من تلك التي قوامها أكثر من أربعة.

2 – لا يستطيع كلٍ منهما أن يتجاهل الأخر بسبب قلة عددهم.

3 – لدى كلٍ منهما وقت واسع للتحدث وتبادل وجهات النظر أكثر مما لو كانوا أكثر من أربعة.

4 – تكون اتصالاتهم فيما بينهم أكثر فعالية من تلك التي حجمها أكثر من أربعة.

5 – صاحب الدور القيادي بينهم يكون أكثر سيطرةً وهيمنةً عليهم من تلك التي عددها أكثر من أربعة.

بعد هذا التمهيد ندلف الى مدار الرائد الأول في تناول حجم المجموعة هو العالم الألماني القديم (جورج زمل Georg Simmel) (1858 – 1918) إذ له الأسبقية في تحديد حجم الجماعة حيث قال بإنها تبدأ من فردين يطلق عليها dyad أي الثنائية مثل الزوجين أو العشيقين أو الصديقين لكن أحد أركانها (بالوفاة أو الهجر أو السفر وسواها) لكنها تتمتع بمستوى متين من المودة والمحبة لا يمكن مشاهدتها في الجماعة الكبيرة وإذا حصل صراع فيما بينهما أو تهديد أحدهما للأخر فإن ذلك ينهي العلاقة عندها فتنحل الجماعة. لكن إذا جاء فرد إضافي لهذين وصارا ثلاثة أفراد أطلق (زمل) عليها مصطلح “الثلاثية Triad” وهنا يمارس الشخص الثالث عدة أدوار مهمة وهي:

1 – انه يلعب دور الوسيط بين الاثنين.

2 – ويحل النزاع أو الخلاف الذي يحصل بينهما.

3 – ويثير المنافسة بينهما.

4 – ويتحكم في علاقتهما.

5 – يوحدهما.

فالزوجين عندما ينجبا طفلاً يكون هذا معززاً لرباطهما الزوجي فيمتن صلاتهما ويثير دوافعهما بالمنافسة في خدمته والتضحية سبيل راحته، بذات الوقت يتحكم في نشاطهما خارج المنزل أي يقيد خروجهما إذا تمرض أو عدم وجود أطفال ووسائل تسلية له في المكان الذي سيزورونه وإذا وصلت النزاعات الحادة فيما بينهما فإنهما في نهاية نزاعهما يتنازلا ويضحّيا بالبقاء بقربه ورعايته. هذه الحالة الأسرية تنطبق على الجماعة الاجتماعية الصغيرة التي بادرها (جورج زمل). نستخلص مما تقدم، ان مقياس حجم الجماعة لا يعتمد على عدد أفرادها بل على سعة وتنوع تفاعلات أفرادها وتناسج علاقاتهم وتحديد دور قائدها عليها. وان تزايد أفرادها يتماشى مع تزايد حجم المجتمع والعكس صحيح. فالجماعة الكبيرة في حجمها تنتشر وتتعدد في المجتمع الحضري والصناعي وهي حالة صحية تخدم الفرد والمجتمع على السواء لأن من خصائص المجتمع المتحضر هو التنوع والتعدد التنظيمي والجماعات الثانوية وتقل فيه الجماعات الأولية. هناك حالة سلبية مرضية (باثولوجيه) تتضمنها الجماعة ذات الحجم الكبير وهي حالة التسكع Loafing التي تشير الى وجود بعض أعضاء الجماعة ممن لا يكونوا جادين وحريصين وغير حيويين في عضويتهم داخل الجماعة مما يعيقوا مسيرة الجماعة في تحقيق أهدافها وهذا وارد جداً عند الجماعات التي تضم اعداداً كبيرة من الأفراد لأنه ليس جميعهم يكونون بنفس المعنوية والاندفاعية في التعامل معاً وبالمشاركة الجداة لذلك يطلق عليهم بالمتسكعين يعرقلون حتى مشاركة المشاركين في انجاز مشاريع الجماعة، أعني يكونون بمثابة حجر عثرة في طريق الجماعة لا لكونهم ضدها بل لكونهم غير جادين بل مهملين أو غير معنيين بأهداف الجماعة أو أنهم ينضمون تحت اسمها لكي يكتسبوا من انتمائهم لها لا غير.

2 – ائتلاف الجماعات Group Coalition: غالباً ما تحقق المصالح المشتركة بين الجماعات تحالفات فيما بينها من أجل تطوير وتأكيد وجدوها. بمعنى إذا كان هناك هدفاً مشتركاً بين جماعتين فإنهما يتعاونا عن طريق الائتلاف – التحالفي من أجل تحقيق مصالحهما ودوام وجودهما. لكن هذا الائتلاف يكون على نوعين، الأول دائمي والثاني مؤقت أو مرحلي. وقد نشاهد حالة ائتلاف على الصعيد العالمي بين الأحزاب والحكومات وغالباً ما تكون مؤقتة ومرحلية. ثم هناك تحالف حصل في عام 1997 بين الشركات الكبرى لصناعة السكاير مع المعارضين للتدخين من أجل إرساء تسوية لمنع التدخين وحماية صحة الاسنان. استمر هذا التحالف لعقود من الزمن إلا انه انحّلَ أو انفك ورجع كل طرف ليتصارع من الاخر. وحصل ائتلاف أخر من نوع ثاني وقع في مدينة تكساس بين البيض واللاتينيين (من أمريكا اللاتينية) مع المقاولين الأغنياء أي بين العمال والمقاولين العاملين بشق شبكة لتصريف المياه وتبليط الشوارع في مدينة تكساس الامريكية. أَوضَحَ هذا الائتلاف الباحث الاجتماعي الأمريكي (وليام ولسن). [Schaefer. 2003. P. 139]. نستنتج مما تقدم بإن الجماعات الاجتماعية الصغيرة والكبيرة لا تبقى على حالتها بشكل مستمر بل تحاول أن تتطور وتنمو عبر تحالفاتها وائتلافاتها حسب مصالحها وأهدافها منها ما هو قصير الأجل ومنها ما هو طويل الأجل أو الدائم. وكلما تطورت وتقدمت الحياة الاجتماعية والابتكارات التكنولوجية والتغيرات السياسية والتطورات الاقتصادية تبرز حالة الائتلافات بدلاً من تصارعاتها ومنافساتها من أجل تحقيق مصالحها وأهدافها وهي حالة صحية للمتحالفين في أغلب الأحيان بشرط ان لا تكون على حساب الأخرين وتضر بمستوى معيشتهم. لذا نرى من الضروري ان يلتفت الباحثين الاجتماعيين الى ائتلاف الجماعات وأهدافها المرجوة وصلَّتها بالمجتمع الذي تعيش فيه لأنها تمثل أحد مؤشرات التغير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.

3 – أدوار أفراد الجماعة: لكل جماعة ادواراً تتضمن مهماً وواجبات يقوم بها كل فرد يشغل موقعاً فيها، هذه المهام تنطوي على تقديم خبرات شخصية تساهم في رفد الحقائق والمعلومات التي تطلبها الجماعة مقدمة توضيحات بفكرها وآرائها التي يحتاجها الأعضاء ثم القيام بتفصيل النقاط الغامضة. أنها مهام تتطلبها الجماعة من خلال اشغالها للمواقع التي فيها. لأن الفرد لا يستطيع ان يقوم بأي دور مالم يكن جائزاً على مكانة داخل الجماعة. هذه المكانة هي التي توضح وتحدد دور الفرد الذي يشغلها، فهما (الموقع والدور) متلازمان في الجماعة يقوم بهما الفرد حيث كلما كان قيامه بمهام دوره مكثفاً وجدياً ومستمراً علَّت وتقوت مكانته داخل الجماعة والعكس صحيح. ليس هذا فحسب بل من جملة مهام دوره هي المبادرة في مساعدة الجماعة من خلال طرح حلول ومعالجات لمشاكل الجماعة التي تمر منها أو تقديم أفكار جديدة أو طرقاً حديثة تخدم أهداف ومصالح الجماعة. أما الدور المنسق للمناقشة داخل الجماعة فإن مهمته المحافظة على ابقائها في حدود اطارها دون الخروج عنها وهذا أمر ضروري. جميع ذلك يعد من مهام وواجبات دور الفرد داخل الجماعة.

الأدوار الاجتماعية Social Roles: لا تبقى الأدوار الاجتماعية على حالها وبالذات أدوار الجماعة لأنها في تطور دائم لتعكس عضوية الفرد وسماته الشخصية ومصالحه الذاتية هذه هي طبيعة الدور الاجتماعي مثل الزوجة التي تقوم بصنع الحلويات والمعجنات إضافةً الى مهمتها في تدبير المنزل وقيامها بحل الخلافات أو المشاكل التي تحصل بين أبنائها أو أصدقائها في الحي أو بين أبناء اقاربها. هذه مهام تواجهها الزوجة تضاف الى دورها الرئيسي (كزوجة) تكسبها خبرة في حلّ المنازعات والخلافات والاستماع الى مشاكل الأخرين وتقديم الحلول لها فضلاً عن تقديم العناية والخدمات والمساعدات للمحتاجين لها من معارفها. هذه إضافات اجتماعية تكسب دور الزوجة خبرات إضافية ترقي من عضويتها في الأسرة وتمنح شخصيتها سمات اجتماعية إيجابية في تعاملها مع الأخرين. مثل المساهمة في تسوية النزاعات والخلافات بين أعضاء الجماعة من خلال تلطيف التوتر والاضطرابات داخل الجماعة من أجل إزالة المشاحنات والنزاعات بين أعضاء الجماعة. معنى ذلك ان العضوية لا تعني فقط إشغال موقع أو مكانة بل المساهمة في تقديم خدمات تعمل على تطوير عضويتها لجعلها أكثر حيويةً وتألقاً بين أفراد جماعتها.

4 – أدوار معارضي الجماعة Anti-group Roles: ليس كل جماعة تكون منسجمة في تفاعلاتها وعلاقات أفرادها بل هناك دوافع مختلفة تدفعهم في ذلك الذي بدوره يؤثر سلباً على تضامنهم وتماسكهم، وغالباً ما يكون عدد المعارضين لسياسة الجماعة وقراراتها قليل جداً لكنهم موجودين وعرقلتهم قائمة ففي العديد من الحالات تظهر ممارسات دورية داخل الجماعة لا تنسجم مع طروحات الجماعة ولا مع ممارساتها أثناء اجتماعاتها أو مناقشاتها أو قراراتها من أجل تحقيق مصالح ذاتية – شخصية لبعض أعضائها وليس للجماعة ككل في مصالحها أو أهدافها فيحصل تصادم بين أدوار أعضائها. بمعنى هناك دوافع ذاتية – شخصية تدفع بعض أعضاء الجماعة الى اتخاذ مواقف معارضة ومتشابكة مع سياسة الجماعة لإبراز صوتهم المتنافي مع صوت الجماعة مثل معارضة أفكار الجماعة بشكل عنيد أو المطالبة بإعادة تقييم أهداف الجماعة أو رفض قراراتها المتفق عليها مسبقاً أو لمطالبة بتجاوزات قرارات جوهرية من أجل احراج المناوئين لهم داخل الجماعة. أما دوافع هؤلاء المعارضين للجماعة وهم أعضاء فيها فهي: –

1 – المعارضة المقصودة بعناد أي المعارضة من أجل المشاكسة.

2 – النقد من أجل النقد.

3 – استخدام الأسلوب الساخر والمستهزئ بقرارات الجماعة لكي يتجنبوا المساهمة في اتخاذ قرار يخدم الجماعة.

4 – حب الظهور المتباهي لجلب انتباه أعضاء الجماعة نحو شخصية أو كفاءة المعارض.

5 – أو طرح مواضيع هامشية لا علاقة لها بسياسة الجماعة من أجل ألهائها وإضاعة الوقت عليها وتبديد جهدها.

6 – أو الجدال من أجل عرقلة أعمال الجماعة لكي يلهب حرارة النزاع أو يشعل نار الفتنة بين أفراد الجماعة.

لاحظ هنا المعارض داخل الجماعة يعاني من عدة عقد نفسية تتراوح بين التهرب من المسؤولية بشكل عمدي أو استهزائي أو المجادلة العقيمة. جميع هذه الدوافع هدفها واحد وهو حب الظهور من خلال المعارضة التي تعني ليس كل معارضة تكون بناءة تخدم الجماعة بل المراد منها خدمة مصلحة ذاتية – شخصية أو معاناة لعقدة نفسية يعاني منها المعارض نفسه لعرقلة اعمال وقرارات الجماعة.

5 – صراع الدور Role Conflict: كل فرد منا يمّر بسلسلة مراحل عمرية وتطورية وعلائقيه تختلف وتتناقض احياناً في شروطها ومستلزماتها مثل زواج الأعزب وضابط الشرطة الذي يمارس عمله في منطقته السكنية أو مدير مدرسة في قريته التي عاش فيها أو التاجر في منطقته السكنية أو المسؤول السياسي من أصول قبلية أو طائفية – دينية. إذ يواجه الفرد في هذه الحالات تناقضاً في متطلبات الأدوار التي يتطلب أن يمارسها فيحصل فيها صراع دوري في سلوكه مثل الطبيب الكاثوليكي الذي لا يؤمن مذهبه الديني باستخدام وسائل ضبط النسل وتأتي اليه امرأة تطلب منه ان يكتب لها وصفة لشراء أحد وسائل منع الحمل. هنا يحصل عنده صراع بين ما يؤمن به مذهبه وبين مسؤوليته كطبيب أمام مريضة تطلب منه ذلك فيحصل عنده صراع دوري. حالة أخرى توضح دور الرجل المتزوج الذي يتصارع دوره كزوج لزوجته مع دوره كابن لأمه التي تطالبه بمطاوعتها والالتزام برأيها ورعايتها ويفضلها على زوجته، مع دور زوجته التي تريده بجنبها ومفاضلتها على أمه والبقاء بجنبها دائماً، وهنا يصبح هو بين دورين متنافرين في توقعاتهما منه، يدفع ثمنه بخضوعه لضغوط دورين يعيش بينهما: الأول دور يحدده الرباط البيولوجي (الأمومي)، والثاني دور عاطفي – وجداني لا يستطيع ان يحقق راحته وكسب أمه وزوجته في وقت واحد. لكن هذا الصراع الدوري ينتهي بتحقيق توقعات دوره كزوج أكثر من تحقيقه للتوقعات كابن لأن مستقبل عيشه يكون مع زوجته وإن مصلحته الشخصية وراحته النفسية والعائلية لا تتحقق إلا مع زوجته. فلا جرم من القول بإن صراع الدور يكون قائماً دائماً يمسي به الرجل ضحية توقعات دورين مختلفين في امتلاك دوره. ثم هناك صراع الزوجة الموظفة التي تعيش بين دورين متضاربين في توقعاتهما ومسؤوليتهما تدفع ثمنه أكثر مما يدفعه زوجها. كذلك المسؤول الحكومي المنحدر من قبيلة معينة أو طائفة دينية يتطلب منه موقعه الحكومي أن يكون منصفاً وعادلاً مع المواطنين بذات الوقت يتطلب منه التزامه بانحداره القبلي أو الطائفي ان يقدم له المساعدة وتجاوز الشروط الرسمية. هذا صراع دوري أخر يواجهه الفرد. كذلك التاجر الذي يبيع سلعاً استهلاكية في منطقته السكنية التي تتطلب منه المعاملة الصادقة والنزيهة خاليه من الغش والخداع بذات الوقت تتطلب التجارة منه التلاعب والاستغلال والتربح على حساب علاقاته الصداقية. والمتزوج حديثاً المستمر في حياته العزوبية بالسهر خارج المنزل بدون زوجته والانشغال مع أصدقائه العزاب في لهوهم المتجرد من الالتزامات العائلية. هذا النوع من الصراع الدوري يخلق مشاكل شخصية تنعكس على المبتعد عن التزاماته للدور الجديد واستمرار تماثله مع الدور القديم. وهكذا فإن الفرد يواجه في كثير من الأحيان وبالذات في الحياة الحضرية والصناعية الحديثة صراعات دورية عديدة تتغلب عليه مصلحته الذاتية والمادية أكثر من الصلات المعنوية والعرفية والدينية والقبلية كذلك ينتشر هذا الصراع في الفترات المتأزمة اقتصادياً والمشحونة بالصراعات السياسية والثورات والانقلابات العسكرية والحروب الأهلية لكنها تقل كثيراً في المجتمعات البدوية والريفية والمحافظة والتقليدية بسبب تغلب التنشئة الضابطة عرفياً وسمو الضوابط العرفية على الأفراد مما تجعلهم بعيدين عن الصراع الدوري لصالح المؤثرات العرفية غير المادية أو للمصلحة الشخصية. أخيراً نقول إن الفرد الذي يعيش في حالة صراع دوري لا يكون سعيداً بل قلقاً ولا يكون ناجحاً في ممارسة الدورين الذي يمارسهما في وقت واحد لأن أحدهما يتغلب على الأخر ويكون الفرد ضحية صراع الدورين فلا يكسب اعتبار اجتماعي متميز بل يخسر اعتباره الاجتماعي عند كليهما. أعني أنها حالة حرجة ومتأزمة ومتأرجحة لا تخدم اعتبار وقيمة الفرد بل تسيء له لأن توقعات الدورين التي يواجهما غير متفقتين بل متصارعتين بعوزهما الانسجام وهذا غير متوفر فيحصل الصراع الذي يدفع ثمنه الفرد الواقع بين دورين مختلفين من توقعاتهما هذا الثمن يكون على شكل: –

1 – خسارته المعنوية في عدم حصوله على اعتبار اجتماعي عند أحد الدورين.

2 – حصوله على مكاسب مادية مرحلية لا تدوم.

3 – معاناته النفسية في عدم تقدير الأخرين له وبالذات من اتباع التوقعات الدورية التي لم يتماثل معهم.

4 – لا يكن متميزاً في ممارسة دوره الذي فاضلة على الدور الأخر.

6 – قيادة الجماعة Group Leadership: كيف تعمل الجماعة؟ وكيف تمارس نشاطها؟ وتحقق أهدافها؟ وتنمي علائقها؟ كل ذلك يتم إذا توفرت لديها قيادة تمنحها الحيوية والأداء والديمومة. لكن ليس جميع الجماعات تستلزم وتتطلب موقعاً قيادياً فيها لأن جماعة الأصدقاء لا تتطلب قيادة فيها على عكس الجماعات الثانوية والرسمية التي تحدد موقعاً متميزاً لقيادتها، يمارس سلطته وسيطرته عليها. ولكن لهذا الموقع القيادي أنواعاً مختلفة في اسلوبها القيادي وعلاقتها بالأتباع. هذه الأنواع هي: –

أ – القيادة الادائية الملتزمة بقواعد وأصول العمل Instrumental Leadership التي تتصف بالصفات التالية: –

1 – تتمتع باحترام واعتبار اجتماعي عالٍ من قبل اتباعها (أفراد جماعتها).

2 – تركز بشكل مكثف على انجاز الواجبات والمهام والمسؤوليات واتمامها على أكمل وجه.

3 – ينظر اتباعها اليها على انها صانعة للتخطيط ومصّدرة للأوامر والتعليمات.

4 – تركز على الأداء المهني وليس الولاء لها.

5 – تستخدم العلاقات الثانوية – الرسمية في صلاتها وتفاعلاتها مع أعضاء جماعتها.

6 – تنزل العقوبات وتمنح المكافئات وتصدر الأوامر والقرارات على اتباعها في الجماعة كلٍ حسب نوع وكم مساهمته في مهام الجماعة.

ب – القيادة المعبرة عن المشاعر والقدرة التي تثيرها الاحداث على اتباعها داخل الجماعة Expressive Leadership هذه القيادة نقيض القيادة الادائية في قيادة جماعتها فهي التي: –

1 – توفر الرفاهية والسعادة لأعضاء جماعتها.

2 – تغذي الروح المعنوية عند أفراد جماعتها.

3 – تقلص من التوترات والصراعات التي تحصل بين أعضاء جماعتها.

4 – تبني صلات وروابط أولية وشخصية مع أعضاء جماعتها.

5 – تقوم بتوحيد أعضاء جماعتها.

6 – تعالج مشاكل أعضاء جماعتها الحرجة والحادة بدعابة وسلاسة.

7 – تخضع للتأثيرات الشخصية الصادرة من أعضاء جماعتها. [Macionis. 2010. P. 164]

خ – اتصالات أفراد الجماعة

1 – حجم الجماعة واتصالات أفرادها: عندما يكون حجم الجماعة كبيراً فإن ذلك يؤثر على نوع وكثافة اتصالات أعضائها لأن كل واحد منهم يريد أن يساهم ويشارك بالحوار والنقاش ويريد ان تكون فرصة حديثة كافية للتعبير عن مواقفه، إلا ان ذلك لا يحصل لأن الوقت لا يسمح له بأخذ حريته بالحديث بسبب محدوديته لكي تعطي الفرصة للجميع بالتحدث. بذات الوقت تحصل تقاطعات ومداخلات من قبل الأعضاء وهذا ما يجعل الأفكار غير متسلسلة فيحصل جدل مثير ومتشعب الذي بدوره ينعكس على علاقاتهم أي تصبح أقل وديةً وغير حميمة ثم تبرز حالة ميل أحدهم بالتفرد للحديث وإبقاء الأخرين صامتين أو مستمعين. باختصار شديد عندما يكون حجم الجماعة كبير يحصل كبح لنوعية وكمية مساهمة الأفراد في اثراء الحوار والنقاش الدائر فيها وتكون فرص التحدث محدودة وقصيرة مما يقلل من ارتياحهم في الحوار وتزداد مساهمة التفاعل الذي يستهلك وقتاً أطول مما هو مخصص له. هناك ظاهرة أخرى تبرز في حياة الجماعة ذات الحجم الكبير وهي تبلور (العُصبة أو الزمرة Clique) التي تتفرع منها، تضم افراداً مترابطين بشكل متين، تعكس مزاجهم وميولهم وهواياتهم وطموحهم مثل فريق كرة القدم أو السلّة. نشاهد ظهور هذه العصبة الصداقية بين طلبة المرحلة الإعدادية والثانوية كذلك بين طلبة الجامعة. لكن أعضائها في عصبة طلبة الجامعة تضم افراداً من اختصاصات مختلفة ثم هناك تواجد للعصبة بين الموظفين في مكتب أو شعبة لدائرة حكومية أو شركة تجارية نجدهم متشاطرين في الاهتمامات والأحاديث والذوق والمواقف والاهتمام بشؤون العمل يدعم كلٍ منهم للأخر، بذات الوقت يتخذوا مواقف متحدية لعصبة ثانية داخل دائرة العمل أو الشركة أو يقوموا بتحالف مع عصبة أخرى، فهي إذن إحدى تفرعات الجماعة الكبيرة الحجم.

2 – شبكة اتصالات أفراد الجماعة: ذكرنا في هذا الفصل عن وجود أفراد متفاعلين ومتصلين بشكل مباشر وغير مباشر داخل تجمع يطلق عليه جماعة لها هويتها وهدفها لكن اتصالاتهم لا تكن واحدة فيما بينهم لأن ذلك يخضع لحجم الجماعة التي هم فيها إذ كلما كبر حجمها باتت اتصالاتهم غير مباشرة وخاضعة لمواقعهم داخل تدرجهم داخلها أي تخضع لمواقع المركزية فيها والأطراف الذين يكونوا في نهاية اطار الجماعة وبالذات في الجماعات الثانوية والرسمية حيث هناك جماعة يكون اتصال افرادها وجهاً لوجه لا يحتاجوا الى شخص يقود ويوزع ويرسل رسائلهم وهناك أفراد لا يستطيعوا ان يتصلوا مع رئيس الجماعة بل هناك أفراد محيطين به فقط يستطيعوا الاتصال به وان رسائله لا تصل مرة واحدة الى الجميع بل الى أفراد محددين وهكذا فإن الشخص المستلم أو الذي يشغل قيادة الجماعة يرسل ويستلم رسائل كثيرة في فترة زمنية محددة بحكم موقعه. بعد هذه المقدمة نعرض شبكة اتصالات لأفراد الجماعة التي تأخذ أنماط مختلفة وهي: –

أ – الشبكة المتسلسلة Chain Network

ب – شبكة لجميع القنوات All Channel Network

ب – شبكة دورانية Wheel Network

أ – الشبكة المتسلسلة: هنا تمر المعلومة من شخص لأخر شفاهةً وليس كتابةً دون الرجوع الى الصيغة الاصلية للرسالة بل تتحور مضافاً اليها عبارات وتنقص منها أخرى حسب صلة المرسل والمستلم لها فإذا كان من مؤيدي مضمون الرسالة فإنه يضيف عليها أو يحذف منها لكي يؤكد معارضته وهكذا، بمعنى انها لا تنتقل المعلومة من شخص لأخر كما هي صيغة واسلوباً ومع استمرار تنقلها من شخص لأخر تتحرف المعلومة بسبب تسلسل مرورها من شخص لأخر. مثال الشخص (أ) حصل له حادث سير قرب منزله مما أخره عن لقاء صديقه (ب) في الموعد المحدد ثم قام الشخص (ب) بإخبار زميله (ج) بحادث صديقه (أ) مضافاً اليها بإن صاحبه (أ) قد اصطدمت سيارته بسيارة أخرى ونقل الى المستشفى بعدها قام الشخص (ج) بإخبار عائلته بإن صديق صديقه (أ) راقد في المستشفى بسبب حادث مرور وقع له. هذه الشبكة من الاتصالات الشفوية لا يتم تمريرها كما هي في الجماعات الصغيرة بل يتم تحريف عباراتها وتعبيراتها حسب صلة الأفراد بعضهم ببعض حسب مشاعرهم وعواطفهم وعلاقاتهم بالأخر المرسل له المعلومة أو الرسالة.

ب – شبكة جميع القنوات: يحصل هذا النوع من الاتصال في اجتماع الجماعة حول الطاولة المستديرة دون وجود تدرج مواقعي أو رئيس للجلسة بل جميع الأعضاء متساوين في عضويتهم داخل الجماعة فيحصل تفاعلهم بشكل حر مثل هذه الاتصالات تحصل في الاجتماعات الخاصة بالشركات التعاونية أو المجالس العلمية إلا انها تفتقد إدارة الجلسة التي قد لا تصل الى إتمام حديثها ونقاشها حيث لا توجد قناة واحدة تمرر منها الرسالة أو المعلومة بل الجميع يشترك في ارسالها واستلامها في وقت واحد.

ت – شبكة دورانية: هذه الشبكة الاتصالية يكون الفرد فيها متحملاً مسؤولية استلام وإرسال المعلومة للجميع إذ كل مسؤول عن الكل والكل مساهم ومشارك في انجاز الواجب المطلوب من الجماعة يعملوا وكأنهم شخصاً واحداً فعالاً ومساهماً في الأداء لكي يتجنبوا التكرار في العطاء ومن أجل ضمان مساهمة الكل في الاتصال على نفس المستوى. إنما هذه الشبكة يكون فيها الدور المركزي ضعيف في نشاطه لأن باقي الأعضاء متحملين كامل واجباتهم ومتحملين مسؤوليتهم بجدارة وكفاءة. [O’Hair. 2012. Pp. 264 – 265]

3 – المتغيرات المؤثرة على اتصالات أفراد الجماعة: غني عن البيان من أن حجم الجماعة وسعة شبكة اتصالات أفرادها تؤثر على اتصالاتهم بشكل مباشر لكن هناك متغيرات أخرى تؤثر عليها (على اتصالاتهم) بشكل أكثر وضوحاً وتأثيراً وهي ما يلي: –

أ – تماسكهم الملتحم بشكل ملتصق Cohesion

ب – إجماع آرائهم Groupthink

ت – معايير التي يعتبروها قاعدة لسلوكهم ونموذجاً يحتذى بها Norms

ث – وضوح أهدافهم Clarity of goals

ج – اختلافاتهم الفردية Individual differences

معنى ذلك ان اتصالات الأفراد داخل الجماعة لا تكن عشوائية أو انسيابية أو الزامية او رغائبيه بل تخضع لمؤثرات ثقافية وجمعية في الان تحدد نوع وتكرار وكثافة اتصالاتهم. نأتي الان الى شرح هذه المتغيرات المؤثرة.

أ – تماسكهم: الذي يدل على ارتباط افراد الجماعة واحترام كلٍ منهم للأخر واعتبار أنفسهم ممثلين لكيان شخص واحد لأن الجماعة المتماسكة تحدد نفسها على انها وحدة واحدة أكثر مما هي مجموعة أفراد صلبة في مواجهة الشدائد والأزمات والمصاعب والنكبات. لأن الشعور بالتماسك يوّلد مزاج أو طيع لإيجابي للجماعة وهو الزهو والافتخار عند كلٍ منهم عندما يصرح بإنه أحد أعضاء جماعة معروفة بتماسكها وصلابة حبكتها. ليس هذا فحسب بل تمنح افرادها الثقة بالنفس والتفاؤل والثقة عند مواجهة الصعاب، وميلها لتخفيف حدة المشاكل وعدم تضخم الموانع في مقابلة التحديات والحوائل بل لتشجيع على التأقلم مع الأزمات فضلاً عن اتخاذ القرارات بعناية ودقة وعقلانية رشيدة كل ذلك يؤدي الى أداء إنجازاتها بشكل متماسك وجودة أفضل من قرارات الجماعة غير المتماسكة. ومن أجل استجلاء أكثر عما تقدم نقول بإنه يمكن تحديد تماسك الجماعة من خلال معياريين هما:

1 – شعور المشاركين حول عضويتهم في الجماعة عند وصولها الى حالة التحمس والتماثل مع مرامي الجماعة ومدى نشاطهم بشكل متحمس في نقاشهم البناء.

2 – محافظة الجماعة على الاحتفاظ بأفرادها دون التخلي عنهم. إذ أن الجماعة المتماسكة لا تفرط بأعضائها بل تتمسك بهم بحيث تقوم بنقلهم من منصب الى أخر لكيلا يتكلفوا مالياً وجهدياً عند خروج أحد أفرادها وتعين أخر جديد يعلمون انماطها وأهدافها ومعاييرها وتدريبه على مزاج افرادها لأنه كلما شعر أفراد الجماعة بحراكهم الاجتماعي على تدرج الجماعة زاد ذلك من اندفاعهم نحو انجاز حاجاتهم وتحمسوا في مشاركتهم ويكثف من تماسكهم. وفي هذا السياق قدم (جوران Gouran) 2003 ست مقترحات تعمل على انماء تماسك الجماعة بشكل إيجابي وهي: – أ – تجنب تسلط أعضاء جماعة ثانية عليها.

ب – التركيز على أداء الواجبات المهمة للجماعة.

ت – ابداء المشاعر الودودة والحميمة مع الأخرين.

ث – احترام الرأي الأخر.

ج – اشعار الاخرين بتثمين رأيهم.

ح – إحلال التعاون مع الأخرين بدل التنافس معهم. [O’hair and Wiemann. 2012. P 269] بقيَّ أن أشير في هذا السياق الى ان الجماعة المتماسكة تمنح منافع وفوائد هائلة بيد أن المبالغة بالتماسك والغلو فيه يؤثر سلباً على انتاج الجماعة أي يقلل من أهميته نوعاً وكماً بسبب انشغالهم بالتماسك الذي يكون على حساب انتاجهم المطلوب منهم ولا ننسى الأفراط المتجاوز الحد في التماسك يؤدي الى بلورة الفكر الجمعي الذي يذيب المبادرات الفردية. باختصار شديد نقول انه كلما كان أفراد الجماعة متماسكين زاد ذلك من اتصالاتهم المباشرة بعضهم من بعض الذي بدوره يزيد من مشاركتهم في مناشط جماعتهم ويرفع من درجة نقاشهم البناء والجاد وهذا بدوره يجعل الجماعة لا تفرط بأي فرد منهم. لا سيما وان اتصالاتهم تكون متصفة بالمشاعر الودودة واحترام الرأي الأخر وعدم تنافسهم بل تعاونهم من أجل التركيز على مهام جماعتهم وعادةً ما تكون اتصالاتهم متجنبة التدخل الخارجي (أي من غير جماعتهم) في شؤونهم الخاصة والعامة. بمعنى تكون اتصالاتهم متماسكة مثل تماسك جماعتهم. فكلما كانت جماعتهم متماسكة أضحت اتصالاتهم متماسكة تباعاً والعكس صحيح.

ب – اجماعهم بالرأي: مما لاشك فيه ان تماسك أفراد الجماعة يؤدي الى تقليص الاختلافات والنزاعات والصراعات بذات الوقت يصغّر مساحة الاتصالات فيما بينهم لأن في حالة التماسك لا يتم فيها طرح الآراء والمواقف الصريحة لكيلا يحصل تجريح مشاعر وأحاسيس الأخرين داخل الجماعة أو الكشف عن وجود شرخ في جدار الجماعة لذلك يفضل الأفراد في حالة التماسك عدم التصريح بالرأي الشخصي لكي يتجنب الصراع لكن الاختلاف في الآراء يؤدي الى اتصالات سريعة وكثيفة ومثرية تخدم الجماعة في اتخاذ قرارات ناضجة، لكن في ظل تماسك الجماعة يتجنب الأعضاء طرح الأسئلة الصريحة أو اهمالها فضلاً عن تركيزهم على تبرير قراراتهم أكثر من اختبارها وهذا لا يخدم اتصالاتهم بل يقللها. بمعنى ان الاجتماع بالرأي يقلل من عدد اتصالات أفراد الجماعة ويرفض النقد أو تحليل المقترحات أو اختيار الحلول لأن الخلاف والنزاع يكشف عن وجود الاحراج أو حصول اختلاف بين أفراد الجماعة فيقلل اتصالاتهم.

ت – معاييرهم: يتم صياغة وتحديد المعايير من قبل الجماعة ذاتها أو يتم فرضها من قبل بعض رموز الجماعة المتنفذة فيها فيما يخص توجيه سلوك افراد الجماعة ككل. ولكي يتم التجنب عن الوقوع في مطبات سلبية تسيء الى اتصالاتهم يتم ابتعادهم عن طرح امثلة مسيئة للجماعة أو طرح أسئلة على افراد الجماعة حول مشكلة لا تمت بصلة لصالح الجماعة ويتطلب ايضاً عدم التعبير عن عدم الولاء للجماعة. هذه في الواقع مؤثرات سلبية تقع على اتصالات الأفراد. بمعنى ان المعايير الإيجابية التي تخدم أهداف الجماعة تقوم بتنشيط اتصالاتهم وترفع من مستويات اتصالاتهم وطالما الجماعة ذاتها تقوم بصياغتها فإنها من باب تحصيل حاصل تقوم بتكثيف اتصالات أعضائها. فكلما كانت معايير الجماعة مجمدة للإجماع بالرأي ومحبذة للنقاش المتحمس وتمجد تماسك الأفراد دفعتهم بقوة للاستمرار بالاتصالات المثمرة والجادة والعكس صحيح لذا فإن الجماعة يكون من صالحها استولاد معايير من هذا النوع لكي تغذي اتصالاتهم التي بدورها تنعش روابطها وتطيل ديمومتها وتزيد من جاذبيتها.

ث – وضوح أهدافهم: يظهر وضوح أهداف الجماعة من خلال جدية نقاش افرادها وحماس اجتماعهم وكثافة تفاعلاتهم اثناء ذلك وتنظيم حوارهم الملتزم بفقرات جدول أعمالهم دون الدخول في مهاترات كلامية فارغة ومدى تقدمهم نحو أهدافهم وتطور نقاشهم. عند توفر هذه الأمور تكون اتصالاتهم مستمرة وغير متقطعة ومثمرة في تحقيق تماسكهم وتوحيد جهودهم وخدمة معايير جماعتهم غير خاضعة لمؤثرات خارجية. لذا يتطلب تحديد أهداف الجماعة في معالجة مشكلة تتطلب حلاً في تحقيق أهدافها مع إدراك مميز للطوارئ المحتملة والمصادفات المتوقعة مع تحديد كيف تتم مراقبة وتسجيل تقدم الجماعة نحو تحقيق هدف عملهم.

ج – اختلافاتهم الفردية: لا ريب ولا جناح من القول بإن أعضاء كل جماعة يشتركوا في أهداف وهوية جماعتهم لكن على الرغم من هذا الاشتراك هناك اختلاف في أنماط شخصياتهم إذ كل شخص منهم لديه نمط شخصي مميز يختلف عن باقي الأنماط الشخصية لأفراد جماعته. هذه الاختلافات لها تأثيراتها الفعالة على اتصالاتهم ولكي نوضح ذلك سوف نستخدم محك: العوامل الثقافة والاتصال المرتبك.

العوامل الثقافية: للثقافة الاجتماعية تأثير فعال على علاقات الأفراد واتصالاتهم فيما بينهم وعندما تضم الجماعة الاجتماعية أعضاء متنوعين في خلفياتهم الثقافية فإن ذلك يطرح افكاراً متلاقحةً من عدة عناصر تتحدى سوء الفهم فيما بينهم فتبني جسوراً موصلة بينهم. هاك مثالاً على ذلك: المجتمع الأمريكي والبريطاني والكندي يمجدون ويحمدون ويثمنون الفردية (سلوكاً وفكراً) لدرجة أنهم يعطوا قيمة عالية على الإنجازات الفردية والمنافسات الشخصية تضعها على سلّم متدرج حسب أهميتها وجدوتها في خدمتها للمصلحة العامة بذات الوقت هناك ثقافات تمجد وتحمد وتثمن التعاون الجمعي والانسجام الودي بين الجماعات مثل ثقافة المجتمعات الشرقية التي تفضل المعايير الجمعية على المعايير الشخصية وهذا ما يبرز في سلوكهم وتفكيرهم فلا نستغرب من انغلاقهم على الأخر في اتصالاتهم على عكس أبناء الثقافة (الفردية) الذين يكونون منفتحين على الأخر في اتصالاتهم لأن أصحاب الثقافة الجمعية يشعروا ان ثقافتهم مهيمنة على اتصالاتهم وعلاقاتهم ولا تسمح لهم الاتصال مع الأخرين بسهولة. ثم هناك الاختلافات الجندرية التي تؤثر على اتصالات الذكر والانثى مع الأخرين فالأنثى تركز على اتصالاتها مع أفراد جماعتها بينما الذكر يركز على إنجازاته ونجاحه في العمل لأنه يشعر أن ثقافته (الفردية) تمنحه الاستقلال الذاتي والمفاضلة على الانثى. في حين الانثى في الثقافة الجمعية لا تسمح لها ذلك بل تجعلها تركز على عواطفها ووجدانها مع جماعتها.

الاتصالات المتخوفة: في كثير من الحالات تحصل اجتماعات لجماعة معينة لمناقشة موضوع يهم أهدافها ومصلحتها وعند بدء الاجتماع يتحدث معظم الأعضاء باستثناء بعضاً منهم يبقوا ساكتين لا يشتركوا في المناقشة وذلك يرجع الى عدم وجود شيء يقولوه أو انهم كسولين أو خجولين أو أن الأمر لا يهمهم أو عدم ارتياحهم لأسلوب النقاش. فضلاً عن ذلك هناك أسباب أخرى لعدم مشاركتهم في الاتصال وهو نقص في تقديرهم لذواتهم أو عوزهم لاعتبارهم الذاتي ليس لديهم هيبة اجتماعية لأنه عندما يكون هناك شك في قيمة مشاركتهم إذ يحسبوا مشاركتهم ستكون خاطئة فيسخر منهم الحاضرين مما يعطي انطباعاً سيئاً يؤثر بالتالي على اتصالاتهم فالأفضل لهم ان يتجنبوا الاتصال مع لحاضرين أو لأنهم يشغلوا مناصب واطئة على تدرج الجماعة الأمر الذي يدفعهم تجنب المشاركة في النقاش والتقاطع مع أصحاب المواقع المتنفذة في الجماعة أو انهم يروا ان المناقشة مسيطر عليها اقلية عدوانية الأمر الذي يجعلهم منسحبين من الاتصال مع الحاضرين الذي بدروه يؤثر على مشاركتهم في اتخاذ القرار.

الفصل الثاني

التنظيمات الاجتماعية الرسمية

 

استهلال

أ – جذور التنظيمات الرسمية

ب – الخلفية التاريخية للتنظيمات الرسمية

ت – التنظيمات الرسمية في مجتمعات مختلفة

1 – المجتمع الفلكلوري

2 – المجتمع الاقطاعي

3 – المجتمع الانتقالي

4 – المجتمع الحديث

5 – المجتمع التعددي

6 – المجتمع الاشتراكي

7 – المجتمع الجماهيري

8 – المجتمع الشمولي

9 – المجتمع النظامي

ث – مكونات التنظيم الرسمي

1 – التفاعل الاجتماعي

2 – العلاقات الاجتماعية

3 – سُلطة المكتب

4 – السيطرة

5 – التدرج السلطوي

6 – النفوذ التنظيمي

ج – أنواع التنظيمات الرسمية

1 – تصنيف امتاي اتزيوني

2 – تصنيف آرثر ستنجكومي

3 – تصنيف ارفنك كوفمان

4 – تصنيف جورج لندربرك

ح – السلطة المكتبية (البيروقراطية) من وجهة نظر الرأسماليين (فيبر وبلاو) والاشتراكيين (ماركس ولينين وثروتسكي)

خ – وظائف البيروقراطية

تعقيب وتعليق

د – المؤسسات الاجتماعية

ذ – آليات الضبط الرسمية

1 – التنظيمات العقابية

2 – الالزام القسري

3 – الأجهزة التصويرية والتسجيلية

ر – آليات ضبطية مشتركة

1 – السخرية

2 – إطلاق الشائعات

3 – الفضيحة

ز – مقارنة التنظيمات الرسمية بغير الرسمية

الفصل الثاني

التنظيمات الاجتماعية الرسمية

 

التنظيمات الرسمية

استهلال

من البارز في العصر الحالي تزايد أعداد التنظيمات الرسمية، شركات، برلمانات، دوائر حكومية، وكالات، مصانع، جامعات وكليات، ومؤسسات مهنية متخصصة وسواها بشكل مطرد وبالذات في المجتمعات الحضرية والصناعية الرأسمالية والمعلوماتية على عكس ما كانت في القرن التاسع عشر الذي كان عددها وأنواعها أقل بكثير من الان والسبب في ذلك يرجع الى ان الحياة الاجتماعية في ذلك القرن كانت مقامة على ومتمركزة على الجماعات الأولية الصغيرة مثل العائلة والقرية لكن مع تطور الصناعة التكنولوجيا وازدهار التقدم العلمي والتوسع الحضري والصناعي أضحى الناس يعيشوا بشكل متزايد تحت سيطرة التنظيمات الرسمية والجماعات الثانوية فلم يبقى تأثير كبير للعائلة ولا للقرية في الحياة المعاصرة مثلما تقوم به الجماعات الثانوية والتنظيمات الرسمية لأن احتياجات الناس باتت متزايدة ومتنوعة الأمر الذي تطلب وجود تنظيمات رسمية ثانوية كبيرة الحجم ذات هياكل اجتماعية وإدارية واسعة ومتينة. لكي يستمر في أداء وظائفها لعدة سنوات لكي تشبع أهدافها الخاصة في اشباع حاجات الناس المتزايدة.

أ – جذور التنظيمات الرسمية: ترجع جذور التنظيمات الرسمية الى فكرة العقد الاجتماعي التي وردت في كتابات كثيرة من المفكرين السفسطائيين وابيوقرو ولوكر بسيوس وعلماء القانون الروماني والقيدس توماس الاكويني ومارسيلو دي جيوم دوكان ونيقولاي كوزا وكثير من فلاسفة القرن السادس عشر أمثال هاتمن ولاتي وتوكس وبوكاتان [سعفان. 1965. ص. 123]. ومجمل نظرة العقد الاجتماعي تتجلى في ان الناس كانوا يعيشون في البداية على الطبيعة التي كانت قائمة على النزاعات والاضطرابات والحروب مما دعا الناس الى التفكير في انشاء تنظيمات اجتماعية تنظم علاقتهم الاجتماعية من أجل الدفاع عن أنفسهم من الاخطار الخارجية كالطبيعة أو اقوام أخرى بحيث يتنازل كل فرد عن قسم من أنانيته الفردية لكي يلتزم امام الأخرين ببعض الواجبات والمسؤوليات من أجل تكوين تنظيم بشري يساعدهم على البقاء في الوجود وعدم العيش على البدائية وبشكل منعزل ومتفرد ولكي يستمر تنظيم الأفراد الاجتماعي يجب أن يخضعوا الى قادة أكفاء ومحنكين وقادرين على توجيه حياتهم الاجتماعية توجيهاً يخدم حاجاتهم ورغباتهم وحمايتهم ويساعدهم على التضامن الاجتماعي ويكثف من انشطتهم الاقتصادية والاجتماعية. نستنتج من ذلك ان هذه الظروف المذكورة أعلاه عملت على ظهور فكرة العقد الاجتماعي بشكل طوعي دون إلزام أو أكراه. [العمر. 1982. ص. 265]

ب – الخلفية التاريخية للتنظيمات الرسمية: أجد من المفيد أن أعطِ فكرة موجزة عن الخلفية التاريخية التي ساعدت على ظهور التنظيمات الاجتماعية الرسمية في المجتمعات الإنسانية وهي ما يلي: –

1 – ضعف النظام القرابي: مع ظهور الحكومات والنقابات العمالية والمهنية والأحزاب السياسية والمجتمعات المحلية والمنظمات الخيرية هزَّلَ النظام القرابي، أي أصبحت هناك تخصصات وظيفية ومهنية وواجبات معينة تقوم بها كل التنظيمات المذكورة آنفاً، تقدم خدمات معينة متخصصة للناس فأخذت معظم وظائف النظام القرابي التي كانت سائدة في المجتمع التقليدي. فقد كانت القبيلة تقوم بالدفاع عن المجتمع لكن أصبحت فيما بعد بيد الحكومة. وكانت الأسرة تقوم بتعليم الفرد. أصبحت هذه المهمة فيما بعد بيد المدرسة وكانت الأسرة تقوم بتدريب أبنائها على الاحتراف بأحد المهن أو الحرف، أصبحت بعد ذلك من مهمة المعاهد المهنية بعبارة أخرى ظهرت وحدات تنظيمية وتنظيمات مركبة ومؤسسات اجتماعية متخصصة بعمل اجتماعي واحد تقدمه الى المجتمع من أجل خدمته. كان النظام القرابي في المجتمع التقليدي يقوم بجميع المهام والوظائف الاجتماعية التي يحتاجها ولما تعددت وتباينت وتضاربت حاجات المجتمع وتنوعت الفئات الاجتماعية حسب أنظمة اجتماعية مختلفة التي يحتاجها وانتشر الأفراد على رقعة جغرافية واسعة، عجز النظام القرابي على تغطيتها وانجازه لكافة أفراد المجتمع وظهرت تنظيمات اجتماعية متخصصة. كل حسب قدرتها ونوعها وطبيعتها لكي تساعد المجتمع على الاستمرار بالعيش في الوجود الاجتماعي مما أدى الى ضعف النظام القرابي في المجتمعات المتطورة والمتقدمة اجتماعياً وحضارياً. لكن هذا لا يعني انه زال كلياً من الوجود واندثر تماماً حيث مازالت هناك مجتمعات تقليدية يقوم نظامها القرابي بمعظم وظائف المجتمع.

2 – نمو التخصيصات: ظهر هذا الأثر نتيجة تحضر وتصنيع المجتمع وظهور التنظيمات الاجتماعية المركبة والمعقدة في هياكلها وكياناتها ووظائفها وهزالة سيطرة النظام القرابي في المجتمع الحديث. فظهرت مصانع متخصصة بإنتاج جزء من الالة أو الماكنة فهناك مثلاً مصنع خاص بصناعة هيكل السيارة الخارجي وأخر متخصص بكهربة السيارة وأخر بصناعة مقاعدها. واخر بنوافذها الزجاجية وأخر بصبغها وهكذا فجميع المصانع تشترك في صنع السيارة كلٍ حسب اختصاص عمله وانتاجه فهي متساندة ومتكافلة في اعمالها وانتاجها من أجل الوصول الى انتاج موحد.

3 – نمو الفكر العقلاني: ظهر هذا المؤثر في أوروبا بعد زوال سيطرة المؤسسات الدينية أي بعد تحرر الناس من السيطرة الدينية في القرن الخامس عشر والسادس عشر. أي بعد ما جاءت النهضة الفكرية الأوربية فوجهت الناس الى العالم الطبيعي فغيرت بعض مفاهيمهم الأفراد فضعفت الفلسفة النصرانية في عصر النهضة. ثم جاءت الثورات السياسية في القرنين الثامن والتاسع عشر فنقلت الفرد الى مصادر غير محدودة من النفوذ الاجتماعي والى بلورة قيادات جماعية خلاقة مبدعة لدرجة يمكن اعتبار هذه الثورات مؤسسات سياسية.

4 – نشوء ظاهرة التفرد: ظهر هذا المؤثر نتيجة التصنيع والتقدم العلمي والتكنولوجي وسيطرة الالة والماكينة على الإنسان واتساع الرقعة الجغرافية التي يعيش عليها الأفراد وتقدم وسائل الاتصالات السلكية واللاسلكية وصغر حجم الأسرة وضعف سيطرة الأبوين. واشتغال المرأة خارج المنزل وسيطرة المادة على عقول الناس وارتفاع مستوى المعيشة وضعف العلاقات الرقمية والقرابية. جميع هذه العوامل عملت على بروز ظاهرة التفرد، أي انعزال الفرد وتغريبه عن انسانيته واحاسيسه ووجدانه وابتعاده عن الأخرين مما خلق عنده عدم الراحة والطمأنينة وزيادة في قلقه واضطرابه النفسي والسلوكي بحيث دفع ذلك الى بلورة تنظيمات اجتماعية تحتضن هؤلاء الأفراد لتقدم لهم الراحة والطمأنينة والاستقرار النفسي والجسمي والشعور بـ (المعية) وعدم الانعزال الاجتماعي.

5 – ظهور الاتجاه المضاد: هناك نوعان من هذا الاتجاه وهما ما يلي: –

أ – المركزية: لما أصبحت التنظيمات الحديثة متخصصة بأعمال حقيقة وذات مسؤولية مشتركة ومستقلة ومتكافلة في آن واحد، ظهرت حاجة المركزية داخل التنظيم من أجل إدامة علاقات الوحدات التنظيمية واقسامها بشكل يحفظ تكافل التنظيم من خلال وحدة مركزية رئيسية تقود وتوجه باقي الوحدات داخل الهيكل البنائي.

ب – المجتمع المحلي: ولما سادت ظاهرة الاستلاب أو الاغتراب في المجتمع الصناعي والحضري نتيجة سيطرة الالة على الإنسان ضعفت الروابط الإنسانية داخل هذه المجتمعات فظهرت المجتمعات المحلية لتعبّر عن الشعور بـ (المعية) أو (نحن) من أجل تحقيق أهداف وجدانية وضمان عيشه فيها لأن ظاهرة الاستلاب ساقت الإنسان العصري للبحث عن منطق جديد وعقيدة جديدة لكي يحصل على ضمان اجتماعي يحقق له ما فقده في الحياة المادية وهذا ساعد على تكوين تنظيمات اجتماعية جديدة تهتم بتقديم الدفء والحنان والرعاية والود والآلفة في العلاقات الاجتماعية للفرد الذي عزلته وفردته حياة المجتمع الصناعي المادي وغذا من المفيد ان أذكر تعريف (وايت بات) للتنظيمات الاجتماعية الرسمية الحديثة الذي مفاده (انه نظام من الأنشطة الإنسانية المستمرة في التعاون والتنافر معاً من أجل مساعدة الأفراد على حل مشاكلهم واستثمار مصادرهم المالية وبلورة فكر خاص بالتنظيم لكي يتم اشباع حاجاتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والمشاكل الناجمة عن علاقة التنظيم بنظام النشاطات الأخرى الموجودة في المحيط الاجتماعي). هذه المؤثرات الخمس التي ذكرتها انفاً عملت على تغير حجم التنظيمات الاجتماعية ونمط علائق أعضائها وبنيتها الداخلية وآلياتها الضبطية ومناشطها وتباعاً لهذه المؤثرات تغيرت الاتجاهات النظرية والفكرية للتنظيمات الاجتماعية فظهرت نظريات في البيروقراطية (الديوانية) والسلطة والتسلط والنفوذ الاجتماعي بدلاً من لقبيلة والعشيرة والجيرة وغيرها من التنظيمات الاجتماعية غير الرسمية.

ت – التنظيمات الرسمية في مجتمعات مختلفة: تركزت التنظيمات الاجتماعية الرسمية على طبيعة تكوين الوظائف الاجتماعية لها داخل كل مجتمع وليس فقط تركزت على تشابهاتها البنائية وهي كما يلي: –

1 – المجتمع الفلكلوري Folk society: الذي يكون جميع افراده متجانسين ثقافياً وفكرياً ويسلكون سلوكاً واحداً وكأنهم فرد واحد بحيث لا يستطيع الفرد ان يُعبّر عن رغباته وحاجاته الخاصة لشدة الضوابط الاجتماعية التي تمارس عليه من قبل المجتمع لذلك يمتثل امتثالاً قوياً مع عناصر ثقافة مجتمعه وهذا بدوره يوّلد شعوراً قوياً بـ (المعية) أو (نحن) وكنتيجة لهذا الشعور ينعزل هذا المجتمع عن بقية المجتمعات الأخرى ومن الطبيعي ان نجد سيادة العلاقات القرابية في هذا النوع من المجتمعات لدرجة التحكم في جميع مناشط الحياة اليومية للفرد وكنتيجة لوجود هذا الرباط القرابي تصبح مناطق سكناهم واحدة. أي ان العوائل التي تنحدر من نسب واحد تتمركز في منطقة جغرافية معلومة الأبعاد ويكون التضامن بين هذه العوائل قوياً مكوناً جماعة فلكلورية محلية أو مجتمع قائماً بذاته ومعزولاً نسبياً عن بقية المجتمعات المحلية الأخرى. وقد لا نستغرب إذا لم نجد وجود سلطة حكومية أو هيئة رسمية تدير شؤون هذا المجتمع بل تكون هناك جماعة مُسنّه تمثل وجهاء المنطقة أو المجتمع مسؤوليتها التشاور في قضايا مجتمعها تجتمع بين فكرة وأخرى لتناقش أمورها وشؤونها الخاصة بمجتمعها. واستناداً الى ما سبق نرى في هذا النوع من المجتمعات تنظيمات اجتماعية مقامه على أساس السن والجنس. أي ان هناك تنظيمات خاصة بالمسنين وأخرى خاصة بالشباب وأخرى بالرجال وبعضها خاصة بالنساء. أما نظام تقسيم عمل هذه المجتمعات فيقوم ايضاً على أساس السن والجنس وإذا تعمقنا في البحث عن سبب وجود مثل هذا النظام (تقسيم العمل) نجده يرجع الى كون هذا المجتمع زراعياً يستخدم الآلات الزراعية البدائية ويستخدم الحيوانات في الحراثة والزراعة والرعي وفي بعض الأحيان يعتمد على عضلات الإنسان كمصدر للطاقة الإنتاجية لذا نرى ان معظم الاعمال والمهام الاقتصادية والإنتاجية تكون مقتصرة على الرجال الذين يتمتعون بقابليات جسمية قوية ونشطة وفي بعض الأحيان تُستخدم المرأة للقيام بالمهام والواجبات البسيطة في الزراعة واستخلاص منتجات الحيوانات التي لا تحتاج الى جهد عضلي كبير. اما الحجم السكاني لهذا النوع من المجتمعات فيكون صغيراً عادةً أي عدد افراده قليلين بينما يكون حجم الأسرة فيه كبيراً أي انها تتألف من الأب والأم والجد والجدة والأبناء العزاب والمتزوجين وزوجاتهم وابنائهم المتزوجين والمتزوجات من بناته أو حفيداته (المطلقات أو الرامل وأطفالهم) والعمات والخالات في بعض الأحيان فهي إذن تمثل وحدة اجتماعية مركبة ومتفرعة. اخيراً يكون تفاعلات افراده من فرد لأخر وجهاً لوجه ولا توجد هناك وسائل اتصال سلكية او لا سلكية أو مكتوبة إضافة الى ما تقدم فلا تكن لهم لغة مكتوبة وعدم وجود أفكار جديدة محدثة وتكون قراراتهم فورية في بعض الأحيان.

2 – المجتمع الاقطاعي Feudal Society: الذي يتكون من خمس طبقات اجتماعية هي ما يلي: – أ – طبقة النبلاء (او الحاكمة).  ب – طبقة الوكلاء.

ت – الطبقة الوسطى.  ث – طبقة الفلاحين.  ج – طبقة العبيد.

أ – تتضمن طبقة النبلاء مالكي الأراضي والأملاك والمواشي. أي انهم يتمتعون بدخل اقتصادي عالٍ مما يساعدهم بالحصول على درجة تعليمية جيدة وإرسال أبنائهم الى المدارس العليا لتكملة دراستهم من أجل الحصول على مراكز عالية في مجتمعهم كمركز الطبيب أو الضابط في الجيش أو الشرطة أو رجل قانون. جميع هذه المراكز تؤهل أبنائهم لمساعدتهم في السيطرة على مجتمعهم من خلال استغلال مؤسساته وخدماته لصالح طبقة النبلاء مما يعطي للنبيل أو للحاكم نفوذاً اجتماعياً عالياً لا تقتصر على ثروته المالية والمادية فقط بل تأخذ اشكالاً عديدة منها ما يلي:

1 – السيطرة على جميع الفلاحين واستخدامهم كجنود يدافعون عن أرض النبيل أو اللورد وسمعته ونفوذه على الرغم من وجود تنظيم أمني وعسكري خاص بالدولة.

