اسطورة الجيل الألفي وملحمته في العراق

 

تأليف: الأستاذ الدكتور معن خليل العمر

 

الاهداء: الى شباب الانتفاضة العراقية الذين سطروا أبهى ألوان الوعي الوطني والمعياري من أجل إزاحة العملاء والخونة والفاسدين الذين خربوا ودمروا معالم العراق ونهبوا ثرواته وقتلوا مواطنيه ومزقوا نسيجه الاجتماعي، فكانت انتفاضتهم تمثل اسطورة القرن, أهدي لهم مؤلفي هذا 

 المقدمة

     ينطوي هذا المؤلف على عرض وتحليل ونقد الاحداث الاجتماعية التي حلّت بالعراق في بداية القرن الحادي والعشرين وما آلت الى تغيير بعضاً من جوانب حياته الرئيسية مثل النظام السياسي والاجتماعي والسكاني والديني والصحي مما أثر سلباً على ثقافته الاجتماعية ففتحت مساراً جديداً في حياته ليعيش في عزلة اجتماعية وتصدع قومي وانحراف ديني مما أثر على نمط عيش العراقيين نحو الأسوء جعلته مفككاً بنائياً ومنفلت قانونياً فأصابته الفوضى واللامعيارية. إلا ان تصدى لهذا الانفلات والتصدع والتفكك شباب الالفية ليطالب بحقه في المواطنة والوطن وطرد الاستعمار المستعمر عبر توغله المتغول في احشاء المجتمع العراقي بأذرعه العراقية العميلة والمجرمة فانتفض انتفاضة سلمية أشبه بالخيال متحدياً ومتصدياً للنيران التي استخدمتها أجهزة الدولة الأمنية وميليشيات الأحزاب الطائفية رافضاً تطبيعه طائفياً مطالباً بهويته الوطنية وحكمه من قبل القاعدة الشعبية مستمراً بانتفاضة لعدة شهور مستمرة أعجب بها شباب دول العالم خارج حدوده فقلدوه في انتفاضته وكانت هذه مهماز التغير في مجتمع فسيفسائي متنوع الأعراق والأديان والطوائف مؤكداً على وحدته وتماسكه رافضاً كل المغريات التي حاولت الحكومة العميلة بإغرائه وتحمل كل الوسائل القمعية التي مارستها الأجهزة الحكومية وأذرعها الإيرانية (قتل، خطف، سجن، تعذيب، اغتصاب) فكانت انتفاضتهم تتسم بالطابع الحضاري المتمدن أعطت دروساً للزمرة الحاكمة في قوة المجتمع العراقي الواعي رغم كل الممارسات الإرهابية والعنفية التي تمارسها كل يوم معه.

    يتضمن هذا المؤلف سبعة فصول بدأها بتقديم عدة ظواهر اجتماعية مستجدة وكيف مارست الحكومة من أساليب في تقويض البنيان الاجتماعي وموضحاً ثقافة الفساد ومخرجاته بذات الوقت تم عرض بانوراما المثلث العراقي وتاريخ ميلاد تحول مكونات المجتمع العراقي الجديدة ومفهوم الشباب الالفي عبر اسطورته وملحمته.

  وفي هذا المقام أُقدم امتناني وشكري لرفيقة دربي وعمري زوجتي جيهان عاصم الطائي على مساعدتها لي في طبع مسودة هذا المؤلف جزاها الله كل خير وعافية.

  أخيراً، أسال الحق الذي منح كل الحق أن يسدد خطانا وأن يتوج بالنجاح مسعانا وان يوفقنا الى المعرفة التي هي غايتنا الأولى والأخيرة في كل ما نزاوله وبالله العون ومنه التوفيق.

الأستاذ الدكتور معن خليل العمر

2020   سدني – استراليا

               

                         

الفصل الأول

ظواهر اجتماعية مستجدة

 

1 – ظاهرة تظاهر شيعة العراق وهم أكبر المستفيدين من حكم طائفي شيعي

2 – ظاهرة امتلاك جيل الالفية مالا يملكه أهلهم

3 – ظاهرة الأقلية القامعة أو سياسي الصدفة

4 – ظاهرة الانتفاضة الشعبية أحد أشكال الكفاح

5 – ظاهرة العمالة للأجنبي وخيانة الوطن

    أ – الخونة يحكموا والعملاء يفسدوا

    ب – تنافر متبادل في الانتماءات

   ت – الاحرار ينتفضوا ضد الخونة والعملاء

   ث – نماذج من الخونة عبر التاريخ

6 – ظاهرة الاستقواء بالأجنبي ناتج عن استبداد الحاكم الضعيف

الفصل الأول

ظواهر اجتماعية مستجدة

 

   مآلي في هذا الفصل هو عرض وتحليل لظواهر اجتماعية مستجدة طغت على سطح المجتمع العراقي في القرن الحادي والعشرين تحديداً بعد عام 2003 حيث حصل تغيير فيه بتأثير عوامل خارجية (حربية وتوغل طائفي متغول) طامعةً في ثرواته وموقعه الجغرافي وتاريخ شعبه ونسيج مجتمعه فقام هذا التغيير ببلورة جماعات تتصف بأفعال متجاوزة للثقافة الاجتماعية والقوانين المرعية والانساق البنائية وخصائص الشخصية العراقية المعروفة بشهامتها وكرم اخلاقها وأمانتها وجدلها المنطقي وتفكيرها العقلاني. هدفهم توهين المعايير الثقافية العرفية التي تتحلى بها الضوابط الاجتماعية لكي تستطيع الفئات المنصبة على الحكم أن تحكم مجتمع يعرفهم بأنهم عملاء للأجنبي ومنحدرين من مستويات اجتماعية مغمورة ومتدنية يعانوا من أمراض نفسية بسبب غربتهم في الخارج وعقم معرفتهم عن المجتمع الذي لجأوا اليه أو المجتمع العراقي. حيث كانوا أذلاء هناك يعانوا من الفقر والجهل والأمراض الاجتماعية ومن كونهم نكرة في مجتمعهم ومنافقين ومحرومين من المال والجاه والاحترام فكان سبيلهم الادعاء بنقيض ما كان سائداً بالعراق قبل 2003 هربوا من العراق بسبب شمولية نظامه واستبداد حاكمه وتجريدهم من حريتهم وتجنيد الاف الشباب بالأجهزة الأمنية القامعة للحريات الفكرية والسياسية.

    لكن عندما تم تنصيبهم على سدة الحكم من قبل المحتل الأمريكي والمستعمر الإيراني قاموا بنفس الحكم الذي هربوا منه. أعني لم يتعضوا من أخطاء الحكم الشمولي والاستبداد الفردي والقمع الجماعي ومحاربة الحريات بل فعلوا أسوء وأكثر بشاعة منه بحيث جعلوا العراقيين ان يحنّوا ويتمنوا لو يرجع نظام صدام حسين وأمنه واستقراره وعدم فساد موظفيه ولعنوا الزمن الذي جَلَبَ عليهم حُكام لا يعرفوا سياسة الحكم ومفسدين وطائفيين وقتلة بثوا الرعب والخوف وعدم الأمان عندهم وهذا ما كان غائباً عندهم قبل مجيء هؤلاء الحكام. فهل هم أغبياء أو محدودي الذكاء أو جهلة بطبيعة العراقيين أو مرضى بأمراض نفسية واجتماعية مزمنة مثل الرهاب الاجتماعي والحقد الطائفي والخنوع المذل لأسيادهم فباتوا رعاع وليسوا زعماء، عبيد وليس احرار وجياع للمال والسلطة لا يعرفوا النزاهة والأمانة؟ الجواب هو جميع هذه الأسباب المذكورة أعلاه.

    حاربوا الحكم الشمولي لكنهم حلّوا محله الحكم الطائفي الشيعي واستأثروا بالسلطة الرسمية وبالغوا في استغلال نفوذهم فألبسوا وجودهم اللباس الطائفي الشيعي ادعاءً وتمثيلاً. هذا هو ظاهرهم إنما باطنهم هو إرضاء اسيادهم في الحكومة الإيرانية وشغوفهم بالتودد لهم طالبين اقتناص واستحسان رضاهم ومن خلال شغوفهم هذا تكسبوا بالاعتبار والتعظيم من الدهماء والرعاع. انه نفاق ووداد زائف غير صادق لأنه رامياً تحقيق مكاسب مالية واعتبارية لا حباً بهم أو عطفاً عليهم. أي جعل عاطفة الشيعة العراقية وسيلة للحصول على غاية مرجوه وهذا لب النفاق، بذات الوقت إن رموز الحكومة الإيرانية محتاجة لنفاق عملائهم لهم ايضاً لأن هدفهم هو ثروة العراق وتاريخ مجتمعه والتغول في جسد المجتمع.

   ولما كان سياسي الصدفة عملاء لإيران وخونة العراق فإنهم لا يملكوا المكانة الاعتبارية في المجتمع العراقي ولا احترامه لهم فقاموا باستثمار المناسبات الشيعية والجماهيرية والشعبية والإعلامية بحثاً عن النفوذ والسطوة والمال بل استثمروا حتى الحملات الانتخابية والمهرجانات الشعرية والثقافية لكي يجّملوا ويزوقوا حضورهم في المجتمع الرافض لهم فكانت هوة أو فجوة كبيرة بينهم وبين شرائح المجتمع فخرج الشباب الشيعي في 1/10/2019 ضد نفاقهم المفضوح وعمالتهم لحكام إيران وخيانتهم للعراق، مما أدى حصول شرخ كبير في المجتمع (بين الأقلية المنافقة والقامعة مع الأغلبية الوطنية المقموعة) فانتفضوا في حراك شعبي سلمي ضدهم فطالبوا برحيلهم وإلغاء الاليات التي استغلوها في وصولهم للسلطة مثل المحاصصة والمليشيات الحزبية ودمج الطائفة بالسلطة والعمالة للأجنبي والاستقواء به.

   بعد هذا التمهيد لعنوان هذا الفصل أدلف الى مدار تفصيل أبرز الظواهر الاجتماعية المستجدة. وحريًّ بي أن أشير الى ان دراسة الظواهر الاجتماعية تدخل في حقل علم اجتماع الظاهراتي  phenomenological sociology الذي أسسه (الفريد شوتر) حيث درس الظواهر الاجتماعية الفريدة الحدوث اثناء التفاعل الاجتماعي التي تبلور الأسلوب النقدي للأحداث الاجتماعية الدائرة في الحياة اليومية والحالات المقترنة مع المشاعر والاحاسيس والقوانين التي تتحكم بها. [العمر. 1997. ص. 295]. لكن على الرغم من عيش الأقلية القامعة والاغلبية المقموعة في المجتمع العراقي إلا ان الضوابط الاجتماعية لا تتحكم فيهما على السواء، فمثلاً الضوابط التي تتحكم بالأقلية القامعة هي عمالتها لأسيادها في إيران وتجردهم من الانتماء الوطني للعراق ومحرومي الجاه والمال والسلطة والنفوذ قبل تنصيبهم لكن بعدها أضحوا جياع للسلطة والمال والنفوذ غير المشروعة ومنافقين في ادعائهم الطائفي.

    أما الأغلبية المقموعة فإنها تتماهى مع مواطنتها العراقية ورفضها لحكامها العملاء والخونة وعطشها للمعرفة العلمية والثقافية بالإضافة الى تأكيدهم على الغاء المحاصصة السياسية ورفض الأحزاب الشيعية ذات المليشيات المسلحة ورفضها للعنف ومطالبتها ببرلمان غير مزور بل منبثق من الشعب. وفي هذه المطاليب بلور خزيناً وطنياً صادقاً من خلال تفاعلهم مع الاحداث الدامية والممزقة للنسيج الاجتماعي طيلة سبعة عشر عاماً ومن خلالها عرضت هذه الأغلبية نفسها وعرفت الأفكار المدعّية والسلوك المنافق لأفراد الأقلية القامعة فكانت ذوات الأغلبية متفاعلة فيما بينها فحصل تنافر حسي ووجداني شعبي مع فاقديه عند الأقلية فتشكلت صورة كاملة عن الحكام إلا ان صورة الأغلبية عند الأقلية لم تكتمل ولم يتم الأخذ بها (ظهر ذلك عند ترشيح رئيس الوزراء) فمن التخلل الذاتي للأغلبية المقموعة استطاعت أن تشكل نموذجاً اجتماعياً عن الأقلية وهو انهم عملاء وفاسدين ومخربين بامتياز لا يصلحوا لقيادة المجتمع العراقي فوصفوهم بـ (سياسي الصدفة والاذيال واللوكيّه والحرامية والقتلة) أي نمذجوا سلوك الحكام تم تخزينه في عنبار الذاكرة العراقية وبهذه النمذجة باتوا الأغلبية الأكثر ثراءً في وطنيتهم وثقافتهم الاجتماعية وتضامنهم مع الشرائح الاجتماعية. بينما كانت الأقلية الحاكمة معدومة وطنياً واجتماعياً وسياسياً لأنها لم تملك ذخائر صورية عن طبيعة الشعب العراقي ولا شخصيته.

    هذا التفاعل بين الأقلية والاغلبية عاش في مجتمع يعج بالصراعات والنزاعات والقتل والسجن وفساد المؤسسات والتهريب والتهجير والانحرافات السلوكية والأخلاقية أدى الى صناعة مواقف وطنية من قبل الجيل الالفي وبقية الشرائح المقموعة المخدرة طائفياً وليس مع تقاليد خرافية وماورائية لا تمت بصلة مع العصر الحالي ولا مع معايير وضعها الاسلاف والاموات.

    أنها ظاهرة تعكس صراع قوتين وجيلين في الوقت الحاضر وليس ظاهرة متفاعلة مع الماضي السحيق أو التاريخ البعيد، ظاهرة تتضمن تفاعل بين ذوي العاهات الاجتماعية (المدّعين والمتزلفين والمعرفين بأل والمحدودي المؤهلات والفاسدين) مع ذوي المشاعر والقيم الوطنية والاسوياء واللوذعيين بأفعالهم والصادقين بمواقفهم والنزيهين والمتطلعين للتغير والتقدم.

    جاء الان دوري بالولوج الى مدار التطبيق بما جاءت به الظواهر الاجتماعية المستجدة في المجتمع العراقي الحديث وهي ما يلي: –

1 – ظاهرة تظاهر شيعة العراق وهم أكبر المستفيدين من نظام طائفي شيعي

سلطت العديد من الصحف السويسرية اهتمامها على موجة الاحتجاجات المندلعة في العراق ولا سيما مع اتساع نطاقها ليشمل محافظة كربلاء ذات الأغلبية الشيعية ورأت أن الشعارات المعادية لإيران تعكس رفض الشارع العراقي لمشروع الهيمنة الإيراني وللنظام السياسي الفاسد القائم على المحاصصة العرقية والطائفية والذي فشل في تحقيق أبسط احتياجات المواطن العراقي في الحصول على فرصة عمل وشرب مياه نظيفة وتوفير شبكة كهرباء وصرف صحي قوية. الوضع في لبنان لا يبعد كثيرا عن مفردات الحالة العراقية. 

“طهران في مأزق كبير”

(كريستيان فايسفلوغ) مراسل صحيفة نويه تسورخر تسايتونغرابط خارجي لشؤون الشرق الأوسط رأى أن إيران تقف حائلا دون الوصول إلى حل يُرضي المتظاهرين ويحقن المزيد من الدماء في شوارع العراق، وكتب يقول: “الرئيس العراقي ورئيس الحكومة وأكبر الأحزاب في البلاد مستعدون للاستسلام للضغوط المتزايدة في الشارع العراقي، لكن إيران لن تسمح بذلك ومستعدة لسفك مزيد من الدماء من أجل منع حدوث ذلك”.

في الواقع، يبدو أن مصير رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي أصبح محتوماً، ففي نهاية شهر أكتوبر الماضي، وافق زعماء أكبر تحالفيْن في البرلمان، رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر وهادي العامري المؤيّد لإيران، على التخلص من عبد المهدي غير الحزبي وطرده من منصبه. لكن تزامناً مع هذا التطور الإيجابي، سافر قاسم سليماني، القائد الأعلى لفيلق القدس الإيراني، في نفس اليوم إلى بغداد. وهناك، طلب من العامري مواصلة دعم رئيس الحكومة العراقية، قائلاً في اجتماع مع مسؤولين أمنيين رفيعي المستوى: “نحن في إيران نعرف كيفية التعامل مع الاحتجاجات”.

أما ما يعنيه سليماني من “كيفية التعامل مع الاحتجاجات”، فقد تجلى بوضوح مع اندلاع موجة العنف ضد المتظاهرين والتي راح ضحيتها العشرات.

غضب المتظاهرين مصدره في الأساس جهاز الدولة الفاسدة، فأكثر من نصف السكان تقل أعمارهم عن 25 عامًا، ولكن ثلثهم يعانون من البطالة. والحصول على الوظيفة مرتبط بالمحسوبية ووجود علاقات جيّدة مع النخبة السياسية. لذلك، فإن الحركة الاحتجاجية لا تطالب فقط باستقالة الحكومة، ولكن بإصلاح نظام الحكم بأكمله. المتظاهرون يطالبون أيضا بإسقاط نظام المحاصصة السياسي القائم على أساس التوزيع العرقي والطائفي. فالرئيس على سبيل المثال لا بد أن يكون كرديًا، ورئيس الوزراء شيعيًا، ورئيس البرلمان سنيًا.

ومع ذلك، كلما تجلى التدخل الإيراني بشكل أوضح في الشأن العراقي، زاد الشعور بالرفض وارتفعت حدة الشعارات المعادية لإيران. ومن الواضح أن إيران تخشى من تراجع نفوذها في المنطقة بسبب الانتفاضات الشعبية أو من انتقال شرارة الاحتجاجات إلى الداخل الإيراني في أسو الحالات. طهران قلقة أيضا من “اتساع دائرة الاحتجاج بعد أن تجاوزت العاصمة والجنوب الشيعي لتصل إلى كربلاء والنجف، المدن الشيعية المقدسة في العراق”، حسب رأي كريستيان فايسفلوغ.

المراسل السويسري ذهب أيضا إلى أن العراق ليس لديه خطة للخروج من الأزمة الحالية بسبب اختلاف السياسيين حول استراتيجية الحل. فالرئيس العراقي برهم صالح يدعم مطالب المتظاهرين بإجراء انتخابات جديدة بموجب قانون انتخابي جديد ولجنة انتخابية جديدة. ويبدو رئيس الوزراء عبد المهدي مستعدًا من حيث المبدأ للاستقالة، إذا توافق البرلمان على ترشيح خليفة له. لكن بعد تدخل قاسم سليماني، يبدو الأمر أكثر صعوبة بالنسبة للعامري والصدر للاتفاق على أي شيء. من جهته، أكد مقتدى الصدر أن “بقاء رئيس الحكومة في السلطة سيؤدي إلى إراقة المزيد الدماء”.

عموما، وضعت الاحتجاجات الشعبية في العراق طهران في مأزق كبير. إيران التي تمكنت من بسط نفوذها في لبنان وسوريا واليمن بشكل مستمر في السنوات الأخيرة واستطاعت بمساعدة الميليشيات اليمنية من إرهاب العالم بهجمات صاروخية بدون طيار وصواريخ على حقول النفط السعودية، لا تملك اليوم جواباً مُقنعاً على الانتفاضات الشعبية في العراق ولبنان، ويبدو أن العنف الأعمى هو نهجها الوحيد في مواجهة أي تحديات. 

إيران ترفض الحل السياسي في العراق

صحيفة تاغس أنتسايغر رابط خارجي لفتت أيضا إلى أن الشيعة في العراق أصبحوا أكبر الرافضين للوجود الإيراني في البلاد وبدا ذلك واضحاً مع خروج مظاهرات في كربلاء ومهاجمة المحتجين القنصلية الإيرانية واستبدال علم النظام الشيعي في طهران بعلم النظام العراقي. 

في مراسلته، نوه (باول أنطون كروغر) إلى أن “البطالة والفساد الممنهج ترتبط في نظر العديد من المتظاهرين ارتباطًا وثيقًا بالنظام السياسي القائم على المُحاصصة والمحسوبية والفساد في ظل غياب الخدمات الأساسية. فرغم أن النفط يدر المليارات في خزانة الدولة العراقية، تنهار شبكات الطاقة بانتظام وتنقطع الكهرباء تحت وطأة مكيّفات الهواء. أما في البصرة، ثالث أكبر مدن البلاد، وفي العديد من المدن والقرى الأخرى، لا توجد مياه صالحة للشرب. في ظل هذه الأوضاع خرج العراقيون وعلى رأسهم الشيعة إلى الشوارع، رغم أنهم أكبر المستفيدين من النظام الجديد بعد انهيار دولة صدام حسين”.

التحالفات الشيعية تشكل الأغلبية في البرلمان، لكن أقوى الفصائل بقيادة مقتدى الصدر ترفض بشدة النفوذ الإيراني المتفشي في بغداد ودعت إلى تشكيل حكومة من التكنوقراطيين، إلا أن الصدر اضطر في نهاية المطاف إلى التسوية مع الجماعات المؤيّدة لطهران.

منذ بداية المظاهرات وإيران ترفض الامتثال لمطالب المحتجين بإصلاح النظام السياسي في العراق وإصدار قانون انتخابي جديد. في هذا الصدد، توجه قائد الحرس الثوري قاسم سليماني، الذي يرسم بحكم الواقع خطوط السياسة الإيرانية في العراق، إلى بغداد وترأس اجتماعًا طارئًا لمسؤولي الأمن بدلاً من رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي.

من جهة أخرى، دعا رجل الدين الشيعي، آية الله العظمى علي السيستاني إيران إلى “عدم فرض إرادتها على الشعب العراقي”، ليُضفي بذلك شرعية على المطالب الشعبية. وبدوره “عرض رئيس الوزراء عادل عبد المهدي تقديم استقالته إذا تمكنت الأطراف من الاتفاق على خليفة له، لكن هذا السيناريو غير مُحتمل في ظل رفض الجماعات المتحالفة مع إيران له”، كما تقول الصحيفة.

وختم المراسل بالقول “العراق يعاني أيضا من نفوذ الميليشيات المسلحة الخاضعة لإيران والتي لعبت دورًا مهمًا في مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية. رسميا، تم دمج الميلشيات في جهاز الأمن العراقي لتكون تحت إشراف رئيس الوزراء. لكن الواقع يبدو مغايراً، حيث تتلقى بعض الفصائل الأوامر مباشرة من سليماني. بالإضافة إلى ذلك، فتحت بعض الميليشيات ما يسمى بمكاتب الأعمال ودخلت المجال الاقتصادي لتنافس بذلك العاملين في القطاع الخاص، رغم حصولها على 2.2 مليار دولار من ميزانية الدولة في زيادة عن العام السابق وهذه الحصة أكبر بمرتين ونصف عن ميزانية وزارة المياه، على سبيل المثال.

بالنسبة لإيران فإن وجود الميليشيات المسلحة التابعة لها وبالتالي بسط نفوذها في العراق يخدم إستراتيجيتين. الأولى تشكيل ثقل موازن للقوات الأمريكية في البلاد.  والثانية ضمان الطريق البري المؤدي إلى سوريا ولبنان – طرق الإمداد للحرس الثوري في سوريا ولحزب الله في لبنان.  

العراق ولبنان يتحديان الهيمنة الإيرانية

غير بعيدا عما ذهبت إليه الصحف السويسرية الناطقة بالألمانية، نشرت صحيفة لوتون الناطقة بالفرنسية يوم الأربعاء 6 نوفمبر الجاري تقريراً لمراسلتها في بيروت (فيرجيني ليبورنيو)، شددت فيه على أنه بالإضافة إلى رفضهم للنظم الفاسدة في كل من العراق ولبنان، استهدف المتظاهرون في البلديْن كذلك التأثير الإيراني داخل حدود بلدهما. 

وتذهب المراسلة السويسرية إلى أن المتظاهرين المعسكرين في ميدان التحرير ببغداد يتنافسون في صياغة وابتكار الشعارات المناهضة لإيران، في الوقت الذي طغى فيه على جميع الشعارات عبارة “أيها الإيرانيون اخرجوا من بلدنا”. وينتشر هذا الشعار على جميع الحيطان وتردده جميع الأفواه. وعندما حاول المتظاهرون في جنوب العراق حرق القنصلية الإيرانية في مدينة كربلاء، كان ردّ النظام العراقي المدعوم من إيران والذي يأتمر بأوامره عنيفا حيث أطلقت قواته النار بدم بارد على المحتجين فقتلت منهم أربعة أفراد. وفي مدينة النجف، استبدل المتظاهرون اسم شارع “الإمام الخميني” باسم “شارع ثورة أكتوبر”.

غياب منظومة عسكرية قوية

تشترك التحركات الاحتجاجية في كل من لبنان والعراق في قواسم مشتركة عديدة، وفق تقرير صحيفة “لوتون” : فهنا وهناك يرفض المتظاهرون النظام الطائفي السائد، وانعدام الخدمات العامة، ومعدّلات البطالة المرتفعة، وكذلك استشراء مظاهر الفساد. ذلك أن “العراق تأتي في المرتبة 12 لأكثر البلدان فسادا في العالم، وتحتل لبنان المرتبة 42 من ضمن 196 بلدا”.

كذلك تشترك هذه التحركات الاحتجاجية في البلديْن في مناهضتها للنفوذ والهيمنة الإيرانية. وتعتقد (جونيفير كافاريلاّ)، مديرة قسم البحوث بمعهد دراسات الحروب في واشنطن أن “المظاهرات قد بلغت هذا المستوى من القوة والاتساع بسبب التدخّل الايراني الرافض لأي تغيير حقيقي في العراق”، مضيفة أن “هذا الامر مفهوم لكون إيران هي التي أوصلت رئيس الوزراء العراقي الحالي إلى السلطة، فقاسم سليماني، قائد وحدة النخبة داخل الحرس الثوري الإيراني، هو مهندس التحالف الذي يحكم حاليا في العراق”.

وهكذا، فإن “كل نيل من استقرار الحكومة العراقية من شأنه أن يشجّع اللبنانيين على المضي قُدُما في تحركهم والمطالبة بالحد من النفوذ الإيراني. واستشعار هذا الخطر هو ما دفع السلطات الإيرانية إلى اتهام الدوائر المعادية لها بكونها هي التي تغذي حالة عدم الاستقرار في كل من لبنان والعراق، كما دفع وزير الخارجية الإيرانية إلى مطالبة السلطان اللبنانية بالاستجابة لتطلعات مواطنيها”، كما تقول (جونيفير كافاريلاّ).

وفي لبنان نفسه، يشير التقرير إلى أن الاحداث لم تستثن حزب الله، حيث اتهمه المتظاهرون بأنه ضالع في الفساد. وعلى حد قول (ماريا فونتابّي)، كبيرة المحللين في مجموعة الأزمات الدولية، فإن “التأثير الإيراني في لبنان وفي العراق متشابه إلى حد كبير نظرا لغياب منظومة عسكرية قوية. هذا الفراغ استفادت منه إيران لتقوم بإنشاء قوات أمنية موازية وشبه رسمية، حتى وإن اختلفت ظروف نشأة هذه القوات في البلديْن”. ففي لبنان، وضع حزب الله نفسه منذ حرب 2006 ضد إسرائيل بالخصوص في طليعة الدفاع عن البلاد، أما في العراق فقد ظهرت للوجود في أتون الحرب على “تنظيم الدولة الإسلامية”. ثم إن الواجهات السياسية لهذه القوات سواء في لبنان أو في العراق هي في تبعية شديدة لمصدر القرار في إيران”.

تدخّل في المجال الاقتصادي

هذه القوات الامنية الموازية “أصبح لها تأثير قوي على شبكات المصالح الاقتصادية”، تضيف الصحيفة السويسرية، حيث “تضاعف هذا التأثير وازدادت أهميته مع اتساع دائرة العقوبات الأمريكية على إيران، إذ باتت الجمهورية الإسلامية تراهن على حلفائها الإقليميين في مسعاها لتجاوز التأثيرات المدمرة لتلك العقوبات”. 

ولئن بدا الحراك في لبنان مترددا بين مواصلة الاحتجاجات بعد استقالة رئيس الوزراء هناك وسقوط حكومته وبين التوقّف عنها، فإن الوضع في العراق يبدو “مُقدما على المزيد من التصعيد حيث يتمسّك المتظاهرون بمواصلة الاحتجاجات حتى سقوط النظام بكل رموزه، ولا ترهبهم تهديدات حكومة بغداد ولا حلفائها في طهران”، حسب رأي صحيفة “لوتون”. [https://www.swissinfo.ch]

2 – ظاهرة امتلاك جيل الالفية مالا يملكه أهلهم

أشارت دراسة أخيرة من النظام الاحتياطي الأميركي (هيئة حكومية) إلى أنّ السبب خلف إنفاق أبناء جيل الألفية، وهم مواليد الثمانينيات والتسعينيات، المال، بطريقة مختلفة عن الأجيال السابقة، لا يعود إلى أسباب ثقافية كالتبدل في الأذواق وتغير الاهتمامات، بل إلى سبب اقتصادي معيشي هو شحّ الموارد لديهم، وعدم توافر ما يكفي من المال معهم مقارنة بتلك الأجيال السابقة.

      يشير موقع “بغ ثينك” في عرضه الدراسة، إلى أنّ هناك فكرة شائعة في الولايات المتحدة الأميركية على الأقل تشير إلى أنّ إحجام أبناء جيل الألفية عن الشراء في مجال السيارات والعقارات والتجهيزات المنزلية وغيرها من الاستثمارات يعود إلى تبدّل أذواقهم، لكنّ المعلومات المتوافرة، من خلال عدة استطلاعات، تكشف أنّ أذواقهم أو تفضيلاتهم لا تختلف في هذا المقام عن الأجيال السابقة، فهم يرغبون في شراء السيارات والشقق السكنية والمنازل.

    إذاً، ما المشكلة؟ يلفت الباحثون إلى أنّ الاختلاف الحقيقي بين هذا الجيل والأجيال السابقة هو في الدخل الذي بات أضعف عند ترجمته إلى القدرة الشرائية، مقارنة بتلك الأجيال. وباختصار، فإنّ عدم توافر ما يكفي معهم، هو الذي يفرض عليهم أن يؤخروا قرارات الزواج وشراء السيارات والبيوت إلى مرحلة لاحقة من حياتهم.
    كذلك، لاحظت الدراسة أنّ أبناء جيل الألفية لديهم تقريباً المستوى نفسه من القروض التي كانت للجيل السابق لهم، وهو جيل إكس (مواليد الستينيات والسبعينيات)، لكنّها ديون أكبر مما كان على أبناء جيل الطفرة السكانية (مواليد ما بعد الحرب العالمية الثانية حتى أوائل الستينيات) علماً أنّ أهالي جيل الألفية هم في غالب الأحيان من أبناء جيل الطفرة، وفي نسبة أقل من أبناء جيل إكس. الغريب أنّه بالرغم من أنّ أبناء جيل الألفية يملكون أصولاً مالية أقل بشكل ملحوظ مما توافر للجيل إكس، فإنّهم يوفرون أموال تقاعد أكثر من أبناء الجيلين السابقين عندما كانوا في العمر نفسه.

المسألة يمكن أن تفسر بالأوهام التي يعيشها معظم أبناء جيل الألفية في أنّهم سيتمكنون من الحصول على تقاعد مبكر عند سن 56 عاماً في أقصى حدّ، ويتنعمون بالمال اللازم لذلك. وهو ما لا ينعكس على الواقع بحسب الخبراء إذ يتوقع هؤلاء أن تتدنى قيمة تعويضات التقاعد المالية. لكنّ الموقع يؤكد أنّ أبناء هذا الجيل لا ينبغي أن يقلقوا كثيراً طالما أنّهم سيكونون قادرين على العمل لسنوات قليلة بعد سنّ السادسة والخمسين، ما يعني فعلياً توديع احتمالات التقاعد المبكر.

[https://www.alaraby.co.uk]

3 – ظاهرة الأقلية القامعة أو سياسي الصدفة

   تنطوي هذه الظاهرة على مجموعة افراد كانت مغتربة في دول المهجر لجأت اليها بسبب مطاردة النظام الحاكم الشمولي لهم لمعاداتهم له ليس لديها عقيدة سياسية أو فكر تقدمي أو إصلاحي بل تحمل عقلية ماضويه خرافية لا تؤمن بالنهضة والتطور ولا تدرك العلم بإنه الوسيلة الناجعة لفهم الحياة العصرية وليس لديها هوية وطنية عراقية فكانت حبيسة أفكار ظلامية لا تملك الخبرة المهنية ولا التحصيل المعرفي الرائد، تعاني من امراض نفسية وحرمان مادي وتخلف حضاري استندت على المشاعر الطائفية في مداواة جروحها ليس لديها القدرة على حَلّ اية مشكلة سياسية أو إدارية او اجتماعية فتنشأ في أحضان سادتهم في النظام الإيراني المعادي للعرب وللطائفة الشيعية العراقية والعراق تحديداً فأصبحوا عبيداً اذلاء لهم يخشوا مواجهة العالم الحر والمتمدن لا يملكوا وسائل لصناعة المستقبل وإدارة الواقع لكنهم امتهنوا ابتكار الازمات العراقية الواحدة تلو الأخرى وتتركها دون حل لكي تجعل العراقيين ان يعيشوا في دوامة مستمرة من الانشغال بهمومه المفتعلة التي ابتكروها حتى تتفرغ لسلب ونهب أموال الدولة وافساد الأجهزة الحكومة. ليس لديها طموحاً بالارتقاء الحضاري الذي يجعل العراقيين أصحاب قدرات عالية بل اشغلوهم بأمور تافهة وعتيقة لتعزز جهلهم وتلهيهم عن اكتشاف مدى ضعف حكمهم في المجال السياسي والديني والاقتصادي والإداري فزوروا الحقائق والواقع وشوهوا معالم العراق الحضارية.

     وما يؤكد ما ذكرناه انفاً نستعين بما قدمه (بول بريمر) حاكم العراق للسفير الأمريكي في العراق (نيغرو بونتي) عنهم حيث قال انهم غير مخلصين للشعب العراقي ولا لوطنهم ولا لطائفتهم او عشائرهم بل لشخوصهم المريضة والشاذة انهم أفضل مادة استعمالية مؤقتة لأنهم كذابين ولصوص ومحتالين ووضيعين لا يستحون وحاذقين في الاحتيال والمكر وثرثارين وفاشلين وفارغين ومعزولين ودجالين ومنافقين ودنيئين، يعملون علم اليقين بأنهم معزولين عن الشعب لا يحضون بأي تقدير أو اعتبار من المواطنين. [العمر. 2016. ص. 37]

    فلا غرابة ولا عجب من إجرامهم ونهبهم للملايين بل المليارات من الدولارات من المال العام. ولا غرابة ولا عجب من عدم خجلهم وحيائهم من وصمهم كل يوم في القنوات الفضائية والتواصل الاجتماعي بإنهم حرامية ومجرمين ومفسدين ولا غرابة ولا عجب من عدم تأثيرهم وخجلهم عندمارفع المنتفعين في جميعمحافظات العراق لافتات كتب عليها (باكونا الحرامية باسم الدين). انهم فعلاً (بيعاريه حسب تسميتهم من العراقيين لأنهم لا يملكون ذرة من الخجل والكرامة وعزة النفس أو الإباء والشمم لأنهم لا يعرفوها ولم ينشئوا عليها ولم يحصلوا على اعتبار اجتماعي في حياتهم الماضية ولا المكانة الموسومة بالتقدير في مجتمعهم المحلي لذلك لم يهتموا باحتقار أسيادهم (رموز النظام الإيراني) لهم. فعلاً (بيعاريه) لأنهم زمرة لا تعرف الحياء والخجل والعار والخزي والذنب والصفاقة لأنهم متجردين من العفة والنزاهة والأمانة والاستقامة والإخلاص والبراءة والوطنية.

   في الواقع هذا النوع من الحكام لا يمكن ان يكونوا قادة مجتمع ولا مصلحين اجتماعيين ولا سياسيين أُمناء على مصلحة الشعب لذلك بقوا معزولين عن الجماهير العراقية الوطنية. استمر حكمهم سبعة عشر عاماً مدعومين من النظام الإيراني وأذرعه المسلحة المجرمة المتوغلة والمتغولة في أحشاء المجتمع تحولهم الحكومة الإيرانية لتجعل العراق إحدى اقاليمه الفارسية طمعاً بثرواته وانتقاماً منه الذي حاربها لمدة ثمانية سنوات.

   فكانوا فعلاً عملاء لهم وخونة لبلدهم ومجرمين في حق شعبهم الذي حكموه فلا توجد حكومة وطنية تفعل برعاياها مثلما فعلت بقمعهم وتمزيق نسيجهم الاجتماعي وإهانة تاريخهم وثقافتهم لأنهم سياسي الصدفة لم يصلوا الى سدة الحكم عبر قنوات أو آليات وطنية أو مؤهلات علمية أو نضال سياسي أو خدمة الفقراء والعاطلين والمثقفين. فكانت زمرة عقيمة في حكمها ولقيطة في وجودها وشرهة في نهبها للمال العام لم ترحم أي طيف من أطياف المجتمع.

   وإزاء كل ذلك انتفض الشباب الواعي سواء كان من السُنّه أو الشيعة ضدهم وعراهم على حقيقتهم القامعة واللاوطنية. لا جناح إذن من لقول عنهم بإنهم مخربين بامتياز وماكرين وحثالة الناس لا يستحوا من جبنهم وتزويرهم للحقائق وإفسادهم للمؤسسات الرسمية وأخلاقية العمل وشرف المهنة.

4 – ظاهرة الانتفاضة الشعبية أحد اشكال الكفاح

  لا يختلف الباحثون في شؤون النضال حول حقيقة أن الانتفاضة الشعبية بوجه عام هي شكل من أشكال النضال. ويصعب فهم مكانة الانتفاضة بصفتها هذه من دون وضعها في الإطار العام لأشكال النضال المعروفة.

غير أن الكثيرين يخلطون بين أشكال الكفاح وطريق النضال. وقد حاول مفكرون في الماضي بلورة بعض المعايير للتمييز بين أشكال الكفاح وطرق النضال.

وقال بعضهم إن طريق النضال هو في العموم واحد من اثنين: عنفي أو سلمي وهما يرميان إلى تحقيق هدف إستراتيجي واضح. ويتحدد طريق النضال وفق معطيات المشكلة القائمة وهل هي وجودية تناحرية لا يمكن حلها إلا بالطريق العنفي أم أنها غير وجودية ويمكن البحث عن سبل ضغط مختلفة لحلها.

ولاحظ هؤلاء أن طريق النضال، هو على وجه العموم، الخط الإستراتيجي الذي في إطاره يمكن انتهاج أشكال كفاح مختلفة تقود إلى تحقيق الغاية الأساسية.

ويقع كثيرون أحيانا في خلط بين أشكال الكفاح وطرق النضال، حيث يمكن ضمن طريق النضال السلمي اللجوء إلى العنف في لحظة معينة، كما يحدث في طريق النضال العنفي أو الحربي استخدام وسائل سلمية أحيانا.

ولكن في كل الأحوال لا يمكن للعنف أن يغدو المظهر الأساس في حالة الطريق السلمي ولا يمكن للنضالات السلمية أن تشكل المظهر الأساسي للطريق العنفي.

وهكذا فإن الانتفاضة الشعبية يمكن أن تكون شكلا من أشكال الكفاح في طريق الصراع. وقد وقعت انتفاضات شعبية في تاريخ العديد من الدول العربية وغيرها.

الانتفاضات… ما هي؟

   “الانتفاضة بمعناها الحقيقي مرهونة بفترة زمنية معينة يتم فيها قطف ثمرة النضالات التي نضجت تحت رايتها، فاستمرار الانتفاضة زمنا طويلا أمر شبه مستحيل لأن ذلك يرهق الحياة ويعطل سيرها المعتاد”.

وهناك مواقف متباينة من هذه الانتفاضات تتقرر وفق الزاوية التي ينظر منها المرء أو الشريحة الاجتماعية إليها, وهل أن الانتفاضة تمت لأسباب وطنية أم اجتماعية اقتصادية.

وكثيرا ما أطلقت على الانتفاضات أوصاف أخلاقية سلبا أم إيجابا, كما أنها كثيرا ما تمت بتدبير مسبق أو بشكل عفوي.

فالانتفاضة الفلسطينية وصفت بـ “المباركة” في حين أن الرئيس المصري الراحل أنور السادات وصف انتفاضة للجياع في القاهرة بأنها “انتفاضة الحرامية”. وبينما اعتبر النظام العراقي السابق انتفاضة الجنوب الشيعي بعد حرب عاصفة الصحراء تمردا خيانياً رأى فيها القائمون عليها “انتفاضة شعبانيه مباركة”.

ومن ملاحظة أنواع الانتفاضات التي وقعت في العديد من الدول يمكن الإشارة إلى أن الانتفاضات إما شرائحيّه قطاعية أو شعبية عامة. فالتاريخ الروسي في عهد القيصرية يرى في “انتفاضة البحارة” و”انتفاضة الجنود” مراحل ممهدة للثورة البلشفية.

وهناك في أوروبا الشرقية دول عديدة شهدت انتفاضات مسلحة من جانب أحزاب. وفي إيران كانت انتفاضة شعبية هي التي أربكت نظام الشاه ومهدت لتطورها نحو حركة أفلحت في تغيير النظام وإحداث ثورة.

      أما في الدول العربية فإن أغلبية الانتفاضات كانت شعبية وغير مسلحة. وقد وقعت مثل هذه الانتفاضات في عهدي الاحتلال الأجنبي والدولة الوطنية لأسباب مختلفة.

   ولا خلاف حول أن الانتفاضة على وجه العموم، تحرك ثوري محكوم باختلال التوازن مع قوة متسلطة أجنبية أو محلية. وهي تتراوح في طبيعتها التنظيمية بين الفعل العفوي الذي ينشأ نتيجة افتقاد الأطر التنظيمية الفاعلة والقادرة والفعل المنظم الذي يرى في الفعل الجماعي وسيلة ضغط ناجعة.

كما أن الانتفاضة يمكن أن تشكل في وقت من الأوقات وعاء لأشكال كفاحية متنوعة إن تطورت وغدت المظهر الرئيس للنضال. 

وفي كل الأحوال فإن تنامي النضال وبلوغه الذروة بنهوض جماهيري عارم ونشوء مزاج ثوري هو مقدمة ضرورية لأي انتفاضة شعبية.

وبالتالي فإن قابليات بقاء الانتفاضة بشكلها الأولي محدودة وتعني مراوحة في ذات المكان. ولذلك فإن الانتفاضات إن طالت سرعان ما تتحول إما إلى عصيان مدني سلمي أو إلى نضال مسلح. ومن دون ذلك يصعب الحفاظ على المزاج الثوري أو امتلاك فرصة تحقيق أهدافها.

فالانتفاضة بمعناها الحقيقي مرهونة بفترة زمنية معينة يتم فيها قطف ثمرة النضالات التي خيضت تحت رايتها. فاستمرار الانتفاضة الشعبية زمنا طويلا أمر شبه مستحيل لأن في ذلك ما يرهق الحياة المجتمعية ويعطل سيرها المعتاد.

[https://www.aljazeera.net]

الانتفاضة الشعبية بين الكفاح وطرق النضال

   تتعدد ساحات التظاهر وتباعد بينها الجغرافيا وتختلف الأوضاع السياسية والاقتصادية بينها، كما تتنوع الهموم التي يحملها المتظاهرون في مختلف الدول العربية، لكن الشعارات تتوحد.

ففي لبنان والعراق والجزائر يتمسك الكثير من المتظاهرين بمطلب واحد ألا وهو إنجاز تغيير حقيقي، وإن اختلفت لهجات المطالبين به.

فـ “يتنحاو قاع” في ساحة البريد المركزي في الجزائر العاصمة، هي نفسها “كلّن يعنى كلّن”، التي تتعالى بها الأصوات في ساحة رياض الصلح في بيروت، و”شلع قلع” في ساحة التحرير في العراق.

  ويقول الدكتور عمار على حسن، الباحث والكاتب في الشؤون السياسية في مصر، إن هذا التشابه يرجع إلى أن الأنظمة السياسية في العالم العربي، وإن كانت تبدو مختلفة في ظاهرها فهي تتشابه في أدائها وسلوكها، كما أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية والنظم القانونية في هذه البلدان تقريبا واحدة.

ويضيف أن ثورة الاتصالات وتطور وسائل الإعلام الجديد دعمت أواصر التواصل بشكل كبير حتي أصبحت أشبه بالجسور التي تعبر عليها شعارات ومطالب وأهداف الشعوب حدود الجغرافيا.

ويبدو أن هذه الشعارات ليست جديدة، فـ “شلع قلع” والذي يعني اقتلاع الشيء من جذوره، ليس بالشعار الجديد على الساحة السياسية العراقية، بحسب وداد حمادي، وهي ناشطة في التظاهرات في بغداد، والتي تقول إن الشعار استخدم للمرة الأولى من قبل أنصار رجل الدين الشيعي مقتدي الصدر خلال تظاهرات ضد الفساد عام 2015.

وتؤكد وداد أن بعض التيارات “المدنية والليبرالية والعلمانية” تتجنب استخدام هذا الشعار خوفا من أن تحسب على تيارات أخرى، رغم الاتفاق على معناه وضرورة “تطهير البلاد بالكامل من الفساد، فضلا عن محاسبة كل من تورط فيه”.

وتشير إلى أن هذا الشعار يشمل كل من شارك في العملية السياسية التي قادت البلاد إلى هذه الأوضاع “المزرية” بلا استثناء، فضلا عن ضرورة السعي لتحقيق العدالة الاجتماعية والاهتمام بالبني التحتية وتحسين الخدمات وتحقيق الأمن والاستقرار.

كذلك يبدو أن شعار “كُلن يعنى كُلن”، والذي يستخدم في لبنان لتعميم النقد بحق جميع الساسة، ليس بالجديد.

حيث يقول محمد نحلة، وهو ناشط مشارك في التظاهرات في لبنان، إن هذا الشعار أطلق قبل أربع سنوات خلال احتجاجات كانت قد انطلقت في أغسطس/ آب 2015 في بداية أزمة النفايات التي كانت تتكدس في البلاد في ظل غياب بنية تحتية وآليات مناسبة لجمع القمامة، ولكنها سرعان ما تطورت لتشمل مطالب أوسع لمحاربة بمكافحة الفساد.

ويقول نحلة إن مجموعة “لأجل الجمهورية”، وهى إحدى المجموعات التي نشطت خلال تظاهرات 2015، هي أول من طرح هذا الشعار، وأثار وقتها جدلا كبيرا لأنه كان يتم تذييل هذا الشعار بذكر أسماء سياسيين بعينهم، وبالتالي كان يتم استخدامه على أساس طائفي، وكل طائفة تستثني زعماءها.

وحتى هذه اللحظة يرفض البعض استعمال هذ الشعار باعتباره سياسيا أكثر من دلالته على المطالب، أما ما يريده المتظاهرون، بحسب نحله، فهو مطالب حياتية، “بدي شغل، بنزين، إصلاحات، بدي محاسبة كل الفاسدين طبعا، لكني غير مهتم بتغيير سياسي بعينه”.

من التلفزيون كانت البداية

بعكس “شلع قلع”، و “كلّن يعنى كلّن”، استخدم شعار “يتنحاو قاع”، والذي يعني “فليتنحوا جميعا”، للمرة الأولى خلال تظاهرات انطلقت في 22 فبراير/ شباط الماضي في الجزائر احتجاجا على ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لفترة رئاسية خامسة.

وخرج البعض، بحسب منال بخوش، وهي إحدى الناشطات خلال التظاهرات في الجزائر، للاحتفال بإعلان بوتفليقة نيته عدم الترشح لولاية خامسة، وخلال مقابلة تلفزيونية أطلق الشاب بكير تركي سفيان صرخته الأولى “يتنحاو قاع” ليرددها من بعده مئات الآلاف حتى هذا اليوم.

وتقول منال إن بوتفليقه استمر في الحكم لمدة 20 عاما و”أتباعه منتشرون في كل مؤسسات الدولة: القضاء، والصحافة، والإعلام والبرلمان”.

وتضيف أن هذا الشعار “لا يعنى فقط تنحية كل المرتبطين بنظام الحكم السابق، وإنما يشمل أيضا محاسبتهم جميعا”. وهذا هو السبب الأساسي “في تباطؤ السلطة الحاكمة الآن في تنفيذه خوفا من أن يتعرضوا هم أنفسهم للمحاسبة”، بحسب قولها.

وبرغم تعدد البدايات بالنسبة للشعارات الثلاثة والخوف من استخدامها في بعض الأحيان، فإن محاسبة “الفاسدين جميعا” هو الهدف الأساسي للمتظاهرين في العراق ولبنان والجزائر، كما يؤكد الناشطون في هذه الدول.

ويري محللون أن المظاهرات التي تشهدها عدة دول عربية مؤخرا تشكل موجة ثانية من مظاهرات ما يعرف بـ”الربيع العربي”، التي انطلقت من تونس عام 2011 لتنتقل بعدها إلى مصر واليمن وليبيا، وأن هذه الموجه استفادت بشكل أساسي من “الأخطاء” التي وقع فيها المتظاهرون خلال الموجة الأولى للمظاهرات في 2011.

ويختلف الدكتور عمار علي حسن مع هذا الرأي، إذ يرى أن “الربيع العربي” لا يزال مستمرا وأن هذه التظاهرات الأخيرة جزء من الموجه الأولى.

ويضيف “تأخر العالم العربي كثيرا عن الاستجابة لرياح التغيير التي شهدها العالم، منذ انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، فالتحول الديمقراطي طال، منذ ذلك الحين، العديد من الدول في أوروبا الشرقية، وآسيا، ماعدا الدول العربية، الأمر الذى يجعل التغيير يحتاج إلى وقت طويل قد يمتد لعقود”.

الدروس المستفادة من الثورة

يقول محمد نحلة إن المتظاهرين في لبنان استفادوا من تجربة “الثورة المصرية”. وأضاف “نخاف يروح واحد ويجي واحد مثله… نريد تغيير النظام بالكامل والضغط من أجل إصلاحات حقيقية تترجم على أرض الواقع وليس فقط تغيير الوجوه”.

ومن هنا، وبحسب نحلة، فـ “كلّن يعنى كلّن” هو المطلب الوحيد والأساسي الذى لا تنازل عنه، لأن “تغيير رأس السلطة في مصر مثلا لم يؤد إلى تغيير النظام”، وهذا ما يخشاه اللبنانيون.

ويؤكد الدكتور عمار علي حسن أنه طالما استفادت الثورات من بعضها، فكما تعلم المصريون من الثورة التونسية، تعلم السودانيون من المصريين، وتجنبوا الفوضى كما أرسوا دعائم حكم مدني، وهكذا تحاول الشعوب مراكمة خبراتها والاستفادة من تجارب السابقين عليها.

وأضاف حسن أن ثورات التحرر الوطني في العالم العربي استلهمت من تجارب بعضها في أوائل القرن العشرين. لكن المختلف هذه المرة، هو أن وسائل التواصل الاجتماعي أتاحت للشعوب أن تتواصل مباشرة مع بعضها البعض، بعد أن كان التواصل يتم على المستوى الرسمي بين رؤساء بعض الدول والنخب المقاومة للاحتلال في دول أخرى، كما حدث بين الرئيس المصري آنذاك جمال عبد الناصر والنخب المقاومة في الجزائر على سبيل المثال. وكانت النظم الحاكمة تتحكم بالتالي في الأمر، أما الآن فالشعوب تتواصل رغم محاولات منعها من ذلك.

نعمة أم نقمة ؟

يرى حسن، في نفس الوقت، أن التواصل الدائم بين الشعوب يمكن أن يكون سلاحا ذا حدين، فأحيانا تستغل النظم الحاكمة تفاعل الشباب العابر للحدود لإذكاء النعرات الوطنية والدفع بأن هناك مؤامرة خارجية تحاك على البلاد.

كما يقود أحيانا إلى التشفي والشماتة. ففي البلدان التي “أجهضت” فيها الثورات، كاليمن وليبيا وسوريا، يتندر الشباب على المتظاهرين في البلدان الأخرى بأنهم لن يصلوا إلى أي شيء كما فعل سابقوهم.

وبصرف النظر عن الدور الذى يلعبه الإعلام والاتصال في نقل شعارات المتظاهرين من مكان إلى آخر، ومن بلد إلى آخر، تبقي مطالب الشعوب ومدى تمسكها بها هي الفيصل في كل حراك. [https://www.bbc.com]

مظاهرات العراق ولبنان من (شلع قلع) الى (كلّن يعني كلّن)

كتب جورج حايك في صحيفة “الجمهورية” تحت عنوان ” كلّن يعني كلّن” ولكن…”:لا شيء يستفزّ الطبقة السياسية الحاكمة أكثر من شعار (كلّن يعني كلّن)، فهو شعار الانتفاضة بامتياز، شعار صدر من معاناة شعب أتعبه فساد هذه الأحزاب والتيارات السياسية التي استرسلت في المحاصصة وتقاسم قالب الجبنة، كما يعبّر المحتجون. لكن في المقابل، لا يقبل جميع السياسيين هذا الشعار ويعتبرونه ظالماً، بل يعمّم الفساد بصورة عشوائية، ويُبطل كلّ مفاعيل المحاسبة الحقيقية، ويشجّع الفاسدين على الاستمرار في فسادهم.

لا يميّز المتظاهرون بين سياسي وآخر. هم يصرخون بأعلى أصواتهم (كلّن يعني كلّن) ويقصدون بذلك سياسيّي الأحزاب والتيارات السياسية المعروفين والممثلين في الحكومة والمجلس النيابي.

هؤلاء السياسيون يحاولون التبرؤ من حالة الفساد، ولعلّ بعضهم لم ينخرط في منظومة الفساد، إلا أنّ مفهوم الانتفاضة يجرف الصالحين والفاسدين في آن واحد، ولا يميّز بينهم. والمطلوب من الجميع الاستقالة. كانت (القوات اللبنانية) السبّاقة في تلبية هذه الصرخة، إلّا أنّ ذلك لم ينقذها من اتهامات البعض وإن بخلفيّة سياسية انتقامية.

لم يستطع أحد النجاة من شعار (كلّن يعني كلّن) وأكملوها بـ (زعيمك واحد منن)، فيزداد غضب أنصار هذا الزعيم ويستمرّ الجدل والنقاش وأحياناً الاعتداء العنفي.

مطلقو هذا الشعار يعتبرون انّ (كلّن) تعني جميع المسؤولين الذين اثبتوا عدم كفاءتهم في تحمّل المسؤولية. فالانهيار الاقتصادي والمعيشي لم يبلغ هذا الحدّ لولا فشل هذه الطبقة السياسية المسؤولة عن الوضع. تفتّحت عيون الناس في لحظة انتفاضة، بعدما فقدوا الثقة بكلّ المسؤولين وبكلّ ورقة إصلاحية تقدّمت بها هذه السلطة، هم يطمحون إلى وجوه أخرى (تكنوقراط) تتمتع بكلّ مواصفات النزاهة والشفافية، ولا تنتمي إلى تلك الطبقة التي أهدرت الأموال العامة دون حسيب أو رقيب.

لكنّ الأحزاب والتيارات السياسية التي شاركت في السلطة لها رأيها في هذا الشعار الهجومي الانتقادي الشامل، ويتفاوت مستوى رفضها وقبولها له.

مصادر (التيّار الوطنيّ الحرّ) لا تعتبر أنّ هذا الشعار يطالها لأسباب عدّة أهمها أنّ (التيّار) محصّن ويُدرك طبيعة الحملات المحضّرة والمبرمجة، وتشير إلى عتبها على بعض الجماهير لأنّها تعرف اسلوب حياة وزراء (التيّار) ونوابه وحال بيوتهم، “فالسارق أو مستغلّ المال العام يظهر عليه بسرعة. لا شيء مخفياً وهناك قانون رفع السرية المصرفية سيكشف عن كلّ شيء. لذلك نعتب على الناس الذين يصدقون الشائعات”.

وتضيف: “هذا التعميم خطأ وعندما يقولون (كلّن يعني كلّن)، وليس لديهم بدائل لا يمكنهم ان يحكموا علينا، وهذا ما يطرح علامات استفهام حول الشعار المتداول بين بعض الناس”.

وتعتبر مصادر تيار (المستقبل) أنّ هذا الشعار يضعف الثورة، وخطورته انّ كلّ شخص يريد ممارسة الشأن العام صار يتردد من الآن فصاعداً على الانخراط فيه، لأنّ الناس سيشتمونه فيذهب (الصالح) بسبب (الطالح).

أما أوساط (حزب الله) فتؤكد أنّها تؤيد توصيف كل شخص فاسد حقيقي لكن من دون أن يكون هناك تعميم، “لأن التعميم يقود إلى تجهيل الفاعل. يجب أن تكون لدينا الجرأة في تسمية الفاسدين مع إبراز الأدلة”.

وتلفت أوساط (الحزب) إلى أنّهم “كان من السبّاقين بفتح ملفات الفساد من خلال القضاء ولجنة التحقيق النيابية”.

    وتبدو مصادر الحزب التقدمي الاشتراكي أكثر تفهّماً لهذا الشعار ولا تنكر تورّط كلّ الطبقة السياسية بالفساد، وتقول: “نحن لا نعتبر أنفسنا حزباً فاسداً في السلطة، لكنّ الحراك لا يستثني احداً وهذا من حقه. نحن معنيون بأن نقدّم رؤية أو أداءً أو طرحاً متجدّداً في المرحلة المقبلة لنعيد الثقة بالقوى السياسية إلى الناس، ونعتبر أنّ الحراك شكّل حافزاً لنا بالذات لطرح رؤيتنا الإصلاحية بثبات أكبر”.

لا تقبل مصادر حركة (أمل) التعميم في شعار (كلّن يعني كلّن)، “لأنه يشجع على عدم المحاسبة الحقيقية، لكننا نعترف بأنّ الفساد ينخر كلّ مفاصل الدولة وكلّ أجهزتها وإداراتها، لكن من غير المنطقي أن تكون كلّ السلطة فاسدة، وهذا التعميم يخدم الفاسدين، وربما يرفع المحتجون هذا الشعار من باب عاطفي انفعالي وشعبوي، لكنهم غير موفقين فيه”.

وترى مصادر (أمل) “أنّ المرتكب قد لا يتأثر بالشعار انّما الشريف والنزيه لا بدّ من أن تصدر عنه ردّة فعل، لأنّ هذا الشعار يجرحه. نحن مع رفع السرية المصرفية، بل مع نشر حسابات كلّ من يتعاطى الشأن العام على شاشات عملاقة في الطرق العامة، ونحن مع كلّ قانون يعزّز المساواة والمحاسبة”.

وأخيراً تتفهم مصادر (القوات اللبنانية) نقمة الناس وأوجاعهم وغضبهم لما آلت اليه الأوضاع في الأعوام الأخيرة وصولاً إلى الانهيار، وهي تدرك أنّ الشعب لا يريد في لحظة غضب وجوع وكرامة أن يميّز بين طرف وآخر.

وترحّب (القوات) بالثورة التي أعادت توحيد الجسم اللبناني بعدما راهن البعض على بقائه مقطّعاً ومفكّك الأوصال، وتؤكّد انّ معظم القوى السياسية في لبنان تطرح الشعارات الكبرى وتدّعي الإصلاح والتغيير، لكنّها لا تمارس إلّا الفساد، بل تريد المحافظة على منظومة الفساد في الواقع السياسي اللبناني.

وتوضح مصادرها “أمّا نحن فقد تلمّسنا باكراً انّ المعركة ضدّ الفساد هي معركة كلّ مواطن في لبنان، واستشرفنا باكراً هذه المعركة، وكنّا رأس حربة في مواجهة الفساد ومكافحته في وزاراتنا والمجلس النيابي، لذلك لا نشعر انّنا مستهدفون بهذا الشعار، ونتفهّم كلّ هذا الواقع، وعملنا ولا نزال نعمل منذ وقت طويل على بناء الدولة في لبنان”. [https://www.lebanon24.com]

انتفاضة الشباب العراقي للبحث عن الهوية العراقية المفقودة

إن من أكثر عوامل الاضطرابات والتفتيت التي يمر بها العراق منذ عقد ونصف من الزمن، هو في دفع العراقيين على الاختلاف حول الهوية الوطنية، من خلال تقسيم المجتمع إلى مكونات أثنية متناحرة انسجاما مع العبارة المشهورة (فرق تسد). وهذا بلا شك هو نتيجة للإرادة الخارجية المتعمدة في إرجاع بلاد الرافدين إلى عصور التناحر والظلام والتخلف، لتسهيل عملية غزوه ومن ثم الشروع بإرساء نظام سياسي قائم على هذه التناقضات القومية والدينية التي لا ترتبط بأسس الدولة الحاضنة والراعية لجميع أبنائها من شيعة وسنة، بل بين زعماء الكيانات السياسية وأحزابها الحاكمة، التي فرضت وجودها من خلال التقسيم الطائفي، والذي كانت نتائجه الخطيرة، دفع هذه الحشود الكبيرة من المتظاهرين للخروج في بغداد ومدن الجنوب، إضافة إلى العشرات من نواحي مناطق الفرات الأوسط، مؤكدة أهمية استعادة حقوقها التي تفرضها الهوية الوطنية العراقية المغيبة.

ولفهم طبيعة هذه المعطيات التي تعزز هذه القراءة ومعرفة أسبابها، لا بد من قراءة موضوعية في طبيعة الأهداف التي حملها المتظاهرون من خلال الشعارات التي رفعت، ناهيك عن الاختيار الواضح والمعلن للرموز الطائفية المستهدفة التي أعلنها المنتفضون.

 فبعد أكثر من أسبوع من التظاهرات والاحتجاجات المدنية في بغداد، بدى واضحا، أن أولى أهداف المتظاهرين، عمدت إلى إحراق مقرات الأحزاب الحاكمة ومقرات الميليشيات التابعة لها، إضافة إلى اقتحام مباني الحكومة المحلية في محافظات البصرة وميسان وذي قار وواسط والنجف وبابل ومدينة الصدر والشعلة في العاصمة بغداد، وهذا ما أعطى لهذه الانتفاضة بعداً وطنيا عراقيا، إذا أخذنا بعين الاعتبار طبيعة النظام السياسي الحاكم وأهدافه المعلنة المتمثلة في أقامه نظام الأغلبية الطائفية، وعلاقته بما سمي (بالمظلومية) وعلى حساب الهوية الوطنية العراقية. وهذا بحد ذاته يمكن اعتباره إشارة مهمة لطبيعة الثقافة الوطنية التي تحملها هذه الانتفاضة، وقدرتها الواسعة في شمول مطالب وتأييد جميع العراقيين، للعمل على تغيير الأسس والموازين، التي فرضت على المجتمع العراقي وقسمته، وبالتالي إعادة تحويله إلى مجتمع منسجم مع مزايا وأسس الهوية الوطنية التي يحملها العرب السنة والشيعة وباقي الأقليات على حد سواء.

وهنا لابد من التأكيد على ان التصريحات التي حملتها حناجر الشباب المنتفض في “إنهم ليسوا شيعة ولا سنة ولا صدريون أو بعثيون بل إنهم قبل كل شي عراقيون يطالبون بحقوقهم” قد أعطى لهذه الانتفاضة شرعية الدفاع عن حقوق العراقيين وليس حقوق طائفة معينة، وهذا ما أثار مخاوف النظام الحاكم من أن تتوحد الأصوات وتعمل على عودة اللحمة إلى النسيج الاجتماعي، نتيجة لتشابه المطالب التي تجمع العراقيين، في وجه مؤسسات الفساد والتبعية وإذلال العراقيين، لاستعادة بلدهم من السراق والمتآمرين مع الأجنبي والتبعية لإيران وجعل صوتهم فوق الطائفة والتبعية كعلو صوت العراق.

من هنا كشفت الانتفاضة عن حقيقة استمرار الأزمة العميقة التي يعيشها النظام السياسي الطائفي الذي أُسس سنة 2003 وتلاشي قدرته في الصمود والبقاء، نتيجة فشله في تقديم طبقة سياسية وطنية تملك قدرة الحفاظ على الهوية العراقية وحماية مكتسباتها. وكما ان تداعيات الانتفاضة ساعدت على رفع الغطاء عن طبيعة الركائز التي بنيت بها الدولة لإدامة وبقاء النظام السياسي الذي اُريد منه زورا أن يعمل لنصرة وتحسين أحوال الطبقة الشيعية الكادحة، ليكون في النهاية عراق الأحزاب والميليشيات الإيرانية الداعمة للاستراتيجية الإيرانية ومصالحها الاقتصادية، وعلى حساب مستقبل بلدهم الغني بالثروات ومصالح شعبه في العيش الكريم.

وهذا ما دفع بالشارع العراقي للرجوع إلى البحث عن هويته العراقية بعد ان أيقن ان هويته المذهبية التي بنى هذا النظام أهدافه على مظلوميتهم، لم تكن إلا عملية ذر الرماد في العيون للاستحواذ على البلد وثرواته، وحصر الانتساب بها لأحزابه، بغياب وصمت الرموز الدينية، التي استحوذت على تمثيل الشارع العراقي منذ 2003 وهذا يمثل إشارة مهمة على فشل الاستراتيجية الطائفية التي اعتمد عليها النظام الطائفي في العراق من خلال تدوير الرموز الدينية كصمام للأمان للبقاء في الحكم، ومن ثم الاستحواذ على ثرواته، ليكشف في النهاية هؤلاء الشباب الكادح، أن اختيار نظام المظلومية الطائفية من قبل المراجع والأحزاب، لم يكن إلا غاية للوصول للسلطة ووسيلة لسرقة ثروات العراق، بعد ان تم حصر وتكريس الفرص والمكتسبات للمسؤولين والمتنفذين في الأحزاب الحاكمة، وأن لا حل سوى الاحتجاج لاسترجاع حقوقهم المشروعة في المواطنة والمساواة في بلدهم.

في المقابل ترجم رد العناصر المسلحة والميليشيات لإخماد هذا الصوت العراقي الكادح الذي أفقدته العملية السياسية حقوقه في العيش الرغيد، عن مدى خطورة غياب الدولة ودستورها الذي ضمن للشعب حق التظاهر وحماية المواطن، والسماح لميليشيات الأحزاب المسلحة إطلاق الرصاص الحي، لإسكات ووأد انتفاضة الشباب العراقي، المطالب بالقضاء على الفساد وإيجاد فرص عمل لأعداد كبيرة من العاطلين، والضغط على حكومة عادل عبد المهدي، لإجبارها على تنفيذ الوعود التي قطعتها منذ وصولها للسلطة قبل أكثر من عام.

ان الأهمية التي اكتسبتها هذه الانتفاضة تكمن في الإرادة الشعبية المطلقة للعودة للهوية الوطنية، والتي هي بمثابة الزلزال الذي هز كيان النظام السياسي، وكما إنها بعيدة كل البعد عن مخططات المؤامرة التي حاول البعض إلباسها على أجساد العراقيين، وحقيقة علاقتها الواضحة مع السلبيات الخطيرة التي خلفتها الحكومات المتعاقبة على النسيج الاجتماعي، بعد ان كشفت الأحداث عن انتهاء الأعذار التي تقدمها عن أسباب الخلخل الذي يعثر قيام النظام السياسي، بواجباته تجاه الشعب بما فيها رفضه القضاء على حيتان الفساد وانتهاء أعذار الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية.

لا شك ان السياق الأهم الذي أدخلته انتفاضة اكتوبر، لم يكن محصورا في المجال الاقتصادي وحالة الفساد والفقر فحسب، بل تعداه إلى المجال الاجتماعي الناتج من مخططات التفكيك الطائفي التي تم فرضها على العراق، حيث كان لهذه الانتفاضة القدرة على إعادة ترسيخ الانتماء الوطني الجامع، من خلال تمسكها بالهوية العراقية بوجه قوى وسلاح الأحزاب والميليشيات، الذي استخدم في قمعها للدفاع عن النظام الطائفي وحتمية السقوط المدوي والنهائي للثقافة الطائفية، من خلال الترسيخ العميق للهوية الوطنية بصفتها القوة الأبوية الرئيسية للعراقيين، القادرة على مجابهة الظلم والفساد والنفوذ الإيراني في العراق، لاسترجاع الهوية العراقية التي تتناقلها الأجيال وحملتها ضمائر وقلوب كل العراقيين. [https://www.alquds.co.uk]

5 – ظاهرة العمالة للأجنبي وخيانة الوطن

   لا توجد صفة اجتماعية أو سلوكية موروثة عند الانسان بل تخضع لمؤثرات اجتماعية ونفسية قاهرة تمارس قهرها بشكل تدريجي وليس مفاجئ، تتراكم لتلزم صاحبها على اكتسابها لتصبح سمة سلوكية متنامية تدفعه نحو اللجوء للأجنبي المعادي للاستقواء به أو الارتماء بأحضان الطامع من قبل المضطهد والمقموع من قبل قوة أخرى منه أو من قبل نظام سياسي يعيش في ظله ينزع نحو الطرف الذي يستطيع اللجوء اليه لكي يتحرر من ضغوطه الممارسة عليه ويحصل على حقوقه المسلوبة. أي ينتقم منه عن طريق قبوله بتجنيد نفسه كعميل للمستقوي به فيصبح خائناً في نظر وطنه وأهله. فالعمالة للأخر ضد حكومة بلد الفرد تتسبب بعدة أسباب منها ما تكون اجتماعية وأخرى تكون نفسية وبعضها تكون سياسية وأخرى مهنية مثل: –

1 – التفرقة والمفاضلة الفئوية أو الحزبية أو التعصب العرقي أو الديني.

2 – الفقر.

3 – البطالة.

4 – انتشار الفساد الأخلاقي والمهني.

5 – الاستبداد السياسي والقهر الأمني.

6 – الامية.

7 – غياب الامن والأمان.

ليس غرضي هنا أبرر العمالة للأجنبي وخيانة الوطن والمواطنين بل يتطلب التحليل العلمي والموضوعي ان أجد الأسباب الحقيقة لها. إنها بدون شك تمثل جريمة وطنية واجتماعية وسياسية لا يقبل بها أي مواطن لأنها تعني الغدر وعدم الوفاء والأمانة بل المعاداة للوطن وأهله والطعن من الخلف بالظهر أي بظهر المواطن والوطن وتسريب أو افشاء اسرار خاصة ومكتومة تضر البعض عند افشائها.