2 – تتكون حكومة المجتمع الاقطاعي من النبلاء والإداريين ورجال السلطة الذين يساعدون الاقطاعي في سيطرته على الفلاحين والعبيد وبالوقت نفسه يعمل النبلاء واللوردات على دعم سياسة الحكومة وتأييدها. هناك دعم وتأييد مشترك ومتبادل بين الحكومة والنبلاء.

3 – امتلاك النبلاء الآلات الزراعية (غير البدائية) المتطورة نسبياً ولديهم وسائط المواصلات (غير البدائية) مما يساعدهم في سيطرتهم على الفلاحين والعبيد.

4 – تخضع المؤسسات الدينية لحكم النبلاء واللوردات وتوجيهاتهم وهذا يسهل لهم كسب الفلاحين الى جانبهم من خلال تلقيهم التعاليم الدينية.

نستدل مما تقدم ان سلطة النبلاء واللوردات مبنية على القوة وامتلاك وسائل الإنتاج واستخدامهم القيم الاجتماعية من أجل إعطاء شرعية لقوتهم وسلطتهم. وفي ضوء هذه الحقيقة نجد استخدام النبلاء الفلاحين لكي يزيد انتاجهم الاقتصادي والزراعي ويعتبروا هؤلاء (الفلاحين) أحد مصادر نفوذهم وسلطانهم. وأخيراً تكون مكانة النبيل الاجتماعية وراثية وكذلك مكانة الفلاح والعبيد لا يمكن تبديلها.

ب – طبقة الوكلاء: ان حجم هذه الطبقة أصغر من طبقة النبلاء ويتمتع أفرادها (الوكلاء) بقسم من نفوذ وسلطة النبيل لأنهم يمثلوا النبلاء أمام الفلاحين والعبيد والعمال الحرفيين وتكون مسؤوليتهم الأولى إدارة المزارع والسيطرة على الفلاحين وإيصال الأوامر من النبلاء واللوردات الى الفلاحين والعبيد.

ت – الطبقة الوسطى: التي تتكون من العمال الحرفيين الذين يمتهنون مهناً يدوية ويمثلون أصحاب الموارد الصغيرة ويكون انتاجهم تحت رحمة وسيطرة النبلاء واللوردات أي انهم غير أحرار اقتصادياً.

ث – طبقة الفلاحين: وهم المستغلون من قبل النبلاء واللوردات حيث يرهنون معظم انتاجهم الزراعي والعضلي الى النبلاء لقاء استكرائهم أرضه. أما طريقة دفع الكراء فيكون على شكل العمل لفترة زمنية معينة لصالح انتاج النبيل. على ان لا ننسى ان هؤلاء الفلاحين لا يستطيعون التهرب من دفع الكراء أو دفع الضرائب للنبيل لقاء اقامتهم على أرضه وفلاحتها واستخدام ارضه لرعي مواشيهم بسبب الرقابة والتسلط الذي (يفرضه) النبيل عليهم.

ج – طبقة العبيد أو الاقنان: التي تقوم بخدمة النبلاء ويمثلون أحد مصادر ممتلكات النبيل ونفوذه الاجتماعي معاً ويمكن للنبيل بيع أو شراء العبيد ولا تربطه روابط وجدانية أو إنسانية معهم بل يستخدمهم للخدمة والاستثمار الاقتصادي.

من الجدير بالذكر هنا ان العائلة في هذا المجتمع تكون ممتدة وكبيرة لأنها تمثل وحدة إنتاجية اقتصادية وثقافية واجتماعية ودينية في وقت واحد. وهذا النوع من العوائل يكون سائداً في جميع الطبقات الموجودة في المجتمع الاقطاعي. اما تضامن أفراد هذا المجتمع بالقيم الاجتماعية وتقاليدها على نقيض أبناء طبقة النبلاء الذين لا يلتزمون بالقيم الاجتماعية العامة بل يبلورون قيماً خاصة بهم تعكس ترف حياتهم وابتذالها. إضافة الى ذلك، تكون الرعاية الصحية في المجتمع الاقطاعي (عموماً) رديئة وغير كافية لكافة أبناء المجتمع وبدائية في علاجها لذلك تكون نسبة الوفيات عالية على الرغم من وجود الكمية الكافية من الأغذية. أخيراً تكون اقتصاديات هذا المجتمع قائمة على الزراعة وتربية الحيوانات وبعض الصناعات اليدوية مثل الحياكة والحدادة والنجارة ودباغة الجلود. جميع هذه الصناعات تعتمد على مهارة العامل اليدوية ويكون معظم انتاجهم يخضع لاستهلاك الطبقة الحاكمة الصغيرة. ومع ذلك فهناك تجارة بسيطة تقوم بينهم وبين المجتمعات المجاورة التي تكون أرباحها قليلة وعادةً لا تكفي للاعتماد عليها في الاقتصاد المحلي للمجتمع.

3 – المجتمع الانتقالي Transitional Society: أي تحول المؤسسات الاجتماعي من التقليد الى سلطة المكاتب وخاصةً المؤسسات التربوية والقانونية والسياسية والاقتصادية وحصول تطور في القوى العاملة، وتغير وتحول في الهرم السكاني واتجاهاته. بمعنى أخر تقل نسبة الوفيات وتزداد نسبة الولادات بسبب الاهتمام بالناحية الصحية والغذائية ويحصل التأكيد على سياسة تنظيم ميزانية الأسرة وتنظيم النسل. وكنتيجة لهذه التحولات تظهر جماعات وتكتلات وأحزاب سياسية ونقابات مهنية عديدة ومنظمات اجتماعية تهتم باحترام الفرد وتقديم الخدمات له ويكون ولاء الأفراد لهذه التنظيمات الاجتماعية كولاء أفراد القبيلة لرئيسهم.

4 – المجتمع الحديث Modern Society: الذي يكون نقيض المجتمع الفلكلوري حيث يتصف (الحديث) بكبر حجمه السكاني وزيادة كبيرة في تنظيماته الاجتماعية التي سلخت معظم وظائف العائلة الممتدة والعشيرة والقبلية والجماعات القرابية كالمدرسة والجامعة والأحزاب السياسية والنقابات المهنية. وكنتيجة لهذا التغيير تكون العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع سطحية وقائمة على أساس المصالح الخاصة وليس على أساس الرباط الرحمي أو القرابي كما هو موجود في المجتمع الفلكلوري. علاوةً على ما تقدم، يسود هذا النوع من المجتمعات تقسيم عمل متخصص ومعقد ويمتلك تطوراً عظيماً في التكنولوجيا ومهرات فنية عالية ونظماً بيروقراطية معقدة. ومن المفيد ان نذكر بعض علماء الاجتماع الذين لا يطلقون اسم المجتمع الحديث على هذا النوع من المجتمعات بل يسمونه بالمجتمع المتفرد أمثال، دانيال بيل وبيتر بلاو وجورج هومنز. نعود ثانيةً لنعرض صفاته العامة حيث تزداد فيه المشاكل والأمراض الاجتماعية والنفسية كجنوح الاحداث واشتغال الصبية في المصانع والمعامل والتحلل الأسري واشتغال الأم خارج المنزل عن مهامها التربوية من أجل كسب العيش. فاشتغال الناس في المعامل والمصانع والمكاتب الرسمية وخضوعهم لسيطرة المادة والآلة والنظام البيروقراطي وابتعادهم عن التفاعل الاجتماعي المباشر مع اصدقائهم واقربائهم وأهلهم الأمر الذي يؤدي بهم الى الانعزال والتفرد في حياتهم الخاصة مما يولد عندهم شعور بالوحدة والانعزال الاجتماعي. ومن الظواهر البارزة في هذا المجتمع قدرة انتقال الفرد من طبقة الى أخرى بسهولة وبحرية نسبية وذلك بسبب ما يقدمه من إنجازات أو ما يتمتع به من قدرات وكفاءات علمية أو معرفية. فالإنجاز العلمي والمعرفي يساعد الفرد بالصعود على السلم الاجتماعي إلا انه مع ذلك لا يستطيع ان يتنافس مع أصحاب رؤوس الأموال الطائلة ومالكي وسائل الإنتاج. إضافة الى ذلك فللفرد حريته في اختيار أصدقائه وشريك حياته بل وحتى دينه. ومن الظواهر التي أثرت على نمو وتطور المجتمع الحديث ظهور ظاهرة (التخصص) فالعصر الحديث يتمتع بالسرعة في الإنجاز واحترام الوقت والاحتراف والتخصص بعمل واحد ودقيق ومترابط ببقية الاعمال الأخرى. إضافة الى ذلك فإن روح المنافسة تكون عالية والمضاربات تكون جادة بين أصحاب التخصص الواحد مما يؤدي الى تحسين وتطوير المواد الإنتاجية ونستطيع ان نجد هذه الظاهرة في لوحات الإعلانات والمجلات والصحف ودليل التلفونات (كما هو موجود في الدول الرأسمالية والصناعية المتقدمة). اخيراً، أدى انتشار توسع الصناعة وتضخم المدن الى ابتعاد الناس عن نظام القرابة مما أضعف العلاقات الاجتماعية وصغر حجم دائرة الاتصالات الاجتماعية، ونتيجة لهذه السلسلة من التغيرات انعزلَ الفرد وقلَّ عدد أصدقائه وأزداد عنده القلق وضعفت طمأنينة وارتياحه النفسي والاجتماعي. بيد ان انعزال الفرد اجتماعياً أدى الى ظهور تنظيمات خاصة بالأفراد المنعزلين اجتماعياً ممن يشعروا بالوحدة وعدم الاندماج الاجتماعي.

5 – المجتمع التعددي Pluralistic Society: الذي يضم نظامين مختلفين في آن واحد داخله، ومن الذين وصفوا هذا المجتمع هو (الكس دي تكوفيل) الذي وصفه بإنه ذو أنظمة سياسية متعددة وهي ظاهرة صحية – في نظره – وضرورة ملحة لتحديد أبعاد الديمقراطية لأنه يكون للفرد الخيار والحرية بالانتماء الى أحد النظامين وله الخيار ايضاً في الانتماء الى أكثر من منظمة اجتماعية واحدة في آن واحد وهذا يزيد من نفوذه الاجتماعي ويستطيع ان يوصل صوته الى الحكومة المركزية عن طريق انتماءاته المتعددة لعدة منظمات اجتماعية مختلفة. ونرى من المناسب ان نشير الى ما قاله (أميل دوركهايم) بهذا الخصوص وهو ما يلي: عندما يكون المجتمع كبيراً في حجمه ومعقداً في ارتباطاته الرسمية ومتضمناً عدة جماعات ثانوية مختلفة في أهدافها وأفكارها وأسباب وجودها يرتبط الفرد بأكثر من جماعة واحدة من أجل اشباع حاجاته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بسبب امتلاك هذه الجماعات النفوذ اجتماعي خاص بها ومستقل عن الدولة نسبياً. وعند انتمائه فإنه سوف يفقد جزءً من حريته العامة داخل المجتمع. أي سوف يصبح ملتزماً بأهداف وأفكار هذه الجماعات الثانوية – نسبياً – لكن على الرغم من ذلك يبقى الفرد مستقلاً ذاتياً لأن مثل هذه الجماعات لا تفرض التزاماً تاماً معها وترك العضويات الرسمية الأخرى. ومن أسباب ارتباط الفرد بهذه الجماعات أنها تكون وسيطة بين الدولة والمجتمع ولها فعالية أكثر من الفرد في إيصال المعلومات واحتياجات المجتمع للدولة وذات تأثير أكثر في الفرد. فوظيفة هذه الجماعات إذن حماية الفرد من الاحتكارات المباشرة من قبل رجال الدولة عن طريق الدعاية الجماهيرية والحركات السياسية وتكون هذه الجماعات – بمثابة ضابط اجتماعي وسياسي مؤثر على قادة الدولة فيما إذا ابتعدوا عن ولائهم للمجتمع وهذا يعني ان هذه الجماعات الثانوية تمارس نفوذاً قوياً ومؤثراً على الدولة لذلك لا تلجأ الجماهير الى التظاهرات والاعتصامات عندما تريد ان تطالب الدولة بحقوقها بل تستخدم جماعاتها الثانوية لإيصال طلباتها لمسئولي الدولة. بالإضافة الى استخدام مفكريها وكُتابها وقادتها ودعايتها الإعلامية للتأثير على الدولة. ومن الطبيعي في مثل هذه الحالة حصول نوع من التنافس بين الجماعات الثانوية والدولة من أجل تقديم مكاسب للمجتمع وفي بعض الحالات يحصل تصادماً وتصارعاً فيما بينهما (بين الدولة والجماعات الثانوية) ونستطيع تلخيص مهام الجماعات الثانوية الوسيطة كما يلي: –

أ – إنها تكون قريبة من أعضائها لكي يساهموا جميعاً في نشاطاتها الجماعية.

ب – إنها قادرة على ممارسة نفوذها الاجتماعي، أي يجب ان تكون واسعة جداً في حجمها لكي تستطيع ان تمارس نفوذها على الدولة هذه هي أهم صفات المجتمع التعددي إلا انها غير عملية في التطبيق عندما تكون الدولة مسيطرة على جميع أجزاء المجتمع بحيث لا يكون هناك مجال للجماعات الثانوية الوسيطة لتدخلها بين الفرد والحكومة. إضافة الى ذلك فالمجتمع التعددي يبدو ظاهرياً منسجماً في اقسامه ويهدف تحقيق الصالح العام لكنه في الواقع لا يمكن ان يحصل انسجاماً بين المصالح العامة فيه (المجتمع التعددي) طالما هناك جماعات متعددة ومختلفة في أهدافها وانشطتها ونفوذها وطالما يأخذ هذا المجتمع بالتخصيص الوظيفي فإنه يؤدي الى اختلاف في مركبات بنائه الاجتماعية وبالتالي الى عدم تكامل المجتمع. ويضيف (رايت ملز) فيقول: بإن النظام التعددي يعمل باستمرار تحت سيطرة نفوذ الصفوة الحاكمة. أي ان الجماعة الثانوية الوسيطة لا تكن عادلة في توسطها بين المجتمع والدولة ولا تكن دائماً الى جانب الفرد بل تخضع لنفوذ القوة الحاكمة.

6 – المجتمع الاشتراكي Socialistic Society: أن مفهوم الاشتراكية يختلف تحديده من كتاب لأخر ومن مفكر الى أخر لكنهم لا يختلفوا في تحديد هدفها الذي يتضمن اشتراك سائر أفراد المجتمع في جميع خدماته وتوزيع المنافع والمكاسب والفوائد على جميع أفراد المجتمع وفتح المجال أمام الجميع واعطاء الفرص العديدة لهم من أجل تحسين احوالهم المعاشية وتكون المسؤولية الفردية والجماعية قاعدة أساسية في الحياة الاجتماعية وتحل محل المصالح الفردية الخاصة أما الهيئة الحاكمة فتقوم بتقديم خدمات اقتصادية عامة الى كافة أفراد المجتمع وتعمل على رفاهية وسعادة المجتمع بأكمله. أي ان الحكومة لا تستخدم نفوذها لصالحها بل للصالح العام. فالهدف الرئيسي إذن لجميع مؤسسات المجتمع الاشتراكي هو الإصلاح الاقتصادي وتكون التنظيمات اجتماعية تخدم كافة أعضاء المجتمع. ومن أجل بناء مجتمع اشتراكي يجب مراعاة ما يلي: –

1 – إن تسيطر الحكومة على الصناعات الثقيلة والرئيسية وهذا بدوره يؤدي الى السيطرة على باقي أقسام الاقتصاد الوطني.

2 – ان تقوم الحكومة بتنظيم وتنسيق النشاطات الاقتصادية المهمة مبتدئة بالبنوك ومنتهية بوسائط النقل.

3 – وضع ضرائب تصاعدية وتحديد الدخل والارث.

4 – تحفيز الموظفين والمستخدمين والعمال عن طريق الترفيع والترقية وزيادة الرواتب.

5 – وضع برامج وخطط لإنعاش المجتمع وترفيهه وإسعاده وحماية الافراد من الفقر والبطالة والعناية بالعجزة وأصحاب الاحتياجات الخاصة والمقعدين عن العمل وتقديم خدمات طبية بصورة مستمرة لكافة الأفراد.

6 – تأسيس جمعيات استهلاكية.

7 – فسح المجال وإعطاء الفرص للجميع في التعليم والتدريب الفني لتنمية قابلياتهم ومهاراتهم.

8 – القضاء على جميع الفوارق الطبقية والعنصرية والطائفية أي المساواة بين الأفراد والمساهمة في جميع النشاطات الاشتراكية من قبل الجميع دون تحيز أو تمييز.

9 – تحديد دخل معين لجميع أفراد المجتمع كضمان لهم بعد أن يتقاعدوا عن العمل.

10 – اشتراك العمال في إدارة التنظيمات العمالية والفلاحية.

11 – تكوين مكاتب سياسية تعّبر عن حاجات ورغبات جماعات مختلفة من الناس.

12 – تكوين منظمات مهنية تدافع عن حقوق العاملين في المجتمع الاشتراكي.

7 – المجتمع الجماهيري Mass Society: الذي يتألف من جماعات صغيرة ومتعددة بحيث يعيش الفرد فيها منعزلاً عن بقية الأفراد وتفاعله معهم يكون أشبه بتفاعل الغرباء الذين تغلب عليهم صفة المجهولية وهذا يعني ضعف أو عدم فعالية العلاقات القرابية الرحمية. فالصفة الرئيسية لهذا النوع من المجتمعات هي انعزال الفرد اجتماعياً. وصف (كورن هاوزر) في كتابه “سياسات المجتمع الجماهيري” ما يلي: ينقسم المجتمع الى عدة جماعات صغيرة ومتنوعة ومختلفة بحيث لا تؤكد على الارتباطات الاجتماعية القوية للفرد الذي يبقى معزولاً عن الأخرين وتضل بسبب ذلك مجرد جماعات ثانوية. أما الجماعات الأولية كالزمر الصداقية وأبناء الجيرة فتكون ضعيفة في ممارسة تنشئتها الاجتماعية لأنها تكون مؤقتة وعابرة وكذا تكون الجماعات الثانوية. أما الأشخاص الذين يشغلون مراكز وظيفية عالية وخاصة الذين يحتلون قمة الهرم الاجتماعي ويمثلوا قادة الحكومة فيكونوا على صلة دائمة فقط مع الصفوة المختارة لذلك المجتمع لكنهم لا يتمتعون بنفوذ قوي وذلك راجع الى ما يلي:

1 – انعدام الجماعات الثانوية الوسيطة التي تعمل على اتصالهم بالمجتمع أو تكون بمثابة حلقة وصل بينهم وبين المجتمع لذلك نراهم لا يستطيعون السيطرة على التيارات والحركات الاجتماعية التي تدافع عن حقوق الأفراد لأن اتصالهم بالجمهور عن طريق الأجهزة الإعلامية (المذياع والتلفزيون والصحف والمجلات) وهذا لا يؤدي الى انماء علاقات متطورة ومتفاعلة بين الحكام والجماهير.

2 – تجد الصفوة المختارة صعوبة كبيرة بالمحافظة على شرعية أوامرها ونفوذها لأنها غير منتمية الى تنظيمات اجتماعية تدعم شرعيتها وخاصة عندما يواجهون بعض الصعاب والمشاكل الاجتماعية.

3 – لا تستطيع الصفوة المختارة ان تؤثر على او تعالج المشاكل التي تواجهها أو أي معوق يعترض النظام الاجتماعي ولا يحصلون على رجع الاستجابات لأوامرهم وتعليماتهم وهذا يقلل من اتصالهم المستمر مع الجماهير ويبقيهم جنب الاحداث المباشرة لذلك تصبح قلقة حول موقعها الجغرافي بشكل دائم.

4 – لا توجد هناك حماية للصفوة المختارة لتحميهم من ضغوط الجماهير أو ثورتهم بسبب الفجوة الحاصلة بينهما وبين عامة الشعب وبسبب عدم وجود الجماعات الثانوية الوسيطة.

8 – المجتمع الشمولي Totalitarian Society: الذي ظهر في القرن العشرين كالمجتمع الألماني تحت حكم هتلر والمجتمع السوفيتي تحت حكم ستالين والمجتمع العراقي أبان حكم صدام حسين والمجتمع السوري تحت حكم الأسد والمجتمع المصري أبان حكم جمال عبد الناصر وحسني مبارك والمجتمع الإيطالي أبان حكم موسليني والمجتمع الليبي تحت حكم معمر القذافي. ولأجل توضيح هذا النموذج من المجتمعات أجد ضرورة تميزه عن الدكتاتورية التقليدية لأن كلا النظامين (الدكتاتوري والشمولي) تكون السلطة فيه بيد فئة قليلة من الأفراد (الهيئة الحاكمة) الذين يمثلون إحدى حالات الأوتوقراطية (الحكم الفئوي المطلق) وعدم رجوعهم الى المجتمع عند اتخاذ قرارات تخص الأمة. فالدكتاتورية التقليدية تحكم مجتمعها من خلال فئة حاكمة صغيرة العدد تمثل الحكومة الرسمية ويعملون على تنمية ثرواتهم الخاصة في الأعم الأغلب مستغلين سلطتهم ومركزهم الوظيفي العالي غير مبالين برغبات المجتمع ويقاومون كل تغير اجتماعي داخل المجتمع. اما المؤسسات العسكرية والقانونية فتمارس تأثيراتها وضغوطها على النشاطات الاقتصادية. اما المجتمع الشمولي فيملك تنظيمات اجتماعية كبيرة ومعقدة وذات درجة عالية ومتقدمة في النظام البيروقراطي. اما الهيئة الحاكمة فإنها تمارس نفوذها وسلطتها على جميع أقسام المجتمع وعلى جميع أوجه الحياة الاجتماعية مكونين حكومة صغيرة داخل حكومة كبيرة لأنها تستهدف السيطرة على جميع شؤون الدولة وتعمل على توجيه سياستها الخارجية والداخلية من خلال سيطرتها على جميع دوائر الحكومة وأجهزتها وحتى على النقابات العمالية والجمعيات الفلاحية والأحزاب السياسية والمنظمات المهنية والحرفية والمنظمات التي تمثل المصالح الخاصة بل تذهب الى أبعد من هذا فتسيطر على سلوك وتصرفات الأفراد من خلال عملية التنشئة الاجتماعية والأجهزة الإعلامية من أجل صياغة شخصيات جميع أفراد المجتمع بالشكل الذي تريده. إضافةً الى ما تقدم، تحاول الهيئة الحاكمة تبرير سيطرتها الكلية على المجتمع بدعوى انها تعمل على بناء مجتمع شمولي جديد يمثل اليوتوبيا (الاصلاح الاجتماعي أو المدينة الفاضلة) بكل معانيها وتعمل الصفوة المختارة في هذا النموذج من المجتمعات على توفير الرفاهية لكافة أفراد المجتمع وتغيير جميع وظائف وأهداف المؤسسات الاجتماعية فهي تستخدم صفات اليوتوبيا كوسيلة للحصول على تأييد ودعم المجتمع لحكمهم. ونستطيع أن نلخص الصفات الرئيسية للمجتمع الشمولي بالنقاط التالية: –

1 – وجود حزب سياسي متضامن ومتكاتف يحكم المجتمع بجميع أقسامه.

2 – تكون هناك فئة حاكمة قليلة تتمتع بسيطرة غير محدودة.

3 – يبني الحزب أهدافاً إنسانية عامة.

4 – اشتغال المراكز الوظيفية العالية والمهمة من قبل أعضاء الحزب الحاكم.

5 – الولاء التام للدولة من قبل أعضاء الحزب الحاكم.

6 – يتمتع الحزب الحاكم بسلطة عالية جداً.

7 – يستخدم الحزب الحاكم نفوذه على جميع أوجه الحياة الاجتماعية وعلى كافة أفراد المجتمع. بيد ان التأثير يكون أقل على أعضاء الحزب الحاكم.

8 – تكون هناك فئة صغيرة من الحزب الحاكم تقوم بتخطيط السياسات الداخلية والخارجية للحزب ولدولة والمجتمع معاً.

9 – يكون رئيس الدولة من أحد أعضاء الحزب الحاكم.

10 – يعتمد قادة المجتمع الشمولي على مناصري ومؤيدي الهيئة الحاكمة.

11 – يتمتع الحزب الحاكم بسلطة أعلى من بقية التنظيمات الأخرى الموجودة داخل المجتمع.

12 – لما كان الحزب الحاكم يعتبر وحدة سياسية فإنه يحكم من خلال الجهاز الحكومي جميع دوائر الدولة.

13 – يعين الحزب الحاكم عضواً واحداً أو أكثر لكل دائرة حكومية ولكل معمل ونقابة ووكالات وسائل الاتصالات بالجماهيرية ليمثل سياسة الحزب لكنه لا يوجه سياسة تلك الدائرة أو الشركة التي يعمل بها بل تكون مهمته كرقيب أو ملاحظ لرصد كل ما يحدث داخل هذه التنظيمات ويبعث تقارير حول كل ما يحدث داخلها بالإضافة الى رصد أعداء الحزب ومناوئيه.

اخيراً يخضع الجيش الى سيطرة الحزب الحاكم حيث لا يقبل أي فرد فيه مالم يكن حزبياً أو مؤمناً بأهدافه وسياسته. كذلك تخضع المدارس والجامعات والأجهزة الإعلامية لسياسة الحزب وأهدافه من أجل غرس الولاء للعقيدة الحزبية وتنشئتهم تنشئة حزبية خاصة تخدم أهداف الحزب والدولة.

9 – المجتمع النظامي Systematic Society: لا نستطيع ان نجد مثل هذا النموذج من المجتمعات في الوقت الحاضر بل من الممكن ان يتواجد في المستقبل فقد وضع علماء الاجتماع التصورات العامة لهذا النموذج الذي يخدم الفرد والمجتمع العام معاً كاشتراك الفرد في جميع الشؤون الاجتماعية وممارسة حقه من خلال: –

1 – التصويت في انتخابات الحكم السياسي.

2 – دوره الوظيفي الذي يمارسه في التنظيم الذي ينتمي اليه.

3 – ايمانه بالتغيير الاجتماعي.

يتصف هذا المجتمع ايضاً بعدم وجود حزب حاكم يسيطر على كافة اقسام المجتمع وتكون وظيفة الهيئة الحاكمة وضع الخطوط والبرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمجتمع وتقديم الارشادات والتوصيات لتنمية المجتمع على المدى البعيد وتكون مساهمة الفرد من تنفيذ الخطط والبرامج. بمعنى أخر، يكون الفرد ممثلاً في المؤسسات السياسية وفعالاً في الأنشطة الاجتماعية وتترك له الحرية في الانتماءات التنظيمية وتكون الهيئة الحاكمة منتخبة من كافة افراد المجتمع بحيث تخدم الفرد والمجتمع دون تمييز. [العمر. 1982. ص. ص. 287 – 270]

ث – مكونات التنظيم الرسمي: تتكون التنظيمات الرسمية من الركائز التالية: –

1 – التفاعل الاجتماعي: الذي يتضمن التأثير والتأثر أو الأخذ والعطاء أو الطرد والجذب بشكل غير مباشر بين أعضاء التنظيم الواحد فهي عملية تبادلية ثنائية وليست أحادية.

2 – العلاقات الاجتماعية: بعد ان تأخذ عملية التفاعل الاجتماعي مكانتها بين الأفراد، تقام هناك علاقة اجتماعية فيما بينهم لكن هناك عوامل مستقرة كامنة في إطار العلاقة والتي تبدو للأخرين وكأنها مبنية على عوامل أخرى وتلك الكوامن هي ما يلي: –

أ – الارضاء الذاتي: نرى احياناً افراد ينمّون ويطورون علاقاتهم الاجتماعية من خلال اشباع حاجات ذاتية لكلا الطرفين المشتركين في العلاقة حيث يجدون أنفسهم متمتعين بهذه العلاقة ويرغبون في انمائها وتطويرها.

ب – الأهداف والمصالح العامة: بغض النظر عما إذا كان المساهمون في عملية التفاعل الاجتماعي مهتمين بعضهم ببعض فإن هناك مصالح واهتمامات مشتركة تعمل على تقاربهم وعلى بناء قاعدة أساسية لعلاقاتهم. فهم يهدفون الى التعاون والتنسيق فيما بينهم لإنجاز وتحقيق أهداف مشتركة.

ت – الالتزامات والتوقعات: لكل فرد مشترك في عملية التفاعل الاجتماعي التزامات وتوقعات يشعر بها الطرف الأخر ويلتزم بها. مما يؤدي ذلك الى تكوين علاقة اجتماعية فيما بينهم وتكون هناك علاقة قائمة على الالتزام الموجود فيما بينهما بغض النظر فيما إذا احترم أو لم يحترم كل منهما للأخر، أو ان تكون هناك أهداف مشتركة اولاً تكون بين الأفراد المشتركين في عملية التفاعل فهناك علاقة قائمة بين الطبيب والمريض وبين الاقطاعي والفلاح والمعلم والطالب.

ث – التساند المشترك: بصورة خاصة عند المجتمعات المعقدة التركيب (كالصناعة المتقدمة والرأسمالية) نجد تسانداً لعناصر الحياة الاجتماعية الواحدة مع الأخرى ونجد هذا التساند بشكل واضح في العلاقات الاقتصادية التي تتضمن سلسلة من العلاقات التي لا تسبقها معرفة اجتماعية أو قرابية.

ج – القسرية: هذا النوع من العلاقات موجود في المؤسسات العقابية والقسرية كالسجون والمعتقلات ودوائر الأمن والشرطة التي تستخدم الأساليب العقابية في علاقاتها مع نزلائها من خلال استخدام التهديد أو الإيذاء الجسدي أو النفسي عليهم. هذه هي أبرز الدوافع الكامنة في العلاقات الاجتماعية بين الأفراد داخل التنظيمات الاجتماعية الرسمية. وقبل ان ندخل في تحليل العلاقات التنظيمية يجب الإشارة الى وجود نوعين من علاقات التنظيم الأول متخصص بعلاقة أعضاء التنظيم كأفراد أصحاب المراكز كما أوضحها (وليام فوت وايت) والأخرى علاقة وحدات بنائية (شُعَب وأقسام ومكاتب ومنشئات) داخل البناء التنظيمي الذي أوضحها (روبرت دوبن). استخدم (وايت) ثلاث مفاهيم أساسية في تحليله للعلاقات الاجتماعية بين أعضاء التنظيم يمكن أجمالها كالاتي: –

1 – التفاعل: الذي يرمز الى الاتصال الشخصي الخاضع للملاحظة والقياس مثل كيف يتفاعل الفرد (أ) مع الفرد (ب) فيما إذا كان الفرد (أ) والفرد (ب) مهتمين بعملية التفاعل في وقت معين وكم يستطيع الفرد (أ) الاستمرار في التفاعل مع الفرد (ب)؟

2 – النشاطات التي تشير الى كل ما يقوم به الأعضاء داخل الإطار التنظيمي والخاضعة للملاحظة والقياس.

3 – الاحاسيس: أي مشاعر الأفراد لما يحصل ويدور حولهم. إن هذه المفاهيم الثلاثة مرتبطة الواحدة بالأخرى فأي تغيير يحصل في احداها يؤدي الى تغيير المفهومين الأخرين داخل التنظيم وإن هذا التغيير يأتي من خارج التنظيم في أغلب الأحيان. أي هناك تأثيرات من المحيط الاجتماعي الذي يحيط بالتنظيم وقد يكون هذا التأثير مباشراً أو غير مباشر فالتغيير الذي يحصل على نوع التكنولوجيا المستخدمة من قبل التنظيم يؤدي الى ممارسة تأثيرات مباشرة كاستخدام العقل الالكتروني في حسابات التنظيم او استخدام مكائن لحفظ معلومات التنظيم أو استخدام جهاز تلفزيوني في اتصالات أعضاء التنظيم وهكذا فإن استخدام مثل هذه التقنيات يؤثر على اقتصاد التنظيم ونشاطه واتصالات أعضائه ايضاً ولكي يبرهن (وايت) فكرنة هذه اعتمد على نتائج دراسة كل من الباحثين (جارلس وكروبت جيست 1952) و (آرثر 1958) الذين درسوا أثر محيط معمل التجميع الميكانيكي على تفاعل ونشاط العمال اثناء العمل فوجدوا ان ابعاد تفاعل العمال قريبة المدى وليست بعيدة المدى وتحصل خلال قنوات ضيقة فالعامل لا يستطيع ان يتفاعل (اثناء العمل) مع الأخرين إلا مع العامل الذي يكون بجانبه مباشرةً. أي العامل الذي أعلى منه مرتبة أو أقل منه مرتبة في التخصص التقني أو الذين يقومون بنفس العمل الذي يقوم به وفي بعض الحالات لا يستطيع ان يتصل مع هؤلاء بسبب شدة المراقبة المشددة عليه من قبل رئيس قسمه. فتفاعل العامل يخضع لمحيط قاسي وروتين ممل ورتيب مما يولد مواقف سلبية تجاه العمل والمهنة والإدارة أو الشركة بشكل عام عند العامل. إضافة الى ذلك فإن رؤساء الشُعب والأقسام الإدارية يخضعون لتأثيرات التطورات التقنية بحيث تكون علاقاتهم مع مرؤوسيهم رسمية وضعيفة جداً. ويستند (وايت) على دراسة الباحثين (زلزنك وكرسينسن وريوثلز بركر وجورج هومنز 1958) الذين توصلوا الى ربط تأثير درجة نجاح تنبؤ العمال لمعرفة سير العمل وكيف تتخذ القرارات من قبل رؤسائهم ومن هم الرؤساء الفعليون والاسميون وكيف تتم ترقياتهم وزيادة أجورهم وما هي شروط قبول العمال الجدد وأسباب طردهم. جميع هذه المعلومات ربطوها بنجاح عمل العامل وسلوكه داخل المعمل. واستخدم (وايت) كذلك دراسة (ليونارد ساليز 1958) التي ربطت نجاح تنبؤ العمال لمعرفة هذه المعلومات وأثره على سلوكهم داخل المعمل مما دفعه (سايلز) الى وضع تصنيف خاص بالعمال منطلقاً من هذا الارتباط وهم كالآتي: البليد، المضلل، الواسع الأفق، المحافظ. استخدم (وايت) هذه الدراسة للدلالة على نوع وطبيعة العلاقات الاجتماعية التي تحصل داخل التنظيمات الرسمية الخاضعة الى تأثيرات التكنولوجيا ونوع درجة تفاعل الأعضاء وأثره على سلوكهم المهني. ويضيف (وايت) الى ما تقدم فيقول ان تفاعل العمال داخل المعمل يكون بشكل بسيط وسطحي ولفترة قصيرة من الوقت (ولم يرجعه الى المجهولية وعدم سيادة العلاقات الرحمية القرابية) بل أرجعه الى محيط المعمل الذي يعمل فيه العامل. حيث قال ان العمال يواجهون يومياً وباستمرار نفس الوجوه والشخصيات والمكائن والآلات والأبنية والأوامر مما تحقق هذه المواجهة موقفاً واحداً عند العمال للمشاكل التي تعترض عملهم وتتعلق بشؤون حياتهم العمالية والحياتية وهذا يساعد على بلورة أحاسيس ومشاعر واحدة ومواقف واتجاهات متشابهة بسبب خضوعهم لشروط وظروف واحدة أو متشابهة وبالتالي يوّلد تضامناً وتماسكاً بين العمال ويدفعهم للانضمام الى جماعات منظمة من أجل الدفاع عن حقوقهم الوضعية معتمداً على أحاسيس ومشاعر رفيقه العامل وطلباته ورغباته داخل المعمل ويضيف (وايت) فيقول ان تفاعل أعضاء المعمل يتجه نحو الأخرين الذين هم في نفس الدرجة المهنية أو الذين يشغلون مراكز مهنية قريبة من مركزه ويعتمد تفاعل رئيس الشُعبة أو القسم مع اتباعه على درجة تكرار تفاعله معهم. فإذا كان تفاعله معهم مستمراً ومتكرراً زاد رضى الاتباع وقلَّ وانفتحوا له في مشاعرهم وأحاسيسهم فيما يتعلق بمشاكلهم داخل المعمل والعكس صحيح. ويذهب (وايت) في تحليله هذا فيضيف الى ان علاقة رؤساء المعمل مع قادة النقابة العمالية يعتمد ايضاً على درجة تفاعلهم وتكراره أي كلما تكررت وتكشفت قلَّ تدخل قادة النقابة في اتخاذ قرارات رؤساء المعمل والعكس صحيح. وتكون استجابة رؤساء المعمل لتدخل قادة النقابة متوقفة على نوع شخصياتهم ودوافعهم. فبعضهم يحاول ان يبرر اعماله وقراراته ليقلل من تدخل قادة النقابة وبالتالي يقلل صراعاته معهم وفي حالة وجود ثقة متبادلة واحترام مشترك بين الرؤساء والاتباع (داخل المعمل) فإن ذلك يزيد من تعاونهم في حل المشاكل العمالية التي يواجهونها. أما الأحاسيس ومشاعر العمال فتتوقف على درجة تفاعلهم فيما بينهم ومع رؤسائهم وتقيمهم لسلوكهم وتماثلهم بعضهم مع البعض والى اهتمام لمفهوم الاعتبار الاجتماعي الذي يحمله العمال ويخضع الى مراكزهم الإدارية والفنية التي يشغلونها.

ننتقل بعد ذلك الى النوع الثاني من العلاقات وهو علاقة وحدات التنظيم الرسمية الحديثة التي أوضحها (روبرت دوبن) الذي وصفها كما يلي: –

1 – الارتباط المتسلسل.

2 – الارتباط المتشعب.

3 – الارتباط الدائري.

4 – ارتباط متشعب ومتسلسل.

5 – ارتباط متشعب ودائري.

6 – ارتباط متسلسل متشعب ومتسلسل.

يّكون الارتباط المتسلسل متضمن اتصالات تربط وحدات التنظيم فيه متجهة نحو الأعلى لكي تكون كل وحدة مرتبطة مع الوحدة المجاورة أو القريبة الواقعة على جانبها ما عدا الوحدات الطرفية (أي الواقعة في نهاية السلسلة التي تتصل مع وحدة جانبية واحدة). اما الارتباط المتشعب فتكون وحدة واحدة داخل نظام التنظيم فتتصل مع جميع وحدات النظام. ويكون الارتباط الدائري أقل حدوثاً في التنظيم.

3 – سلطة المكتب Bureaucracy: إن أفضل من أوضح مفهوم البيروقراطية في التنظيمات الرسمية هو (ماكس فيبر) الذي قال ان الممارسة الحقة للسلطة الشرعية تكمن في الإدارات البيروقراطية، حيث يكون رئيس التنظيم شاغلاً مركزاً سلطوياً حصل عليه عن طريق الانتخابات أو عن طريق تعيين من قبل سلطة أعلى منه لإشغال هذا المنصب أو عن طريق الكفاءة المتخصصة التي يتمتع بها حيث يقوم بالقيادة والتوجيه والسيطرة على كافة المراكز التي أقل منه درجة. أما طبيعة التنظيمات البيروقراطية فتتصف بالخصائص التالية: –

1 – يكون الموظفون الإداريون مستقلين شخصياً إلا انهم مسؤولون أمام القانون في عملهم الرسمي والمكتبي.

2 – يكون الموظفون الإداريون منظمين حسب تدرج وظيفي ومكتبي واضح ومحدد.

3 – تكون لكل مكتب صلاحيات مكتوبة وواضحة ومعلومة لدى جميع أعضاء التنظيم تعكس نظم التنظيم البيروقراطي.

4 – تُشغل المراكز الوظيفية الإدارية من قبل الأفراد لاختصاصين يُعينون فيها حسب اختيارات معينة ومقابلات حرة لجميع المتقدمين لإشغالها دون اعتبار شخصي بل حسب كفاءتهم وقدرتهم التخصصية.

5 – تكون العلاقة عقدية بين الموظفين المعينين والتنظيم البيروقراطي. أي تتسم العلاقة بينهما حسب عقود مكتوبة ومعلومة عند الطرفين.

6 – يتم اختيار المرشحين إشغال الوظائف على أساس نوعياتهم الفنية والمهنية المختصة وخبراتهم وشهاداتهم التخصصية.

7 – تخصيص رواتب محددة للموظفين المعينين وأخذ نسبة معينة من رواتبهم لضمان تقاعدهم.

8 – تحت ظروف خاصة نستطيع إدارة المكاتب (خاصة في التنظيمات الخاصة) تعيين موظفين دون الرجوع الى مستلزمات وشروط الإدارة وعدم الأخذ بنظر الاعتبار التحصيل العلمي والتقني والخبرات السابقة بل يعين حسب رغبة المكتب نفسه. لكن يبقى المكتب متخصص يحق عزله أو فصله في أي وقت يشاء ويكون معيار الرواتب قائماً على أساس التدرج المتسلسل أخذاً بنظر الاعتبار مسؤوليات المراتب ومتطلباتها المرتبطة بالمنزلة الاجتماعية للمراكز العليا أي اعطاء مخصصات سكنية وصحية واجتماعية للمراكز العليا لكي يستطيعوا ان يعيشوا بنفس المستوى الذي يتناسب مع مراكزهم الإدارية العالية.

9 – يكون نظام ترقية الموظفين قائماً على الأولوية في التخصص والإنجاز في العمل أو الاثنين معاً يخضع هذا الى حكم وتقييم الرؤساء.

10 – تكون الاعمال الإدارية منفصلة بشكل تام عن مالك التنظيم أو وسائل الإدارة. فالوظيفة الإدارية أو المراكز الإدارية لا يملكها الموظفون لأن المراكز لا تخضع للامتلاك بل للأشغال حسب متطلباته وشروطه.

إن هذه النقاط العشرة التي طرحها (ماكس فيبر) تكون مناسبة لإدارة تنظيمات تبحث عن الربح أو الفائدة المادية وتمثل النموذج الأمثل للبيروقراطية الإدارية وهي بهذا المعنى تمثل الحكم المطلق لكنها تختلف بالدرجة لا بالنوع مستهدفة تطبيق درجة الحكم المطلق لكنها تختلف بالدرجة لا بالنوع مستهدفة تطبيق درجة عالية في الدقة والسيطرة على أعضائها في تطبيق نظمها وقواعدها وقد نجد مثل هذا النموذج – حسب قول فيبر – في المكاتب الحكومية الجيوش العسكرية والكنسية والأحزاب السياسية والمؤسسات الاقتصادية وجميع التنظيمات الخاصة كالنوادي. ومع ذلك فهناك تنظيمات لا يشملها النظام البيروقراطي مثل اللجان البرلمانية ومجلس السوفييت الأعلى (سابقاً) ومكاتب ذات المكانة الشرقية والحكام العلمانيون واللجان التمثيلية (أي التي تمثل دوائر لسيادة النظام البيروقراطي يكمن في درجة المعرفة التقنية التي تتمثل في السيادة التكنولوجيا والأساليب الإدارية المتقدمة في انتاج السلع التي اصحبت في الوقت الحاضر صفة لازمة وضرورية في هذا الاعتبار، لا يوجد فرق جوهري سواء كان النظام الاقتصادي قائماً على القاعدة الرأسمالية أو الاشتراكية طالما يبحث النظامان عن الدقة في العمل التقني والتخصص العلمي – حسب رأي فيبر – أي سيطرة الحكم المطلق الذي يشير الى حصر السيطرة بيد شخص واحد غير متخصص في الأمور التقنية. ومما لا شك فيه ان النظام الرأسمالي يلعب دوراً مهماً في تطوير النظام البيروقراطي. فالنظام الرأسمالي يمثل إذن القاعدة الاقتصادية المنطقية للإدارة البيروقراطية من أجل زيادة ثروتها المالية إذ ان الإدارة البيروقراطية تعني اساساً ممارسة السيطرة على قواعد المعرفة. وهذه الصفة تمنحها التخصصات بشكل عقلاني من أجل بلورة النفوذ والسلطة في مراكزها الإدارية لذلك نجد موظفي النظام البيروقراطي يمارسون نفوذاً عالياً ويعملون على زيادته ومضاعفته داخل مكانتهم. أما تبعيات السيطرة البيروقراطية فتتضمن ما يلي: –

1 – ترتيب المراكز لصالح الرئيس أو المدير العام.

2 – الميل الى حكم الأغنياء والمتخصصين في المعرفة العلمية.

3 – سيادة روح العلاقات الرسمية المجهولة.

4 – تقديم خدمات واحدة لجميع أعضاء التنظيم دون الأخذ بنظر الاعتبار الاختلافات الفردية في التعامل.

4 – السيطرة Domination: أبرز (امتاي اتزيوني) أهمية مفهوم السيطرة من قبل التنظيم الرسمي في التنظيمات الحديثة حيث قال انه من المعروف لدى الجميع ان للتنظيمات حاجات اجتماعية خاصة بها تهدف اشباعها ولا يتم ذلك إلا من خلال أعضائها ولأعضاء التنظيم ايضاً حاجات يهدفون الى اشباعها فيمارس التنظيم بعض الضغوط لإشباع حاجاته ونفس الشيء بالنسبة للأعضاء فهم يمارسوا تأثيراتهم الخاصة على التنظيم لإشباع حاجاتهم. وإذا تعمقنا في معرفة هذه الحاجات نجدها متلازمة ومترابطة ومكملة الواحدة للأخرى على الرغم من الضغوط التي يمارسها الواحدة على الأخرى. فمثلاً إذا زاد دخل الشركة التعاونية فإن ذلك يؤدي الى زيادة دخل أعضائها ايضاً وإذا زاد اعتبار أحد المدارس اجتماعياً فسوف يزداد اعتبار مدرسيها تباعاً ومن هنا نرى حاجات التنظيم وحاجات أعضائه تكون مكملة للأخرى ومتصلة بها إنما لا يتم ذلك إلا من خلال وجود سيطرة تنظيمية (أي إدارة محكمة لتنظيم وتنسيق مثل هذه الحاجات) وإلا فسوق يحصل تضارباً وتنازعاً بدلاً من التكامل والتكافل أي يستطيع التنظيم ان يقوم بعملية السيطرة من خلال وضع قواعد أساسية لنظام المكافئات وقواعد أخرى خاصة بنظام العقوبات ويكون الأول خاصاً بالأعضاء الذين ينفذون أوامر التنظيم ويقدمون خدمات له ويشاركون في نشاطاته ويكون النظام الثاني خاصاً بالأعضاء الذين ينحرفون عن تطبيق قواعد ونظم التنظيم وعدم المشاركة في مناشطه. ومن خلال هذين النظامين (نظام المكافئات والعقوبات) يستطيع التنظيم ان يفرض نظام السيطرة على أعضائه وبالوقت نفسه يقدر على اشباع حاجاته وحاجات أعضائه. جدير بالذكر في هذا الخصوص إن (اتزيوني) يميز بين نوعين في التنظيمات الأولى سماها بـ (التنظيمات الطبيعية) مثل العائلة والجماعات العرقية والقومية والمجتمع المحلي (التي تشبه الى حد بعيد الجماعات غير الرسمية في تحديد جارلس كولي) والتنظيمات الثانية اسماها بـ (التنظيمات المختلفة أو المبدعة) كالتنظيمات البيروقراطية والشركات والنقابات والأحزاب السياسية (التي تشبه الى حد كبير التنظيمات الرسمية في تحديد كولي) التي تكون هياكلها التنظيمية مخططة ومقصودة ويخضع بناؤها الى ظروفها الخاصة وتهتم بالإنجاز العلمي والتقني مما تكون هياكلها معقدة وقائمة على مراكز محددة ومتسلسلة ومتدرجة وتركز على السيطرة المركزية المباشرة مؤكدة على تماثل الأعضاء مع أعمالهم ووظائفهم التي يقومون بها داخل التنظيم من هذه الوضعية، نرى ان التنظيم لا يعتمد بشكل كلي على أعضائه فقط بل على قواعد وقوانين خاصة بالسيطرة على الأعضاء لإخضاعهم لأهدافه عن طريق الترغيب وإشباع حاجاتهم لكل من يتمثل لقواعده ونظمه وأهدافه والترهيب فالتنظيم يؤكد على فكرة الإنجاز العلمي والتقني في كفاءات ومعطيات أعضائه من أجل خدمة أهدافه ونظمه فهو (التنظيم) يكافئ لعضو المبدع والخلاق (من زاويته) وليس من زاوية حاجات العضو وبهذا العمل يحقق التنظيم ويشبع نوعين من الحاجات الأولى تنظيمية والثانية فردية (خاصة بالعضو). أما أنواع السيطرة التنظيمية فقد صنفها (اتزيوني) الى ثلاث أنواع رئيسية وهي ما يلي: –

أ – السيطرة الجسمية: التي تعني الإيذاء الجسمي أو الحرمان العاطفي والوجداني التي تمارسه التنظيمات القسرية والإلزامية مثل السجون والمؤسسات العقابية ومستشفيات الأمراض العقلية والعصبية ومعسكرات أسرى الحرب ومعسكرات التعذيب.

2 – السيطرة المالية: التي تقدم المكافئات والعقوبات المالية والمحفزات غير المعنوية التي تمارسها المعامل والمصانع وشركات التأمين والبنوك والدوائر التي تقدم الخدمات المدنية والتنظيمات العسكرية في وقت السلام.

3 – السيطرة الرمزية: التي لا تمارس الإيذاء الجسمي أو المكافئات أو العقوبات المادية بل تستخدم الاعتبار الاجتماعي والسمعة وإلزام الأعضاء بالتمسك بقواعد ونظم التنظيم. فأصحاب المراكز العليا داخل التنظيم يمارسون السيطرة الرمزية على الأعضاء الذين يحتلون مراكزاً اوطأ منهم. نجد مثل هذه الحالة في التنظيمات الدينية والسياسية والأيدلوجية والكليات والجامعات والمعاهد التقنية والمنظمات الاختيارية والمدراس ومستشفيات الأمراض العصبية. ويضيف (اتزيوني) الى ما تقدم فيقول ان استخدام السيطرة القسرية والالزامية مقترنة ومتحدة مع استعمال السيطرة المالية التي تقترن ايضاً مع استعمال السيطرة الرمزية. بمعنى أخر ان قواعد النفوذ والسيطرة الجسمية تتجه نحو إلزام وإجبار العضو للخضوع والاذعان. أخيراً يشير (اتزيوني) الى انه ليس من الضروري ان يكون لكل تنظيم نمطاً للسيطرة أو ممارسة أحد أنواعها كما ذكرناه انفاً بل هناك نقابات مهنية وحرفية لا تمارس أي نوع من هذه الأنواع الخاصة بالسيطرة لأنها تقدم خدمات للأعضاء من أجل اشباع حاجاتها الخاصة بسبب اندفاع حاجاتها وأهدافها مع حاجات وأهداف أعضائها.

5 – التدرج السلطوي Hierarchy: الذي يشير الى نظام ترتيب المراكز الوظيفية المتدرجة من الأعلى الى الأسفل حسب موازين معينة ويحدد علاقة هذه المراكز أكثر مما يحدد الإداريين بالمتخصصين. يرى (فيكتور توماس) ان السلطة الكارزماتيكية قوية ومترسخة في التنظيمات الحديثة بسبب التدرج السلطوي والاعتبار الاجتماعي الملتصق بمراكز التنظيم خاصةً عندما يكون دور العضو غير واضح أو محدد. هذا الغموض في الواقع هو أحد الاختلافات الجوهرية بين أدوار المتخصصين وأصحاب المراكز في التدرج السلطوي. فكلما كان العضو في التنظيمان الكبيرة بعيداً عن أصحاب المراكز العليا زادت عقوباتهم ومحاسبتهم وقلَّ نفوذهم السلطوي والعكس صحيح. فالتدرج السلطوي يختلف في توزيع المكانات الاجتماعية والنفوذ السلطوي والدخل المالي على أعضائه. فكلما تسلق عضو التنظيم سلَّم التدرج السلطوي زادت مسؤولياته ومناشطه على عكس المتخصص داخل التنظيم الذي تكون مناشطه قريبة من قبل تخصصاته أكثر من سلطة التدرج السلطوي. إضافة الى ذلك يعطي التدرج السلطوي للمراكز العليا اتصالات رسمية مع جميع المراكز التي تحتها أو أقل منها قوةً وسلطةً. وتملك الصفوة المختارة داخل التنظيم معلومات غزيرة وكافية حول سياسة التنظيم ونوعية أعضائه. لذلك تكون لها القدرة الواسعة على طرح أي موضوع يريدون مناقشته أو التي تهم أهداف التنظيم. وتكون لهم صلاحيات واسعة لمواجهة المشكلات والمعضلات التي تحصل داخل التنظيم ولهم القدرة الكافية على ممارسة الضغوط والتأثيرات على أعضاء التنظيم ونستطيع ملاحظة ذلك داخل اجتماعات وندوات ومؤتمرات التنظيم. أما أصحاب الخبرات الفنية والتخصصات العلمية فيكونون منسجمين مع عملهم وتبرز بينهم جماعات مبدعة وخلاقة لتنمي وتطور ممارستها ومعرفتها وابداعها ورغباتها من أجل السيطرة على نشاط التنظيم الخارجي لكي تحمي مكانتها ومهارتها وتخصصها ويدفع بالوقت نفسه الى مساهمات التنظيم في حقول جديدة وتعطي سمعة واعتباراً علمياً عالياً لتنظيمها. بينما تؤكد الصفوة المختارة داخل التنظيم على ماذا يجب ان ينجز أو ينفذ وبالوقت نفسه يحافظون على مكانتهم ومواقفهم وتقدمهم. بينما يؤكد المتخصصون على سياسة التنظيم الفنية، فالمعرفة التخصصية تتنافر مع دور السلطة التنظيمية ومراكز التدرج السلطوي في أغلب الأحيان. وكنتيجة لهذا التنافر يحصل تنافس بين أصحاب السلطة والمتخصصين داخل التنظيم في اتخاذ القرار وتحديد سياسة التنظيم وبالتالي يؤدي الى اختلافات وتصارعات فيما بينهم وفي حالة وجود أساليب غير ديمقراطية تمارسها الصفوة المختارة داخل التنظيم فإن ذلك يسبب مقاومة ومعارضة من قبل أعضاء التنظيم ضدها. نستنتج من ذلك ان التدرج السلطوي يتضمن أربع جماعات اجتماعية رئيسية وهي: الصفوة المختارة، وأصحاب التخصصات الفنية والعلمية، وأصحاب لمراكز الرسمية لعليا، والاتباع. وما دمنا بصدد توضيح التدرج السلطوي فلابد من الإشارة الى مفهوم (حكم الأقلية) الذي يشكل موضوعاً مهماً في التدرج ولعدم خلو – التدرج – من هذا المفهوم في أغلب التنظيمات الرسمية الكبيرة وبحكم الأقلية يعني تحديد السلطة والمكانة الإدارية داخل التدرج السلطوي الذي يؤدي في النهاية داخل التنظيم الى بلورة حكم الأقلية. ويعني هذا المفهوم ايضاً حكم الأغنياء والمفهوم الجديد لحكم الأقلية يتضمن أصحاب الرواتب العالية من موظفي التنظيم التي تكون مكاناتهم ونفوذهم قائمة على السيطرة والتوجيه واصدار الأوامر وليس على امتلاكهم لمصادر التنظيم الكثيرة. إضافة الى ذلك يكون نفوذ – حكم الأقلية – محدوداً من خلال علاقاتهم الخارجية مع نفوذ الأقليات السلطوية في تنظيمات أخرى. وقد نجد ظاهرة حكم الأقلية بارزة في التنظيمات الصناعية أكثر من التنظيمات السياسية بسبب وجود القوى المضادة (عدداً ومصالحاً) في التنظيمات السياسية ضد حكم الأقلية لاحتواء أو تضمن أعضاء التنظيم السياسي مصالح متعددة ومتنوعة، وقد نجد حكم الأقلية في المجتمعات النامية التي يكون فيها الساسة والمتخصصون من فئة اجتماعية معينة ومحدودة. بينما نجد الأفراد في المجتمعات المتقدمة ينتمون الى عدة تنظيمات مختلفة ومتنوعة تؤدي بدورها الى انتشار حكم الأقلية في أكثر من جماعة واحدة. ان حكم الأقلية يعطي نفوذاً واسعاً للأقلية على الأغلبية إنما هذا لا يعني ان الأغلبية لا نفوذ لها. ويشير حكم الأقلية الى عدم تكافؤ وتوازن النفوذ داخل التنظيم ويظهر ذلك جلياً في عملية انجاز قرارات التنظيم ومتعلقة بسياسة وتنفيذ أهدافه فعندما يكون التنظيم كبيراً وتكون اتصالات أعضائه غير مباشرة وتكون الاتصالات مباشرة بين الأقلية الحاكمة وتتجه عملية اتخاذ القرارات لتكون بيد الأقلية وقد يشكوا المتخصصون داخل التنظيم من حكم الأقلية خاصة عندما يبرز أصحاب جماعة متخصصة ذكية وعبقرية لتقوده وتقدم له ابداعات جديدة ولكي تتسلق على التدرج السلطوي بسرعة تؤثر على اتخاذ قراراتهم وسياسة التنظيم وتزيد من شكوى بقية المتخصصين من حكم الأقلية. أما سبب حكم الأقلية فإنه يكمن في الحاجة الى سيطرة وممارسة الضغوط من أجل التأثير على بناء التدرج السلطوي. إضافة الى ما تقدم فإن أعضاء الفئة الحاكمة داخل التنظيم تستخدم المنطق العقلاني الرشيد لتبرير قراراتهم وأوامرهم ويبحثون عن سلطة مكتوبة في نظام التنظيم الداخلي لدعم انشطتهم التنظيمية ولكي تستطيع مواجهة تساؤلات واستفسارات أعضاء التنظيم.

6 – النفوذ التنظيمي Organizational Power: يمكن تصنيف النفوذ التنظيمي الى ثلاث أصناف رئيسية وهي: –

أ – نفوذ الزامي يستخدم الايذاء الجسمي أو استخدام وسائل قمعية لكي يتماثل أعضاء التنظيم مع قواعده.