    بعد هذا الاستهلال أدخل الى صلب موضوعها عن موضوع وشخوص العمالة في العراق بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003. فقد صنفت العملاء للأجنبي من العراقيين بعد هذا العام الى صنفين وهما الجيل الأول من العملاء والخونة (الخونة بامتياز) والقتلة في اجرامهم المنظم أمثال هادي وعمار الحكيم وسواهم. قام هذا الجيل من العملاء بتجنيد شباب عراقيين من الشيعة المنحدرين من الطبقة الفقيرة والمقيمين في محافظات شيعية في جنوب ووسط العراق من غير المتعلمين والعاطلين عن العمل فكانوا بمثابة ذخيرة بشرية حيّه وجاهزة للاستخدام في تنفيذ ما يطلب منهم من قبل الحكومة الإيرانية وهم على شكل مليشيات مسلحة تقوم بإعمال إرهابية وقتل وتفجير وخطف واغتيال وسلب المال وإثارة الفوضى والفتنة فكانوا يمثلوا (الجيل الثاني) من العملاء والخونة (على شكل عصابة إجرامية منظمة). وهذا يعني ان الجيل الأول لم يكتفِ بجرمه وخيانته للعراق والعراقيين بل قام بإجرام ثاني عندما جنّدَ شبيبه عراقية تبحث عن عمل تعيش منه ليس لها خلفية إجرامية أو إرهابية ولا من أصحاب السوابق. وبعملهم هذا نشروا ووسعوا دائرة العمالة والخيانة في العراق فلوثوا بيئته النقية بوطنيتها ومحيطه التاريخي الناصع.

    ولا جرم من القول بإنهم لم يحصروها عليهم فقط بل جنّدوا حتى من العناصر السُنيّه والعناصر التي كانت تعمل في خدمة البعث الحاكم الذين عملوا مع صدام حسين في الجيش والامن والمخابرات فلوثوا المجتمع العراقي بالعمالة الإيرانية والأمريكية والتركية والقطرية والسعودية والإسرائيلية.

   بمعنى بات حكام العراق بعد عام 2003 من العملاء بامتياز يمارسوا خيانة الوطن بشكل علني على جميع الأصعدة مثل خيانة شرف المهنة في الفساد (تزوير، رشوة، استغلال نفوذ، اختلاس، ابتزاز، احتيال ضريبي، غش) وتحريف التعاليم الدينية الإسلامية في التفرقة الطائفية فأضاعوا سيادة العراق وأزالوا القانون وجمدوا سياسة الحكومة ودنسّوا البرلمان كل ذلك أدى الى عدم احترام دول العالم للعراق لأنهم أدركوا تحول العراق من بلد حر ومستقل الى أحد اقاليم الجمهورية الإيرانية. وهنا أقول بإن الجيل الأول من العملاء لإيران من العراقيين وكذلك من الجيل الثاني منهم لو لا هم لما استطاعت إيران ان تتغول وتمد أذرعتها الى احشاء الجسد العراقي وتتحكم في انساقه البنائية. أعني ان مشكلة احتلال العراق من قبل أمريكا واستعمار إيران له لم يتم إلا من خلال هذه المجاميع من العراقيين أنفسهم وليس بقوة الأجنبي المحتل والغاصب فلو كانوا هؤلاء رافضين لمغريات إيران وامريكا لهم لبقي العراق حراً ومستقلاً ومحترماً وعزيزاً بين دول العالم.

    أما أسباب عمالة الجيلين من العراقيين لإيران وامريكا وباقي دول الجوار لم تكن موروثة أو من قبل تنشئة الثقافة الاجتماعية العراقية بل بسبب عوامل مارسها النظام السياسي الحاكم قبل عام 2003 التي ذكرتها في بداية هذا الباب. أي عدم التعامل مع العراقيين بروح الوطنية بل بروح الاستعلاء والاستكبار والتهميش والاستبعاد حيث كان يطالبهم بواجباتهم دون تحقيق حقوقهم الشرعية والوطنية ولم يبذر فيهم بذور المواطنة وخدمتهم ومسئوليته تجاههم بل كان يجبرهم على طاعته طاعة عمياء فكان هذا هو السبب الرئيسي لانخراط الجيل الأول في الطابور الخامس (العمالة للأجنبي وخيانة الوطن).

    وأنه لا حرج من القول بإن الحكومة العراقية قبل 2003 كانت غير منصفة مع المواطنين العراقيين حيث كانت تفاضل فئة على أخرى ومحافظة على أخرى ومن هذا الباب استطاع الأجنبي الطامع بالعراق ان يتسلل ويستغل هؤلاء المستضعفين وتجندهم ضد العراق وشعبه لهذا السبب قُلت بإن أجيال العمالة التي لجأت الى أعداء وخصوم العراق لم تكن عمالتهم موروثة بل التي لجأت الى أعداء وخصوم العراق لم تكن عمالتهم موروثة بل مكتسبة بحكم تأثير التفرقة بينهم والتعصب ضدهم ومعاملتهم بقسوة وتجريدهم من حقوقهم الوطنية وتهميشهم واستبعادهم عن ممارسة وطنيتهم.

    وما يعيشه العراقيين الان هو تحصيل حاصل لما اقترفه النظام السياسي الجائر والمستبد والسالب للحرية الفكرية والشخصية والدينية ضد العراق فباتوا عناصر عراقية جاهزة لأطماع الطامعين به في استخدامهم ضده من الداخل بذات الوقت تبلورت عند هؤلاء المضطهدين نزعة الانتقام من النظام الحاكم عن طريق الاستقواء بالأجنبي على نظام حكمهم. فالعمالة والخيانة هنا سادت عند هؤلاء كان دافعها الحصول على مكانة في مجتمعهم وممارسة دورهم في المجتمع أسوة بالأخرين. لكن الذي حصل انهم لم يدركوا بإنهم سيكونون اذلاء ومحتقرين عند من جندهم وسخرهم لتحقيق هدفه هو ليس فقط تحقيق نزعة الانتقام من حكامهم فكانوا أبناء هذا الجيل (المهمش والمستبعد من قبل حاكم بلدهم ومحتقرين واذلاء من قبل مجندهم) لم يكونوا احرار في مجتمعهم الأم ولا في المجتمع الطامع في العراق والمعادي له.

    باختصار شديد نقول إن نوع حكم الحاكم هو الذي يخلق اعداءه في الداخل والخارج فلو كان عادلاً ومنصفاً لقلَّ اعداءه في الداخل وقلَّ طمع الأجنبي فيه تباعاً، لأنه لا يجد مناصرين له في الداخل ولا يستطيع تجنيد عملائه من الداخل. فروح المواطنة هذه ضرورية جداً لبقاء الحاكم الوطني واحترام العالم له. والان وقد مضى أكثر من ستة عشر عاماً على احتلال العراق من قبل أمريكا واستعمار إيران له حصل بالدرجة الأساس عن طريق وجود مجندين عراقيين استخدمهم عملاء له. أما جيل العملاء الثاني من العراقيين لإيران فإن ظروف تجنيدهم تختلف عن ظروف تجنيد الجيل الأول لأنهم عاشوا داخل العراق لكنهم عاطلين عن العمل ومن الشباب وغير متعلمين ومن الطائفة الشيعية يمثلوا الدهماء فحصلوا على مكافئات مالية مغرية وسلاح ودعم حكومي عراقي وإيراني لهم مع غياب الروح الوطنية عندهم.

  حريًّ بنا أن نشير الى ان المجتمع العراقي لم يتعود على هذا الخنوع والتضليل والخداع والاستغلال والخضوع للأجنبي حتى ولو كانت له أذرع اجنبية متوغلة في رحم الجسد العراقي (في اسرته وعشيرته واحبائه ومحافظاته) فقام منتفضاً ضد هذا الاستعمار المتخفي بالعباءة الطائفية ودمج الدين بالسياسة فرفع شعارات تندد بهم مثل (باسم الدين باكونه الحرامية) و (إيران بره بره – بغداد تبقى حره) وسواها من الشعارات التي تعبر عن حيوية الروح الوطنية العراقية الصادقة والرافضة للهيمنة الأجنبية ففاضل الولاء الوطني على الانتماء الطائفي على نقيض الجيل الأول والثاني من العملاء. فكان جيل عنيداً في وطنيته وصبوراً في مطالبته ومستمراً في وعيه وسليماً في مواجهته وقرباناً لبلده وزاهداً بالمواقع السلطوية.

    اخيراً نقول بإن العمالة والخيانة لا تقتصر على مساعدة الأجنبي في اسقاط نظام الحكم بل تعني ايضاً التسلل والتغول الى مؤسسات وتنظيمات الانساق البنائية لإفسادها وتشويه وظائفها التي بدورها تعمل على التحلل الخلقي ونشر الانحرافات السلوكية والمعيارية بين الشباب تحديداً. لأن العمالة تبدأ من شاغلي المناصب العليا لتصل الى قاعدتها لكي تنخر بُنيانها وتجعل شباباها عناصر مخربة غير فاعلة وقادرة على البنيان.

أ – الخونة يحكموا والعملاء يفسدوا 

في هذا الخصوص تفيدنا السيدة زهره في مقالتها “حين يحكم الخونة” طرحاً علمياً وواقعياً عن حالة الخيانة كظاهرة اجتماعية متهتكة سادت المجتمع العراقي تحديداً والعربي عموماً ساقها العدو الفارسي المعادي للدين الإسلامي والقومية العربية والوطنية الاصيلة.

الخيانة الوطنية، أي خيانة الأوطان، هي أعلى مراحل الخيانة، ولهذا يطلق عليها في كل دول العالم (الخيانة العظمى). والخيانة الوطنية لها كما يعلم الكل صور وأشكال شتى. من صور الخيانة الوطنية مثلا، إفشاء أسرار الدولة ونقل المعلومات عن الأوضاع الداخلية إلى دول وقوى أجنبية كما يفعل الجواسيس أو أشخاص وقوى سياسية، ومنها التآمر مع دول وقوى أجنبية ضد الوطن . ومنها التعاون مع العدو أو أحيانا القتال في صفوفه ضد الوطن.. وهكذا.

 وفي السنوات الطويلة الماضية، عرفنا في الدول العربية صوراً من الخيانة الوطنية جديدة ومستحدثة ويتم تصويرها على أنها مشروعة وعلنية. ليس هذا فحسب، بل إنها تتم وسط إشادات وترحيب وتصويرها على أنها من أعمال الإصلاح والتغيير.

        نعني هنا، ما فعلته أمريكا مثلا حين أنشأت جمعيات ومنظمات في دولنا تضم قوى عميلة مباشرة لأمريكا، مهمتها هي تنفيذ أجندات تخريبية تدمر المصلحة الوطنية وتلحق أفدح الأضرار بالأمن الوطني. وعلى الرغم من هذا الدور التخريبي المدمر الذي يعتبر عملا من أعمال الخيانة، تم تقديم هذه القوى على أنها قوى ساعية إلى الديمقراطية والإصلاح.. وهكذا.

      ونفس الأمر ينطبق على القوى والجماعات الطائفية الموالية لإيران في دولنا. هذه القوى تسعى لتنفيذ أجندة النظام الإيراني المعادية للمصالح الوطنية، وتتبنى بالتالي مواقف وسياسات تشعل الفتن الطائفية وتدمر المصلحة الوطنية. ومع هذا، تقدم نفسها أيضا ويتم تصويرها على أنها قوى ديمقراطية إصلاحية.
إذن، صور وأشكال الخيانة الوطنية تتعدد وتتطور وتأخذ أشكالا جديدة.
غير أننا نشهد اليوم تطورا جديدا ليست له سوابق كثيرة نعرفها في تاريخ العالم كله، وهو أن الخونة أصبحوا هم الحكام. والعراق يقدم مثالا غريبا جدا في هذا الشأن.
لنتأمل مثلا هذا الذي حدث قبل أيام مع المدعو قاسم الأعرجي. هذا شخص كان جنديا في الجيش العراقي اثناء الحرب العراقية الإيرانية. فرَّ من ساحة القتال ولجأ إلى العدو الإيراني، وانضم إلى صفوف الحرس الثوري وقاتل في صفوفه ضد بلاده. وبعد أن عاد إلى العراق في أعقاب الاحتلال الأمريكي وتم سجنه لأنه مصنف كإرهابي، أفرجت عنه سلطات الاحتلال لأنه عميل لهم.
هذا شخص ارتكب أشنع صور الخيانة الوطنية على الإطلاق. ومع هذا، تم تعيينه قبل أيام وزيرا لداخلية العراق. وتأمل مثلا وضع المليشيات الشيعية المسماة الحشد الشعبي. هذه مليشيات أنشأها النظام الإيراني ويفاخر بهذا، وقادة هذه المليشيات يفاخرون علنا بأنهم تابعون لولاية الفقيه، وان ولاءهم الأول هو للنظام الإيراني وليس للعراق.

    هؤلاء يعلنون صراحة انهم خونة للعراق ولا يكنّون له أي ولاء، ومع هذا، أصبحت لهم شرعية، ويرتكبون علنا وعلى مرأى من العالم جرائم حرب وإبادة في حماية الحكومة العراقية. هذا هو ما انتهى إليه أمر العراق.. خونة الوطن هم الذين يحكمون. والعراق يمثل نموذجا يجسد جوهر ما يسعى إليه النظام الإيراني في إطار مشروعه الطائفي في المنطقة العربية. جوهره أن يحكم الخونة الدول العربية التي يستهدفها هذا النظام الإرهابي.

     يريدون للحوثيين العملاء أن يحكموا اليمن، ويريدون للقوى الطائفية العميلة لهم في باقي دول الخليج العربية أن تصل إلى الحكم. وليست إيران وحدها هي التي تسعى إلى هذا. إدارة أوباما حين تآمرت على دول عربية، ووقفت بكل قوتها مع القوى الانقلابية العميلة، أرادت أيضا أن يصل الخونة إلى الحكم.
نقول هذا لننبه مجددا إلى أمرين بديهيين:

الأول: ان قطع دابر الخيانة في دولنا، واستئصال القوى الخائنة العميلة، هو اليوم مهمة وطنية كبرى.

والثاني: أنه حين يحكم الخونة، كما هو الحال في العراق، يصبح من العبث المطلق الحديث عن أي مصلحة وطنية عراقية، أو عن أي أمل في الإصلاح او التقدم إلى الأمام.
إزالة هذا النظام يصبح هو الشرط الأول والبداية الحقيقية لأي حديث عن مصلحة وطنية أو إصلاح وطني. [http://akhbar-alkhaleej.com]

   نأتي الان الى عرض المليشيات المسلحة التي تضم الجيل الثاني من العملاء لإيران الذين يستلمون تعليماتهم وأوامرهم من الجيل الأول من العملاء لإيران وهي تجند شبان تتراوح أعمارهم ما بين 17 – 30 عاماً ممن ينتمون الى الاحياء الفقيرة في بغداد وجنوب العراق ومن العاطلين عن العمل وهم من الطائفة الشيعية. اما قادتها فقد أصبحوا شخصيات ثرية جداً بسبب عمليات الخطف والسرقة أو الفدية أو بسبب تسجيل أسماء لعناصر ميليشيات غير موجودة اصلاً أو انهم غير ملتحقين بالقتال ويأخذوا رواتب شهرية وهي ما يلي: –

1 – مليشيات الحشد الشعبي: التي تقوم بتنفيذ مخطط إيران في العراق وتسير على أجندة تقوم بتنفيذ مخطط إيراني هدفه تغير وجه العراق وسلخه عن محيطه العربي بل وحتى عمقه الفكري والديني وتغير ديموغرافي في طرد السُنّه لتوطين اخرين في مناطق جرف الصخر والسعدية وبلد والإسكندرية والبحيرات والجنابيين والمحمودية وأبو غريب وشهربان ومندلي وبعقوبة والخالص.

2 – فيلق بدر، زعيمه محمد باقر الحكيم، عمار الحكيم.

3 – عصائب أهل الحق، زعيمه قيس الخزعلي.

4 – جيش حزب الله العراقي.

5 – فيلق القدس.

6 – حركة النجباء العراقية، زعيمها أكرم الكعبي.

7 – جيش المختار، يتزعمه واثق البطاط.

8 – طليعة الخراساني.

9 – لواء أبو الفضل العباس.

10 – لواء كفيل زينب.

11 – لواء ذو الفقار.

12 – لواء السلام.

13 – لواء الوعد الصادق.

14 – لواء عمار بن ياسر.

15 – لواء أسد الله الغالب.

16 – لواء اليوم الموعود.

17 – لواء الزهراء.

   جميع هذه المليشيات يكون ولائها المطلق للمرشد الإيراني علي خامئني.

ولكي أجول طرداً مع ما قدمته انفاً عليَّ أن أقدم بعض الممارسات اللاوطنية بل الاستعمارية الطامعة بثروة العراق موظفةً جيل العمالة الأولى من العراقيين في تحقيق مطالبتهم الذي من خلالهم قاموا بتجنيد الاف الشباب من العراقيين من طائفتهم واحزابهم ومناطقهم في تشكيل ميليشيات مسلحة لسلب العراق ثرواته وإفساد مؤسساته وقتل طياريه وعلمائه ومثقفيه وعدم محاسبتهم عند سرقة المال العام أو أخذ عمولات من الصفقات والعقود الحكومية وتنشيط النشاط الاقتصادي الإيراني على حساب الاقتصاد العراقي المحلي وعدم محاسبتهم عند تلاعبهم بمقدرات الدولة وسواها. كل ذلك تم بتعاون الجيل الثاني مع الجيل الأول عبر مفهوم الدولة العميقة في دوائر الدولة وعدم الاعتماد على أصحاب الخبرات والشهادات الاكاديمية لمساعدتهم في إدارة شؤون الدولة فحصل ما يسمى بالوظائف الفضائية واستحصال مستحقاتها من الخزينة العراقية والاستيلاء على أراضي الدولة وعقاراتها. لذا أقول مرة ثانية ان العملاء من العراقيين لإيران هم الذين يَّسروا وسهلوا توغل وتغول الأذرع الإيرانية في أحشاء الجسد العراقي وليس الماكنة والأجهزة الإيرانية وحدها فما أصاب العراق والعراقيين من تدمير للبنى التحتية وتفكيك مفاصل البناء الاجتماعي وحدوث حروب أهلية وتهجير قسري وتغير الهيكلية السكانية (الديموغرافية) ونهب ثرواته المالية والطبيعية وإيقاف عجلة التقدم والتنمية في العراق لمدة سبعة عشر عاماً (منذ عام 2003 ولغاية 2020) كان على يد ضعفاء النفوس والساقطين وعديمي الوطنية وصعاليك العراق الذين خضعوا لمغريات المال والنفوذ والجنس مشكلين بذلك عصابات إجرامية منظمة ضد بلدهم وشعبهم حيث جمعوا بين الخيانة العظمى والعمالة للأجنبي والعصابات الإجرامية المنظمة مدعومين من الحكومة الإيرانية والأمريكية.

   أدلف الان الى طرح ممارساتهم التخريبية وهي كما يلي: –

1 – بذر النعرات المذهبية والطائفية بين العراقيين.

2 – اغتيال الطيارين والقادة العسكريين والأمنيين والمثقفين والعلماء.

3 – نهب ثرواته المالية والطبيعية.

4 – تشويه تعاليم الدين الإسلامي.

5 – تعزيز التعصب العرقي بين القوميات العربية والكردية والتركمانية.

6 – تنفيذ أجندات إيرانية وتعاقدات مثل شراء الوقود والكهرباء والخضراوات والالبان والاسماك.

7 – عدم تفعيل قانون من أين لك هذا وعدم متابعة الأموال المسروقة خارج العراق.

8 – الاستيلاء على عقارات الدولة.

9 – حصر السلاح بيد المليشيات وعدم حصره بيد الدولة.

10 – عدم متابعة فضائيات الأحزاب الطائفية.

11 – عدم كشف ذمم الأحزاب المالية.

12 – عدم مراجعة تقييم السلك الدبلوماسي وانهاء خدمات سفراء الأحزاب وفصائلهم لأنهم أحزاب السلطة.

13 – عدم فتح ملفات الفساد.

14 – الاستمرار في محاصصة الوزراء والوزارات والهيئات والوكلاء والسفراء والدرجات الخاصة.

15 – عدم التعرض لعمل الهيئات الاقتصادية للأحزاب واستمرار أخذ الكومشنات من المقاولات والعقود الحكومية.

16 – استمرار التعاقد مع الشركات التي تشتري نفط العراق من خلال شركة سومو.

17 – استمرار البيع لمزاد العملة الصعبة في البنك المركزي.

18 – الموافقة على تصدير طهران السلع للعراق بأكثر من عشرة مليارات مقابل اهمال العراق لقطاعاته الصناعية والزراعية والخدمية والطاقة.

19 – صناعة الفوضى الهدامة عن طريق صناعة المليشيات وداخل العراق التي تجاهر بولائها لإيران واعتبارها الجمهورية، والعراق مجرد ولاية تابعه لها.

    جميع هذه الممارسات لا تتصف بالعمل الوطني ولا تخدم العراق ولا العراقيين فلم يكونوا حكام وطنيين يخدموا بلدهم وأهله لأنهم عملاء وخونة، فلم يكونوا مصلحين لما خربه المحتل الأمريكي لأنهم لا يملكوا الحس الوطني ولم يشعروا بشعور العراقيين ويتماهو مع ثقافته العريقة وتاريخه بل طمعوا بالسلطة والمال الذي جاءهم عن طريق اسيادهم الذين أذلوهم وأهانوهم واحتقروهم عندما كانوا لاجئين عندهم وسلبوا منهم سيادة العراق فأصبحوا خانعين منصاعين عبيداً أرقاء لهم فلم يحصلوا على اعتبار اجتماعي حقيق ولا شعبية بين الشيعة والسُنّه إذ تم اهانتهم جهراً وعلانية في شوارع وساحات المدن العراقية وبالذات في المحافظات الشيعية في الجنوب والوسط وبغداد وعلى شاشات التلفاز كل ذلك ولم يخجلوا من تلك الاهانات الرافضة لهم يومياً التي تصفهم بالحرامية والاذيال لإيران والمجرمين والفاسدين لأنهم منزوعي الحياء وفاقدي الكرامة يهربوا من مواجهة الشارع العراقي ومحاسبتهم على إجرامهم وفسادهم.

ب – تنافر متبادل في الانتماءات

  لا يعني هذا المفهوم تبادل الأدوار أو المعتقدات أو المصالح الذاتية لأن الفئة الحاكمة ليس لها انتماء وطني للعراق ولا انتماء عضوي للطائفة الشيعية ولا إنساني وغير متناهية مع معطيات روح العصر الحالي المتسم بالانفتاح الفكري والمعرفي والعلمي السائد في القرن الحادي والعشرين لأنها تريد أن تتسيد وتتحكم وتوجه جيل الشباب المتطلع للعيش بروح العصر الحديث المفتوح على المعطيات العلمية وثوة المعلومات والتمدن والبناء العصري في المنظومة العصرية رافضاً التماثل أو الخضوع للضوابط الطائفية المنغلقة على نفسها والمتجافيه للتفاعل الحر والتفاعل مع الثقافات والشعوب والباحث عن مواطنته الحقه المتساوية مع حقوقه، وعدم التعصب والتحيز وعدم الخضوع للأجنبي المستغِل له ولثرواته الطبيعية وحقه الشرعي في اتخاذ القرارات الوطنية العامة.

    بتعبير أخر، انه تنافر الاحرار المتفتح على الأخر تجاه فئة مسخرة من قبل قوة أجنبية متخلفة في سياستها وحكمها المستبدة على شعبها. انه تنافر بين الجاني والمجني عليه وبين الماضي والحاضر، بين المستغِل والمستغَل، بين الضحية والجلاد.

    أما مصير هذا التنافر فإنه ينتهي بطغيان المعاصرة والحداثة على التقاليد البالية والعتيقة. استمر هذا التنافر أكثر من ستة عشر عاماً لكن مسيرة الزمن وحركة التطور والتقدم سيسحق المدعين والمنادين بالزمن البائد والتسلط الفوقي والحرمان الاجتماعي والقهر القمعي ليشق طريقه نحو مستقبل مشرق لا النكوص للماضي الكئيب والمتجافي مع صيرورة التطور.

   لا جرم إذن من القول بإن هذا التنافر والتجافي سيبلور تغيراً جذرياً في حياة المجتمع العراقي خالي من التسلط والتسييد الماورائي والخرافي المفسد للعلاقات الموضوعية والعلمية والمجرمة في رعايتها للشعب ليصبح انتصار المستقبل على الماضي والحاضر لكن هذا الانتصار لا يكون انسيابياً أو عشوائياً بل بصمود وتضحية عقلانية وسلمية مارستها الشريحة الشبابية الواعية باستغلالها من قبل المارقين والخارجين عن القانون والمعادين لبلدهم والمخربين لمجتمعهم والمحرفين لثقافة مجتمعهم والبائعين لكرامتهم وذواتهم ومشاعرهم ورجولتهم فتحولوا الى مطايا وأمعه للأجنبي الإيراني واذلاء له ومحتقرين ومنبوذين من قبل المجتمع العراقي. وهذا بدوره اعطوه نموذجاً صادقاً عن مفهوم الخيانة الوطنية والعمالة والنبذ الاجتماعي والوصم المجتمعي لهم بذات الوقت أصبحت الشبيبة العراقية نموذجاً حياً ومتدفقاً للوطنية الحقة والفداء الوطني والقربان المحتذى به للأجيال العراقية القادمة يضرب بها المثل الأسمى والتماهي معها والاقتداء والاحتذاء بها.

       هذا التنافر أمسى آلية تغييرية لحركة المجتمع العراقي أقوى فعالية من تأثير العامل التكنولوجي والعلمي في تغير المجتمعات وعلى صيرورته التقدمية يتباهى بها العراقيين ويتغنوا بها لأنها نادت بوطنيتها وألغت النعرة الطائفية المفتعلة وردمت الفجوة المختلقة بين العراقيين وعاقبت المفسدين وحاكمت المجرمين وقدمت القرابين في سبيل حريتها وحقها في البناء والإصلاح والتطوير.

ت – الاحرار ينتفضوا ضد الخونة والعملاء

   إن سياق الحديث يلزمني ان أقول إن قلب الازمات يبلور ضمائر حيّه ونازع وطني تعمل على اسقاط الأقنعة لكي تكشف الحقائق وبالذات عند الوطنيين المخلصين والخونة في ذات الوقت. والخونة الذين أضحوا مطايا للمستعمر والعدو الغاشم والمستتر مستغلين ظروف الأزمة السياسية والاقتصادية والحربية ليفسدوا وينهبوا ويثروا بطرق غير مشروعة تحت غطاء الطائفة الدينية أو التعصب العرقي.

   بتعبير أخر أمام وجود الجيل الأول والثاني من العملاء العراقيين برز جيل شبابي متنور وواعي ومتعلم من الطبقة الفقيرة والطائفة الشيعية رافضاً تخريب وتزيف ونهب وإفساد وتفكيك وتشويه الاعمال التي يقوموا بها وهم على رأس السلطة المدعومة من الأجنبي المتوغل والمتغول في احشاء الجسد العراقي. منتفضين لأنهم شعروا بالخيانة العظمى والحيف الذي وقع عليهم وعلى العراقيين أجمع فكانت حركتهم اشبه بالتسونامي البشري رافضين ايضاً التعامل معهم على انهم اقلية اجتماعية. نعم هم تسونامي بشري لكنهم ليسوا أقلية مجتمعية على الرغم من تعامل المجتمع العراقي وثقافته الاجتماعية على انهم أقلية تابعة ومرؤوسة لهما، بحيث جعلتهم تحت وصاية الأقلية الحاكمة المتقدمة بالسن والتقليدية والخرافية بأفكارها والمتعصبة بمواقفها نحوها، ديدنها وضعها تحت المراقبة المشددة والضوابط القاسية.

   قصارى القول بأنهم من الناحية الديموغرافية (السكانية) ليسوا كذلك لأن حجمهم وعددهم لا يمثل الأقلية بل الأغلبية في الهرم السكاني. إلا ان المجتمع العراقي لكونه محافظاً وتقليدياً ومتمسكاً بالسلطة الابوية (البطريقية) يُمجد ويُحمد ويُعظّم كبار السن ويُقزم ويتعالى ويتسيد على صغار السن حتى ولو كانوا من مجتمعه وبلده. معنى ذلك ان العلاقة بين الشباب العراقي وغيرهم من الشرائح العمرية الأكبر منه سناً تمثل علاقة الرئيس بالمرؤوس أو الحاكم بالاتباع حتى عندما يكون عددهم أكثر من المتقدمين بالسن هذا ما تلقنه الثقافة الاجتماعية العراقية.

    لذلك يُنظر الى الشباب العراقي على انه مواطن من الدرجة الثانية وليس الأولى، عليه واجبات عديدة وحقوق قليلة جداً. وقد كافح الشباب بالسعي والجد والمثابرة في دراسته في الكليات والجامعات لكي يحصل على عضويته في الجماعة المتحكمة في المجتمع وهي الأقلية عدداً لكن ليس لديه قواعد اجتماعية تدعمه بالحصول على عمل في اختصاصه فأصبح عاطلاً عن العمل وهذا يعني ان مكانته الاجتماعية واطئة لأن دوره في المجتمع غير موجودة ولا يستطيع ان يرتقي على التدرج الاجتماعي لكي يصل الى جماعة (الأقلية الحاكمة) فضلاً عن وجود نظرة نمطية من قبل هذه الأقلية الحاكمة التي تحمل حكماً مسبقاً عليه مفادها بإنه لا يتحمل المسئولية وعابث وكسول ولديه الاستعداد للانحراف وسريع الانفعال وطائش وغير مبال لذلك خسر المجتمع العراقي أكبر وأوسع شريحة اجتماعية حيوية في بناء انساقه البنائية. بمعنى ان الأقلية الحاكمة من كبار السن والثقافة الاجتماعية العراقية وصَّمت الشباب بهذه الوصمات السلبية فكانت الأنظمة السياسية تستخدمه في الحروب الداخلية والخارجية أكثر من استخدامه في بناء البنية التحتية وتشيداً لصروح العملية فأضحى الشباب العراقي قبل 1/10/2019 خانعاً ومنصاعاً ومقهوراً ومكبلاً وصاغراً للنظام السياسي والاجتماعي والثقافي. لكن مع تفاقم الضغوط الاقتصادية والاستبداد السياسي والبطالة وهيمنة سلطة كبار السن المعتمدة والمدعومة من قبل الثقافة الاجتماعية العراقية الموروثة والحرمان من العيش في روح العصر كل ذلك أدى الى انفجار هذه الشريحة العمرية (الشبابية) التي تمثل الأغلبية الساحقة في الهرم السكاني العراقي وكأنه تسونامي بشري أدى الى حدوث موجات اجتماعية متنوعة الاطياف ضد حكم الأقلية الحاكمة والفاسدة تطالب بدرجتها الأولى في المواطنة. أي انها ترفض التعامل معها بإنها مواطنة من الدرجة الثانية فطالبت بالتغيير السياسي والاجتماعي بشكل سلمي لا دموي والاستقلال من التبعية للأجنبي معبرة عن انفجار بشري تفجر من قاع المحيط العراقي الهادر مترجمة شخصيتها (الملهِمة) الواعية بما يتعارض ويسيء للروح الوطنية والتعصب الفئوي داعية للوحدة الاجتماعية والاستقلال السيادي والحرية الإنسانية وإزاء ذلك الالهام أثارت وعي الشباب في الدول المجاورة (لبنان والكويت وإيران) لتطالب بمواطنتها من الدرجة الأولى قبل كل شيء لا طمعاً بالسلطة والنفوذ.

   فكانت انتفاضاتها باكورة لثورة شعبية لم تسبقها ثورات سابقة في تاريخ العراق الحديث. صمدت وضحت وأفدت بأرواح شبابها لكي تفتح افاق مشرقة للأجيال العراقية القادمة ولكي تجلي ما اساءت ولوثت الأنظمة العراقية السابقة والحالية من نقاوة وصفاء الذات العراقية ولكي تخرج العراقيين من القواقع الطائفية والعرقية والحزبية والقبلية التي ألزمتهم بالتقوقع فيها ليعيشوا في عالم حر وسلام يحترم الرأي الاخر دون تعصب وتحيز ومنفتح على العالم المتمدن دون شك وريبة من الاخر وبثقه عالية، بنفس الوقت دون الاستقواء بالأجنبي والعمالة له بل لبناء هوية وطنية عراقية خالصة وجامعة لأن المجتمع العراقي فسيفسائي متنوع الأعراق والأديان والطوائف لا تصلح له الأنظمة الفئوية الطائفية والعرقية ولا يمكن صهر هذه المكونات الفسيفسائية ببودقة حزبية أو طائفية بل بثقافة عراقية موحدة وشاملة كإطار مرجعي يرجع اليه الجميع وبدون انحراف او تحيز.

    أقول تعاملياً كانت الشبيبة العراقية يتم التعامل معها على انها ليست لها نفوذ ولا سلطة ولا مكانة اجتماعية عالية أو متميزة فتم احتسابها مواطنة من الدرجة الثانية وكأنها أقلية بشرية. لكن الان وبعد 1/10/2019 كشفت الشبيبة عن نفوذها وقوتها على ارجاء المجتمع العراقي فجعلت من حكامه ان يكونوا مرؤوسين وتابعين لثورتها وعزمها واصرارها وقرابينها فقلبت الميزان التقليدي الذي أعتمد عليه التقليديون والمحافظين عبر عقود من الزمن فأعلنت بكل صراحة وجرأة وتحدي حجمها السكاني والإرادي والوطني على الجيل المتقدم بالسن والقابعين على سدة الحكم من أصحاب العقول البالية والمتكلسة التي لا تساير ولا تعكس روح المدنية والتطور العلمي والتكنولوجي أخرجت العراقيين الى عالم المعلوماتي والتكنولوجي لتقول للعالم بإنها نهضت بتنور ووعي وقّيادة تتبوأ الصدارة بالنزاهة والشفافية والوطنية الصادقة والكفاءة المعهودة به وعقله الرشيد ليعيش في مدار العصر المتنور وليس الظلامي والوهمي والخرافي لأنه أبن الواقع الحي المتنافر والمتجافي لضوابط المجتمع البالية والعتيقة التي وضعها الأموات التي لا تصلح لعيش الشباب المتنور والمتفاني في سبيل وطنه وأهله ومستقبله يريد ان يتحرر من قيود الاستعمار الداخلي والخارجي لتبني جنائن العصر الذهبي بإراداته وفنه المعماري الحديث.

    مآلي مما تقدم هو القول لم يكن هدف الشبيبة العراقية التغير من أجل استلام السلطة بل هناك أسباب دفعتها الى الانتفاضة الثورية لم تكن حركتها الاجتماعية والسياسية مفاجئة بل بسبب خضوعها لعدة ضغوط ومؤثرات جمعية لا فئوية، وطنية لا مصلحية، استشرافية لا ماورائية من خلال رصدها لتنامي الفساد السياسي والمالي والإداري وترهل المجتمع العراقي بالمليشيات الحزبية والفئوية وتسيس الدين واتساع الفجوة بين سياسي الصدفة والعامة من الناس مع تفشي البطالة والفقر وتنامي اعداد الذخيرة الاجتماعية المتضررة من فساد وظلم النظام الحاكم والتدخل الفارسي والحكومة الإيرانية السافر في صلب الحياة الاجتماعية والسياسية والطائفية وتشويه الوعي الشعبي من خلال صقله بالممارسات الطائفية واستغلال مشاعر الطبقة الفقيرة لخدمة مصالح الطبقة السياسية المقترن مع ضعف السيطرة الأمنية والحكومية على الشارع والمؤسسات الرسمية.

   كل ذلك أدى الى اندلاع شرارة الاهتياج المعبر عن عدم رضاها (الشبيبة) عما حصل للمجتمع العراقي بكل أطيافه فنهضت نيابة عن المظلومين والمضطهدين والمهمشين المستلبين فحصلوا على استجابة جماهيرية مباشرة من النساء والمهنيين والعمال والطلبة والشيوخ.

    بتعبير أخر، انه تغير لا بسبب ثورة جيل الشباب على جيل كبار في السن المتمسك بالسلطة والنفوذ والثورة يمنع صعود جيل الشباب الى قمة الهرم الاجتماعي، بل هو جيل يعاني من منع في عدم حصوله على هويته الشخصية والوطنية والمهنية وهو في بلده ومجتمعه لذلك نهض وانتفض وثار ضد السالبين لحريته وهويته ووطنيته ودوره في المجتمع. انه طور جديد في تغير المجتمع العراقي لأن الأطوار السابقة في التغيير كانت عسكرية أو حزبية أو اجنبية.

     ومن أجل تمحيص ما تقدم نستخرج السياقات التالية: عندما تكون في المجتمع عدم عدالة اجتماعية وفقدان الرضى الشعبي وتنامي التناقضات الشرائحيه الغير متوازنة في نفوذها ودخلها الاقتصادي مع وجود بطالة وفقر وفساد علني وعدم معيارية في الضوابط الاجتماعية فإن تبلور انتفاضة ناهضة يكون تحصيل حاصل لا تتوقف طالما أسباب حركتها الشعبية قائمة ومستمرة. وهذا ما هو حاصل في الوقت الراهن (إذا الأسباب لم تزول فإن الانتفاضة تكون مستمرة لا محال) حيث حركة الشبيبة لا تعكس مصالح فئة محددة أو تبحث عن مكاسب مرحلية مؤقتة بل مطالب كلية وجامعة متمثلة بالوطن المنهوب والمنكوب وهذا يخص كل العراقيين فضلاً عن إزالة الهيمنة الأجنبية عن مقاليد الحكم وتطبيق العدالة الاجتماعية بين كل الناس ومحاسبة القتلة ولصوص المال العام.

    ومع استمرار اندلاعها تحولت الى ثورة استجاب الى صداها الضمير العالمي والرسمي والشعبي الذي سيساعد هذه الشبيبة الصادقة بمطاليبها والواعية بمصيرها بالدفاع عنها ونصرتها على الجماعة الجائرة والجاهلة والمتصعلكة لتحاكمها وتعاقبها وتطرد الفلول الاجنبية التي جاءت بها من خارج العراق (إيرانيين وأفغان وباكستانيين).

   إذن نقول بإن هذه الانتفاضة الناهضة الثورية لم يكن هدفها من أجل التغيير السياسي فحسب بل التغيير من أجل إعادة بناء قواعد وانماط وانساق هيكلية نزيهة ووطنية مخلصة بعد ان خربها المخربون لتبني عراق مزدهر خالي من تسيس الدين والظواهر الخرافية والاحداث التاريخية المعيقة للتقدم والتحضر. هؤلاء الفتية هم باكورة وأيقونة التغيير المتحضر والمتمدن الذي يخدم العراق والعراقيين ليخرجوهم من القهر والاستبداد والفساد والعمالة للأجنبي الى بر الأمان والازدهار ليس فيه ميليشيات بل حكومة عادلة تحكم باسم القانون الوضعي إذن هي تسونامي بشري مزيل للخرائب البشرية ليحل محلها عمائر علاقة مبنية على أرض عراقية بسواعد وطنية خالصة. أقول هي مهماز التغيير النوعي والكمي في تاريخ العراق الحديث ضد الجيل الأول من الخونة والعملاء، والجيل الثاني من العملاء الذين تم تجنيدهم من قبل الجيل الأول فكان كلا الجيلين يمثلوا عصابة إجرامية منظمة حكمت العراق لأكثر من سبعة عشر عاماً نذرت نفسها مطية للنظام الفارسي وحكم ولاية الفقيه فباتت الشبيبة العراقية الالفية إطاراً مرجعياً ملهماً للعراقيين أجمع لأنها عبرت عن وطنيتها الصادقة الطاغية على اعتباراتهم الطائفية.

   لا أريد أن اترك هذا الباب مالم أصل الى كبد الحقيقة الذي أجده متمثلاً بالوجوب المتعامل مع الشريحة الشبابية من قبل المجتمع وثقافته والطبقة الحاكمة وهي: –

1 – عدم التعامل معها على انها مواطنة من الدرجة الثانية وأقلية مجتمعية.

2 – منحها مكانتها الاجتماعية في الحياة الاجتماعية لكي تمارس دورها في العملية الإنتاجية والبنائية.

3 – اشراكها في العملية الإنتاجية وصيرورة اتخاذ القرارات المدنية والاجتماعية والاستراتيجية.

4 – الاعتراف بوعيها الجديد المتفاعل مع آليات التواصل الاجتماعي ومعطيات الالفية الثالثة.

5 – تغيير النظرة النمطية ذات الحكم المسبق عليها من كونها عابثة وكسولة لا تتحمل المسئولية.

6 – الاعتراف بوزنها وحجمها السكاني.

7 – عدم صهرها في بودقة الطائفة أو الحزب السياسي.

8 – التعامل معها بروح وطنية خالصة وصادقة دون استغلالها من قبل الطبقة الحاكمة في الانتخابات.

9 – الاعتراف بهويتها الوطنية والشخصية والمهنية.

10 – تحقيق العدالة الاجتماعية بين الفئات الاجتماعية والشرائح العمرية والأقليات العرقية والدينية.

ث – نماذج من الخونة عبر التاريخ

   1 – أبو رغال: شخصية عربية توصف بإنها رمز الخيانة حتى كان ينعت كل خائن عربي بأبي رغال وكان للعرب قبل الإسلام شعيرة تتمثل في رجم قبر أبو رغال بعد الحج.

   كان أبو رغال الدليل العربي لجيش أبرهة فما كان الاحباش يعرفوا مكان الكعبة وكلما جاؤوا بدليل من العرب ليدليهم على طريق الكعبة يرفض مهما عرضوا عليه من مال ولم يقبل هذا العمل سوى أبو رغال فكان جزاءه من جنس عمله أن نعت كل خائن للعرب بعد بأبي رغال.

  2 – مؤيد الدين بن العلقمي: مع ضعف حكم العباسيين للدولة الإسلامية أخذت الأمم الأخرى بالتفكير في احتلال الدولة وكان من بين هؤلاء هولاكو القائد المغولي الذي وضع عاصمة الدولة الإسلامية بغداد على رادار فهمه بالسيطرة والعدوان. وكان العلقمي وزيراً مقرباً من الخليفة العباسي المستعصم بالله استخدم الجيش والدولة من خلال نشر الاشاعات التي تهدف لإضعاف الروح الوطنية ونشر النعرات المذهبية والطائفية في المجتمع لنخره من الداخل واضعافه وكان له ما أراد وبهذا الأسلوب سهل العلقمي مهمة هولاكو في اجتياح بغداد وتدميرها بالكامل عام 1258م.

3 – أبي عبد الله الصغير: الذي سلَّم مملكة غرناطة سلمياً الى الملك الاسباني عام 1492م.

4 – الملك صالح إسماعيل الأيوبي: حكام دمشق وفلسطين الذي طمع أن بضم مصر الى مملكته وكانت مصر يحكمها أبن أخيه الملك صالح أيوب وزوجته شجرة الدر فجهز جيشاً كبيراً فطالب الملك صالح إسماعيل من بعض ملوك المماليك الصليبية مساعدته على حرب أبن أخيه فاشترطوا عليه التنازل عن القدس مقابل مساعدته فوافق على ذلك واعطاهم فوق ذلك مدينة عسقلان.

5 – منير جميل حبيب روفا: جاسوس إسرائيلي من أصل عراقي تمكن في عام 1966م من الهروب بطائرة ميغ 215 تابعة للقوات الجوية العراقية الى مطار إسرائيل في عملية منظمة من قبل الموساد واشتهر بعملية (007) لمعرفة أسرار هذا النوع من الطائرات السوفيتية الصنع لمعرفة التحليلات الفنية والهندسية المتعلقة بنظريات الطيران الخاصة بتصميم الطائرة.

   وفي هذا الإطار قال هتلر أحقر الأشخاص الذين قالبتهم هم الذين ساعدوني على احتلال بلدانهم.

6 – حزب الدعوة الإسلامية: المتمثل بائتلاف دولة القانون في مجلس النواب ورئيسه إبراهيم الجعفري ونوري المالكي وحيدر العبادي.

7 – المجلس الأعلى الإسلامي في العراق: بقيادة عمار الحكيم.

8 – التحالف الوطني الكردستاني: الممثلة في الحزبان الكرديان الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.

9 – أحمد الجلبي: رئيس حزب الوفاق الوطني.

10 – مقتدى الصدر: زعيم جيش المهدي.

11 – إياد علاوي زعيم حركة الوفاق الوطني.

    في الواقع تسعى طهران الى إعادة توظيف الساسة الفاسدين والفاشلين من خلال تشكيل أحزاب سياسية جديدة تنبثق من جُبة الولي الفقيه لكن بغطاء ليبرالي معتمدة على مكونات طائفية بحتة جمهوراً وتفكيراً حتى تكلست قواعدها وقياداتها بمناخ طائفي. فكان الحكم الشيعي مهيناً على الحياة السياسية والاقتصادية والدينية.

من هو الخائن؟

   هو الذي نذر نفسه للأجنبي المعادي بأن يكون عميلاً يخدم ويحقق مآربه واطماعه وتسلله في احشاء المجتمع من أجل السيطرة عليه ونهب خيراته، بمعنى انه المطية التي يمتطيه الأجنبي الطامع أو المعادي لبلده يقال عنه بالذيل واحياناً بـ (الطابور الخامس)، بمعنى يقوم الخائن بخدمة دولة أجنبية وتحقيق أجندتها على حساب مصلحة دولته التي ينتمي اليها مما يؤدي الى المساس بأمن بلده واستقراره أو الاضرار بمركزه السياسي بغرض التخريب والتضليل وإشاعة الفوضى وزعزعة شؤون البلد.

    هناك حديث نبوي شريف بخصوص الخيانة، كان رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يقول: “اللهم إني أعوذ بلك من الجوع فأنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة”.

  والخائن لوطنه يلفظه وطنه ويلعنه أهله فلا أرض وطنه تقله ولا سماؤه تظله. إذ إن خيانة الوطن جريمة لا تغفر ومن يَقدم عليها وخاصة من يضعون اياديهم في أيدي العابثين المفسدين ويعينوهم على العبث بمقدرات بلدهم وزعزعة استقراره.

في الواقع تختلف كلمة الخيانة بحسب أحداثها وشخوصها وأماكنها لكنها تتفق في أمر واحد وهو ان الخائن يبيع قيمته كإنسان من أجل مقابل ما وفي أغلب الأحوال ما يبيعه الخائن أما شرف أو ذمة أو دين أو وطن.

6 – ظاهرة الاستقواء بالأجنبي ناتج عن استبداد الحاكم الضعيف

  سادت ظاهرة سياسية غريبة وشاذة في المجتمع العربي بعد الربع الأخير من القرن الماضي وهي ظاهرة لجوء الأقليات العرقية والطائفية والحزبية السياسية العربية الاستنجاد والاستقواء بالأنظمة السياسية والأجنبية مثل الأنظمة الإيرانية والأمريكية والبريطانية والإسرائيلية والتركية والسعودية من أجل التخلص من سياسة الاستبداد الفردي والفئوي الذي يمارس سياسة التحيز والتعصب للحاكم العربي على حساب حرية وكرامة المواطنين الذي مورس عليهم مثل التهميش والاستبعاد في ممارسة حقوقهم الوطنية. فكان الحاكم العربي مركزاً سياسته على الدفاع عن حكمه واقصاء معارضيه ومخالفيه في سياسة الحكم مما دفع بهم نحو اللجوء الى ان يكونوا عملاء للأجنبي الطامع ببلدهم دون شعورهم بالخزي والعار بخيانة بلدهم التي تعد وصمة عار عليهم فانتشرت حالة الاستقواء بالأجنبي والتحالف معه من أجل الوصول الى السلطة وإزاحة الحاكم المستبد الذي لا يملك قاعدة شعبية لحكمه.

وبسبب الأجهزة الأمنية القمعية الخاصة بالحاكم العربي فضّلَ هؤلاء المستبعدين التآمر على حاكمهم وعدم عدَّه خيانة وطنية وهنا يكون استبداد الحاكم دافعاً قوياً للمستضعفين والمهمشين باللجوء الى الطامع في بلدهم وخيراته الذي لم يراعي في حكمه بذر الروح الوطنية عندهم بل ركز على تعزيز حكمه والدفاع عنه لكي يتسرمد فيه.

   برزت هذه الظاهرة بين الأوساط السياسية العربية بدون خجل وحياء لأنهم لم تحترم وطنيتهم ولم تتساوى حقوقهم مع واجباتهم. فالحاكم المستبد لم ينمي تنشئة شعبه بالروح الوطنية بل ربط الوطن باسمه وهذا ربطاً غير وطنياً وغير أخلاقي لأنه يشجع على ويدفع بالمستبد عليهم الاندفاع نحو الأجنبي والاستنجاد به لكي يحصل على حقوقه الوطنية المسلوبة منه فكان نتيجة ذلك التآمر عليه من الخارج وإزاحته عن سدة الحكم ووصِم المسلوبة وطنيتهم بإنهم عملاء وخونة لا يتشرف بها العربي لذا وجدنا العديد من الدول العربية تدخلت في احشائها الكثير من الموالين والأذناب والعملاء للأجنبي طيلة عقود من الزمن تارةً تتحكم فيها الأذرع الفارسية وتارةً أخرى أمريكية والإسرائيلية والبريطانية فغابت الروح الوطنية عن الحركات السياسية العربية. لا مرية إذن من القول بإن هذا الغياب نتج بسبب تفرد وتعجرف واستبداد وظلم الحاكم العربي فحصل الغزو الأمريكي للعراق والتغول الفارسي في سوريا ولبنان والعراق واليمن والبحرين والتدخل العسكري التركي في ليبيا وغيرها.

    أنها حالة مرضية شائكة لا تليق بالمجتمع العربي ولا بمثقفيه ولا أجهزته الأمنية والعسكرية. لكن مع حصول الربيع العربي وانتفاضة الشباب العربي بأكثر من دولة عربية طمع فيها الطامعين فتمددت الأذرع الأجنبية فيها فسادت الحروب الاهلية وتعددت المليشيات المسلحة وتنوعت العصابات الإجرامية المتلبسة بالدين والطائفية والقبلية، كل ذلك بسبب استبداد الحاكم العربي وعدم اهتمامه بتنمية الروح الوطنية في شعبه بل تركز فقط على ربط الوطن به مما زاد اعداد المطايا للأطماع الأجنبي لكي يزيحوا حكامهم المستبدين والمتسلطين.

    باختصار شديد، لوكان الحكام العرب يراعوا الروح الوطنية عند أبناء شعوبهم ولم يربطوها باسمهم ولم يهمشوا أبناء مجتمعهم ويستبعدوهم عن المواقع الهرمية المسؤولة لما حصل الاستقواء بالأجنبي ولم يلجؤوا الى العمالة له. أنها أزمة سياسية واخلاقية اساءت للعرب وتاريخهم وثقافتهم الاجتماعية.

   بعد هذا الاستدلال أدلف الى مدار هذا الاستقواء الحديث الذي طغى على معظم البلدان العربية ابدأها من اعتماد النظام الإيراني على توظيف وتجنيد العديد من العراقيين والسوريين واللبنانيين والبحرانيين واليمنيين والمصريين والمغاربة في كسب ولاءات هؤلاء العملاء الخونة لبلدانهم ومجتمعهم وقوميتهم ودينهم لخدمة مصالح الاطماع الإيرانية في نشر دعوة ولاية الفقيه وزعزعة الأنظمة العربية وتقزيم سياستها العربية من خلال اغراءاته المالية والنفوذية وتنظيمهم على شكل منظمات مُسلحة في إشعال فتيل الفتنة الطائفية من أجل تمزيق النسيج العربي وتقويض الأنظمة العربية التي لا تختلف معه في السياسة الدكتاتورية الشمولية Totalitarian المحتكرة لجميع موارد الدولة ومصادرة حرية وإرادة شعوبها، ومن خلال هؤلاء العملاء العرب تم تشكيل ميليشيات مسلحة بعلم من الحكومات العربية لكي تحكم في القرارات السياسية المحلية.

    الملفت للانتباه هو لماذا حصل هذا مع بعض العرب؟ ولم يحصل عند الإيرانيين؟ هل الإيرانيين أفضل حال من العرب في مواطنتهم؟ أم أن وطنيتهم لإيران أقوى من وطنية العرب لبلادهم؟ أم أن النظام التعسفي والاستبدادي الذي تمارسه الأنظمة العربية السياسية هي التي دفعت هؤلاء لكي يكونوا عملاء وخونة لبلدانهم؟ أم أن كفاءة ومهارة الأجهزة الاستخباراتية الإيرانية أكثر ذكاءً وحنكة ودهاء من الأجهزة الاستخبارية العربية، هي التي أفرزت هذا التغول الإيراني في البلدان العربية؟

   الجواب هو أن ضعف الوازع الوطني أو عدم وجوده عند هؤلاء الذي صنعه حكام العرب هو الذي جعل الاستخبارات الإيرانية تفوقها في هذا المضمار، بمعنى ان هذا الضعف الذي صنعته الأنظمة السياسية العربية وانشغالها في تحكمها المستبد على شعوبها هو الذي فتح الباب أمام الأجهزة الأمنية الإيرانية في تجنيد الاف العرب لخدمتهم والاستقواء بهم وخيانة بلدهم فباتوا مطايا مسخرة لها.

أنها مشكلة وطنية تتحملها الأنظمة السياسية العربية التي تكررت أكثر من بلد عربي (العراق، سوريا، لبنان، البحرين، اليمن، مصر والمغرب العربي) انه افراز مخزي ومعيب قامت به الأنظمة العربية السياسية المستبدة التي جعلت من هؤلاء ان يكونوا عملاء لإيران وأمريكا وإسرائيل.

نبدأها من العراق الذي دخل في حرب شاملة مع إيران وكلا النظامين الإيراني والعراقي يمثلان النظام الشمولي. دامت هذه الحرب ثمانية سنوات التي لم تحدث فجأة أو اعتباطاً بل مخطط لها من قبل الطرفين، فحكم الخميني كان يدَّعي تحرير القدس ومحاربة إسرائيل وتصدير عقيديته الشيعية المطالبة بولاية الفقيه ومن خلالها استطاع ان يخترق المجتمع العراقي عبر تشكيله أذرع متألفة من العراقيين وليس من الإيرانيين (كان ذلك أبان حكم صدام حسين) لمحاربة نظام صدام القومي في شعاراته وحزبه وعلى الرغم من وجود معاضة من العرب الإيرانيين في الاحواز والكرد والتركمان في إيران وعدم رضوخهم لحكم خميني لم تبادر الأجهزة الأمنية العراقية أن تشكل ذراع عراقي داخل إيران من هؤلاء المعارضين لخميني طيلة الحرب معها وكان الشيعة العرب في العراق يدافعوا عن العراق وعن نظام صدام حسين مع وجود عناصر شيعية عراقية في القيادة العسكرية والسياسية والحزبية في العراق لكن ليس لديه قدرة أو مهارة أو فن استراتيجي  ولوجستي استخباراتي بالدخول الى المجتمع الإيراني بل ولم يفكر ان يفتح إذاعة عراقية تذيع باللغة الفارسية ولا حتى قناة تلفازية فضائية تبث الى المجتمع الإيراني ضد النظام الخميني. بينما استطاع نظام الخميني أن يجند الاف العراقيين داخل العراق ويوجههم ضد الحكم البعثي. معنى ذلك ان لإيران القدرة والمهارة الفائقة في تجنيد ذخيرة بشرية عراقية في تنفيذ مآربها وتخريب اقتصاد العراق وتفجير أبنيته وإفساد مؤسساته ونظام حكمه رغم ما لديه من أجهزة استخباراتية وأمنية منظمة وموالية له لكن ليس لديها إمكانية استخباراتية للعمل في إيران ضد نظامه المعادي له. وهذا يعني ان لدى إيران خبرة في اخراط وتوظيف واختيار عملائها في العراق وجعلهم أذناب ومطايا له فنجحوا في ضربهم هذا بحيث استطاعوا هؤلاء الأذناب والذيول ان يصلوا الى سدة حكم العراق بدءً من رئيس الوزراء مروراً بالوزراء والمدراء العاملين والأجهزة الاستخباراتية والأمنية وانتهاءً بالجنود والشرطة وتسخير جميع مقدرات وثروات العراق لخدمة النظام الإيراني. وقد حاول صدام حسين ان يكشف بعضاً منهم، لكن السؤال الذي ينطرح هنا لماذا خضع هؤلاء العملاء لإيران وهم تحت مراقبة أجهزة الأمن العراقية؟ هل يرجع الى عدم وطنيتهم للعراق؟ أم عدائهم للقومية العربية؟ أم انهم عاطلون عن العمل؟ أم لسذاجة معرفتهم بالعقيدة الشيعية؟

   هذه ظاهرة اجتماعية وطنية جديرة بأن تدرس من قبل علماء الاجتماع والنفس لمعرفة لماذا استطاع الإيرانيون تجنيد وتوظيف مالم يستطيع النظام العراقي القيام به؟ أنها ثغرة في النظام السياسي العراقي وفي أجهزته الأمنية علماً بإن المجندين العراقيين في تزايد ومدعومين مالياً وعسكرياً من النظام الإيراني لدرجة ان هؤلاء العملاء العراقيين قاموا بنهب ثروات العراق ومعامله ومصانعه وتقديمها لإيران بل قاموا باغتيال العراقيين من المثقفين والعلماء والأطباء والمهندسين والطيارين والقادة العسكريين تنفيذاً لأوامر حاكم إيران فكانوا أكثر عداءً للعراق وللعراقيين من الإيرانيين وكأنه ليس بلدهم وليسوا من أبنائه.

     ديدني من طرح هذا الموضوع هو ان النظام السياسي العراقي كان يحمي حكمه فقط وليس حماية بلده من الاطماع الخارجية الإيرانية أو الأمريكية فأهمل تنمية الروح الوطنية عند المواطنين العراقيين ولم يبلور فنون العمل الاستخباراتي خارج بلده مما سمح ذلك الاهمال الى فتح الباب أمام العدو الخارجي بمد ذراعه أو أذرعه الى الداخل ويقوم بتقويض نظامه واركاعه لاستعماره.

    نتحول بعد ذلك الى الشأن السوري الذي فيه توغل وتغول للأذرع الإيرانية بشكل مفتوح ومسموح ومدعوم مقابل تعاونه مع النظام البعثي ودعمه ومدّه بالبترول والدعم السياسي والعسكري والطائفي لدرجة ان النظام السوري سمح لتشكيل كشافة إيرانية في سوريا مجنده أطفال المدراس الابتدائية في تنشئتهم وفق مبادئ ولاية الفقيه ودعم النظام الإيراني في اجهاض الانتفاضة الشعبية الحرة في سوريا واستخدام اجوائه وأرضه لتمرير الأسلحة والمقاتلين الإيرانيين الى لبنان ودعم مليشيات حزب الله اللبنانية.

    أما في الشأن اللبناني فإن الصورة أكثر وضوحاً بسبب دعم وتعزيز النظام الإيراني لحزب الله مالياً وعسكرياً وسياسياً لدرجة ان زعيم هذا الحزب (حسن نصر الله) يصرح بكل وقاحة بإن ولاء حزبه لولاية الفقيه أكثر من ولائه للبنان والجميع يعلم ما عملته هذه المليشيات من تدمير وحروب أهلية في لبنان وجعله يخسر موارده السياحية وسمعته الدولية الطيبة.

   والحالة أكثر جسارة في اليمن مع الحوثيين الذين يعترفوا بإنهم وكلاء للنظام الإيراني في اليمن ومحاربة السعودية عسكرياً وشعبياً مع تمزيق النسيج الاجتماعي اليمني. ثم هناك محاولة قاسم سليماني في مصر في تشكيل الحرس الثوري الإيراني في مصر وكذلك في البحرين. هذا التغول الإيراني الكاسح في هذه البلدان العربية لم يكن وليد الساعة بل استمر أكثر من عقدين من الزمن.

    هذه الأذرع الإيرانية المجندة للشباب العربي في خدمة أطماع ولاية الفقيه واسترجاع هيمنة الإمبراطورية الفارسية وإذلال العرب باسم الدين ماهي سوى نتيجة عدم عدالة حكام البلدان العربية لشعوبها وممارسة التميز الفئوي وتقديس نفوذ الحاكم المستبد المتفرد مما دفع بالكثير من أفراد شعبه ان يستقووا بالأجنبي (إيران، أمريكا، وتركيا) للتخلص من ظلمه واستبداده، لكنهم لم يوقنوا او لم ينظروا الى أطماع هذا الاستقواء ببلدهم فكان حلم إيران وعدائها للعرب ان تستثمر هذا الضعف الوطني لتقويض الأنظمة العربية واستنزاف طاقاتها الوطنية وثروتها الغنية عبر تحويل هؤلاء الفاقدين للروح الوطنية والنازعين للانتقام من حاكمهم الظالم. انها كارثة وطنية يتحملها الحاكم العربي المستبد والمهتم بدعم حكمه بالداخل فقط غير عابئ للدفاع عن وطنه من الطامعين ببلده فحصد ما زرع.

    لا أريد ان أغادر هذا الموضوع مالم أسجل الاستنتاج التالي الذي مفاده: أن المستنجد بالأجنبي والمستقوى به لا يستطيع أن يكون ذراعاً في مجتمع المستنجد به لأنه نذر نفسه ان يكون مطية وذيل تابع له خانعاً ومطيعاً لأوامره وطلباته وهذا ما حصل فعلاً لحزب الدعوة الشيعي العراقي والتيار الصدري والحكمة وعصائب الحق وحزب البعث العربي السوري وحزب الله اللبناني والحوثيين في اليمن أمام التغول الإيراني فباتوا دعاة وأبواق وخدام لحكام إيران لدرجة أنهم كرسوا كل جهودهم لإرضاء رموز النظام الإيراني لكي يستمروا في دعمهم وتعزيز مواقعهم الرسمية. أنها وصمة عار على هذا التنظيمات التي يطلق عليها عربي وإسلامية.

           

الفصل الثاني

التقويض المقصود للمنظومة المجتمعية

 

   1 – عدم التماهي مع الضوابط الاجتماعية

   2 – تجويف التدرج الاجتماعي

الفصل الثاني    

التقويض المقصود للمنظومة المجتمعية

 

    نتناول في هذا الباب بعض الممارسات الفوقية التي قامت بها الزمرة الحاكمة واتباعها من أحزاب سياسية طائفية ذات المليشيات المسلحة المدفوع أجورها ورواتبها من ميزانية الدولة، جلّهم من البلطجية والعاطلين عن العمل والمندمجين في الحشد الشعبي والأمن الحكومي يقوموا بتنفيذ توجيهات امرائها المستخدمين من قبل الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني فضلاً عن ما يسمى بأذرع الحكومة العميقة المتوغلة في مؤسسات الدولة لخدمة أوامره الزمرة الحاكمة نيابةً عن الحكومة الإيرانية، جميعهم قاموا بتلويث معتقدات ومعايير وقيم المجتمع بتقويض قواعدها القويمة لكي يهدموا ما أنشأته الثقافة العراقية العربية لكي يمهدوا لبسط حكمهم الطائفي الجائر ويقوضوا التراتب الاجتماعي social stratification السليم ليحلوا محله تراتب اجتماعي مريض وشاذ يتناسب مع مقومات المنظومة القيمية منها: –

1 – عدم التماهي مع الضوابط الاجتماعية

  لا يستطيع المجتمع العراقي العيش بدون ضوابط اجتماعية تقود سلوكياته وتوجه مساراتها في الحياة الاجتماعية لأن وجوده من وجودها. ومن أجل بقاء العراقي في مجتمعه يتطلب منه ان يتماثل مع ضوابطه حتى يحصل على مكانة اجتماعية فيه وعند عدم تماثله معها يُعّد منحرفاً وخارجاً عنه في نظر المجتمع إذ أن للفراد العراقي أسرة وعلاقات وجماعات وتنظيمات ينتمي اليها لديها مبادئ ومعايير تعبّر عن حاجاتها وطموحها، عند إذ عليه ان يتماثل (يتماهى) معها لكي يكون في وسطها.

    بمعنى انها تمثل متطلبات نواميس عيشه تكسبه تنظيم مشاعره وتفكيره فيمارسها طواعية وليس قسراً فلا يعيش منعزلاً وهنا تكمن قوة المجتمع العراقي على افراده. إذن تقوم هذه الضوابط بتضامن المجتمع من خلال القواسم الضبطية المشتركة ومنح متماهيها مكانة واعتبار اجتماعي متميز.

  فالعراقي الذي لا يتماثل مع ضوابط المجتمع العراقي العرفية والوضعية لا يعتبر عراقياً بل خارجاً ومنحرفاً عنه ومرفوضاً منه. أقول يكون امتثال العراقي للمجتمع العراقي من خلال تماثله لضوابطه الاجتماعية social control ويعني انسجامه مع المتمثلين معها والعكس صحيح.

    لا جرم إذن من القول بإن هذا الامتثال يقع عبر تفاعله مع حاجات المجتمع ومتطلباته. لكن المعروف عن الشباب أنهم أقل تماثلاً مع  هذه الضوابط على عكس جيل الكبار المسنين الذين يكونوا أكثر تماثلاً وولاءً والتزاماً بمعايير المجتمع، إلا ان الحالة في المجتمع العراقي الحديث بعد الاحتلال الأمريكي والاستعمار الفارسي حصل العكس فكانت الأقلية اللقيطة وجلَّهم من كبار السن والمعمرين أكثر خرقاً للضوابط الاجتماعية العرفية والوضعية فعملوا على تهميش وتميع وإذابة مكونات الضوابط العرفية من أجل بقائهم بالسلطة بيد أن جيل الشباب العراقي كانوا متمسكين ومتشبثين بالضوابط الاجتماعية العرفية والمدافعين عنها فكان ذلك لب ومفتاح الصراع بين الشباب العراقي وجيل المسنين الذين اسميتهم بـ (الأقلية اللقيطة) لأنها ليست أبنة الضوابط الاجتماعية فحصل ما يلي: –

1 – سلخ الاكراد من عراقيتهم.

2 – تعزيز النزعة القومية العنصرية عند أبنائها.

3 – ايقاظ حلمهم بإنشاء وطن قومي خاص بهم.

4 – اشعال فتيل الطائفية بين السُنّه والشيعة وإعلان المحاصصة الطائفية والعرقية.

5 – تهجير المسيحين والأزيدين والشبك.

6 – افراز ما عرف بالحواسم (أفراد أثروا من خلال عمليات نهب البنوك ومؤسسات الدولة بعد الاحتلال) مع خلق فئة ثرية من خلال عمليات التعاقد مع الحكومة العراقية الوليدة والفاسدة ليس له جذور طبقية في التدرج الاجتماعي العراقي.

7 – استبدال روح المواطنة بالولاء الطائفي والعرقي.

8 – زعزع ثقة العراقي بمجتمعه عبر تأجيج النعرة الطائفية والعرقية.

9 – نشر الرشوة والتزوير والاحتيال والزنا بالمحارم والطلاق.

10 – تفشي التجسس لحساب المحتل والمستعمر والتعاون معه مع نهب وسلب وحرق ممتلكات ووثائق الدولة العراقية وقتل وتهجير المواطنين.

11 – تعزيز الانحلال المعياري (الأنومي) الذي مثل تحلل الضوابط العرفية.

12 – الصراع الأهلي حلَّ محل التجانس الاجتماعي.

13 – ممارسة تنشئة طائفية وعرقية متعارضة مع الوحدة الوطنية.

   غني عن البيان يفضي هذا الموضوع الى ابانة واستجلاء فاعلية الضوابط الاجتماعية فيما يخص الحلال والحرام والممنوع والمسموح والتقديس والتحقير والتقدير والازدراء والنعوت والوصم والنبذ والاعتبار الاجتماعي، جميعها كانت متضمنة في الثقافة العراقية عندما كان المجتمع العراقي غير محتل ومستعمر لكن عندما تم اسقاط نظامه السياسي وتم اجتثاث أعضاء الحزب الحاكم وحلَّ التنظيم العسكري والأمني من قبل المحتل الأمريكي حصلت البطالة وانتشر الفقر وتوسعت الفجوة بين الفقراء والأغنياء الجدد وتفككت الأسرة العراقية اقترن ذلك مع توغل وتغول الأذرع الإيرانية في احشاء المجتمع العراقي ومؤسساته الحكومية. ولا جناح من الإشارة الى عداء وكره وانتقام الحكومة الإيرانية للعراق والعراقيين الذين حاربوه لمدة ثمانية سنوات وبالذات من البعثيين وأفراد الطائفة السُنيّه ومع طموحهم وطمعهم في نهب خيرات العراق واستغلال العواطف الشيعية عند العراقيين في ممارسة العزاءات في المناسبات الشيعية في شهر عاشوراء، عمدوا وبكل خباثة ومكر دفينين للعراقيين ان يقوموا بتنصيب عملائهم في قمة الهرم السياسي والاقتصادي والأمني والتربوي والتجاري والصناعي لينفذوا سياستهم الفاسدة فحصل الانفلات الأمني في عموم العراق.

    كل ذلك أدى الى شيوع حالات الانحراف عن الضوابط الاجتماعية فتغيرت المعادلة الضبطية فما كان حراماً أصبح حلالاً وما كان ممنوعاً بات مسموحاً وما كان منبوذاً أضحى معتبراً اجتماعياً وما كان محترماً أمسى ذليلاً ومحتقراً. بمعنى أصبحت الرشوة والتزوير واستغلال النفوذ والغش والابتزاز والاحتيال والادمان على المخدرات والزنا واللواط وصالات القمار من المسموحات بعدما كانت من الممنوعات ومرفوضة من قبل الضوابط العرفية والوضعية قبل عام 2003م.

    مرّد ذلك يرجع الى تقويض وتهديم آليات الضبط الرسمية الأقلية اللقيطة (الحاكمة) على ذلك من عدم محاسبة المجرم والقاتل والمرتشي والإرهابي والغشاش والمزور. معنى ذلك ان المعايير العرفية Norms التي كانت تمثل القواعد الأساسية للسلوك المدعوم من قبل العراقيين مثل الأمانة والاستقامة والصدق والنزاهة والشهامة والحشمة والحياء جميعها تمثل القواعد السلوكية المتعارف عليها بين العراقيين شفاهةً وضمناً لا دخل للقانون والحكومة فيها.