ب – نفوذ نفعي يستخدم المكافئات المادية للأعضاء أو الحرمان منها.

ت – نفوذ تماثلي يستخدم الرموز لكي يلزم أعضاء التنظيم ليتماثلوا مع قواعده مستخدماً مصالحهم للتأثير عليهم.

في الواقع تختلف التنظيمات باختلاف النفوذ السائد فيها فمعظم التنظيمات تستخدم أكثر من نوع واحد من النفوذ ويكون ضمن التنظيم الواحد عدة وسائل نفوذية تستخدم على عدة مراكز مختلفة من نظام التنظيم. فمثلاً يستخدم النفوذ الالزامي القمعي على اعضاء التنظيم الذي يحتلون مراكز إدارية واطئة، بينما يستخدم النفوذ النفعي على الأعضاء الذين يحتلون مراكز إدارية عالية ولا يستعمل النفوذ الالزامي مع أصحاب المراكز العليا مباشرةً بل ينبهون الى وقوع النفوذ الالزامي قبل وقوعه (مرة واحدة أو أكثر) فكلما كبر المجتمع في حجمه مال الى استخدام النفوذ القسري والالزامي لذلك تميل حكومات هذه المجتمعات الى ان تضع قوانين الزامية وقسرية عديدة من أجل المحافظة على النظام. إضافة الى ذلك إذا كانت هناك أزمات اقتصادية فلا تمارس التنظيمات بشكل مستمر النفوذ النفعي وهذا يعني ان استخدام النفوذ يتأثر بالمحيط الذي يعيش فيه. علاوةً على ذلك فإن استخدام أنواع متعددة من النفوذ يُعطي تبعيات متباينة واستعمال النفوذ القسري يكون أحد تبعياته استلاب أعضاء التنظيم وزيادة اذعانهم وطاعتهم. أما النفوذ التماثلي فيؤدي الى استلاب أقل ويكون موقع النفوذ التماثلي بين النفعي والقسري. في الواقع ان حاجة التنظيم لاستعمال النفوذ يعتمد على فعالية التنظيم وطريقة تنشئة لأعضائه. ففي التنظيمات الإلزامية القسرية يكون النفوذ مقسماً بين قادة التنظيم الالزامي والأعضاء غير الرسميين الذين يعارضون نفوذ الالزام، بينما تكون نفوذ التنظيمات التي تعتمد على المنفعة موزعاً بين القادة الرسميين وغير الرسميين والإداريين المكتبيين حيث يحصل اختلاف واضح بينهما حول تطبيق وممارسة النفوذ داخل التنظيم. أما التنظيم التماثلي فيطبق النفوذ من قبل قائده. وتجدر الإشارة في هذا المقام الى ان الكثير من التنظيمات تمارس نفوذها خارج حدودها التنظيمية والإدارية أمام الرأي العام مثلاً. أخيراً يمكن تصنيف ممارسة النفوذ من قبل أعضاء التنظيم كالاتي: –

1 – يصدر من مراكزهم الإدارية مباشرةً ويسمى نفوذاً ادارياً مكتسباً.

2 – أعضاء يملكون نفوذاً قائماً على قدراتهم الشخصية في الإنتاج ويسمى بالنفوذ القيادي غير الرسمي.

3 – أعضاء يملكون النوعين السابقين من النفوذ الصادر من مراكزهم الوظيفية وقدراتهم الشخصية ويسمى بالنفوذ القيادي الرسمي. هذه هي أهم مكونات التنظيم الاجتماعي الرسمي.

ج – أنواع التنظيمات الرسمية: ذكرنا انفاً بوجود عدد متزايد ومتنوع من التنظيمات الرسمية في المجتمعات الحضرية والصناعية الرأسمالية والمعلوماتية بشكل متزايد لكن ليس جميعها تقوم بنفس الوظيفة لكل الناس لأن احتياجاتهم مختلفة ومتباينة وإزاء ذلك سنقدم مصنفات تنظيمية قدمها أربع علماء اجتماع أمريكان معاصرين تقدم خدمات لمختلف أطياف المجتمع وهم ما يلي: –

1 – تصنيف (امتاي اتزيوني 1975 Amitai Etzioni) الذي قدم ثلاث فئات في تصنيفه وهي: –

أ – تنظيمات معيارية.   ب – تنظيمات قسرية.   ت – تنظيمات نفعية. وصفها وشرحها كالاتي: –

أ – تنظيمات معيارية: تلك التي تنتمي اليها الأفراد طواعيةً بشكل إرادي من أجل اشباع احتياجاتهم ومطاليبهم سواء كانت خاصة أو عامة أو من أجل اكتساب اعتبار اجتماعي (عزوة، مهابة، قيمة وقدر اجتماعي) مثل انتمائهم الى أحزاب سياسية أو جمعيات خيرية خاصة أو جمعيات بيئية أو دينية أو مجلس الآباء والمعلمين في المدارس أو اتحاد الطلبة أو جمعية نسوية أو فريق رياضي جميعها تمثل تنظيمات رسمية. ومن نافلة القول ان الطبقة الاجتماعية والجندر (النوع الجنسي بين الذكر والانثى) والعرق الرسي يكونوا من المؤثرات القوية في انخراط الأفراد في التنظيمات الرسمية والجماعات الثانوية. فالطبقة مثلاً تعكس المكانة الاجتماعية والاقتصادية المقامة على المستوى التعليمي للفرد ومهنته ودخله المالي جميعها تمثل مؤثرات تؤهل الفرد في انتمائه لتنظيمات معيارية، بمعنى ان التنظيمات المعيارية غير مفتوحة لكل الأفراد بل لبعضهم ممن يملكوا المؤهلات المالية والتعليمية والاجتماعية والعرقية. والعضوية في هذه التنظيمات تتطلب بعض الكلف (جمع كُلفه) المالية والاجتماعية للمنخرطين فيها لذلك يكون أصحاب المواقع العليا فيها من المتمكنين اقتصادياً واجتماعياً من الناشطين في الحياة العامة والمشاركين في الأنشطة المحلية. الملاحظ على هذه التنظيمات في المجتمع الأمريكي إن نُصفهم من النساء وخمسهم من الرجال مع ذلك فإن جميع الرجال في التنظيمات التطوعية يتمتعون بمستويات عالية من الاعتبار الاجتماعي أكثر مما يتمتع به النساء. بيد ان تاريخياً نجد حضور الأعراق والأرساس في التنظيمات التطوعية قائم حيث لديهم مساهمات نشطة لكن مشاركة النساء قائمة ومساهماتهم مستمرة إلا انها غير مميزة ولا معترف بها. ومن نافلة القول، أن التنظيمات المعيارية في القرن التاسع عشر كانت تدافع عن الحقوق المدنية وتقوم بالأعمال الخيرية ساهم فيها نساء من الملونات ومن الهنود الحمر الذين اشتركوا في الحركات الخاصة بهم فضلاً عن وجود جمعيات تحارب وحشية رجال الشرطة في تعاملها مع المواطنين وضد التمييز العرقي. أما الأمريكيات من أصول مكسيكية فأنهنَّ مشتركات بشكل واسع في أحزاب تحارب الظلم والفساد علماً بإن أعضاء هذه التنظيمات لا يستلموا رواتب مالية لقاء عملهم فيها إلا انه يتطلب حصولهم على مؤهلات علمية مثلما هي موجودة عند الذين يستلموا رواتب مالية في التنظيمات الأخرى. لا جرم من القول في هذا الطرح من أن القبلية والعشيرة في المجتمع العربي القبلي والريفي يمثلا التنظيم المعياري على الرغم من كونهما لا يمثلا التنظيم الرسمي بل العرفي إلا انهما يقوما بمهام ونشاط التنظيم المعياري من حيث قيامهما بأعمال خيرية لأعضائهما من قبيل مساعدتهم مالياً وقيمياً في حسم المنازعات الفئوية والشخصية والدفاع عن حقوقهم أمام القبائل والعشائر الأخرى مع تقديم النصح والإرشادات للمحتاجين منهم وكأنهم عائلة واحدة.

ب – التنظيمات القسرية القهرية Coercive Organizations: أعضاء هذا النوع من التنظيمات لا يكونوا متطوعين بإرادتهم ورغبتهم بأن يكونوا أعضاء في هذا التنظيم، بل هم نزلاء في مجمع جبري بمعنى مضطرين ومكرهين بوجودهم فيه مثل معسكرات الاعتقال والسجون ومستشفيات الامراض العقلية. هدفهم إعادة تنشئتهم وتأهيلهم عبر سجنهم. أما بيئة هذه التنظيمات فإنها تتصف بالحبس الإجباري في بناية تتضمن حواجز إجبارية محصنة بالأقفال الحديدة والقضبان الحديدية ومراقبتهم من قبل حراس أمنيين بحيث تدعل خروجهم منها وبحرية أمراً مستحيلاً مالم يكون اخراجهم بشكل رسمي وإذا فرّوا فيه يعّدوا هاربين. هذه التنظيمات نقيض التنظيمات المعيارية.

ت – التنظيمات النفعية Utilitarian Organizations: عندما تكون هناك تنظيمات تقدم مكافئات مادية وتلك التي نبحث عنها من أجل عيشنا فأننا نكون مدفوعين بإرادتنا ورغبتنا بالبحث عنها والانضمام اليها مثل الجامعة التي تمنح دارسيها شهادة اكاديمية تؤهلهم للحصول على فرصة عمل أو المصنع أو الشركة التي تقدم رواتب للعاملين فيها بمعنى أنها ليست قسرية ولا معيارية لكن مع ذلك فإن أعضائها غير ملزمين بالبقاء فيها والاستمرار بالعمل ضمنها إذا كانت شروط العمل غير مجزية. نجد مثل هذه التنظيمات في المجتمعات الحضرية والصناعية والمعلوماتية بكثرة وبشكل متنوع لأن الإنسان في هذه المجتمعات لا يستطيع ان يعيش بدون مصدر رزق يرتزق منه وهذه التنظيمات تقدم لها المكافئات المالية إذا كان مستوفي شروطها.

2 – تصنيف آرثر ستنجكومي: وهناك تمييز أخر للتنظيمات الاجتماعية الرسمية قدمها وأوضحها (آرثر ستنجكومي) حيث ميّز بين أربع أنواع رئيسية للتنظيمات السائدة في المجتمعات الإنسانية بشكل عام وهي ما يلي: –

أ – التنظيمات الملهمة (الكارزماتيكية): التي تتضمن علاقة القائد الملهم باتباعه الذين ينظرون اليه ويعتقدون انه القائد الفذ الذكي العبقري الإداري المحنك والعالم الصرف مثل قادة الأنظمة الشمولية (هتلر، موسليني، ستالين، صدام حسين، حافظ الأسد ومعمر القذافي) وفريق البحث العلمي الذي يرأسه عالم مشهور ومعروف بالبحث والتتبع العلمي والتأليف المتعدد الواسع والمعمق والمعترف به من قبل المؤسسات العلمية وتعتمد عليه (أي على العالم) في إقامة بحوث علمية مثمرة، بحيث تقدم له مساعدات مالية كبيرة من أجل دراسة مشاكلها أو ظواهرها. هذا الاعتراف العلمي من قبل هذه المؤسسات يخلق اعجاباً كبيراً بهذا الشخص عند الباحثين الذين يعملون تحت اشرافه وينفذون كل ما يقول ويأمر به وما يقدم لهم من توجيهات وملاحظات وخبرات علمية ولا يستطيعون معارضته أو معاكسته بسبب اعتراف المؤسسات العلمية الواسعة التي هي في الواقع أوسع وأغزر من معرفتهم وخبرتهم وبسبب اعتمادهم عليه في تخصيص الرواتب والمنح المالية لهم وبسبب إيمانهم واعتقادهم عليه في تخصيص الرواتب والمنح المالية لهم وبسبب إيمانهم واعتقادهم بشرعية علمه ومعرفته لذلك تكون كلمته عندهم نافذة وأمره قاطعاً ويتبعونه دون معارضة لكي يكسبوا المعرفة العلمية والاستفادة المالية منه فالاتباع هنا لا سلطة لهم أو مسؤولية إنما بيد رئيسهم الملهم.

ب – الإدارات الاقطاعية: (هذا هو المفهوم تقليدي إنما استخدمه (ستنجكومي) للتعبير عن بعض الممارسات التقليدية في مجتمع رأسمالي حديث كالمجتمع الأمريكي) حيث استخدم سمسار السيارات – كمثال على ذلك – الذي يقوم بعرض سيارات شركة معينة ببيعها على الزبائن وقيامه بمهام تسهيل معاملات بيعها من قبيل الحصول على ضمانات مالية للشركة وتقديم كفالات مالية ضامنة وتسهيل مهمة دفع ثمن السيارة بالأقساط المكفولة وتقديم خدمات صيانة للسيارات خلال فترة زمنية معينة بعد شرائها وعمل دعاية للشركة وبنفس الوقت تقوم الشركة بتمويل السمسار بالسيارات وقطع غيارها وخبراتها الميكانيكية على شرط ان لا يبيع هذا السمسار سياراتها الى وكيل أخر لنفس الشركة أو يعتمد بمزاحمة سمسار أخر يبيع نفس سيارات الشركة. إن هذا الالتزام هو تقليدي إلا انه مكتوب على استمارات عقدية يوقع عليها ممثل الشركة أو السمسار فهي التزامات رأسمالية تخضع لسيطرة وسلطة شركة السيارات لتنتفع بها وتفيد السمسار بشكل بسيط من خلال بيع سياراتها للناس على ان لا يضر بخطة بيع سياراتها للناس حتى لا يضر بخطة بيع سيارات الشركة بشكل عام أو ينافسها في البيع بل تخضع لالتزاماتها وشروطها وأوامرها وأرباحها.

ت – التنظيمات النفعية: التي تشير الى ازدواج المنافع المشتركة والمساهمة في اتخاذ القرارات الخاصة بالتنظيم بشكل منطقي وترشيدي يخدم التنظيم لرئيسه مع التأكيد على الاختصاصات المهنية لأعضاء يشغلون مواقع إدارية لهم منظمة ومحددة على أساس اختصاصهم وخبرتهم المهنية والوظيفية. وهذا مثال حي على الإدارات البيروقراطية المتمثلة في الأجهزة الإدارية الحكومية والأهلية على السواء. والمظهر العام والواضح للنظام البيروقراطي في هذه التنظيمات هو أنها تقوم بعمل أو خدمات واحدة للملايين من الناس كل يوم بدون تغير أو تحوير وهي لا تحتاج الى رئيس عبقري أو ملهم أو ذكي أو عالم لكي يدير هذه الخدمات لأنها واحدة وتقدم لعدد هائل من الناس وفي كل يوم. فهي خدمات روتينية رتيبة وقائمة على نمط خاص وهي ايضاً أنظمة تكافلية في العمل والخدمات بشكل دقيق وذات انتاج منظم ومرتب ويكون هيكلها البنائي قائماً على أساس التخصص المهني والانجاز العلمي يقوم كل موظف في هذا النوع من التنظيمات بتقديم ملاحظاته وتقاريره الى رئيسه المباشر فيما يتعلق بعمله ووظيفتها التي يقوم بها ويكون تحرك وانتقال هذا الموظف من موقع وظيفي الى أخر حسب ما تقدم كفاءته واخلاصه في العمل داخل التنظيم وما يقدمه من خدمات لصالح التنظيم البيروقراطي.

ث – تنظيمات متخصصة: التي تركز على التخصص العلمي وطابعها المعرفي والتدريب المهني والتقني لكي تعكس اختصاصها وطابعها وتعمق وتوسع وظائفها بين التنظيمات المتخصصة مثل الكليات والجامعات والمعاهد العلمية ومراكز البحوث إذ تلح هذه التنظيمات على التدريب والمواصلة والمتابعة لما يتطور ويستجد في التخصصات الدقيقة من أجل تطوير كفاءات أعضائها وخبراتهم العلمية لكي تستطيع التقدم في أهدافها وتتنافس مع بقية التنظيمات المتخصصة في الإنجاز العلمي والتقني واثبات جداراتها وأهليتها في التحصيل والتتبع المعرفي. الملاحظ على هذا النوع من التنظيمات لأنها لا تتمركز أو تتمحور في مسؤولياتها بل تكون متحررة نسبياً من الضغوط البيروقراطية المعقدة. فهي لا تضع جميع مسؤولياتها الإدارية بيد رئيسها بل تكون هناك مجالس ولجان تقوم باتخاذ القرارات واصدار الأوامر التي تخص أعضائها وسياسة تنظيمها. [Stinchcombe. 1975. Pp. 262 – 264]

3 – تصنيف ارفنك كوفمان: هناك تصنيف أخر طرحه (ارفنك كوفمان) عالم اجتماع أمريكي معاصر. أنصب على تقسيم التنظيمات الإصلاحية من أجل دراسة مناشط سلوك الأشخاص داخلها مستهدفة اصلاح أو علاج أو تأهيل نزلائها من أجل ادماجهم في المجتمع السوي. ولا تمارس هذه التنظيمات النظم البيروقراطية بشكل دقيق بل تقوم بوظائف اجتماعية مثمرة وإيجابية للمجتمع العام والفرد بشكل خاص. انها تتصف بحياة مقيدة (غير حرة) رتيبة تخضع للمراقبة والملاحظة والتوجيه من قبل أعضاء يشرفون على إدارة التنظيم. فالفرد داخل المجتمع يستطيع ان يأكل ويشرب ويلعب وينام حسب ما يشاء وفي أي وقت يريد ويستطيع ان ينتقل من مكان الى أخر كيفما يرغب ويختلط مع أناس متنوعين ومختلفين لا يخضع لأي سلطة رسمية في توجيهه أو السيطرة عليه بشكل مباشر ولا توجد خطة عامة توجه سلوكه وحياته اليومية العملية. هذه هي الأوجه الحرة التي يحيها الفرد في الحياة الاجتماعية خارج جدران التنظيمات الاجتماعية الرسمية بيد ان هذه الحرية تنفقد داخل التنظيمات الإصلاحية لأن: –

أ – جميع أوجه حياتها تكون موجهة داخل البناية أو مكان أخر وتخضع لسيطرة واحدة.

ب – يقوم أعضاء التنظيمات الإصلاحية بأنشطة اجتماعية واحدة يعاملون معاملة واحدة من قبل إدارة التنظيم وتنفذ جميع أنشطة أعضائها بسرعة وبشكل مباشر. بمعنى أخر، لا يستطيع أعضائه ان يقوموا بأعمالهم بشكل انفرادي وحسب رغائبهم (أي لا يستطيعوا ان يأكلوا ويشربوا ويناموا ويعملوا إلا حسب نظام مقنن في أوقات معينة أو محددة).

ت – تكون جميع أوجه المناشط الاجتماعية اليومية مرتبطة الواحدة بالأخرى حسب جدول زمني منسق ونشاط اجتماعي واحد يكمل الأخر ويكون هذا الجدول مصمماً ومفروضاً من قبل الهيئات الرسمية العليا لهذه التنظيمات.

ث – تنسيق جميع مناشط التنظيمات الإصلاحية بشكل عقلاني لخدمة أهدافها الرسمية. هذه هي أهم الصفات الأساسية التي تميز التنظيمات الإصلاحية عن الحياة الاجتماعية الحرة أو التنظيمات الإصلاحية حسب أهداف وظائفها الرسمية غير الإصلاحية. ثم صنف (كوفمان) أنواع التنظيمات الإصلاحية كما يلي: –

1 – تنظيمات أُنشأت لغرض الاهتمام والاعتناء بالأفراد العاجزين والمقعدين عن العمل كالعميان والمعمرين والايتام والمعوزين والفقراء.

2 – تنظيمات أُنشأت لكي تهتم بالأفراد المصابين بأمراض مزمنة وغير قادرين – مالياً – على دفع نفقات علاجهم مثل مصحات مرض السل ومرض الجذام أو الذين يكونون عالةً على مجتمعهم المحلي من الناحية النفسية والعقلية كمستشفى الأمراض العقلية.

3 – تنظيمات أُنشأت لحماية المجتمع المحلي من الأمراض الاجتماعية العامة كالمعتقلات والسجون العامة واصلاحيات الاحداث.

4 – تنظيمات تأسست لغرض الاعمال وتقديم الخدمات العامة للمجتمع كالثكنات العسكرية ومعسكرات العمل الجمعي.

5 – مراكز تدريبية خاصة بالمتدربين (خاصةً بالمجتمع المسيحي كدير الرهبنة ومناسك الرهبان). إضافة الى ما تقدم فقد قسَّم (كوفمان) أعضاء التنظيمات الإصلاحية الى قسمين الأول: نزلاء التنظيم والثاني: إداريو التنظيم. فالقسم الأول (النزلاء) يخضع لاتصالات مقيدة مع العالم الخارجي – خارج جدران التنظيم. بينما يعمل الإداريون ثماني ساعات في اليوم داخل جدران التنظيم وباقي ساعات اليوم يقضونها مع الأخرين خارج جدرانه. [Goffman. 1975. Pp. 274 – 277]

4 – تصنيف جورج لندربرك: أخيراً قدم (لندربرك) تصنيفاً للتنظيمات الاجتماعية الرسمية أخر حسب ما يلي: –

أ – تنظيمات تهتم بالأدوات والآلات كالمعامل والمصانع ووسائط النقل ومكاتب البيع والشراء (كوكالات).

ب – تنظيمات تهتم بالأفراد وصحتهم وراحتهم واصلاحهم وتقويمهم كالسجون والمستشفيات التي تمثل علاقة النزلاء بالإداريين.

ت – تنظيمات تهتم بالرموز أي بما يحتاجه الفرد في تسهيلات في تعامله الاقتصادي والاجتماعي مثل البنوك والدوائر المالية ومكاتب وسائل الدعاية والاعلام.

ث – تنظيمات تهتم بالمعرفة العلمية للفرد كالمدارس والكليات والمعاهد الفنية والأكاديمية. [Lundberge. 1963. Pp. 381 – 384]

البارز في الأصناف التنظيمية المقدمة من قبل أربع علماء اجتماع أنها تشترك بخصائص واحدة هي: –

1 – حماية المجتمع من الأمراض الاجتماعية والفردية.

2 – تحقيق احتياجات الأفراد المهنية والمعرفية.

3 – تمارس وظائفها داخل بنايات خاصة بها.

4 – تستخدم الاجراءات البيروقراطية.

5 – يخضع العاملين فيها لتوجيهات تصدر من قبل هيئات رسمية عليا.

6 – تقوم بتأهيل الخارجين عن القانون.

7 – تقدم خدمات للعديد من الأفراد وليس لفئة اجتماعية محددة باستثناء التنظيمات العقابية والاصلاحية. إلا انها لم تطرح (هذه المصنفات) المشاكل التي تعترض وظائفها المؤسسية ولم تكشف عن الخلافات أو الصراعات التي تحصل بين النزلاء أو المراجعين مع العاملين في التنظيم ولم تعرض مساوئ الإجراءات البيروقراطية بل اكتفت بتقديم أهدافها المؤسسية ودوافع انخراطهم في التنظيم.

ح – السلطة المكتبية (البيروقراطية): أصلها (بيرو – قراط) لفظ لاتيني يتكون من مقطعين الأول يعني (مكتب) والثاني يعني (سلطة) ومعناها على الجملة سلطة المكتب أو التحكم الإداري وأبشع معانيها الاقطاع الوظيفي. يمر الإنسان – في المجتمع الحديث – بمراحل تطورية بيولوجية مختلفة تبدأ من مرحلة الولادة وتنتهي بمرحلة الوفاة وكل مرحلة يمر بها الإنسان يشترك في تنظيمات رسمية لكثرتها وتنوعها وضرورتها في المجتمع الحديث. ففي مرحلة الولادة يولد الإنسان في مؤسسة طبية وهي المستشفى التي تمارس السلطة المكتبية وفي المرحلة الثانية يذهب الى المؤسسة التربوية – المدرسة – وهي الأخرى تمارس السلطة المكتبية وفي المرحلة الثالثة بعدما ينتهي من المدرسة أو الجامعة يذهب الى المعمل أو الشركة أو احدى دوائر الدولة للعمل فيها وهذه تنظيمات سياسية كالأحزاب السياسية أو ينتمي الى نقابات مهنية وهي بدورها تمارس السلطة المكتبية وأخيراً عندما يتوفى يجب ان يحصل على أوراق الوفاة من المستشفى التي بدورها تخضع لإجراءات سلطوية مكتبية. مغزى القول هو ان الفرد في المجتمع الحديث تخضع حياته الخاصة والعامة الى ضغوط وتأثيرات وممارسات سلطوية مكتبية منذ ولادته والى نهاية حياته في المجتمع. ولأن الفرد في المجتمع الحديث ينتمي الى تنظيمات اجتماعية رسمية لكي يثبت ارتباطه بمجتمعه بشكل قوي وفعال وان هذه التنظيمات تملك نفوذاً وسلطة واسعة وضخمة ومعقدة وهذا يعني ان تنظيمات المجتمع الحديث رسمية في نموذجها ومتضمنة ادواراً ومكانات اجتماعية محددة وتكون طريقة اتخاذ قراراتها بعيدة عن تدخل العاطفة والوجدان الإنساني. أي يجب ان تكون منطقية وعقلانية ويجب ان يخضع سلوك أعضاء هذه التنظيمات الرسمية الى مرسوم مقنن وموجه من قبلها. وقد تحدد سلطة المكاتب (البيروقراطية) على أنها بناء رسمي متضمن نظام تقسيم عمل قائم على التخصصات الفنية والعلمية أو حاملاً سلماً إدارياً توزع عليه المكانات الوظيفية حسب شروط ومستلزمات معينة تنميّ العلاقات السطحية ذات الصفة المجهولة ومستخدمة الآلات والمكائن لتعود أعضائها على انجاز وظائفها بشكل دقيق ومتزامن. بمعنى أخر تعرّف سلطة المكتب (البيروقراطية) على انها طريقة للحصول على أعمال منجزة بأسلوب منظم ومنسق ومنطقي في تنظيمات رسمية كبيرة. أما الظروف الاجتماعية التي عملت على تكوين أو ساعدت على ظهور السلطة المكتبية (البيروقراطية) في أوروبا في الفترة ما بين سيادة المذهب البروتستانتي والى حد الان فهي ما يلي: –

أ – سيطرة النظام الرأسمالي: الذي أدى الى اهتمام الشركات والمعامل بالإنتاج الواسع واستخدام المحفزات المالية من أجل ذلك وأدى (النظام الرأسمالي) ايضاً الى سيادة الآلة على القوى البشرية واستغلاله له لصالحها وليس العكس.

ب – المبادئ البروتستانتية: ان التطور البروتستانتي الروحاني يسير جنباً الى جنب مع نظام الشركات الرأسمالية والاثنان يؤكدان على النظم العقلانية وإعطاء قيمة عالية للعمل المجد.

ت – توسيع التنظيمات الاجتماعية في حجومها وانتاجها بسبب التوسع والزيادة السكانية في أوروبا الغربية وأمريكا.

ث – الاهتمام الكبير بالاقتصاد المالي داخل التنظيمات الاجتماعية والتنظيمية لفائدة المنتج لا المستهلك. ويرّجع (بيتر بلاو) سلطة المكتب الى الفترة التقليدية التي مرت بها المجتمعات المنظمة في الوقت الحاضر إضافةً الى تطور العوامل الاقتصادية والمالية وتضخم حجم التنظيمات الرأسمالية والعوامل الدينية. أما (آلفن كولدنر) فقد أرجعها الى حاجات مديري الاعمال وأصحاب رؤوس الأموال ورغبتهم أموالهم وثرواتهم. لكن (كارل ماركس) فقد درس سلطة المكتب من خلال انتقاداته لفلسفة (هيجل) في الدولة التي أوضحت (فلسفة هيجل) سلطة المكتب على انها تمثل الجسر الموصل بين الدولة والمجتمع، فالدولة تمثل المصلحة العامة ويتضمن المجتمع أصحاب المهن الحرة والشركات التي تمثل المصالح الخاصة وتكون سلطة المكتب (البيروقراطية) قناة تمر من خلال المصالح الخاصة الى المصالح العامة. انتقد (ماركس) هذه الفكرة فقال بإن صيغة هذه الفكرة لا تمثل حقيقة البيروقراطية الطبيعية لأن بيروقراطية (هيجل) تأخذ معناها من مركز معين يكون واقعاً بين المصالح الخاصة للشركات والمصالح العامة للدولة. وفي نظر (ماركس) فإن هذا المركز غير مجدٍ أو فعال لأن الدولة لا تمثل المصالح العامة بل تمثل مصالح الطبقة الحاكمة الخاصة التي هي جزء من المجتمع وليس الكل. وفي هذا التعليل تمثل البيروقراطية جماعة اجتماعية خاصة وليست طبقة اجتماعية إنما يرتبط وجودها مع المجتمع الطبقي. وبشكل أدق تمثل البيروقراطية الدولة نفسها وتعتبر أداة مستخدمة من قبل الطبقة الحاكمة التي تمارس سيطرتها على بقية الطبقات الأخرى. ويضيف (ماركس) فيقول ان النظام الرأسمالي يتضمن سلطة المكتب (البيروقراطية) التي تحمل في طبيعتها واجبات ومهام تفرض على جميع افراد المجتمع بحيث تصبح أحد أنماط تفكيرهم وان أكثر طبقات المجتمع ايماناً واستخداماً لها هي الطبقة الحاكمة بحيث يكون أحد أنواع أنظمتها الطبقية تستخدمه كقناع مضلل في علاقاتها مع الطبقات الأخرى. ويضيف (ماركس) فيقول: قد لا تكون البيروقراطية مكونة للطبقة الرأسمالية لأنها نظام مستقل بذاتها فغالباً ما يحدث تصارع بين النظام البيروقراطي والقائمين على تنفيذه. وباختصار لا تشغل البيروقراطية مركزاً مهماً جداً في بناء المجتمع الرأسمالي ولا تتصل بصورة مباشرة مع عملية الإنتاج لأنها طارئة ومرحلية وتعيش على قوى الأخرين في المجتمع. وفضلاً عما تقدم – أي البيروقراطية – مفروضة على المجتمع مستهدفة المحافظة على الوضع الراهن إضافةً الى محافظتها على امتيازات سادتها. وفي ضوء هذه الصفات تصبح البيروقراطية أو التبقرط صفة ملازمة ومحتومة للنظام الطبقي في المجتمع، لأن النظام الطبقي الرأسمالي يطلب دائماً وبإلحاح المزيد من السيطرة والنفوذ والمحافظة على نظام تقسيم العمل غير المتكافئ وعدم المساواة بين الطبقات المختلفة داخل المجتمع. من هذه المرتكزات والقواعد أكد (ماركس) على ان البيروقراطية لا تنشأ إلا في المجتمع الطبقي الرأسمالي. ويؤكد (ماركس) ايضاً على ان مفهوم الاستلاب أو التغريب أو العمل المحوّل الذي يتضمن فقدان الذات وتشويه الواقع بواسطة التحريف الإيدلوجي والتأكيد على الاستغلال الشخصي وانشاء تنظيمات كبيرة متخصصة في انتاج سلعة واحدة وهذه صفة أخرى من صفات البيروقراطية. ويُرجع (ماركس) مفهوم الاستلاب الى طبيعة المجتمع البرجوازي لاعتماد وسائل انتاجه على المُلكية الفردية الخاصة فهي تحول الابداعات والانتاجات الفردية الخلاقة لصالحها وليس لصالح المبدع نفسه مازجاً بين الحرية والضرورة. ومن هذا التحديد نرى ان مفهوم الاستلاب وتحويل العمل المبدع لها يرتبط بالعامل المادي الاستغلالي لذلك تتحول المُلكية الفردية الى بضاعة وعدم قلب انتاج العمل الى بضاعة إنما تحّول العمل فيه الى بضاعة. فإذا أراد الفرد المعدم عملاً معيناً الذي يكون دافعه الكفاح من أجل العيش لكي يعيش على قوته لا على الأخرين فإنه يبيع عضلاته ووقته وعلاقاته الاجتماعية الى تنظيمات رأسمالية تمتص كل قدراته المادية والمعنوية لصالحها أكثر من مصلحته الكفاحية من أجل العيش. فالعامل يعمل داخل المعمل أو الشركة ثماني ساعات في اليوم ويتفاعل مع الآلة مما يبعده ذلك عن إنسانيته من اجل يتقاضى بعض الدراهم بعد ذلك يأخذ في الادراك بإن انتاجه العقلي والفكري لا يعود اليه إنما تُحوّل الى دراهم معدودة. فهو لا يلمس ولا يرى انتاجه داخل المعمل أو الشركة أو المكتب الإداري وإنما يرجع الى التنظيم نفسه. وهذا يعني ايضاً إن الإنسان قد حوّل طاقاته الفكرية والعقلية الى العمل. ونتيجة انهماكه في العمل المضني يومياً يصبح بعيداً عن أهله وأقاربه ورغباته وهواياته لدرجة أنه يصبح جزءً من العمل فيفقد انسانيته ويصبح غريباً عن نفسه. ويقول (ماركس) ان البيروقراطية تصبح قوة مستغلة وفعالة ومستغِلة من قبل أغلبية الناس المتحكمين والمتسلطين الذين يعملون على تنظيم حياتهم الخاصة من خلال سيطرتهم المتحكمة والمتعسفة. ومن الطبيعي ان تكون هذه السيطرة مصاغة ومدعمة من قبل خالقي النظام البيروقراطي واعطائها رموزاً مبهمة وغامضة لوسائلها من أجل تقديس وتهويل مركزه داخلها وداخل المجتمع. ولا تخفي البيروقراطية حقيقتها عن الأفراد غير البيروقراطيين فقط بل تخفي طبيعتها عن نفسها ايضاً. إضافةً الى عدم ادراكها لعملها الجائر والظالم والطفيلي لأنها تعتقد بإن عملها أساسي وجوهري يخدم المصلحة العامة وهذا الخداع والتضليل النفسي كامن في تدرج سلطة المكتب الوظيفي الجامد وتبجيلها المقدس للسلطة. علاوةً على ما تقدم فقد أكد (ماركس) على عجز البيروقراطية في التصور وحق المبادرة في العمل وخوفها من استلام أي نوع من المسؤولية لم يسبق لها أن قامت بها مسبقاً أو أي مسؤولية لم تكن موضوعية في نظامها الداخلي. وعلى الرغم من ذلك فهي تحاول أن تصنع نفسها بإن لها وظيفة مفيدة وناجحة لإصلاح المجتمع وتحاول الاستمرار والاتساع في هيمنتها وسيطرتها على كافة وحدات بنائها وبناء المجتمع من أجل تقوية مركزها وتعزيز مسيرتها. إن عملية تضخيم وتهويل النفس هذه سماها (ماركس) بـ (المادية القذرة) للبيروقراطية التي تستخدمها من أجل دفع وتحفيز أعضائها على الترقية المهنية والحصول على سمعة واعتبار اجتماعي عالٍ داخل بنائها. وبعبارة موجزة وواضحة فهي – أي البيروقراطية – أداة ووسيلة أساسية بيد الطبقة الحاكمة من أجل اثبات وممارسة شرعيتها في الوجود. أما (لينين) فقد لاحظ بعد ثورة 1917 أنها (الثورة) تقضي على البيروقراطية بل بالعكس قد ازدادت واتسعت دائرتها وأرجع هذا الاتساع الى ما يلي: –

1 – عدم تفهم الناس للنظام الاشتراكي.

2 – الحرب الأهلية التي كانت في المجتمع السوفياتي آنذاك.

3 – عدم الاستقرار الاقتصادي الذي كان سائداً في المجتمع السوفياتي اثناء تلك الفترة الزمنية.

4 – عدم إقامة علاقة العمال بأرباب العمل على قاعدة اشتراكية.

5 – عدم زوال البرجوازية الصغيرة.

6 – تعاون البرجوازية العقلية الاقطاعية آنذاك في المجتمع السوفياتي. جميع هذه العوامل التي ذكرها (لينين) تكون تربة خصبة لتنشيط سلطة المكتب (البيروقراطية) أما العلاج الذي وضعه (لينين) لهذه الآفة الاجتماعية فهي ما يلي:

أ – التطور الاقتصادي.        ب – الزيادة المطردة في التصنيع

ننتقل بعد ذلك الى المفكر الاشتراكي الأخر وهو (تروتسكي) الذي يعتقد ويبرر قوله بما يلي: إن مفهوم الطبقة الاجتماعية يتضمن امتلاكاً لوسائل الإنتاج ولها سيطرة اقتصادية على باقي الطبقات الاجتماعية الموجودة داخل المجتمع، بينما البيروقراطية الوطنية الحالية ليس لها أي سيطرة اقتصادية على الطبقة العاملة ولا تملك وسائل الإنتاج بل هي تقوم بتوزيع وسائل الإنتاج بواسطة التفويض والتوكيل لذا فهي لا تشكل طبقة من هذه الزاوية لكن (تروتسكي) لا ينكر وجودها (البيروقراطية) بل يقول لقد رافق التطور الاقتصادي في الاتحاد السوفيتي بيروقراطية واسعة النطاق فيجب على العمال بعد ان يتحرروا من السيطرة الدكتاتورية وأن يهيئوا أنفسهم لثورة ثانية ضد البيروقراطية. هذه هي وجهات نظر المفكرين الاشتراكيين (ماركس ولينين وتروتسكي) والرأسماليين (فيبر وبلاو).

خ – وظائف البيروقراطية: نأتي الان الى تحديد وظائف البيروقراطية تتضمن وظائف البيروقراطية إيجابيات وسلبيات معاً في المجتمع حيث كلما توسع المجتمع في حجمه وكثرة تنظيماته الاجتماعية والصناعية مال الى استخدام الوسائل البيروقراطية لتنظيم أعمالهم وانتاجهم والعكس صحيح. بمعنى أخر كلما زاد المجتمع في سكانه وتكثف في المدن الكبرى ظهرت تنظيمات اجتماعية لتنظيم حياتهم اليومية لتنسيق مناشطهم الحياتية وتزداد حاجة التنظيمات الى استخدام المكائن والآلات والأجهزة الدقيقة لإنجاز مهمات وأهداف التنظيم في اتصالات أعضائه حسب تدرجاتهم المكتبية الوظيفية. لذا يتطلب من هذه التنظيمات الكفاءة والدقة في العمل والاستفادة القصوى من قدرات وتخصصات المصادر البشرية لصالح المصالح المالية والاقتصادية التي يصبوا اليها التنظيم وبنفس الوقت تحدد مكانة الفرد الوظيفية داخل بنائها من خلال إعطائه مسؤوليات وصلاحيات محددة ومرتبطة مع وظائف التنظيم كافة حسب تدرجها السلمي وتحديد دخله الاقتصادي ومنزلته الاجتماعية داخل التنظيم. إضافة الى ما تقدم فللبيروقراطية وظائف سلبية تسمى بـ (الاعتلال الوظيفي) التي يدفع ثمنها الفرد داخل التنظيم البيروقراطي. فعدم تطابق الحاجات الوجدانية الفردية مع حاجات التنظيم الفكرية يولّد تصارعاً بين الفرد والتنظيم لأنه (أي الفرد) لا يستطيع في هذه الحالة المحافظة على ذاته الوجدانية بسبب أولوية اشباع حاجات التنظيم ومن نوع اشباع جزء من حاجاته وليس جميعها. ويشير الاعتلال الوظيفي الى مفهوم الروتين الذي يتضمن تأخيراً مستمراً وتافهاً تُسير المعاملات الرسمية والى تجنب المسؤولية وتحويل المعاملات والطلبات الرسمية من مكتب الى أخر. ونستطيع توضيح الروتين بالنقاط التالية: –

1 – تعارضه مع قيم الفرد وأهدافه لذا فإنه غير ضروري.

2 – انتهاك سرية وكتمان الخصوصيات الفردية، فالفرد يجب ان يخبر البنك الذي يتعامل معه بسبب استدانته للمال الذي يحتاجه أو يجب ان يخبر مديره المسؤول المباشر عن سبب طلبه للإجازة من العمل.

3 – يحمل الروتين الإداري الصفة المجهولة في علاقته مع الموظفين لأن البيروقراطية تمثل جماعة ثانوية رسمية منظمة لنشاطات الأفراد التي لا تستطيع الجماعات القيام بها.

4 – يكون الروتين الإداري غير ديمقراطي في تعامله مع الأفراد حيث يقف موقف المتحيز مع أصحاب المراكز الوظيفية العالية ضد أصحاب المراكز الوظيفية الواطئة أن لم يكن معوق تجاه مطاليبهم وحاجاتهم.

5 – يكون الروتين مصدراً مزعجاً للفرد الذي يتعامل معه لأنه يخضع للمماطلة والتأخير في انجاز معاملته إضافةً الى انه لا يعرف مصير طلبه مما يحبط عزيمته.

6 – يقوم الروتين بتحويل العضو التنظيمي الفعال الى سلبي وبليد في العمل لا يستطيع استخدام ذكائه ومقدرته المبدعة الخلاقة لصالح المجتمع إنما لصالح النظام البيروقراطي ويصبح هذا العضو مخلصاً لتنظيمه ومتعوداً على مسايرة أوامره وتعليماته. نستنتج من ذلك ان البيروقراطية تبني مفهوم المجهولية في بنائها المعقد التركيب مما يصعب على أعضائها التكييف لها بشكل كامل ويمكن ارجاع بعض المشاكل الاجتماعية كنتيجة لممارسة النظام البيروقراطي كالبطالة المزمنة والفقر والبطالة المقنعة وعدم توازن الإنتاج الزراعي مع قابليته او قدرة البلد على الإنتاج الزراعي وصراع مدراء العمل مع العمال وتبذير المصادر البشرية والاقتصادية إضافةً الى استخدامها للخداع والاحتيال والتواطؤ والمنافسة غير الحرة والجائرة والتزييف والتعامل مع الناس. ونستطيع ان نلخص اعتلال وظائف البيروقراطية بالنقاط التالية: –

1 – تضخم عدد موظفي التنظيم.

2 – الازدواجية الوظيفية لوحدات التنظيم المختلفة.

3 – المحسوبية السياسية في تعيين الأفراد لإشغال مراكز تنظيمية دون اللجوء الى الإجراءات البيروقراطية التي تؤمن بها.

4 – عدم تناسب رواتب الموظفين مع اختصاصهم التي تؤكد عليها.

5 – التذبذبات في وضع وتنفيذ سياستها.

6 – المنافسة الداخلية بين موظفي التنظيم.

7 – ركود نشاطات التنظيم بسبب الروتين. جميع هذه الظواهر تعمل على اعتلال أو إعاقة تطبيق النظام البيروقراطي وهي في الواقع ظواهر داخلية تنظيمية تخلقها البيروقراطية لنفسها وليس النظم الاجتماعية الأخرى كالنظام السياسي أو الاجتماعي أو الديني أو الخلقي. وهذا يعني صعوبة الحكم على بقاء أو خلود النظام البيروقراطي في المجتمع الإنساني. ومن الجدير بالذكر في هذا المقام تقديم تصنيف (وليم فوت وايت) للموظفين البيروقراطيين في التنظيمات الاجتماعية وهم: –

1 – الموظفين الصغار في الشركات الكبيرة.

2 – القس البروتستانتي في الكنسية.

3 – معاوني مدراء دوائر الدولة.

4 – ضباط الجيش والبحرية.

5 – عضو الهيئة التدريسية الناشئ أو المبتدئ في التدريس والعمل الجامعي يعمل في جامعة كبيرة أو عتيدة في مكانتها وسمعتها العلمية.

6 – الطبيب الذي يشتغل في عيادة طبية كبيرة يشترك معه عدد كبير من الأطباء.

7 – مهندس التصميم الذي يشتغل في شركة كبيرة.

8 – العالم الفيزيائي أو الكيميائي أو الرياضي الذي يشتغل في مختبرات حكومية.

9 – المحامي المبتدئ الذي يشتغل في الدوائر القانونية الكبيرة. [العمر. 1982. ص. ص. 314 – 326]

تعقيب وتقييم

لاحظنا مما تقدم ان الإنسان لم يستطع تحقيق غاياته وطموحاته ووجوده الاجتماعي إلا من خلال تجمعات بشرية منظمة وجدت لتحقيق هذه الغايات. فالتنظيمات القرابية وجدت للمحافظة على الرباط الدموي اساساً وبسبب تنوع طموحات الإنسان وتباين مناشطه ظهرت تنظيمات اجتماعية جديدة تختلف في حجومها وأهدافها ومناشطها عن التنظيمات القرابية كالدولة والمعمل والمدرسة والنقابة والشركة وبسبب تطور التخصصات العلمية والفنية ظهرت تنظيمات أخرى تعبّر عن هذا المنحى الجديد وبسبب ضعف سيطرة الكنيسة ظهرت تنظيمات فكرية مناهضة لهذه السيطرة فظهرت تنظيمات سياسية ثورية تطالب بالتغيير وعدم الجمود. وبسبب التقديم التكنولوجي وسيطرة المادة على عقول الناي وتفكيرهم وعلائقهم وخروج المرأة للعمل خارج المنزل وابتعادها عن مهامها البيتية والتنشيئية والزواجية ظهرت تنظيمات حديثة تساعد الفرد على تلاقي سلبيات هذا التغيير الاجتماعي لحماية الفرد من شرور التطورات التقنية وتطلعاته المادية. وخلاصة القول فإن التنظيمات الاجتماعية ظهرت لخدمة الإنسان ولاحظنا ايضاً انها لم تبقَ على وتيرة أو شكل أو هدف أو بناء واحد بل تطورت وتنوعت مع حاجة الإنسان وتطورها لازم تنوع وتباين حاجاته عبر الزمن. إلا أن هذه المراحل التطورية التي عُرضت في هذا الفصل لا تمثل إلا التغييرات والتطورات التي حصلت في المجتمعات الأوروبية بعد القرون الوسطى ولحد الان. أي انها لا تمثل أو تعكس تطور التنظيمات الاجتماعية في كافة المجتمعات الإنسانية. ولاحظنا ايضاً إن التنظيمات الاجتماعية في المجتمع الفلكلوري لم تكن رسمية بل كانت مقامة على أساس نوع الجنس. وفي المجتمعات الاقطاعية كانت التنظيمات الاجتماعية غير رسمية ايضاً إلا انها مقامة على أساس المُلكية، والتدرج الاجتماعي فيها قائماً على تقسيم سلطوي تقليدي غير رسمي أخذ مساراً افقياً بشكل أوسع في المسار العمودي تحكمه فئة قليلة من العوائل على كافة شرائح المجتمع. ومن الطبيعي ان تتسلط التنظيمات غير الرسمية (في هذا النوع من المجتمعات) على مناشط التنظيمات الرسمية (الدولة، الشركة، المعمل والنقابة) التي تسودها العلاقات القرابية أو الصداقية أو الرحمية أو الإقليمية أو الطائفية وضعف العلاقات الرسمية والحواجز البيروقراطية تكون قرارات التنظيم بعيدة عن العقلانية الرشيدة لتحمي وجودها غير الرسمي في مواقع رسمية. بينما ظهرت التنظيمات الرسمية في المجتمعات الانتقالية التي اتبعت سيطرة نشاطات التنظيمات غير الرسمية على نشاطات التنظيمات الرسمية نسبياً. ووجدنا تبلور التنظيمات الرسمية بشكل واضح وقاطع في المجتمعات الحديثة. أما التنظيمات في المجتمع التعددي فإنها تكون – كما تفرض – أو تمارس نشاطاتها بحرية فهي إما أن تكون موجهة من قبل الدولة أو ان تكون ضدها. بينما تهدف تنظيمات المجتمع الاشتراكي الى التوفيق بين حاجات المجتمع والدولة وخدمة المجتمع بكافة شرائحه الاجتماعية وخاصةً الطبقة الفقيرة وأصحاب الدخل الثابت. في حين تكون التنظيمات الاجتماعية في المجتمع الجماهيري مستهدفة حماية الفرد المنعزل اجتماعياً بسبب التطورات التقنية والاجتماعية السريعة وطغيان التنظيمات الرسمية على مناشط التنظيمات غير الرسمية (العائلة، الأصدقاء، الأقارب) بينما تكون التنظيمات الاجتماعية في المجتمع التعددي مبتلعة جميع مناشط الأفراد لصالح تنظيم واحد مهيمن على أجهزة الدولة وعدم إعطاء الحريات أو فسح المجال للتنظيمات التي لا تساير نشاطات التنظيم المهني على الدولة. وإذا تعمقنا في نقاش التنظيمات الاجتماعية في كل نوع من أنواع المجتمعات السلفة الذكر فسوف نرى ان المجتمع التعددي لا يهتم بالمجتمعات السالفة الذكر فسوف نرى ان المجتمع التعددي لا يهتم بالفرد بقدر اهتمامه بأهداف التنظيم المهيمن على الدولة أي ان الفرد لا خيار له بالانتماءات الى التنظيمات الاجتماعية غير موجهة من قبل التنظيم المهيمن وبسبب سيطرة هذا التنظيم على معظم التيارات والحركات الاجتماعية والفكرية والفنية داخل المجتمع. وعلى الرغم من ذلك فالفرد لا يكون معزولاً عن الأخرين أو مستقلاً بنفسه فأما نجده متفاعلاً ايجابياً مع التنظيم المهيمن أو سلبياً تجاه التنظيم والدولة ومترصداً لكل مناشط التنظيم ومتفاعلاً معها بشكل سلبي وليس إيجابي. أما أعضاء التنظيم المهمين فنجدهم يتحملون مسؤوليات تنظيمية ومكتبية (بيروقراطية) أكثر من طاقته أو أكثر من الأفراد الأخرين لأنه يمثل أهداف تنظيمه وسياسية ويكون صعوده على السلم التنظيمي سريعاً جداً ولا يأخذ بنظر الاعتبار مستلزمات ومتطلبات التدرج المنظم بسبب حاجة التنظيم الى السيطرة على كافة أوجه الحياة الاجتماعية للمجتمع لذلك نجد عضو هذا التنظيم يصعد بسرعة بسبب حاجة التنظيم له في موقع معين (قد يكون هذا الموقع لا علاقة له بتخصصه الوظيفي) ويهبط بسرعة بسبب عدم قدرته على تحمل مسؤوليات عديدة ومتنوعة في آن واحد (تنظيمية وبيروقراطية) أو لأنه غير متخصص بالموقع الجديد الذي استبدله. إضافةً الى ما تقدم فإن حكم تنظيم واحد قد يكون أفضل من حكم فرد واحد على جميع أجهزة المجتمع الرسمية لأن للتنظيم فكراً وتخطيطاً وسياسةً تضعها وتقدمها مجموعة أفراد وقد تنظر لصالحها وصالح المجتمع معاً. بينما يكون الفرد المتحكم في المجتمع خاضعاً لتفرد آرائه وقراراته وتخطيطه وتنفيذه الفردي وعدم وجود قناة تنظيمية يحصل الفرد القائد على انعكاسات أو استجابات أو ردود فعل قراراته يتغذى بها قيادته مستقبلاً، بينما وجود تنظيم واحد مهيمن على كافة مناشط حياة المجتمع تمكنه من الحصول على معلومات استجابيه (سلباً أو ايجاباً) عن طريق أجهزته التنظيمية وهذا يساعده على تعديل أو تغذية خططه مستقبلاً. هذا من الناحية النظرية. أما من الناحية التطبيقية فنجد فرداً واحداً يسير ويقود تنظيماً اجتماعياً مهيمناً على كافة مناشط الحياة الاجتماعية (كما هو الحال عند هتلر في المانيا وستالين في روسيا وصدام حسين في العراق والأسد في سوريا وعلي عبد الله صالح في اليمن) ويستخدم هذا الفرد – التنظيم المهيمن – لتنفيذ مصالحه وسيطرته ونفوذه وتضخيم وتجسيد قيادته ويهمل أهداف تنظيمه ومصالح مجتمعه الأساسية. علاوةً على ما تقدم فإن دراسات النظرية التنظيمية لم توضح درجة تهيؤ أفراد المجتمع لتقبل أهداف وفكر التنظيم المهيمن فقد تكون أهداف وأفكار التنظيم المهيمن سابقة أو متقدمة على تفكير عامة الناس أو انها تمثل فكر شريحة اجتماعية واحدة وليس جميع شرائح المجتمع. فما هي ردود فعل الشرائح الأخرى (سلباً أو إيجابياً)؟ وهل هناك صراع بينهما؟ وإذا كان ذلك فما هو نوع وقوة واستمرارية هذا الصراع؟ وهل ان أفكار التنظيم المهيمن تمثل جزءاً من النظام الفكري لبناء المجتمع؟ أم هي مستوردة من خارج تراث المجتمع وبناءه؟ جميع هذه الملاحظات لم يغطيها أو توضحها نظرية التنظيم الاجتماعي. علاوة على ذلك، فإن دراسات التنظيمات الرسمية لم توضح لنا التفاعلات السلبية داخل التنظيم المهيمن في المجتمع الواحد، أو صراع كوادره المتقدمة أو علاقتها مع القواعد التنظيمية بل افترضت تلاحم وتلاقح هذه البنيات (الفوقية والتحتية) داخل بناء التنظيم بشكل دائم وهذا افتراض بعيد عن الصحة. أما المجتمع الجماهيري الذي تكون فيه العديد من التنظيمات الاجتماعية المتنوعة والمتباينة في أهدافها وأفكارها وقيمها، يكون الفرد في هذا النوع من المجتمعات منعزلاً وقلقاً بسبب ممارسته لعدة أدوار اجتماعية مختلفة ومتباينة في آن واحد. أضافةً الى ذلك فإن التنظيمات الرسمية تكون متسلطة وطاغية على التنظيمات غير الرسمية في المجتمع الجماهيري لذلك تسوده العلائق الرسمية والسطحية والنفعية معظم تنظيماته الرسمية وغير الرسمية. أي ان الأدوار الرسمية تكون في المكاتب الرسمية والشركات والمعامل والنقابات سالبة. ومكونات الأدوار غير الرسمية (دور الأب، الزوج، الزوجة، الأبن، البنت، الأخ أو الأخت) فبقدر ما للتنظيمات الاجتماعية الرسمية من فوائد وإيجابيات على المجتمع بشكل عام فإنها تعود بسلبيات ومساوئ على الفرد بشكل مباشر وعلى المجتمع بشكل غير مباشر. بمعنى أخر بقدر ما تشبع التنظيمات الرسمية من طموحات وتطلعات مادية ومعنوية للفرد فإنها تسلب الفرد انسانيته وعاطفته ووجدانه وعلائقه القيمية فينعزل عن الأفراد الأخرين. إضافةً الى ما تقدم فإن دراسات التنظيمات الرسمية توضح سيطرة فئات اجتماعية خاصة على قيادة هذه التنظيمات وتسيير المجتمعات لصالح هذه الفئات الصغيرة بل افترضت بشكل مجرد إن هذه التنظيمات الرسمية تقدم خدمات لأغراض طموحات الأفراد والمجتمع معاً ولكن واقع الحال هناك فئات اجتماعية معينة كأن تكون من طبقة اقتصادية معينة أو منحدرة من عائلة كبيرة الحجم أو تسكن في منطقة جغرافية معينة أو حاملة ثقافة واحدة ومتصلة بشكل مستمر ودائم مع قيادة التنظيمات الاجتماعية البارزة وذات تأثير واسع على المجتمع بشكل غير مباشر – كما هو موجود عند تنظيمات المجتمع الأمريكي الحالي – إن مثل هذه الدراسات لم تتبلور بشكل واقعي حيّ بل أما ان تكون أفكارها ذات صياغة نظرية مجدرة بعيدة عن الواقع أو أنها تعكس جانباً واحداً من جوانب الحياة الاجتماعية العامة للمجتمع الإنساني. ننتقل بعد ذلك لنناقش المجتمع التعددي حيث تكون واسطة بين الفرد والحكومة وتخدم كلاهما معاً. وهذا افتراض مثالي لأن للتنظيمات الاجتماعية أهدافاً وغايات خاصة بها تعمل على تحقيقها اولاً ومن ثم أهداف الأخرين وقد تكون هذه التنظيمات هادفة خدمة وتحقيق أهداف الأخرين وقد تكون هذه التنظيمات هادفة خدمة وتحقيق أهداف الحكومة من أجل تحقيق أهدافها الخاصة ومضللة أو تهمش أهداف وخدمات الأفراد والفئات الاجتماعية فتكون هذه التنظيمات قريبة من الحكومة وبعيدة عن الأفراد وقد تكون هناك تنظيمات تعبر عن طموحات وتطلعات الأفراد أو القواعد الجماهيرية وتتصارع مع أهداف الحكومة فتكون بعيدة عن مواقع الحكومة. وهذا يعني إن التنظيمات الاجتماعية فعلاً وسيطه بين الحكومة والمجتمع، لكن هناك درجات متفاوتة في الدرجة والقوة والارتباط والأهداف مع الأفراد والحكومة لم تحددها أو توضحها بحوث التنظيمات الرسمية بل اكتفت بالقول بإنها وسيطه إنما ما هو موقعها بالنسبة للحكومة أو الأفراد أو الفئات الاجتماعية فتركه سائبه (سهواً أو تعمداً أو عجزاً). في الواقع ان بحوث التنظيمات الرسمية تميز بين دوافع الفرد في انتمائه للتنظيمات السياسية والصناعية حيث تكون دوافع الفرد للتنظيمات السياسية وطنية أو فكرية أو قومية دون الحصول على مقابل مادي، بينما يكون دوافع انتماء الفرد للتنظيمات الصناعية (شركة، معمل، مصنع) بدافع المادة مع بعض الخسارات المعنوية التي يدفعها للنظام البيروقراطي الذي تمارسه التنظيمات الصناعية الرسمية (وشتان ما بين هذين الدافعين) بل اقتصرت هذه البحوث على تحديد وتوضيح السيطرة والنفوذ التنظيمي والنظام البيروقراطي وأغفلت ايضاً الدوافع الإنسانية عند بعض التنظيمات الخيرية ودوافع انتماء الفرد للتنظيمات في المجتمعات الاشتراكية. كذلك ركزت هذه البحوث على كيف ينظر التنظيم الى أعضائه وكيف تحدد مواقعهم الوظيفية والبنائية أكثر من اهتمامها في كيف ينظر أعضاء التنظيم الى بناء وأهداف وطموحات التنظيم وبهذه الحالة يمكن أن نقول بإنها بحوث أحادية النظرة وليست مكتملة الجوانب. إضافة الى ذلك فإن هذه البحوث لم تهتم بالصراعات الاجتماعية داخل التنظيم الواحد أو بين التنظيمات الاجتماعية المختلفة في مجتمع واحد وهذا يوضح رؤيتها الأحادية في الدراسة والتقصي. زد على ذلك فإنها لم توضح لنا مدى استخدام التنظيمات الرسمية للأساليب البيروقراطية في بداية نشؤها واحداثها وهل أنها استخدمتها منذ البداية وبنفس الدرجة أم تدرجت في ذلك؟ إن مثل هذه الملاحظات لم توضحها لنا بحوث التنظيمات الرسمية بل انطلقت من افتراض ان جميع بشكل دقيق وحريص وذات كفاءة عالية. نزيد من تساؤلاتنا حول هذه البحوث فنقول بإنها لم توضح صورة وأساليب السيطرة والنفوذ في المجتمعات الاشتراكية بشكل مفصل بل اكتفت بتوضيح ذلك في المجتمعات الرأسمالية فقط وهذا تصوير احادي الرؤية ايضاً لأن وجود التنظيمات الرسمية يتأثر بسياسة النظام السائد في المجتمع ودرجة تقدمه حضارياً وثقافياً واجتماعياً وصناعياً وان درجة استلاب الفرد أقل في المجتمعات الاشتراكية من الرأسمالية وخضوعه لنظام واحد وليس لعدة أنظمة متنوعة ومتباينة وهذا بطبيعة الحال يؤثر على سلوك وتفكير وقيم الفرد. واستمرار لهذا الحوار نجد افتراض بحوث التنظيم الرسمي توافق وانسجام التنظيمات الرسمية مع غير الرسمية في المجتمع الإنساني بينما واقع الحال يبرهن على ثلاث حالات هما: أما أن تكون هناك تنظيمات اجتماعية غير رسمية سائدة ومهيمنة على معظم مناشط الحياة الاجتماعية، أو إن هناك تسلط التنظيمات الاجتماعية غير الرسمية على الرسمية تعمل على تميع أهداف واغراض وأساليب التنظيمات الرسمية أو هناك تنظيمات رسمية مهيمنة ومتسلطة على معظم مناشط الحياة الاجتماعية ومن ضمنها مناشط التنظيمات غير الرسمية. ان مثل هذه التصنيفات المتميزة لم تقدمها لنا بحوث التنظيمات الرسمية بل اكتفت بدراسة التنظيمات الرسمية من حيث بنائها ووظيفتها وفكرها بعيداً عن الارتباطات الاجتماعية بالبناء الاجتماعي أو التنظيمات الاجتماعية الأخرى (رسمية وغير رسمية). أما فيما يخص مكونات التنظيم فقد اقتصرت بحوث التنظيم على توضيح العلاقات الرسمية والنفسية وافترضت قيام العلاقات الاجتماعية على التفاعل الاجتماعي ولم توضح حالات قيام التفاعل الاجتماعي على العلاقات الاجتماعية داخل التنظيمات الاجتماعية. إضافة الى ان تحليلها للدوافع الكامنة للعلاقات كان منطلقاً من مواقع الأفراد داحل البناء التنظيمي وليس من خلال الأفراد. فقد كان من الأجدر ان تُسمى مثل هذه العلاقات بعلاقات المواقع الاجتماعية وليس العلاقات الاجتماعية التي تتم بين الأفراد وأغفالها لرغبة الإنسان في إقامة علاقات ودية أو وجدانية مع أخيه الإنسان إنما بحث الموضوع من زاوية مصلحية ذاتية صرفه وابتعدت عن الجوانب الإنسانية والوجدانية. وقد تجلت دراسة (روبرت دوبن) بوضوح عندما درست ارتباطات علاقات مواقع أفراد التنظيم. بينما عكست كل من دراسات (زلزنك وكرستني وريوثلز بركر وجورج هومنز) مساوئ علاقة مواقع العمل داخل المعمل وأثرها على نشاطات وسلوك العمال. أما دراسة (ماكس فيبر) للسلطة المكتبية (البيروقراطية) فقد أوضحها بشكل دقيق ومفصل إلا أنه لم يوضح كيف نشأت وترعرعت فهل ظهرت منذ البداية بهذه الصورة المكتملة الراسخة؟ أم مختلفة عن ذلك؟ حيث انه صاغها بشكل متكامل وناضج ولم يوضح ايضاً مساوئها وشرورها وانعكاساتها السلبية على أعضائها أو المتعاملين معها. إضافة الى ذلك فإنه أوضح نظام سلطة المكتب في المجتمع الرأسمالي ولم يوضح هذا النظام في مجتمعات أخرى. وفضلاً عما تقدم فإن دراسة (امتاي اتزيوني) قد أبرزت تكامل حاجات التنظيم لحاجات أعضائه لكنها لم توضح حالات تضاربها أو اعتلالها وتبعيات ذلك عليها. إنما أعطت مصطلحين جديدين الى دراسات التنظيم وهما (التنظيمات المختلفة) أو المبتدعة (التي أحدثها الإنسان لإشباع حاجاته الاجتماعية المتنوعة والمتباينة) و (التنظيمات الطبيعية) كالعائلة إنما كان تصنيفه لأنواع السلطة التنظيمية دقيقاً ومعبراً بشكل سليم. وانصبت دراسة (فكتور توماس) على السلطة الكارزماتيكيه في مفهوم التدرج السلطوي وأهمل باقي أنواع السلطات وأوضح مفهوم حكم الأقلية ولم يوضح حكم الأغلبية داخل التنظيم ولم يوضح ايضاً هذين المفهومين (السلطة الكارزماتيكية وحكم الأقلية) داخل التنظيمات الاجتماعية في مجتمعات مختلفة في أنظمتها السياسية والاجتماعية بل افترضهما مجرد مفهومات سائدان في جميع هياكل التنظيمات الاجتماعية إنما كان تميزها بين أصحاب السلطة الفعلية والمتخصصين وأصحاب الخبرة الفنية وتصارعهم سلمياً وواضحاً. ولقد كان تصنيف (آرثر ستنجكومي) لأنواع التنظيمات الرسمية منطلقاً من المجتمع الأمريكي مستخدماً طبيعة عمل ووظيفة التنظيم اساساً للتصنيف وليس نوع السلطة أو النفوذ الذي تمارسه التنظيمات. بينما أنصب تصنيف (أرفنك كوفمان) على التنظيمات الإصلاحية فقط ولم يغطِ التنظيمات البيروقراطية أو العسكرية أو العمالية إنما قدم صورة مكتملة وواضحة لطبيعة وهيكل ووظيفة التنظيمات الاجتماعية الإصلاحية ومقارنته بين هذه التنظيمات الإصلاحية والتنظيمات غير الرسمية التي جاءت دقيقة وحكيمة لم يقم بها من قبله كلٍ من (آرثر ستجومبين وأمتاي اتزيوني ووليم فوت وايت) وهذه مقارنة مهمة وذكية لأنها أوضحت سلبيات وإيجابيات التنظيمات الرسمية وغير الرسمية. أخيراً برزت كتابات (آلفن كولدنر وماركس ولينين وتروتسكي) حول مساوئ وأخطاء وشرور سلطة المكتب واضحة ورصينة لأنها كانت منطلقة في عرضها من مجتمعات رأسمالية وغير رسمية وهذا لم يقم به (ماكس فيبر). وزبدة الحوار ان ما قَدَمَتهُ دراسات التنظيم الاجتماعي تبين الوضع الاجتماعي لأعضاء ونوع التنظيم ولم تربط نوع التنظيم وأهدافه وفكره بالبناء الاجتماعي العام للمجتمع أو بنوع النظام السياسي والاجتماعي السائد في المجتمع. إضافةً الى ذلك فإن هذه الدراسات ركزت جلَّ اهتمامها على تكامل مكونات بناء التنظيم الرسمي ولم توضح بشكل متكامل الصراعات الاجتماعية التي تحصل داخل التنظيم أو بين التنظيمات الاجتماعية نفسها أو بين التنظيمات الاجتماعية والنظام السياسي القائم في المجتمع. لأن مثل هذه الحالات توضح سبب وجود التنظيم داخل المجتمع ومعطياته الإيجابية لأعضاء ولأفراد المجتمع معاً ولم توضح ايضاً متى يزول التنظيم من المجتمع. فهل يزول بزوال أهدافه وفكره؟ أم بزوال أعضائه؟ وما هي تطورات التنظيمات الاجتماعية؟ وما هي حالات تدهور التنظيم ولم يتميز بين التنظيمات الهادفة للصالح العام والصالح الخاص. أي أيًّ من التنظيمات تقدم خدمات وتشبع حاجات مادية ومعنوية للتنظيم نفسه وأيهما لأعضائه وأيهما لكافة أفراد المجتمع؟ إنما افترضت تكامل حاجات التنظيم وأعضائه والمجتمع معاً وهذا غير معقول لأن لكل فئة اجتماعية حاجات وأهداف وأفكار وقيم تختلف عن الأخرى وفي بعض الحالات متضاربة معها. لكن عموماً فإن دراسات التنظيم قدمت خدمة أولية وأساسية للنظرية الاجتماعية من حيث وصفها لطبيعة التنظيمات الرسمية وهيكلها المختلفة أو المبتدعة من قبل الأفراد وأهدافها وفكرها لكنها بحاجة الى دراسات إضافية في مجتمعات غير رسمية والى دراسة التنظيمات الاجتماعية الرسمية ودرجة انفصالها أو بعدها عن مناشط ووظائف التنظيمات غير الرسمية خاصةً في مجتمعات العالم الثالث النامية لأنها تختلف عن المجتمعات التقليدية والحديثة ولأنها تمثل ايضاُ حال مزدوجة بين التنظيمات الرسمية وغير الرسمية.