  ولما بات المجتمع العراقي بعد الاحتلال الأمريكي والاستعمار الفارسي خاضعاً لهما لفترة أكثر من ستة عشر عاماً عندها عاش المجتمع العراقي بضنك اقتصادي ومستوى عيش غير مرفه ولا مزدهرة عندها أمست الآداب العامة mores غير واردة وأضحى سلوك الفرد العراقي بعيداً عن التمدن والتحضر فاضحت الرشوة ضرورة مهنية لا يخجل منها الموظف لأن اللقيطة الحاكمة تقوم بها بشكل علني دون أن يحاسبها قانون أو قضاء وكان التزوير في الوثائق والمستمسكات تمارس جهراً لا توجد جهة رسمية تعاقب عليها كذلك المجرم لا تلاحقه الشرطة بل تتعاون معه وتشاطره في ذلك.

   أما النزاهة فهي حبر على ورق حيث يتم التصريح بالانحراف عن القانون والضوابط الوضعية إنما لا تتم محاسبته لأن كبار المسؤولين غير نزيهين.

  نأتي الان الى مكون أخر من مكونات المنظومة الضبطية وهو “المعتقدات الدينية Beliefs” التي قام بتحريفها وتشويهها القائمين على المؤسسات الطائفية الشيعية والسُنيّه معاً وكان هذا مد تيارات الفساد الذي جرفها غياب القانون والأمن ودعم الحكومة لكل تزييف وانحراف وإجرام دون أن تحاسبها سلطة الاحتلال ولا الاستعمار الفارسي بل كانت تُدعم من قبل رجال الدين من أجل استغلال جهل وأمية الدهماء والرعاع في الثقافة الدينية لكي تبقيهم على انغلاقهم الديني وجهلهم المعرفي وعدم تنويرهم.

   من أبرز ما قامت به الأقلية اللقيطة ابان حكمها للعراق وبتوجيه من الحكومة الإيرانية التركيز على المعتقد الشيعي في شهر عاشوراء من خلال ممارسة التطبير في السبايات كطقس شيعي مقدس وهو من البدع الفارسية التي استغلت العاطفة عند الشيعة في ممارسة سلوك جمعي لا يقره الدين الإسلامي ولا المذهب الجعفري بل يمثل تقليد تشيع صفوي رفضه العديد من مفكري هذا المذهب أمثال الشيخ مرتضى المطهر وعلي شريعتي وأبو الحسن الموسوي الاصفهاني والسيد مهدي القزويني والسيد محسن الأمين الذين حرَّموا التطبير وارقاء الدماء. لكن الأقلية اللقيطة دعمت التطبير واستخدام السلاسل الحديدية والسكاكين الكبيرة (تدعى القامات) في ضرب الجسد والرأس بحجة الحزن على قتل الحسين عليه السلام، انها ممارسة دخيلة ومرفوضة من قبل رموز المذهب الجعفري.

    أقول إن هذه الزمرة اللقيطة شوهت المعتقدات الشيعية فأعطت صورة لا تليق بالشيعة العراقيين لأنها دموية وغير إنسانية ولا مذهبية لأنه طقس تقويضي واشغالي يشعل الفتنة. ولكي أوضح أكثر عن هذا التحريف المعتقدي الذي اساء وأضر بسلوكية وطقوسية الشيعة العراقية أطرح ما قدمه المؤرخ إسحاق النقاش في كتابه (شيعة العراق في حقبة تاريخ وأصول التطبير للشيعة) حيث أكد على ان في كتاب (أول من أدخل التسوط أي ضرب الجسد بالسلاسل وشق الرؤوس بالسيوف الى النجف الأشرف في العام 1919 هو الحاكم البريطاني الذي خدم سابقاً في كرمنشاه ونقل الممارسة الى العراق عبر الهنود الشيعة بهدف اضعاف الحوزة حينها وكشفت بريطانيا عن ذلك في العام 1970 في كتاب (دليل الخليج) لمولفه ج. لوريمر. واضعاف الحوزة مرده الى تأثيرها القوي على الشارع وبالتالي قدرتها على تقويض الاحتلال البريطاني وانهائه فكان لابد من الهائها.

   يعد التطبير طقساً مستحدثاً عند الشيعة وصلتهم من وفود الزوار من الهنود الشيعة ممن حملوا معهم هذه الطقوس الى كربلاء اثناء زيارتهم لضريح الامام الحسين عليه السلام. لم تقتصر البدع على ضرب الرأس بل تجاوزتها للزحف على الأرض حتى ادماء الوجه. نقل المفكر علي شريعتي في كتابه (التشيع العلوي والتشيع الصفوي) أن إسماعيل الصفوي حاكم إيران استحدث وزارة خاصة بالشعائر الحسينية وأرسل وزيرها الى القفقاز (القوقاز) للاطلاع على الشعائر الدينية حيث توجد فرقة مسيحية (من الارثودوكس) تقوم بالتطبير احياءً ليوم يسمونه (مصائب المسيح) ففكر ان هذا ما يجب ان يفعله الشيعة لإحياء (مصائب أهل البيت عليهم السلام) وبالخصوص (ذكرى عاشوراء) ودرس إمكانية نقل هذا الطقس الى إيران.

     أما الشيخ مرتضى المطهري فالتقى مع شريعتي في التحليل وكتب كتابه (الجذب والدفع في شخصية الامام علي عليه السلام) ان التطبير والطبر عادات ومراسم جاءتنا من الارثودوكس في القفقاز وهم مسيحيون وسرت في مجتمعنا كالنار في الهشيم والقوقاز هي منطقة تقع بين أوروبا وأسيا.

   نجح الاحتلال البريطاني للعراق في اشغال الحوزة بحروب جانبية حالت دون مكافحة هذه الظاهرة إضافةً الى المناوشات بين الحوزة والعثمانيين وتهديد الوهابيين من العام 1902 الى العام 1922 حيث وصلوا لحدود كربلاء مما أدى لتعدد البدع وممارستها.

مع ذلك حارب العلماء ظاهرة التطبير ففي عام 1920 أصدر المراجع والعلماء أبو الحسن الموسوي الاصفهاني في النجف الأشرف والسيد مهدي القزويني في البصرة والسيد محسن الأمين العاملي فتاوى تحرّم التطبير وارقاء الدماء في مظاهر الحزن على الحسين عليه السلام وقد دفع مرجع الطائفة (السيد أبو الحسن الاصفهاني) ثمناً باهضاً لفتواه بتحريم التطبير إذ قام احد أصحاب مواكب التطبير ودعاته وهو طالب في حوزة المدعو القمي بذبح السيد حسن أبن المرجع السيد الاصفهاني انتقاماً للشعائر. ثم رَّوجَ زعماء ودعاة التطبير بينهم رجال دين من حوزة معروفة بإن الحادث كان سببه رفض المرجع إعطاء مساعدة مادية للمجرم (القمي) وهو ادعاء كاذب هدفه طمس الحقيقة فلا أحد يقتل شاباً بريئاً من أجل مساعدة لم يحصل عليها ولكن للتغطية على من قام بدفع هذا الشقي لارتكاب الجريمة وقطع الطريق على التحقيق وإثارة الناس. أما اية الله السيد محسن الأمين فقد تمت مضايقته في كل شارع يمر به منه ثم قاموا يوم العاشر من محرم بتوزيع الماء مجاناً في كربلاء وهم يهتفون اشرب الماء وألعن الأمين بدلاً من (يزيد) تماماً كما لعنوا المرحوم الشيخ الدكتور أحمد الوائلي في زماننا هذا.

    لقد اوردنا هذه الظاهرة من أصولها وكيف وصلت الى العراق وكيف دأبت الزمرة الحاكمة وبتوجيه من الحكومة الإيرانية بالهاء الشيعة في العراق بهذا الطقس (علماً بإن شيعة إيران لا تقوم بهذا الطقس) وجعلهم يمارسون سلوكيات معتقدية لا تبعث على التحضر والتمدن والسمو الطقوسي بل النكوص للتخلف والعنف العلني بممارسات لا تمثل روح العصر الحديث المتصف بالسلوك الشفاف والعلمي والتثاقف العصري وليس الارتماء في أحضان الماضي السحيق الذي لا يقره العقل الراجح ولا الأعراف الدينية وهذا تشويه للذات الشيعية ذات النزعة المتفتحة والمتنامية والمؤمنة بمحاربة الظلم والقهر الجمعي لأنها تتميز بالعقلية الرشيدة والانفتاح على العالم المتمدن، انها ممارسات لإبقاء الطائفة الشيعية غارقة في معتقدات خرافية ظلامية غير متنورة من أجل استمرار الطغمة الحاكمة اللقيطة ذات الطابع الفارسي في نهب ثروات العراق وافساد المجتمع والهائه في طقوس غير مجدية ومثمرة بل لاهوتية سقيمة.

    بعد ذلك أعرج الى عنصر أخر من عناصر الثقافة الاجتماعية التي تم استهدافها في التقويض والتفكيك وهي القيم Values التي تحدد ما هو مرغوب فيه وما هو غير مرغوب فيه او ما هو مناسب أو غير مناسب لسلوك العراقيين دون استثناء، فقد تم خنقها وعدم الأخذ بها مثل الزواج من الفتاة القاصر الذي بات مسموحاً به بعد ما كان مرفوضًا، وخدمة الوطن عبر الوفاء والإخلاص بالعمل أضحى هذا غير وارداً فحل محله الولاء لإيران وأمريكا علناً وأصبحت سرقة المال العام حالة متنافسة بين افراد الأقلية اللقيطة الحاكمة من أجل الاثراء غير الشرعي وأصبحت العمولات يتم اخذها في كل عملية تجارية بعدما كانت ممنوعة رسمياً وعرفياً واصبح الاتجار بالمخدرات علناً وجهراً تمارسه فئات مسؤولة وحاكمة مما أدى ذلك الى انحراف الشباب. بتعبير أخر، حصل انحراف عن الالتزام بالقيم الاجتماعية التي كانت سائدة قبل عام 2003م.

   على الجملة آيتي من هذا الطرح والتناول هو حصول انحراف قيمي مقوض لآدب ومعتقد غير مسبوق وكل ذلك يرجع الى عدم وجود جهة أو قوة رسمية وطنية تحمي وتعزز مكونات الضبط الاجتماعي في العراق بل في الواقع هي (الحكومة المرتزقة) التي تشجع على ذلك وتحث اعوانها وأذيالها وعملائها بالقيام بها من أجل تحنيط المجتمع العراقي من ضوابطه لكي لا تجعل من المجتمع العراقي بأن يكون له معايير قيمية سديدة وضوابط إنسانية سمحة لا يسوده الانحراف والإجرام والصراع.

    لا جرم بعد ما تقدم أن نشير الى ان مثل هذه الممارسات اللاضبطية لا تجعل من العراقيين ان يكون عندهم رادع داخلي مستقر في دخيلته (في وعيه) أو حتى في لا وعيه لأنه يرى امامه عليّة المجتمع يمارسوا الانحراف والإجرام والفساد والتسويف والتشويه والتحريف وعدم احترام الدين والثقافة الاجتماعية وحقوق الاخرين وتجاوزهم عليهم وبالذات عندما لا يوجد قانون رسمي يمنعهم من ذلك وعدم معاقبتهم على ما يقترفونه من انحراف وقتل وإجرام عند ذلك يصبح المجتمع أشبه بشريعة الغاب يكون القوي هو الذي يبرز في المجتمع الفاسد والمجرم هو الذي يُحترم من قبل المؤسسات الحكومية. أقول أصبحت عليّة المجتمع تمثل فايروس بسبب أمراض اجتماعية في المجتمع فأضحى المجتمع العراقي (مجتمعاً مريضاً) يحتاج الى إدخاله في غرفة الإنعاش أو العناية المركزة.

    ومن نافلة القول إن أكثر دوائر الحكومة فساداً وانحرافاً وسرقة هي مديرية الجمارك والعقارية والرؤساء الثلاثة (الجمهورية والحكومية والبرلمانية) لا تصلها الرقابة والمحاسبة والقضاء.

ومن الأمثلة الأخرى على فساد الطغمة الحاكمة العميلة لإيران واللقيطة اجتماعياً والمنزوعة من الروادع الأخلاقية والقيمية والدينية (أي متحللة وطنياً واخلاقياً وإنسانياً) لا يهمها المصلحة العامة للناس ولا للعراقي كمواطن ولا للعراق كوطن لأنها في الواقع تتضمن شخوص ساقطة وزائفة فيما تدعيه من مبادئ واخلاق حميدة لأنها لم تعيش في بيئة ومحيط وطني سوي ونزيه وقويم متطبعة بطبائع دنيئة ورخيصة وقذرة لا تستطيع ان تحيا في أجواء اجتماعية خالية من السرقة والاحتيال والإجرام مثل الاختلاس والرشوة والتزوير والغش والخداع والابتزاز واستغلال النفوذ من أجل الحصول على أموال بطرق غير شرعية وسبل احتيالية مزورة، لذلك فإن من صالحها أن تقوم بتميع وابهات وتوهين أخلاقية الشرائح النكرة اجتماعياً والمنحدرة من أوساط فقيرة وعاطلة عن العمل وذات سوابق إجرامية كمعاونين ومحامين لهم تغدق عليهم المال والمناصب لمساعدتهم في تنفيذ جميع تصرفاتهم الفاسدة في الاحتيال والقتل والتزوير، كل ذلك يبرز في عدم جدية تصريحاتهم في التنمية والبناء والإصلاح فلم يحصل ان قاموا بمشاريع تنموية طيلة حكمهم بل قاموا بتفكيك المصانع واغلاق المعامل واهمال الزراعة والتعليم مع تميع المسيرة التعليمية لجعلها خاضعة للتجهيل المعرفي بقصد وتخطيط سواء كان تدريسياً أو دوامياً أو بحثياً فتحولت المدارس والكليات والجامعات الى مباني فقط وليست مؤسسات لها وظيفة تعليمية أو تربوية مما أرجعوا العراق والعراقيين الى الوراء عدة عقود من الزمن وضاعفوا من جهالة شعبه فتدنت الحركة الثقافية بسبب الهاء المجتمع بالممارسات الغيبية والخرافية والماورائية.

   إذن عندما تتقوض المعايير القيمية مع من سوف يتماهى العراقي؟ الجواب سوف يتماهى مع المعايير التي تحل محلّها لكن الذي حصل هو ممارسات لا ضبطية أعني تصرف ذاتي متحلل من كل ضابط فسادت حالات تعكس التحرر منها انتهجها المسؤولين في السلطة والمدعومة من الحكومة الإيرانية فأصبحت ممارساتهم الفاسدة يتماهى معها اعوانهم ومساعديهم وزمرهم. وكانت عامة الناس من غيرهم ضحية تصرفاتهم اللامعيارية فأحدثت التخريب المؤسسي واهمال المصلحة العامة وتضليل الناس تحت غطاء التعاليم الطائفية الشيعية والسُنيّه فأضحى الانحراف الأخلاقي اطاراً مرجعياً يتماثل معه افراد الطائفة واحزابها ومليشياتها المسلحة فنهبوا ثروات الدولة واجرموا في حق العراقيين وهجرَّوا من لا يخضع لهم وقتلوا معارضتهم وأرهبوا المجتمع فعاش العراقيين اسوء مرحلة في حياتهم لأنها كانت مزدحمة بالمروق والظلم والإرهاب والفساد مما جعل عامة العراقيين الاعتكاف في منازلهم أو اللجوء أو الهجرة الى خارج العراق.

    وعند تقويض الضوابط الاجتماعية في المجتمع التي هي أقوى ضبطاً من الضوابط الرسمية لأن الأولى وضعها المجتمع وثقافته الاجتماعية لذا فإن تغيرها لا يحصل بسهولة وبسرعة والثانية وضعها الحاكم أو المسؤول الرسمي إلا انها تتغير بسهولة وبسرعة وبشكل مزاجي. وتحت غطاء هذا التقويض يصبح المجتمع مريضاً بمرض زوال جهاز المناعة الأمر الذي يسمح لكل جرثومة ان تدخل الى الجسم المريض لتصيبه بمرضها وهذا ما حصل للمجتمع العراقي الذي اصابته علل أخلاقية وفكرية وسلوكية ومعتقداتية واقتصادية وتنظيمية لا يمكن معالجتها إلا بإدخاله الى غرفة الإنعاش والعناية المركزة وهذا لا يتم وهناك الجاثمة عليه زمرة لقيطة خائنة وعميلة للنظام الإيراني لتنتقم منه وتفتك به لكي تجعله رحمتها وإذلاله ومسخ ثقافته وتجريده من حريته وكرامته.

    بتعبير أخر، أضحى افراد الزمرة الحاكمة مقوضين الضوابط الاجتماعية اشبه بالطفيليات الاجتماعية التي تعيش على بؤس حياة الأخرين واستغلال الاليات الرسمية وجعلها لصالحهم وليس للصالح العام. بتعبير أخر هناك انحرافا وخروقات من قبل القائمين على تطبيق آليات الضبط وهذا يعني ان الضبط يحتاج الى ضباط أمناء نزيهين مؤمنين بالمصلحة العامة لا الخاصة فالانحراف يكمن في آليات التطبيق البشرية (الطفيليات البشرية) جدير بذكره ان هؤلاء القابعين على سدة الحكم في العراق عندما نهبوا المال العام واستمتعوا بما سرقوه من أموال الشعب بعدما كانوا معدمين وصعاليك انعدم عندهم الالتزام بالمعايير الاجتماعية أي لم يتماهوا مع القيم والتقاليد والآداب العامة فلم يكن في حساباتهم وضمائرهم مبدأ أخلاقي واحد مثل الفضيلة والايثار في احترام الغير ومفاضلته على حب الذات والأنانية هي التي تغلبت على وعيه وتفكيره مما جعلته متجافياً ومتنامياً ومتنافراً مع المنظومة الضبطية معبرة عن غريزته النرجسية.

    لا جرم إذن من الإشارة الى ان معظم افراد الزمرة الحاكمة لن يكونوا ملتزمين بالضوابط الاجتماعية العرفية بسبب عيشهم في المهجر (لاجئين ومهاجرين) لم يكتسبوا ضوابط واخلاق ومبادئ مجتمع المهجر لأنهم لم يتفاعلوا مع شرائحه بل كانوا يتفاعلوا فيما بينهم وهم يعانوا من ضنك العيش هناك ومن الغربة والأمراض الجسدية والنفسية والخوف من مستقبلهم المجهول. هذه الخصائص الشخصية والاجتماعية جعلت الأجنبي الأمريكي والفارسي من اصطيادهم وتجنيدهم لخدمته فكان هذا ثاني دافع لأن ينخرطوا ويتجندوا في خدمة الأجنبي ضد بلدهم والدافع الأول كان تجردهم من التماثل الضبطي الاجتماعي العراقي. هذين الدافعين كان من الدوافع الاساسية في اندفاعهم للاحتيال والتزوير والارتشاء والخداع والمكر واستغلال النفوذ.

    بتعبير أخر، ان الغير متماثل مع الضوابط الاجتماعية لا يتحرج ولا يخجل بنهب المال العام بل تعتبره شطارة وحذاقة ودهاء ومكر دون الاعتراف بفساد وشرور وجرم وخرق للقانون بل يفتخر بما استحوذ عليه من الدولة لأنه في الأصل معارض لها وخارج عن سياستها وكان هذا أحد مشاهد الانتفاضة الشبابية الذين أدانوهم ووصموهم بالسراق والحرامية والقتلة وغير مرغوب فيهم إلا انهم (أي الزمرة الحاكمة) لم يعيروا أهمية بذلك. بل وحتى المواطنين الذين ظهروا على شاشات التلفاز والمحطات الفضائية كشفوا زيفهم وتاريخهم المخجل أمام المشاهدين فلم يدافعوا عن أنفسهم ولم يتجاوبوا مع الجماهير العراقية الوطنية وكأن شيئاً لم يكن لذا فهم وصمة عار على العراقيين وسبّه عليهم. لكنهم عمدوا على قتل هؤلاء الشباب وخطفهم وسجنهم وتعذيبهم لأكثر من ستة عشر عاماً إلا ان هؤلاء الشباب لم يتوقفوا من الاستمرار بوصمهم وتعرية مخازي حكام العراق وعمالتهم لإيران واعمالهم المخزية والمخجلة بل أصروا على البقاء بالسلطة بدعم من إيران ومدهم بالسلاح. معنى ذلك أنهم أذلاء محتقرين عندما كانوا لاجئين في إيران واستمر احتقارهم وإذلالهم منها حتى بعد تنصيبهم على حكم العراق. لذا فإنهم لا يقدروا أن يكونوا احرار ووطنين لأنهم تربوا في أحضان اسيادهم الذين يحتقروهم ويتعاملون معهم على انهم عبيد له أو عمال مأجورين يخدمون مصالحه وهم فرحون بذلك لأنهم لم يتذوقوا طعم الكرامة والفضيلة واحترام الغير لهم.

   تعليقي على هذه الزمرة المحتقرة والذليلة أقول ان ذاتهم الشخصية تنشأت وخضعت لعدة عوامل داخلية وخارجية جعلتهم اذلاء وخنوعين ومحتقرين ليس لهم رأي أو تفكير ناضج وسوي ولا تصرف وطني صادق أو معرفة سياسية أو إدارية. كانت هذه الدوافع هي التي جعلتهم التجاوب والخنوع لأسيادهم وتنفيذ اوامرهم ضد بلدهم دون حياء أو ضمير أخلاقي حي… هذه العوامل هي: –

1 – لم يتنشأو تنشئة قيمية معيارية عراقية أو عربية.

2 – لم يتطبعوا بالتعاليم الشيعية القويمة.

3 – مستواهم الثقافي والمعرفي متدني.

4 – منحدرين من أسر ليس لديها انتماء عراقي صادق.

5 – مضطهدين من حكم النظام الشمولي البعثي.

6 – لاجئون سياسياً ومهاجرين طوعاً.

7 – لم يتم التعامل معهم على انهم شرائح اجتماعية واعية ومثقفة.

8 – تم تجنيدهم كعملاء لمحاربة الحكومة العراقية الشمولية.

9 – لم تعمل دول المهجر على رعايتهم وبتثقيفهم بالثقافة الحرة والعلمية.

10 – كل ذلك جعلهم ضعفاء امام المال لأنهم لا يملكوا الأمانة والنزاهة والفضيلة أي لم تحاسبهم ذواتهم.

11 – لم يكن المجتمع العراقي له اية تأثير عليهم لذلك لم يخدموه ولم يتعظوا من اخطار النظام الشمولي السابق بل قلدوه في كل سلبياته في الانتقام والاضطهاد والاستبداد والتفرد بالحكم، وإزاء ذلك تعاملوا معه بكل خبث ومكر بتوجيه من اسيادهم الذين جندوهم فحكموا العراق بهذه الالية الإجرامية فنهبوا وقتلوا المواطنين بدون حساب.

12 – ولما كانوا هم رموز السلطة الحاكمة وهم متحلون بهذه الأخلاقية الجرمية لم تكن هناك قنوات عراقية شعبية أو ثقافية أو وطنية لمعرفة بؤس وتعاسة عامة العراقيين ولا مطالب الشباب والمثقفين.

13 – فكانوا عبارة عن مطايا للفرس متصعلكين ومجرمين فائقين في تحللهم القيمي والاخلاقي ومتمرسين بالإجرام بكل اشكاله الجديدة مثل غسيل الأموال والاتجار بالبشر والتهجير القسري والفتنة الطائفية والجريمة المنظمة والتهرب المالي وتعذيب أبناء الشعب وتجويعه.

14 – فلم يقدموا انجاز يخدم العراقيين لا في التعليم ولا في الصحة ولا الاقتصاد أو الصناعة بل خربوها ونهبوها بتعمد لأنهم مطايا النظام الإيراني فكانوا هم بواد والمجتمع العراقي بواد أخر اساءوا اليه ودمروا أركان بنائه الاجتماعي أكثر مما قام به المستعمر والمحتل فمثلوا عينة مخربة ومعيبة بكل اصنافها الدنيئة في حكمها للعراق المعروف بجسارته وكرامته وعشقه للحرية وانتماءه للوطن والقومية والدين، فكانوا عيارة عن مهزلة مضحكة غير محترمة من قبل العراقيين ودول العالم حتى من اسيادهم الأمريكان والفرس الذين كانوا يتعاملوا معهم على انهم طراطير لا كرامة لهم ولا هوية سياسية أو وطنية وعلى هذا الأساس استخدمهم الأسياد كأذرع لهم في تفكيك الانساق البنائية وتوهين الضوابط العرفية والوضعية التي سادت الثقافة العراقية لعقود من الزمن.

   أصل الان الى الخلاصة الموجزة لهذا التقويض لأسجل عدد المعاول التي تم استخدامها في التقويض المقصود والمتعمد للمنظومة المجتمعية وهي: –

1 – معول دمج الدين بالسياسة.

2 – معول المحاصصة والحزبية الكارتونية.

3 – معول المليشيات الحزبية المسلحة المدعومة من الحكومة العراقية والإيرانية.

4 – معول الفساد المؤسسي المتمثل بالاحتيال واستغلال النفوذ والتزوير والرشوة والابتزاز والإجرام.

5 – معول التهجير القسري للسُنّه والمعارضين للحكم الأجنبي توجيهاتها في نهب ثروات العراق ووثائقه ونشر التحلل الخلقي وقتل العناصر الوطنية والسُنيّه.

    جميع هذه المعاول أثرت بشكل سلبي كبير على الضوابط الاجتماعية التي تضبط افراد المجتمع العراقي مثل المعايير القيمية والمعتقدات الدينية والآداب العامة والأعراف والنواميس التي تحلى بها العراقيين مثل غزو العراق واحتلاله عام 2003.

    لكن مع ذلك فإن أصحاب الوعي السياسي والوطني المتمسكين والمتشبثين بالضوابط الاجتماعية الوطنية وهم من الشباب العراقي ومثقفيه انتبهوا الى هذه العلّه وشخصوا جرثومتها فنهضوا وانتفضوا فثاروا على هذه الطغمة الفاسدة فأعلنوا احتقارهم ونبذهم وسخريتهم واستهزائهم منها كرد فعل وطني مخلص ترجموها في شعاراتهم التي رفعوها في احتجاجاتهم ومسراتهم واعتصامهم مثل (ماكو وطن ما كو دوام) شعار طلبة الجامعات العراقية والمدارس واغلقوا جميع مباني مجالس المحافظات في المدن الكبيرة مع اعلان بلافتات كبيرة كتب عليها (مغلقة بأمر الشعب). وفي الديوانية (200كم) جنوب بغداد أصبح مقر الحكومة المحلية مكباً للنفايات وأغلق المبنى منذ اقتحامه من قبل المتظاهرين ويقوم سكان وشاحنات القمامة يومياً برمي أكوان النفايات هناك.

   وفي بغداد يقضي الالاف من الشباب المنتفض الليل في الساحات حيث نصبت الخيم هناك فيما يشغل أخرون مبنى يتكون من 18 طابقاً يعرف بالمطعم التركي ويسميه المتظاهرون بـ (جبل الثورة) أو (جبل أحد) أو (الجنائن المعلقة) ومن أعلى قمة هذا المبنى يراقب الشباب الحشود في ساحة التحرير وعلى طول جسر الجمهورية المؤدي الى المنطقة الخضراء وصياح كل يوم يسخر المتظاهرون في المبنى من قوات الامن فينادوا عبر مكبرات الصوت من أعلى المبنى على قوات الشرطة المجهزة بشكل كامل (صباح الخير اخواتنا بمكافحة الشغب) ويضعوا لهم اغنية (حبيبي صباح الخير للفنان ماجد المهندس).

    ومن جملة مطاليب الشباب المطالبة بإسقاط النظام وإلغاء المحاصصة وفصل الدين عن السياسة حيث كانوا يهتفون بـ (باسم الدين باكونا الحرامية) وهكذا.

   اخيراً نقول مهما كانت قساوة وقوة الزمرة المارقة في الحكم فإن تقويضها للمنظومة القيمية لا تنجح لأنها تم ارسائها من قبل أجيال متعاقبة وليس بقرار شخصي أو جيل واحد لذلك وجدنا نهوض جيل الشباب الواعي بثقافته ووطنيته التصدي لهؤلاء العملاء المنزوعي للمعايير الخلقية والوطنية بتعرية مآربهم ووصمهم بأوسخ الوصمات ونبذهم اجتماعاً ليكونوا عبرة لم اعتبر.

2 – تجويف التدرج الاجتماعي

   حصل هذا من خلال حراك اجتماعي Social mobility شاقولي غير متدرج وغير صاعد بل مفروض من خارج التدرج ازاح المواقع القمعية وألغى الطبقة الوسطى وكثف الطبقة الدنيا. حصل هذا التجويف بعد الاحتلال الأمريكي والاستعمار الإيراني أي بعد عام 2003. يعني عدم الاستواء في التدرج الاجتماعي الذي يسود المجتمعات كافة إلا انه يتباين بأنواعه فيها ضمنها ما هو مفتوح وأخر مغلق والثالث منصّب من قبل قوى خارجه عنه يتباين ايضاً بين المجتمعات فالمجتمعات الرأسمالية الصناعية لها عدم استواء تدرجي غير ما موجود في المجتمعات التقليدية والريفية والطائفية والاشتراكية والشمولية.

   أما في حالة المجتمع العراقي بعد عام 2003 فإنه لا يمثل مجتمعاً رأسمالياً صناعياً ولا اشتراكياً ولا ريفياً بل تم تحويله الى مجتمع طائفي في معاييره وتدرجه المغلق على الطائفة الشيعية وليس على أساس الكفاءة والخبرة المهنية ولا على الانتماء الطبقي أو العشائري أو القبلي أو الإقليمي إنما على أساس الولاء للنظام السياسي الطائفي العميل للنظام الإيراني فكان الشيعي الموالي والعميل للحكومة الإيرانية هو الذي يحتل قمة الهرم التدرجي في العراق ويتمتع بسلطة ونفوذ – زائف – واعتبار اجتماعي واهن وهي مغلقة عليهم فقط فضلاً عن الاكراد الذي يتحكم بهم مسعود البرزاني حزبه القبلي. أما الطبقة الوسطى فقد تم تحيدها من التدرج الاجتماعي لأن افرادها من المتعلمين والمثقفين والمهنيين المهرة وأصحاب الخبرة بينما الطبقة الدنيا فإنها تضم عامة الشعب الذين يمثلون الدهماء والعاطلين عن العمل والفلاحين والباعة المتحولين ممن يعيشوا في المناطق العشوائية والقرى والأرياف في جنوب العراق جلبهم من الشيعة.

   وفي ظل هذا الاستواء التدرجي الشاذ والغير متوازن لم تكن المكانات الاجتماعية مكتسبة ولا موروثة بل منصبّه من قبل المحتل الأمريكي والمستعمر الإيراني الذين انتقموا عملائهم ممن التجاء لهم قبل عام 2003 واستخدموهم كقوة ضاغطة ومحاربة ضد الحكم العراقي قبل هذا التاريخ فكانت مكافئتهم هي تنصيبهم على مواقع قيادية رسمية لم يأخذوا بالاعتبارات والمستلزمات التي تتطلبها هذه المناصب الرسمية مثل الكفاءة والخبرة والاختصاص المهني والإداري بل اعتمدوا على الولاء للنظام الإيراني وكانت هذه الطريقة العائق والمانع الأكبر لا يملكوا المؤهلات المهنية واللياقة الحرفية والانتماء الوطني إنما يملكوا كافة أنواع الابتذال والاحتيال والفساد. يعني موقعهم ممنوحين من إيران وليس من المجتمع العراقي فأصبح عدم الاستواء التدرجي العراقي يمثل تدرجاً طائفياً شيعياً تفرضها إيران على مطاياها في العراق وبالذات على أعضاء حزب الدعوة والمجلس الأعلى الشيعي وحزب الله العراقي وعصائب أهل الحق غير منفتحين على التغير ولا تريده فانكبوا على استغلال المناصب العليا وصلاحياتها والحصول على نفوذ (إنما زائف) ويقتلوا على الهوية ونشر الفتنة الطائفية والعرقية. يعني هي معينة على أساس الانتماء الحزبي والولاء الإيراني فقط فكان حراكاً اجتماعياً غير أخذاً بالتدرج الهرمي للوظيفة ولا على أساس الوراثة بل على أساس رضى إيران وقناعتها بإنه يخدم مصالحها ويطيع اوامرها.

    هذا النوع من التدرج الاجتماعي Social stratification لا يستطيع ان يثبت اركانه في البناء الاجتماعي لأنه لا يملك الأهلية والكفاءة والمهارة في الاختصاص المعرفي والمهني في تفاعله مع المواقع التدرجية الدنيا وبالذات عامة الشعب لأنه متنصل عنها ويخشاها لأنها تمثل الأغلبية الساحقة ولها قاعدة شعبية عراقية على التربة العراقية. أما هم فلا توجد عندهم قاعدة شعبية عراقية بل مدعومة خارجياً – إيران – فمتى ما ترفع إيران عنهم الدعم ينهاروا وتزول سلطتهم ونفوذهم وحتى ثروتهم التي نهبوها من العراق عندها تبرز حالة الانتقام والثأر من قبل الذين شردوهم واعتقلوهم وعذبوهم من العراقيين.

    فهو إذن تدرج اجتماعي لا يمتلك الأركان الرصينة لبنائه مثل السلطة الشعبية والمهنية المتخصصة ولا النفوذ المحترم والصادق ولا الثروة الشرعية إذ ان جرائمهم وفسادهم معروف وعلني يعرفها الشعب العراقي وبالذات الواعين أمثال الشباب المتنور الذي انتفض عليهم وثار على فسادهم. مثل هذا النوع من التدرج الاجتماعي يعكس الحالة النوعية للمجتمع العراقي في عدم تمثيله للمجتمع الرأسمالي ولا الصناعي أو الاشتراكي ولا القبلي ولا الريفي بل الطائفي العميل المغلق على نفسه الذي سينهار عاجلاً او اجلاً لأن البناء الاجتماعي العراقي لا يقبله كعمود فقري له وسوف تتبدل المعادلة في التدرج الاجتماعي الى النقيض بعد إزالة الفئة الحاكمة القابعة على قمة التدرج الذي لا تستطيع اشغاله بشكل مستديم لأنه مرتبط بالخارج وليس له قنوات مع القاعدة تعترف به ولا حتى العالم الخارجي يحترمه أو يتعامل معه على انه يمثل القمة الوطنية الشرعية.

   بقي ان أقول ان هؤلاء المنصبين على المواقع التدرجية العليا جوفوا التدرج الاجتماعي العراقي عن طريق السبل الاتية: –

1 – قاموا بسلخ الاكراد من عراقيتهم.

2 – عززوا النزعة الطائفية بين الشيعة والسُنّه.

3 – هجروا الأقليات الدينية والتركمانية من مواطنها.

4 – حلّوا الانتماء الطائفي محل الانتماء الوطني.

5 – طبقوا المحاصصة الطائفية والعرقية.

6 – ابهتوا هيبة الدولة وميعوا سلطة القانون.

7 – نشروا ثقافة الإفلات من العقاب وتكريس الجريمة.

8 – مارسوا الجرائم المنظمة في تهريب العملة والبترول والصفقات التجارية الوهمية وبلوروا وظائف فضائية لكي يستولوا على المال العام.

   بعد هذه التوطئة أدلف الى توصيف مفصل لما جاء بها كيف دمر الاحتلال الأمريكي فئات وطبقات المجتمع العراقي.

        من عادة كل احتلال عسكري لبلد ما، أن يقوم جاهداً لتغيير النسيج الاجتماعي للبلد الذي يحتله، يهدف من ذلك توفير الأسباب اللازمة لإطالة احتلاله، وجعله أقل تكلفه، وهذا ما قام به بالضبط الاحتلال الأمريكي من أول أيام تواجده بالعراق، وما أستكمله الاحتلال الإيراني فيما بعد. وقاما الاحتلالان بتمزيق التوافق القومي بالبلد، من خلال سلخ الأكراد عن عراقيَّتهم، وتعزيز الروح القومية العنصرية بين أفرادهم، وإنعاش الآمال والاحلام بوطن قومي خاص بهم، ثم استداروا ليمزقوا العرب إلى سنَّة وشيعة، وليدخلوهم في حروب طائفية لم تنتهي لحد الان، وإيصالهم لمرحلة لا يطيق بها أحدهما أن يعيش مع الاخر. مروراً بتهجير المسيحين والايزديين والشبك. ليصلوا بالبلد إلى أن يكون عدواً لنفسه، لا يعرف المواطن فيه، من هو الصديق ومن هو العدو، في حالة غريبة من التفكك الاجتماعي والقيمي وفقدانٍ لروح المواطنة، لتحل محلها قيم القومية والطائفية والعشائرية والفئوية وإلى ما لا نهاية من التصنيفات التي لم تمر على هذا البلد سابقاً في تاريخه الحديث.

مرحلة التمزق

لم تكن نية الاحتلال بزرع الفرقة داخل المجتمع العراقي، هي وليدة أفكار ما بعد الاحتلال، إنما بدأ الأمريكان بزرع بذور هذه الفتنة قبل الاحتلال بسنوات عديدة، وذلك من خلال سعيه لإصدار قرار من مجلس الأمن الدولي، يقضي بفرض حظر للطيران على مناطق شمال العراق وجنوبه، بحجة حماية الأكراد والشيعة من اضطهاد النظام العراقي السابق. الأمر الذي أضطر النظام السابق لسحب قواته من مناطق شمال العراق، وتضعف سيطرته على المناطق الجنوبية. ولتتحول المناطق الشمالية من العراق، إلى وكر لكل المنظمات الاستخباراتية المعادية، وتجد الأحزاب العملية للغرب، ملاذاً أمناً لها في كردستان، وتصبح كردستان أيضاً موطأ قدم للنفوذ الإيراني، وحدث في الجنوب أمر مشابه ولكن بدرجة أقل مما حدث في كردستان، فبعدما فقدت الحكومة قبضتها القوية على جنوب العراق، نشطت الأحزاب والمليشيات الموالية لإيران في جنوب العراق، وشنت عمليات عسكرية وتخريبية انطلاقا من الأراضي الإيرانية عبر الاهوار ضد الجيش العراقي السابق.

لقد كان الهدف الأكبر لشن غزواً على العراق، ليس كسر شوكة العراق عسكرياً فقط، لان هذا الأمر أصبح سهلاً بعد سنوات طويلة من الحصار، بل كان الهدف هو تدمير الإنسان العراقي نفسه، من خلال تحطيم كل قيم وأخلاق وتقاليد الإنسان العراقي، والتي كانت ركنا أساسيا من أركان قوته.

كيف دمر الاحتلال الامريكي فئات وطبقات المجتمع العراقي؟

الدكتور ايمن العاني المتحدث باسم قسم حقوق الانسان في هيئة علماء المسلمين في العراق، حدثنا حول كيف دمر الاحتلال الامريكي فئات وطبقات المجتمع العراقي، قائلا: لا يخفى على أحد أن الولايات المتحدة الأمريكية دأبت على تدمير فئات وطبقات المجتمع العراقي قبل الاحتلال، فمنذ الحصار الظالم الذي فرضته على العراق في التسعينات من القرن الماضي والذي أدى إلى تردي الأوضاع الاقتصادية في البلاد بشكل غير مسبوق وما رافق ذلك من تضاؤل في الناتج المحلي الإجمالي وانخفاض معدل دخل الفرد واعتماد نحو 65 % من السكان على نظام الإعانات الغذائية، فضلا عن تضاعف نسبة الوفيات بين الفئات الضعيفة في المجتمع ولا سيما الأطفال، ما أدى إلى تغير شامل في كل مفاصل الحياة ومنها تلك التي بدأت بالظهور في المجتمع العراقي كالرشوة واختلاس المال العام ومدى تأثيرها على نفسية المواطن العراقي وعلى فئات وطبقات المجتمع.

وبحسب العاني فإن الغزو (الأمريكي – البريطاني) جاء للعراق ليستكمل مراحل تدمير البنى التحتية وينهب ثروات البلاد ويستبيح سمائه وأراضيه ومياهه، فاستهدف أولا الرأي العام المتعلم والمثقف وعمل على تغييبه بشتى السبل، وكرّس الجهل الذي أدى إلى الإجرام والفساد، والفوضى والاستبداد، الذي يكتوي العراقيون بنيرانها اليوم أكثر من أي وقت مضى، وما نتج عن ذلك من نسف لمقتضيات الأمن المجتمعي واستهداف للإنسان العراقي وإفساد للمنظومة الاجتماعية، الأمور التي أضافت تحديات حقيقية تسببت في تدمير الفرد والمجتمع.

وحول ابرز محطات مرحلة التمزق في المجتمع العراقي، يوضح العاني بإن أبرز تلك المحطات هي: الحصار الذي فرض على البلاد والذي استمر عقدا من الزمان، ويلي ذلك الاحتلال (الأمريكي – البريطاني) للعراق والمحاصصة الطائفية والعرقية التي فرضها على المجتمع والتي دقت إسفين الفرقة بين أبناء البلد الواحد، وضياع هيبة الدولة وغياب سلطان القانون إبان الاحتلال وما رافقه من إقصاء لمكون كبير من مكونات الشعب العراقي، وإساءة كبيرة للقيم المجتمعية واستشراء غير مسبوق للفساد المالي والإداري في جميع الدوائر الحكومية، وظهور المليشيات بمختلف مسمياتها التي ترفع الرايات الطائفية والشعارات الانتقامية والتي استمرأت القتل على الهوية وأججت الفتن الطائفية بالتسبب، وما أعقب ذلك من هيمنة إيرانية عملت على ديمومة الفوضى في البلاد وإذكاء النزاعات المسلحة، وإهمال مطالب المهمشين في ساحات الاعتصام وتغييب ثقافة الحوار وعدم تلبية الحكومة لتلك المطالب وفض الاعتصامات بقوة السلاح وقتل المتظاهرين وهدر حقوقهم، ومرحلة ظهور ما بات يعرف بـ (تنظيم الدولة) وما رافقه من تعطيل للحياة وتوقف للاقتصاد وتضييق على الأهالي ومصادرة قراراتهم، وما تبعه من اعتماد الحكومة في بغداد للخيار العسكري كحل وحيد للأزمة العراقية، والاستخدام المفرط للقوة من قبل القوات المشتركة وحلفائها الذي كبّد العراقيين المدنيين خسائر جمة في الأرواح والممتلكات، والذي أجبر الملايين على ترك مدنهم وممتلكاتهم، وفقدان الأسر لإجمالي دخلها أو جزء كبير منه نتيجة ذلك، وغياب المعيل جراء القتل والاحتجاز اللذين يستهدفان الرجال والشبان في الغالب؛ فأصبح النازحون فريسة الحرمان والعوز والجوع والقهر، والتنكر الحكومي لقضيتهم وعدم إيجاد حلول ناجعة لمشكلاتهم.

ويشير العاني الى انه ومن أهم الأساليب والآليات التي استخدمها الاحتلال في تمايز المجتمع العراقي إلى قوميات بعد العام 2003، هي المحاصصة الطائفية والعرقية -كما أسلفت- التي أسست التمايز القومي بين مكونات الشعب الواحد، وكذلك الفدرالية التي فرضت وفق الدستور الجديد الذي أشرف على كتابته المحتل والذي جرى تمريره رغماً عن إرادة الشعب، التي تؤسس لتقسيم البلاد وإضعافها، والتي فتحت الباب واسعا لتدخلات خارجية سلبية كرست الانقسامات الداخلية ومزقت النسيج الاجتماعي على نحو أصبح يهدد وجود العراق ووحدة أراضيه.

وحول نتيجة تمزيق الاحتلال الامريكي للمجتمع على أساس ديني وطائفي، يوضح العاني أنه ومما لا شك فيه أن الطائفية هي أم الفتن، لأن المجتمعات التي تصاب بداء الطائفية تكون ساحات غير محصّنة امام التفكك والانقسام والحرب الأهلية، وفي العراق ما بعد الغزو، أصاب المجتمع ما أصابه من انهيار للقيم وغياب للقانون وتنكر للعرف؛ ما أفرز تحديات كبرى فسحت المجال لمؤامرات خارجية تهدف إلى تمزيق اللحمة الوطنية وما تتسبب به من تداعيات خطيرة على المجتمع المدني، وهذا هو الناتج الخطير لتفشي الخلافات والانقسامات الاجتماعية على أساس ديني وطائفي.

ويشير العاني الى إن للاحتلال الأمريكي البغيض الدور الرئيس في الانهيار القيمي بالمجتمع العراقي، سواءٌ بمرحلة الحصار الظالم وآثاره أو في السنين الأولى للاحتلال أو بمرحلة تسليم البلاد على طبق من ذهب لجارة السوء إيران، وما تبع ذلك من معاول هدم ظهرت على الساحة وطالت جميع نواحي الحياة، ومنها المنظومة الأخلاقية للمجتمع العراقي، وأدت إلى نشر ثقافة الإفلات من العقاب وتكريس الجريمة ونسف مفاهيم السلم الأهلي والتعايش التي هي من أهم مفاهيم العمران البشري التي تُقرّ بها جميع الحضارات.

ويرى العاني ان غياب التضامن الإنساني مع الشعب العراقي المظلوم طوال السنين الأربع عشرة الماضية – مع الأسف الشديد – أدى إلى حالة الضياع وفقدان الأمل بمستقبل واعد، التي يعيشها العراقيون اليوم جراء الاحتلال وتداعياته، فضلا عن الفساد المستشري في البلاد وإسناد الأمر لغير أهله من السياسيين الذين فرضهم الاحتلال لحكم البلاد، والذين يعيشون على حالة التأزيم وليس الاستقرار، وغياب الأكفاء على جميع الصعد؛ الأمر الذي يؤثر سلبا على الفرد والمجتمع بشكل مؤكد، والخطير في الموضوع هو انعدام بصيص ضوء في نهاية النفق المظلم – كما يقولون – فلا حلول جذرية للأزمة العراقية ولا إرادة دولية جادة تتبنى قضية العراق بشكل إيجابي لإخراجه من المأزق الذي يعيش فيه، وبالمحصلة فإن المراقب للشأن العراقي سيقول إن المجتمع العراقي ذاهب إلى المجهول، ولكنني أقول ما تزال هناك فرصة وأمل قوى عراقية معروفة وتكتلات وطنية مناهضة للاحتلال ورافضة لما أفرزه من محاصصة طائفية بغيضة وعملية سياسية مشوهة ودستور بائس، وفي نفس الوقت تمتلك هذه القوى العراقية الأصيلة رؤية شاملة لحل جذري للأزمة العراقية يوفر السبل الكفيلة لإخراج البلد من محنته، والعودة بالعراق إلى وضعه الطبيعي في المنطقة والعالم.

تمايز المجتمع العراقي الى قوميات

    من أولى المحاولات التي قام بها الاحتلال لشق صف المجتمع العراقي، هو تصنيفه إلى قوميات مختلفة، وزرع ذلك بالدستور الجديد الذي كُتب بإشراف أمريكي، وتضمين فقرة إقامة الأقاليم والحق بتشكيلها على أساس عرقي أو قومي أو طائفي، بل وإعطاء الحق بانفصال تلك الأقاليم أذا شاءت ذلك، عبر تنظيم استفتاء لساكني ذلك الإقليم.

     وفي هذا الصدد أوضح الباحث في التاريخ الأستاذ حسين أبو ايمن: ان الاحتلال الأمريكي اعتمد على المكون الكردي من خلال أحزابه، في تمزيق الدولة العراقية والمجتمع العراقي، حيث كان دستور الدولة العراقية يعتبر العراق هو دولة موحدة، لكن الدستور الجديد جعل العراق دولة فدرالية، والفرق بين النظامين، هو أن في الدولة الفدرالية يحق لأي ولاية أو إقليم في العراق الانفصال، بينما بالدولة الموحدة عندما يريد أي إقليم أو محافظة الانفصال، يُعتبر ذلك كحركة تمرد ضد الدولة ويتم التعامل معها على هذا الأساس. وقد ساهمت الأحزاب الكردية وبدفع أمريكي على الإصرار لتضمين موضوع فدرالية الدولة في الدستور الجديد. وفتح باب الانفصال مستقبلاً.

أثر هذا التقسيم القومي للعراقيين بشدة على الأقليات القومية الأخرى الموجودة في العراق، مثل التركمان، الذين ضاعت حقوقهم بين القوميتين الكبيرتين العربية والكردية، وكل منهما يريد التوسع على حساب الأراضي التي يتواجد فيها التركمان تاريخياً. كما وفتح باب الصراع بين الكرد والعرب على الأراضي في المناطقة المتلاصقة بينهما، والتي عرفت فيما بعد بالمناطق المتنازع عليها.

تمزيق المجتمع على أساس ديني وطائفي

     لم يكتف الاحتلال الأمريكي والإيراني بهذا القدر، إنما تعدى ذلك الأمر إلى تمزيق المجتمع دينياً، فقد تضررت الأقليات الدينية في العراق من الاحتلال، ضرراً بالغاً من خلال تسليط المنظمات الإرهابية والميليشيات الطائفية عليها، تهجيراً وقتلاً وسبياً، هذا ما حصل للمسيحيين في بغداد والموصل، وحصل للأزيديين في سنجار ومناطق مختلفة من الموصل، وحصل أيضاً للشبك في الموصل، ولم ينجوا من ذلك حتى الصابئة في مناطق مختلفة من العراق، قامت به المليشيات الشيعية الطائفية في مناطق تواجدها في بغداد والموصل ومناطق أخرى.

قام الاحتلال أيضاً بمحاولات تمزيق المجتمع على أساس طائفي، من خلال زرع الفتنة بين العرب ليتمايزوا إلى سنَّة وشيعة، ومن خلال وسائل عديدة، ساهم فيها الاحتلال الإيراني مساهمات كبيرة لتأجيج نارها، وقد أجاد الإيرانيون لعب هذه اللعبة بشكل كبير ، ففي الوقت الذي يساهم الإيرانيون بدعم التفجيرات في المناطق الشيعية باسم منظمات إرهابية سنيَّة، يقوم بدفع ميلشياته إلى ارتكاب الجرائم بحق السنَّة انتقاماً لتلك التفجيرات، كما وقام الاحتلال الأمريكي بتمكين المكون الشيعي من كل مؤسسات الدولة التي أنشأها وأعطى لهم الأفضلية بكل المؤسسات الأمنية والمدنية، لتتم السيطرة لهم على حساب المكونات الأخرى وبالأخص المكون السني.

وأضاف الباحث الأستاذ حسين أبو أيمن موضحاً: لقد تغلبت الطائفية في ظل الاحتلال، بالرغم من أن الحديث بالطائفية أبان النظام السابق كان من المحرمات، ولم تكن الطائفية ثقافة عامة بالمجتمع العراقي، بدليل التصاهر الذي كان موجوداً بين المذهبين السني والشيعي. والتداخل العشائري بينهما.

وتحدث الكاتب الصحفي الكردي شاهو قرداغي عن هذا الموضوع قائلاً: بالرغم من التأثير الكبير للاحتلال الأمريكي على المجتمع العراقي في الشهور الأولى للغزو ، إلا أن المجتمع العراقي بقي محافظا على كيانه ومتماسكا من الناحية الاجتماعية، لكن الاحتلال الأمريكي عمل جاهداً على تفكيك المجتمع العراقي على أساس طائفي وعرقي وقومي، والعمل على إشاعة سلوكيات خاطئة لم يتعود عليها المواطن العراقي سابقا، ومنها قضية الانتماء المذهبي والديني والقومي، والتي كانت من الأمور التي يستحي المواطن العراقي ان يشير إليها ويعتبرها من الأمور التي تمس الوطنية وتهدف إلى إحداث التفرقة بين أبناء الشعب العراقي الواحد. ولكن بعد سنوات من الاحتلال الأمريكي، أصبح المواطن العراقي يجهر بمذهبه وقوميته ويُفضل الهوية الطائفية أو القومية على حساب الهوية الوطنية.

وأشار الكاتب شاهو قرداغي إلى بعض الاحصائيات، قائلاً: في إحصاء أجرته الشركة المستقلة للبحوث يظهر أنه في عام 2003م عندما كان يوجه سؤال إلى اي مواطن عراقي عن ديانته كان يجيب، (أنني مسلم) وبنسبة 75%، بينما النسبة 25% هي لمن يظهر نوع ديانته أو مذهبه، بينما بعد عام 2013 اجاب 75% من المستطلعة آرائهم، بأنهم من السنة أو الشيعة، في حين لم يجاوب سوى 25% بأنهم مسلمون بدون الإشارة لمذهبهم، وهذا يظهر التغيير الكبير في المجتمع العراقي الذي أحدثه الاحتلال، ونجاحه في مشروع تفكيك المجتمع بالأدوات الداخلية وبسبب السياسات الخاطئة لحكومات ما بعد الاحتلال.

محاولات تدمير الطبقة الوسطى بالمجتمع العراقي

     جرت محاولات أخرى للاحتلال لتقسيم المجتمع العراقي ولكن هذه المرة من خلال الدفع لظهور طبقة من الأثرياء التابعة له، برزت من خلال ما يعرف بالحواسم (وهم الذين أثروا من عمليات النهب للبنوك ومؤسسات الدولة بعد الاحتلال) وكذلك خلق طبقة أثرياء أخرى من خلال علميات التعاقد مع الدولة الوليدة التي يشوبها الكثير من الفساد الإداري والمالي. إلا أن هذه الطبقة لم تكن طبقة أصيلة بالمجتمع، وكثيراً ما تشعر بالانعزالية عنه، بسبب نظرة الاحتقار التي ينظر بها المجتمع العراقي لهم. بل إن كثير منهم يرى نفسه انه طارئ على المجتمع، وينتظر الوقت المناسب لكي يهاجر من البلد، بعد أن يكون قد جمع مبالغ مالية ضخمة من عمليات الفساد التي مارسها.

وفي هذا الصدد أكد الباحث حسين أبو أيمن: أنه من الأمور التي تميز المجتمع العراقي بأنه مجتمعاً لا طبقياً، وان الطبقة الوسطى هي الغالبة، وقد حاول الاحتلال بنوعيه الأمريكي والإيراني، إلغاء الطبقة الوسطى بشتى الوسائل من خلال دعم حُثالات المجتمع، وجعلهم من الأثرياء على حساب باقي طبقات المجتمع، من خلال عمليات الفساد وغيرها، وهي ميزة تحسب لصالح المجتمع العراقي، وأن الطبقة الوسطى لا يمكن إلغائها، صحيح ان الطبقة الوسطى تضررت إلا أنها لم تلغى.

الاحتلال ودوره في الانهيار القيمي بالمجتمع العراقي

     حاول الاحتلال الأمريكي من جانبه التأثير على الشباب وإضفاء الطابع الغربي في عاداته وتقاليده وقيمه، بينما قام الاحتلال الإيراني بإعادة تشكيل عقلية الشباب – الشيعي خصوصا – بما يتناسب مع النظرة الضيقة والمليئة بالحقد على الاخرين ونشر الرذائل بينهم التي تعد المخدرات من ابرزها.

ويقول الباحث حسين أبو أيمن في هذا الشأن: نجح الاحتلال في هذا الجانب، نجاحاً نسبياً وليس مطلقاً، والسبب ان طبيعة المجتمع العراقي هي طبيعة قبلية ومحافظة، وحتى الذين يعيشون في المدينة، فهم إما ينتمون لعشيرة أو لعائلة. ولكن طالما يوجد تيار وسطي بالعراق، فان مشروع الاحتلال لا ينجح نجاحاً مطلقاً في المجتمع العراقي. يبقى موضوع انتشار المخدرات والتجارة بها بالأخص بجنوب العراق، فإن إيران بلا شك تقف من ورائها.

يضاف إلى ذلك أن الاحتلال نجح إلى حد كبير في استبدال روح المواطنة التي كان يتمتع بها الفرد العراقي، بروح جديدة لم تكن موجودة في الماضي، وهي روح الولاء للطائفة أو القومية أو العشيرة، لتساهم بسرعة في تفكيك المجتمع العراقي، وفي هذا الصدد يقول الباحث جمال القيسي في بحثه المنشور في موقع طريق الإسلام: ان من أشد القيم تضررا في منظومة قيم المجتمع العراقي، هي انسلاخ الفرد أو المواطن العراقي عن دولته ومن ثم مواطنته ومجتمعه، وذلك على خلفية تحكم العلاقات الطائفية والقومية والقبلية والفئوية حتى في خدمات الدولة، إذ يجد المواطن أن دولته منسلخة عن المجتمع ولا تعبر إلا عن مصالح طائفة أو فئة اجتماعية محدودة بصورة مباشرة وضيقة، ولا تتجاوزها إلى مجموع المصالح العليا للبلاد.

المجتمع العراقي الى اين؟

       وبعد 14 عاما من الاحتلال الامريكي، والعمل جاري فيها من قبلا الاحتلالين الأمريكي والإيراني على تغير المجتمع العراقي في قيمه وطبقاته وقومياته، وتحويل العراق إلى شبه دولة وليس دولة، ويتذيل كل قوائم الأمم المتحدة في تقييم الشفافية أو الأمن أو جودة الحياة، وغيرها من المقاييس، يا ترى هل من بصيص أمل لعودة المجتمع العراقي إلى ما كان عليه من قيم فاضلة؟

ان المجتمع العراقي وبالرغم من كل هذه المحاولات لتغير طبيعته، إلا أنه ما زال يتمسك بمجموعة من القيم والمبادئ التي تجعلنا نطمئن للمستقبل إذا رُفع عن كاهل هذا الشعب الكابوس الجاثم على صدره الان، ذلك لأن الشعب العراقي، أدرك الأهداف الحقيقية للاحتلال منذ وقت مبكر، وما نشوء حركات المقاومة إلا نتيجة لهذا الإدراك، لكنه الان بحاجة إلى قيادة وطنية، تؤمن بقيمة الشعب العراقي بكل أطيافه، بعيداً عن الفوارق القومية أو الدينية أو الطائفية، وجعل المواطنة هي الأساس في التعامل مع أفراد المجتمع العراقي، ولو توفر ذلك لرأينا كيف ينهض العراق بأبنائه ويعيد بناء ما خربه المحتلون، كما فعله مراراً على مر تاريخه الحديث والقديم. [https://yaqein.net]

    وبهذا التدمير للفئات الاجتماعية العراقية تم تقويض المنظومة المجتمعية العراقية التي شلّت حركته النامية وأبعدته عن تحضره وتمدنه وقربته من الصراعات الطائفية والأهلية وفتحت العراق ليكون ساحة تتصارع فيها إيران مع أمريكا وقودها العراقيين وبلدهم وثرواتهم.

 

الفصل الثالث

ثقافة الفساد

 

استهلال

أ– نماذج وصور عن ثقافة الفساد

1 – الأحزاب السياسية هي التي أوجدت الفاسدين

2 – قصة الفساد في العراق

3 – عن الفساد والفاسدين في العراق

4 – الفساد في العراق معلومات وأسماء ووثائق

5 – مؤسسو نظرية الفساد في العراق

6 – فساد أكبر من أن يصدق

7 – 250 مليار دولار خسارة العراق من الفساد والصفقات السرية

8 – مافيات تقودها أحزاب وكتل وشخصيات سياسية

9 – صقور شبكات تهريب النفط الى سوريا وأفغانستان

10 – مليشيات العراق تجني المليارات عبر تهريب النفط الى الامارات وإيران

11 – فساد العراق… المهمة المستحيلة

12 – غسيل الأموال

13 – 20 قصة فساد

14 – وجوه سياسية فاسدة

15 – الحكومة الفاسدة لا تحارب الفاسدين والمفسدين

16 – فساد ضارب اطنابه حتى اتسع الخرق على الرائق

17 – لا ينتهي الفساد إلا برحيل الطبقة السياسية

18 – مجرمون يحكمون ويفسدون باسم الدين

   ب – مخرجات ثقافة الفساد

      1 – تفاقم الجرائم كماً ونوعاً

      2 – انتهاك حقوق الانسان

      3 – صراع السلطة والنفوذ في البيت الشيعي

      4 – ميليشيات شيعية مسلحة

      5 – جرائم حرب

      6 – الاتجار بالمخدرات

      7 – الاتجار بالبشر (البضاعة الناعمة)

      8 – المحاصصة السياسية (مقبرة للكفاءات) و (التخادم الحزبي)

      9 – منع تطبيق المبادئ الديمقراطية

      10 – الفوضى الاجتماعية social chaos

      11 – افراز ظواهر اجتماعية معكوسة

 

الفصل الثالث

ثقافة الفساد

 

استهلال

   انها ثقافة فرعية تنشأ من خلال مصالح لفئات اجتماعية خارجة عن القانون الوضعي والمعايير القيمية والناموسية والعرفية. أي ثقافة المنحرفين والجانحين والزمر الاجرامية التي تستخدم العنف والقتل والإرهاب في تحقيق مصالحها ومآربها وتطلعاتها الافاقة ضاربة عرض الحائط مصالح الأغلبية والهوية الوطنية والمبادئ الأخلاقية وصلوا الى المواقع الهرمية في السلطة عن طريق العمالة للأجنبي والاستقواء به على حساب أرواح المواطنين مستغلين عواطف ومشاعر طائفة ذات طقوس دينية متزمتة وبائدة ليس لديها وعي سياسي ولا معرفة طائفية حقه بل خرافية لا تخدم العقيدة الطائفية ولا التعاليم الدينية، فكرسوا الانصياع التام الى توجيهات وتعليمات مخالفة لمبادئ طائفتهم مقابل دعمهم السياسي والأمني في مناصبهم التي لم يستحقوها ولا يحملوا شروطها وخصائصها، أي تم تنصيبهم وهم عراة منها فكانوا مطايا لأسيادهم. مارسوا التزوير الخداع والاحتيال والرشوة ونهب المال العام عبر عقود ومشاريع وهمية مدعومة من قبل أحزاب كارتونية طائفية اسمياً وشكلياً ولكل حزب له مليشيا مسلحة تمارس القتل والخطف والسجن والتعذيب والتهجير القسري لكن لكل من لا ينفذ ويتفق مع تطلعاتهم.

    ولما كان إجرامهم صادر من خلال استحواذهم على الرئاسات الثلاثة والبرلمان والمناصب العليا والجيش والأجهزة الأمنية وجميعهم غير مؤهلين لذلك وعملاء للاستعمار الإيراني فكانوا يمارسوا فسادهم وإرهابهم بكل حرية دون حساب وعقاب. كل ذلك أرسى قواعد التخريب والهدم لكل ما هو إنساني ووطني وديني مدعومين بالوسائل الإعلامية المضللة والمشوهة للحقيقة.

    إذن هذه الممارسات المنحرفة والجانحة والمجرمة هي التي استولدت ثقافة فرعية في المجتمع العراقي بعد عام 2003 فكانت هذه الثقافة هي المتسيدة على الثقافة الاجتماعية العراقية على الرغم من كونها ثقافة لقيطة ارساها لقيطين وطنياً وثقافياً وسياسياً لا يستحوا ن إجرامهم ولا من فسادهم لأنهم ساقطين ودنيئين إنما يملكوا المال والسلاح والاعلام والأجهزة الأمنية والمليشيات الحزبية الطائفية استغلوا الشباب العاطل عن العمل والمنحدرين من عوائل فقيرة ومن أوساط شيعية مغرر بهم واغرائهم بممارسات طقوسية شيعية كانوا محرومين منها فبلوروا انماطاً سلوكية شيعية في مظهرها إنما فاسدة في باطنها. هذه الأنماط السلوكية باتت تمثل القاعدة العريضة في الانساق البنائية (السياسية والدينية والاقتصادية والتربوية والأمنية والقضائية) في المجتمع العراقي وعبر ممارستها لفترة أكثر من عقد ونصف باتت حكومة ثقافة فرعية لا تمت بصلة بالثقافة الاجتماعية العراقية بل متعارضة ومتجافيه معها. بمعنى انها دخيلة عليها تنخر في بنيانها عملت على تلويث الشرائح المحرومة والافاقة والمنافقة والباحثة عن موطئ قدم في التنظيمات الرسمية مثل البنوك والجيش والشرطة والأمن والتجارة ودوائر الجمارك والعقارات والتقاعد وحرس الحدود ليمارسوا التهريب في جميع اصنافه (البترول والعملات الصعبة والاثار والوثائق الرسمية) وتزوير الوثائق والشهادات بشكل علني ولا ننسى استخدام التهجير والتطهير العرقي والطائفي عن طريق الحملات الإرهابية في التفخيخات والتفجيرات المنظمة والمقصودة فضلاً عن اغتيال أصحاب الكفاءات والمهارات والخبرات المهنية فقاموا بتفكيك مفاصل الانساق البنائية.

   معنى ذلك انهم فعلاً خونه بامتياز وعملاء اذلاء ومطايا صاغرة يمثلوا الأقلية اللقيطة التي لا تستطيع ان تتنامى وتترعرع وهي تعيش في محيط ثقافي اجتماعي عريق يحترم قيمة الانسان ويرفض حكم الأجنبي فمهما طال وجودها فإن حركة المجتمع والمؤثرات الخارجية والمنظمات الإنسانية والدولية لا تدعها تنتعش الى الأبد بل تعارضها وتكشف نواياها وتعاقبها على فسادها وإجرامها.

  لأن الفساد يشير الى كسر أو اختراق أو فصل أو تحريف سياسة المؤسسات عن أهدافها المرسومة لها بحيث يؤدي ذلك الى اضعاف ثقة الناس بسياسة المؤسسة وتردي وتدني نظرتهم اليها والى عدم تصديقهم لتصريحاتهم وقراراتها. فهو إذن آفة تنظيمية تنخر هيكلية المؤسسة من الداخل وتعطل وظيفتها وتخريبها وهذا ما قام به سياسي الصدفة واحزابهم الطائفية ومليشياتهم المسلحة في العراق.

   انها ثقافة غير سوية أي مرضية (باثولوجيه) تتصف بالخدعة والتحايل على القوانين واللوائح والأخلاق وخيانة الثقة لا تنمي قدرات المؤسسات نحو أهداف حضارية اسمى وأفضل لأنها تعكس الهروب والتحايل على وسائل الضبط الرسمية التي هي عصب الحياة المتحضرة فتخلق فجوة في جدرانها متكونة من دورين متناقضين الأول يمثل الأدوار العامة امام الناس والثاني يمثل الأدوار الخاصة (الطائفية والحزبية) التي تتهرب وتتحايل وتتنصل وتخون ولا تلتزم بالالتزامات التنظيمية الرسمية الأمر الذي يجعلها ان تتستر على سلوكها المحتال على القوانين وتسيء الى أخلاقية المجتمع وتصدع تنظيماتها وتجمد طاقاتها المهنية.

    وللمعلومية ان فساد الطغمة الحاكمة في العراق تعد من نوع الفساد الجماعي الذي تقوم به الأحزاب الحاكمة فهي إذن ظاهرة اجتماعية غير قانونية تتمثل في المحسوبية والرشوة والابتزاز والسرقة وانتهاك الإجراءات المتبعة في تحقيق مصالح شخصية واستخدام الموارد العامة لتحقيق مكاسب شخصية بسبب ضعف وسائل الضبط الاجتماعي التي بدورها تضعف المسائلة الذاتية الرسمية للفرد مما يؤدي ذلك الى التغاض والتنازل عن فكرة المسؤولية العامة وهذا بدوره يعمل على ترجيح كفة الاحتيال والابتزاز والرشوة والتكسب غير المشروع وتحقيق مآرب ومصالح ذاتية.

   أما خصائص هذا النوع من الثقافات الفرعية الفاسدة فإنها تتمثل باتصافها بالسرية في اعمالها الفاسدة والتمويه عن أنشطتها التي تقوم بها معتمدين على الخديعة والتحايل وخرق لأنماط الواجب والمسؤولية والاضرار بالمصالح العامة وتغليفه باعتبارات أمنية متحينه الظروف الاستثنائية التي تسمح بتمرير فسادها بعيداً عن انظار عامة الناس وتشجع على التسيب والتغيب وتأخير المعاملات وضعف الإنتاجية واهدار الوقت مستخدمة الوسطاء المجهولين ليلعبوا الدور الرئيسي في فسادهم. كل ذلك يوضح انحراف معاييرها وقواعدها وقيمها عن الاستواء المعياري.

  جدير بذكره في هذا السياق الى ان الفاسدين في هذه الثقافة يتسمون بعدم تكامل وتماسك شخصياتهم مع القيم الاجتماعية السائدة في مجتمعهم يحاولوا جاهدين بإفساد الأشخاص المتماثلين مع قيم ثقافتهم الفرعية وغالباً ما يتعاملوا مع تنظيمات سرية تعمل وراء الستار تقدم كافة السبل والمصادر لتغذية الفساد داخل التنظيمات السياسية والاقتصادية فضلاً عن كونهم غير متشبعين بروح المواطنة ومعاييرها الجمعية وقيمها الضبطية. بتعبير أخر، هم من المتحللين من هذه الضوابط فلا يكونوا مهتمين بالمصالح الجمعية التي تخدم المجتمع نعني انهم لا يمثلوا الرجل النبيل والمحترم والنزيه والشريف الصادق مع نفسه ومع الاخرين والأمين على ما يؤتمن يمارسوا الفساد بدون حياء أو خجل.

أ – نماذج وصور عن ثقافة الفساد

    ما قدمناه في الاستهلال سنعرض بعضاً من ممارسة أصحاب هذه الثقافة الفرعية التي برزت بأجلى صورها في المجتمع العراقي ابان الحكم الأجنبي (الأمريكي والإيراني) التي اخذت الواناً متنوعة وكأنها بانوراما لثقافة الفساد التي صورت زواياها عبر ستة عشر عاماً وهي ما يلي: –

1 – الأحزاب السياسية هي التي أوجدت الفاسدين

     يتلقى الشارع العراقي وعود المسؤولين العراقيين بشأن مكافحة الفساد والقضاء على الفاسدين في كافة مفاصل الدولة، بنوع “من السخرية” وعدم الثقة، إذ يرجح ساسة ومراقبون عراقيون، استحالة قدرة السلطتين التنفيذية والقضائية على مكافحة الفساد المالي والإداري والسياسي في البلاد.