د – المؤسسات الاجتماعية Social Institution: لم تكن المؤسسة الاجتماعية وليدة الساعة أو نتيجة قرار فوري لأشخاص متموقعين في قمة الهرم الاجتماعي بل هي حلقة تاريخية تربط مراحل تطور الهيئات الاجتماعية تعكس التراث التنظيمي لأعضاء المجتمع ودرجة تفاعلهم مع المصالح والمواقف والاتجاهات السياسية والاقتصادية والدينية والثقافية بل أني أعدّها المؤشر الزمني لمراحل تطور التنظيمات الاجتماعية في عمق تاريخ المجتمع وأعتبرها ايضاً مروازاً (بارومتر) للتغيرات الاجتماعية التي حصلت داخل المجتمع. إن نشأة المؤسسة – حسب نظرة ماكيفر – بدأت كوسيلة لتحقيق الأفراد أدركوا أم بينهم مصالح متشابهة أو مكملة أو مشتركة تستمر لمدة كافية وتتمايز بدرجة معقولة بحيث تكون قادرة على تحقيق تقدم فعال الى حد كبير من خلال العمل الجمعي يفرض خلافاتهم خارج مجال تلك المصلحة ليست قوية لدرجة تحول دون إتمام الموافقة الجزئية المتضمنة في تكوينها. [ماكيفر. 1971. ص. 789] بمعنى أخر أن مصالح الأفراد تلتقي داخل جماعة اجتماعية صغيرة ثم تتطور على مرّ الزمن وتعقّد الحياة الاجتماعية واستجابة الأجيال لظروف الحياة المتزايدة في التعقيد والتركيب الأمر الذي يستحيل عليهم مواجهة صعاب الحياة دون تطور ومسايرة الأوضاع المتشعبة والمترابطة والمتخصصة. فإذا كان لهذه الجماعة الليونة والمرونة والأهلية في مواجهتها فإنها سوف تطور بنيتها وأهدافها وسبل تحقيقها لتصبح تنظيماً رسمياً وهذا بدوره لا يبقى كما هو بل انه سيواجه حالات تطورية من نوع أخر وطموحات واسعة وتحديات كثيرة ومشكلات عويصة فإما أن ينحل أو يتسبت (من السبات) أو يساير تطورات الأمور ويتكيف مع مستجدات وتحديات الحياة الاجتماعية فيصل الى مرحلة المؤسسة وهذا يؤكد قولي في بداية الحديث عن المؤسسة بإنها المؤشر الزمني للتنظيمات في عمق التاريخ الاجتماعي فضلاً عن كونها المرواز الذي نشاهد منه التغيرات الاجتماعية القائمة في المجتمع. أقول إن مأسسة الأعضاء لا تكون عفوية أو عبثية بل تأخذ مساراً تمأسسياً منضبطاً وملتزماً ومتعايشاً مع الاحداث القائمة والاتعاظ من عبّر ماضي المؤسسة وتجربتها والنظرة المستقبلية لها. وهنا أقول ان المؤسس قد عاش وتعايش مع حياة مؤسسته ولكي يتحول الى أحد أعضائها فيصبح مؤسس لمرحلة تطورية لاحقة على مؤسسته. وفي هذا الصدد استعين بقول (جورج ليندبرك) عالم اجتمع امريكي حديث الذي قال “إن المؤسسات الاجتماعية هي أنماط سلوكية تمتد من جيل لآخر وتنشأ هذه الأنماط من خلال تكرار تجمعات الأشخاص الذين يتفاعلون بعضهم مع البعض عند استجابتهم لظروف الحياة المعقدة والتي يحددوا مواقعهم منها. والمؤسسة على ذلك تقدم للأعضاء الطرق الموحدة الكفيلة بمقابلة المطالب المتكررة والمتجددة. [غيث. 1987. ص. 224] لذا فإن وجود المؤسسة في النسق الاجتماعي يأخذ الموقع الفوقي (بموازاة الايدولوجيا) وليس التحتي وإن قراراتها وسياستها لا تتأثر بالمصالح الفردية لشاغلي مواقعها بل بمصلحتها كمؤسسة لها ماضي وتراث وسمعة معروفة في المجتمع، فهي إذن تخدم مصلحتها لا مصلحة شاغلي مواقعها. هذه النتيجة لم تظهر اعتباطاً بل حصيلة الوعي الجماعي والتصورات الجماعية والانتماءات الجماعية لأعضائها التي نمتها ورعرعتها عندهم منذ بداية انتمائهم لها. أي ان مأسستهم لكي يصبحوا متمأسسين. أما كيف وصلت المؤسسة الى تمأسس أعضائها؟ فإنه يكون بالعملية التالية: –

1 – استقطبت الأفراد الذين لهم اهتمام متشابه يخدم اختصاصها فيلتقي الاهتمام بينهما ثم تنميه عندهم.

2 – تحويل اهتمام الأفراد الذين انتموا اليها نحو اهتمام شامل بعد ان كان فردياً لكي يكّون إحساس الأفراد بالكل الى حد ما. أي كل فرد يشارك في الاهتمام المشترك الذي تتخذه المؤسسة هدفاً لها. وهذه هي الخطوة الأولى للتكافل الاجتماعية والاشتراك بالشراء والضراء والعزة والحزن.

3 – إبعاد الذاتية والأنانية لكيلا تتقاطع مع الاهتمام المشترك بينهما.

4 – ربط أعضائها بمناشطها وفعالياتها واستخدام شعاراتها ورمزها واعلامها والاشتراك في معارضها ومواكبها وطقوسها واجتماعاتها وحشودها إذ ان لكل مؤسسة رموزها الخاصة بها تضعها نصب أعين أعضائها ولها شعارات والقاب ورموز ورايات (اعلام) ومهرجانات واستعراضات ومواكب وطقوس التدشين والاجتماعات الحاشدة.

ذ – آليات الضبط الرسمية: التي تعني مجموعة وسائل ضبطية مكتوبة تُستخدم في المؤسسات والتنظيمات الرسمية لإلزام أعضائها على الامتثال لقواعدها وأهدافها وقوانينها المعلنة والظاهرة مثل: –

1 – التنظيمات العقابية (المقيدة أو الحاجزة): تُستخدم هذه الالية عندما تفشل آليات المجتمع المعنوية – العرفية في ضبط سلوكيات الأشخاص التي انحرفت عن قواعدها ومعاييرها مثل السجن أو مستشفى الامراض العقلية والعصبية والمعتقل. أو عندما تُستنفذ الآليات الأخرى كافة فاعلياتها ومفعولها. إذن حجز المنحرف أو اقامته كنزيل في مستشفى الامراض العقلية أو العصبية ما هو سوى اعتراف صريح بعجز آليات النظام الاجتماعي الأخرى بتقويم المنحرف وارشاده نحو المعايير والقواعد السليمة والسوية. فهي إذن تُعّد المحطة الأخيرة في علاج الانحراف وبالان ذاته تعتبر أقسى أنواع الجزاءات الرسمية السلبية. في الواقع إن هذه الالية هي عقابية أكثر من كونها ضبطية وتقويمية أكثر من كونها تأنيسيه حيث تعيد تنشئة المنحرف (في بعض الأحيان) لكي يكون فرداً مؤنساً صالحاً ونافعاً لمجتمعه. لذا تُعد هذه الآلية عاملاً في تقليل معدل الانحراف مستقبلاً وتُعد كذلك آلية وقائية لحماية الأخرين من خطورة المنحرفين وإيذائهم لهم.

2 – الالزام القسري: انه مثل العقوبات الجسدية التي تمارسها التنظيمات العقابية التي عادةً ما تعتمد على هذه الآلية عندما تفشل آليات الضبط النظيمة وتُمارس لفترة قصيرة من الزمن لكن إذا طال استخدامها أو بُولِغَ في الاعتماد عليها فإنها سوف تواجه مقاومة مضادة مشابهة لها بالقوة والعنف. إن سياق الحديث عن وسائل الضبط الرسمية لا يأخذ الجانب العقابي أو السلبي فقط بل يشمل أساليب متنوعة تضم المكافئات والعقوبات مثل الجوائز والأنواط والمنح الدراسية والمالية ومحفزات العمل والعشاء التكريمي (أي حفلة عشاء على شرف أحد المتفوقين أو المتميزين) والترقيات المهنية جميع ذلك يمثل الجزاءات الرسمية الإيجابية، بينما تمثل الغرامات المالية والحجز العقابي في السجن أو الإقامة الجبرية الملزمة في مكان معين أو إنزال رتبة عسكرية أو اكاديمية أو إدارية من الجزاءات الرسمية السلبية. ومن نافلة القول ان الجزاءات سواء كانت سلبية أو إيجابية فإنها تُستخدم من أجل المحافظة على النظام لخدمة البناء الاجتماعي. ففي المجتمعات غير المستقرة سياسياً والنظم الدكتاتورية ونظام الحزب الواحد (الشمولية) يكون فيها الجيش والشرطة والسجن أقوى آليات الضبط الرسمية. إذ تمارس الجزاءات الرسمية السلبية بشكل متطرف وعنيف وذلك خوفاً على معوقات المتسلط ورغبةً منها في البقاء على قمة هرم السلطة الى الأبد. بينما في المجتمعات المتطورة والمتقدمة وذات التنوع السياسي فإنها تستعمل الجزاءات الرسمية السلبية فقط عندما تفشل الجزاءات العرفية والرسمية الإيجابية وحتى عند استخدامها لها فإنه يكون بشكل إصلاحي وليس بشكل قمعي أو تصفوي. [Turner. 1981. Pp. 158 – 164]

3 – الأجهزة التصويرية والتسجيلية: تستخدم المجتمعات الصناعية والمتقدمة تكنولوجيا آلات تصويرية تلفزيونية لتصوير المخالفين والخارجين عن قوانين الانساق الاقتصادية والسياسية والتجارية والصناعية. فقد وضعت الشركات والمعامل والمصانع والبنوك وبيوت المال والفنادق الكبيرة والشهيرة ومحطات القطارات الدولية والمطارات والمستشفيات والأسواق التجارية عدسات تصوير تلفزيونية (وفيديو) في مداخل بناياتها لتصوير الداخلين اليها والخارجين منها لرصد كافة تحركاتهم داخل ممراتها ودهاليزها ومكاتبها الرئيسية نظراً لأهميتها ولما تحتوي عليه من أموال أو وثائق أو نفائس أو أشخاص مهمين في مجال عملهم. هذه الأجهزة وضعت لغرض مراقبة المجرمين واللصوص والخارجين عن القانون فهي إذن وسائل مساعدة لضبط القانون في المجتمعات الصناعية والمتقدمة تكنولوجياً لأن الأجهزة البشرية (الأمنية) لا تكفي لمراقبة تطبيق القانون في كافة الأماكن والمناسبات. فضلاً عن ذلك فإن هناك أجهزة رادار توضع على الطرق الخارجية بين المدن لمراقبة المخالفين لقوانين السير من قِبل سائقي العربات والشاحنات تساعد الشرطة على تطبيق قانون السير وضبط المخالفين له. وهناك أيضاً أجهزة مختبرية لمعرفة سائقي العربات المخمورين. وهناك كذلك أجهزة اختبارية يستخدمها رجال المصارف والبنوك للكشف عن الأوراق المالية المزيفة. ويستخدم رجال الجمارك والأمن أجهزة كاشفة تساعدهم على البحث عن المخدرات والأسلحة التي يقوم بتهريبها الخارجين عن القانون في المطارات الدولية والإقليمية وغيرها من المخترعات التكنولوجية الحديثة مثل بنك المعلومات عن العصابات الإجرامية المنظمة والمجرمين الخطرين تجمع المعلومات عنهم وتخزن على شكل أفلام وصور ووثائق. مثل هذه الابتكارات الفنية والعلمية اُستخدمت كوسائل حديثة لضبط سلوك الناس وكآلية مساعدة في تطبيق القوانين في الانساق التجارية والصناعية والسياسية والاجتماعية التي لم تكن معروفة أو مستخدمة قبل نصف قرن.

ر – آليات ضبطية مشتركة: أي التي تُستخدم في المجتمعات التقليدية والريفية والحديثة والصناعية على السواء وقد تأخذ الجانب الرسمي والعرفي لكي تُلزم الأشخاص بالامتثال الى المعايير والقيم الاجتماعية السائدة في المجتمع أو تُخضع الأشخاص بالالتزام بفقرات القانون المرعي في البلد منها ما يلي: –

1 – السخرية: هي آلية رمزية تُستخدم الالفاظ وحركات الوجه أو اقسامه للتعبير عن الاستهزاء أو الاستهجان أو السخرية من السلوكيات غير المألوفة أو الخارجة عن معايير النظام الاجتماعي وعادةً تأخذ صورة التعبير العلني أمام الناس لذلك تكون فعّالة في ضبطها وإن خضوع الناس لها يتوقف على انفتاح مجتمعهم ومستوى ثقافتهم وفكرهم. فكلما كان مجتمعهم مفتوحاً ومستوى افراده عالياً في ثقافته فإن آلية السخرية تكون ضعيفة والعكس صحيح أي إذا كان المجتمع تقليدياً – ريفياً ومستوى ثقافة افراده سطحية أو أولية فإن فاعلية هذه الآلة تكون قوية وناشطة في تقويم وضبط سلوك كلٍ من يخرج عن كل ما هو مألوف أو عن قواعد ومعايير النظام الاجتماعي.

2 – إطلاق الشائعات: أنها الثرثرة التي لا حدود لها وتأخذ صورة الغيبة والإساءة والتجريح والمبالغة في سلوك الإنسان لذلك يخشى الأفراد من أطلاق الشائعات عليهم. ويزداد هذا الخوف كلما ارتفعت مكانة الفرد الاجتماعية ويقل كلما كانت منزلة الفرد الاجتماعية واطئة وتنتشر الشائعات بين الأميين أكثر من المثقفين وبين النساء أكثر من الرجال وفي الأزمات أكثر من الأزمة الطبيعية وفي الحروب أكثر من حالة السلام وفي المجتمعات التقليدية أكثر من لمتحضرة والمتمدنة.

3 – الفضيحة: يقول (أحمد أبو زيد) عن هذه الآلية الضبطية بإنها وسيلة فعّالة للعقوبة على الأفعال التي لا يعرض لها المجتمع جزاءً ملائماً تماماً والتي لا يمكن فيها – في الوقت ذاته – ما فسد إذ ان الفضيحة تختلف عن الثرثرة والغيبة وأطلاق الشائعات في إن غرضها الأول ليس تغير طريقة السلوك وإنما عزل الشخص تماماً وإيلامه وإيذائه أو حتى محاولة إبعاده عن المجتمع. بحيث يكون في ذلك عبرة لغيره. أي انها تضع الحدود التي لا يمكن الخروج عنها بينما الثرثرة والغيبة والشائعات والسخرية تعتبر كلها عوامل مقررة لأنماط السلوك داخل الحدود. [أبو زيد. 1966. ص. ص. 439 – 441]

ز – مقارنة التنظيمات الرسمية بغير الرسمية: بعد أن وصفنا التنظيمات الاجتماعية في نماذج اجتماعية متباينة، نرى من الضروري توضيح طبيعة التنظيمات الرسمية التي تختلف عن غير الرسمية من خلال عقد مقارنة بينهما للوقوف على نقاط الشبه والاختلاف بينهما علاوةً على ذلك سوف تبين لنا هذه المقارنة أبعاد تحول مسيرة التنظيمات الاجتماعية.

1 – من الصفات الرئيسية للتنظيمات الاجتماعية الكبيرة إنها رسمية أي انها تختلف عن الجماعات الصغيرة ذات العلاقات الحميمية أو القرابية (غير الرسمية) والفرق بينهما يبدأ من مفهوم العضوية حيث تكون عضوية التنظيمات الرسمية اختيارية ينتمي الفرد اليها حسب رغبته الخاصة ولا توجد هناك قوة خارجية تجبره على الانتماء للتنظيم الرسمي. بينما لا نجد ذلك في التنظيمات غير الرسمية فالفرد لا خيار له في انتمائه الى عشيرة معينة مثلاً بينما يكون انتماء العامل الى النقابة العمالية طواعية ويكون انتماؤه لها مدفوعاً بالحصول على مكاسب عمالية أكثر ولأجل تحسين وضعه الاجتماعي والاقتصادي.

2 – تستلزم عضوية الفرد في التنظيم الرسمي توفر شروط خاصة يضعها التنظيم نفسه كالجنس والعمر والعنصر والمهنة والدين والثقافة والمصالح وما شابه، بينما لا نجد هذا الالتزام المقيد في التنظيمات غير الرسمية.

3 – تخصص التنظيمات الرسمية بعض المهام والواجبات للقيام بها من قبل الفرد حال استلامه العضوية كاشتراكه في الاجتماعات أو التصويت أو الاشتراك في المناقشات أو اشغال منصب معين، بينما لا نجد مثل هذه المهام والواجبات في التنظيمات غير الرسمية كالعائلة أو الزمر الصداقية.

4 – يتضمن بناء التنظيم الرسمي تدرجاً هرمياً يوزع عليه افراده وجماعاته أو تربط بينهم قنوات اتصال رسمية، فالعامل ينتمي الى نقابة فرعية في منطقة سكنية معينة وتكون هذه النقابة مرتبطة بالنقابة المركزية في المدينة مثلاً وتكون هذه النقابة المركزية متصلة بالاتحاد العام لنقابات القطر. بينما لا نجد مثل هذا النموذج الهرمي عند الجماعات الصغيرة.

5 – تكون الاتصالات داخل التنظيمات الرسمية من خلال قنوات رسمية. أي عن طريق المراسلات الرسمية والاتصالات السلكية واللاسلكية والمكاتبات الخطية من أجل ربط وحدات التنظيم الفرعية بالوحدة المركزية. لذلك يكون اتصال وتفاعل أعضاء التنظيم الرسمي بشكل غير مباشر بينما تكون اتصالات وتفاعلات أفارد التنظيمات غير الرسمية وجهاً لوجه وبشكل مباشر.

6 – تتصف التنظيمات بإنها متخصصة بعمل معين تقوم به، بينما لا توجد هذه الصفة عند العائلة أو الزمر الصداقية.

7 – تتصف التنظيمات الرسمية بتقسيم عمل مركب ومعقد، بينما تتصف الجماعات الصغيرة والتنظيمات غير الرسمية بتقسيم عمل بسيط.

8 – لما كان هناك تقسيم عمل وتخصص في الوظائف فمن الضروري أن يكون هناك تساند وتكافل بين وحدات بناء التنظيم وبين الأقسام المتخصصة من أجل تحقيق أهداف التنظيم الرسمية ومن أجل اتقان وظائفها، بينما لا نجد هذه الصفة في التنظيمات غير الرسمية.

9 – يتصف التنظيم الرسمي بصفة الاستبدال، أي الفرد الذي يشغل مركزاً معيناً داخل التنظيم الرسمي يكون استبداله بعضو أخر، بينما لا يستطيع استبدال العضو في التنظيمات غير الرسمية فلا يستطيع استبدال الاب بشخص أخر داخل الأسرة مثلاً.

10 – إعطاء أجور أو رواتب لأعضاء التنظيم الرسمي، بينما لا تعطى أجور للأم أو للأب في الأسرة أو لأصدقاء المحلة.

11 – استخدام الاجراءات البيروقراطية داخل التنظيم الرسمي، بينما لا توجد هذه الصفة داخل الجماعة الصغيرة أو الأسرة.

12 – للتنظيمات الرسمية أسماء وشعارات خاصة بها تميزها عن باقي التنظيمات الرسمية أسماء وشعارات خاصة بها تميزها عن باقي التنظيمات الرسمية وغير الرسمية تعكس وظيفة التنظيم غالباً ما يكون كالختم أو العلم أو الشعار أو العلامة الفارقة، بينما لا نجد ذلك في التنظيمات غير الرسمية سوى الاسم الأخير أو اللقب العائلي. [العمر. 1982. ص. ص. 288 – 290]

خصائص الجماعات والتنظيمات

أنواع الجماعات الاجتماعية                     الخصائص
الجماعة الأوليةصغيرة، ذات تخصصات قليلة، يتفاعل افرادها وجهاً لوجه وعلاقاتهم مبنية على الصلاة القرابية او المشاعر والاحاسيس، تدوم لفترة طويلة من الوقت.
الجماعة الثانويةكبيرة الحجم، ذات تخصصات عديدة، علاقات افرادها مبنية على المجهولية أي غرباء وذات علاقات مصلحية لا تدوم طويلاً ولها اتجاه محدد لإنجازه.
مجموعتنامعبرة عن النحن، يرتبط افرادها ارتباطاً قوياً لدرجة تطبعهم بطابعها ويحملوا هويتها.
جماعة مرجعيةجماعة مؤثرة بقوة سلوك ومواقف اجتماعية بغض النظر إذا كانت واقعية أو خيالية.
حجم العائلة

متألفة من فردين فقط.

متألفة من ثلاث أفراد فقط.

التنظيم الرسمي: يتكون من الجماعة الثانوية ذا بناء كبير متخصص بإنجاز هدف محدد.

من غير مجموعتنامعبرة عن تمييزهم وتعصبهم واستعلائهم على الأخرين، ذات قدرة تنافسية وعدوانية.

أنواع التنظيمات

التنظيم المعياريتطوعي يتابع المصالح العامة أو الحصول على إرضاء شخص.
التنظيم القسريإلزامي مثل الشجون ومعسكرات الاعتقال.
التنظيم النفعيتطوعي يقدم خدمات مادية كمكافئة لمن يبحث عنها.

أُخذ هذان الجدولان من كتاب [Sociology in our time. Diana Kendall. 2007. P. 158]

خصائص الأنظمة البيروقراطية

الخصائصتبعيات إيجابيةتبعيات سلبية على الفردتبعيات سلبية على التنظيم
نظام تقسيم عملتنتج كفاءة وجدارة في المؤسسات العملاقة.تفرز وتقدم تدريبات عدم القدرة والعاجزين عن العطاء.تطرح انطباعات محدودة.
تسلسل هرمي للسلطةتوضح من هو صاحب الأمر والقرار.تحرم الموظفين من التصويت في عملية اتخاذ القرارات.تسمح بإخفاء الأخطاء وعدم التصريح بها.
لوائح قانونية مكتوبة.تجعل العمال معرفة ما هو متوقع منهم.تخنق المبادرات والتصورات.تقود الى إزاحة الهدف.
تسودها صفة المجهولية في علاقات افرادها.تختزل التحييز وتقلصه.تساهم في بلورة الشعور بالاستلاب وعدم الحياز على المُلكية.تثبط ولا تشجع على الولاء للتنظيم.
يعتمد التوظيف فيها على أساس المؤهلات والكفاءات التقنية والمهنية.تثبط ولا تشجع على المحسوبية وتقلل من المنافسات التافه. تسمح بالنقد المعلن والمفتوح.

أُخذ هذا الجدول من [Schaefer. 2003. P. 142]

الفصل الثالث

تنظيمات مهلكة للمجتمع

 

 

استهلال

أ – لماذا تتشكل تنظيمات إجرامية معادية للمجتمع؟

ب – التشابهات والاختلافات بين التنظيمات الرسمية والمهلكة

ت – ابراز المنظمات الإجرامية في العالم

ث – صفات الجريمة المنظمة

ج – طبيعتها وعضويتها وعلاقتها بالدوائر الحكومية

ح – تنظيمها الداخلي

خ – مراحل تطور الجريمة المنظمة في العصر الحالي

د – منابع جمع المعلومات والبيانات عن الجريمة المنظمة

ذ – محكات الجريمة المنظمة

ر – مدونات الجريمة المنظمة ووظائفها

ز – مستلزمات الجريمة المنظمة

س – تباين علماء الإجرام نحو الجريمة المنظمة

ش – المؤسسات الإجرامية للجريمة المنظمة

ص – خصائص الجريمة المنظمة

ض – اغتصاب الجماعة الأولية للتنظيم الرسمي الكبير

استهلال

1 – اغتصاب العائلة للمؤسسات العسكرية والأمنية

2 – اغتصاب العائلة للتنظيمات الاقتصادية والمالية

تعقيب وتعليق

3 – اغتصاب العائلة للتنظيمات الحكومية

4 – لماذا تغتصب العائلة للتنظيم الرسمي وليس العكس؟

ط – عصر تسلط المنظمات الإجرامية على المجتمع.

الفصل الثالث

تنظيمات مهلكة للمجتمع

استهلال

ينطوي هذا العنوان على تناقض صفتين في وقت واحد وهما التنظيم الذي عادةً لا يبعث على الفساد ومعاداة المجتمع واختراق قوانينه الضبطية بل ينسق مناشط الناس ويحقق احتياجاتهم الإيجابية. أما الهلاك فإنه يعني الفساد والدمار والخراب والتدهور. على نقيض التنظيمات العرفية – غير الرسمية – علماً بإن التنظيمات الإجرامية من النوع الرسمي لأنها تتضمن العضوية مع وجود قواعد عمل ومدونات تحتوي على قوانين ولوائح معتمدة ومستخدمة من قبل أعضاء التنظيم ولها بناء متدرج في مواقعه المتسلسلة. مع ذلك فهي تنظيمات معادية للمجتمع لا تخدم حركته التطورية بل تعرقلها وتفسد معاييرها الضبطية. إنها تنظيمات اجتماعية تمارس وظيفة إفساد الأنظمة الرسمية والضوابط العرفية فتدمر المنظومة الأخلاقية وتدهور مستوى عيش الناس لخدمة أهدافها الخاصة في الثراء غير المشروع واكتساب النفوذ والتسلط والتحكم بالمشاريع المتلفة للنمو والتقدم. تميط الجريمة المنظمة اللثام على خضوع لمعادلة (العرض والطلب) عند الزبائن Customer أو العملاء Clients من أصحاب الاحتياجات والطلبات التي يبحثوا عنها مثل انهيار المعسكر الاشتراكي والأنظمة الشمولية عندها تتجه التنظيمات الإجرامية الى هذه الاحداث لاقتناص المتضررين من هذه منهم. وتنشط ايضاً عندما يزداد عدد الطالبين من الزبائن أو العملاء المحتاجين لخدماتهم مثل المخدرات والمسكرات والأسلحة والعقارات والشاحنات. وهنا يمكننا القول بإن التنظيمات الإجرامية تتحرك حسب ضغوط مؤثرين هما استغلال وقوع الاحداث السياسية والاقتصادية لتبتز المتضررين منها وتارةً يكونوا الزبائن أو العملاء باحثين عن التنظيمات الإجرامية لتحقيق احتياجاتهم مثل التهريب البشري أو بيع الأعضاء الجسدية أو تهريب الأسلحة أو المخدرات فتحولهم الى ضحايا. لكن السؤال الذي ينجلي أمامنا هو:

أ – لماذا تتشكل تنظيمات إجرامية معادية للمجتمع؟ هل الدافع ينحصر بالأثراء السريع غير المشروع؟ أو بسبب عدم وجود مؤهلات ومهارات مهنية عند أعضاء التنظيم يجعلهم ينخرطوا في أنشطة إجرامية؟ أم أن لديهم مواقف معادية للمجتمع ويريدوا الانتقام منه؟ أم أن الحياة الحضرية وطغيان الحياة المادية على نشاطاتها تجعل العاطلين عن العمل أو من غير المهنيين الولوج الى عالم الجريمة؟ أو لديهم سوابق سلوكية معادية للمجتمع وحصلوا على جزاء عليها مما دفعهم للانتماء الى تنظيمات إجرامية؟ للإجابة على هذه التساؤلات نحدد أسباب انخراط الأفراد في تنظيمات يعرفوا انها مهلكة ويحصلوا على عقاب من قبل السلطة لكن المغريات المادية تتغلب على تفكيرهم وسلوكهم في ظل ظروف مشجعة على الاندفاع نحو معاداة مجتمعهم وهي: –

1 – عدم وجود قوانين أو غياب الإجراءات التشريعية التي تضمن فرض القيود على ممارسة كافة الأنشطة التي لا تصل اليها أجهزة الرقابة.

2 – انهيار معايير القيم والضوابط الاجتماعية والتربوية في المجتمع مما يؤدي الى انحراف أفراده وتفشي الجرائم وارتفاع معدلاتها.

3 – اتساع الهوة بين الطبقات وممارسة التمييز على أسس حزبية، إقليمية، عرقية، طائفية.

4 – البطالة.

5 – التفكك الأسري.

6 – الفساد الإداري في مؤسسات الدولة مثل الرشوة والابتزاز لقضاء الاعمال.

7 – الأقليات غير المنتمية للمجتمعات والتي تلجأ الى المساعدات الخارجية والتي غالباً ما يكون مصدرها الجماعات والإجرامية المنظمة كمنفذ تدخل من خلاله للمجتمع لممارسة نشاطاتها.

8 – الحروب الأهلية والإقليمية.

9 – وجود ميليشيات حزبية وطائفية مسلحة.

10 – تأثير وسائل الاعلام المرئية (تلفاز وسينما) من خلال عرضها لأفلام العنف والجريمة والجنوح والعصابات الإجرامية.

11 – ارتباط المؤسسات الحكومية بالجماعات الإجرامية أمثال كوسوفو حيث رئيس وزرائها (هاشم نانشي) وحلفاؤه السياسيين لديهم نفوذ كبير في تجارة الهروين وأنواع أخرى من المخدرات ويحتلون أهم المناصب في الهياكل التنظيمية للمنظمات الإجرامية التي تشبه المافيا في كوسوفو. وفي بلغاريا حيث تمارس المنظمات الإجرامية نفوذاً مفسداً على جميع المؤسسات البلغارية بما فيها الحكومة والبرلمان والقضاء في محاولة للحفاظ على نفوذهم بغض النظر عن المسؤولين في السلطة يقدم كبار رجال المنظمات الإجرامية تبرعات الى جميع الأحزاب السياسية الكبرى ومع توسع هؤلاء الأشخاص في المشروعات القانونية يحاولون شق طريقهم الى مسارات السلطة محققين في ذلك قدراً من النجاح في أفغانستان حيث هناك أخو الرئيس (حميد كرزاي) غير الشقيق (أحمد والي كرزاي) مشترك بشبكة الاتجار بالمخدرات وقياداتها. وفي غينيا هناك (عثمان كونتي) ابن الرئيس الراحل (لانسانا كونتي) عام 2010 من أكبر تجار المخدرات. وفي إسرائيل هناك عصابات (ليفي وحاجي زاجوري) الذين تنشط أعمالهم في مجالات المقامرات وغسل الأموال ثم عصابة (مخال مور) التي تمارس أنشطتها الإجرامية في جنوب افريقيا وتل أبيب ثم عصابة (نسيم البازون) وعصابة (الأخوين موسلي) في تل أبيب تعمل في تجارة السلاح وغسل الأموال ومنظمة (الجار وشي) التي تعيش على الاتجار بالمخدرات وعائلة (زئيف روز نشتاين واسي أبو طبول واينسين ابرجيل) تجار المخدرات والسلاح والدعارة والمقامرة وغسل الأموال. [raya.fm] أما المافيا في إيطاليا فإن (كوزا نوسترا، ساليمو مينيو) في جزيرة صقلية تجارتهم بالهروين التي تمثل العمود الفقري لنشاط (كوزا نوسترا) في الوقت الراهن بسبب الأرباح الطائلة التي تحققها هذه التجارة وقد نجحت في تغلغلها في الحياة السياسية في الولايات المتحدة وإيطاليا. اما أعداد افراداها فيقدر بحوالي (25) ألف شخص، بينما عدد الأفراد المرتبطين بها حول العالم يصل الى ربع مليون شخص. ففي إيطاليا تُسير المافيا بلديات ومدناً وأقامت مشاريع عقارية ووفرت السكن لعشرات الالاف من الأسر وفي الوقت ذاته كانت تسحق كل من يقف في طريقها من رجال السياسة والقضاء والشرطة. كذلك استطاعت ان تمارس الجريمة التجارية والمعرفية في الاستثمار المقنع على نطاق واسع النشاط واشتهرت خاصة عائلة (كازا نويسترا) بهذا الصنف من النشاط الذي سخرته في تنفيذ مشاريعها الإجرامية واستطاعت إقامة امبراطوريات اقتصادية في الولايات المتحدة وأوروبا. وفي أمريكا اللاتينية تسيطر مافيا المخدرات على احياء كاملة من المدن البرازيلية تعرف بـ (الفافيلاس) وتسخر سكانها في خدمة نشاطاتها مثل بيع المخدرات والدعارة واشتهر أطفال تلك الأحياء بتنفيذ جرائم قتل مروعة في حق رجال أمن وقضاة بتحريض من عصابات الجريمة التي ظلت لسنوات تستغل خلو القانون الجنائي من أي عقوبة للأطفال في حالة ارتكابهم جرائم قتل. وإزاء ذلك أصبحت الجريمة تقترف بشكل أكثر احترافية عن ذي قبل ولم تعد أمان لشخص بمفرده وإنما تهدد استقرار دول حيث تجاوز العمل الإجرامي حدود الدول والاقليم الواحد مما يجعلها تقف حائلاً أمام استقرار دول العالم وتحقيق حرية شعوبها حيث انتشرت بسرعة في ظل سهولة الاتصالات وانتشار موجات العنف والفساد إذ يمارس الأنشطة الاقتصادية والتجارية الحيوية مما يعرض اقتصاد البلد لمخاطر كبيرة. ومن أجل استجلاء أكثر عما تقدم نقول تختلف التنظيمات الإجرامية المهلكة عن التنظيمات الاجتماعية الرسمية والعرفية من حيث كونها تنظيمات مخربة للمنظومة القانونية والضبطية، ومرعبة للحياة الاجتماعية المسالمة ومفسدة للأنظمة والقوانين المرعية في المؤسسات الرسمية ومستغلة لاحتياجات الشباب والنساء والأطفال للعمل الشريف وتفكك الأسرة وتزيد من اعداد المجرمين والجانحين عن القانون، وتكدس السجناء داخل السجون وتنشر الأمراض النفسية والعصبية عبر الإدمان على المخدرات وتوسع الفجوة بين الفقراء والأغنياء وتخترق السلطة الرسمية وتعزز التعصب العرقي بين الأقليات وتغري أصحاب القرار بالانحراف في مهاوي الرشوة والاتجار غير المشروع. بمعنى انها تفكك الروابط الاجتماعية فتخلخل التضامن الميكانيكي والعضوي داخل المجتمع وتعيق تطبيق النظام البيروقراطي وتشل حركة انماء المجتمع وتجنح وسائل التجارة القانونية وتغرق المجتمع بالأسلحة النارية وتشعل فتيل الحرب الأهلية وتؤجج الحروب الإقليمية لتجعلها مستمرة لأطول فترة ممكنة كل ذلك في سبيل الاثراء غير المشروع وممارسة النفوذ الزائف وممارسة الإرهاب على الناس وترويعهم واختراق الحدود الدولية والتجني على قوانين الجمارك والضرائب فهي إذن معول قوي في تقويض حياة الناس النزيهة والمسالمة والمنظمة حياتهم في مؤسسات رسمية وعقلانية رشيدة مستخدمة اساليبها الزئبقية المؤثرة مثل الابتزاز والرشوة والعنف والاستحواذ وسواها يستفاد منها زعماء الحرب وقيادات العشائر المحلية للحفاظ على نفوذهم ثم هناك جيوش من المستفيدين منها وهم المدمنين على المخدرات والمسكرات وطلاب الهوى والميسرة وسباق الخيل وتجار الخردة والمسروقات وغيرهم. اتحول بعد ذلك

ب – لأبرز التشابهات والاختلافات بين التنظيمات الرسمية والمُهلكة. ولكي نوضح صورتهما ووظائفهما وهي ما يلي: –

جدول رقم – 1 – يوضح التشابهات والاختلافات بين التنظيمات الرسمية والمُهلكة

التنظيمات الرسميةالتنظيمات المُهلكة
تمتلك نظام تقسيم عمل.تمتلك نظام تقسيم عمل.
لديها تسلسل هرمي للسلطة.لديها تسلسل هرمي للسلطة.
تعتمد على لوائح قانونية مكتوبة.تعتمد على قواعد سلوكية على شكل مدونات
تسودها صفة المجهولية.تسودها صفة المعلومية بين أعضائها.
يعتمد التوظيف فيها على أساس المؤهلات والكفاءات التقنية والمهنية.يعتمد العمل فيها على أساس الخبرة الإجرامية والمؤهلات الجرمية.
لا تشجع على المحسوبية.تشجع على المحسوبية والرشوة والفساد.
تختزل التمييز وتقلصه.تضخم التمييز وتوسعه.
تجعل الموظفين فيها معرفة.تجعل المنخرطين فيها ما هو المتوقع منهم.
توضح من هو صاحب الأمر ومتخذ القرارات.توضح من هو صاحب الأمر ومتخذ القرارات.
تنتج كفاءة وجدارة في المؤسسات العملاقة.تنتج جدارة في الاحتراف الجرمي.
لا تشجع على الولاء للتنظيم.تشجع على الولاء للتنظيم.
تسمح بإخفاء الأخطاء وعدم التصريح فيها.لا تسمح بإخفاء الأخطاء بل التصريح بها.
تخنق المبادرات والتصورات.تخنق المبادرات والتصورات.
متخصصة بإنجاز هدف محدد.متخصصة بإنجاز هدف محدد.
لا يرتبط أفرادها بها ارتباطاً قوياً.يرتبط أفرادها بها ارتباطاً قوياً.

ت – أبرز المنظمات الإجرامية في العالم: اتحول بعد ذلك الى تقديم عشر منظمات إجرامية في العالم جميعها تُعد من أخطر وأكبر وهي ما يلي:

1 – عصابة ياكوزا (يابانية): تأسست قديماً عصابة الياكوزا في القرن السابع عشر نسبة الى مافيا الوحشي المعروف باسم الياكوزا، وتضم حالياً أكثر من مئة آلف عضو. هناك ثلاثة مؤسسين أساسيين للياكوزا، حيث أن عائلة (ياماغوتشي غومي) هي أكبر المؤسسين والتي تتضمن خمس وخمسون آلف عضو. ومن قوانينهم الأساسية قطع الروابط العائلية واي علاقات تصلك بأحبائك، ويعود ولائك الكامل لرئيس العصابة المنتمي لها. هناك العديد من الأشياء التي تجعل عصابة الياكوزا خطيرة، ولكن واحدة من أكثر الأشياء رعباً هي دورها الكبير في التجارة بالبشر. فهم معرفون بالكذب لإقناع نساء المناطق الفقيرة بإن يأتوا معهم الى اليابان حيث يتم استغلالهم في ممارسة الزنى ومهنة الدعارة.

2 – سولنليسفكايا براتفا (روسية): تأسست في السبعينات بروسيا، وحالياً لديهم فقط خمسة الاف عضو، لكنهم بالطبع أثبتوا وجودهم في جميع انحاء العالم. معظم أرباح العصابة تأتي من بيع الهروين والتجارة بالبشر، ولكن إذا كان هناك حاجة لفعل أي جريمة فهم يقومون بها. عُرفوا ايضاً بالتواصل مع عصابات المخدرات الكولومبية لمساعدتهم بنقل وتهريب الكوكايين. وهناك أيضاً اتصالات بين (سيمون (مولقيليفيتش Semion Mogilevich) والمافيا. فقد عرف (Mogilveich) من قبل مكتب التحقيقات الفدرالي بإنه الشقي الأكثر خطورة في العالم كله، فهو يقوم بالتعاقد لجرائم القتل والابتزاز وتهريب المخدرات على نطاق دولي. أعلنت مجلة الفوربيس في عام 2014 بإن (سولنليسفكايا براتفا) هي من أكثر العصابات التي تحصل على إيرادات تصل الى 8.5 بليون دولار.

3 – ثالوث 14ك (هونغ كونغ): نشأت عصابة الثلوث من هونغ كونغ بحوالي خمسة وعشرون ألف عضو مما جعل عصابة الثالوث 14ك واحدة من أكبر العصابات في العالم. إن عصابة الـ 14ك هم الأبرز لدورهم في تجارة المخدرات. ففي عام 2011 أشارت جمارك الهونغ كونغ أن هناك قفزة كبيرة في نسبة الكوكايين من 30 كيلو غرام في عام 2011 الى 600 كيلو غرام في عام 2012. كان (وان كوك كوا) المعروف (بكوا صاحب السن المكسور) واحداً من الرجال الرئيسيين الذين شاركوا في إدارة العمليات والذي كان مسؤولاً عن فرع (ماكو من 14ك). لم يكن وان يخاف العنف، لذلك قام بالقضاء على رئيسه السابق من أجل الوصول لأعلى المراتب.

4 – لوس زيتاس (مكسيكية): نظمت عصابة (اللوس زيتاس) في المكسيك في عام 1999، ومع أكثر من ثلاث الاف عضو جعلت من نفسها عصابة ذو تأثير كبير جداً على اثنين وعشرين ولاية مكسيكية مما جعلهم يسيطرون على أراضي فيها، وكذلك أراضي في غواتيمالا والولايات المتحدة. إن (الزيتاس) لا يكتفون فقط بالاغتيال ولكنهم يتفننون في عنصر التعذيب ايضاً وينشرون دائماً مقاطع فيديو على الانترنت بجرائهم. اكتشفت السلطات المكسيكية في عام 2011 مئة وثلاث وتسعون جثة كانوا قد عذبوا بوحشية على أيدي عصابة (اللوس الزيتاس). فكان يتم اختطاف الكثير من الناس من حافلات نقل الركاب ويتم الاعتداء على النساء جنسياً. في حين تسليم الرجال السكاكين، المطارق والمناجل وأمرهم بمقاتلة الناس حتى الموت. حيث يتم منح الرابحين في هذه المعركة فرصة الدخول الى العصابة وإجبارهم بالقيام بعمليات انتحارية محاولين إرهاب عصابات منافسة.

5 – سينالو كارتل (مكسيكية): يمكن ان ترسم صورة واضحة عن مدى قوة (السينالوا كارتيل) عندما تعلم بإن زعيمها هو (ال تشابو) الذي كان يعتبر أقوى منظمات إجرامية ومهرب مخدرات في العالم بناءً على تقيم وزارة المالية الأمريكية. وعندما تم القاء القبض على (قوزمان) في عام 2014، أفيد بأن منظمته كانت مسؤولة عن أكثر من اربعة مائة وخمسون ألف كيلو جرام من الكوكايين ذاهبة الى الولايات المتحدة. كما تستورد (السينالوا كارتل) كميات كبيرة من الهروين والأفيون والماريجوانا، وفي عام 2011 تم وصفها من قبل جريدة الـ (لوس انجلوس تايمز) كأقوى مجموعة مكسيكية للجرائم المنظمة.

6 – ملوك اللاتينية (اسبانية): تم تنظيمها في عام 1954 من شيكاغو، وبقي ملوك اللاتينية الأكبر والأكثر تنظيماً في المجتمع الإسباني. فعندما سئل محقق سابق عن الموضوع قال: “عند مقارنة ملوك اللاتينية بعصابات شارع أخرى كعابة الدماء والكيبس، فلن تجد عصابة منظمة أكثر من عصابة ملوك اللاتينية”. هناك نوعان من الفصائل في ملوك اللاتينية: فصيل الوطن، والذي يعمل في مئة وثمان وخمسون مدينة في واحد وثلاثين ولاية وتتكون من عشرين الى خمسة وثلاثين ألف عضو. اما الفصيل الثاني فهو فصيل السلالة والذي أسس في عام 1986 ويعمل في خمسة عشر مدينة في خمس ولايات ويشمل ما يقارب خمسة وسبعين عضواً.

7 – عصابة الدماء (البيرو): بدأت عصابة الدماء في عام 1972 مع تشكيل عصابة شوارع البيرو وكذلك عصابة البيرو الغربي التي تم تشكليها من قبل (سيلفستر سكوت وبنسون اوينز). كما كان المزيد من العنف يحدث بين العصابات الأخرى، كانوا البيروس قادرين على اقناع العصابات الأخرى مثل البريمز للاتحاد وخلق عصابة الدماء. وفي حين كان عددهم يفوق 3:1 كانت عصابة الدماء معروفة ايضاً بحبهم للعنف الشديد وبحلول عام 1978، كان هناك خمس عشر مجموعة.

8 – كريبس: لعل عصابة (الكريبس) هي الأبرز لتميزها باللون الأزرق الشهير الذي كان يرتبط بأفراد العصابة، إضافة الى شهرتهم في هدر الدماء. ولشرح نبذة عنهم سنعود بالتاريخ لعام 1969 حيث بدأت هذه العصابة من قبل (ريموند واشنطن وستانلي ويليامز) يديرون عصابتهم الخاصة قبل أن يقرروا دمج العصابتين ليكونوا عصابة واحدة. وفي عام 1978 كان هناك خمسة واربعون مجموعة (كريبس) يعملون جميعاً في لوس انجلوس. معظم من دخل عصابة (الكريبس) جاء من انتاج الـ (بي سي بي، المارجوانا والأمفيتامينات) في عام 1979 تم قتل (ريموند واشنطن) وهذا ما يعني أن وجود شخص في عصابة (الكريبس) لا يعني أنه بأمان. ازدادت قوة كل من عصابة (الدم والكريب) في الثمانينات من خلال توزيع المواد غير المشروعة، وفي عام 1999 أفيد بأن ثلاثون ألفاً من أعضاء العصابة كانوا يوزعون المخدرات في جميع انحاء الولايات المتحدة. عرفت (الكريبس) بعنفهم الشديد، الابتزاز والسطو وجرائم أخرى الى جانب أرباحهم من تجارة المخدرات.

9 – عصابة البامبو المتحدة (تايوان): جاءت عصابة البامبو المتحدة في تايوان وهي تتكون من حوالي عشرة الاف عضو، مما يجعلها من أكبر منظمات إجرامية في العالم. في حين ان معظم العصابات ليس لديهم قادة بشكل مباشر، كان (ياو ياو هانق تشاوسينس) القائد والمسيطر الرسمي لهذه العصابة منذ عام 2007. كانت العصابة لا تخشى أبداً ان تلطخ أيديها القذرة بالسياسة بما فيها اغتيال الصحفي (هينري ليو) في سنة 1984 بعد ان هاجم علناً (الكمينتانق) والذي كان في ذلك الوقت الحاكم المسؤول في تايوان.

10 – أخوية الآريان (أمريكية). يوجد ثلاثمائة شخص من عصابة الآريان داخل السجون وخمسة الاف خارجها. اشتهرت أخوية الآريان بجرائمها داخل السجون، فبحسب الاحصائيات ترتبط 30% من جرائم القتل داخل السجون بهذه العصابة. تأسست هذه المنظمة الإجرامية في عام 1960 بهدف مواجهة عصابة (عائلة الفدائيين السود Black Guerrilla Family) ولم يكن أفراد أخوي الآريان يلهون خارج السجون، فكانوا يقومون بنشاطات إجرامية عديدة كعمليات الابتزاز وتهريب المخدرات والقتل مقابل الاستئجار. ففي عام 2013 تم قتل ممثلي ادعاء في النيابة العامة بسبب مساعدتهما للسلطات الفيدرالية باتهام 34 عضواً من أخوية الآريان. كما استهدفت هذه العصابة حراس السجون بشكل خاص كما حدث مع أحد الحراس الذي تم طعنه بسكين حتى الموت على يد الزعيم السابق (ثوماس سيلفرستين). وقد أدين (سيلفرستين) باغتيال ثلاثة مساجين وتم ارساله الى سجن (سوبرماكس) الذي يأوي خمسمائة من أسوأ وأعنف المجرمين في الولايات المتحدة الأمريكية. [www.topsarsbia.com]

أغنى العصابات في العالم

1- ياماغوتشي غومي: “ياكوزا” (اليابان) يبلغ دخل العصابة 80 مليار دولار وتعد من أكبر المنظمات الإجرامية المعروفة في العالم والأكثر تنظيمًا و تربطهم علاقات أسرية وتتلقى الجزء الأكبر من دخلها من تجارة المخدرات ثم القمار والابتزاز والدعارة. يتميز أعضاؤها الـ 9000 بالولاء التام وبالوشومات التي تغطي أجسامهم تعبيرا عن انتمائهم ويعتمدون على “تراتبية هرمية معقدة” وعلى من ينضم إليها التخلي عن جميع الالتزامات الأخرى ، وبالرغم من أن الحكومة اليابانية زادت الضغط عليهم في السنوات الأخيرة فلا يزال من السهل عليها إخفاء أنشطتها.