 ويعتبر ملف الفساد في العراق من أعقد الملفات الشائكة منذ العام 2003، حيث يعد أخطر من ملف الإرهاب، وذلك لتورط مجموعات عدة فيه، ما جعل الأمر شائكاً وملتبساً على السلطة التنفيذية، فضلاً عن اتهامات تطال العديد من أركانها.

ومنذ تشكيل النظام السياسي العراقي قبل 15 عاماً، شرّع البرلمان العراقي عام 2005، قوانين عدة مؤسسات حكومية تنفيذية، ترصد مكامن الفساد في دوائر الدولة العراقية، منها دائرة المفتش العام في كل وزارة، وهيئة النزاهة (هيأة مستقلة مرتبطة مباشرة برئيس الوزراء)، وديوان الرقابة المالية، وفي عهد حكومة حيدر العبادي (2014 – 2018) شكلت حكومته مجلساً أعلى لمكافحة الفساد مازال مستمراً لغاية الآن، إلا أن أي ملف فساد لم يصل إلى خواتيمه يوما.

آخر “نكتة فساد

ففي إحدى جلسات مجلس الوزراء الأسبوعية (كل يوم ثلاثاء)، استعرض رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، شريطاً مسجلاً لأحد وزرائه، وهو يبيع منصب إحدى مديريات وزارته إلى تاجر سياسيٍ معين، إلا أن هذا الدليل القاطع بفساد أحد أعضاء حكومة عبد المهدي لم يفض إلا إلى “توبيخ الوزير” أثناء الجلسة، دون تحويل الأدلة لهيئات الرقابة المسؤولة، بحسب ما نقل مصدر حكومي لـ “العربية.نت”.

وإثر المعارك الإعلامية بشأن ملفات الفساد بين المسؤولين العراقيين (برلمانيين ووزراء)، أصدر المجلس الأعلى لمكافحة الفساد، خلال شهر أغسطس الحالي، قراراً دعا فيه إلى تقديم الأدلة على الاتهامات الموجهة للمسؤولين، عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومختلف المنصات الإعلامية.

طوق نجاة للفاسدين

من جهتها، وصفت عضو البرلمان العراقي، عالية نصيف، قرار المجلس الأعلى لمكافحة الفساد الأخير بأنه “محاولة فاشلة لمد طوق النجاة للفاسدين”.

وقالت في تصريحٍ لـ “العربية.نت”، إن “أعضاء البرلمان يمثلون أعلى سلطة في البلاد، ولديهم قنواتهم في ممارسة عملهم الرقابي وفق ما رسمه الدستور والنظام الداخلي لمجلس النواب، وذلك من خلال الاستضافة والاستيضاح والسؤال والاستفسار وطلب الأدلة والمعلومات والتحقيق والاستجواب وإحالة ملفاتهم من خلال المخرجات إلى القنوات التي لها علاقة بعملهم من الادعاء العام والنزاهة”، مضيفة أن “هذه الإجراءات معمول بها في كل برلمانات العالم”.

إلا أنها رأت أن “المجلس الأعلى لمكافحة الفساد يحاول تقزيم سلطة الشعب والاستهانة بالدستور، فمثلاً ملفات وزارة الدفاع سبق أن أحيلت إلى المفتش العام والادعاء وهيئة النزاهة بكتب رسمية، فما هو دور هذا المجلس المستحدث؟”.

آخر “نكتة فساد

ففي إحدى جلسات مجلس الوزراء الأسبوعية (كل يوم ثلاثاء)، استعرض رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، شريطاً مسجلاً لأحد وزرائه، وهو يبيع منصب إحدى مديريات وزارته إلى تاجر سياسيٍ معين، إلا أن هذا الدليل القاطع بفساد أحد أعضاء حكومة عبد المهدي لم يفض إلا إلى “توبيخ الوزير” أثناء الجلسة، دون تحويل الأدلة لهيئات الرقابة المسؤولة، بحسب ما نقل مصدر حكومي لـ “العربية.نت”.

وإثر المعارك الإعلامية بشأن ملفات الفساد بين المسؤولين العراقيين (برلمانيين ووزراء)، أصدر المجلس الأعلى لمكافحة الفساد، خلال شهر أغسطس الحالي، قراراً دعا فيه إلى تقديم الأدلة على الاتهامات الموجهة للمسؤولين، عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومختلف المنصات الإعلامية.

طوق نجاة للفاسدين

من جهتها، وصفت عضو البرلمان العراقي، عالية نصيف، قرار المجلس الأعلى لمكافحة الفساد الأخير بأنه “محاولة فاشلة لمد طوق النجاة للفاسدين”.

وقالت في تصريحٍ لـ “العربية.نت”، إن “أعضاء البرلمان يمثلون أعلى سلطة في البلاد، ولديهم قنواتهم في ممارسة عملهم الرقابي وفق ما رسمه الدستور والنظام الداخلي لمجلس النواب، وذلك من خلال الاستضافة والاستيضاح والسؤال والاستفسار وطلب الأدلة والمعلومات والتحقيق والاستجواب وإحالة ملفاتهم من خلال المخرجات إلى القنوات التي لها علاقة بعملهم من الادعاء العام والنزاهة”، مضيفة أن “هذه الإجراءات معمول بها في كل برلمانات العالم”.

إلا أنها رأت أن “المجلس الأعلى لمكافحة الفساد يحاول تقزيم سلطة الشعب والاستهانة بالدستور، فمثلاً ملفات وزارة الدفاع سبق أن أحيلت إلى المفتش العام والادعاء وهيئة النزاهة بكتب رسمية، فما هو دور هذا المجلس المستحدث؟”.

ولكثرة التأويلات بشأن تسيس هيئة النزاهة، وعدم إتقانها العمل على مكافحة الفساد في العراق، رد رئيسها السابق حسن الياسري على تلك الاتهامات، مبيناً أن “هيئة النزاهة عملت على فتح ملف فساد لأغلب مسؤولي الدولة العراقية، فمنهم من ثبتت براءته ومنهم من أحيل ملفه إلى القضاء”.

وأضاف الياسري لـ “العربية.نت”، أن “هيئة النزاهة عملت على فتح آلاف القضايا التي شملت جميع من يعمل في العراق من الأحزاب والاتجاهات والحركات السياسية، حتى وصل عدد القضايا التي حققت فيها خلال السنوات الثلاث المنصرمة إلى أكثر من 29 ألفاً، شملت 34 ألف متهم، منهم 48 وزيراً من الحاليِّين (وقت فتح التحقيق) والسابقين، و48 نائباً، و39 محافظاً، و438 عضو مجلس محافظة، و624 مديراً عاماً، مشيراً إلى “الاسترداد والمحافظة على أكثر من 5 تريليونات دينار”.

عقارات الدولة مسلوبة

وتابع الياسري قائلاً إن “الهيئة أصدرت آلاف أوامر القبض والاستقدام التي شملت العشرات من المذكورين أعلاه، ناهيك عن ملف عقارات الدولة الذي أسفر عن استرداد عشرات العقارات المسلوبة إلى ملكية الدولة بلغت قيمتها عشرات المليارات، وملف متابعة الذمم المالية للمسؤولين، وملف استرداد بعض المحكومين الكبار في الخارج لأول مرةٍ، وغير ذلك الكثير ممَّا نشرناه سابقاً في التقارير التي كانت تُعرض أمام الملأ بكل شفافية والمنشورة والموزَّعة على جميع المعنيين”.

وتدار هيئة النزاهة العراقية، في الوقت الحالي بالوكالة، بعد تعرض رئيسها بالأصالة القاضي عزت توفيق، في شهر مارس الماضي، إلى حادث سير غامض في مدينة دهوك شمال العراق، أودى بحياتهِ على الفور. ودارت شكوك في أن يكون الحادث المروري الذي تعرض له القاضي مدبراً، خصوصاً أنه جاء في توقيت يستعد فيه الأخير لكشف عدة ملفات فساد.

مفاوضة ومبارزة على الوزارات

من جهته، رجح السياسي ووزير التعليم العالي الأسبق، علي الأديب، نهاية العملية السياسية في حال فتحت ملفات الفساد على مصراعيها داخل العراق.

وأعرب لـ “العربية.نت” عن خشيته “في حال محاربة الفساد من إلقاء القبض على قمم سياسية في البلاد”. وأضاف “بعض القوى تخشى فتح ملفات الفساد كي لا تنهار العملية السياسية ومعها الحكومة، لكون لها حصة من الوزارات”.

كما أشار الأديب إلى أن “بعض الكتل السياسية تفاوض على الوزارات والدرجات الخاصة بغية الظفر بالعقود الاقتصادية لتلك المؤسسات، لذا الفساد في العراق هو ممارسة وليس كلاماً فقط”.

حيتان الفساد وعجز الحكومة

إلا أن عضو مجلس النواب عن تحالف البناء أحمد الكناني، لا يثق بالنتائج التي يمكن أن تتحقق من عمل السلطات المكلفة بمكافحة الفساد، حيث أكد لـ “العربية.نت” أن “الحكومة غير قادرة على الوقوف بوجه حيتان الفساد في العراق”.

وقال الكناني إن “الفساد في العراق لا يمكن أن ينتهي دون صولة فرسان على الفاسدين، لأن المشكلة في محاربة الفساد سياسية”، واتهم بعض الأحزاب في العراق بـ”أنها هي التي أوجدت الفاسدين، وتستمر في حمايتهم”. [https://www.alarabiya.net]

2 – قصة الفساد في العراق

   الفساد في العراق ليس كالفساد في غيره من الدول ولا يشبه بقية الفسادات لا من حيث الكم ولا من حيث الوزن ولا من حيث الفاعل ولا من حيث النوع ولا من حيث الأسباب ولا من حيث الموقف منه.

 – فالفساد في العراق ما عاد حالة استثنائية إنما بات القاعدة.

 – والفساد في العراق يُمارس لذاته ويُمارس كسلاح في الحرب المحتدمة على الحكم.

– والفساد في العراق يقاس بالمليارات وليس بالمفرد.

– والفساد في العراق من فعل كبار المسؤولين والساسة ونواب الشعب، فكانوا القدوة لغيرهم ومعلماً لكنهم ليسوا الذين ينبغي القيام لهم تبجيلا.

 – والفساد في العراق ليس من جراء إساءة استعمال السلطة للحصول على مزايا شخصية كما تقول عنه منظمة الشفافية الدولية إنما من خلال توظيف السلطة لممارسة الفساد وتوظيف الفساد لبلوغ السلطة.

– وسبب الفساد في العراق فساد الساسة، والفساد السياسي في العراق هو أبو الفساد جميعاً، وهو اختصاص حصري للطبقة السياسية المتنفذة فهي المحتكر الوحيد لهذا النوع من النشاط في العراق وليس أولئك المغمورون في حافات الجهاز الحكومي..

 – والفساد في العراق لم يعد مخجلاً فقد بات يشرعن ويقنن والذين يمارسونه لا يرمش لهم طرفٌ حياءً ، بعد أن بات الأمر مغانما بدلا من أن يكون تفانيا.

– والفساد في العراق يستخدمونه في السراء والضراء فهم يغرفون منه في الألفة وعندما يحتدم الخصام فان.. الكل يشن حرب الملفات ضد الكل والكل يزعق في وجه الكل: أطلّع ملفاتك..؟ فيجنحوا للسلم لأن لكل منهم ملفاته..
 – والموقف من الفساد مختلف في العراق عن غيره من الدول أيضاً، فالناس هنا تتوزع في ثلاثة خنادق: خندق ينكر وجود الفساد ويتهم من يثيره أو يواجهه بـ الأجندة!..، والثاني أفسد من الأول لكنه يسعى لغاية في نفسه وهي التسقيط والإسقاط سعيا للعودة بالأوضاع إلى ما كانت عليه قبل عام 2003، أما الثالث فيواجه الفساد التزاما بالمبادئ والمثل العليا ذوداً عن الشعب ومن أجل بناء نظام الحكم الصالح في العراق لكنه أعزل وقليل الخالات ومقطوع من شجره، فهو بين الخندقين مثل هاجر. هذا يقول عنه معاد للحزب والمذهب، وذاك يقول عنه عميل الاحتلال..! لكنه في حقيقة الأمر معاد للفساد مثلما كان قبل ذلك معاديا للاستبداد، وإن كان ولابد من العمالة فهو عميل للشعب، ألا يستحق هذا الشعب منكم عميلا..؟. – وفي العراق عندما يحتدم الجدل بين أثنين فإن أحدهما يقول للآخر: (أنت سامع لو متلمس ..؟..) وأنا أيها الأحبة من الصنف الثاني متلمس ومتلمس بعمق.. ويدي دخلت في جعبة الفساد ليس للمرفق إنما حد الإبط..! فقد عاصرت عهود الاستبداد والفساد في العراق وطال تطلعي إلى عهد الرخاء والديمقراطية في أرض السواد.. لكن تحقق ذلك بات يقينا خارج عمري الزمني .. ربما يشهده أحفادي من بعدي.. من يدري..؟ لكن موضوع أن يستسلم المرء لأن لا شيء يلوح في الأفق ؟..فان ذلك قرارُ من به خورٌ وخيار الذي يبحث عن معاذير، فهل عرفتموني من هؤلاء…؟ العبرة عندي أن يبذل المرء قصاراه كي يشكل ذلك حافزاً للأحفاد ليسجلوا تقدماً ولا يكونوا عبئاً شأن هذا الجيل، ولن أشعر بالغبن لأن الحلم لم يتحقق فان مت قبل ذلك فعلى بنيتي أن ترثيني بما أراده أبو فراس من بنيته أن ترثيه به، فأنا لم أمتع بتحقق الحلم في الحكم الصالح والنزيه بين ظهراني سكان بلاد ما بين النهرين، وعزائي في ذلك هو أني لست الوحيد في هذا، فنحن جميعا فيه سواء، حتى إخواننا في الربيع العربي خيبوا آمالنا فقد أفضى ربيعهم إلى أن الذي يخرج مظاهرة على الرئيس فإنما خرج على الله ورسوله، أحنا أحسن، على الأقل ما منا علماني ولم يقتف أثر المرحوم الوالد.

– واجهت الفساد في العراق عن قرب وعرفته عن كثب وخلافاً لغيري في عهد المحاصصة والفساد.. لم أضع درهما في جيبي عدا راتبي، ولم أعين ابناً أو أخاً، ولم أقايض منصباً بالخضوع أو إخضاع هيئة النزاهة للأمريكان أو الحكومة أو الأحزاب خلافا للدستور ، ولقاء ذلك حظيت برضا أناس طيبين كثر، وما كتبه كتاب ومثقفون عن سيرتي شرفني كثيراً ، لكني لم أفز برضا الأمريكان ولا الحكومة ولا الطبقة السياسية في العراق.. ولست بآبه فذاك يسجل لي وليس عليّ. – كان لزاما علي أن أروي قصة الفساد في العراق كما عشتها وكما لمستها لمن أتعبتهم آثارها واكتووا بأضرارها لكنهم سمعوا عن خفاياها مجرد سماع.. وكانت مبادرة مؤسسة وصحيفة (المثقف) بشخص رئيسها الصديق ماجد الغرباوي وزميلاته وزملائه في المؤسسة كريمة معي بإتاحة الفرصة لي لأن أروي بعضا من فصول تلك القصة من خلال الحوار المفتوح الذي تم أجراؤه معي والذي استمر 19 حلقة أو يزيد، وكانت مشاركة لفيف من الكتاب والمثقفين والأدباء كريمة للغاية من خلال المشاركة الوجدانية الفاعلة في حلقات الحوار والتفاعل معه، وأنا مدين للأصدقاء الذين حثوني على الكتابة عن تجربتي في مكافحة الفساد.. وفي الوقت الذي أحتفظ فيه في وجداني بملفاتهم واحداً واحداً معطرة بالحب والتقدير خلافا لملفات الفاسدين فإني متيقن أن معركة مواجهة الفساد لا يبلي فيها غير ذوي السجايا النبيلة الذين لا يطلبون عليه أجراً إلا المودة بالشعب في حكم صالح رشيد يضمن حقوقه في مقدراته ، ويحفظ وحدة العراق وسيادته ويقدس حقوق الإنسان وكرامته، فخلاص الشعب العراقي من التخلف والفساد وفوضى الحكم أمر معقود على نواصيهم .. أدرك يقيناً أن معركة مواجهة الفساد في العراق مفتوحة وواسعة وقد دخلها المبدئي مثلما دخلها المرتزق، ومثلما بات الفساد في العراق يتم تعاطيه تارة لذاته وأخرى سلاحاً في الحرب الطاحنة بين الساسة العراقيين بقصد إفشال الآخر والانفراد بالحكم.. فإن الدعوة لمواجهة الفساد تنطلق من بواعث ونوايا صادقة تارة وتارة أخرى مجرد غطاء لنوايا أخرى تستهدف التنكيل بالآخر بقصد السعي لإزاحته والإحلال مكانه في سدة الحكم.. ولا اعترض على ذلك إذا كان الأمر يتعلق بالأفضل، لكن الطرفين عصفور وزرزور واثنينهم مكّاره ..!، أنا تعنيني الصادقة منها لأنها تصب في مصلحة الشعب فأنا كما تعلمون أنتمي للشعب وليس للمكّاره.

– لقد شكل الحوار المفتوح مع مثقفي وكتاب صحيفة المثقف محورا آخر لروايتي لقصة الفساد في العراق أتوقع أن يصدر لاحقاً، وهو ليس الرواية كلها والتي قررت أن احكيها لكم أنتم، وليس لشهريار لأني لا أملك ملاحة شهرزاد، ولأني لست من الصنف الذي يقف بين يدي أمثاله ليحكي لهم.. إنما أقف بينكم انتم فأقص عليكم قصة الفساد في العراق.. وأضعها بين أيدي أولادنا وأحفادنا كي يتسلحوا بها في مواجهة أبناء وأحفاد الفاسدين.. المكّاره، فإن تفاخروا بأسلافهم وقال القائل منهم: كان أبي..! قال له أحفادنا: من أبوك يا هذا..؟ ما كان أبوك إلا فاسداً لغّافاً ولا تستحق صورته أن تعلق فوق الرؤوس.. لقد سلب ونهب واغتصب حق الشعب في التمتع بموارده ومقدراته، واستأثر بالمناصب والمال، وفي عرفنا ليس بالدنانير وحدها يسمو الإنسان، انزل صورته وإلا فتحنا ملفه.. فقد ترك لنا آبائنا ملفات آباءكم وهي تنز بما يزكم الأنوف. وفي هذه الحالة لن يغلب أحفادهم أحفادنا مثلما غلبونا هم يوم قالوا: كان أسلافنا…! وأسلافهم ما كانوا سوى شويخات وإقطاع ومطايا للاستعمار.

 – صحيح قد يقول قائل: إن موسى فرج وهيئة النزاهة لم يبطشا بالفاسدين ولم يستردا الأموال المنهوبة.. وفي هذا القول الكثير من الصحة ولكني أقول: أن الهيئة تتحمل نصف الوزر في هذا فإن في بعض إداراتها هنات ومن به هنه لا يصلح هنات الآخرين. ولكن النصف الآخر من وزر الإخفاق تتحمل مسؤوليته بيئة مكافحة الفساد في العراق.. فلو كانت الهيئة مرتبطة (بالفيفا) لحققت شيئاً ولكن أن يكون مراجعها واحدا.. كان كل ثلاثة أيام يأتيك مقبلا مدبراَ وهو يتأبط حضن فايلات صفر يسعى لتعيين أبناء عمومته الأقربين من السواعد بوظائف (بودي كاردات) في الهيئة وكأن لديها عسكر أبو حنيج، فترمى تلك الفايلات في المكان الذي تستحقه، والآخر يرفع عقيرته ويتآمر ضدك كلما هممت بقطع الطرمبة الخاصة بشفط النفط والثالث يقول لك: ما لكيت غير جماعتنا…؟ والرابع إذا تنطخ بواحد من جماعته يتهمك بتهديد المشروع الوطني..؟ والخامس بس تتقرب من كردي يصدح بالنشيد القومي القائل بان العراق لم يعد من زاخو إلى جنوب الكويت إنما من عفك للرزازه.. والتاجر العراقي يستورد مواد ملوثة بالإشعاع القاتل لكنه يحرص على أن يمضي نصف يومه بالبحث عن مطعم يقدم لحما مذبوحا على الطريقة الإسلامية..! وإذا تشتكي عند المراجع الدينية على أمل تقويم سلوك أتباعهم فالمرجع أول شيء ينظر إليه في وجهك هو ذقنك.. محلوق بالموس لو بالمكص.. ولا يقر بالذي سمعناه من: أن المرء بأصغريه قلبه ولسانه.. وبعضهم يشكو همه قائلا: بس أحجي يستوردون بديل من دول الجوار.. (هذا ليس تعميماً، وتوجد استثناءات..)، وإن ذهبت إلى شيخ العشيرة سألك: أنت من يا عمام..؟ فإن قلت: من عمام الشعب العراقي.. صعّر خده تيها فهو يحمل هوية مجالس الإسناد في حين انك لم ترتق إلى هذا المقام. في بيئة كهذه كيف تحقق نتائج في مواجهتك للفساد..؟ أليس هؤلاء هم من ألجأ النبي (ص) لأن يقول لهم: لست أبا أحد منكم، ولست عليكم بوكيل..! أليسوا هم من اضطر الإمام علي (ع) لأن يقول لهم: ما ترك لي الحق من صديق..!! في بيئة كهذه تريدون من موسى فرج أن يجعل العراق خاليا من الفساد..؟ لازم أكرر تجربة هيروشيما وناكازاكي.. تقبلون ..؟ أقول لكم سر مضمونه الآتي: إن تحقيق نتائج حاسمة في مواجهة الفساد يتطلب رأي عام عامر، فهل يوجد في العراق شيء من هذا…؟ ابحثوا عنه أو عمروه واجتهدوا في ذلك عندها تضعون حدا للفساد في العراق، ودون ذلك لن تفلحوا.

 – حكايتي مع قصة الفساد في العراق.. لم أعتمد فيها المنحى النظري والأكاديمي الصرف إنما تم التركيز فيها على الجانب الميداني لمجريات الصراع مع الفساد والفاسدين والمفسدين أتمنى أن تتاح لي الظروف في أن أُلحق ذلك بمؤلف تكون فيه حصة الجوانب الأكاديمية 51% على الأقل.. آمل أن أكون قد وفقت في روايتي لقصة الفساد في العراق كما جرت ودون أساطير ولا تلميع لصورة هذا أو ذاك كي أأتمنكم عليها ليتوزع عبء حملها على الذين يشيلون الحمل عن الشعب.

[http://furatnews.com]

3 – عن الفساد والفاسدين في العراق

 “كل واحد منا له دور في الفساد، نحن في لجنة النزاهة نفتح ملفات ويأتون ويعطوننا رشوة فنغلقها”، تلك كانت كلمات النائب المثير للجدل في البرلمان العراقي، مشعان الجبوري، في حوار تلفزيوني. ترجم هذا السياسي المتّهم بدوره بقضايا فساد عديدة ــ تمّت تبرئته منها تزامناً مع تخلّيه عن موقفه المعارض لرئيس الوزراء السابق ــ طبيعة علاقة التخادم القائمة بين الطبقة السياسية والمصالح المالية. يضيف “كل واحد منا له دور في الفساد، نحن في لجنة النزاهة نفتح ملفات ويأتون ويعطوننا رشوة فنغلقها”، تلك كانت كلمات النائب المثير للجدل في البرلمان العراقي، مشعان الجبوري، في حوار تلفزيوني. ترجم هذا السياسي المتّهم بدوره بقضايا فساد عديدة ــ تمّت تبرئته منها تزامناً مع تخلّيه عن موقفه المعارض لرئيس الوزراء السابق ــ طبيعة علاقة التخادم القائمة بين الطبقة السياسية والمصالح المالية. يضيف النائب: “لقد أعطوني رشوة لأغلق ملفاً، وأخذت الرشوة”، ويسبق هذه الجملة بالقول “أي والله.. بشرفي!”، فيما يبدو كقسم عفوي يستقل بالشرف عن السلوك، ويقول ضمنياً إن من الممكن أن تكون لصاً وشريفاً في آن واحد.

اللصوص “الشرفاء

تُستدعى كلمة الشرف اليوم، بمعناها الظاهري المستند على قراءة دينية ــ عشائرية وليس بالضرورة أخلاقية. فيمكنك أن تكون متديناً ولصاً، لكن مقياس شرفك هو مستوى التدين الظاهري الذي تعبر عنه، أو مستوى الالتزام بالقيم العشائرية وعصبياتها، حيث يختزل الشرف بمفاهيم مثل “العرْض”، وبمدى الضبط الذي يقوم به الرجل لنساء الجماعة حتى لا يتعرّضن للانتهاك من الجماعة المقابلة.
في دراستها عن الفساد وسياسات الهوية، ترى الأستاذة الجامعية والمختصة بمنظومة الهجرات كاميلا أورخويلا Camilla Orjuela أن طغيان سياسات الهوية في المجتمعات المنقسمة غالباً ما يرافقه تصاعد في مستوى الفساد، لأن هذا النوع من السياسات الذي يقوم على التمثيل الهويّاتي للجماعات، لا التمثيل القانوني للمواطنين، يسمح بإضعاف قيم المحاسبة والمسؤولية لأنه يقوّض قدرة المؤسسات المحايدة والوسيطة التي تراقب عمل المسؤول الحكومي على ممارسة دورها حيث تتحول تلك المؤسسات نفسها إلى مفرخ لهذا النوع من السياسات. كما أن تسيس التنوعات الاجتماعية – الثقافية يقود تدريجياً إلى تغييب الوعي المواطناتي لمصلحة الوعي الجماعاتي، وهذا الأخير يقوم على فكرة التربص بجماعت “هم” والتسامح مع جماعة “نا”. يمكن عندها للمقاولين السياسيين لجماعة “نا” أن يسيئوا استخدام سلطتهم أو يسرقوا من أموال الدولة أو يرتشوا، لكنهم يستخدمون خطاب الدفاع عن الجماعة لتبرير هذا السلوك، خصوصاً إنْ اختلط فسادهم مع توزيع للعوائد على منتمين للجماعة ذاتها. في مثل هذا السياق، ينشأ تواطؤ جمعي يجعل من الشرف مساوياً للعصبية، ويُنحّي بالنتيجة القيم المواطناتية التي تريد استبدال شرائع وأعراف الجماعات بنسق قانوني – حقوقي ينْظم العلاقة بين مواطنين لا مجرد بين أرقام في جماعات، وبين هؤلاء ودولة يحكم عملها القانون، لا مجرد إطار لاستيعاب نخب تدّعي تمثيل العصبيات المتصارعة.

كيف يرتشون؟

  تمثل القصة التي نشرت بالاشتراك بين موقع “هافينغتون بوست” و مؤسسة “فايرفاكس ميديا” عما أطلق عليه “أكبر فضائح الرشوة في العالم”، آخر مثال صارخ للكيفية التي جرت بها سرقة العراقيين والتلاعب بالمال العام. وستكون القضية على الأرجح مثالاً آخر للكيفية التي يمكن لفضيحة مستندة على وثائق وذات بعد دولي أن تُطوى بالنسيان العراقي، وأن لا يتعرّض المتهمون بها لأي محاسبة. ومن المهم أن نتذكر هنا أن النائب الذي بدأنا المقالة باقتباس تصريحاته كان متهماً في يوم من الأيام من قبل “هيئة النزاهة العراقية” بسرقة ملايين الدولارات عبر وضع قوائم أسماء وهمية في حماية المنشآت العراقية، حينما كان متعاقداً مع وزارة الدفاع.
فضيحة الرشوة في قطاع النفط تركز على نشاط شركة “يون أويل” التي تقدّم نفسها بوصفها شركة مختصة بـ”الحلول النفطية”، وهو تعبير تجميلي ومراوغ لشركة عملها الأساسي الوساطة بين الشركات النفطية الغربية والحكومات العالم ــ ثالثية، وبتعبير أدق، إقامة علاقات مع مسؤولين في تلك الحكومات للحصول على معاملة تفضيلية وعقود لمصلحة وكلائها من الشركات، وتَقاضي نسبة متفق عليها من العقد الذي يتم إبرامه. نجح ممثل الشركة في العراق بإقامة علاقات مباشرة مع عدد من المسؤولين في القطاع النفطي العراقي، وابتدأ نشاطه برشوة أحد موظفي “شركة نفط الجنوب” بدفع فاتورة تبضعه خلال وجوده في لندن، بما في ذلك معطف قام بشرائه من هناك، لينتهي بها الأمر وبحسب الوثائق المسرّبة الى رشوة أكبر مسؤولين عن قطاع النفط في العراق، إلى حد دفع مبلغ 16 مليون دولار إلى نائب رئيس الوزراء السابق، حسين الشهرستاني، ووزير النفط السابق، عبد الكريم لعيبي، لقاء تلزيم عقد لتشييد أنابيب نفط بقيمة 600 مليون دولار.
وبحسب التقرير، فإن هناك شركات غربية كبرى متورّطة بالتعامل مع هذه الشركة التي يوجد مقرّها في موناكو (يقول أحد الخبراء إن مجرد معرفة مقر الشركة كان يجب أن يدفع تلك الشركات للشك بنشاطها، فيما لو كانت، كما تزعم، لا تعلم بنوع هذا النشاط). ومن بين هذه الشركات “هاليبرتن” الأميركية (ومقرها العام في هيوستن ومقرّها الثاني في دبي) والتي صارت أشهر من أن تعرّف، “كي بي أر” (المدرجة في بورصة نيويورك، والتي تعرّف عن نفسها بأنها “شركة عالمية متخصصة في مجال الهندسة والبناء والخدمات وتعمل على دعم أسواق الطاقة والصناعات الهيدروكربونية، والخدمات الحكومية، والمعادن، والبنى التحتية المدنية، والكهرباء، والأسواق الصناعية والتجارية”.. وقد تعاقدت معها مؤخراً شركة البترول السعودية آرامكو، وهي تقدم كإحدى أجنحة هاليبورتن)، و “إيني” الإيطالية (التي تعرّف عن نفسها بأنها “شركة متعددة الجنسيات وتعمل في 76 بلداً، وتملك الحكومة الإيطالية 33 في المئة من أسهمها”، وهي أعلنت مؤخراً عن اكتشاف “حقل غاز عملاق” في مصر)، و “رولز رايس” (البريطانية والمتعدّدة الجنسيات والمسجلة في بورصة لندن وواحدة من الشركات التي يتكون منها مؤشر فاينشال تايمز، وهي لم تعد تنتج السيارات الفخمة فحسب، بل تعمل وفق موقعها في مجال أنظمة الطاقة و “المعدات الدفاعية”.. وهو التعبير المهذب للسلاح). وقال التقرير إن الشهرستاني نفى التهم الموجهة إليه ودعا إلى إحالة الملف إلى “هيئة النزاهة العراقية”، وهو ما عاد إلى تأكيده في بيان أصدره مكتبه داعياً “الحكومة العراقية الى مطالبة الصحيفة الأجنبية بتزويدها بكل ما لديها من مستمسكات ووثائق وأدلة لتتسنى لها محاسبة المفسدين. وبخلافه فإن الحكومة ملزمة بمقاضاة الصحيفة على التشهير بموظفي الخدمة العامة والشخصيات التي خدمت العراق”.
 الشرطة الفيدرالية ووزارة العدل الأميركيتان وشرطة مكافحة الفساد في بريطانيا وأستراليا فتحت تحقيقات متعلقة بملف أكبر رشوة في قطاع النفط. ومن الصعب الجزم في ما الذي سيحدث عراقياً، بل وللمفارقة، ربما يكون العراق هو أكثر الأماكن أماناً للمتهمين إنْ جرى اتخاذ إجراءات ضدهم من قبل جهات التحقيق الغربية.

اجتثاث الفاسدين

هل سينتهي الأمر بهذا الملف إلى نتيجة تشبه تلك التي انتهى إليها ملفّ التحقيق بأجهزة كشف المتفجرات المزيفة.. والتي لا زالت تستخدم في العديد من نقاط التفتيش العراقية؟ الجواب على هذا السؤال بكلمة واحدة: لا يهمّ. فالتعامل الاستثنائي مع قضية فساد كبرى لمجرد أنها ظهرت في الإعلام الغربي ليس حلّاً للمشكلة. فلربما هناك قضايا فساد أكبر بحجم متورطين أوسع يتم التغاضي عنها طالما أنها لم تجد صحافياً غربياً يستقصي عن تفاصيلها.

  القيمة الأساسية لهذه القصة هي أنها تروي لنا بالتفاصيل الدقيقة كيف يعمل نظام الرشوة في العراق، وتلقي ضوءاً مهماً على الطريقة التي تنشأ وتنمو فيها شبكات الفساد ونمط العلاقة بين الطبقة السياسية وأصحاب المصالح المالية. الأسماء بذاتها، على “علوّ مقامها”، ليست الشيء الأهمّ، ولا يوجد سبب للاعتقاد أن مسؤولاً آخر في الموقع نفسه كان سيتصرّف على نحو مغاير، ما دام الجبوري قد قال صراحة “جميعنا نرتشي”. المهم هنا هو الصدمة التي يجب أن تجعلنا مدركين أن معالجة الفساد لا تقوم ببساطة على “ضرب المفسدين بيد من حديد”، كما جاء في خطبة لممثل المرجع السيستاني في معرض دعوته للعبادي كي يكون حازماً (على أهمية ما يمكن أن ينتجه الحزم من قوة ردع)، ولا عبر تخليصنا من الحرامية كما يتردد على لسان المحتجين العراقيين، بل بإدراك أن الفساد هو منظومة معقدة ترفدها عوامل سياسية واقتصادية وثقافية، لكنها تعمل بفاعلية حيثما توفرت لها البيئة المناسبة. وهل هناك بيئة أنسب من الوضع العراقي، حيث تغرقنا سياسات الهوية باستقطابات زائفة، وحيث يسقط حكم القانون يومياً عبر ممارسات مَن تمّ إيكالهم بمهمّة حمايته؟ ليس الفساد سوءاً في الطباع يتم حلّه عبر طرد “السيئين”. فمعظم من تصدّر المشهد العراقي هم أخلاقيون من الطراز الأول، تغلب صفات الوعظ والتدين عليهم، ويجيدون ترداد آيات القرآن الأخلاقية ومقولات الإمام علي عن العدالة، وربما يحفظون عن ظهر قلب رسالته لمالك الاشتر، ويعرفون تماماً قصته مع أخيه عقيل الذي طلب ما لا يستحق من بيت المال. لكن الطباع والأخلاق شيء، والبيزنس شيء آخر. فالقصة أعلاه تقول لنا إن الشركات الغربية التي تخشى كثيراً من عواقب خرق القانون في بلدانها، لا تتردد عن القيام بذلك في بلد عالم ــ ثالثي يغيب فيه حكم القانون. تأتي عندها “يون أويل” وأمثالها لتدير العلاقة بين تلك الشركات والمسؤولين المحليين، وتلعب دوراً في إفساد هؤلاء ومن ثم دفعهم ليصبحوا وكلاء لها في بناء شبكة فساد أوسع. وتشير المقالة المذكورة إلى أن ممثل “يون أويل” كان عليه أن يلازم مسؤولاً عراقياً في دبي لمدة 4 أو 5 أيام وكأنه يجالس طفلاً بحاجة للعناية، فقط لضمان ألاّ يأتي منافس آخر للشركة ويتواصل مع هذا المسؤول.