2- كارتل ميديلين: (بابلو إسكوبار) أسس (بابلو) المنظمة بعد أن شكل تحالفات مع عصابات أخرى وكانت تحتكر نشاط الكوكايين وسيطرت على80% من الإنتاج العالمي من المخدرات و 75% من سوق المخدرات في أمريكا وخلال ١٠ سنوات تمكن من تعزيز إمبراطوريته الإجرامية، وجعلته أقوى رجل في المافيا الكولومبية. تقدر ثروة المنظمة ب 30 مليار دولار مما جعله أغنى رجل في العالم لمدة ٧ سنوات متتالية وفقاً لمجلة فوربس، وفي بداية الثمانينات حاول (إسكوبار) تلميع صورته من خلال أداء الأعمال الخيرية والتوغل أيضاً في السياسة فقد احتل مقعداً في مجلس النواب وكان مسؤولًا عن بناء المنازل وملاعب كرة القدم.

اكتسب شعبية كبيرة لدى سكان المدن التي كان يتردد عليها وفي عام 1983م فقد مقعده بتوجيهات مباشرة من وزير العدل بعد أن نشرت صحيفة الإسبكتادور العديد من المنشورات عن أعماله غير الشرعية. وبعد عدة شهور قُتل كل من “وزير العدل” و”مدير صحيفة الإسبكتادور” بأمر من (بابلو إسكوبار).

3- إخوان الشمس (روسيا): تبلغ ثروتها 8.5 مليار دولار وتتكون من10 فرق إرهابية مستقلة تعمل بشكل مستقل وتجمع الفرق الإيرادات وتضعها تحت تصرف مجلس مكون من 12 عضوًا يجتمعون دورياً في أماكن مختلفة من العالم ومصدر دخل هذه المنظمة هي الاتجار بالمخدرات والبشر وتُعد رقم ١ في تجارة الهروين

4- كامورا (إيطاليا): تبلغ ثروتها 4.9 مليار دولار وتعد من أقدم المنظمات الإجرامية في إيطاليا. وقد نشأت في المدينة على خلاف المافيا الصقلية التي نشأت في الريف وتجذرت في أوساط الأحياء الشعبية وبين الشرائح السكانية الأشد فقراً وتشتهر ب “النهب المنظم و هدفها النهائي إحداث الشر”. ظهرت كامورا، بدايةً على شكل عصابة من المساجين، بدأوا بعد خروجهم من السجن بكسب نفوذ سياسي، في فترة الخلافات السياسية في إيطاليا في القرن الـ 18. تتألف من 6700 عضواً فعال، وقد أصبح العنصر النسوي يلعب دورا بارزا داخل هياكلها بسبب تعدد الاعتقالات والاغتيالات.

5- ندرانجيتا (إيطاليا): تبلغ ثروتها 4.5 مليار دولار ، والعصابة متورطة في أنشطة مماثلة لأنشطة كامورا، إلا أنها تحصل على معظم إيراداتها من خلال إقامة صلات دولية مع مهربي الكوكايين من أمريكا الجنوبية، وتسيطر على معظم سوق المخدرات عبر المحيط الأطلسي، وعبر الإمدادات إلى أوروبا. و تنتشر ندرانجيتا في الولايات المتحدة، ومع العلم أيضاً أنه تم في شهر فبراير من هذا العام القبض على العشرات من أعضائها وتوجيه التهم لهم بارتكاب جرائم تتعلق بالاتجار بالمخدرات والبشر عبر المحيط الأطلسي.

6- سينالوا (المكسيك): أسس (خواكين غوزمان) المعروف بـ (إل تشابو) منظمة سينالوا ويبغ دخل العصابة 3 مليارات دولار، وهي أكبر عصابات المخدرات المكسيكية والأخطر في أمريكا اللاتينية. وهي واحدة من المنظمات التي تعمل كوسيط بين منتجي المخدرات في أمريكا الجنوبية وسوق الولايات المتحدة. وينفق بعض الأمريكان حوالي 100 مليار دولار سنويا على المخدرات ويذهب6.5 مليارات منها إلى العصابات المكسيكية التي تحتل حوالي 60٪ من السوق وعلى الرغم من سجن قائدها إلا أن هذه المجموعة تفادت حمام الدم والاقتتال الداخلي على الإرث وضياع المنظمة كما يحصل عادة بعد موت قادتها أو تصفيتهم. [www.rattibha.com]

ث – صفات الجريمة المنظمة: بعد أن قدّمنا استهلالاً تعريفياً من قبل علماء الإجرام والاجتماع ندلف بعد ذلك إلى مدار الخصائص التي تتصف بها لنميزها عن غيرها من الأفعال الإجرامية لأنها تنفذ أنشطة إجرامية مخطط لها مسبقاً من قبل عدة أعضاء محترفين في فنون الإجرام فضلاً عن التنظيمات الإجرامية التي لا يكن هدفها الاستحواذ على مال الغير بل تحقيق أهدافاً سياسية أو عقائدية أو طائفية . بمعنى أن للجريمة المنظمة هدف اقتصادي وهدف سياسي وهما لا يمثلان هدفاً ظرفياً – آنياً. في هذا الموضوع يفيدنا شريف بسيوني الذي حدد صفات الجريمة المنظمة بالخصائص التالية:

1 – يشترك أعضاء الجريمة المنظمة بالعمل الإجرامي بهدف الانخراط في النشاط الإجرامي.

2 – هدف هؤلاء الأعضاء يكون الحصول على فوائد ومنافع بطرق غير قانونية.

3 – ومن أجل تحقيق هذا الهدف يستخدموا العنف والإيذاء والاغتصاب والترويع والتهويل مع ضحايا جرائمهم.

4 – فضلاً عن ذلك فأنهم يستخدموا ظاهرة الفساد الحكومي والتجاري والأهلي (المدني) عند الموظفين في تحقيق أهدافهم اللاقانونية.

5 – وإزاء هذه الاستخدامات فأنهم يّرفعوا سقف المنافع والفوائد إلى أقصى درجة ممكنة بواسطة الاحتيال على دفوعات الضرائب ومن خلال احتكار الممارسات التجارية الناهبة. أعني تقوم بنهب أموال الناس في الأنشطة التجارية واستخدام الممارسات والتأثيرات اللاقانونية في الإفساد وتدمير الأنشطة التجارية القانونية.

6 – علاوةً على ذلك لجوئهم لعمليات غسل الأموال من أجل إعادة دوران العوائد المتزايدة.

7 – جدير بذكره في هذا السياق إلى أن جميع أعضاء المنظمة الإجرامية يعملون بالدرجة الاساس ضمن محيطهم الوطني – القومي حتى عندما يقوموا بأنشطة تتجاوز الحدود الوطنية والتشعبات الإقليمية.

8 – ومن نافلة القول أن أنشطة المنظمة الإجرامية وحضورهم الإجرامي في الحياة الاجتماعية يؤثر سلباً على حيوية ونبض الأنشطة الاجرامية لأنها تهدد أمن الناس والنظام العام والمصالح الاقتصادية والتربوية والدينية والسياسية وسواها.

9 – أحياناً وليس دائماً وبشكل ملتزم ينتظم الأعضاء ويتدرجوا على تدرج هرمي بنائي حاد تحت قيادة شخص واحد يتموقع على موقع يقع في أعلى السلم التدرجي أي في القمة.

10 – المتوقع من قبل جميع أعضاء المنظمة الإجرامية والتابعين لها الولاء للتنظيم والإذعان من خلال الالتزام الصارم والفئوي لدرجة أنها تنفذ القتل في حالة عدم خضوع العضو لها أو عدم الولاء لأهدافها.

11 – يتم تزكية أو توصية العضوية للمنخرط في المنظمة أو الذي يريد الانتماء لها مبنية على اختبار يقيس الولاء والإخلاص الصارم لها فضلاً عن المهارات الإجرامية والأنماط السرية.

12 – يكون العمود الفقري للعمل في المنظمة الإجرامية هو السرية التامة في المعلومات والاتصالات وتنفيذ العمليات الإجرامية.

لكن لدى الاتحاد الأوربي تحديداً آخر لصفات الجريمة المنظمة الذي يكون مبنياً على أحدى عشر صفة تتباين مع تلك التي قدّمها بسيوني وهي:

1 – تضم الجريمة المنظمة أكثر من شخصين متعاونين فيما بينهم.

2 – لكل واحد منهم مهام وواجبات محددة ومعينة تحدد له مسئولياته الإجرامية .

3 – مدة النشاط الإجرامي لا يخضع لجدول زمني مقنن بل يكون مرناً حسب ظروف العملية الإجرامية.

4 – تتضمن بعض أشكال التنسيق والضبط والسيطرة في فعالياتها الإجرامية.

5 – الشك في التفويض وبالجريمة الحادة.

6 – يأخذ نشاطها أبعاداً دولية لا تقتصر على المدى الإقليمي.

7 – العنف أحد وسائلها في تنفيذ العمليات الإجرامية فضلاً عن الوسائل الأخرى، مثل التهويل والإرهاب والتهديد والترهيب.

8 – استخدام أبنية تجارية للتمويه عن مناشطهم.

9 – الانخراط في عمليات غسل الأموال.

10 – ممارسات تأثيرية على السياسة والأعلام والإدارة الحكومية والسلطة القضائية والاقتصادية.

11 – هدفها الأخيرة هو الحصول على منافع وفوائد مادية ونفوذ وسلطة داخل المجتمع وعلى مؤسساته الرسمية. ومن نافلة القول إن جماعات الجريمة المنظمة تشترك جميعها أو أغلبها بهذه الصفات التي ذكرناها بصرف النظر عن تكوينها البنيوي أو حجمها (صغير أو كبير) أو بناءً محكماً أو غير ذلك وهكذا يكون بعضها متضامناً مع تنظيمات تعاونية قانونية متعددة الجنسيات (القوميات) حالها حال الجماعات الصغيرة التي تعمل ضمن مساحات جغرافية محدودة وضيقة المجال أو تتصف بمناخ سوقي محدد. في حين يكون حجم الجماعة وعمرها الزمني لا ضرورة له فيما يتعلق بالصفات والخصائص المميزة لها ، علماً بأنها لا تكشف عن قدرتها وإمكانياتها في الإساءة والإيذاء للمجتمع إنما يصدر التهديد إلى قادتها أو رؤسائها من قبل الهيئات الرسمية. يحسن بنا القول في هذا السياق حقيقة مفادها أن جماعات الجريمة المنظمة المعاصرة تعرض وتكشف ميولاً نحو تعقيدات تنظيمية أكبر وأعقد تعكس واقع المحيط الذي يعيش فيه وبخاصة الفرص التي تنمو في دينامية المجتمعات المعاصرة مثل الأسواق المالية وبيوت المال والنسق المالي الكوني ( العالمي ) وبهذا المعنى تمسي الجريمة المنظمة مختارة على أساس أنها تمثل نسقاً أكثر من كونها تمثل تجمعاً مع الأخذ بعين الاعتبار بعض الإدراكات المشوهة والمحرّفة المتولدة أو المنتجة من قبل احتمالات ملونة وسطحية مبنية على مفاهيم خرافية وأسطورية لهذه الظاهرة الإجرامية . في الواقع هناك صفات مميزة تتمثل في: –

أ – تنظيم نسقي لمجرميها ولعناصر غير إجرامية.

ب – أنواع مختلفة من العلاقات بين عناصر النسق وقيم الأنساق الفرعية .

ت – وحدة الأهداف (التي تعني تحقيق النفوذ أو البحث عنه) من  خلال سلب رأس المال والسيطرة والتحكم والتأثير على الآخرين.

ث – تخطي الحدود الوطنية بسبب هذه الظروف أو نتيجة لها.

إن سياق الحديث يلزمني أن لا أغفل حقيقة كون جماعات الجريمة المنظمة تنمو وتتطور من خلال مرونتها في العمل لذلك نجدها تبتعد عن التصلب والتحجر وتقترب من التيسير والمرونة من خلال تبنيها للمستجدات الطارئة في محيطها من أجل الحصول على منافع وإيجابيات وتقليل السلبيات من خلال الاستفادة من جميع الفرص المتاحة وبالذات فرص السوق المتوفرة من أجل الاستمرار في ممارسة نشاطها. ومن باب الإغناء والإفاضة نقول إن بناء أو هيكل الجماعات الإجرامية المنظمة تم دراستها في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وبعض البلدان الأخرى ذات الاعتبارات المتعددة وذلك راجع إلى طبيعتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية واحتياجاتها في العيش والكفاح من أجل البقاء والنمو وإلى درجة تبنيها للظروف المتغيرة . إن مدى التنويع البنائي للجماعات الودية المتكونة في عدد من العوائل ذات تدرج حاد ومتصلب أو أبنية أخرى لتنسيق مناشطها تلك اتي تكون متجمعة على شكل اتحاد عرقي أو قومي من الجماعات تعمل كشبكة مبنية على قاعدة الانتماء العرقي وجماعات عصابية تعمل معاً لتحقيق أهداف مشتركة في الحصول على المال بطرق غير قانونية ذات قاعدة عرقية أو سواها.

نعكف بعد ذلك إلى أبنية هذه الجماعات وعلاقاتها المتعددة التي تحدد طبقاً لأنشطة السوق المختلفة التي تظهر على سطح هذه الأنشطة وهذا يقول لنا بأن الاختلافات بين الجماعات موجودة استناداً للأقاليم أو لعوامل أخرى. في الواقع إن صفات الجماعات الإجرامية المنظمة ليست بالضرورة أن تستخدم حدوداً جامدة أو صلبة فيما بينها بل تتفاعل بعضها مع البعض الاحتفاظ بكينونتها الإجرامية التي لا تتطابق مع بعضها البعض بل تأخذ أشكالاً متعددة علاوة على ذلك فأن الأبنية الجديدة تكشف كم هي متحدة في مجال عامل الفرص الذي يقدم الفائدة والمنفعة أو الإيذاء والإساءة للتنظيمات الإجرامية أو الزمر الإجرامية. أخيراً قيل أيضاً عن هذه الصفات وأنواع التنظيمات حالها حال التدرج الحاد داخل هذه التنظيمات ، لكن مثل هذا القول مبالغ فيه بشكل كبير إذ إن الجريمة المنظمة مرنه وقادرة على تبني الفرص مستحدثة ومتعددة ومختلفة وطارئة وبالذات تلك التي لا تكن متوقع حدوثها أي طارئ. يتعين عليَّ أيضاً أن اقول بأن التنظيمات الإجرامية مستجيبة بشكل خاص للفوائد والمنافع أو الفرص ذات المنفعة باحثة عن سياسة تطبيق العدالة الجنائية وأنشطتها. فضلاً عن تبني هذه التنظيمات أحداث المحيط الاجتماعي وتقلباتها واستحالتها وفتورها. أي انتهازية الفرص في تفاعلها مستجدات إيقاعات الحياة الاجتماعية بكل نبضها ونادرة في تنبني أية عقيدة. لا غرو من القول بأن هناك نماذج تنظيمية متصلبة في بنيانها ومحافظة على صفاتها التقليدية لا تميل نحو المرونة إلا قليلاً وكذا الموقف مع التغيير وهذا يعني إن عملها لا يتغير بل يسير حسب القاعدة المستمرة بسبب حساسيتها من التغير وتعلقها بصفاتها القديمة. وهذا يقول لنا بأن عملية تغيير نشاطها التجاري يتم حسب تجنبها من استخدام تقنيات جديدة. ولا مرية من الإشارة إلى إن القوى التنظيمية تلعب دوراً مهماً في قرارات جماعات الجريمة المنظمة في تغيير أو تحويل العمليات. وتكون أحياناً استجابتها لحاجات التنظيم الداخلية وبالذات لصراعات القادة فيها وفي أحيان أخرى تبحث عن ضمانات مشروعة من أجل تعزيز مناشطها التجارية وتغذي فرص الاستثمار عبر عمليات غسل الأموال. لا أريد أن أبرح من هذا الموضوع ما لم أبلغ طرح صفوته وزبدته وهي إن الجماعات الإجرامية المنظمة:

1 – مرنة ومبتذلة ومعتدلة في تفاعلها مع أحداث المحيط الذي تعيش فيه.

2 – انتهازية في اصطياد الفرص التي تخدم مصلحتها الآنية.

3 – متفاعلة مع التقلبات والتطورات والتغيرات التي تحصل في محيطها.

4 – في أحيان خاصة تبحث عن ضمانات مشروعة من أجل تعزيز مناشطها التجارية وتغذية فرص استثمارية عبر عمليات غسل الأموال.

5 – تلعب صراعات القادة والتغيرات الداخلية دوراً في استجابة قرارات الجماعة الإجرامية المنظمة.

6 – تتفاعل الجماعات الإجرامية المنظمة بعضها مع البعض دون أن تفقد كينونتها الإجرامية التي لا تتطابق لا تتطابق مع الأخرى.

7 – يكون العرق والقومية قاعدة أساسية في بناء هيكل الجماعة الإجرامية المنظمة تنطلق منها الجماعة في إشباع احتياجاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية من أجل بقائها في الحياة الاجتماعية.

8 – يعتمد نموها على درجة مرونتها في اكتساب المستجدات الطارئة في مجتمعها إذ كلما كانت مرنه في الاكتساب زاد ذلك في نموها والعكس صحيح.

9 – لا يمثل عمر الجماعة الإجرامية المنظمة ولا حجمها صفة من صفاتها.

10 – التهديد والإيذاء يذهب إلى رؤساء الجماعات الإجرامية المنظمة وليس إلى أعضائها.

11 – تمثل الجماعة الإجرامية المنظمة لتكون نسقاً منظماً وليس تجمعاً بشرياً لكي تساير متطلبات العصر في تطوره الالكتروني والمالي والتواصلي.

ج – طبيعتها وعضويتها وعلاقاتها بالدوائر الرسمية: طبيعة الجريمة المنظمة هي أكثر أنواع الإجرام جرأةً ووقاحةً في خرقها للقوانين ولأمن الناس وحياتهم وممتلكاتهم فضلاً عن كونها من أعسر الجرائم صعوبةً في السيطرة عليها وتحجيم نشاطها أو متابعته وتحديد كافة عناصرها. لذا يمكن القول بأن من أسباب استمرارها وديمومتها وصيرورتها في المجتمع يرجع إلى تنوعها وتعددها فضلاً عن كونها تنظيم يّخدم أعضائه مقدماً إيجابيات ومنافع لبعض الجماعات المرتبطة بها فهي إذن قوية ومؤثرة لدرجة إنها تستطيع ضمان وحماية القانون الفاسد ودوائره القانونية.

عضويتها: هذا على صعيد طبيعتها، أما على صعيد عناصرها المكونة لها كأعضاء فعليين فأنهم لا يكونوا من المبتدئين في النشاط الإجرامي بل من المحترفين والمتسلحين بالمناعة تلقحوا بها منذ طفولتهم تبدأ من مشاكستهم ونزاعاتهم وجنوحهم وانحرافهم في مرحلة حداثتهم ومرورهم بالمواقف البوليسية والمحاكم والعيادات الطبية . أي لديهم سجلات رسمية في مراكز الشرطة ولملفات القضاء والمحاكم تكشف عن عوالمهم الخفية وجماعاتهم المنحرفة وأسرهم المفككة. أقول لم يصل عضو الجريمة المنظمة إلى العصابة أو الزمرة بالخطأ أو فجأة بل عبر مراحل تاريخية لا تمثل الأوساط والبيئات السوية. جميع ذلك يبلور خبرة ودراية بالأعمال المنحرفة والمخترقة للقوانين التي تدفعه لأن يتصرف بجرأة ووقاحة عندما ينتمي إلى تنظيم يحقق أهدافه ومراميه التنشيئية المنحرفة. ولما كانت الأحداث الاجتماعية متغيرة من حقبة زمنية لأخرى فأن ذلك يعني إن مصالح الأفراد تتغير وتتنوع لا تبقى على نوعها على مرّ الزمن وهنا يتفاعل المجرم والتنظيم الإجرامي مع الأحداث المتغيرة فتتنوع مناشطه التي بدورها تساعد على استمرار التنظيم وديمومته وصيرورته. ولكي يضمن عمله وبقائه يعمل على إغراء أصحاب القرار الإداري والسياسي والمالي من أجل مساعدته في ممارسة برامجه الإجرامية وهنا يستولد الفساد المؤسسي الذي لا يستطيع العمل بدونه.

علاقاتها بالدوائر الحكومية: عادةً ما تتواجد الجريمة المنظمة في المدن الكبرى المعقدة في تركيبتها والضخمة في حجمها السكاني والنشطة في إيقاعاتها التجارية والمالية لكن علاقة رجال الشرطة بالمجرمين الفرديين تكون معروفة وهي المطاردة والملاحقة والمداهمة وإلقاء القبض والسجن وبالذات لدى المعروفين بسجلاتهم الإجرامية أو المشبوهين لكن الحالة تختلف عندما تتدخل العناصر السياسية والمتنفذة في الأنشطة الإجرامية التي يقوم بها التنظيم الإجرامي عندها يحصل التعطيل والتستر والإخفاء والتنفيذ وطي الملفات . وهذا يشير إلى تواطؤ بعض العناصر السياسية والمتنفذة مع زعماء العصابات الإجرامية من أجل الحصول على مكاسب مالية أو ممارسة الابتزاز لصالح الانتخابات البلدية أو البرلمانية . ثم هناك نوع أخر من العلاقات بين أعضاء العصابة الإجرامية وبعض رجال الشرطة وهي الحصول على دفوعات منتظمة لهؤلاء من قبل العصابة مقابل حماية الشرطة لهم من خلال الادعاء بأنها فشلت في إلقاء القبض على الجناة. أو الحاكم (القاضي) الذي يغلق القضية أو المشروع القانوني الذي يركز على القوانين اللاأخلاقية وهنا تمسي التنظيمات الإجرامية والفساد الحكومي وجهان لعملة واحدة أو سيان لأنه وفي أحيان كثيرة يكون الفساد والابتزاز في السياسة تمثل ممارسات إجرامية ضمن مشروعية محدودة إنما هي انحرافات حقيقية لقوانين محددة. هذه العمليات تكون على مستوى المجرمين المهنيين . في الواقع بعض الساسة يكونوا منخرطين في الأنشطة الإجرامية التي لا تعود إلى أعمالهم العمومية. لذا يمكن القول بان نسق الابتزاز والمشاركة في حماية المجرمين قد يؤثر على جميع الدوائر البيروقراطية في الحكومة ومن هنا جاء القول بأن الفساد الحكومي والتنظيم الإجرامي سيان.

ح – تنظيمها الداخلي: يتألف التنظيم الداخلي للعصابة الإجرامية ما يلي: –

1 – النواة: التي تتضمن جماعة صغيرة ثابتة نسبياً تقوم بالتخطيط للجرائم وتضع واجبات متنوعة للتنفيذ يترأسها قائد يتزعم الجماعة يكون مسئولاً عن حماية عناصر عصابته وزوجاتهم عند غيابهم في مهام إجرامية ويتفقد أحوال أسرهم فضلاً عن التنسيق في مهام رجاله في كل عملية إجرامية.

2 – المحامي: الذي يقدم النصائح والتوجيهات للعصابة عن طريق الهروب والعقوبات والتستر على المجرمين.

3 – الطبيب: يُعتمد عليه في تقديم العناية الطبية للمصابين من جراء تنفيذ العمليات الإجرامية أن تغيير طبع الأصابع أو تمويه المظهر الخارجي للوجه لمنع أو الوقاية من تشخيص الهوية وإلقاء القبض على رجل العصابة.

4 – الساعي أو المراسل: الذي يجلب المعلومات عن آخر التطورات التي تحصل في المجتمع المحلي أو توصيل الأوامر والتوجيهات من زعيم العصابة للأعضاء أو بالعكس.

خ – مراحل تطور الجريمة المنظمة في العصر الحالي: إن دراسة الجريمة المنظمة كنشاط تجاري يجلب المنافع والفوائد والنفوذ قد تم فعله من قبل الدراسات الأمريكية. ولغاية العقد الثامن من القرن العشرين تم إشغال حيزاً كبيراً في مجال عمليات تجارية إضافة إلى تهديدات المافيا الأمريكية والصقلية كوسانوسترا في تدمير المجتمع الأمريكي. معنى ذلك إن الجريمة المنظمة لا يقتصر نشاطها على العمل التجاري بل التخريبي. إنما في هذا الباب نود أن نعرف ما هي الخلفيات العرقية – الرسية لأعضاء الجريمة المنظمة في أمريكا. إذ هناك صلة وعلاقة جذرية للناشطين في العصابات الإجرامية الأمريكية، جذور أجنبية من خارج الولايات المتحدة. ولكي نجول طرداً مع هذا الموضوع نشير إلى أن ما قبل سقوط الاتحاد السوفيتي كان التهديد للمجتمع الأمريكي ثنائي متوائم مع الشيوعية ثم تزايد نشاط الجريمة المنظمة أبان فترة الحرب الباردة. وهذا يعني أن مناشط الجريمة المنظمة لا تقتصر على النشاط التجاري فحسب بل اشتركت معها المؤثرات السياسية من أجل تخريب الاقتصاد الأمريكي وبث الاضطراب فيه. وفي هذا الصدد قال (أدجير هوفر) مدير التحريات الفدرالية FBI : “في السابق كان تهديد الجريمة المنظمة للمجتمع الأمريكي أكثر وأكبر من التهديد والإيذاء الذي كانت تقوم به المافيا التقليدية الذي كان يمثل آنذاك تنظيماً عالياً في دقته وذا تدرج إمبراطوري في عالم الإجرام الذي كان منتشراً في الولايات المتحدة من الساحل إلى الساحل”. أما (دونالد جريس) 1969 صاحب مؤلف ” لصوص الأمة ” فقد طغى في هذا التأويل وقال عنه بأنه مشكوك فيه وغير قابل للتصديق لأنه – حسب اعتقاد جريس – بأنه يُرجع جرائم الجريمة المنظمة إلى مصدر واحد ويطالب بتصديقه . لأن الصورة الخاصة بإمبراطورية المافيا قد كان مسيطر عليها من قبل الإجرام العائلي المستنزف من قبل الصقور فظهرت أو تم تصويرها وكأنها إخطبوط إجرامي مسيطر على رأس المال في الولايات المتحدة وكذلك في العالم. خليق بنا أن نشير إلى أن معظم نتائج البحوث الإجرامية والاستخبارات الرسمية مسيطر عليها من قبل طبيعة غامضة لأنها تركز على الجماعات الإجرامية وتهمل الاقتصاد الإجرامي الذي يمثل الاحتكار الإجرامي الذي يشوه الاقتصاد الأمريكي. ومن أجل تمحيص ما تقدم نشير إلى أنه منذ العقد السادس من القرن الماضي ولغاية العقد الثامن فأن نشاط الجريمة المنظمة في تزايد مستمر وبالذات في العقد الثامن الذي تسارع فعله وذلك بسبب اشتراك شبكات إجرامية أخرى ومنظمات إجرامية تعمل في هذا النشاط في مقاطعاتها المحلية في الولايات المتحدة وفي عدة بقاع متعددة في العالم . مثل الجرائم المنظمة الكولومبية والمكسيكية والنيجيرية ويكوزا اليابانية والتجار الصينيين فضلاً عن المافياً الأمريكية. وعلى هدى ما سبق فإن الجريمة باتت تهديداً آتٍ من خارج الحدود الوطنية وتمثل ردود فعل بقوة من قبل الاضطرابات الداخلية (داخل المجتمع الأمريكي) ومن خلال التعصب والتميز العرفي . هذه الحالة تكون بالنسبة لبريطانيا حالة مهمة لاعتبارات عديدة. مثال على ذلك من الناحية التاريخية هناك بعض الجماعات الإجرامية أمثال عائلة (سابيني) التي كانت ناجحة في احتكارها حلبة سباق الخيل وكلاب الصيد وصالات الضمار ومحلات المشروبات الكحولية لعدة سنوات ترجع إلى عام 1910 واستمرت لغاية الحرب العالمية الثانية. حري بنا أن نشير إلى تهديد العصابات المالطية التي مارست تهديدها خارجياً للمجتمع الأمريكي بحيث جذب هذا التهديد بعض رجال الشرطة الأمريكان والصحف الصفراء ذات السمعة السيئة (كان ذلكم في العقد الخامس من القرن العشرين) بذات الوقت تحركت رموز المافيا الأمريكية في اتصالاتها وتحركاتها في مجال صناعة الضمار القانونية في بريطانيا – وكان ذلك في العقد السادس من القرن العشرين – التي طبعت نشاطها بشكل مؤثر على الشرطة. لكن تميز العقد السابع والثامن باشتراك جماعات إجرامية متعددة الأغراض في بريطانيا ذات الاتصالات الدولية والارتباط الإجرامي العالمي وأخرى – عرقية أيضاً – موصومة بالأنشطة الإجرامية مثل السوداء واليابانية. إن سياق الحديث يلزمني أن لا أغفل صلة الجريمة المنظمة بالأنشطة السياسية كالإرهاب مثلاً إذ لاحظ (ستيلفوكس) إن الجريمة المنظمة تقدم خدمة لصالح الجماعة الإرهابية في التماهي وتحديد خطورتها وقوة فاعليتها بيد أن هذه الخدمة تدعم مصالح وكالات الأمن الهنغارية التي تواجه نفس التهديد. إذ إن التنظيمات الإجرامية الدولية عادةً ما تكون لها وحدات أو وكالات محلية مستوطنة في بلد معين لأداء مناشطها وبالذات في توزيع المهام والسلع والاتصالات الدولية والمسروقات من التحفيّات والقطع الأثرية والمخدرات والحيوانات النادرة مثل الطيور والبيض مستغلين المحامين والبنوك الدولية والمحاسبين وجميع العاملين في غسل الأموال والذين يخفون السلع المسروقة في حين إن المشاريع الإجرامية المحلية مثل سرقة الشاحنات والمخازن تعد من المغامرات المعتادة. وإزاء هذه الأحداث المستحدثة بدئنا نرى تعقد اقتصاد الجريمة المعاصرة التي سوف تسلط الضوء عليها وتعطي صورة واضحة عنها. وتباعاً وعلى هدى ما سبق فأن الإرهاب المنظم هاجم مركز التجارة العالمي في عام 2001 بحيث أكد جورج بوش في 24 / 11 / 2001 على ملاحقة ومتابعة جذور المهاجمين والجماعات المتسترة خلفها لأن فعلها متشابك مع العالم السياسي الذي دخل من خارج الحدود الأمريكية وانخرط في الانشطة المصرفية لدول أخرى لأن هذا الهجوم متشعب في نشاطه وزمانه ومكانه الدولي وهنا يمكن تسمية هذه المناشط بأنشطة الجريمة السياسية والمالية معاً لأنها تقوم بتهريب الأموال عبر الحدود الدولية أي أنها جريمة كونية تعكس طبيعة الجماعات الإرهابية بأنشطة أخرى مثل المخدرات والجنس والتهريب البشري وغسل الأموال وتحويل الأموال من الشارع إلى الأرقام السرية عبر الأجهزة الالكترونية لتعمل في الأسواق المالية يستعملها المحتالين الدوليين من خلال الاقتصاد الدولي للجريمة ولا ريب من الإشارة إلى أن حتى محلات الحلويات الكبرى والمشهورة في الدول الصناعية وظفت أجانب خارجين عن القانون ممن استقطبتهم جماعات التهريب وباتوا تحت رحمة الحيتان المالية والمضاربين الماليين ممن يعملون في مناشط غسل الأموال ولهم عقود وتعاملات مع شركات متواجدة في الأسواق التجارية ولها اعتبار تجاري متميز في المدن الحضارية فضلاً عن علاقاتها بالمصانع التي تصنع البضائع المزيفة والمزورة ذات الأسماء (الماركات) العالمية المعروفة أي ماركات مسروقة من الأسواق القانونية لا يدفعوا ضرائب البيع أو الدخل بل يعملون لحماية مدفوعاتهم لعصابات المخدرات التي تسيطر على الشارع ثم إن عصابات المخدرات تستخدم أموالها لخدمة العمليات الرأسمالية لتمويل شراء السلاح. ديدني في هذا الطرح هو القول بان الجريمة المنظمة لا تخلو من اشتراك عناصر من الأقليات العرقية (صقلية، مكسيكية، صينية، روسية وسواها) لكن لا يمكن حصرها بهم فقط بل هم موجودين فيها بذات الوقت كأن بداية عما الجريمة المنظمة الكسب المالي غير المشروع والمشروع أيضاً بل أحياناً لكن مع تطورات الأحداث الدولية ساهمت الجريمة المنظمة بالأنشطة السياسية مثل الانتخابات البرلمانية والبلدية والرئاسية واستخدام الإرهاب الدولي بقصد الابتزاز السياسي والمالي وهذا تطور جديد حصل في الجريمة المنظمة أي أمست عابرة للحدود الدولية وتهدف الكسب المالي والسياسي بعده مالي فقط مستخدمة آليات الكترونية وتكنولوجية حديثة في توسع مناشطها المالية والسياسية والإرهابية فأمست تهدد النظام السياسي الدولي والعالمي. لذا لا يمكن القول عنها بأنها مقتصرة فقط على عرف واحد أو خلية واحدة. هي بدأت هكذا لكنها لم تبقى على حالها بل امتدت وتوسعت وتقدمت نحو أهداف أخرى غير المالية والتجارية بل سياسية وإرهابية ممتدة عبر القارات والأقاليم والدول أي لم تبقى محلية ليس لها ارتباط دولي. أقول باتت تمتلك شبكة اتصالات عالمية ودولية سريعة الأداء ومتنوعة الأهداف ومتعددة المكاسب

د – منابع جمع المعلومات والبيانات عن جريمة المنظمة: هناك عدة طرق لجمع المعلومات عن الجريمة المنظمة ومناشطها منها ما يلي: من الأكثر شعبية وتداولاً التقارير الإعلامية وسجلات الشرطة – الأمنية والبحوث الخاصة بالأعراق البشرية. إذ تكون نوعية التقارير الاعلامية متنوعة وضخمة وهائلة بدءً من التقارير إلى الوثائق معتمدة على الموازنة بين المقابلات وكل ما يدور حول المجادلات وأحياناً ما تقدمه الصحف أو تقارير الصحفيين والإشاعات المهتاجة عاطفياً التي لا سبيل لكبحها التي غالباً ما تجد مكانها بين الناس وتستطيع أن تقدم تقارير الشرطة شروحات ذات قيمة عالية على أنواع المجرمين والأشخاص الذين ينخرطون في الأنشطة الإجرامية في اختراق القانون أكثر من تقديم معلومات لبنوك المعلومات. يتركز هذا أسلوب الأعراق البشرية بالنسبة لطلبة علم الإجرام التي تنصب بحوثهم عن الأقليات العرقية وما يدور فيها من جرائم منظمة تقدم قراءات جيدة . في الواقع تتضمن البحوث عن الأقليات حياتهم الخاصة والعامة وتعصبهم وتحيزهم ومعتقداتهم وطرق عيشهم أي تدرسهم كجماعة ثقافية فرعية وهذا ما حصل في العقد الثاني من القرن الماضي في مدرسة شيكاغو تحت أشراف روبرت بارك وعلماء اجتماع الحضري الذين استخدموا البحوث الكمية جامعين بين النظرية والبحوث الميدانية والجريمة والانحراف السلوكي . فضلاً عن الأدبيات المتنامية عن الجريمة المنظمة أمثال (لاندسكو) 1968م الذي درس الجريمة المنظمة كعالم مغلق في الإجرام وهوبس 1988م الذي درس التأويل غير الشرعي في شرق لندن و(باولنسون) 2000م الذي درس الجريمة المنظمة في موسكو وسانت بطرسبرك وفارس 2001 م اللذين درسا اللغط الحامي في بيرم موضحين الأقليات العرقية وعلاقتها بالجريمة وكين بريس 2000 م الذي نظر إلى الجريمة المنظمة في الجالية الهندية غرب بريطانيا و جو البيني الذي درس الجريمة المنظمة في الولايات المتحدة الأمريكية 1997 م إذ وجد الجريمة المنظمة لا يمكن فهمها ودراستها بعمق إلا من خلال الملاحظة بالمعايشة التي تعتبر الطريقة الوحيدة والناجحة في الحصول على معلومات صادقة وذات ثقة عالية وسواها تكون مجرد ملاحظات سطحية. وهذا يعني إن المخاطر التي تواجه الباحث العلمي الذي يدرس الجريمة المنظمة بمصداقية حقة . كذلك يعني – استناداً إلى جو ألبيني – إن الدراسة العلمية للجريمة المنظمة من الدراسات الحرجة والخطرة على الباحث الجاد لأن مجتمع الدراسة هو مجتمع إجرامي وسري ومغلق على نفسه ويعني أيضاً إن المعلومات الصادرة عن الشرطة والإعلام ما هي سوى حومة تحوم حول الجريمة المنظمة لا نستطيع التعرف على جزيئاتها ومخفياتها التي لا يعرف سوى أعضائها السريين.

ذ – محكات الجريمة المنظمة: إذا أردنا أن نميز الجريمة المنظمة عن غير المنظمة علينا أن ننظر إليها من الزوايا التالية:

1 – التخطيط                       Planning

2 – التنسيق               Coordination

3 – العضوية            Membership

4 – الكتمان أو الإخفاء     Concealment

5 – التدرج  المتسلسل الهرمي  Hierarchy

عند توفر هذه المحكات المعيارية الخمسة في أية نشاط إجرامي يقوم به أكثر من مجرم عندئذٍ نستطيع أن نقول عليه (أي على النشاط الإجرامي) بأنه تم تنفيذه من قبل عصابة إجرامية ذات تنظيم هيكلي. آيتنا من هذا التناول هو القول بأنه في ضوء هذه المحكات المعيارية ذات المقاييس التنظيمية والمهنية هو القول بأن أية نشاط إجرامي يصدر من مهنيين لهم خبرة ومسئولية متميزة في الأعمال المؤسسية ولديهم – بذات الوقت – ارتباط مع نشاط إجرامي منظم وسري يمثل الجريمة المنظمة للمهنيين . أعني جريمة تجمع بين الاحتراف المهني والتنظيم الإجرامي لا يقوم به شخص واحد فقير المال أو عاطل عن العمل أو من الأقليات العرقية أو الطائفية أو الثقافية بل أكثر من ذلك ويشغل منصب مؤسسي متميز وهذا يعني في عين الوقت أن النشاط الإجرامي قد توغل إلى محيط المهن الراقية والرفيعة المستوى ذات الخبرة الفريدة. بعد هذه التوطئة التعريفية لهذا النوع من الإجرام ندلف إلى مدار وجودها في المجتمع البريطاني في الوقت الراهن إذا انتشرت في مدنها الرئيسية مثلاً كلاسكو، ليفربول، وليدز، برمنغهام ونيوكاسل ما يسمى بثقافة عصابة الرجل الصعب وذلك راجع إلى مؤثرات عديدة أبرزها:

1 – مرونة الاقتصاد غير الشرعي المزدهر في المجتمعات المحلية للفقراء والمهشمين الذي بدوره دعم وعزز بناء المصانع الأسرية التقليدية (أي مصانع تديرها وتعمل بها أسرة واحدة).

2 – التغيرات الاجتماعية والسكانية التي أفرزتها الحرب العالمية الأولى حيث جلبت العديد من المهاجرين من أوربا إلى بريطانيا فانخرط معظمهم في أنشطة الجرائم الاقتصادية والأعمال غير الشرعية من أجل العيش في مجتمع جديد عليهم.

3 – تآكل النظام الكلاسيكي القديم لمواقع الطبقة الاجتماعية في المجتمع البريطاني.

جميع هذه المؤثرات ساهمت في ظهور جرائم جديدة على سطح المجتمع البريطاني وبالذات تلك التي تكون مرتبطة بجرائم المخدرات في بداية القرن العشرين . كشف هذا الظهور الإجرامي العالم كوهن عام 1999. نود أن ندخل إلى هذا الموضوع من باب العقد الثالث والرابع من القرن العشرين الذي لم يكن فيهما بيع الكحول محظوراً في المجتمع البريطاني لكن كان هناك حظراً على لعب القمار في الشوارع. أنتبه إلى هذه الحالة، رجال العصابات الإجرامية أخذوا يدخلون إلى عالم النشر (أي نشر الكتب) وما تجنيه دور النشر من أرباح عالية عندما تتضرر منافعهم  ومصالحهم الإجرامية. بيد أن أبان الحرب العالمية الثانية تغيرت الأوضاع الاجتماعية والسياسية إذ أفرزت مؤثرات فاعلة ودافعة للتغيير الاجتماعي مع التركيز والتأكيد على حب الوطن والتماهي مع المواطنة الصالحة وتجنيب بريطانيا من الأعمال الشريرة لأن البريطانيين كانوا تحت ضغوط الحرب فكان الجميع مشغول بحماية بلدهم من الغزو والسيطرة عليه فكانت الجرائم بسيطة وغير منظمة فلم يكن للاستغلال والانتهازية مكاناً في المجتمع البريطاني أبان فترة الحرب. أي حصل انحسار تام للأنشطة الإجرامية أبان تلك الفترة لكن بعد الحرب العالمية الثانية تغيرت الأوضاع إذ ظهرت السوق السوداء والانتهازية والاستغلال البشع – كان ذلك في العقد الخامس والسادس من القرن العشرين – لدرجة أن لندن باتت مرتعاً لمناشط الإجرام المنظم gangland  تمارس فيها أخطر وأدق العمليات الإجرامية أمثال أخوان كراي الذين تموقعوا في أقصى الجهة الشرقية من لندن وعصابة (ريتشاردسن) التي تموقعت في جنوب نهر توماس. إذ كانت عصابة كراي متخصصة بتجارة الأفلام الفنية والرياضية والنوادي ذات المصالح. بينما كانت عصابة (ريتشردسن) متخصصة بالأعمال الحرة الشرعية التي تتعامل مع خردة الحديد والاحتيال على المصانع لدرجة أن تجارتها تجاوزت حدود لندن. إلا إن جميع هذه العمليات الإجرامية لا يمكن تصنيفها تحت مصنف الجريمة المنظمة.

بيد أنه في العقدين السادس والسابع من القرن الماضي حصلت وفرة مالية ورفاهية اقتصادية وغنى هائل الأمر الذي شجع الناس على الشراهة الاستهلاكية لجميع أنواع السلع والحاجات الكمالية الذي بدوره رفع  معنوية البريطانيين فضلاً عن اتساع مساحة التقنيات الحديثة المستخدمة في منازلهم . هذا التطور والرفاهية جذب انتباه المجرمين من أجل استغلال هذه الحالة المتشعبة في مراميها مما جعلت الأساليب الإجرامية التقليدية تأفل وتقل وفتحت المجال لظهور مناشط إجرامية جديدة وأنمّت أنماط إجرامية سائدة مثال على ذلك انتعاش الأسواق التي تقوم بترويج الصور والأفلام الإباحية والأدب الداعر والسلع المزيفة ( التغليطية ) وأفلت جرائم النشل وسواها. هذا و لابد لي بعد هذا الاستطراد إلى أن اشير إلى وصول النشاط الإجرامي إلى الاستقرار في العقد الثامن من القرن العشرين إذ حصل ارتقاء سياسي لثقافة المشاريع الإجرامية من خلال دعم حكومة المحافظين أبان حكم ماري كريت تاتشر وانخراط المرأة في النشاط الإجرامي الذي بدوره ساعد على تغيير بيئة الأعمال الإجرامية فانتعشت تجارة المخدرات في العقد الثامن ثم تبعه تجارة الهيروين والكانابي والكوكايين و LSD والأمفينامين. وما حصل للاقتصاد البريطاني كان ناجحاً عما حصل للصناعة البريطانية حيث تم استحلال المصانع الكبرى المملوكة من قبل مجالس إدارية وكبار الملاك ممن ليس لهم صلة بمصانع الأسرة التقليدية ولها فروع عديدة في بقاع العالم التي تجني أرباحاً طائلة. هذا الانفجار الاقتصادي ساد في العقد التاسع انتعش فيه المجتمع البريطاني وطغت عليه الرفاهية الاقتصادية وساد استخدام المخدرات بحيث تماشت الاعمال الحرة الشرعية مع الاعمال الحرة غير الشرعية. استمرت هذه الحالة المتعايشة لغاية نهاية القرن العشرين . بعين الوقت لم يبقى وجوداً للمجرمين التقليديين مثل النشالة ومحطمي الخزائن الحديدية التي يخزن فيها المال والمجوهرات والسطو على المنازل. أقول ظهرت أنواعاً جديدة من الإجرام يتماشى مع التطور الاقتصادي والصناعي والاجتماعي، ترك فيها المجرمين أساليبهم وفنونهم التقليدية في اختراق القوانين المرعبة وابتكروا طرقاً حديثة يستطيعوا بواسطتها الاستحواذ على أموال وممتلكات الناس بطرق تعكس مهاراتهم وكفاءاتهم الالكترونية في مجال اللصوصية فتبلورت أنواعاً جديدة من الجرائم في عالم الإجرام مثل سماسرة المخدرات من النساء الأنيقات والرشيقات والحسناوات يستخدمن الهاتف المحمول لا يقتربوا ولا يرتادوا البنوك التجارية وبيوت المال. بمعنى أن مظهرهن الأنيق والجذاب أمسى جزءً من أسلوب رجال الأعمال الكبار مستخدمين انوثتهن كوسيلة للخداع والضحك على السذج من الزبائن ورجال الشرطة الذين يتصورون بأن المرأة الجذابة أقل حذاقة وكفاءة ومؤهلات رفيعة المستوى بسبب انشغالها بجمالها وأناقتها ورشاقتها وذوقها فلا تعطي وقتاً وأهمية للأفعال الإجرامية.

ر – مدونات الجريمة المنظمة ووظائفها: نقصد بالمدونات Code مجموعة قوانين وقواعد ولوائح وقواعد ولوائح معتمدة ومستخدمة من قبل أعضاء العصابة الإجرامية وجميعها مأخوذة من المافيا ذات البناء الأسري والمتحالفين معها. حيث تستخدم هذه المدونات كشفرات للتواصل بين أعضاء الأسرة المافيوية التي غالباً لا تكن مكتوبة إنما تعكس سلوك الاعضاء داخل التنظيم الإجرامي لكي لا يتم فهم ومعرفة الأجهزة الأمنية لتحركاتهم ومخططاتهم سواء كان ذلك التصرف داخل السجن أو خارجه، أقول لا توجد شفرات بمحض الصدفة وذلك من أجل المحافظة على تنظيمهم السري والغير شرعي. ومن أجل تثمير هذا الموضوع نطرح مدونات مجرمي الجريمة المنظمة في أمريكا التي قدمها لنا كلٍ من (سذرلاند) وكرِسي اللذين استطاعا أن يلخصا المدونات كالاتي: –

1 – إنها تمثل أقصى حالات الانتباه والحذر والاحتراس التي تتضمن عدم التدخل في اهتمامات ومصالح النزيل داخل السجن وبالذات تلك التي تتمركز على فكرة مفادها إن النزيل يجب أن يخدم بأقل وقتت ممكن عندما يتمتع بأشياء مفضلة بضمنها عدم الإزعاج وعدم انفلات اللسان بل حفظ اللسان وعدم الاغتياب لأي سجين بل الولاء والإخلاص للانتماء الطبقي ووضع الشيء في مكانه.

2 – أن يضع عضو العصابة الإجرامية أو السجين قواعد سلوكية تستفسر أو تسأل النزيل بالابتعاد عن الجدل والعراك مع زميله النزيل وعدم افتقاد التفكير أي التفكير قبل التصرف وممارسة اللعبة بهدوء . أي التصرف بهدوء والالتزام بالوقت وعدم تسخين الموقف.

3 – عدم استغلال محاسن وإيجابيات الآخرين من النزلاء سواء كان هذا الاستغلال بالقوة وبالاحتيال أو بالخداع. بذات الوقت عدم كسر الكلام وعدم سرقة الوقت وعدم بيع الاحسان والجميل للآخرين من النزلاء وعدم الابتزاز أو التهرب من رهان معين أو دين خاص بل كن دائماً على حق.

4 – بعض مدونات العصابة الإجرامية تصب في صيانة الذات لا تكن ضعيفاً ولا تنحب على ما مضى ولا تشعر بالذنب وكن إيجابياً ومتماسكاً وقوياً أي كن رجلاً متماسكاً في معنويتك .

5 – مدونات أخرى تؤكد على الرصانة والحذاقة في التعامل مع الحراس وذلك من خلال احترامهم والمرونة عند الحديث معهم والنباهة في التواصل معهم.

ثمة حقيقة مفادها إن الجريمة المنظمة تشبه السجناء من حيث العيش خارج حدود القانون وكلاهما يبلورون مجموعة من المعايير والقواعد التي تنظم سلوكهم فيما بينهم ومع الآخرين . لا نرى جرماً من تقديم بعضاً من هذه المعايير والقواعد وهي كالاتي: –

1 – كن مخلصاً لأعضاء التنظيم ولا تتدخل في اهتمامات وخصوصيات ومصالح الآخرين أي لا تكن حشرياً . هذه التعليمات في الواقع متصلة بالتحذيرات والنصح لذا فهي قاعدة للوظائف الداخلية للعصابة إذ إنها تدعوا للوحدة والسلام والصيانة والمحافظة على الوضع الراهن وإلى الهدوء.

2 – كن عاقلاً ورشيداً وكن عضواً كأحد أفراد الفريق ولا تنخرط في معركة إذا كنت غير قادر على النصر فيها . المطلوب منك في هذا الخصوص هو التعاون بعقلانية ضرورية لتوجيه التجارة غير الشرعية بهدوء وأمان وسلوك نافع لأن زعيم العصابة لا يتصرف بحماقة ووقاحة مع ضباط السجن على عكس العضو المنحدر من مكانة اجتماعية متدنية يكون وقحاً ومتجاوزاً حدوده مع ضباط السجن لذا تكون هذه النصائح قاعدة له يستند عليها في تعامله مع الآخرين.

3 – كن رجلاً نزيهاً واحترم النساء وكبار السن فلا تهز القارب وهو في وسط البحر أي دع الأمور تسير بمشيئتها ولا تتدخل في مسيرتها . هذه الخاصية في الواقع تؤكد على الشرف والنزاهة والاحترام والطاعة أي طاعة الآخرين الذين يحضرون المأتم والأعراس والذين يفتحون الباب للآخرين ( أي البوابين ) والذين ينهضون للآخرين احتراماً لهم.

4 – كن فتى صامداً واجعل عيونك مفتوحة وأذانك صاغية وفمك مغلق فلا تتفوه بأقوال ليس لك فيها شأن. أي كن قادراً على المقاومة والصمود أمام الذعر والقلق فلا تخنع لها ولا تكن تبعي لها. فالشاب الصامد يكشف عن شجاعته وقوة عزمه في تحمل المشاق وعدم التذمر أمام المحن والأزمات بما فيها العقوبة بتعبير آخر  إذا كنت غير قادر على دفع ثمن اللعبة فلا تلعبها.

5 – كن لديك مستوى عالٍ من التصرف والتفكير وكن مستقلاً في تفكيرك وتصرفك وأعرف طريقك حول العالم إذ هناك قاعدتين من الأفكار مرتبطة هنا وكلاهما محرمتان أو تحّرم طبقاً لاعتبار ضابط الشرطة والأمن الاجتماعي أو أي مواطن محترم. فالأول يعبّر عن القول. فلكي تكون مستقيماً وواضحاً عليك أن تكون ضحية الرجل الذي اقترف أو الذي يعمل عملاً منظماً مع السلطة المؤسسية، هو المرتزق الذي يعيش على قوة الآخرين. بتعبير مختصر نستطيع القول عن المدونات بأنها لغة خاصة اصطنعها المجرمين والمشردين والنزلاء أي ابتدعوها لإخفاء أغراضهم ومخططاتهم. هذه اللغة المصطنعة تمثل قنوات اتصالاتهم وقواعد عملهم الإجرامي بذات الوقت هناك وصمات تطلق على بعض الأعضاء وتوضح نمط شخصيتهم مثل تطلق عبارة (فار) على الشخص الذي يخون رفاقه أو يوشي بهم. (سترونك وجراج) اقترحا بعض الصفات حول هذه الجماعات المنظمة إذ قالا بأن هناك خطوط من المصالح بين الجماعة وأعضائها إذ تبرز أسماء لامعة أثناء تأدية العمليات الإجرامية هذه الأسماء تمنح للأعضاء الجريئين والمقدامين وغالباً ما تستخدم هذه الكنيّات أو المسميات في التخاطب اليومي بين أعضاء الجماعة الإجرامية المنظمة. جدير بذكره في هذا الخصوص إن المدونات أو المسميات ذات المعاني الإجرامية المنظمة لا يعرفها ولا يفك معناها إلا الذين يملكون أدواراً مهمة داخل الجماعة الإجرامية. أقول إن هذه المدونات لها مستويات دورية أي لكل دور مدوناته الخاصة به. ومن نافلة القول إن النزلاء (من هم أعضاء في الجريمة المنظمة) الذين يعرضون سلوكاً عدوانياً ومتوحشاً مع النزلاء أو مع حراس السجن يطلق عليهم بالأقوياء القساة والعنيفين وأحياناً بالمليشيات. في الواقع تعتمد هذه المسميات على نوعية السجناء أنفسهم داخل السجن. لكن عموماً فأن هذه المصطلحات جميعها متشابهة أو مترادفة وجميعها تشير إلى تشخيصات سلوكية.

يحسن بنا أن نطرح في هذا الموطن نوع الأدوار الاجتماعية التي تمارس داخل السجن في مجتمعه (أي مجتمع السجن) فالدور الأول هو دور القوي – القاسي الذي يمارس قوته على السجناء وعلى بعض الحراس .مُمارس هذا الدور يعد زعيماً على السجناء بسبب قوته على الجميع. الدور الثاني يطلق عليه التاجر أو البائع المتجول أو المعارض السياسي، يلعب سجناء هذه الأدوار لصالح زملائهم السجناء بناءً على تبادل المصالح فيما بينهم مثل التبادل من أجل الحصول على السجائر والسلع والخدمات. فالنزيل الذي يلعب دور التاجر يطلب ثمن للرعاية الطبية لمعالجة الأسنان أو غسيل الملابس أو جلب طعام معين أو كتب مكتبية خاصة. وهنا يكون التاجر أشبه بالقوي القاسي أو المليشي يقدم خدمات للنزلاء لكي يجعل حياة السجن أو العيش فيه اسهل لهم. أن طبيعة العلاقات بين أعضاء العصابة الإجرامية شبيهة كثيراً بحياة نزلاء السجن فالرجل القوي ( الزعيم ) والقاسي يمثل مصدر قوة ومنفعة لأعضاء عصابته فهو زعيم ليس بسبب قسوته عليهم بل لأنه يقف فوق الأوامر التي يصدرها الحراس والشرطة وهو نافع لأنه يستجيب لطلبات وأوامر وتعليمات السيطرة من قبل زملائه من اصحاب العضلات. بيد أن نزلاء السجن يميزوا بين الرجل الحقيقي  Real man  والشاب الصح right guy هذه الأدوار جديدة بين نزلاء السجن فهم يمثلون الدور الثالث.

(أنظر شكل رقم –1 – ) يوضح الأدوار الرئيسية في مجتمع السجن .

الزعيم

الرجل الحقيقي/ والشاب الصح                        التاجر

شكل رقم – 1 – يوضح الأدوار الرئيسية في مجتمع السجن

ولكل دور له مدوناته الخاصة به علماً بأن النزلاء الذين يلعبون هذه الأدوار تكون لهم مكانة اجتماعية متميزة في مجتمع السجن أو بين النزلاء وهذه الأدوار لا يحصل عليها النزيل عن طريق الصدفة بل طبقاً لمدونات السجن لذا تحصل منافسة شديدة بين النزلاء للحصول على هذه الأدوار لكي يكتسبوا مكانة مرموقة بين النزلاء.

وظائف بعض المدونات: بعدما قدمنا توضيحاً مبسطاً عن المدونات المستخدمة في العصابات الإجرامية المنظمة ندلف إلى مدار وظائفها الممارسة والمتبعة في المافيات الأمريكية والإيطالية إذ هناك تشابهاً كبيراً بين بنية المافيا الإيطالية الصقلية وبنية العصابات الإجرامية الأمريكية لذا فأننا سوف لا نتفاجأ أو نستغرب إذا وجدنا تشابهاً كبيراً بين معاييرهم وقيمهم وباقي أنماط سلوك أعضائهم وبناءً على ذلك فأن مدوناتهم تكون متشابهة تباعاً لا سيما وأن كلاهما يعملا خارج حدود القانون فلا جرم من طرح بعض هذه التشابهات في مدوناتهم موضحين فيها وظائفها التنظيمية والضبطية مثل :

1 – الطاعة المطلقة للزعيم .

2 – تعاون متبادل بين الأعضاء لأية حاجة مطلوبة .

3 – عدم الاستئناف على سلطة الحكومة في العدالة الجنائية .

4 – عدم الإفصاح عن أي أسم من أسماء الأعضاء أو أي سرية من سريات العصابة.

5 – العمل مع جميع الوسائل التي تقوم بالدفاع عن الذين يقعون في قبضة العدالة.

6 – الولاء والنزاهة والسرية والإذعان والطاعة للقيادة أو الزعامة.

ديدني من هذا الطرح هو القول بأن المدونات لجميع التنظيمات الإجرامية سواء أكانت إيطالية أو أمريكية فأنها تعبّر عن عدائها للسلطة وقوة ونفوذ التنظيم وقريبة الشبه من وظيفة الأجهزة البيروقراطية وبالذات عند المافيا الإيطالية. وقبل أن ننصرف عن هذا الموضوع نرى أنه من باب الإغناء والإفاضة والتحديد الدقيق أن نسلط الضياء على طبيعة أبناء صقلية – الإيطاليين من الناحية البنائية والشخصية فهم أقوياء منذ نعومة أضفارهم أو طفولتهم إذ أنهم ولدوا وهم تحت ضوابط تنشيئية توجههم نحو مساعدة كل منهم للآخر وتقديم العون والمساعدة لأبناء جلدتهم ويجانب ويعزز ويعاضد أصدقائه ويتعارك مع خصوهم حتى عندما يكون أصدقائه على خطأ أي أن ينصر أصدقائه في السراء والضراء وحضهم على الحق وكل منهم يدافع عن كرامته مهما بلغت الكلفة وعدم السماح بالتجاهل للتجريح مهما كان صغرها أو اهانته ( أو الاستخفاف به) أن تمر بدون ثأر أو انتقام ويجب المحافظة على السرية والانتباه الدائم تجاه السلطة الرسمية والقوانين . خليق بنا أن نقول إن الصقلي الذي لا يعي بهذه الالتزامات الملزمة لا يُعد صقلياً من قبل الآخرين . إن تنظيم المافيا الإيطالية أشبه بخلية نحا دائبة في عملها وملتزمة في تنظيمها فيها الصفوة الحاكمة والزعيم الأوحد والأتباع يخضعوا أو يطيعوا قواعد الجماعة وكل جماعة فيها ترى نفسها في عالمها الصغير ومستقلة تخضع لإرادة وإدارة قائدها وكل جماعة تفرض قواعدها التنظيمية المتصلبة .

هناك ستة مصطلحات تعبّر عن هيكلية بناء المافيا وهي: –

أ – الفئة المنغلقة.

ب – حالة الجهد الكامن / أو الطاقة الكامنة.

ت – الشكل الكونكريتي في صلابته.

ث – النسق.

ج – حكم الأقلية.

ح – الاستقلالية أو الاستقلال الذاتي .

هذه المسميات تشير إلى فقرات البناء أو الأوجه التنظيمية للمافيا وليس للمواقف . مثل هذا التصوير يمكن أن يحدث من خلال طريقين وهما:- أ – عدة كُتاب لا يعلمون بأنه يمكن أن ينتظموا بدون قوانين مكتوبة وإجراءات رسمية وتخطيط أو هيكل تنظيمي مشابه لأقسام الأجهزة الحكومية. ب – الشرطة يجب أن يكون لها دور أكثر فاعلية في إلقاء القبض على الأفراد المجرمين أكثر من اهتمامها حول بنية التنظيمات. طالما يتم ارجاع المواقف إلى الأفراد في حين يعود حكم الأقلية إلى التنظيمات في الواقع نستطيع القول بأن ما فيه صقلية بدأت من الروابط القرابية والعلاقات الودية ومن ثم تم تطويرها إلى هياكل بنائية معقدة وصلت فيما بعد إلى حالة الحكومة والتنظيمات التجارية. هذه التركيبة التنظيمية للمافيا الصقلية تشبه العصابات الإجرامية الأسرية الأمريكية في نيويورك وانجلترا الجديدة (نيو أنجلاند) في حالة ما فيه صقلية تكون منزلة الرجل هي التي تحدد من قبل حجم الخوف الذي يستطيع احداثه في أسلوب عيشه والخوف منه. بتعبير أخر أن مكانة الرجل في مافيا صقلية تحدد من خلال تخويفه وإرهابه للآخرين بذات الوقت أن يكون تخويفه له أسلوب وطابع محترم ووقور. بذات الوقت هناك تشابه كبير بين رجال المافيا الصقليين ورجال العصابات الأمريكية في سلوكهم ولبسهم وهيبتهم وعلاقاتهم مع الآخرين. أما مناطق سكانهم فأن رجال المافيا الصقليين يقنطوا في الأحياء الحضرية أي في ضواحي وأطراف المدن لكنهم لا يندمجوا مع سكان هذه الأحياء متجنبين الاختلاط معهم يعيشوا عيشه مرفهة لا يختلطوا مع أهالي الأحياء التي يقنطوا فيها لأنه ليس لديهم خلفية اجتماعية معروفة أو مرموقة عند أهل الحي لكي يدفعهم بالاندماج فيهم لكن مع ذلك فأن هناك بعض القادة من استطاع أن يتكيف مع اهل الحي ويندمج معهم ويرتقى على السلم الاجتماعي الحضري ويتشبه برجال الأعمال الأمريكان

ز – مستلزمات الجريمة المنظمة: من بين هذه المستلزمات: أداء النشاط الإجرامي المخترق للقانون من قبل جماعة منظمة تمتلك نسقاً يعكس طابعها المميز لها المتضمن ما يلي :

أ – لغة خاصة بها.

ب – تراث تاريخي يعّبر عن تقاليدها وانحرافها.

ت – امتلاكها منهجاً متميزاً يحمل تقنيتها وأسلحتها ذات التخصص الدقيق في هجومه على الأفراد والملكيات (البنايات).

ث – امتلاكها نماذج رفيعة المستوى وعالية الاداء ودقيقة الاختصاص في الدفاع عن نفسها.

ج – لديها اتصالات محلية وإقليمية وأحياناً دولية.

ح – أن تكون طفيلية تعيش على إهلاك الأخر بخبث وإيذاء وفساد وإرهاب ضاربة الشرعية القانونية عرض الحائط تؤدي فيما بعد إلى الوهن الاجتماعي والاضطراب الأمني.

خ – أن تكون حاملة النظام الشمولي في تنظيمها وطريقة عيشها وتعاملها مع أعضائها المفروضة عليهم ومتصلبة في بنائها وذات نشاط سري ويكون زعيمها معزولاً عن أعضائها وبعيداً عن الفعل الإجرامي وما يؤول إليه من تبعيات غير شرعية.

د – أن تضم زمّر شبابية تمارس مناشط إجرامية بشكل منسق أو لأغراض إجرامية. هذه الزمر متشابكة في روابطها ومنخرطة في جريمة واحدة أو عدة جرائم مثل سرقة المتاجر والسطو أو برامج سرية.

ذ – على المستوى الأعلى ( القمة ) تضم الجريمة المنظمة جماعات كبيرة الحجم لها خبرة في إدارة عمليات إجرامية كبرى مثل إدارة كازينوهات كبيرة للمقامرة أو استيراد وتصدير المخدرات وابتزاز مالي عبر القروض المالية، أو ابتزاز العمال والموظفين.

ر – أن تتماهى فقط مع الأنشطة الساخنة لذلك فأنه من الخطأ تشبيهها بجريمة ذوي الياقات البيضاء لأن الجريمة المنظمة لا تشير كثيراَ إلى المناشط المرتبطة بمكانة الأفراد المنخرطين بها.

ز – يكون نموها نمواً سريعاً سرطانياً ذات تأثير مرضي ( باثولوجي ) يصيب كل فرد بدر بدرجة أو بأخرى . إذ إنها تتموج في انتشارها محققة اهدافها مثال على ذلك ابان سيطرة (ال كبون وجون ديلنجر) كانت أيامها تتمتع بقوة صارخة وفاعلة في المجتمع الأمريكي لم تحصل على أية مرحلة زمنية مثيلها والحالات الطارئة لإنعاشها وفعلها المتماسك من بدايته لنهايته منمية الروابط الإجرامية إلى أعلى درجاته. باختصار شديد، تمثل الجريمة المنظمة مرضاً سرطانياً ينمو انتشارها في المجتمع الأمريكي بشكل سريع بحيث يصيب كل فرد لا يستثنى منها أحد. يمكن القول بان العقد الزمني الذي ظهرت فيه عصابات (ال كبون وجون ديلنجر) تمثل هذا النمو الإجرامي المسرطن  في انتشاره وإيذاء الجسد الاجتماعي.

س – احتوائها على العوامل التالية :

1 – دخل مربح ينتج عن مناشط إجرامية بسبب طبيعتها التي تعمل على تقليل نجاح المقاضاة القانونية إلى حدها الأدنى.

2 – احترافها واحتكارها وتحكمها المسيطرة على المناشط الإجرامية عبر افعال العنف.

ش – البحث عن عمل خارج السيطرة والتحكم فيها من قبل الحكومات.

ص – انخراط ألاف المجرمين يعملون ضمن أبنية معقدة مثل أية تجمعات كبيرة لديها قوانين صارمة وملزمة أكثر من تلك التي لديها  حكومات شرعية تهدف السيطرة على جميع الحقول من أجل الحصول على ثروة هائلة .

ض – أن تكون ممثلة لنقابة إجرامية متألقة من أعمال عائلية أشبه بالمنتجين الصناعيين الذين يعملون في المدن الكبرى ومرتبطة في تنظيم قيادي لها يمثلها فيه، يهتم في حل المشكلات القضائية والالتزام بالنظام الذي تعتمده..

ط – أن يكون نشاطها مؤثراً على المجتمع المحلي والإقليمي .

ظ – أن تظم الجريمة المنظمة فردين أو أكثر متخصصين أو غير متخصصين (هذا الحد الأدنى) لديها تدرج هرمي يضم القيادة ومستغلة نماذج العمليات التي لديها أغراض متعددة داخل التنظيم لخدمة مصالحها ولاستمرار وجودها.

ع – اعتمادها على المرتزقة من السياسيين والاجتماعيين. لا أريد ان أبرح من هذه المستلزمات ما لم أبلغ خلاصتها التي تنطوي على عدة أشخاص أو أسر او تنظيمات إجرامية متباينة في حجومها ومختلفة في أنواعها ومشاريعها اللاشرعية مخترقة في الاستحواذ على أموال وممتلكات الآخرين أو القتل أو الابتزاز أو الاحتيال أو السرقة أو السطو او التهريب أو غسل الأموال أو التزوير. أي في الأنشطة الإجرامية الساخنة من أجل الحصول على أموال الغير والتكسب منها. فهي أذن طفيلية تقوم على أهلاك الآخرين ونشر الإرهاب والفساد في رحم المجتمع وتوهن الضوابط الاجتماعية وتفسد بعض المؤسسات الرسمية متموجة في حركتها ومناشطها الإجرامية تتسرطن في الجسد الاجتماعي. وبناءً على جسامة خروقاتها القانونية فإنها تقوم بتحصين نفسها من خلال ابتكار رموز لغوية خاصة في تفاعل أعضائها لكي لا يُكتشف نشاطها الممارس في المدن الكبرى (الصناعية والتجارية والحضرية). وفي هذا الصدد قال (أنتوني جيدنز) ( عالم اجتماع بريطاني معاصر) إن الجريمة المنظمة تشير إلى نشاط تجاري شديد الدقة والصرامة في سريته وتثقيل الوزن في حساباته المالية وسريع المنافسة الاقتصادية غير القانونية يقدم الخدمات المتعددة والمتنوعة للكثير من الزبائن ولبعض الشبكات الإجرامية (الإقليمية والدولية) متعشقاً للمقامرات غير القانونية والبغاء السري والسرقات الواسعة النطاق وحماية المبتزين في مناشط أخرى.

س – تباين علماء الإجرام نحو الجريمة المنظمة: على الرغم من وجود اتفاقات ولقاءات بين علماء الإجرام فيما يخص الطروحات الإجرامية إلا هناك تباينات بارزة وواضحة فيما بينهم فيما يخص دراسة الجريمة المنظمة لدرجة أن هذه الاختلافات دخلت إلى مدار الدراسات الأكاديمية أعني بين الباحثين والأستاذة في هذا الحقل العلمي الدقيق. إذ هناك نظرة سائدة بين الدارسين والباحثين في الحقل الإجرامي بأن الجريمة المنظمة تتألف من أعراق معينة مثل الأمريكان من أصل إيطالي ومكسيكي وروسي وصيني هذه الأعراق متصفة بتدرج هرمي حاد وصارم ذا بناء أحادي المنشأ. أي رؤية عرقية تماماً . هذه الرؤية طغت بشكل واسع في العقد الخامس من القرن العشرين ساقتها هيئة كفافير Kefauver Committee  إذا اعتبرت هذه الهيئة إن الجريمة المنظمة والمافيا سيان مترادفان أو وجهان لعملة واحدة وهي تعيش في أحشاء المجتمع الأمريكي منذ عدة عقود من الزمن مستغلة القيم الاجتماعية الأمريكية وعدم الخروج عنها بل المحافظة عليها من خلال تحديد الجرائم المنظمة خارج الاتجاه السائد هذا هو العنصر الغريب الذي هاجم هذه القيم. هذا التفسير والتأويل تم تقديمه من قبل دونالد كريس 1969 م الذي قال أولئك سراق الأمة هم الذين يغذون الكفاءات الأكاديمية لتعزيز نظريات المافيا. بتعبير آخر ، هناك من يُرجع وجود الجريمة المنظمة إلى المافيا الأتية من صقلية (هذا التأويل مطروح من قبل الحكومة الأمريكية) بيد أن هناك رأي يقول بأن هذا التأويل عبارة عن ستار دخاني سياسي لحجب الفساد السياسي والمالي والاقتصادي والإداري الذي تعج به الحكومة الأمريكية ومؤسساتها بذات الوقت لتوجيه انتباه وأنظار الناس نحو الأقليات العرقية التي يضمها المجتمع الأمريكي المتكون من عدة أعراق وقوميات لكي لا يركز الناس أنظارهم على سياسة الحكومة الفاشلة بل يصبوه على القادمين من صقلية الذين جلبوا معهم المخدرات فلوثوا المجتمع الأمريكي بها. إن سياق الحديث أن لا أغفل التأويل الأخر الذي مفاده بأن المافيا ما هي إلا سوى أسرة واحدة تستعمل علائقها الأسرية والقرابية في تجارتها والغير شرعية وداخل هذه الأسرة هناك زعيم يترأس العمليات الشرعية والغير شرعية. لذلك نجد هناك لوماً كبيراً تم رمّيه على المافيا القادمة من صقلية كأقلية أجنبية ضعفيه الدفاع عن نفسها ، ليس لها مواقع سياسية فاعلة أو نفوذ اجتماعي متميز، بذات الوقت هناك من يقول بأن الرأسمالية ساعدت على تحويل أنظار الناس من مفاسدها إلى أقلية عرقية فلاحيه حديثة العهد بالحياة الصناعية والرأسمالية. لكن في الواقع لا يرجع الانخراط بالأنشطة الإجرامية المنظمة بالضرورة إلى الأصول العرقية أو القومية لممارسيها بل في الواقع هناك تكتلات اقتصادية واجتماعية قائمة في المجتمع المهاجر إليه يواجهها كل مهاجر. ولما كان المهاجر يجهل اللغة الوطنية والثقافية الاجتماعية السائدة في المجتمع المهاجر إليه ولا يجد مخرجاً يستطيع الخروج منه عندما يواجه عقبات أو عندما تحصل له مشاكل نفسية أو مالية أو اجتماعية عندها يجنح إلى طرق منحرفة للتخلص من الضغوط التي تقع عليه أو التي يواجهها. بعبارة أخرى أن الجريمة المنظمة تستطيع أن تغدوا بديلاً للتكسب المالي لهؤلاء المهاجرين الذين يواجهون أبوباً مؤصدة في شق طريقهم في العيش في مجتمع يجهلوا لغته وقواعده وقوانينه السارية وهذا غالباً ما يتطلب التحرك اجتماعياً وبالذات لأولئك الذين ليس لديهم مخرجاً للوصول إلى أهداف مشروعة. للإحاطة بهذا الموضوع ندلف إلى باب الأعمال التجارية التي تمثل أوسع باباً تدخل منها المافيا والجرائم المنظمة الأخرى لا سيما وأن الجريمة المنظمة لا تغدو عن كونها أنشطة مستمرة عند أولئك المنخرطين في مشاريع تجارية وإنتاجية التي تقوم بالتجهيز السلعي والإجراءات المالية وبيع السلع والخدمات في أسواق غير قانونية مثل السوق السوداء. بتعبير أخر ، تقوم الجماعة الإجرامية المنظمة بأعمال تجارية بشكل ظاهري بهدف التجارة الحرة والبحث عن فرص ربحية وعدم اقتصار عملها على نشاط واحد بل عدة أنشطة تكون بعضها ذات دوافع سياسية أو فساد موظفي الدولة. مثل هذه الأنشطة لا تكن علنية. أي لا تمارس بالعلن بل بالسر والتستر والظل متستر عليها من قبل أصحاب المواقع العليا ومالكي النفوذ المهني والمالي . أقول تعتيم وتشويش العلاقات التجارية لجعلها تعيش في عالم غامض تختلط فيه تجارة الأعمال الحرة مع نقيضها (غير الحرة) لكي لا يتم انكشاف تجارتهم اللاقانونية. ومن نافلة القول إن الجريمة المنظمة تمارس الاتجار بالسلع المحظورة بيعها في الأسواق التجارية مثل المخدرات وبعض الأدوية والأفلام الجنسية والصور الإباحية التي تصور الأطفال بأوضاع جنسية خليعة والأسلحة وكل سلعة مفقودة في السوق التجاري ويبحث عنها الناس ويحتاجها بشكل مستمر أو سلع تحتكرها الدولة وتبيعها بأسعار  مرتفعة. هذا على صعيد النشاط التجاري. أما على صعيد أماكن نشاطها فأنها تتموقع في المناطق التي يقطنها الفقراء أي الطبقة الدنيا وتعاني من التفاوت الطبقي حيث تستولد فيها وظائف خارقة للقانون تجذب العاطلين عن العمل في هذه المناطق، وتتواجد أيضاً في المناطق السكنية المشحونة بالجرائم والسلوك العنفي وطيش الشباب ويكثر فيها اللصوص المحترفين . أذ تكون بيئة خصبة لممارسة نشاطها. ثم هناك فترات زمنية ينجذب لها أعضاء الجريمة المنظمة وذلك بسبب تواجد أفراد يبحثون عنهم ليكونا سلعاً بشرية في نشاطهم مثل النساء والأطفال والباحثين عن الهجرة غير المشروعة تحديداً بعد سقوط أو انهيار أنظمة سياسية دكتاتورية مثل المعسكر الاشتراكي في شرق أوربا والاتحاد السوفيتي والعراق ومصر وتونس وليبيا واليمن. وقبل أن ننصرف عن هذا الموضوع نطرح صفوة القول عن الجريمة المنظمة بأنها تستغل: –

1 – الفجوات الاجتماعية والاقتصادية التي تبلور صراعاً طبقياً داخل المجتمع.

2 – فقدان بعض السلع النادرة والضرورية التي يحتاجها الناس في حياتهم اليومية والصحية والحكومية.

3 – المناطق السكنية الموبوءة بالعنف والجريمة المحترفة.

4 – مناطق حصل فيها انهيار سياسي وسقوط نظام الحكم الاستبدادي.

5 – سلعها تكون بشرية ( نساء وشباب وأطفال ) ومواد دوائية وغذائية ضرورية وأسلحة محظورة ومخدرات وعملات صعبة. لكن هذا لا يمنع حضور وتواجد الجريمة المنظمة في مناطق تقطنها الطبقة المتوسطة والعليا إذ تحتاجها عندما تريد أن تُهَرب أموالها أو تحتاج إلى سلعها في المخدرات والأدوية والنساء والأطفال.

1 – لها صلة بالأقليات العرقية في تنفيذ مناشطها الإجرامية.

2 – لها علاقة برموز المجتمع السياسي والاقتصادي في أداء مشاريعها الإجرامية.

3 – تتحين الفرص والأزمات السياسية والاقتصادية لتمرير خططها الإجرامية.

4 – تتخطى الحدود الإقليمية والوطنية مستخدمة أحدث الأجهزة الالكترونية في الاتصالات والترويج السلعي والتهريب البشري.

ش – المؤسسات الإجرامية للجريمة المنظمة: يطلق على جرائم العصابات الإجرامية الواسعة النشاط والعابرة للحدود والقارات بمصطلح مؤسسة الذي يشير إلى تنظيمات سرية مترابطة بعضها ببعض ولها فروع ووكالات وتَدرج هرمي خاص بأعضائها ولغة خاصة بهم وتنشئة تنظيمية سرية صارمة وعارمة تمارسها على أفرادها العاملين في مناشطها وهي: –

1 – كارتل ميدلين في أمريكيا اللاتينية: تعمل في تجارة الكوكايين في كولومبيا يضم هذا الاتحاد (الكارتل) منظمة لانجبرج ومنظمة رود ريجيز لوبيز في بيرو ومنظمة كالي ومدلين في كولومبيا . وقد تسللت هذه المنظمات إلى المؤسسات الحيوية في الدول وعمل في خدمتها رؤساء دول ووزراء وقادة شرطة وسياسيون برلمانيون وأعضاء أحزاب وسيطرت على مقاليد أمور في مناطق زراعة الكوكا وهي مناطق من الصعب الوصول إليها ولا تقدم لها السلطات الوطنية أي خدمات.

2 – المافيا: كلمة إيطاليا تعني الأسرة أو العائلة ورئيس العصابة هو رئيس العائلة أو العّراب أو الأب الروحي. وعندما هاجر الإيطاليون إلى الأرض الجيدة في أمريكا نقلوا معهم فكرتهم عن المافيا وتكونت عائلات إجرامية منظمة وخاصة في شيكاغو ولاس فيكاس ولوس أنجلوس وسان فرانسسكو وأشهر أسم للمافيا هي الكوسانوسترا في صقلية والندرانجيتا في كالابري والكامور في نابولي وميلانو وسكارا كورونا يونيتا في أبوليا. تُمارس هذه المنظمات الإجرامية عدة أنشطة منها: –

1 – تهريب الأسلحة.

2 – إدارة الملاهي وكازينوهات للقمار.

3 – إدارة أوكار للدعارة.

4 – الاغتيال والابتزاز.

5 – تجارة المخدرات.

6 – غسل الأموال المتحصلة عليها من الجرائم.

7 – إدارة مؤسسات للإقراض بالربا الفاحش. يبلغ عدد أسر المافيا بالولايات المتحدة الأمريكية 12 أسرة تشكل العقل المحرك للجريمة المنظمة وتضم 20 ألف مجرم محترف من أصل إيطالي . ويتولى التنسيق بين هذه العصابات حتى لا يحدث الصدام بسبب التنافس على السيطرة على مناطق النفوذ لجنة تسمى اللجنة العليا للمافيا تضم رؤساء الأسرة وهي بمثابة المجلس الاتحادي في النظام الكونفدرالي.

3 – الياكوزا: مقرها الرئيسي في اليابان تضم 91 ألف عضو يتمركزون في ثلاث عصابات هي باما جوش جومي ، يناجوا كاي ،سومية شيكاي. تعمل الياكوز في تجارة الميثاميتامين والكوكايين والدعارة وتجارة السلاح والقتل والابتزاز والخطف والسخرة حيث تسيطر على تشغيل المهاجرين الأسيويين في الأعمال التي أصبح الياباني يأنف القيام بها لقاء مبلغ لا يقيم أودهم ويستولي على باقي الأجر. والياكوزا لها وجود بارز في معظم انحاء جنوب شرق أسيا ولها الريادة في تنظيم الرق والجنس للفتيات.

4 – الثلاثيات Triads: مركزها هونك كونك ويبلغ عدد أعضائها 100 ألف مجرم محترف تتسم فعالياتها بالقسوة والبطش وإفساد الجهاز الإداري والسياسي في المناطق التي تعمل بها. يمتد نشاطها إلى نيويورك وأمستردام ولندن وكندا وجنوب أفريقيا وأستراليا ونيوزلندا وألمانيا وبلجيكا وقد استطاعت ان تستولي على مناطق نفوذ المافيا في لوس أنجلس وغيرها من المدن الكبيرة في الولايات المتحدة الأمريكية. وتتولى تهريب الهيروين من دول المثلث الذهبي وخاصة تايلاند وبورما إلى أوربا وأمريكا واستطاعت ان تجند بعض فاسدي الذمم من رجال الجمارك وغيرهم من العاملين في الموانئ والمطارات لتسهيل عملياتهم كما تقوم بفرض إتاوات على رجال الأعمال الأجانب الذين يعملون في المناطق الخاضعة لنفوذهم بالإضافة إلى عمليات الاغتيال والسطو علناً ونقل الأسيويين الراغبين بالهجرة إلى الولايات المتحدة وتسيطر على أندية الضمار ودور اللهو كما تصنع بطاقات ائتمان مُتَقنة التزوير تحمل أرقاماً حقيقية لأشخاص يتمتعون بالثراء الفاحش.

أنشطة المنظمات الإجرامية غير الوطنية

1 – الاتجار غير المشروع بالعقاقير المخدرة.

2 – الاتجار بالأسلحة.

3 – الاتجار بالمواد النووية وغيرها من اسلحة الدمار الشامل.

4 – الاتجار بالنساء والأطفال.

5 – الاتجار في أعضاء الجسم البشري.

6 – الاتجار في الأجنة والبويضات الملقحة.

7 – سرقة السيارات وتهريبها.

8 – غسل الأموال المتحصلة من الجرائم.

9 – التعاون مع المنظمات الإرهابية في خلق بيئة تساعد المنظمات الإجرامية على ممارسة نشاطها الإجرامي بيت الرعب عند المواطنين في العدالة الجنائية في مقابل مساعدة المنظمات الإرهابية مادياً.

10 – سرقة المقتنيات الفنية والآثار.

11 – تهريب المعادن النفيسة.

12 – فرض الإتاوات.

13 – الخطف.

14 – الابتزاز.

15 – القتل.

16 – النشاط التجاري والبحث العلمي.

17 – النشاط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

18 – افساد ذمة الموظفين الحكوميين.

19 – دفن النفايات الذرية بالتواطؤ مع بعض الحكومات الفاسد.

20 – الاتجار بالأغذية الملوثة بالإشعاعات والأدوية في مرحلة التجريب وإفراغ النفايات التي تسبب تلوثاً للحياة الشاطئية.

الملامح المشتركة للجريمة المنظمة

1 – التنظيم الدقيق.

2 – تقسيم العمل.

3 – العنف غير المحدود.

4 – القسوة الشديدة مع من يخرج على قواعد التنظيم.

5 – الولاء المطلق للقيادة والنشاط الإجرامي الواسع النطاق محلياً ودولياً في المجالات متعددة.

6 – إفساد الموظفين عن طريق الرشوة أو التهديد.

7 – هدفها الأول جمع أكبر قدر من الأموال غير المشروعة.

يجب التفريق بين الجريمة المنظمة والمؤسسة الإجرامية التي ترتكب الجريمة المنظمة. تعني المؤسسة الإجرامية التي ترتكب الجريمة المنظمة بأنها  تضم ترتكب الجرائم من أجل الربح وتسعى إلى خلق نظام الاحتماء من الضوابط الاجتماعية بوسائل غير مشروعة مثل العنف والترويع والإفساد والسرقة على نطاق واسع.

خصائص الجريمة المنظمة

1 – وليدة التقدم الحضاري وتطور المدينة وانتشار العلوم والفنون .

2 – وليدة التخطيط الإجرامي الذي يتخذ من الأساليب العلمية والتقنية وسيلة لتحديد أهدافه وتنفيذ أغراضه .

3 – ثمرة إجرام متبصر ومتمكن وعلى دراية كاملة بالثغرات القانونية والاقتصادية والاجتماعية التي يستطيع أن ينفذ من خلالها .

4 – إجرام متعقد ومتشابك بتكامل فيه أكثر من نوع من أنواع النشاط الإجرامي في مشروع إجرامي واحد .

5 – إجرام عصابي ترتكبه عصابات مكونة من أفراد يعرف كل منهم دوره في الجريمة ومسئولية عن هذا الدور .

6 – إجرام دولي لا يعترف بالحدود وتمتد عملياته الإجرامية عبر أكثر من دولة. [العمر. 2013. ص. 24 – 56]

ض – اغتصاب الجماعة الأولية للتنظيم الرسمي الكبير

توطئة

يعني الاغتصاب، اعتداء جماعة على أخرى دون موافقتها عبر استخدامها للقوة والاكراه. بمعنى الاستيلاء على شيء وأخذه بالقوة غصباً بدافع التسلط والتحكم وعدم الوعي بالحياة التنظيمية واللوائح القانونية والحرية الفكرية واحترام الرأي الأخر وتقبل نظام تقسيم العمل وأهمية أداء الكفاءات والمهارات العلمية مما يسبب “تنافر وظيفي” و “اعتلال بنيوي”. يحصل هذا الاغتصاب من خلال سيطرة الجماعة الأولية (الأسرة تحديداً) على التنظيم الرسمي الكبير. بتعبير أدق تتدخل الأسرة في شؤون المؤسسة العسكرية والأمنية وبيوت المال والبنوك والشركات التجارية العملاقة والحكومات. فهي إذن حالة غير طبيعية لأن الطبيعية تكون العكس مثل تأثير المدرسة ووكالات العمل والشركات والبنوك في شؤون الأسرة على الرغم من قوة وحيوية التنظيم الرسمي إلا ان المال والتسلط بيد الأسرة دعلها تمتلك النفوذ الفعال والمؤثر على المؤسسات والشركات والبنوك. ديدني هنا هو القول بإن وجود المال والسلطة بيد الجماعة الأولية يجعلها متنفذة ومتحكمة بالتنظيمات الرسمية إما هذا التحكم المتنفذ من قبل جماعة أولية على تنظيم رسمي يسبب اعتلالاً وظيفياً عند المتنفذ عليهم (المؤسسات وشركات وبنوك) لأنها لا تكن مستقلة وحرة في أداء وظيفتها التنظيمية فيحصل خضوع تنظيمي لنفوذ شخصي – أسري لا يخدم هدف التنظيم المهني ولا المصلحة العامة مما يؤدي الى اضطراب في حياة الناس وارباك في مناشطهم وعدم قيام التنظيم بوظائفه المهنية لخدمة المجتمع بل لخدمة الجماعة الأولية (العائلة) وليس عمل الجماعات الصغيرة. أدلف الان الى مدار تعريف المصطلحات المستخدمة في هذا الباب نبدأها بـ : –

1 – الجماعة الأولية Primary group: التي تتألف من عدد صغير من الأفراد يتفاعلوا بشكل مباشر ومستمر لفترة طويلة من الزمن فتتولد عندهم روابط اجتماعية حميمية وودودة لأن تفاعلهم يتم وجهاً لوجه وليس عبر وسط ثالث لذا لا تحصل بينهم نزاعات أو صراعات إلا ما ندر ليس لديهم سجل رسمي مكتوب ولا يحصلوا على رواتب مالية لقاء انخراطهم في الجماعة وليس لديهم بطاقة تعريفية (هوية) تؤكد انتمائهم للجماعة لكن لديهم نظام تقسيم عمل بسيط وأولي، لا يملكوا تدرجاً هرمياً يشغله افراداها بمعنى لا يوجد تخصص مهني عندهم. مثل الأسرة وجماعة الاقران. أما التنظيمات الكبيرة والرسمية التي في مصطلحات علم الاجتماع تسمى:

2 – الجماعة الثانوية Secondary group: فهي تتسم بالحجم الكبير تكون علاقة أعضائها ذاتية ورسمية ليست دائميه لأنها تقوم على أساس المواقع الرسمية ذات العضوية الاختيارية ليست الزامية لكنها من النوع المتخصص بنشاط مهني محدد متصفة بنظام عمل متخصص ومركب متخذاً شكلاً هرمياً يضع افراده كلٍ حسب اختصاصه وكفاءته وخبرته تعمل حسب لوائح قانونية مكتوبة منتجة كفاءة وجدارة خاصة بالمؤسسة التي يعملوا فيها لدرجة تجعلهم يعرفوا ما هو متوقع منهم مختزلة التحيز لا تشجع على المحسوبية ومقلله للمنافسات التافهة فيما بينهم إنما تقمع المبادرات والتصورات الشخصية مبلورة استلابهم في عدم حيازتهم للمُلكية. جدير بذكره في هذا السياق ان التنظيم العسكري عبارة عن بناء الوحدات والتشكيلات والرتب بالنظام المعني، يطبق القوانين بالقوة في المجتمعات المنظمة معتمداً على الإجراءات الموحدة وتوزيع المسؤوليات بطريقة هرمية وعدم تدخل المصالح الشخصية مقامة على العلاقات السلطوية ذات التخصصات العسكرية ذات التسلسل الهرمي محدد للسلطة. لها مجموعة من الإجراءات والقواعد الرسمية وتفاعل موضوعي لا يقوم على العلاقات الإنسانية والشخصية. اما اختيار العناصر وتقدمها وترقيتها فإنها تكون على مبدأ الاستحقاق. إذ ان التنظيم العسكري يركز على الخبرة والمهارة والتأهيل التي تكون أساس اختيار الضابط مع وجود إجراءات وخطوات محددة ومنسقة سلفاً والاختيار الأمثل لمن ينفذ هذه الخطوات من المرؤوسين في أداء العمل معتمداً على مبدأ لا وقت في العمل إلا للعمل. لذا نقول بإنه تنظيم مبني على: أ – تقسيم العمل.

ب – الفصل بين اعمال الضابط الخاصة والعامة.

ت – اختيار العنصر الأكثر كفاءة في تنفيذ متطلبات الجيش.

ث – تكون الترقية على أساس الأقدمية أو الإنجاز أو الاثنين معاً.

ج – مراقبة أداء العنصر. وهذا يتخلف كلياً عن الجماعة الأولية وبالذات مع الأسرة. أما التنافر التنظيمي الذي يحصل بين افراد الجماعة الأولية (العائلة) وأعضاء التنظيم الرسمي (مؤسسات عسكرية وأمنية وبنوك وشركات عملاقة وحكومات) فإنه يعني تريد الأولى التسلط والتحكم على التنظيم ضماناً لوجودها في التحكم. بينما الثانية تهتم بأداء وإنجاز كفاءة التنظيم وادارته دون تحيز فتحارب المحسوبية في التعينات والعمل لأنه يلتزم بالاختصاص والخبرة، بينما الجماعة الأولية ليس لدى افرادها الاختصاص أو الكفاءة، لا يلتزموا بالاختصاص والخبرة بل الولاء لهم وليس للتنظيم. هذا التنافر التنظيمي يظهر داخل التنظيمات الرسمية في المجتمعات ذات الحكم الفردي والأسري والعشائري والحزبي (مثل المجتمع العربي منذ استقلاله ولحد الان) لذلك لا توجد فيه تنظيمات خالية من هذا التنافر مما أدى الى وجودها في الانساق البنائية مبلورةً “اعتلالاً وظيفياً وبنائياً” مما لا يجعلها متنامية ومتطورة ومتألقة لأن قيادتها من الجماعة الأولية (الغاصبة) التي ليس من مصلحتها ان تتركها بيد أصحاب الكفاءات والمتخصصين وإذا تتركها فإن نفوذها وسلطتها سوف تهزل أو تزول وهذا لا يصب في مصلحتها. ولما كانت القوة والتسلط والمال بيدها فإنها تستمر في ممارسة تسلطها وقمعها وطردها لإصحاب الكفاءات والمؤهلات المهنية فتحصل هدرة الكفاءات الى البلدان الأخرى وتترك التنظيمات الرسمية بيد أفراد الجماعة الأولية الجاهلة وهذا بدوره يجعل المجتمع متخلفاً علمياً وثقافياً وتقنياً الذي لا يهمهم لأنهم لا يعيروا أهمية للتنظيمات الرسمية ولا للمجتمع ككل بل فقط بنفوذهم ومالهم. انتقل بعد ذلك الى تقديم خصائص التنظيمات الرسمية التي سنتناولها في هذا الباب نبدأها بالمنظومة العسكرية والأمنية المتميزة بالتدرج المتسلسل للمواقع العسكرية المعتمدة على التخصص الخبرة وسنين الخدمة بشكل صارم لا يقبل التسويف والاستبدال أكثر التزاماً من أي تنظيم رسمي ومدني لأن الحفاظ على الأمن واستقراره والدفاع عن البلد ومحاربة العدو لا يتم إلا بوجود تنظيم عسكري متدرب ومتخصص وملتزم بالضوابط العسكرية الصارمة وغير ذلك يؤدي الى حدوث اضطرابات داخلية وفقدان الأمن وشيوع الفوضى بين الناس ويطمع الأجنبي بالتدخل في الشؤون الداخلية والاستيلاء على خيرات البلد لأن الدرع الحصين غير محصن وغير مؤمن  لا يستطيع الدفاع عن نفسه فكيف يدافع عن الشعب والبلد الذي أوكله بحمايته وصيانته؟

1 – اغتصاب العائلة للمؤسسات العسكرية والأمنية: مثال على اغتصاب الجماعة الأولية على المؤسسات العسكرية والأمينة في العراق الذي بلور أهدافها الدفاعية نبدأها: أ – بعد استلام (نوري المالكي) رئيس وزراء العراق، مهام القائد العام للقوات المسلحة في حزيران من عام 2006، الذي استغل قانون الدمج واستثمره ببشاعة مع حفنة من المحيطين به وانفرد بمنح الرتب للمقربين ولأغلب أقاربهم وبعض المناطق التي يرغب من خلالها كسب الولاءات المناطقية ورغم انتهاء العمل بقانون الدمج في 1/1/ 2006 أقام الدورات العاجلة والسريعة لمنتسبي حزب الدعوة وبعض أبناء العشائر المساندة له بمنحهم رتباً عسكرية بدون وجه حق إذ بعضاً منهم نال على رتبة عقيد أو عميد بعد اشتراكه في دورة بسيطة لتعلم بعض المبادئ العسكرية ومن ثم تعينهم في مناصب حساسة في الأجهزة الأمنية وتكاثرت الاعداد حيث أصبحت بالألاف التي لا تنطبق عليهم أي معايير مهنية ولا قانونية لمنحهم الرتبة ولم يحصل مثيلها سابقاً في أي دولة أخرى في العالم.

ب – وفي حقبته بدأ حملة غير مسبوقة قام بمنح الرتب (لواء أو فريق) لبعض الأشخاص لغرض المنصب حيث أمر بترقية 208 عنصراً الى رتبة فريق وأكثر من ألف عنصر برتبة لواء. وهناك أعداد كبيرة منحوا رتباً ليس وفقاً للآليات المتبعة في وزارة الدفاع والداخلية. فقد تم ترقية بعض الضباط الى رتبة لواء ركن فيما زملائهم لا زالوا أما برتبة عقيد أو مقدم. ترتب على هذا التخريب المؤسسي والتشويه الاحترافي ما يلي:

1 – ان مثل هكذا إجراءات من شأنها ان تخلق ظلماً بين صفوف القوات المسلحة فضلاً عن ابعادها المعنوية غير المدروسة وما تؤدي اليه هذه التصرفات من تخريب للمنظومة العسكرية والأمنية التي مازالت تعاني من بعض الدمار الذي أصابها نتيجة تصرفات الرعناء بإدارة الملف الأمني للبلد.

2 – ان افتقار هؤلاء الضباط الى العلوم العسكرية بسبب عدم انتسابهم الى الكليات العسكرية أو كلية الشرطة أو معاهد جعل منهم عبئاً على قوات يفترض بها ان تبسط الامن في محافظات العراق التي تتنازعها تيارات إسلامية تحاول الاستئثار بالسلطة والنفوذ والثروات.

3 – ونتج عنها ما يلي: أ – احداث مايس عام 2008 حيث تم هزيمة الجيش وقوى الامن الداخلي وسلموا أسلحتهم الى جيش المهدي في بغداد والحافظات.

ب – عندما تم إهانة الجيش وقوى الأمن الداخلي عام 2012 بادعائه بإنهم انهزموا أمام المقاول وجعل ولده حمودي بطل العراق هم ذات الأشخاص الذين منحهم رتب الدمج.

ت – قادة الموصل لم يكونوا ضابط متدرجين بل هم ضباط دمج يفتقروا لأبسط مقومات القيادة وأنهم مبتوري المعرفة العسكرية والأمنية. انها جريمة من نوع استعمال نفوذ الوظيفة بقصد الاضرار بالدولة وتحقيق منفعة لبعض الأشخاص والأحزاب دون وجه حق أو سند من القانون مع ارهاق ميزانية الدولة وتسبب ضرراً للمصلحة العليا للدولة. [www.kitabat.com] نستشف من العرض الانف الذكر، ان ما قام به المالكي في دمج افراد أسرته وعشيرته وحزبه في المنظومة العسكرية والأمنية في العراق أبان عام 2006 وما بعدها ما يلي: بإنه

1 – استهتر بالتسلسل الهرمي للمواقع العسكرية المبنية على مبدأ الاستحقاق.

2 – تجاوز خبرة العنصر العسكري ومهارته وتأهيليه في التركيبة العسكرية.

3 – لم يحترم نظام تقسيم العمل في المؤسسة العسكرية والأمنية.

4 – فاضل العلاقات القرابية والشخصية على المستلزمات الوظيفية للضابط.

5 – تجاوز على الترقيات العسكرية المقامة على الكفاءة والمقدرة العسكرية.

6 – لم يأخذ بمبدأ الإنجاز العسكري بل الصلة القرابية له.

7 – من الزاوية البنائية الوظيفية تم تنصيب عناصر غير مؤهلة ولا متخصصة بل جاهلة ومتخلفة في مواقع هرمية رفيعة الاحتراف العسكري والتدريب المهني. وكما نعلم ان لكل موقع هرمي مستلزمات ومتطلبات مهنية تخفي دور الموقع الهرمي فتم توريط هؤلاء من اسرته وعشيرته وطائفته فتم وصمهم من قبل العراقيين بإنهم عناصر الدمج والمرتزقة والمفسدين والعابثين، لم يُنظر إليهم العراقيين على انهم حماة للأمن وللعراق وللمؤسسات الحكومية بل كانوا مقوضين لها. وهنا كشف المالكي وبكل غباء وسذاجة أو تعمد حاقد على الهوية الحقيقية لعناصر الدمج، لأنه منحهم مناصب هرمية عالية وهم لا يعرفون دورهم فيها حيث لكل موقع هرمي دوره الخاص به. وهذه جريمة قام بها (المالكي) واسرته وعشيرته في حق العراق والعراقيين بل وحتى في حق افراد اسرته وعشيرته حيث كان دافعه الاحمق هو حمايته وحماية اسرته من العراقيين الذين يعرفهم بإنهم لا يخضعوا لحكم جائر وعميل للأجنبي الإيراني والأمريكي. إضافةً الى تسببه للتنافر الوظيفي والاعتلال البنيوي الذي نتج عن اغتصاب الجماعة الأولية (الأسرة) للتنظيم الرسمي الكبير (المؤسسة العسكرية والأمنية). كل ذلك أدى الى:

1 – عدم الاستقرار السياسي والعسكري والاجتماعي في العراق.

2 – لم يساهم في بناء دولة العراق ولا غرس الروح الوطنية.

3 – لم يحافظ على النظام إزاء التهديدات الداعشية والقاعدة.

4 – لم يبني تنظيماً احترافياً ليواجه الأزمات.

5 – حوَّل المؤسسة العسكرية والأمنية الى وكالة اجتماعية تجمع العاطلين عن العمل والهاربين من الخدمة العسكرية والطائفيين المتزمتين وعملاء إيران.

6 – نشر نزعة العنف والخطف والاعتقال الكيفي والثأري. كل ذلك أدى الى تفكيك مفاصل المؤسسة العسكرية والأمنية جاعلاً “إياها” جماعة “أولية” تخدم مصلحته الشخصية.

7 – قوض بنيان الوحدة الوطنية العراقية.

8 – كشف عجز الأجهزة الأمنية في منع التفجيرات الإرهابية.

9 – حوّلَ الجيش والشرطة والأمن الى ارقام إحصائية وخزان بشري.

10 – غياب الانضباط بين رجال الأمن والدفاع بسبب نقصهم بالخبرات والتدريب والجهل بسياقات العمل.

11 – سقوط الموصل بتاريخ 10/6/2014 على يد داعش وانهزام الجيش العراقي واستيلاء داعش على 2300 عربة همر عسكرية مصفحة وفروع البنك المركزي في الموصل مع دبابات ومدرعات ومنصات قتالية بل حتى طائرات وصواريخ بسبب عدم كفاءة ومهنية القادة الذين هربوا تاركين جنودهم لداعش.

12 – عجز الأجهزة الأمنية في إيقاف جرائم العصابات المسلحة ذات الولاءات الخارجية.

13 – عدم حماية التظاهرات السلمية من قبل اعتداءات وقتل الكثير منهم من قبل مليشيات مسلحة ذات ارتباط إيراني.

14 – كرس المالكي الولاء له ولأسرته وحزبه عند افراد الأجهزة الأمنية بدلاً من ان تكون للعراق والعراقيين.

زبدة القول من خلال ما قدمناه هو وجود ظاهرة شاذة وغريبة لوظيفة العائلة في المجتمع فبدلاً من مساهمتها في بناء المجتمع الطبيعي والسليم المتعافي بل عملت على تشويه وتفكيك المنظمة العسكرية والأمنية التي تمثل تنظيماً لتشكيلات ورتب متسلسلة في تطبيقها للقوانين فأشاعت الفوضى واللامعيارية في المجتمع ودعمت الصراعات الطائفية ونهب خيرات البلد. لأنه (المالكي) ضرب عرض الحائط جميع متطلبات المؤسسة العسكرية والأمنية من أجل أن يجعل أسرته وعشيرته (جماعة أولية) متسلطة على هذه المؤسسات الركائزية في النسق العسكري في والأمني، مما أدى الى اعتلال وظيفي وتفكك بنائي في المجتمع العراقي طالت أكثر من عقد من الزمن. انها جريمة كبرى متشعبة الاضرار ومتنوعة التخريب. ومن أجل تمحيص ما تقدم نقول حصل تخريب المنظومة العسكرية القيادية متصوراً (المالكي) وبجهل مطبق بإنه خدم أفراد جماعته الأولية وجعلهم حماية له ولنظامه، لكن الذي ترتب على هذا الدمج المخرب هو ما يلي:

1 – إزالة هيبة الجيش العراقي بإدخاله عناصر من جماعته الأولية دون دراستهم للعلوم العسكرية والأمنية في كليات عسكرية.

2 – عدم احترامه للنظام العسكري الخاص بالتدرج النسقي الذي فيه.

3 – إحراج عناصر جماعته الأولية من ادخالهم في منظومة لا يعرفوا شروطها ولا قوانينها متصوراً انه بلباسهم الزي العسكري ووضع شارات عسكرية على اكتافهم يمنحهم الخبرة والدراية في العلوم العسكرية والأمنية.

4 – معتقداً بإنهم سوف يحموه من الأخطار التي تحيط به وغضب العراقيين عليه.

5 – أضر بالدولة وميزانيتها وبالمصلحة العامة. لكننا نفترض أول من يثور عليه هو الجيش النظامي المتدرج في مناصبه والمتخرج من كليات عسكرية لأنه أهانهم وأزال هيبتهم واخترق نظامهم الصارم ودنس تاريخهم المشرف. لكن كان عناصر جماعته الأولية ممثلين عبءً عسكرياً ومالياً وأمنياً أدى الى انهزام الجيش أمام داعش والمليشيات الحزبية وتخليهم عن الاخلاق المهنية في أخذ الرشاوي من المواطنين وقتل المعارضين لنظام والتواطؤ مع المليشيات المسلحة ضد الشعب فكانوا مساندين للفساد والاضطرابات والحرب الأهلية والتهجير وقتل المواطنين الأبرياء. كل ذلك بسبب قرار أحمق وأهوج وجاهل وعابث لا يقدّر تبعيات على المستوى التنظيمي والوطني وحتى الشخص بل ورطهم بمنحهم رتب عسكرية متقدمة ورفيعة المستوى (فريق وفريق ركن) وهم لا يعرفون ابجدية العلوم العسكرية فكانوا وصمة عار عليهم وعلى حكومتهم وحصول تنافر تنظيمي بين جماعة الدمج (الأولية) والمنظومة العسكرية والأمنية فأنتج الاضطرابات التنظيمية والمدنية وعدم الالتزام بالأوامر العسكرية فانهزموا أمام الأزمات والتحديات الداخلية والخارجية فلجأوا الى الرشوة والابتزاز والهروب من المسؤولية وحصل الخراب الأعظم في العراق.

2 – اغتصاب العائلة للتنظيمات الاقتصادية والمالية: نموذج أخر لاغتصاب الجماعة الأولية للتنظيم الرسمي في العالم ينطوي هذا النموذج على اغتصاب التنظيمات الاقتصادية والصناعية والسياسية في العالم من قبل بعض العوائل المالكة للثروة والنفوذ الاقتصادي في العالم. انه أخطر من النموذج الأول الذي أوقع الخراب في مؤسسات عسكرية وأمنية قطرية، إنما هذا النموذج أكثر دماراً للاقتصاد العالمي للتنظيمات الكبيرة مثل (بيوت المال والبنوك المركزية والتجارة العالمية والمصانع العملاقة) تتدخل في شؤونها التنظيمية والإنتاجية تسببها بعض العوائل المالكة للثروة والنفوذ الدولي. إذ ان من المعروف عن التنظيمات الرسمية بإنها أقوى وأرصن من الجماعة الأولية (العائلة) لكن الأخيرة تملك الثروة الطائلة تستخدمها في ممارسة نفوذها على المؤسسات المالية الكبرى وتمول الحروب والصراعات الإقليمية التي تشتعل في العالم، فضلاً عن امتلاكها وسائل الاعلام الفضائية لكنها تتحرك بالظل للسيطرة الكاملة على العالم. في الواقع همهم هو (المال) وليس الحكم ودينهم هو (النفوذ) وليس السلطة وهذا مخالف للأعراف العائلية المتمثلة بالتنشئة ونقل الثقافة التراثية الموروثة. فهو إذن شكل جديد من اشكال نشاط الجماعة الأولية المتعارف عليه في حياة الشعوب لكن ليس جميع العوائل هكذا بل فقط التي تملك الثروة الهائلة والنفوذ الاقتصادي. بعد هذه التوطئة أحد هرمية العوائل المتحكمة في العالم:

1 – النخبة المالية التي تتحكم في العالم وثرواتها (العوائل).

2 – البنك المركزي الذي يمول البنوك المركزية العالمية.

3 – البنوك المركزية الدولية.

4 – البنوك الضخمة.

5 – الشركات العملاقة – الضخمة ذات الدور المؤسساتي المهيمن على الاقتصاد والسياسة.

6 – الدول والأنظمة الحاكمة.

7 – عامة الناس. يعتقد الناس بإن الحكومات ورؤساء الدول هم الذين يتحكموا بالعالم ويتخذون القرارات الأهم والأصعب حول العالم لكن الحقيقة أن من يحكم العالم هو من يمتلك الطاقة والثروة والقدرة على إدارة الصراع في العالم بدءً بالحروب وانتهاءً بمصالحة الشخصية وهناك عائلات تمتلك هذه القوة وتدير الأمور. فمثلاً ساهمت عائلة (روكفلر) في إبقاء الفقراء على فقرهم وأجبرت عائلة (مورجان) الحكومة الأمريكية بالدخول في الحرب العالمية الأولى لحماية قروضها التي اقرضتها الى روسيا وفرنسا ولعبت عائلة (دوبونت) دوراً قوياً في الحرب العالمية الأولى ودفعت عائلة (بوش) الحكومة الأمريكية بحربها على العراق من أجل استيلاء الشركات التي تديرها وتمتلكها في الصناعة البترولية. نذهب الان الى عرض هذه العوائل وهي:

1 – عائلة روتشيلد: متحكمة في بيوت المال.

2 – عائلة روكفلر: متحكمة في شركات النفط والبنوك.

3 – عائلة مورجان: متحكمة في شركة جنيرال الكتريك ومنابع الذهب.

4 – عائلة دوبونت: متحكمة في صناعة المتفجرات والقنابل الذرية.

5 – عائلة بوش: متحكمة في البنوك والنفط.

6 – عائلة باروخ: متحكمة في تطوير الأسلحة النووية.

7 – عائلة مردوخ: متحكمة في الشركات الإعلامية التلفزيونية.

8 – عائلة أوبنهايمر: متحكمة في استخراج الماس وتسويقه.

9 – عائلة أدامز: متحكمة بعالم الجريمة وعمليات السطو الكبيرة وتهريب الكوكايين.

10 – عائلة جينوفي: متحكمة في المقامرة غير المشروعة والكازيونهات

العائلات التي تسيطر على الكوكب الان: هي مجموعة من أقوى العائلات في العالم، لا تحتاج إلى السيطرة على بلد بأكمله، ولا أن تكون أصابع أفرادها متحفزة فوق بعض من أقوى الأسلحة في العالم، لكنها عائلات ناجحة للغاية، وبذلك، نحن البشر نجد أنفسنا نتأثر، سواء بشكل صريح مباشر أو ضمني بكل ما يفعلونه وما يقولونه، وهو ما سيكشف عنه هذا التقرير. ربما يدور الحديث عن هذه الأسر أيضًا من خلال نظرية المؤامرة التي تدعي أن هذه الأسر تملك 99% من ثروة في العالم، وتترك 1% للبقية كي تتقاتل عليه، لكن من الضروري أن ندرك أن كل هذه مجرد وجهات نظر بين العامة، وتبقى مجرد نظرية يراها البعض نظرية مؤامرة ما لم يثبت خلاف ذلك. لكن في هذا الإطار، يجب أن نذكر ما قاله أحد كبار زعماء هذه الأسر، ناثان ماير روتشيلد: “لا أهتم بأي دمية سيتم وضعها على عرش إنجلترا لحكم الإمبراطورية، فالرجل الذي يسيطر على المعروض النقدي البريطاني يسيطر على الإمبراطورية البريطانية وأن أتحكم في معروض النقود البريطانية”. ربما قبل أن نخوض في تفاصيل هذه العائلات وثرواتها ونفوذها، علينا أن نلقي نظرةً على ما يقال في نظريات المؤامرة، فربما تكون هذه النظريات حقيقية ولو جزئيًّا، خصوصًا مع بعض التصريحات والبراهين البسيطة التي قد تدعمها.

نظرية المؤامرة: يقول البعض، إنه في محاولة لاستعادة “التوازن” في العالم، جرت عملية تشكيل النظام العالمي الجديد. شكله كل من أمريكا وأكبر نخبة في أوروبا “من حيث الثروة والسلطة” والتي تملك جذورًا تاريخية تعود إلى قرون مضت، ومما يقال هنا هو أن بيت السلطة هذا يتكون من 13 عائلة هدفها السيطرة عمليًا على كل شيء في جميع أنحاء العالم: من الأحزاب السياسية في جميع أنحاء العالم، والمحاكم والمؤسسات التعليمية والموارد الطبيعية والسياسات الخارجية والغذاء والاقتصادات الوطنية وبيوت وسائل الإعلام، وحتى المنظمات الإرهابية.

وكما يردد متنبؤا هذه النظرية، فهؤلاء هم الذين يقررون أين ومتى سيحدث الهجوم الإرهابي المقبل، ويقررون متى ستسقط الأسواق، ويقررون متى تحتاج حكومة جديدة إلى تولي المسؤولية، ويقررون ما يحدث في الأمم المتحدة، ويقررون كل شيء عمليًا. يقول ويليام إنغدهل في كتابه (بذور التدمير) “إن دعم الولايات المتحدة وبريطانيا الحثيث للانتشار العالمي للبذور المعدلة وراثيًا كان في الواقع تنفيذًا لسياسة طويلة الأمد لمؤسسة روكفلر منذ عام 1930، عندما مولت بحوث النسل النازي – أي تخفيض عدد السكان على نطاق واسع، والسيطرة على ذوي البشرة الداكنة من قبل النخبة البيضاء الأنجلوسكسونية، وكما رأت بعض هذه الدوائر، فإن الحرب كوسيلة للحد من تزايد السكان كانت مكلفة وليست فعالة”. إن الديمقراطية الحديثة بهذه الصورة التي نعرفها الآن، لا تمتد لأكثر من 250 سنة. العالم سابقًا، كما نعرفه، كان دائمًا يحكمه أولئك الذين لديهم سلطة مطلقة، أولئك الذين يعرفون كيفية السيطرة على الثروة والموارد، وأولئك الذين يعرفون كيفية السيطرة على شعبهم، من خلال القوة والشدة. يهدف النظام العالمي الجديد، في نظر العديد من المفكرين، إلى العمل على فلسفة مماثلة من السلطة المطلقة والسيطرة، ولكن على نطاق عالمي، والخطة أن يكون هناك سرًا هيئة واحدة تحكم هذا الكوكب، وتكون النخبة جالسة على رأس السلسلة الغذائية، مما يترك بقية العالم يحارب من أجل 1% من الاقتصاد العالمي. المخيف فيما تذكره مثل هذه النظريات لو صحت، هو الحديث حول أن هذه النخبة على ما يبدو تريد أيضًا الحفاظ على سيطرتها على سكان العالم، إنهم يريدون أن يقل عدد سكان العالم عن مليار نسمة، تاركين موارد الأرض لاستخدامهم الحصري، ولإبقاء السكان قيد الفحص، فإنهم على استعداد للذهاب إلى أي حد؛ بل التخطيط لأساليب هندسية عالمية للسيطرة على السكان مثل الفيروسات واللقاحات والأغذية المعدلة وراثيًّا، ويقال أيضًا إن هذه الأسر تحتفظ حتى بالعلاج النهائي لأمراض خطيرة مثل السرطان والإيدز، ولا تريد الافراج عن ذلك للجمهور لأنه بعد ذلك سيكون هناك علاج، والعلاج ليس جيدا للعمل الدوائي. ربما يكون هناك مبالغة في تقدير الأمور، لكن فكرة وجود عائلات كبيرة تسيطر على قطاعات ضخمة من اقتصاد العالم تظل حقيقة لا غبار عليها.

نسبة الواحد في المئة، والتي تُستخدم في الاقتصاد للإشارة إلى الشريحة المتحكمة في ثروات الأمم، ليست نسبة رياضية ثابتة، ولكن يمكن القول إنها نسبة معنوية، تُشير إلى الشريحة الضيقة التي تتحكم في نسبة الثروة، من كل طبقة من طبقات المجتمع، فقد ذكرت منظمة أوكسفام المهتمة بالإغاثة والتنمية في تقرير لها، أنه بمرور الوقت ستصبح هذه النسبة أقرب إلى الحقيقة، وتتركز الثروة بالفعل في يد شريحة يضيق نطاقها تدريجيًا، في مقابل تقليص مساحة الطبقة الوسطى. وذكر التقرير أن 1% من سكان كوكب الأرض، يسيطرون على ثروة تعادل ما يقع تحت أيدي 99% من باقي أغنياء العالم، وما يقع تحت أيدي 50% من سُكان العالم. معنى هذا أن هناك نخبة النخبة، أو الواحد في المئة من الواحد في المئة، وهم هؤلاء الذين تتركز ثروات العالم واقتصاده في أيديهم، وأوضح التقرير أن من يمتلك مبلغًا في حدود 69 ألف دولار أمريكي، فهو ضمن 10% ممن تتركز الثروة في أيديهم، وهذا يعني اتساع الفارق بين الغني والفقير، وبالتالي تضاؤل الطبقة الوسطى.

عائلة روتشيلد: إنك تعرف تأثرك بهذه العائلة عندما يتم تحديد سعر الذهب كل يوم ضمن حدود مكتبك؛ هذا المكتب ينتمي إلى روتشيلدز، واحدة من أغنى الأسر في العالم التي كانت تملك عمالقة التعدين، شركات «ريو تينتو». كما أنها تملك حصة كبيرة من أسهم شركة جلينكور، ولا تزال تسيطر على العملاق المالي المسمى ريت كابيتال بارتنرز. يمكن تتبع ثروتهم إلى القرن الـ 18 عندما دخل روتشيلد الصناعة المصرفية، وقد تعزز نفوذهم عندما ساعدوا على دفع تكاليف الحرب البريطانية ضد نابليون، ويمكن العثور على سليل روتشيلد حتى بين نبلاء بريطانيا والنمسا. هي أغنى عائلة عرفها التاريخ البشري، هذه العائلة تملك بمفردها نصف ثروات العالم، طبقًا لبعض التقديرات، ويقدر خبراء المال ثروة هذه العائلة بمقدار تريليون دولار، وإذا علمنا أن ميزانية جميع دول العالم لعام 2013 بلغ قرابة 73 تريليون دولار أمريكي طبقًا لتقرير الأمم المتحدة، فإن هذه العائلة تملك ثروة هائلة بالفعل. تنبع جذور هذه العائلة من “ماير أمشيل روتشيلد“، وهو يهودي من مواليد مدينة فرانكفورت الألمانية، والابن الرابع لتاجر الصرافة أمشيل موسى روتشيلد من بين ثمانية أولاد. تمكن ماير روتشيلد من بناء إمبراطورية مصرفية دولية ضخمة في فترة الستينيات من القرن الثامن عشر، فعبر أبنائه الخمسة توسعت أعمال ماير روتشيلد المصرفية عبر العالم، ليتم توريث هذه الإمبراطورية الضخمة والتوسعية لجيل بعد جيل. تمركز كل ابن من أبناء روتشيلد الخمسة في واحدة من المراكز المالية الأوروبية الكبرى، فرانكفورت الألمانية ولندن الإنجليزية ونابولي الإيطالية وفيينا النمساوية وباريس الفرنسية، ومع حلول القرن التاسع عشر وصلت عائلة روتشيلد إلى قمة قوتها وعلوها، وأصبحت أبرز عائلة في مجتمع المال والبنوك العالمي. الغريب في الأمر أنه لا يوجد أي ذكر لهذه العائلة في قائمة مجلة فوربس الأمريكية الشهيرة لأغنى 500 شخصية في العالم، رغم أن هذه العائلة هي الأغنى حاليًا وعلى مر التاريخ. السبب في ذلك يرجع إلى أن ثروة روتشيلد تم توزيعها على مئات الورثة عبر ثلاثة قرون من الزمن؛ مما أضعف من قيمة الثروة الشخصية لكل فرد من أفرادها على حدة. تقول نظريات المؤامرة التي تدور حول هذه العائلة إن حادثتي اغتيال الرئيسين الأمريكيين جون كينيدي وأبراهام لينكولن تمت بإيعاز من هذه العائلة، بسبب نية هذين الرئيسين تأميم بنك الاحتياطي الفيدرالي عن طريق إصدار أصول خزانة مدعومة للعملات؛ حيث إن هذه العائلة تملك حصة كبيرة من الاحتياطي الفيدرالي للولايات المتحدة، بالإضافة لحصص ليست بالقليلة في البنوك المركزية للدول الأوروبية المتقدمة. وفي واحدة من أكبر القصص الملحمية الخاصة بعبقرية هذه الأسرة كانت تلك الخاصة بمعركة واترلو الشهيرة بين نابليون والبريطانيين. في البداية جاءت الأخبار بأن الهزيمة على وشك أن تلحق بالجيش البريطاني في هذه المعركة، لكن أحد عملاء ناثان روتشيلد تمكن من رؤية فوز الجيوش البريطانية بعد وصول إمدادات، فتسلل إلى بريطانيا حيث أخبر ناثان روتشيلد بالخبر قبل أي وسيلة إعلامية. هنا باع ناثان كل السندات الحكومية التي يملكها في سوق لندن للأوراق المالية، فباع جميع المضاربين مثله؛ مما أدى لانخفاض كبير في أسعار السندات الحكومية البريطانية، وفي اللحظة الأخيرة اشترى ناثان كل ما أمكنه من سندات حكومية بسعرها المتدني نتيجة عمليات البيع الجماعية، لتأتي الأخبار بانتصار بريطانيا في معركة واترلو وترتفع معها قيمة الأسهم لأرقام خيالية.

عائلة روبرت: بدأت هذه العائلة في الظهور مع شركة السجائر الصغيرة التي يعود تأسيسها لعام 1941 في جنوب إفريقيا. من هذا الاستثمار الضئيل، أصبحت عائلة  روبرت الآن إمبراطورية كبيرة تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات. العلامات التجارية الفاخرة مثل كارتييه، ومونتي بلانك، ودانهيل هي جزء من تكتلهم تحت راية ريتشيمونت «Richemont». كما أنها تسيطر على المجموعة الاستثمارية التي تدعى ريمغرو «Remgro». وللأسرة أيضًا حصة كبيرة في أعمال النبيذ والبراندي، إذ تسيطر على ما يقرب من خمس سوق النبيذ في جنوب إفريقيا وتصل إلى 80% من جميع مبيعات البراندي. كما تمتلك عائلة روبرت سلسلة «ميديكلينيك» من المستشفيات الخاصة. أنتون روبرت (1916 – 2006) وزوجته هوبرت روبرت، انتقلا إلى منزل في شارع ثيبولت على الضفة الشمالية لنهر إيرست في خمسينات القرن العشرين. استقر شقيقاه، جان وكوس، مع زوجاتهم إينا ورونا أيضًا في شارع ثيبولت بعد سنوات قليلة من وصولهم.

عائلة روبرت مدرجة على رقم 242 في قائمة فوربس لأغنى 500 شخصية في جميع أنحاء العالم، بقيمة صافية قدرها 6.6 مليار دولار.

عائلة جينوفي: هل تذكر عائلة كورليوني من نيويورك في سلسلة الأفلام الشهيرة «The Godfather»، وكيف تغامر في أعمال الكازينوهات في ولاية نيفادا؟ عائلة جينوفي تعد أقوى من جميع الأسر الغوغائية في الساحل الشرقي، وهي التي ألهمت تلك القصة الخاصة بالفيلم. أسسها جيوسيبي موريلو في الجزء الأول من القرن العشرين، ومنذ ذلك الحين وسعت سيطرتها على الجريمة المنظمة من نيويورك إلى شيكاغو. هذه العائلة هي واحدة من «الأسر الخمسة» التي تهيمن على أنشطة الجريمة المنظمة في مدينة نيويورك كجزء من المافيا، وقد سميت عائلة الجريمة باسم «رابطة اللبلاب» و الـ«رولز رويس» الخاصة بالجريمة المنظمة، فهي تنافس في الحجم فقط من قبل عائلة غامبينو لكن لا مثيل لها من حيث القوة، وقد حافظت عمومًا على درجة متفاوتة من التأثير في العديد من الأسر الغوغائية الصغيرة خارج نيويورك. عائلة جينوفي هي أكبر “الأسر الخمسة”. وباستخدام طرق جديدة لكسب المال في القرن الواحد والعشرين، استفادت أسرة الجينوفي من الحرص من جانب البنوك أثناء ارتفاع المساكن مع موجة من عمليات الاحتيال على الرهن العقاري، وعثرت العائلة على طرق لاستخدام التكنولوجيا الجديدة لتحسين المقامرة غير المشروعة، حيث يضع العملاء الرهانات من خلال المواقع عبر الإنترنت.

عائلة أستور: هل تساءلت يومًا لماذا الكثير من الشوارع والمباني والضواحي في نيويورك يطلق عليها اسم أستور أو أستوريا؟ ذلك لأنه جرت تسميتهم باسم عائلة أستور، التي كانت تعرف سابقًا باسم “مالكو نيويورك”. كانوا مسؤولين عن بناء الكثير من الفنادق والكتل السكنية، وحتى مكتبة نيويورك العامة. بدأوا في أعمال الفراء في القرن الـ 18، ولكن سرعان ما بدأت استثماراتهم في العقارات، ومنذ ذلك الحين تمكنوا من الوصول لمكانة كبيرة، حتى إنهم حصلوا على مقعد في مجلس العموم البريطاني، حتى إن البعض قد حصل على ألقاب النبلاء. المؤسس الأصلي كان جون جاكوب أستور (1763-1848)، الذي ولد في والدورف في ألمانيا من فصيلة يهودية، وقد تم إخفاء أصوله اليهودية، ووضع عدد كبير من الأفكار المختلفة لتراث أستور بشكل متداول أكثر. جون جاكوب أستور كان جزارًا في والدورف. في عام 1784، جاء إلى أمريكا بعد أن توقف لبعض الوقت في لندن. على الرغم من أن القصة هي أنه جاء إلى أمريكا مفلسًا – وهذا قد يكون صحيحًا– إلا إنه سرعان ما انضم إلى أحد المجمعات الماسونية بحسب العديد من المصادر التاريخية، وفي غضون 2-3 سنوات أصبح أحد كبار المؤثرين في مدينة نيويورك. لسنوات عديدة، كان أفراد عائلة أستور يعرفون باسم «ملّاك نيويورك». ومن أشهر أملاكهم في مدينة نيويورك: فندق والدورف أستوريا الشهير، وشارع أستور، ومحكمة أستور، وجادة أستور في برونكس، حيث تستخدم العائلة هناك إسطبلات الخيول. ما وراء مدينة نيويورك، يطبع اسم عائلة أستور في قدر كبير من تاريخ الولايات المتحدة وجغرافيتها. هناك بلدات أستور في ولايات فلوريدا وجورجيا وأيوا وكنساس، وهناك أستوريا في إلينوي، ولاية ميسوري وأوريغون، وهناك حي يسمى أستور بارك جنوب وسط مدينة جرين باي، ويسكونسن. في قلب هذا الحي هو حديقة «وتسمى أيضًا حديقة أستور»، تبرعت عائلة أستور بهذه الأرض لبناء مدرسة تجارية.

عائلة روكفلر: لا توجد قيمة لقائمة العشرة الأوائل لأغنى الأسر في العالم دون عائلة روكفلر؟ يمكن تتبع ثورة هذه الأسرة إلى القرن التاسع عشر عندما حكموا الأعمال النفطية، وكانت سيطرتها على هذه الصناعة برمتها ضيقة جدًا، بحيث تم وضع قانون مكافحة الاحتكار لتفريق أعمالهم في وقت لاحق، لأنها احتكرت تقريبًا التجارة. وحتى الآن، ما يزال من الممكن الشعور بنفوذهم من خلال مؤسسة مالية عملاقة تسمى مورغان تشيس «JP Morgan Chase».عائلة روكفلر هي عائلة أمريكية صناعية وسياسية ومصرفية، جمعت واحدة من أكبر ثروات العالم في مجال النفط خلال أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، مع جون روكفلر وشقيقه ويليام روكفلر في المقام الأول من خلال شركة ستاندرد أويل، ومن المعروف أيضًا التاريخ الطويل الذي يربط الأسرة بالسيطرة على تشيس مانهاتن البنك، وهي تعتبر واحدة من أقوى الأسر، إن لم تكن الأسرة الأقوى، في تاريخ الولايات المتحدة. إن الثروة المشتركة للأسرة – مجموع أصولها واستثماراتها بالإضافة إلى الثروة الفردية لأعضائها- لم تعرف قيمتها أبدًا على وجه الدقة. وتغلق السجلات الخاصة بأرشيفات الأسرة المتعلقة بصافي قيمة الأسرة والأفراد على حد سواء أمام الباحثين.

عائلة مكماهون: نحن قد لا نفكر في المصارعة سوى في أنها رياضة مسلية لنا لا أكثر، ولكن عائلة ماكماهون رفعت هذا النوع من وسائل الترفيه لتصبح مؤسسة بمليارات الدولارات. الشيء الرائع عن العائلة هو أنهم لا يكرهون لعب دور أمام الكاميرا، حتى لو كان هذا الدور يفتح لهم ما يصل إلى الازدراء والسخرية من مشجعي المصارعة، خصوصًا لأن هذا من شأنه أيضًا فتح الباب لأطنان من المال لحساباتهم المصرفية، وقد استحوذت شركتهم على العديد من الشركات الأخرى في  المجال نفسه.

العائلة الكابيتية: الأسرة هي أكبر وأقدم منزل ملكي في أوروبا. في الأيام التي حكمت فيها الكثير من القارة من قبل النظام الملكي، كانت العائلة الكابيتية تمارس التأثير في العديد من البلدان. وقد شهدت سلالاتهم ثلاثة أباطرة لاتين وتسعة ملوك من البرتغال. وتعرف الأسرة أيضًا باسم بيت فرنسا، حيث جاء 40 من حكام فرنسا من دمائهم، بما في ذلك الوريث الحديث للعرش. وفي حين أن فرنسا هي الآن جمهورية، فإن الكابتيين ما يزالون يتمتعون بمناصب ونفوذ في إسبانيا ولوكسمبورغ، والملك خوان كارلوس والدوق الكبير هنري على حد سواء ينتميان إلى هذه العشيرة. هناك عائلات بورش «المعروفة في مجال السيارات»، وأوبنهايمر «في مجال التعدين»، وتاتا «هي أكبر صاحب عمل في الهند في مجالات البناء والعقارات والسيارات والنسيج»، وكولينز، وبوندي وفريمان، وكينيدي، ورينولدز. [https://www.sasapost.com]. المنطق التحليلي لما تقدم يوضح لنا بإن العائلة الممتدة وليس النووية في العصر الحديث تقوم بإضرار المجتمع بعدة مجالات من أجل زيادة ثرائها ونفوذها بحيث تحكمت على الصعيد الكوني وليس الإقليمي وفي عدة مجالات من خلال اغتصابها تنظيمات مختلفة مثل بيوت المال والبنوك المركزية وشركات البترول وأخرى متحكمة في شركات استخراج الماس ليس هذا فحسب بل قسماً منها تخصص بالجريمة الدولية في تهريب المخدرات وبعضها ذهب للتحكم بعالم الجريمة المنظمة وأخرى بالمقامرة غير المشروعة. مثل هذا الاغتصاب للجماعة الأولية للتنظيمات الكبرى يعكس نوعين من السيطرة والتحكم وهما: الأول يُعبّر عن العائلة متنفذة ومتحكمة بنظام تقسيم عمل البنوك المركزية والشركات والمصانع والعصابات الإجرامية تحرم العاملين فيها من التصويت في اتخاذ القرارات وتخنق المبادرات والتصورات، كل ذلك يجعلها تساهم في استلاب العاملين تحت سيطرتها وذلك من خلال عدم منحهم حيازة جزء من مُلكية ثروتهم وتقوم ايضاً بإخفاء الأخطاء والجنح التي تقوم بها. بذات الوقت لا تشجع على الولاء للشركات أو للبنوك أو للمصانع المالكة لها بل للعائلة حصرياً ولا مانع لها من إزاحة هدف تنظيمهم الرسمي. وثانياً: هو تحكمهم بالاقتصاد العالمي عبر تجارتها وبيوتها المالية ومصانعها بل تقوم حتى باستبدال الحكومات التي تتعارض مع طموحها وسياستها الاستثمارية ولا تتردد بإشعال فتيل الحرب الكونية أو الإقليمية لكي تبقى على قمة الهرم الكوني في الاقتصاد. إذن العائلة الممتدة كجماعة أولية عندما تمتلك الثروة والنفوذ لا تهتم بنقل الثقافة الاجتماعية والتنشئة الاجتماعية التي هي من صلب وظيفة كل عائلة في المجتمع البشري بل تهتم بتنمية ثروتها ونفوذها على المجتمع الأكبر للتحكم به من خلال تنظيمات رسمية كبرى وهنا تمسي التنظيمات الرسمية الكبرى وسيلة وآلية في تحقيق هدف العائلة على الرغم من كبر حجم التنظيم وتخصصه وكفاءته في عمله إلا انه خاضع للعائلة التي تمتلكه. بمعنى ان التنظيم يكون مملوكاً للعائلة الممتدة وهذا مخالف لطبيعة التحضر والتمدن والحداثة التي تعتمد على التنظيمات الرسمية العملاقة وليس على العائلة الممتدة لأن الأخيرة هي من خصائص المجتمع التقليدي والمحافظ والريفي التي تسعى (العائلة الممتدة) الى الحفاظ على تقاليد حرفتها الموروثة ونقلها الى الأجيال القادمة. لكننا وجدنا ان العائلة الممتدة برزت مرة أخرى في المجتمعات الرأسمالية والصناعية المتقدمة جداً وتسود فيها العائلة النووية (الصغيرة) ليس لها أي تأثير على أي تنظيم رسمي فظهرت العائلة الممتدة لتمارس اعمالاً مؤثرة على أنماط الحياة العصرية مثل البنوك المركزية وبيوت المال والشركات التجارية واستخراج الذهب والماس ومصانع البارود والأسلحة النووية وتهريب المخدرات من أجل تحقيق هدفين هما: انماء ثروتهما داخل وخارج بلدانها محتكرة وتجارتها عبر تحكمها بالتنظيمات الخاصة بها لخدمة اغراضها ليس لديها أي احترام واعتبار المصالح البشرية العامة. وثانياً تحكمها في الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية لإفقار الشعوب النامية وجعل الشعوب الفقيرة أكثر فقراً مع نشر الرذيلة والفساد وبسبب هذين الهدفين تتحاشاها الحكومات الدولية وتتجنبها بل تخضع لقراراتها والأخذ بأوامر هذه العوائل الممتدة ذات الثراء الفاحش والنفوذ الكوني لأنه إذا عارضا أو لم ينفذا قراراتهم فسيكون التغير مصير حكمهم وزوال سلطانهم. نقول أو نسأل هل رجعت الأسرة الممتدة الى سلطانها كما كانت في العصور الغابرة لتمارس نفوذها في عصر التقدم التكنولوجي وسيادة الأسرة النووية؟

 

تعقيب وتعليق

 

من المعايير التقليدية في تحديد درجة ومستوى تحضر وتقدم المجتمع في تحوله من المرحلة المحافظة والتقليدية الى الحضرية – المدينيه كان التقدم التكنولوجي والتخطيط الحضري والتنظيمات الرسمية وصغر حجم الأسرة واستخدام البيروقراطية وهبوط مستوى الأمية وتنوع الاختصاصات العلمية والطبية وتطبيق القوانين الوضعية بدل العرفية وسواها. لكن في مؤلفنا هذا سوف نركز على نمط العلاقات الاجتماعية وآثارها على التنظيمات الاجتماعية كمعيار جوهري في تقديم حضرية المجتمع. اننا نعلم بإن العلاقات القرابية (الدموية والقبلية والعشائرية) والطائفية والريفية، لكنها لا تبقى متسيدة ومسيطرة على التنظيمات في المجتمعات الحضرية بسبب توسع حجم المجتمع الحضري وطغيان العلاقات المصلحية والموقفية والموقعيه والمجهولية. لكن الملاحظ على المجتمع العربي انه يتضمن الكثير من الخصائص الحضرية في معيشته واستخدام التكنولوجيا وتعلمه العلوم الحديثة واستخدام الكمبيوتر والانفتاح على العالم الغربي إلا انه بقيَّ محتفظاً ومتمسكاً بعلاقاته القرابية داخل التنظيمات الرسمية مثل دوائر الدولة والأحزاب السياسية والنقابات والجامعات الاكاديمية والاتحادات والشركات التجارية والصناعية والمراكز التسويقية والشركات الخدمية والمقاولات والوكالات العقارية والمصرفية وسواها على الرغم من تطلب هذه التنظيمات الهياكل البيروقراطية التي لا تأخذ بالعلاقات القرابية بل المهنية المتخصصة والعلمية التي تتطلب أصحاب الاختصاص والخبرة المهنية. إلا أن المجتمع العربي مازال لحد الان لا يلتزم بهذه الشروط الرسمية التنظيمية بل يقوم بإشغال مواقع ومناصب هذه التنظيمات بأفراد من أسرة معينة أو عشيرة خاصة أو قبيلة أو طائفة دينية أو اقليم محدد دون مراعاة متطلبات هذه المواقع المهنية المتخصصة. مثل الجامعة والمستشفى والوزارات ودوائر الدولة والبرلمان والشركات والنقابات بحيث لا تُدار إلا من قبل افراد لا يملكون المؤهلات المهنية بل العلاقات القرابية من الفئة الحاكمة أو الرئيس الحاكم أو الحزب الحاكم أو الطائفة المتسيدة وهذا يعني ان المجتمع العربي مازال غير متحضر في مرحلته التطورية على الرغم من استخدامه للسيارة والطائرة والنت والتكنولوجيا. ديدني ومرادي هو القول بإن المجتمع العربي مازال يمارس العلاقات القرابية والفئوية في تنظيمات رسمية تتطلب اشغالها من قبل افراد متخصصين ومتدربين على إدارة شؤونها مما يؤدي ذلك الى عدم تطورها والقيام بمهامها الوظيفية وبالتالي تؤول الى عرقلة تقدم المجتمع وعدم تأهيليه مواطنيه على التخصص المهني وإذا حصل ذلك فإن الحكومة لا تعنيهم بالمواقع المتخصصة باختصاصهم وهذا هدر في الطاقة العلمية وعرقلة نمو المؤسسة والتنظيمات الرسمية وإعاقة نمو المجتمع لأن الحاكم يريد ضمان بقائه في الحكم من خلال هؤلاء من اقاربه وأهله في تنصيبهم في المنظمات الرسمية ولا يريد ان يطور المجتمع بل يريد تعزيز حكمه وبقائه في السلطة. وهذا يدل على عدم تحضر المجتمع العربي بل بقائه في مرحلة متخلفة اجتماعياً وعلمياً بمعنى اننا مازلنا في مرحلة الجماعة الاجتماعية الصغيرة – الأولية وليس الثانوية أو التنظيمات الرسمية. وعندما يحصل إشغال التنظيم الرسمي من قبل افراد الجماعات الأولية (العرفية) فإنهم سوف يفككوا اركانه وانماطه ويشوهوا هويته ويعرقلوا تقدمه في تحقيق أهدافه وبالتالي يؤثروا على مسيرة المجتمع مدّعين بإنهم وطنيين لكن هذا الادعاء لا يخدم التنظيم البيروقراطي عندئذٍ يدور التنظيم في حلقة مفرغة أو يبقى في مكانه لا يتقدم. هذا من جانب، ومن جانب أخر تبلور هذه الجماعة الأولية عندهم شعوراً يدعى الشعور “بـ (نحن) we والـ (هم) They أو جماعتنا in group أو جماعته out group” وهنا ينشب النزاع فيما بينهم مما يؤدي الى تمزيق النسيج الاجتماعي وضياع حقوق المواطنين وتتسع رقعة النزاعات الفئوية وتشجع على المزيد من الاضطرابات والمشاحنات بمعنى تنازع كتلتين اجتماعيتين مختلفتين في الحجم والتركيبة والقدرات الاجتماعية والعلاقات الإنسانية مؤدية الى اعتلالات تنظيمية عند الطرفين لأن التنظيم يكون مرتب ومتسلسل بمواقعه وأدواره ولكل موقع شروط ومستلزمات خاصة به مكملة للمواقع المرتبطة به ومتكافلة معه. بينما الجماعة الأولية لا تمتلك هذا التدرج المتسلسل ولا العلاقات الموقعيه بل مرتبطة بعلائق دموية – قرابية لا تملك المؤهلات والمسؤوليات التنظيمية. لا جرم من القول بإن المجتمع الحضري لا يحتاج للجماعة الأولية لتوظيف وقيادة التنظيمات التي أوجدتها متطلبات الحياة العصرية. علماً بإن الجماعة الأولية هي من ولادة المجتمع التقليدي والمحافظ التي لا تحتاج ولا تخلق التنظيمات الرسمية. لذلك هذا النوع من التزاوج القسري بين تنظيمين الأول عرفي (جماعة أولية) والثاني (رسمي) لا يثمر بنتائج تغذي التنظيم بل يخدم الجماعة الأولية لأنهما مختلفين في الوظيفة والعلاقة والحجم والهدف. بيد ان المجتمع العربي متعود على ممارسة الزواج العرفي الذي يحصل بالإكراه والغصب بين الرجل والمرأة أو بين الانساق البنائية (النسق الأسري يتزوج قسراً النسق السياسي أو النسق القبلي يتزوج غصباً النسق السياسي) وهذه عادةً ما تؤدي الى اعتلالات بنائية وعدم تكافل وظيفي مما يفرز مشكلات صراعية بين المتزوجين وبالتالي يؤول الى عدم الاستقرار المجتمعي بل يبلور صراع داخلي يمزق النسيج الاجتماعية ويفكك أركان بنائه فيمسي محتاجاً لحاجة ماسة الى انعاشه بشكل مركز ورعاية مكثفة ومستمرة من قبل أصحاب العقول الراجحة والقرارات الصائبة بعيداً عن المصلحة الذاتية والشخصية والفئوية ليعطوا صورة طبيعية عن المجتمع بدون رتوش أو تجميل زائف. بمعنى ان الجماعة الأولية في المجتمع العربي وما تتضمنه من صلات قرابية (أسرة ممتدة أو عشيرة أو قبيلة أو أبناء قرية أو مدينة معينة) هي التي تتحكم في التنظيمات الرسمية (الحكومية) التي تتطلب ادارتها وقيادتها افراداً متخصصين وأصحاب كفاءات مهنية أو علمية ومهارة ذهنية وحس وطني لا فئوي متعلمة ومثقفة هدفها خدمة المصلحة العامة والمواطن دون تمييز أو تفرقة وعندما لا تتوفر هذه العناصر فيها فإنها سوف تتعطل في أداء مهمتها وتحقيق أهدافها المؤسسية فلا تقدم خدمات لمصالح الناس بل تقوم بخدمة المنصّب عليها من قبل الجماعة الأولية العليا الذي ينصّب افراد اسرته أو عشيرته أو قبيلته أو طائفته لخدمته وليس للمؤسسة التي يعمل فيها أو المنتفعين من اختصاصها وهذا بدوره لا يؤدي الى تنمية وتطوير العاملين فيها ممن ليسوا افراد من الجماعة الأولية وبالتالي يخسر المجتمع كوادره دون ان يحصل عليها بسهولة ولا يقدر ان يدربهم فيها لأنهم ليسوا من افراد الجماعة الأولية ومع استمرار هذه الحالة (المرضية) تجف حيوية التنظيم الرسمي وتتكسر اركانه فيصبح تنظيماً ورقياً لا حياة فيه بسبب استعباده من قبل الجماعة الأولية الذي يتنافر معها في أدائها وجهلها بالإجراءات المتسلسلة ذات التدرج الهرمي المترابط مواقعياً والمتكافلة وظيفياً. في الواقع مرّد هذا التنافر التنظيمي لا يرجع فقط الى تصادم المصالح بين الأولية والرسمية بل الى: –

1 – عدم امتلاك افراد الجماعة الأولية للمهارة والخبرة المهنية والإدارية لذلك لا يلتزمون بالتدرج الوظيفي في الإجراءات الرسمية على عكس افراد التنظيم الرسمي.

2 – عدم احترامهم لنظام تقسيم العمل لأنهم لا يملكونهم ولا يعرفونه في جماعتهم وهذا نقيض ما هو موجود في التنظيم الرسمي.

3 – لا يتقيد افراد الأولية باللوائح القانون المكتوبة لأنهم فاقديها لا يملكوها وهذا غير وارد عند أعضاء التنظيم الرسمي الذين يلتزموا باللوائح القانونية المكتوبة.

4 – يمارس افراد الجماعة الأولية “المحسوبية” بشكل علني داخل التنظيم الذي اغتصبوه وهذا لا يأخذ به التنظيم الرسمي لأنه يستند على المؤهلات والكفاءات المهنية المتقدمة.

5 – لا يقبل افراد الجماعة الأولية المبادرات والمقترحات التي تأتي من خارجهم أو غيرهم بل يكون رأيهم هو السديد والقرار الحاسم.

6 – يمارسوا القرارات المفاجئة والغير مدروسة في إدارة التنظيم، بينما لا يمارس أعضاء التنظيم هذا ولم يألفوه في حياتهم المهنية.

7 – لا يقبل افراد الأولية النقد والتقويم للعمل التنظيمي من قبل غيرهم بينما يطالب به أعضاء التنظيم الرسمي.

8 – يركز افراد الأولية على الولاء لرئيس الجماعة وليس للتنظيم بينما يركز أعضاء التنظيم على مصلحة التنظيم وأهدافه وليس لرئيسه لأنه زائل بينما التنظيم باق. هناك العديد من العوائل الغربية التي قامت من خلال تجارتها وصناعتها بالتحكم بجميع البنوك المركزية والشركات العملاقة والتجارة العالمية ساهمت بإشعال الحروب الدولية والكونية وتاجرت بالمخدرات والاسلحة لكن كان هذا بالظل وليس بالعلن. أخيراً نقول ان للتنظيمات الرسمية عدواً مخرباً لها صادراً من (العائلة) وهذا اغتصاب قسري بسبب امتلاكها للثروة والنفوذ المالي والسياسي وهنا يصح القول بإن العائلة الممتدة ليس الخلية الأصغر في المجتمع بل هي المعول المهدم والمخرب للتنظيمات الكبيرة الرسمية. ومن غرائب الاحداث التي تقع في رحم المجتمع هي: 1 – عدم ممارسة الخلايا الاجتماعية لوظائفها داخل المجتمع.

2 – بل تتجاوز حدودها من أجل الاستيلاء على وظائف وحقوق أنماط وانساق بنائية أكبر وأقوى منها لاغتصابها.

3 – فتسبب خرقاً للنظام العام مؤدية الى إيقاع اضطرابات وعدم استقرار داخل المنظومة النسقية.

4 – مما تعرقل النمو العام للمنظومة.

5 – فيحصل اغتصاب جماعة متماسكة لكنها غير منظمة (أولية في بنائها) لكنها قوية وطموحة وافاقه للاستيلاء على تنظيم منتج من أجل استثمار اغتصابها لخدمة اغراضها الافاقة مثل هذا الاغتصاب يحصل على المستوى الاقتصادي والسياسي بشكل واضح لأن التنظيم الرسمي من طبيعته لا يبحث عن الصراعات الخارجية ولا ابتلاع أو اغتصاب تنظيمات رسمية أخرى ولا يبث الاضطرابات في الحياة العامة لأنه منظم يعمل بشكل منسق داخل بنيانه وخارجه. اما من يحرّك هذا الاغتصاب الاقتصادي والسياسي؟ ذلك هو “العائلة الممتدة” الثرية والمتنفذة اقتصادياً من أجل اثراء أكثر وأضخم.

3 – اغتصاب العائلة للتنظيمات الحكومية: نموذج ثالث لاغتصاب العائلة الممتدة للتنظيم الرسمي الكبير وهو اغتصاب العائلة للحكومة بكافة وزاراتها ودوائرها والمؤسسات والشركات التابعة لها. ساد هذا الاغتصاب المجتمع العربي بعد منتصف القرن العشرين ولغاية الان مما أدى الى بقاء المجتمع على تخلفه الحضري والعلمي وعدم مسايرة التطورات العلمية والتنظيمية الحرة، بل تم تقييدها بقيود تقاليدية موروثة وضعها الأموات (الأسلاف) لا تخليداً لهم بل لحماية اغتصابهم للسلطة وبقائهم على سدة الحكم وزيادة ثرواتهم التي نهبوها من خيرات البلاد وإبقاء الفقراء على فقرهم وجهلهم وأمراضهم وبؤسهم المزرى لأن ليس من صالحهم تحرير شعوبهم من أفكارهم ومعتقداتهم الخرافية واللامنطقية واللاعنصرية بحجة حفاظهم على التراث وتقاليده المتكلسة والمتحجرة وليس من صالحهم تطوير التنظيمات. فاضحت هذه العوائل الحاكمة مصدراً للعل الاجتماعية المزمنة في حياة المجتمع مثل الفساد بكل اشكاله من محسوبية واستغلال المسؤولية الرسمية والابتزاز والفقر والأمية والبطالة واعتقال الفكر الحر واعتناق المعتقدات الخرافية والسوق السوداء والتعصب والتمييز العراقي والثقافي والطائفي وعدم الالتزام باللوائح القانونية الوضعية وتطبيق قانون الطوارئ والمليشيات المسلحة والرهاب السياسي وظهور مؤسسة الشخص الأوحد وتغليب العرف العشائري على القانون الوضعي وغيرها. بعد هذه التوطئة سنسجل العوائل الممتدة الحاكمة في المجتمع العربي موضحين كيف ابتلعت هذه العوائل الحكومات العربية واقاسمها الرسمية وشركاتها التجارية ممثلة حالة مرضية لا تتماشى مع روح العصر الالفي المتضمن الحياة الديمقراطية واستخدام الأجهزة التكنولوجيا في الاتصالات ووسائل الاعلام الفضائية وثورة المعلومات التي تكشف كل ما هو متستر عليه أو مبطن أو متحايل فيه. أفرزت هذه العوائل (سواء كانت تعلم أو تعلم) ما يلي:

أ – الشعور بـ (نحن) we felling أو جماعتنا we group وجماعتهم they group أو غير جماعتنا out group.

ب – تنافر تنظيمي بين الجماعة الأولية (العائلة الحاكمة) وأفراد التنظيم الرسمي.

ت – رفض تطبيق الشخص الأوحد.

ث – البدوقراط. ولْدّت أو خلقت هذه الافرازات فجوة بين العائلة الحاكمة والشعب الأولى تمتلك الامتيازات والمسؤوليات والثروة والنفوذ والسلطة، والثانية (الشعب) لا يمتلكها لأنها مغلوبة على امرها. وعندما تتبلور هذه الفجوة الاجتماعية بين الأقلية الحاكمة والاغلبية المحكومة يتولد تذمر جمعي والشعور بالحيف والظلم والاستبعاد والاستعباد وهذا ما حصل في المجتمع العربي الذي فجّرَ ثورة الربيع العربي في عدة دول عام 2011 أطاحت بحكامه الطغاة. أما دول الخليج فما زال التسلط الفوقي ممارس بشكل قاسي متمشدقين ومتمسكين بالسلطة الأبوية (البطريقية) والثقافة الاجتماعية التقليدية الموروثة التي وضعها الاسلاف فبات هذا التمسك لا يتساير مع روح العصر ولا ينسجم معه فحصلت بعض الحركات الواعية المتواضعة من قبل جيل الشباب المتنور المتفاعل مع وسائل الاتصالات الالكترونية مع باقي المجتمعات الغربية والعربية مطلعين على فضائح افراد الأسرة الحاكمة وبسبب عدم وجود تنظيمات سياسية في البلد استطاعت بعض الأحزاب الدينية المناوئة للحكم مثل حزب اخوان المسلمين وحزب الدعوة الشيعي والحركة الحوثية في اليمن والمنطقة الشرقية في السعودية وفي البحرين ان تتوغل في صفوف المجتمع المقهور والمظلوم. هذه المفرزات الخمسة التي ذكرناها تمثل جدار سميك ومتين امام تغيير المجتمع ليصل الى مرحلة التحرر من تحكم العائلة الممتدة الجائر ويحكم نفسه بنفسه ويعيش حراً في سلوكه وفكره وتنظيماته بشكل متحضر ومتمدن تحكمه القوانين الوضعية وليس الأعراف المتوارثة التي ينفر منها الجيل الالفي. لكن مع دوام استمرار بقاء هذه الحالة المتنافرة سوف تصل الى تآكل حجم العائلة الحاكمة أمام تمدد وعي الجماهير المضطهدة ليسحب منها نفوذها وسلطتها ليحكم بنفسه بنفسه ويصبح هو صاحب الكلمة والقرار إنما هذا يأخذ وقتاً طويلاً وصراعات مستمرة تذهب فيها ضحايا كثيرة من الطرفين. اخيراً أقول ان اغتصاب الأسرة الحاكمة في البلدان العربية يمثل “الاستعمار الداخلي” أو النظام الاقطاعي المقيت في عصر ثورة المعلومات والتطور التكنولوجي وسيادة الديمقراطية وحرية الشعوب. أدلف الان الى تقديم هذه الأسر الحاكمة في بعض البلدان العربية كأمثلة ميدانية على ما طرحته من اغتصاب الأسرة الحاكمة للتنظيمات الرسمية التي سميته بـ (الاستعمار الداخلي) مثل الأسرة الحاكمة في سوريا حكم (بشار الأسد)

1 – ماهر الأسد (شقيق بشار).

2 – آصف شوكت (زوج بشرى شقيقة الرئيس) يشغل منصب نائب لرئيس هيئة الأركان لشؤون المعلومات والاستخبارات وكان يشغل سابقاً منصب رئيس شبعة الأمن العسكري.

3 – محمد مخلوف (خال الرئيس).

4 – رامي مخلوف (ابن خال الرئيس)

5 – العميد حافظ مخلوف ابن محمد مخلوف من كبار ضباط إدارة المخابرات العامة.

6 – بثينة شعبان (علوية) مستشارة الرئيس السياسية والإعلامية.

7 – اللواء عبد الفتاح قدسيه (علوي) مدير شعبة الأمن العسكري.

8 – اللواء محمد ديب زيتوني (علوي) مدير شعبة الأمن العسكري.

9 – اللواء جميل حسن (علوي) مدير إدارة المخابرات الجوية.

10 – اللواء محمد ناصيف (علوي) مساعد نائب رئيس الجمهورية فاروق الشرع.

أما في اليمن: فإن أبناء وأخوة وأقارب الرئيس علي عبد الله صالح فقد تبوؤا المناصب العليا التالية:

1 – أحمد علي عبد الله صالح (الأبن) قائد الحرس الجمهوري والقوات الخاصة.

2 – يحيى محمد عبد الله صالح (ابن الأخ) رئيس أركان الأمن المركزي.

3 – طارق محمد عبد الله صلح (أبن الأخ) قائد الحرس الخاص.

4 – عمار محمد عبد الله صالح (أبن الأخ) وطيل جهاز الأمن القومي.

5 – علي محسن صالح الأحمر (الأخ غير الشقيق) قائد الفرقة الأولى.
6 – علي صالح الأحمر، قائد القوات الجوية وقائد اللواء السادس (طيران).

7 – توفيق صالح عبد الله صالح (أبن الأخ) رئيس شركة التبغ والكبريت الوطنية.

8 – أحمد الكحلاني (أبو زوجة الرئيس الرابعة) أمين عاصمة ثم وزير.

9 – عبد الرحمن الأكوح (شقيق الزوجة الثالثة) محافظ ثم وزير.

10 – عمر الأرحبي (شقيق زوج الأبنة) مدير شركة النفط اليمنية.

11 – عبد الكريم إسماعيل الأرحبي (عم زوج الأبنة) نائب الرئيس الوزراء، وزير التخطيط، مدير الصندوق الاجتماعي للتنمية.

12 – خالد الأرجي (زوج الأبنة) مدير القصور الرئاسية.

13 – عبد الوهاب عبد الله الحجري (شقيق الزوجة الثالثة) وكيل وزارة الخارجية.

14 – عبد الوهاب عبد الله الحجري (شقيق الزوجة الثالثة) سفير اليمن في واشنطن.

15 – عبد الخالق القاضي (ابن خال الرئيس) رئيس الخطوط الجوية اليمينة.

16 – عبد الله القاضي (نسب) قائد لواء المج في تعز.

17 – علي أحمد دويد (زوج الأبنة) شؤون القبائل.

18 – نعمان دويد (أخو زوج الأبنة) محافظ صنعاء.

19 – كهلان مجاهد أبو شوارب (زوج بنت الرئيس) محافظ عمران.

أما في ليبيا: استحوذت أسرة القذافي على المناصب التالية:

1 – عائشة القذافي (أبنته) أخذت قطاع الطاقة والبناء والعيادات الصحية.

2 – محمد القذافي (ابنة) سيطر على الجبنة البريد والاتصالات السلكية واللاسلكية.

3 – سيف الإسلام القذافي (ابنه) أخذ الخدمات النفطية.

4 – الساعدي القذافي (ابنه) سيطر على البناء والتنمية والسياحة والرياضة.

5 – المعتصم القذافي (ابنه) مستشار والده للأمن القومي.

6 – خميس القذافي (ابنه) قائد وحدة للقوات الخاصة.

أما في تونس: فقد استحوذت زوجة بن علي زين العابدين على شركات الطيران ومصانع السيارات ووكالات توزيع السيارات مثل فورد.

أما في مصر: استولت عائلة مبارك على المناصب الحساسة في المشاريع الاقتصادية والمالية ثم نَصبَّ ابنه جمال على الحزب الحاكم.

أما في العراق: ابان حكم صدام حسين وعائلته فهم:

1 – عدنان خير الله طلفاح (ابن خال صدام) وزير الدفاع.

2 – حسين كامل المجيد (ابن عم صدام وزوج ابنته) وزير التصنيع العسكري.

3 – علي حسن المجيد (ابن عم صدام) مستشاره الخاص.

4 – عدي صدام حسين (الأبن الأكبر لصدام) رئيس فدائي صدام واللجنة الأولمبية الوطنية ورئيس قناة الشباب التلفزيونية ورئيس جريدة بابل.

5 – قصي صدام حسين (الأبن الثاني لصدام) الثاني في قيادة الجيش بعد صدام وقائد الحرس الجمهوري ومدير الأمن الخاص والنائب الثاني للرئيس صدام.

6 – خير الله طلفاح (خال صدام) محافظ بغداد.

7 – سبعاوي إبراهيم التكريتي (أخو صدام) رئيس جهاز المخابرات العامة ورئيس مديرية الأمن العامة، مستشاراً للرئيس.

8 – برزان ابراهيم التكريتي (أخو صدام) مدير الأمن العام.

10 – عبد الحميد التكريتي (ابن عم صدام) سكرتيره الخاص.

ننتقل الان الى الأسر الحاكمة في دول الخليج

1 – آل خليفة الأسرة الحاكمة في البحرين.

2 – آل مكتوم الأسرة الحاكمة في إمارة دبي.

3 – آل معلا الأسرة الحاكمة في أم القيوين.

4 – آل نهيان الأسرة الحاكمة في إمارة أبو ظبي.

5 – آل النعيمي الأسرة الحاكمة في الشارقة.

6 – آل الصباح الأسرة الحاكمة في الكويت.

7 – آل بوسعيد الأسرة الحاكمة في سلطنة عُمان.

8 – آل سعود الأسرة الحاكمة في السعودية

9 – آل الشرقي الأسرة الحاكمة في الفجيرة.

10 – آل ثاني الأسرة الحاكمة في قطر.

4 – لماذا تغتصب العائلة التنظيم الرسمي وليس العكس؟: الجواب هو ان التنظيم يمثل منظومة مهنية مخططة ومبرمجة حسب مواقع ومستويات متسلسلة بشكل هرمي تكون علاقة شاغلي هذه المواقع علاقة مهنية متخصصة لا صلة لها بالقرابة والمصاهرة مثل افراد العائلة الذين يتفاعلون وجهاً لوجه، بينما يتفاعل أعضاء التنظيم بشكل غير مباشر أي عبر وسائل الاتصالات المكتوبة والمسموعة وتكون عضويتها غير ملزمة بينما تكون العضوية في العائلة ملزمة وعلاقتها حميمية وغير سطحية خالية من النزاعات والصراعات. بمعنى ان جماعتها (العائلة) دائمة وليست مؤقتة إضافة الى تمسكها بالسلطة الأبوية – البطريقية. هذا على الصعيد الاجتماعي الذي يتضمن التماسك والتكافل الاجتماعي فيما بين افراداها الذي يعزز قوتها امتلاك الثروة الهائلة والنفوذ الفعال والسلطة الفوقية عندئذٍ نستطيع ان تغتصب التنظيم الرسمي الذي يملك الأداء المنجز بشكل منظم هدفه تيسير حياة الناس دون تصارع ونزاع معهم هذا هو جوهر قوة العائلة في اغتصابها للتنظيم الرسمي. لقد طرحنا ثلاث نماذج من الاغتصاب العائلي الأول كان على المؤسسات العسكرية والأمنية والثاني على البنوك المركزية والشركات التجارية والمصانع وتجارة الذهب ومؤسسات تعليمية وموارد طبيعية وسياسات خارجية ووسائل إعلامية وحتى المنظمات الإرهابية والثالث أوضح اغتصابها للحكومة المركزية بكافة تنظيماتها الرسمية. القاسم لمشترك بين هذه النماذج هو الاغتصاب القسري والفوقي مع استخدام التنظيمات العسكرية والأمنية في تنفيذ اغتصابها. السؤال الذي نواجهه هنا هل هذه حالة صحية؟ تخدم المجتمع الإنساني؟ الجواب كلا بل لأنها تتحكم بمقدرات الملايين من البشر وتجعلهم ضحايا لها من أجل خدمة مصلحتها الفئوية مولدةً تنافراً تنظيمياً الذي بدوره يخلق فجوة بينها وبين الأغلبية الذي ينتهي بالصراع الاجتماعي والعسكري وبالذات في عصر الاتصالات الالكترونية والقنوات الفضائية وثورة المعلومات فلم يبقى شيئاً مستوراً أو مكموناً ومستتراً لأن هذه التقنيات أفضحت كل شيء يدور في العالم. بقيَّ ان أقول ليس كل عائلة ممتدة تستطيع ان تغتصب التنظيم الرسمي إنما فقط عندما تمتلك الثروة الطائلة والنفوذ القوي والسلطة المحكمة عندئذٍ تتحرك خارج محيطها لتذهب الى تنظيمات رسمية تسخرها لخدمتها وتوسع ثروتها ونفوذها. ولما كان التنظيم لا يضع في حساباته اغتصاب أو صراع مع تنظيمات أخرى لأنه منشغل في تحقيق أهدافه التنظيمية وتقديم خدمات للعامة. هنا تتحكم الثروة والنفوذ فيه. لكن الى متى يستمر الاغتصاب؟ هل يستمر الى مالا نهاية؟ ويتم اختفاء التنظيمات الرسمية؟ بسبب طمع وجشع واستحواذ بعض العوائل الممتدة المالكة للثروة والنفوذ؟ الجواب كلا لأن المجتمع يتقدم بتغير مراحله فلا يعرف السكون والهجوع بسبب تأثره بالعديد من المؤثرات الخارجية والعلمية والتقنية فيرفض هذا الاغتصاب القسري ليحقق حريته واستقلاله لأن الانبطاح والخنوع للعائلة المتحكمة بالمال والنفوذ عندها يحصل التغير حيث لا يبقى التحكم الظالم والاستحواذ على ملكيات الأخرين مستمراً بل يتغير بحكم قوة الصراع الذي يأخذ مكانه معبراً عن نفسه لصالح أصحاب الحق. وهذا يوضح ان ملاك الثروة والنفوذ لا يستمروا في تضامنهم وتكاتفهم بل ينقسموا فيما بينهم بسبب تنافسهم وطموحاتهم في الثروة والنفوذ لينتهي صراعهم الى حالة الانقسام الشخصي والمللي (القرابي) فيضعف اغتصابهم للتنظيمات الرسمية وتقل ثروتهم ونفوذهم ويخرجوا من المسرح العالمي. جاء الان لنحدد ما هي أهداف اغتصاب هذه العوائل وهي: 1 – عدم احتياجها بالسيطرة على بلد بأكمله.

2 – لا تكن أصابع افراداها متحفزة فوق بعض من أقوى الأسلحة في العالم.

3 – تمتلك 99% من ثروة العالم وتترك إلا للبقية كي تتقاتل عليها (هذه لا تشمل العوائل العربية الحكمة).

4 – لا تبحث في توازن القوى في الثروة والسلطة.

5 – لها جذور تاريخية تعود الى عقود وقرون من الزمن (باستثناء عائلة المالكي وصدام والقذافي وبن علي والأسد وصالح).

6 – أنهم يمثلوا بيت السلطة الدولية.

7 – هدفها السيطرة عملياً على كل شيء في جميع انحاء العالم [أحزاب وبنوك وكمؤسسات تعليمية وموارد طبيعية وسياسات خارجية واقتصاد وطني ووسائل إعلامية والمنظمات الإرهابية (باستثناء عوائل الحكام العربية)].

8 – هي التي تقرر أين ومتى سيحدث الهجوم الإرهابي المقبل ومتى تسقط الأسواق المالية وحتى تحتاج حكومة جديدة الى تولي المسؤولية.

9 – لديها سلطة مطلقة لأنها تعرف كيفية السيطرة على الثروة والموارد وكيفية السيطرة على التنظيمات بالقوة والشدة.

10 – انها تمثل قوى الظل في النظام العالمي الجديد وهي التي تحول كل الحروب والصراعات التي تشتعل في العالم.

11 – انها تمثل نخبة النخبة (لا تشمل العوائل العربية الحاكمة).

12 – تقوم باغتيال كلٍ من يحاول تأميم بنك مركزي وهذا حدث مع اغتيال الرئيسين الأمريكيين جون كندي وابراهام لينكون.

13 – انها تسيطر على الجريمة المنظمة.

14 – تمتلك الاعلام والنفط والحكومات.

15 – أنها تتحرك ببطء وهدوء شديد في استعباد البشر بصورة كاملة.

16 – تمتلك هرماً سلطوياً لمجلس العائلة.

17 – تستخدم السلطة الأبوية – البطريقية كحصان طروادة للسيطرة على المجتمع (تمارسه العوائل العربية الحاكمة).

18 – هي التي تتحكم في الحكومات ومنظمة الأمم المتحدة ومؤسساتها المختلفة لأنها تمتلك المال والطاقة والحروب.

19 – الحروب عندها استثماراً بالنسبة لها وتعتمد على ديونها للدول.

20 – لها قواعد صارمة في زواج افرادها تلزمهم بالزواج الداخلي أي من نفس العائلة أو من نفس مستوى الثراء.

أما على صعيد مخرجات حكم العائلات العربية فكان احدها انتشار ظاهرة” مؤسسة الشخص الواحد” التي تعني تقوم العائلة الحاكمة بقيادة رئيسها بتعين أحد أبناء أو أقارب الحاكم العربي على رئاسة أحدى المؤسسات الحكومية والأمنية والإعلامية والاقتصادية لتكون ذراعه الممتدة في التنظيم وعادةً لا يكون هذا الشخص متخصصاً ومؤهلاً بل مجرد عينه وذراعه في هذه المؤسسة الذي لا يهتم بتطورها وأنمائها وخدمة المصالح العامة فيقوم هذا بتنصيب من هم من نفس اسرته أو عشيرته ليكونا صمام الأمان ويجبرا العاملين في المؤسسة على الإذعان لأوامره لكي يرضي الحاكم محولاً المؤسسة الى اقطاعية أو مزرعة خاصة مستعملاً صلاحياته الإدارية والمالية لإيذاء المواطنين والموظفين إذا لم يستجيبوا لأوامره المتعسفة والمترجلة والعابثة. هذه هي بداية اغتصاب العائلة للتنظيم الرسمي – الحكومي هدفها هو وسائل وطرق شرعية وغير شرعية خفية أو ظاهرة لتقديم ولائه للحاكم الذي نَصّبَهُ على مؤسسة لا يستحقها ولا تؤهله مؤهلاته لإدارتها مقابل مكافئات مالية وعينية تمنح له بكل سخاء من أموال الشعب. ثم هناك سبيل أخر لاغتصاب التنظيمات الرسمية وضعها الباحث الاجتماعي الكويتي (د. محمد الرميحي) بـ (البدوقراطية) واصفاً العلاقة القرابية العشائرية البدوية في مجتمع الخليج العربي وكيفية إدارة التنظيمات والمؤسسات الحكومية التي لا تلتزم بالإجراءات الرسمية المبنية على التخصص والانجاز والدقة في العمل بل على تنصيب افراد من أبناء القبيلة الحاكمة ممن لا يحمل أي مؤهلات تتعلق بالمنصب المُنصّب فيه بل مجرد لأنه من أبناء الأسرة الحاكمة الأمر الذي تحول هذا التنظيم الى أهدافه الأسرية المغلفة بغلاف بيروقراطي. ثم هناك باحث سوري (نوري صافي) وصف هذا الاغتصاب من خلال تصويره بتحويل التنظيمات الحكومية الى مزارع عائلية بحيث تحكمت هذه الأسر الحاكمة بالاقتصاد والتجارة مستخدمة المؤسسات العسكرية والأمنية لقمع المعارضين لها. الاستعمار الداخلي مصطلح استخدم لأول مرة في كتابات مفكري أميركا اللاتينية لوصف العلاقة بين النخب الحاكمة والشعوب التي تحكمها. ووصفت العلاقة الأساسية بأنها استعمارية نظراً إلى طبيعتها الاستغلالية التي لا تختلف عن العلاقة بين الدول الاستعمارية والشعوب المستعمَرة. فالنخب الحاكمة تتحكم في مؤسسات الدولة وتسخّرها لتحقيق مصالحها الخاصة غير مكترثة بحال الشعوب الفقيرة المحرومة. النخب الحاكمة تتحكم بالاقتصاد والتجارة، وتستخدم الجيش والأمن لقمع الأصوات المعترضة ومنع قيام حركات سياسية منافسة، بعيداً عن كل الأطر القانونية. وبينما تعاني الشعوب تدهوراً أمنياً واقتصادياً، تعيش النخب في مجمعات سكنية محصنة، وترسل أولادها إلى مدارس خاصة، وتتمتع بالخدمات الرئيسية والكمالية، غير مكترثة لواقع الغالبية السكانية. هذا النموذج الاستعماري برز في العالم العربي والإسلامي في صورة أكثر استغلالاً وقبحاً. بدأت معالمه تظهر في باكستان في السبعينيات، حيث يمتلك الجيش الحظ الأكبر من الميزانية الوطنية، وينافس القطاع الخاص في المشاريع التجارية والصناعية، وتعيش أسر ضباطه في تجمعات سكانية معزولة عن الشعب، ويتلقى أبناؤه التعليم الخاص والبعثات الدراسية، بينما تعاني غالبية السكان من الظروف المعيشية الصعبة، مع غياب الخدمات وضعف مستوى التدريس وغياب الخدمات الصحية.

تحول الجيش المصري إلى مؤسسة أمنية وتجارية: النموذج عينه أدخل إلى مصر في الثمانينيات، عندما تحول الجيش المصري بعد توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل إلى مؤسسة أمنية وتجارية. وبدأت الطبقة الحاكمة في مصر تعزل نفسها عن الشعب ببناء التجمعات السكنية الخاصة، المزودة بجميع الخدمات من أسواق وأندية ومدارس خاصة وكهرباء وماء وحراسة أمنية متخصصة، ولتصبح معزولة عن الحياة القاسية الصعبة التي يعيشها معظم المصريين، في غياب الخدمات وفرص العمل، ومع ارتفاع مستمر في تكاليف الحياة وشحّ الموارد. أحداث الربيع العربي أبرزت نموذج الاستعمار الداخلي وأظهرت أنه النموذج المعتمد في جميع الأنظمة العسكرية في المنطقة العربية. الاستعمار الداخلي يبرز بوضوح في أي دولة يعمل حكامها على تطوير مستعمرات محصنة خاصة بهم تعزلهم عن ضنك العيش الذي يعاني منه سواد الناس. وهو المشهد الذي تكرر في كل الدول التي نالت استقلالها وحريتها من الاستعمار الأوروبي لتجد نفسها تحت استعمار داخلي، يدفع بعض أبنائها للترحم على الاستعمار الخارجي مقارنة بالاستعمار الداخلي المقيت. القصة نفسها تكررت في سورية الأسد وتونس زين العابدين وليبيا القذافي ويمن الصالح. نخب حاكمة حريصة على إرضاء القوى الدولية وحماية مصالحها على حساب شعوبها التي تتعامل معها بمزاج متعال قميء.

نظام الأسد حول سوريا إلى مزرعة خاصة: لعلَّ المشهد السوري يمثل أقبح أشكال الاستعمار الداخلي على الإطلاق. ليس فقط لأن نظام الأسد أثبت أنه من أكثر الأنظمة الاستعمارية دموية وشراسة، بل لاستعداده للتضحية بالسيادة والكرامة والوطن والشرف ورهن مستقبل البلاد والتحالف مع الطامعين وإرضاء الأعداء لتكريس حكم الفرد. الربيع العربي جاء للتعاطي مع هذا الواقع وتجاوزه إلى واقع مغاير يمكّن أبناء البلاد من اختيار قادتهم ومحاسبتهم. تتالت الثورات مع إصرار الأنظمة العسكرية على قمع كل مطالب الإصلاح لتعلن بدء مرحلة جديدة تضع حداً لأنظمة الاستعمار الداخلي. وكما كان متوقعاً فإن الدولة العميقة المتجذرة منذ عقود طويلة قادت ثورات مضادة لمنع حركات الإصلاح من تحقيق أهدافها. الثورات المضادة ستنتهي إلى فشل لأنها تسعى إلى الحفاظ على أنظمة نخرها الفساد وتركها كأعجاز نخل خاوية. كل الإرهاصات تشير إلى أن الشعوب ستتحرر من الاستعمار الداخلي، وأن الأنظمة العسكرية التي تستخدم كل أسلحتها وأدوات القمع التي تملكها لقهر شعوبها بدأت تختنق بمكائدها وجرائمها وفسادها ومكرها، مما يزيد حظوظ الشعوب العربية في تنفس الصعداء وزوال كابوس الاستبداد والفساد. [https://ar.qantara.de]

ط – عصر تسلط المنظمات الإجرامية على المجتمع: بمعنى شيوع هيمنة إرادات وغايات ومصالح جماعات مجرمة على الصعيد الدولي واحياناً الكوني يفوق ويتجاوز سياسات وإرادات حكومات الدول العظمى، هدفها الثروة الفاحشة غير الشرعية والنفوذ الصارم والاستحواذ المتحكم بحياة ومصائر الناس مخترقة قوانين الطبيعة البشرية لإفسادها وإرباك  عيشها واقلاق مستقبلها تسحق كل من يقف في طريقها مكونةً تنظيمات مغلقة على أعضائها لا تتزاوج مع غيرها وكل جماعة متخصصة بعمل إجرامي مكمل للأخر تتحرك بسرعة في انجاز مناشطها مستغلة الاحداث الكونية في صنيعتها من أجل الاستمرار في غيها مجندة جماعات من مثيلاتها في بيئات منتقاة تسمح بمزاولة إجرامها في افتعال الحروب والاتجار بالأسلحة والبشر واعضائهم والمخدرات واستثمار الضحايا في ممارسة البغاء والتهجير واللجوء البشري الجمعي على شكل أمواج بشرية كاسحة لا تستطيع أي أجهزة أمنية الوقوف حائلاً أمامها أو صدها. استخدمت الاغراءات المالية المجزية لكبار المسؤولين في دول العالم أمثال لحكام والوزراء والقضاة ورجال الأمن بذات الوقت تستخدم الاغتيالات السرية لكل من لا يستجيب لعروضها ومشاريعها. بمعنى هي التي تشعل فتيل الحرب وتنهي اقتتاله وتقرر السلام حسب مصالحها المالية المتفوقة على الدولية تبث الرعب الكوني مثل (رعب فايروس كورونا COVID 19) الذي شلَّ حركة شعوب العالم ومكوناته وأفقر العديد من الشركات الدولية العملاقة في التجارة والسياحة والاستثمار والصناعة والمواصلات والتعليم فارتفعت معدلات الانتحار بين الأفراد الذين أفلسوا وتم توقف عملهم وبارت تجارتهم فضلاً عن ارتفاع حالات الاكتئاب عند الكثير من الناس الذين اضطروا الى الحجر الصحي خوفاً من هلع فايروس كورونا. أنها صناعة التنظيمات المهلكة التي تتحكم في مصير العالم ليبقى نفوذها ممارساً وتتحكم في كافة أرجاء العالم. ديدني من هذا الاستطراد في هذا الموضوع هو توضيح تحكم وتسلط العوائل الممتدة ذات الثراء الفاحش واستخدامها لمافيات إقليمية تابعة لها أو لها صلة بمناشطها مثل ارباك الحكومات أو إيقاد فتيل الصراعات العرقية والطائفية من أجل الاتجار بالأسلحة والمخدرات، لا تعتمد على سياسة الحكومات المحلية ولا على أجهزتها الأمنية بل تخترقها وتحجم سلطاتها وتربك وظيفتها واحياناً تجند بعضاً من رؤسائها لخدمة ارابحها المالية. مثال على ذلك عائلة روتشيلد المتحكمة ببيوت المال وعائلة روكفلر المتحكمة بشركات لنفط والبنوك وعائلة دويونت المتحكم بصناعة المتفجرات والقنابل الذرية وعائلة باروخ المتحكم في تطوير الأسلحة النووية وعائلة ادمز المتحكمة بتعريب الكوكايين. هذه العوائل الممتدة ذات التحكم بصناعة الأسلحة والاتجار بالنفط والمخدرات استغلت انهيار المعسكر الاشتراكي في أوروبا الشرقية وسقوط جدار برلين وزوال الأنظمة الشمولية (في الربع الأخير من القرن الماضي) مما أدى ذلك الى تغير في البنية الفوقية لمجتمعاتها ففقدوا مناصبهم العليا وثرواتهم الأمر الذي جعل هذه العوائل المتحكمة كونياً تجند جماعات لها خبرة وتاريخ في عالم الإجرام لتعلب دوراً استغلالياً بالإتجار بهم عبر التهريب البشري والاتجار بالرقيق الأبيض والأطفال واستخدامهم في الدعارة وبيع المخدرات، فظهرت المافيا الروسية والبلغارية والهنغارية والاستونية والجيكية وبيلا روسية واللتوانية والمولدوفية والبولندية والكرواتية. بذات الوقت جندت جماعات عرقية وطائفية محلية – إقليمية في مجتمعات الشرق الأوسط لتوقد فتيل الحرب الأهلية من أجل تشكيل ميليشيات مسلحة وبيع الأسلحة لهم مع ترويج بيع المخدرات والاتجار بالرقيق الأبيض. بذات الوقت شجعت العولمة على ممارسة مناشط هذه العوائل المتحكمة بالإفلات من رقابة الأجهزة الأمنية المحلية والتجارة الحرة مع استخدام الأجهزة الأمنية الالكترونية السريعة في الاتصالات الفورية مما أضاف نشاطاً جرمياً لها وهي الجرائم الالكترونية التي عسّرت رقابة الحكومات عليها وعلى ضبطها فاضحت جرائم هذه المافيات محلية لكنها مدعومة من الحيتان الكبار في العالم (هي العوائل المتحكمة) وتم تجنيد العديد من حكام الدول النامية معها طمعاً في المال وخوفاً منهم فحصلت عدم سيطرة القانون والأمن في العديد من البلدان التي اصابتها الحروب مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن وليبيا وتونس والسودان، جميعها اصحبت مسرحاً للعب المافيات الإجرامية المتخصصة بالأنشطة الإجرامية غير الوطنية أي العابرة للحدود الإقليمية والمتحكمة بها من قبل حيتان التنظيمات المُهلكة مثل: 1 – الاتجار غير المشروع بالعقاقير المخدرة.

2 – الاتجار بالأسلحة.

3 – الاتجار بالمواد النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل.

4 – الاتجار بالنساء والأطفال.

5 – الاتجار في أعضاء الجسم البشري.

6 – الاتجار في الأجنة والبويضات الملحقة.

7 – سرقة السيارات وتهريبها.

8 – غسل الأموال المتحصلة من الجرائم.

9 – التعاون مع المنظمات الإرهابية في خلق بيئة تساعد المنظمات الإجرامية على ممارسة نشاطها الإجرامي.

10 – سرقة المقتنيات الفنية والاثار.

11 – تهريب المعادن النفيسة.

12 – فرض الاتاوات.

13 – الخطف.

14 – الابتزاز.

15 – افساد ذمة الموظفين الحكوميين.

16 – دفن النفايات الذرية بالتواطؤ مع بعض الحكومات الفاسدة.

17 – الاتجار بالأغذية الملوثة بالإشعاعات والأدوية في مرحلة التجريب وافراغ النفايات التي تسبب تلوث للحياة الشاطئية بشكل مباشر أو غير مباشر مع حيتان التنظيمات الكونية مثل: 1 – اخوية الأديان في أمريكا.

2 – عصابة البامبو المتحدة في تايوان.

3 – عصابة كربيس في لوس انجلوس.

4 – عصابة الدماء في البيرو.

5 – ملوك اللاتينية في اسبانيا.

6 – عصابة سينالوكارتل في المكسيك.

7 – عصابة لوس زيناس في المكسيك.

8 – عصابة ثالوث 14 ك في هونغ كونغ.

9 – عصابة ياكوزا في اليابان.

10 – عصابة سلولنتسيفسكايا براتفا في روسيا.

11 – عصابة ياما غوتشي غومي في اليابان.

12 – عصابة كامورا في إيطاليا.

إذن هناك شبكة متصلة بين الحيتان الكونية مع وكلائها في معظم بلدان العالم الغربي والافريقي والأسيوي بحيث لا يخلوا مجتمع من ممارسة نشاطهم في كل ما يصيب المجتمع من معادات بالدرجة الأساس بهدف الربح غير المشروع والسريع فهم يخلقوا ويفتعلوا الأزمات والصراعات والحروب والانهيارات المالية والبنكية والصحية من أجل استغلالها والانتفاع منها وهم عن بعد منها أي من خلال مجنديها ووكلائها المحليين لهم في بلدان تعد بالاضطرابات التي افتعلوها وسيطروا على استمرارها. أي هم مصدر ابتكار المشاكل الكبرى في عصرنا الحالي. المنطق التحليلي وراء هذه الأعمال الإجرامية الكونية المتحكمة في مصائر البشر أجمع في زمن سيطرة المادة على حياتهم المعاشية مع وجود الأجهزة الالكترونية في اتصالاتهم ومدخراتهم المالية. إضافةً الى سيادة الرفاهية الاقتصادية كل ذلك دفع بحيتان الإجرام الكوني أن يعملوا عن كثب وببطء بشكل غير مباشر مجندين جماعات إقليمية تنفذ مآربهم الجرمية في بلدانهم مثل الصراعات الفئوية ونشر المخدرات بين الشباب والاستفادة من الانهيارات السياسية والاقتصادية من أجل ممارسة جميع الأنشطة المحضورة والممنوعة شرعاً لا يهمهم مصير ومستقبل الشعوب الفقيرة والمغلوب على امرها لكي يبقوا متمسكين بنفوذهم المالي والتجاري لا يسألوا عن ولا يريدوا الحكم أو الرئاسة بل التحكم في التجارة غير المشروعة في ظل الفوضى والحروب وانهيار المنظومة القيمية في بعض المجتمعات مثل المجتمع العراقي والليبي واليمني والسوداني واللبناني فعملوا على جلب جماعات ساقطة اخلاقياً وغبية ذهنياً وجشعة مالياً لتنصبها على حكم هذه المجتمعات لكي تمرر عليهم إرادتها ومصالحها واستنزاف ثروات بلادهم والاستمرار بتجارة الأسلحة والبشر والتهريب البشري. كل ذلك أدى الى تغير نمط عيش الناس فحصلت فجوة واسعة بين الفئة الحاكمة المستبدة والجماهير الفقيرة والمسحوقة والممارس عليها الأنشطة الجرمية مثل المخدرات والدعارة والقمار والتهجير فلم تعد الحكومات في هذه الدول لها حرية في انماء وتطوير مجتمعاتها بل تبدل فاسدين بمفسدين لكي يكونوا مطايا لحيتان التنظيمات المُهلكة في العصر الالفي الثالث الذي شهد وعاصر نماذج جديدة من الإجرام تقوده عوائل ثرية وذكية بشكل إجرامي لا يهمها الحس الإنساني أو التطور المجتمعي بل نشر الاجرام المنظم في كل بلد يجدوا فيه منافع مالية. أنها فترة سقطت فيها المنظومة الأخلاقية وتحللت فيها المعايير القيمية فلات المجتمع فاقداً ضوابطه العرفية التي تحميه من كل الطامعين بثروته ووجوده. انه فعلاً عصر المهالك المفتعلة من قبل وحوش بشرية تنهش بالجنس البشري عن بعد وبطء وخبث لا دين لها سوى المال ولا عقيدة لها سوى الربح غير المشروع ولا سلطان عندها بغياب مافيات إقليمية مجندة من قبلها لتنفيذ مخططاتها اللاإنسانية.

تنظيم القاعدة وداعش الإرهابيين صناعة أمريكية: اتحول بعد ذلك الى طرح تنظيمين إرهابيين صنعتهم أمريكا من أجل مواجهة الاتحاد السوفيتي والمد الشيوعي في اسيا وخلق غطاء للتدخلات الامريكية في الشرق الأوسط والسيطرة على البترول في العراق وتمزيق النسيج الاجتماعي في المنطقة العربية بين السُّنه والشيعة والعرب والكرد وهذا ما أكدته (هيلاري كلينتون) وزيرة خارجية أمريكا السابقة و (روبن كوك) وزير خارجية بريطانيا السابق وأوضحه (الكسي فينينكو) أحد كبار الباحثين في معهد قضايا الأمن الدولي التابع لأكاديمية العلوم الروسية. فهل يعقل ان حكام العرب لا يعرفوا هذه الحقيقة؟ وعامة الناس من العالم يعرف ذلك؟ أم هم مستغفلين؟ أو مغلوب على أمرهم لكي يحتفظوا بحكمهم على مجتمعهم المستبدين عليهم؟ وانه من نافلة القول بإن داعش صناعة أمريكية والبغدادي وغيره من قادة التنظيم هم من صناعة أمريكا. حيث تم تشكيله واعداد قياداته في سجن (بوكا) في البصرة الذي كانت تديره قوات الاحتلال الأمريكي في اعقاب غزو واحتلال العراق ولم تكن للمخابرات الامريكية في يوم من الأيام بعيدة عن مخططات التنظيم وعن مشروعه في المنطقة وفي المحصلة النهائية كان التنظيم أحد أكبر أدوات استراتيجية الفوضى والتدمير للدول العربية. ليس هذا بالأمر الجديد في الاستراتيجية الأمريكية إذ لم نكن قد نسينا فإن أمريكا هي التي صنعت وبالمعنى الحرفي المباشر تنظيم القاعدة في أفغانستان وهي التي مولته وسلحته وكانت المخابرات الامريكية هي التي صاغت الخطاب الديني والسياسي والإعلامي الذي روج للتنظيم كتنظيم مجاهد في مواجهة الاختلال السوفيتي. فالمخابرات الامريكية هي التي قدمت (أسامة بن لادن) للعالم في ذلك الوقت كمجاهد يحارب الاحتلال السوفيتي الكافر وحين أدى مهمته وأستنفد تنظيم القاعدة اغراضه قتلوا (أسامة بن لادن) وألقوا بجثته في البحر وهو السيناريو نفسه الذي تكرر ويتكرر اليوم مع تنظيم داعش. وللمزيد من التفاصيل عن هذه الصناعة الإرهابية التي تقوم بها دولة قوية ومستبدة على العالم وبالذات الدول النامية مثل العراق وسوريا والدول العربية نقدم ما يلي: نجحت نظرية الحقنة تحت الجلدية Hypodermic Needle في إقناع الناس عبر العالم، بوجود عدو جديد سيحمل منذ 29 يونيو 2014، اسم (داعش) مختصراً لعبارة (دولة الإسلام في الشام والعراق). ومنذ هذا التاريخ سيعلن أبو بكر البغدادي نفسه (خليفة للمسلمين) ،كما سيعلن الناطق الرسمي باسم (الدولة) (أبو محمد العدناني) إلغاء اسمي العراق والشام من مسمى الدولة، وأن مقاتليها أزالوا الحدود التي وصفها بالصنم، وأن الاسم الحالي للمنطقة سيصبح (الدولة الإسلامية) فقط. هذا الخبر الفريد في تاريخ الإعلام العالمي، سيجعل كل ذي بال يتساءل، ما ذا يجري في المنطقة العربية؟ ومن يقف وراء ما يحدث؟ ومن هم هؤلاء الذين يفرضون فهمهم للدين والدولة على الملايين؟ وما هذا الخطاب المتشدد المتنامي الذي يفرضه هؤلاء (المدعين)؟ هل هي مشكلة الطائفية التي ميزت هذه المنطقة خاصة في العراق والشام منذ عقود، وعجز الساسة العرب عن حلها؟ الجواب عن هذه الإشكاليات تفجره وزيرة الخارجية السابقة (هيلاري كلينتون) في مذكراتها المعنونة (خيارات صعبة)، حيث قالت “دخلنا الحرب العراقية  والليبية  والسورية  وكل  شيء كان على ما يرام وجيد  جدا، و فجأة قامت ثورة في مصر2011 ، وكل  شيء تغير  خلال 72 ساعة” .إنها تجلية وتصفية للصورة، تقدمها امرأة خبرت السياسة الخارجية الأمريكية، التي تصنع الخطاب السياسي المتشدد لخدمة مصالحها في الشرق الأوسط. لتمضي (هيلاري كلينتون ) قائلة “لقد تم الاتفاق على اعلان الدولة الإسلامية يوم 2013/7/5 ، وكنا ننتظر الاعلان لكي نعترف نحن و أوروبا بها فورا… كنت قد زرت 112 دولة في العالم… وتم الاتفاق مع بعض الاصدقاء على الاعتراف بـ”الدولة الإسلامية “،حال اعلانها فورا وفجأة تحطم كل شيء”.

يبدو من كلام (هيلاري كلينتون) أن السياسة الأمريكية تملك أدمغة تفهم الكثير في ثنايا المنطقة العربية والعالم، لكن ما يحصل دائما أن من يلعب بالنار يحترق بها أولا، ففشل أمريكا في السيطرة على ”القاعدة” بعد انتهاء تحالفها مع التنظيم ،الذي ركّبته ودعمته وموّلته بتنسيق مع النظام السعودي بحجة محاربة الجيش السوفياتي (الشيوعي) آنذاك في أفغانستان، سيجعل تنظيم طالبان ( الذي كان عميلا أمريكيا للتو)، يتحول بعد نهاية الحرب الباردة إلى أول داعمي ( الإرهاب) حسب التصنيف الأمريكي، نفس القصة ستتكرر من جديد اليوم مع “داعش” فالأموال السعودية كانت تضخ للتنظيم بغطاء أمريكي للوقوف في وجه إيران، لكن السحر دائما ما ينقلب على الساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى. إن كل هذه الانقلابات في السياسة الامريكية يؤكد أن المنطقة العربية باتت في التصور الأمريكي مختبر تجارب سياسية بامتياز، سيؤدي ثمنها آلاف الشهداء والضحايا والمعاقين الذين نرى وسنرى دماءهم صباح مساء في وسائل الإعلام. هناك من يرى أن “داعش من بقايا تنظيم القاعدة بقيادة أبو مصعب الزرقاوي، وهناك من يرى أن هناك أطراف دولية وإقليمية تدعم هذه الحركة المتشددة لتقويض النظام السوري، وهناك نظرية أخرى تقول أن تمت من يستغل التنظيم المتشدد لتأجيج حرب طائفية (سنية شيعية)، لا تقف نيرانها في الشام والعراق بل تصل إلى عمق شمال إفريقيا، وهذا التقرير السنوي للخارجية الأمريكية 2014 حول الحريات الدينية في العالم يبشر بوصول بوادر الطائفية إلى المغرب فـ ” عدد الشيعة في المغرب يتراوح بين 3000 و8000 غالبيتهم من لبنان والعراق، مع نسبة قليلة من المغاربة الشيعة، في الوقت الذي يصل فيه عدد البهائيين إلى 400 يتمركزون غالبا في المجال الحضري لمدينة طنجة”. إن مثل هذا الخطاب يعطينا مشروعية طرح السؤال التالي: هل تريد الخارجية الأمريكية تعميم النموذج العراقي على كامل المنطقية العربية؟

هذا ما يستنتجه كل متتبع للأخبار والتقارير، فالعراق مفتوح على حرب طائفية شتت فسيفساءه (السنية الشيعية، المسيحية، الإيزيدية…)، وهو ما يرى المفكر الامريكي (نعوم شومسكي) أنه ردةُ لما بعد “الربيع العربي”، فبعد ثلاث سنوات على بدايته ، اصبح الربيع تحركا للخلف بدلا من التحرك الى الامام. وقد لعبت عدد من “الدكتاتوريات” في المنطقة العربية دور كابح لمعظم جهود التحرر و إرساء الديمقراطية”، وعلى حد تصريحه في حوار مع مجلة “نقابة الصحافة” الالمانية، يضيف (شومسكي) أن “التوتر بين الطوائف الدينية في الشرق الاوسط في تزايد، ما يؤدي الى صراعات وقصص (رعب) ربما ستؤدي الى تقسيم المنطقة برمّتها”. القوى الغربية إذن تمسك خيوط اللعبة السياسية في المنطقة العربية برمتها، وتحدد مصير هذه الشعوب التي عجز قادتها عن تحديد معالم مستقبل مشرق لأجيالها، أجيال عربية لن ترى إلا الدماء ومشاهد القتل والدمار. وليست الحرب الإسرائيلية الظالمة على غزة صيف 2014 إلا تنسيقا أمريكيا – إسرائيليا”، لتشتيت انتباه العالم عما تقوم به (داعش) في العراق، وما يقوم به الجيش السوري وحزب الله من حماقات في بلاد الشام، إنها الحرب تدق طبولها بأيادي أمريكية، وينفذها من لا ضمير لهم ولا ذمة. خلاصة السياسة الأمريكية يمكننا الوقوف عليها منذ العام 1945، حيث بات الشغل الشاغل للولايات المتحدة وحلفائها هو السؤال: ماذا سيحدث عندما يختفى التهديد الروسي عام 1989؟ والإجابة: ينبغي صنع عدو ما. مباشرة غزت أمريكا بنما على فورا، ما أسفر عن مقتل الآلاف من الناس وتنصيب نظام عميل. .. وكالعادة مضت وسائل الإعلام الأمريكية تشيد بالغزو بحماس غير مبالية بأن ذرائعه كانت مثيرة للسخرية. إدارة بوش الاب ستنهج سياسة أمنية وطنية جديدة وميزانية دفاع ضخمة، في رد فعل على انهيار العدو العالمي. ليصنع صقور السياسة الأمريكية تهديدا وسموه بـ “الأنظمة الراديكالية والقومية” ،خاصة في إيران وغواتيمالا عام 1953 و1954. في حالة إيران، كان أحد مصادر القلق هو الأثر المحتمل للاستقلال الإيراني الذي يقوده آية الله على مصر. لم يمر يومًا منذ عام 1953 إلا وعملت الولايات المتحدة على تعذيب الشعب الإيراني. و بسبب هذه السياسة ما تزال( غواتيمالا) واحدة من أسوأ دوائر الرعب في العالم حتى اليوم. الحرب الأمريكية – البريطانية على أفغانستان ( 7 أكتوبر 2001 )، لم تكن آخر المسلسل الدموي الأمريكي، فالحرب كانت – حسب الخارجية الأمريكية – ردة فعل على هجمات 11 سبتمبر وهدفها المعلن كان اعتقال زعيم تنظيم القاعدة (أسامة بن لادن). إضافة إلى تدمير هذا التنظيم كليا .تلا ذلك بسنتين غزو أمريكي آخر للعراق (حرب الخليج الثالثة) في (20 مارس سنة 2003)، أدت إلى إنهاء حكم صدام حسين وإعطاء الشرعية لاستنزاف أمريكي طويل للعراق، وبغطاء من بريطانيا وأستراليا. وقد تسببت هذه الحرب بأكبر خسائر بشرية في المدنيين في تاريخ العراق وتاريخ الجيش الأمريكي، وتظل فلسطين ولبنان حقل تجارب مثالي ناجح، للسياسة الأمريكية – الإسرائيلية، كان آخرها مشروع (بوش الابن) الشرق الأوسط الكبير الذي مني بفشل مدوي بعد حرب إسرائيل عل لبنان 2006.المفاجأة على العظيمة، كانت فقدان أمريكا لأهم حلفائها في الشرق الأوسط (نظام حسني مبارك) أثر إسقاط ثورة يناير 2011 له من سدة الحكم، لتفقد أمريكا أحد أهم خيوط لعبتها الدموية. تستمر الحكاية إذن من خلال رفض النظام السوري الانسحاب من الحكم وسط شد وجذب بين امريكا من جهة وإيران وروسيا من جهة ، لتستفحل الأزمة ويبدأ مسلسل التقتيل و اللجوء. هذا مختصر اللعبة السياسية الخارجية الأمريكية، السيطرة على منابع النفط والمداخل البحرية وتصدير الأزمة إلى الخارج هي أهم أولوياتها. كما أن خلق عدو مفترض أصبح منذ هجمات 11 شتنبر يقترن بالديانة الإسلامية ومعتنقيها في كل أرجاء العالم. فهل سينساق العالم وراء البروباغندا الأمريكية مجددا؟ وهل يعلو صوت الجنون والتشدد البعيد عن روح الإسلام على صوت العقل واحترام الاختلاف؟ [https://www.hespress.com] قال موقع غلوبال ريسيرش على لسان الكاتب “كريكاي تشينكو” إن تنظيم القاعدة وتنظيم “داعش” الإرهابي قد تم صناعتهما في داخل الولايات المتحدة الأمريكية، وهما أداة للإرهاب التي تهدف أمريكا عن طريقهما إلى تقسيم وغزو الشرق الأوسط الغني بالنفط. وافادت وكالة مهر للأنباء أن موقع “غلوبال ريسيرش” الأمريكي قال في دراسة مطولة له: ان الولايات المتحدة لديها تاريخ طويل بدعم الجماعات الإرهابية الأمر الذي سيكون مثل المفاجأة لأولئك الذين يشاهدون الأخبار ويتجاهلون التاريخ، ففي خلال عام 1970 استخدمت وكالة الاستخبارات المركزية جماعة الإخوان المسلمين في مصر بمثابة حاجز، وذلك لإحباط التوسع السوفيتي ومنع انتشار الفكر الماركسي بين الجماهير العربية، فالولايات المتحدة دعمت علناً الإرهابيين في إندونيسيا وفي باكستان، وأخيرا وليس آخرا، تنظيم القاعدة. وتابع الموقع بالقول: ولكي لا ننسى، قامت وكالة المخابرات المركزية بولادة أسامة بن لادن ومنظمته وأنشأته على رضاعة طبيعية خلال عام 1980، حيث قال وزير الخارجية البريطاني السابق روبن كوك، في مجلس العموم أن تنظيم القاعدة كان بلا شك أحد المنتجات من وكالات الاستخبارات الغربية، وأوضح كوك أن تنظيم القاعدة، الذي يعني حرفياً اختصار لـ “قاعدة البيانات” في العربية، كان في الأصل قاعدة بيانات الكمبيوتر والتي تتألف من آلاف المتطرفين الإسلاميين، الذين تم تدريبهم من قبل وكالة الاستخبارات المركزية والممولة من قبل السعودية. واردف الموقع: كانت علاقة أمريكا مع تنظيم القاعدة دائماً هي علاقة “الحب والكراهية” وذلك اعتماداً على ما إذا كانت جماعة إرهابية خاصة مثل “تنظيم القاعدة” في منطقة معينة تعزز المصالح الأمريكية أم لا حيث يزعم صناع السياسة الخارجية الأمريكية بمعارضة التطرف الإسلامي، بينما في الواقع هي ليست سوى سلاح للسياسة الخارجية الامريكية، فتنظيم “داعش” هو أحدث سلاح، لأنه ليس مثل تنظيم القاعدة، فنتائجه باتت عكسية بالتأكيد، فزيادة نشاطات تنظيم “داعش” ازدادت مؤخراً على الساحة الدولية بعد أن بدأ التنظيم بقطع رؤوس الصحفيين الأمريكيين، فالآن  تنظيم “داعش” يسيطر على منطقة في حجم المملكة المتحدة، ومن أجل أن نفهم لماذا تنظيم “داعش” نمى وازدهر بسرعة، على المرء أن يلقي نظرة على جذوره المدعومة من الولايات المتحدة في المنطقة، فالغزو الأمريكي للعراق عام 2003، واحتلال العراق خلق الشروط المسبقة لجماعات سنية متطرفة، مثل “داعش”، فقد تسبب الاحتلال الأمريكي ببطالة واسعة في العراق، من خلال رفض الاشتراكية وإغلاق المصانع على أمل ساذج بأن اليد السحرية من السوق الحرة من شأنها أن تخلق فرص عمل، وبدلاً من تعزيز التكامل الديني والوحدة، أدت السياسة الأمريكية في العراق إلى تفاقم الانقسامات الطائفية، وخلق أرضية خصبة للفتات في المجتمع العراقي. واضاف الموقع: فاستخدمت امريكا تنظيم “داعش” الإرهابي في العراق وسوريا لها باسم مختلف، بعد ان كان هذا التنظيم – أي تنظيم “داعش” – هو  تنظيم القاعدة في العراق، فبعد عام 2010 تم إعادة تسمية هذه المجموعة وإعادة تركيز جهودها على سوريا، حيث إن الحرب الباردة الجديدة هي معركة جعلت صناع السياسة الخارجية للولايات المتحدة يقررون أن تعتمد على تسليح المتمردين الاسلاميين في سوريا. فإن المتمردين السوريين قد تحولوا الآن بلطجية  يلوحون علناً بـ “​​M16” البنادق الأمريكية الصنع، وهذه هي السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط والتي تدور حول النفط وإسرائيل، فغزو ​​العراق سببه العطش الامريكي نحو “النفط العراقي” وفي الوقت ذاته فإن الغارات الجوية المستمرة في سوريا وفرض عقوبات اقتصادية على إيران هو جميعه يصب في صالح “إسرائيل”. واختتم الكاتب بالقول: الإمبريالية الأمريكية في الشرق الأوسط هي السرطان. وببساطة، فإن الحرب على الإرهاب هو الإرهاب بعينه.  يذكر أنه وتأكيداً لهذا المنطق، أكد كبير الباحثين في معهد قضايا الأمن الدولي التابع لأكاديمية العلوم الروسية (ألكسي فينينكو)، أن العلاقة بين تنظيم “داعش” الإرهابي والولايات المتحدة ليست سرية بل هي أبعد من ذلك لأن وجود هذا التنظيم الإرهابي على الأرض يساعد بشكل موضوعي الولايات المتحدة في تحقيق جملة من المهام وأولها خلق ذريعة لتواجدها العسكري المطول في المنطقة، ورأى (فينينكو) أن التدخل الأمريكي الجديد في المنطقة سيكون بحجة أنه موجه ضد تنظيم “داعش” الإرهابي تحديداً وليس ضد غيره ما قد يشكل ضغطاً مباشراً على سوريا بعد أن فشلت التهديدات بالعدوان عليه بذريعة السلاح الكيميائي، وحذر (فينينكو) من أن عودة الأمريكيين إلى العراق بداعي محاربة الإرهابيين من تنظيم “داعش” ستقدم لهم بشكل مباشر إمكانيات لتحقيق هدفهم في تقسيم العراق. [https://ar.mehrnews.com] تميز هذا العصر بعدم الاستعمار الرأسمالي والحماية الدولية التي تهدف الى استغلال موارد الطاقة والمواقع الجغرافية الاستراتيجية التي سادت في القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين لكن حلَّ محلَّه استراتيجية جديدة من قبل الدول الغنية والقوية والمتطورة صناعياً وتكنولوجياً على المجتمعات المتخلفة والمحكومة عائلياً أو فردياً – دكتاتورياً – من أجل الحصول على ثرواتها الطبيعية وخلق الاضطرابات فيها وتمزيق النسيج الاجتماعي فيها وجعلها قواعد عسكرية لها بحجة حمايتها وتطبيق الأنظمة الديمقراطية فيها مثل الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وتركيا وإيران في الدول العربية في العصر الالفي الثالث. هذا فضلاً عن قتل الاف المواطنين فيها الذين يدافعون عن بلدهم وتحررهم من الهيمنة الأجنبية. عندها استخدمت المنظمات الإجرامية والفئات المرتزقة واللاوطنية لتحقيق أهدافها التوسعية والاستغلالية والاستنزافية والطائفية لتخريب بنيانها ونشر التفرقة العرقية والدينية فيها فزودتها بالأسلحة والمال والدعم الإعلامي في تشويه الحقائق وتحريفها، إنما هدفها لا يختلف عن هدف المستعمر والمحتل لها وهذا ما يعيشه المجتمع العربي في الوقت الراهن. انه أسلوب جديد في التسلط والهيمنة الرأسمالية الجشعة والمدفوعة من قبل العوائل الممتدة المتحكمة ببيوت المال والبترول والذهب وصناعة الأسلحة الفتاكة والمخدرات مستخدمة إفساد المنظومة القيمية والأخلاقية في شعوب هذه المجتمعات لكي تركعها لهيمنتها والاستنجاد بها وتصريف أسلحتها لها وجعلها سوقاً رائجاً لبضائعها الكاسدة والفاسدة ومستخدمة صناعة بشرية جديدة وهي منظمات إرهابية وإجرامية تقوم نيابة عنها في تفتيت المجتمعات الضعيفة والمتخلفة تكنولوجياً دون أن تدخل في مواجهة مباشرة مع شعوبها أو العناصر الوطنية الثائرة ضدها كما كانت في القرن الماضي. انه الاستعمار الحديث الذي يُسخر القوى المحلية اللاوطنية نيابة عنه في قتل وتخريب وتدمير وإفساد المجتمع ونهب ثرواته بتوجيه منه لكي لا يقدم خسائر بشرية في جيشه أو عناصره الأمنية ولا يستوطن فيها. انه استعمار مزدوج القوى المنتقمة من العراقيين والطامعة بثرواته حيث تم تقديم هبة مالية ضخمة قوامها (64) مليار دولار امريكي للحكومة الإيرانية وقدمت حكومة (نوري المالكي)  (35) مليار دولار وحكومة (ابراهيم الجعفري) (17) مليار دولار وحكومة العبادي (12) مليار دولار. ناهيك عن تجفيف الأسواق العراقية من المنتجات العراقية الصناعية والزراعية وكان هؤلاء الخونة (المالكي والجعفري والعبادي) ينهبوا أموال الشعب العراقي ليعطوها لإيران وليست للشعب العراقي المنكوب الذي يعاني من الفقر والبطالة وتوقف الإنتاج وهدر في التعليم وسوء الحالة الصحية. انهم عملاء وخونة بامتياز خدموا الحكومة الإيرانية (وهي تحتقرهم) في انتقامهم من العراقيين الذين حاربوهم لمدة ثماني أعوام مستمرة انتقموا من العراقيين بغض النظر عن كونهم شيعة وسُنّه وعرب واكراد وتركمان. هؤلاء الخونة العملاء يمثلوا النموذج الأمثل في خيانة الوطن والطائفة والدين لا ينسى العراقيين جرائمهم وسرقاتهم وافسادهم للحياة الاجتماعية العراقية. وللاطلاع على هذه الحالة نقدم المعلومات التالية:

نسخة الاستعمار الحديث العراق يدفع ثمن حصار إيران الاقتصادي: مثلما لا يخفى على أحد التدخل الإيراني في العراق، وبالذات بصيغته الايديولوجية، فإن المواطن العراقي لم يعد لديه أدنى شك بهيمنة طهران على مفاصل دولته ومفاعيل عمليتها الاقتصادية، ليس عبر التسريبات الإعلامية من داخل دوائر الحكومة العراقية وحسب، إنما عبر أشكال الغزو التجاري للأسواق العراقية وتعطيل كل أشكال هذه العملية، زراعيا وصناعيا وحصر النشاط التجاري مع إيران، من السيارات التي غزت شوارع البلاد وحتى قطع الحلوى التي يمضغها الطفل العراقي.

هيمنة تسلطية: وبغض النظر عما إذا كانت الهيمنة الإيرانية تجري بالاتفاق مع المحتل الأمريكي أم لا، فإن المراقب والمواطن العراقي، لم يعد لديهما أدنى شك في هيمنة إيران على مفاعيل العملية الاقتصادية مستغلة تبعية وولاء الحكومات العراقية، التي توالت على حكم العراق منذ الغزو الأمريكي لهذا البلد، عام 2003 وحتى هذه اللحظة، وكذلك ما تنفذه الميليشيات التابعة لها، تنظيميا وايديولوجيا، كقوى مسيطرة على مفاصل مؤسسات الدولة سياسيا، والشارع العراقي أمنياً. فمنذ السنوات الأولى  للاحتلال الأمريكي شهدت الأسواق العراقية غزوا منظما للبضائع الإيرانية، تساوق مع محاربة منظمة للتجار الذين رفضوا التعامل مع البضائع الإيرانية، سواء بالتهديد أو بتعطيل شحناتهم التجارية في المنافذ الحدودية العراقية. ومع تصاعد حلقات الحصار الاقتصادي الذي فرضته الولايات المتحدة على إيران، لم يبق أمام هذه الدولة من وسيلة لتعويض خسائرها وأضرار هذا الحصار، غير الخزينة والسوق العراقيين. فوفق تسريبات من داخل الحكومة العراقية، فإن حكومة نوري المالكي قدمت هبات مالية للحكومة الإيرانية، تجاوزت قيمتها خمسة وثلاثين مليار دولار، على شكل ثلاث دفعات، وإن حكومة (ابراهيم الجعفري) تبرعت للحكومة الإيرانية بما يزيد على سبعة عشر مليار دولار، وأهدت حكومة العبادي مبلغ 12 مليارا، وكل هذه الاموال كانت منحا غير قابلة للرد، هذا إضافة إلى فتح أسواق البلاد أمام البضائع والخدمات الإيرانية وفرضها على التجار والمؤسسات المحلية، سواء بالترهيب أو بالمحاربة الإدارية وحجز بضائعهم في المنافذ البرية والبحرية أو مصادرتها. ومنذ عام 2008 هيمنت البضائع والسلع الاستهلاكية الإيرانية على الأسواق العراقية، وخاصة السيارات والمواد الغذائية والخضر والفواكه بشكل لافت للنظر، خارج كل حساب لشروط العملية الاقتصادية وموازناتها واستحقاقاتها. وكما قال أحد الخبراء الاقتصاديين العراقيين، فإن فتح الأسواق العراقية أمام البضائع الإيرانية بهذا الشكل من الانفلات، والذي تزامن مع محاربة القوات الأمنية والميليشيات الحزبية للفلاحين ومنعهم من العمل وتخريب مزارعهم وحقولهم بشكل متعمد، لم يكن هدفه سوى تعطيل العمليات الإنتاجية للعراق وتحويله إلى سوق للبضائع الإيرانية، من أجل سحب كميات كبيرة من العملة الصعبة لدعم الاقتصاد الإيراني المتداعي. ومع وصول الرئيس الأمريكي، (دونالد ترامب) ، إلى البيت الأبيض وبدئه بفرض العقوبات والحصار الاقتصادي على إيران، فرضت إيران على حلفائها في الحكومة العراقية، المزيد من خطط تحطيم العمليات الإنتاجية والزراعية من أجل تعطيلها وتحويل العراق إلى مستهلك تام للبضائع والمنتجات الزراعية الإيرانية.

الأعباء غير المنظورة: لعلَّ من بين أخطر السياسات الاقتصادية الصامتة التي اعتمدتها إيران في العراق هي تعطيل المرافق الإنتاجية والمصانع، بما فيها البنى التحتية، من أجل أن يعتمد العراق في كل شؤونه وحاجاته وأهمها الطاقة الكهربائية، التي حرصت على أن لا يعاد إصلاح محطات توليدها، التي تضررت أثناء حرب غزو العراق، من أجل أن تجبر العراق على شراء حاجته من الطاقة الكهربائية من شركات إنتاجها، بصفتها دولة جوار. وكما يقول المهندس (واثق. م)، أحد مسؤولي قطاع الكهرباء في العراق، فإن إيران قد حرصت حرصا مستميتا على أن لا يعاد تأهيل أو تشغيل محطات توليد الكهرباء، أو بناء محطات جديدة من أجل إبقاء العراق معطلا أولا من هذه الطاقة الحيوية، ومن أجل إبقائه كسوق لشراء هذه الطاقة من شركات إنتاجها، رغم أن شركات إنتاجها غير قادرة على سد حاجة العراق الفعلية من هذه الطاقة. ويضيف المهندس (واثق. م): “والحلقة الأخطر في هذه المشكلة، والتي تركت المواطن العراقي في صلب معاناة لا تحتمل، بسبب عدم توفر هذه الطاقة الحيوية، هي وجود العناصر الفاسدة، في الحكومة العراقية ووزارة الكهرباء، التي حرصت على تنفيذ أوامر إيران حرفيا من أجل تعطيل هذا القطاع، سواء بسرقة أموال وزارة الكهرباء أو باستيراد محطات توليد صغيرة وغازية، ليضطر العراق إلى استيراد غاز تشغيلها من إيران، لقلة إنتاج العراق من الغاز”. وقد اعتمدت إيران السياسة ذاتها مع قطاع إنتاج المحروقات، بتعطيل المصافي العراقية، أو تهريب منتجاتها من قبل وكلائها، من أجل إجبار الحكومة العراقية على استيراد حاجة السوق المحلية من المحروقات من شركات إنتاجها الإيرانية. وقد ظهرت هذه المشكلة في أوضح صورها، كما صرح لنا أحد مسؤولي مصفى بيجي، في المنطقة الشمالية: “عقب العمليات العسكرية التي حدثت في محافظة صلاح الدين، عام 2014 قامت الميليشيات التابعة لأحزاب السلطة بالسيطرة التامة على مصفى بيجي العملاق، والذي يسد إنتاجه 40 في المئة من حاجة العراق من المحروقات، وطرد جميع منتسبيه ومنعهم من الدخول إليه، وقامت هذه الميليشيات بعمليات تفجير مفتعلة لتدمير خطوط الإنتاج فيه مع تفكيك الأجزاء الحيوية منه وبيعها إلى إيران ببخس الأثمان، وطبعا هذا خلق شحة في المحروقات في العراق، الأمر الذي أجبر وزارة النفط على تعويض النقص بالاستيراد من إيران بالعملة الصعبة”.

العملة الصعبة: وتأتي عملية سرقة العملات الصعبة وتهريبها إلى إيران، كحلقة مكملة لتدمير مفاعيل العملية الاقتصادية في العراق. فقد حرصت الحكومات العراقية المتعاقبة، عقب انتهاء ولاية بول بريمر، الحاكم الأمريكي للعراق، على إقامة مزادات يومية في البنك المركزي العراقي لبيع العملة الصعبة للمصارف الأهلية وشركات التحويل المالي، بحجة إبقاء سعر الدولار ثابتا في السوق المحلية، رغم علم الحكومة وإدارة البنك المركزي بأن ما تبيعه في تلك المزادات يفوق حاجة السوق العراقية بعدة أضعاف، وواقع الأمر هو أن إيران هي من تشتري الجزء الأعظم من تلك العملة عن طريق وكلاء لها، وتهربها إلى بنوكها، من أجل تعويض نقص هذه العملة، بسبب وقف تصدير النفط الإيراني تحت طائلة العقوبات الاقتصادية التي فرضها عليها الرئيس الأمريكي ترامب من أجل إجبارها على توقيع معاهدة جديدة بخصوص مشروعها النووي.

الإنتاج الزراعي والحيواني: ومنذ الاحتلال العثماني للعراق، كان العراق سلة الغذاء في المشرق العربي، في قطاعيّ الإنتاج الزراعي والحيواني، ولم تمر حقبة على البلاد شهد فيها عملية استيراد منتجات هذين القطاعين، باستثناء بعض الفواكه التي لا تنتجها أراضيه، في حين أن عراق ما بعد الهيمنة الإيرانية، صار يستورد أغلب المنتوجات الزراعية والألبان من إيران، بسبب التعطيل المتعمد للعملية الزراعية وتعطيل معامل إنتاج الألبان وحقول بيض المائدة. والغريب أن تعطيل إنتاج هذين القطاعين الحيويين يأتي بتدبير من الحكومة العراقية وميليشيات أحزابها، برفع الدعم عن الفلاحين ومربيّ الحيوانات الإنتاجية، بعدم توفير مواد العملية الزراعية، وأيضا بتجريف القوات الأمنية للحقول الزراعية والبساتين وتهجير الفلاحين من أراضيهم، بحجة الوضع الأمني والعمليات العسكرية في تلك الأراضي. وكنتيجة لهذا الوضع الشاذ فقد تحول العراق من منتج لهذه المواد إلى مستورد من الأسواق الإيرانية، لتتصاعد قيمة عمليات التبادل التجاري في هذين القطاعين، من مليار ومئتي مليون دولار، عام 2004 إلى 12 مليارا عام 2018. وحسب تقارير الخبراء الاقتصاديين فإن هذه المبالغ الفلكية ذهبت كأثمان لصفقات تثير السخرية، مثل استيراد البطيخ والطماطم، التي كانت تسد حاجتها مدينة سامراء، في محافظة صلاح الدين، لوحدها طوال موسم الصيف من كل عام. بل إن العراق، بلد النخيل والتمور، منذ فجر التأريخ، استورد ما قيمته 870 مليون دولار، من التمور من إيران والسعودية والإمارات هذا العام، بسبب إهمال الدولة لهذا القطاع وتجريف بساتينه في الجنوب العراقي وحرقها بسبب العمليات العسكرية. فأي مستقبل ينتظر هذا البلد، بعد رهن عملياته الاقتصادية والإنتاجية بهذه الطريقة؟ والمشكلة أن عملية الرهن هذه تتم بإرادة وتدبير عدوته، ككيان سياسي وسيادي، هذا العدو المعبأ بأحقاد تاريخية لا يستطيع الفكاك منها، ولتوفره على جوقة من العملاء المخلصين، والذين يتفانون في خدمته وتحقيق أهدافه ومصالحه في بلدهم وعلى حسابه؟ [https://www.alquds.co.uk]

المليشيات: هي تنظيم مسلح غير نظامي من المواطنين يعملون بأسلوب حرب العصابات تابعة لأحزاب سياسية مدعومة من قبل دول خارجية يقودها شخص مسؤول عن مرؤوسيه لها شعار معين ومحدد يمكن تميزه عن بعد وتحمل السلاح جهراً، أفرادها من القوى الشعبية ترتكب جرائم بحق الأخرين مقتصرة على طائفة دينية معينة تتقوى عندما تكون الحكومة المركزية ضعيفة امنياً وعسكرياً وشعبياً. خير مثال على هذا المنظمة الاجتماعية المخربة للبناء الاجتماعي والمنظومة القيمية والأخلاقية.

ماهي أهم المليشيات الشيعية في العراق؟

فيلق بدر: مليشيا بدأت نشاطها كجناح مسلح للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، الذي أسسه محمد باقر الحكيم في إيران عام 1982 وبإشراف طهران إبان الحرب مع العراق، وشاركت في الحرب إلى جانب القوات الإيرانية.

كلف فيلق بدر (قبل أن يتغير وصفه إلى منظمة) بمتابعة التحقيقات مع أسرى الجيش العراقي مع إيران، ووجهت إليه اتهامات بالقتل والتعذيب في معسكرات الاعتقال. تشير تقديرات إلى أن عدد أفراده قبل احتلال العراق عام 2003 كان يتراوح ما بين 10 و15 ألفا، ثم ما لبث أن ارتفع العدد إلى مستويات تعد بعشرات الآلاف (بعض الإحصاءات تتحدث عن نحو مئة ألف). تحول لاحقا إلى “منظمة بدر” برئاسة وزير النقل السابق هادي العامري. تتهم مليشيا بدر بتصفية الكوادر والنخب العراقية من علماء وأطباء وعسكريين وبعثيين عراقيين انتقاما لسنوات الصراع مع إيران. وفي 2006 نسبت إليه جرائم ضد السنة قتلا واعتقالا وتهجيرا، وخاصة في محافظة ديالى. لدى منظمة بدر تاريخ من الصراع مع التيار الصدري وجيش المهدي ضمن الحرب على النفوذ في العراق، وهي من أكبر الداعمين لنظام بشار الأسد.

سرايا السلام: الاسم الجديد الذي اختاره جيش المهدي لنفسه، وهو الجناح المسلح للتيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر. شُكل جيش المهدي في يوليو/تموز عام 2003 بعد اغتيال زعيم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية محمد باقر الحكيم. وقد استمد اسمه من المهدي المنتظر الامام الثاني عشر عند الشيعة. جيش المهدي المكون من أفراد متطوعين ينقسم إلى وحدات عسكرية تبدأ من المجموعات الصغيرة داخل الفصيل المؤلف من خمسين مقاتلا، تليها السرية من ثلاثمئة مقاتل، وكل سبع سرايا تشكل فوجا. وقد بلغت تقديرات عدد عناصره نحو عشرة آلاف.

خاض معارك ضد الأميركيين، منها معركتان في النجف والبصرة سرعان ما خسرهما ليتم الاتفاق مع الأميركيين على تسليم سلاحه للجنة عراقية أميركية مشتركة عام 2004. ومع وقوع تفجير الإمامين العسكريين في سامراء عام 2006، عاد جيش المهدي للواجهة، واتهم بارتكاب فظائع ضد السكان من العرب السنة لا سيما في بغداد، تضمنت أعمال قتل وتعذيب وتدمير مساجد، واعترف الصدر بوجود عناصر فاسدة داخل صفوفه، وأعلن تبرؤه منها. وفي 2009 أعلن الصدر تجميد نشاط جيش المهدي وانخراطه في العملية السياسية. وفي يونيو/حزيران 2014، استأنف جيش المهدي نشاطه باسم “سرايا السلام”، مركزا على حماية المراقد المقدسة.

كتائب حزب الله العراقي: عبارة عن مجاميع مسلحة بدأت نشاطها داخل كتائب أبي الفضل العباس، ثم اتخذت طابعا مستقلا عام 2010. قادها واثق البطاط الذي كان يصف “جيشه” بأنه امتداد لحزب الله اللبناني في العراق. يعلن تنظيم  كتائب حزب الله العراقي ولاءه التام لعلي خامنئي، ويجدد استعداده للحرب إلى جانب إيران، ويعد عدد عناصره المقاتلة بنحو أربعين ألفا، وقد صنفته الولايات المتحدة ضمن لائحة المنظمات الإرهابية.

سرايا الدفاع الشعبي: بادرت كتائب حزب الله العراقي عام 2014 إلى إنشاء وحدات عسكرية تحت اسم سرايا الدفاع الشعبي، تضم في صفوفها العناصر العسكرية ذات التجربة المتواضعة، ليسندوا عمليات عسكرية ويحرسوا المنشآت.

لواء أبي الفضل العباس: حركة شيعية مسلحة، برزت بعد مشاركتها في  الحرب بسوريا إلى جانب نظام بشار الأسد، بدعوى حماية المراقد المقدسة. وذكر تقرير لصحيفة كريستيان ساينس مونيتور الأميركية: أن اللواء مجموعة صغيرة مدعومة من إيران كانت تتكون من قناصة ومتخصصين في المتفجرات التي توضع على جوانب الطرق. وقد شنت هجمات على القوات الأميركية في العراق بين عامي 2005 و2008، وأدمجت كتائب العباس في كتائب حزب الله في وقت لاحق مما دعا الولايات المتحدة إلى اتهام حزب الله بـ “تدريب المجموعات الإرهابية الخاصة في العراق”. وفي عام 2007 أشار الأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله إلى كتائب العباس باعتبارها كتائب مقاومة في العراق، وأذاع تلفزيون “المنار” التابع لحزب الله عدة فيديوهات لعمليات هذه الكتائب في العراق. ويعد مقاتلو مليشيا “أبو الفضل العباس” من أكثر المتورطين في أحداث العراق والثورة السورية.

عصائب أهل الحق: حركة مسلحة تعمل في العراق ولها تواجد في سوريا، أعلنت ولاءها لإيران وتبنت عمليات مسلحة ضد القوات الأمريكية والجيش العراقي. انشقت هذه المليشيا عن التيار الصدري، غذ كانت جزءاً من جيش المهدي التابع لمقتدى الصدر. قاد الانشقاق قيس الخزعلي وأصحبت ميلشيا مستقلة عن التيار الصدري في حين تذكر بعض المصادر أنها تتلقى دعماً من فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني ومن حزب الله اللبناني. في عام 2010 اتهمت أمريكا إيران بإنها تدعم ثلاث مجموعات شيعية متطرفة في العراق كانت تحاول مهاجمة القواعد الأمريكية واحدة من المجموعات هي عصائب أهل الحق. يقدر عدد عناصرها بحوالي أقل من 1000 مقاتل في العراق وتشير تقارير إعلامية الى انها تتلقى حوال 5 ملايين دولار من إيران شهرياً الى جانب الأسلحة والتدريب. من جانبه، أشار الحصفي (مارت شولف) من صحيفة “الغارديان” البريطانية نقلاً عن لسان مسؤولين في المخابرات العراقية الى ان “عصائب أهل الحق تحصل على نحو مليوني دولار شهرياً نت إيران”. ووصف مقتدى الصدر افراد عصائب أهل الحق بـ “القتلة بلا دين” بحسب مركز “جايمستاون” البحثي.

كتائب الإمام علي: تعد جناحاً مسلحاً لحركة العراق الإسلامية وظهرت عام 2014 وأعلنت أنها تعمل بتفويض إيراني. اشتهرت هذه المليشيا من خلال نشرها مقاطع فديو تُظهر رؤوساً مقطوعة لأعدائها في محافظة صلاح الدين. [https://www.aljazeera.net]. وقبل أن أختم موضوعي هذا أقول إن هذا العصر هو فعلاً عصر التسلط الإجرامي المنظم على المجتمع في القرن الألفي الثالث مصدره “الاستعمار المزدوج” الأمريكي والإيراني المدعوم من قبل العوائل المتحكمة في المال والبترول والمخدرات والذهب وصناعة الأسلحة النووية والتهريب البشري الذي جند العديد من العملاء المحليين لخدمة اغراضه ودعمه في تشكيل تنظيمات إجرامية باسم الدين (القاعدة وداعش) وصناعة ميليشيات مسلحة تتحدى سلطة الحكومة وتقوم بأعمال إجرامية ونهب أموال الناس وتهجيرهم وتعطيل الحياة الطبيعية في المدارس والمؤسسات الرسمية والشركات والمصانع والمزارع مما جعل الحكومات الرسمية في بلدان العالم الثالث مشلولة الحركة وبالذات في العراق وسوريا ولبنان وليبيا والسودان واليمن فأحدثت الفوضى العارمة والحرب الاهلية. انه عصر تحنيط السلطة الرسمية من أجل إحداث إرهاب اجتماعي وعنف دموي واستخدام السلاح بشكل علني ونشر المخدرات والى نسقية واللاوطنية استمرت هذه الحالة في العراق أكثر من سبعة عشر عاماً انه تخريب مبرمج ومدروس لتدمير مجتمعات تريد ان تنهض وتبني مستقبلها بيدها وتستثمر مصادرها الطبيعية في تقويم اقتصادها انه صراع بين المتحكمين بمصادر الطاقة والقوة والمال مع مالكيها الضعفاء والمحكومين من قبل المتحكمين بمصادرهم ومهاراتهم.

المراجع العربية

 

1 – العمر، معن خليل. 2018 “علم اجتماع الاتصال”. دار الزهراء – الرياض – المملكة العربية السعودية.

2 – زهران، حامد عبد السلام. 1982 “علم النفس الاجتماعي”. عالم الكتب – القاهرة.

3 – مليكة، لويس كامل. 1970 “سيكولوجية الجماعة والقيادة”. مكتبة النهضة المصرية.

4 – أحمد غريب محمد سعيد. 1979 “المدخل في دراسة الجماعات الاجتماعية”. دار المعرفة الجامعية – مصر.

5 – العمر، معن خليل. 1992 “البناء الاجتماعي”. دار الشروق – عمان.

6 – التوحيدي، ابي حيان. 1964 “الصداقة والصديق”. تحقيق ابراهيم الكيلاني، دار الفكر – دمشق.

7 – العمر، معن خليل. 2013 “الجريمة المنظمة الإرهاب”. دار الشروق – عمان.

8 – العمر، معن خليل. 1982 “نقد الفكر الاجتماعي المعاصر”. دار الافاق الجديدة – بيروت.

9 – سعفان، حسن شحاته. 1965 “تاريخ الفكر الاجتماعي”. دار النهضة العربية مصر.

10 – غيث، محمد عاطف. 1966 “البناء الاجتماعي” الجزء الأول. المكتب الجامعي الحديث – الإسكندرية.

11 – عيد، محمد فتحي. 2003 “الأساليب والوسائل التقنية التي يستخدمها الإرهابيون وطرق التصدي لها ومكافحتها”. اكاديمية نايف العربية – الرياض.

المراجع الأجنبية

 

1 – Hudsen, Rex. 1999 “The sociology and psychology of terrorism” federal research division library.

2 – Macionis, John. 2010 “Sociology” prentice Hell Boston.

3 – O’hair, Dan and Wiemann, Mary. 2013 “Real communication” Bedford martin’s Bosten.

4 – Stinch combe, Arthare L. 1975 Some main Types of organization “Peter Worsley (ed.) modern’s Sociology” Penguin Education England.

5 – Goffman, Erving. 1975 “On the charactorisitics of total institution” Peter Worsley (ed.) Modern sociology Penguin Education. England

6 – Lundberge, Georg and (etal.). 1963 “Sociology” Harper and Rew pub. Lishers New York

7 – Turner, Jonathan. 1981 “Sociology” Good Year Pnt. Co. Inc. California.

8 – Kendall, Diana. 2007 “Sociology in our times” Thamson, Wadsworth Australia.

9 – Schaefer, Richard. J. 2003 “Sociology” Mc Graw Hill, Boston

10 – Bassioni, Chariff. 1998 “Organized Crime” United Nation

11 – Carrabine, Eamenn, (etal.). 2004 “Crimenlogy” Routhedge. London

المراجع الالكترونية

 

 

1 – www.topsarabia.com

2 – www.ar.ihodi.com

3 – www.dw.com

4 – www.sasapost.com

5 – www.arabi21.com

6 – www.ar.qantara.de

7 – www.wznews.blogspot.com

8 – www.alwaght.com

9 – www.alquds.co.uk