 نحن أمام منظومة تعيد إنتاج نفسها، بغض النظر عن شاغلي مواقعها. وهي منظومة تستثمر قطعاً بالجشع الإنساني وبرغبة الإثراء السريع، لكنها تستثمر أكثر بنظام يخضع فيه القانون لمطاطية عالية في التفسير، وتُنتهك فيه بنوده من أجل ما هو “أسمى”. ولا تعود أي مؤسسات تنشأ لغرض حمايته تملك قدرة مقاومة مَن لديهم قوة أعلى من القانون يمتزج فيها المقدَّس بالهوية بالسلاح.
في عام 2011 كتب ممثل “يون أويل” متفاخراً أن شركته على وشك أن تمسك تماماً بكل هرم القطاع النفطي في العراق. كم “يون أويل” تمسك اليوم بقطاعات أخرى؟ [http://assafirarabi.com]

4 – الفساد في العراق معلومات وأسماء ووثائق

    يدر الفساد المالي، الذي تديره الأحزاب والميليشيات في العراق، عوائد مالية فلكية تجنيها أطراف السلطة منذ سنوات طويلة، على حساب شعب فقير ومؤسسات بدأت بالتصدع والانهيار.

في 2017، قام نحو مئتين من قدامى المحاربين وعائلات الجنود الأميركيين الذين أصيبوا أو قتلوا في العراق برفع دعوى قضائية تتهم خمس شركات أدوية أميركية كبرى بالتعامل مع ميليشيات عراقية مصنفة على اللائحة الأميركية للإرهاب لدورها في استهداف جنود أميركيين، خلال سنوات الحرب الأولى في العراق. وتشير الدعوى القضائية إلى أن شركات الأدوية الأميركية أبرمت عقودا مع وزارة الصحة العراقية بمئات ملايين الدولارات، ودفعت أيضا عمولات ورشاوى لأتباع رجل الدين العراقي مقتدى الصدر من أجل الحصول على تلك العقود، رغم علمها بمسؤولية ميليشياته عن العديد من الجرائم الإرهابية في العراق. وفي هذا السياق، يقول المحامي راين سباراسينو إن الدفاع قدم للمحكمة وثائق عن العمولات التي كانت تقدم على شكل رشاوى نقدية من أجل الفوز بعقود في وزارة الصحة عندما كان يسيطر عليها الإرهابيون. وأظهر الدفاع للمحكمة جميع المعاملات التي تثبت حقيقة تلك الصفقات، والتي نُظمت بطريقة تجعل من السهل على الإرهابيين تحويل وإعادة بيع الأدوية التي يحصلون عليها في السوق السوداء المزدهرة في العراق، حسب ما يضيف. ويسيطر أتباع الصدر، إلى جانب شركاء سياسيين، على عقود وموازنات وزارة الصحة العراقية منذ 2004، حسب الرئيس الأسبق لهيئة النزاهة العراقي، راضي الراضي. ويشير الراضي إلى أن الوزراء الذين يتسمون ببعض النزاهة لم يتمكنوا من الاستمرار، لأن المفتش العام والمدراء العامين كانوا متفقين على تقاسم العمولات، بحيث كانوا ينظمون العقود بالشكل الذي يناسب مصالحهم. وكانوا يخفون ذلك عن الأجهزة الرقابية في وقت كان ديوان الرقابة المالية لا يقوم بالتدقيق إلا في نهاية العام، بعد أن تكون العقود قد وقعت وصرفت أموالها، وفق الراضي.

المافيات المسلحة

وعلى غرار عمل المافيات المسلحة، شهدت وزارة الصحة اختفاء اثنين من كبار موظفيها ولم يتم العثور عليهما أبدا. وألقي القبض يومها على أحد أعضاء ميليشيا جيش المهدي، المدعو حاكم الزاملي، وأخليَّ سبيله لاحقا خلال ولاية رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، ليتحول الزاملي من قائد في ميليشيا مسلحة متهم بجرائم قتل مسؤولين كبار في الدولة، إلى نائب في البرلمان العراقي.  ويؤكد الراضي أن التغيير في وزارة الصحة اقتصر على الوزراء وبعض المسؤولين، دون أن يطال هيكلية الوزارة، ولذلك نرى أنه لم يتم إعادة بناء معامل الأدوية، حتى يستمر المستفيدون في الاستيراد، والاستيراد يخضع لتقاسم العمولات وعندما تراجع الاستيراد قليلا صاروا يختلقون أشياء جديدة لعقود جديدة. يحيلنا هذا الملف إلى وثائق هامة كشفها النائب في البرلمان العراقي جواد الموسوي في شهر أغسطس 2019، وتتحدث الوثائق عن شبهات فساد في وزارة الصحة العراقية وفي العقود التي تشرف عليها شركة كيماديا المعنية باستيراد الأدوية إلى العراق. وتشير الخبيرة الاقتصادية، سلام سميسم، إلى أن وزارة الصحة تشهد استقتالا بين مختلف الأطراف لاقتسام المواقع الحساسة، لأنها مرتبطة بصفقات الأدوية وبيعها. وتضيف أن تسويق الأدوية في وزارة الصحة هو المنفذ الأساسي لفساد الوزارة وفساد ملف خطير جدا في العراق، ألا وهو ملف الدواء. وتوضح أن شركة كيماديا تتعامل مع شركات لاستيراد وتوزيع الأدوية في العراق، يستوردون ولديهم مخصصات للاستيراد وخاصة لأمراض السرطان والأمراض المستعصية المتعلقة بالإشعاع والأدوية الباهظة. والحكومة تتكلف بتأمين الموارد المالية لعمليات الاستيراد، عبر تخصيص جزء من الموازنة، ولكن في حقيقة الأمر، الأدوية غير متوفرة، وفق ما تضيف سميسم. النائب جواد الموسوي، طبيب ينحدر من الأحياء الفقيرة في مدينة الصدر وينتمي لكتلة سائرون التابعة للتيار الصدري، كشف عن فروقات في أسعار الأدوية التي يتم استيرادها. وقال، في اتصال هاتفي مع “الحرة”، إن نحو 90 بالمئة من صفقات عقود شراء الأدوية التي تشرف عليها شركة كيماديا يشوبها الفساد. وبدلا من التحقيق في الوثائق والمعلومات التي طرحها تحت قبة البرلمان وعبر وسائل الإعلام، قام التيار الصدري بعد شهر واحد بإحالته إلى لجنة حزبية انضباطية وجرى تجميد عضويته حينها داخل الكتلة البرلمانية.

أما سميسم، فتؤكد وجود علامة استفهام كبيرة بشأن مصير مخصصات الحكومات المتعاقبة للقطاع الصحي، وعلاقتها بقضايا التمويل وقضايا شركات الأدوية. الدولة التي تسرق نفسها “الدولة التي تسرق نفسها..”، هو ملخص ما قاله رئيس هيئة النزاهة السابق، موسى فرج، عن الفساد في العراق. ويشدد أن الفساد مرتبط برجال الدولة الكبار، ولا ينحصر في اختلاس أموال الدولة وحسب وإنما في تبديدها بطريقة متعمدة من خلال صرفها على كل ما هو فاشل ومغشوش وفاسد. الفساد في العراق يؤدي في كثير من الأحيان إلى موت أعداد كبيرة من السكان، لأنه تشعب في جوانب تتصل بظروف حياة السكان اليومية، طبقا لما يضيف فرج. وتعود سميسم لتقول “إذا تذكرنا عند الحصار الجائر استثنتنا الأمم المتحدة من قضية معينة هي النفط مقابل الغذاء والدواء، فلو كان هنالك من رقابة حكومية جادة كانت على الأقل راقبت هذين الملفين، ملف الغذاء من خلال وزارة التجارة والبطاقة التموينية وملف الدواء من خلال وزارة الصحة”. ويرى المتابعون للملف الاقتصادي والمالي العراقي أن الحكومات العراقية المتعاقبة، سعت وبشكل تدريجي ومنظم إلى تدمير جميع أعمدة الدولة العراقية الاقتصادية والعسكرية والتعليمية والصحية. وقد لا يبدو هذا الأمر منطقيا على الإطلاق، لكن الأرقام والإحصاءات والوثائق والحقائق والمعطيات الموجودة على أرض الواقع تبرهن على ذلك بشكل كبير. وتلفت سميسم  إلى أنه خلال هذه السنوات أبرز الظواهر التي حدثت في العراق، هي القضاء على كل عملية إنتاج عراقية، “يعني تتجاوز العملية إلى حرق مصانع وتدميرها..”.

الجارة الشرقية

وتسأل “من سمم الأسماك مثلا، لماذا نستفيق صباحا على أنباء احتراق محاصيل الطماطم في منطقة الزبير، أو فايروس يتم إلقاؤه بتعمد على المزارع بغرض تدميرها. لماذا يتم حرق مزارع وبساتين ديالى وغيرها، أنا كنت أكتب ولازلت عن الجريمة الاقتصادية الممنهجة والمنظمة، يخضع الاقتصاد العراقي إلى هكذا تدمير.. وهذه تتزامن مع استيراد اللحوم والدجاج والأسماك من الجارة الشرقية (إيران)، هذا الارتباط هو أكبر دليل على أن هذه القضية ليست قضية عابرة أو عادية وإنما هي قضية ممنهجة ومخططة ومنظمة”.

التراجع الكبير في قدرات العراق الصناعية وفي جوانب توفير الطاقة وإهمال البنى التحتية الأساسية فتح بابا واسعا لإيران في أن تنمي شركاتها الصناعية والإنشائية بشكل غير مسبوق.

كما ساهم في أن تدخل إيران كشريك أساسي في السوق العراقية بعوائد مالية تصل إلى نحو ثلاثين مليار دولار سنويا، وهو مبلغ تجنيه من تصدير منتجاتها إلى العراق ومن إمدادات الطاقة والعقود الإنشائية والاستثمارية التي تستحوذ عليها عبر تسهيلات واستثناءات يقدمها العراق.

وتؤكد سميسم أن القطاع المادي من الاقتصاد العراقي تراجع كثيرا وهذا أثر في جعل الاقتصاد العراقي اقتصاداً ريعياً ومكشوفا، بمعنى أن يكون ريعياً أي يعتمد على شيء واحد وهو النفط، وأن يكون مكشوفا أي أنه يغطي جميع احتياجاته من خلال الاستيراد ومن ثم هو مكشوف على الاقتصادات الخارجية.

أما فيما يخص القطاع المالي، فتشير تقارير إيرانية وعراقية إلى تراجع كبير في حصة العراقيين من القطاع المالي العراقي، حيث باتت تمتلك إيران نحو 11 مصرفاً يعمل في العراق بشكل مستقل.

كما اشترت مصارف إيرانية حصة ستة مصارف عراقية أخرى، وبلغ اجمالي الأموال الخاصة بالإيرانيين في تلك المصارف أكثر من سبعين مليار دولار، الأمر الذي يعكس هيمنة إيرانية شبه مطلقة على الاقتصاد العراقي.

الفساد في قطاعات الإنتاج

الفساد في قطاعات الإنتاج العراقية وخاصة في وزارات الصناعة والكهرباء والنفط والإعمار والإسكان والبلديات أدى إلى استنزاف موارد الدولة العراقية وتدمير اقتصادها وبنيتها التحتية الأساسية.

وقدرت حكومة رئيس الوزراء المستقيل، عادل عبد المهدي، حجم الفساد في تسعة آلاف مشروع حكومي، بعضها وهمي بنحو ثلاثمئة مليار دولار أميركي.

وفي هذا الصدد، يقول عبد المهدي: “مثلا تهريب النفط، ملف العقارات، تهريب الأموال، التهريب والمنافذ الحدودية، الجمارك، الذهب والتجارة وتهريبه، السجون ومراكز الاحتجاز، هذه كلها فيها فساد، كل هذه الملفات فيها فساد”.

تتم عمليات نهب موارد الدولة العراقية عبر أساليب وإجراءات متنوعة، بعضها يتم خارج إطار القانون كعمليات تهريب النفط الخام ومشتقات البترول، والتي كشفنا عنها سابقا في إحدى حلقات برنامج الحرة تتحرى، أو عبر عمليات السرقة المباشرة، كعملية سرقة معدات مصفاة النفط في بيجي.

ويقول الرئيس الأسبق لهيئة النزاهة العراقية إن “الفساد كان عبارة عن عمل فردي، ولكن فيما بعد أصبح ظاهرة. في بدايات عمل هيئة النزاهة كان لدينا نحو 2700 دعوى فساد قضائية قدرتنا قيمتها المالية بشكل تقريبي بنحو 17 مليار دينار عراقي (ما يعادل نحو 15 مليون دولار) أين نحن الآن؟ الآن الدولة كلها غارقة بالفساد”.

وتتقاسم الأحزاب والميليشيات الموارد المالية للوزارات والمؤسسات الحكومية من خلال ما يعرف بالهيئات الاقتصادية. والهيئة الاقتصادية هي الجهة المخولة بصرف النفقات والتخصيصات وإبرام العقود في المؤسسات الحكومية، من العقود الكبرى في وزارة النفط إلى عقد أصغر شركة تنظيف في دائرة رسمية.

ولا تخضع تلك العقود والنفقات لهيئات الرقابة المالية والقضائية لأن الأحزاب والميليشيات فوق سلطة القانون، وهذا ما حصل لإثنين من مفتشي وزارة الصحة عندما طلبا مراجعة عقد شركة تنظيف تابعة لميليشيا العصائب، ليتحولا إلى متهمين يواجهان قضية فساد.

وتقول سميسم إن هذه “الشركات، وحتى بعض المصارف وشركات التحويل المالي، هي في الحقيقة واجهات للأحزاب السياسية وبالتالي هي الذراع القوي للجان الاقتصادية للأحزاب لأنها تتيح لها السيطرة على المناقصات والمقاولات..”.

وتوضح “يعني مثلا نلاحظ مقاولات البنى التحتية وبالتحديد أعمال المجاري وتعبيد الطرقات هذه دائما تأخذها شركات معينة مرتبطة بالأحزاب السياسية وتكون هي المنفذ الذي تدخل من خلاله على المخصصات، يعني نفترض أن التخصيص 400 مليون دولار هي تأخذ هذا وتنجز العمل مقابل 20 مليون دولار -إذا كنا محظوظين وأنجزوا العمل – ويدخل الباقي إلى جيوبهم”.

أما الأساليب الأخرى التي تتبعها الأحزاب والميليشيات في نهب موارد الدولة العراقية، فتتم عبر أطر قانونية، من بينها عقود الشراكة التي تبرم مع شركات القطاع العام.

أحد الأمثلة على ذلك، هو عقد الشراكة الذي وقعته شركة مغمورة تدعى الشبّوب مع الشركة العامة للصناعات الفولاذية التابعة لوزارة الصناعة العراقية.

وتظهر الوثائق الخاصة بهذه القضية أن شركة الشبوب، لصاحبها بهاء علاء عبد الرزاق الجوراني، وجهت طلبا مكتوبا إلى وزير الصناعة في ديسمبر عام 2018، لإبرام عقد شراكة مع الشركة العامة للصناعات الفولاذية.

وأحال الوزير الطلب إلى الشركة العامة المذكورة بعد نحو شهرين، مرفقا بالموافقة والدعوة إلى إكمال إجراءات التعاقد خلال أسبوع واحد فقط.

عقد المشاركة يتعلق بتطوير وإنتاج أعمدة وأبراج نقل الطاقة الكهربائية. مدته خمسة وعشرون عاما. وتحصل شركة الشبوب بموجبه على نسبة تسعين بالمئة من الأرباح مقابل عشرة بالمئة فقط للدولة.

وتقول سميسم إن “أولى القواعد التي يجب مراعاتها هي الشفافية والحوكمة، وأهم ما في ذلك هو منع تضارب المصالح. لا أحد يحاسب على تضارب المصالح في العراق. أعضاء هيئة الأوراق المالية مثلا هم من يحكمون ويتحكمون بالسوق. أحد الأشخاص عضو مجلس إدارة في خمس شركات وهو نفسه عضو هيئة أوراق مالية طيب كيف يكون ذلك؟ يتحكم بأسعار الأسهم، يبيع الأسهم إلى أناس خارج العراق، لا تمر صفقاته عبر جهات غسيل الأموال أو تمويل الإرهاب وبالتالي فإن الأموال العامة العراقية تصبح مباحة، هذه القضية عندما نبلغ عنها سنصدم بكارتيل قوي لأنهم عبارة عن مافيات يحكمون بعضهم بعضا”.

بهاء علاء عبد الرزاق

ويرتبط اسم المقاول بهاء علاء عبد الرزاق، صاحب شركة الشبوب للمقاولات، بعقود وصفقات حكومية أخرى أهمها مع وزارة الكهرباء. ويتهمه النائب في البرلمان العراقي، عدي عواد، بدفع عمولات ورشاوى لأعضاء آخرين في البرلمان العراقي، لمنع أي مسائلة برلمانية لنشاطاته المشبوهة.

ويقول عواد إن “بعض الإجراءات التي قام بها بهاء علاء بالـ2013 قام بعرقلة عملية استجواب وزير الكهرباء في حينها عبد الكريم عفتان، وذلك عن طريق شراء ذمم بعض النواب بصراحة ولدي الأدلة على ذلك وقدمنا دعوى قضائية بخصوص ذلك ومازالت في المحاكم”. ويملك المقاول بهاء علاء عبد الرزاق شقة في حي سولنا في العاصمة السويدية ستوكهولم، ويستخدمها أيضا كمقر لشركة مسجلة في السويد تحت اسم الاتصالات الدولية وتكنولوجيا الطاقة. الأمر الذي يترك علامة استفهام حول الطريقة التي حصل بها على عقود حكومية متعددة مع وزارتي الصناعة والكهرباء.

ويقول أعضاء في البرلمان العراقي إن بهاء علاء عبد الرزاق يمثل واجهة تجارية لسياسيين متنفذين في الدولة العراقية، والتسهيلات التي يحصل عليها داخل الإدارات العامة هي جزء من عمليات توزيع الحصص المالية بين الأحزاب السياسية والميليشيات المرتبطة بها. 

ويؤكد عواد وجود “بعض المافيات التي تحاول الدفاع عن بعض الوزراء بطريقة عرض المال على النواب، وهذا ما حدث في الدورة البرلمانية الثانية ولم يحصل حتى الآن في الدورة الحالية”. ونفى بهاء علاء عبد الرزاق، في اتصال هاتفي مع “الحرة” جميع تلك الاتهامات، وقال إن عمله يخضع للقوانين النافذة.

وقال عبد الرزاق: “25 سنة ستحصل الدولة على أرباح، عليك أن تحسب الأرباح، بالمقابل أنا لم أضع شروط العقد بل الدولة فعلت ذلك، وهي شروط تتفق مع القانون، لم أحصل على أي معاملة مميزة، يمكنك الاطلاع على 2500 عقد مشاركة مع الدولة بنفس الصيغة، منذ 2006 و2007 والدولة تأخذ في عقود المشاركة 10 بالمئة فقط من الأرباح”.

لكن كلام عبد الرزاق يناقض خلاصة التحقيق الإداري الذي أجراه مكتب المفتش العام، والذي أشار إلى مخالفات جوهرية تتعلق بالإجراءات الأساسية لشروط التعاقد، ومنها عدم التزامه بتوفير جميع الاشتراطات القانونية التي حددها للضوابط وعدم وجود إعلان خاص بفرصة المشاركة تتيح لشركات أخرى المنافسة على عقد المشاركة المذكور.

وتعليقا على ذلك، يقول عبد الرزاق: “هذا الموضوع ليس من اختصاص الإعلام، هناك جهات رقابية تعالج مواضيع الفساد، إذا تدخل الإعلام نعتبره ابتزازا، هذه نصيحتي إليك، حاولت قناة دجلة قبلك أن تتدخل بالأمر في سبيل الحصول على بعض المال، أنا اتصلت بك لأن قناتك محترمة وراقية ولامعة ولا تتدخل في مثل هذه الأمور، وأنا أعرف ما تعنيه قناة الحرة، وأعرف من يعمل فيها، فعلى هذا الأساس أنصحك بعدم التدخل بهذا الموضوع”.

القاضي والخبير القانوني، علي التميمي، أكد، في المقابل، أن موافقة الوزير أو مجلس إدارة الشركات العامة على تنظيم عقود شراكة مماثلة ليس كافيا، بل أن دور لجان تدقيق العقود من الناحيتين القانونية والمالية هو الأساس الذي يتم البناء عليه حفاظا على المال العام.

ويقول المحامي علي التميمي، وهو خبير قانوني وقضائي، “عندما يتم إبرام مثل هكذا عقود وكل عقد مهم بالنسبة للشركة لأنه يتعلق بالحق العام، يتم إعطاء نسخة إلى دائرة المفتش العام، في السابق كان المفتش العام اليوم توجد دائرة للمدعي العام، الادعاء العام بموجب القانون رقم 49 لعام 2017 وطبعا المدعي العام يطلع على كل هذه الشروط، وإذا وجد المدعي العام أن هناك خرق للقانون ومخالفة قانونية يقوم بتشكيل لجنة تحقيقية لهذا الموضوع”.

اللجنة التحقيقية التي تشكلت لمراجعة بنود عقد شركة الشبوب مع الشركة العامة للصناعات الفولاذية خلصت إلى تحديد جملة من المخالفات الجسيمة المرتكبة، وأوصت بتوجيه إنذارات مسلكية للموظفين الحكوميين الذين وافقوا على تمرير عقد الشراكة الأمر الذي يعد إدانة قانونية صريحة توجب تحركا قضائيا حسب الخبير القانوني علي التميمي.

ويوضح التميمي أنه في حال  “أصاب هذا العقد ما يسمى بالقانون المدني “الغبن الفاحش” أي ضرر للمصلحة العامة والدولة كما نصت المواد من 124 إلى 142 من القانون المدني، وهنا عندما تقام الدعوة في محكمة البداءة ضد هذه العقود محكمة البداءة تبطل العقد من تلقاء نفسها كما تقول المادة 141 من القانون المدني لأنها تتعلق بالحق العام.. ويحق لأي طرف أن يذهب إلى المحكمة لأنها تتعلق بالحق العام ويقوم بتقديم الشكوى”.

لم توضع التصنيفات الدولية التي تعتبر العراق من بين أكثر الدول فسادا في العالم بشكل اعتباطي، ولم يأتِ تعثر المشاريع الحكومية وما يرافقها من هدر جنوني للمال العام من الفراغ أو العدم.

كلها أسباب ومقدمات ترتبط، بما تصفه الخبيرة الاقتصادية سميسم وغيرها من كوادر الاقتصاد والقانون العراقيين، بعمليات تدمير منهجية ومنظمة تشرف عليها أحزاب فاسدة وميليشيات مسلحة تديرها إيران.

قصة الفساد في العراق، تاريخ طويل من هدر أموال الدولة على مشاريع معطلة وخدمات مفقودة، ويكشف برنامج “الحرة تتحرى” معلومات ووثائق عن دور أحزاب وميليشيات في استغلال نفوذها داخل السلطة لتحقيق عوائد مالية ضخمة. تضاعف حجم السرقات في العراق بعد أن تضاعفت سطوة الميليشيات المسلحة المدعومة من إيران. [https://www.alhurra.com]

5 – مؤسسو نظرية الفساد في العراق

   بعد العام 2003، صار الفساد الماليّ من سمات الدولة العراقيّة، ولهذا لا يزال العراق يحتلّ المراتب الدوليّة المتقدّمة في هذا المضمار، رغم وعود الحكومات المتعاقبة بالسعي لمكافحته.

صحيفة ديلي بيست الأمريكيّة قالت يوم أمس، الخميس، إنّ: “وزارة العدل الأمريكيّة تُجري تحقيقاً مع شركة التعاقدات العسكريّة (ساليبورت غلوبال سيرفيسز) للتأكّد فيما يُزعم بأنّها لعبت دوراً في تقديم رشى لمسؤولين عراقيّين، منهم رئيس وزراء أسبق، ونجلّه وصهره مقابل الفوز بعقود استثنائيّة”!
وهذه إشارة واضحة إلى نائب رئيس الجمهوريّة نوري المالكي!
وفي نهاية العام الماضي، كشف مصدر عراقيّ مطّلع عن “تحرّك رئيس الوزراء، عادل عبد المهدي، لاستعادة عشرات مليارات الدولارات من خلال فتح أكثر من 13 ألف ملفّ فساد، وملاحقة المتورّطين لتقديمهم للقضاء”.

  حكاية الفساد في العراق لم تأت من فراغ، وإنّما هي سياسة مخطّط لها منذ الأيّام الأولى للاحتلال، بدليل ما كشفته صحيفة الغارديان البريطانيّة نهاية كانون الثاني/ يناير الماضي، نقلاً عن هنري واكسمان، رئيس لجنة الرقابة والإصلاح في الكونجرس الأمريكيّ وقتها، الذي قال إنّ “الولايات المتّحدة أرسلت 281 مليون دولار إلى المتعاونين معها في العراق فور دخولها العراق وإسقاط الرئيس الراحل صدام حسين، من أجل اختراق العراق، والسيطرة على حكوماته، وإدارته من قبل متعاونين”!

 وكشفت الصحيفة أنّ “مجموع ما أُرسل للوزارات العراقيّة وقتها بلغ نحو 8.8 مليارات دولار كان يفترض أنّها لإعادة الإعمار، لكنّ أيّ من هذا الإنفاق لم يحدث؛ إذ لم تكن هناك رقابة على تلك الأموال، ولا على كامل الـ20 مليار دولار التي أنفقتها سلطة التحالف الدوليّ المؤقّتة في العراق في ذلك الوقت”!
جوهر القضيّة لا يتعلّق بمقدار الأموال المهدورة، لكن في رؤية زعماء الاحتلال، حيث إنّ بريمر حينما سُئل عن مصدر تلك الأموال، وأين ذهبت؟

قال، وبدون أدنى خجل: “ليس مهمّاً! المهمّ أنّها لم تكن من الأموال الأمريكيّة، ولا من دافعي الضرائب بالولايات المتّحدة، هي أموال العراق، ومن صندوق التنمية للعراق، وقمنا بإدارة تلك الأموال نيابة عن العراقيّين”!

بريمر، الذي حكم العراق منذ 9 أيار/ مايو 2003 حتّى 3 حزيران/ يونيو 2004، أمضى عاماً كاملاً في العراق، وأصدر كتابه المليء بالفضائح وعنوانه: “عام قضيّته في العراق”. وجاء فيه (الصفحة 21): “برّ الرئيس بوعده، وسلّمني في 9 أيار/ مايو رسالة بتعييني مبعوثاً رئاسيّاً إلى العراق، ومنحني سلطة تامّة على موظّفي الحكومة الأمريكيّة، وأنشطتها، وأموالها هناك، وتفويضي بكلّ الأعمال التنفيذيّة والتشريعيّة والقضائيّة في العراق”! فلماذا اختار الرئيس بوش الابن، بريمر تحديداً لهذه المهمّة الدقيقة؟ وماذا فعل بريمر؟ هذه التقارير الجديدة، التي تتحدّث عن حقائق مُخجلة وقعت في العراق على يد ممثل واشنطن في العراق (بريمر)، تؤكّد ازدواجيّة المعايير لدى بريمر، الذي تكلم بمثاليّة كبيرة في كتابه حينما تحدّث عن اجتياح “عصابات النهب لمعامل الكهرباء والمحطّات الفرعيّة لسرقة أدوات التحكم والعدادات، والأجهزة الإلكترونيّة، ودمروا أبراج نقل الكهرباء لسرقة الأسلاك النحاسيّة التي يذيبونها في سبائك، ويبيعونها في السوق السوداء، ونهبوا عشرات من المنشآت التي تملكها الدولة”!
منْ يقرأ كتاب بريمر يقول عن الرجل: “عمل بجدّ في كلّ الأوقات من أجل العراق”، لكنّ الحقيقة غير ذلك! اعتراف بريمر بتصرّفه (غير المشروع) في أموال صندوق التنمية للعراق، وكلامه عن انتقاد عصابات السرقات في العراق، يؤكّد التناقض وازدواجيّة المعايير التي ينادي بها ساسة واشنطن!

الحقيقة أنّهم جاؤوا لدمار العراق وسحقه، وقد ارتكبوا عشرات المهازل السياسيّة والأخلاقيّة في العراق، والأيّام كفيلة بظهور فضائح ماليّة وأخلاقيّة أخرى!
بوش الابن وبريمر هما مؤسّسا نظّرية الفساد في العراق بشهادة الأمريكان أنفسهم، فماذا يمكن أن تكون المحصّلة في العراق، الذي فقد أكثر من ألف مليار دولار نتيجة الفساد؟ منْ يرجو خيراً من محتلّ فهذا إما عميل، أو مغفل! الاحتلال يدمّر الدول ويمتصّ دماء أبنائها! محاربة الفساد والإرهاب الأمنيّ والماليّ والإداريّ من أولويّات المرحلة القادمة، فهل هنالك منْ يمتلك القدرة على تنفيذها وإدارتها بما يخدم العراق والعراقيّين؟ [https://arabi21.com]

6 – فساد أكبر من أن يُصدق: قصص من العراق

   في بلد عانى كثيرًا من السيارات المفخخة، استوردت الحكومة العراقية في عام 2007 أجهزة للكشف عن المتفجرات في صفقة تجاوزت 200 مليون دولار. في العام التالي أضافت الحكومة صفقة أخرى بـ32 مليون دولار، لكن سرعان ما تبين أن تلك الأجهزة هي مجرد قطع من الحديد لا قيمة لها، ولا تستطيع الكشف عن أي شيء، سوى غرق العراق في وحل الفساد. بعد التمدد المذهل والسريع لتنظيم داعش عرف العالم فضيحة أكبر من فضائح الفساد داخل الجهاز الأمني في العراق، في هذه المرة كان الجيش هو مسرح الجريمة.

فبعد أن سيطرت داعش على الموصل، كشف رئيس الوزراء العراقي السابق حيدر العبادي أن هناك ما يقرب من 50 ألف جندي وهمي في الجيش العراقي، يقبضون رواتب من خزينة الدولة العراقية بدون أن يكونوا موجودين. هذا الفساد سهل من مهمة مقاتلي داعش في السيطرة على الموصل، إذ لم يوجد من يحاربهم أصلاً.

على مدار السنوات الماضية، لا يكاد صوت العراق يهدأ، تتجدد موجات الاحتجاج واحدة تلو الأخرى، ويصرخ المواطنون المطحونون تحت حجم الفساد الثقيل.

رؤوس الفساد قد أينعت

قصة الفساد في العراق هي قديمة، والترتيبات المؤسسية للفساد الحالي مرتبطة أشد الارتباط بنظام الحكم الذي أقامه الأمريكان في 2003، وما زال قائمًا لليوم، تتشابك تلك الترتيبات مع تقسيم النفوذ السياسي للقوى المحلية والخارجية، خاصة الولايات المتحدة وإيران .

منذ العام 2003 وحتى الآن، تشير عدد من التقديرات أن تكلفة الفساد في العراق تخطت 300 مليار دولار ، بينما تشير مصادر غير رسمية أن تلك الأرقام تتجاوز الـ 800 مليار دولار على مدار الـ 16 سنة من الغزو الأمريكي وحتى الآن .

يقبع العراق في المرتبة 168، من أصل 180 دولة، على ترتيب مؤشر الفساد الذي تصدره منظمة الشفافية الدولية . قصص الفساد داخل العراق كبيرة ومتداخلة إلى الحد الذي يهدد الدولة العراقية نفسها، بحسب كلمات عادل عبد المهدي رئيس الوزراء الحالي .

تفوق معدلات البطالة 22 % في العراق، لكن الرقم أكبر من هذا بكثير إذا ما أخذنا في الاعتبار البطالة المقنعة الممثلة في الحجم الضخم للبيروقراطية الحكومية.

تقول الحكومة العراقية إن عدد موظفيها يبلغ نحو 4 ملايين موظف، لكن التقديرات تحمل الرقم إلى 7 ملايين، مع احتساب العاملين بالعقود والأجراء اليوميين وأفراد الميليشيات ضمن الحشد الشعبي والحشود العشائرية.

أن تصدر النفط وتستورد الطاقة!

الحشد الشعبي، المكون من ميليشيات استخدمتها الحكومة في محاربة داعش، ويمثل قوة كبيرة على الأرض في العراق، يضم الحشد الشعبي الآلاف من المسلحين الشيعة الموالين لإيران، لا ريب إذن في أن نرى لإيران نصيبًا كبيرًا من الكعكة العراقية.  

على سبيل المثال، يشتري العراق الغاز الإيراني بسعر 11.23 دولار لكل ألف قدم مكعب، مقارنة بـ 5.42 دولار دفعتها ألمانيا لشراء غاز أبعد مسافة، من روسيا، أو حتى 7.82 دولار دفعتها اليابان مقابل الغاز الطبيعي المسال.

لا يستنزف هذا الفساد فقط أموال العراقيين، لكنه يعكر عليهم حياتهم اليومية، فثاني أكبر منتج للنفط في العالم يعاني سكانه في الحصول على الطاقة الكهربية.

أنفق العراق في العشر سنوات الأخيرة ما يقارب 40 مليار دولار لتطوير محطات توليد الطاقة الكهربية في البلاد، لكن كل تلك الأموال ذهبت سدًى.

تعاني أغلب مناطق العراق من انقطاع متكرر للتيار الكهربي، خاصة بعد قرار إيران في يناير/ كانون الثاني الماضي وقف تصدير الكهرباء للعراق، بسبب تأخر الأخيرة في دفع مستحقات الحكومة الإيرانية. لاحقًا، نجح وزير الكهرباء العراقي في إعادة الكهرباء الإيرانية إلى العراق بعد تعهد بغداد بدفع المستحقات المتأخرة لطهران، لكن طهران أصرت، في العقود الجديدة، على حقها في قطع تلك الإمدادات في حالة زيادة الأحمال في الداخل الإيراني. لا ينتج العراق سوى 58 %  فقط من احتياجاته من الكهرباء، ويستورد الباقي رغم أن البلد ينتج يوميًا ما يقارب 4 ملايين برميل من النفط. تصل تكلفة المحطات الكهربية إلى 300 مليون دولار تقريبًا للمحطة، ويقدر أن 10 محطات منها كافية لإنتاج 3 آلاف ميغاواط وهي تكفي احتياجات العراق. تشير التقديرات أيضًا أن الشعب العراقي يدفع ما يقارب من 4 مليارات دولار سنويًا لأصحاب المولدات الخاصة، والتي تحتكرها شركات مرتبطة أيضًا بمصالح اقتصادية مع القوى السياسية الكبرى في العراق.

الاقتصاد السياسي للفساد في العراق

تسهم طبيعة الدولة العراقية ما بعد 2003، والقائمة على المحاصصة الطائفية بين الشيعة والسنة والأكراد في العراق، بشكل كبير في تغذية عمليات الفساد المؤسساتي في هذا البلد. وفي بلد كالعراق، فالفساد المالي والنفوذ السياسي وجهان لعملة واحدة. مثلاً، رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، الأمين العام السابق لحزب الدعوة الإسلامي أكبر الأحزاب الشيعية في العراق، هو أحد أكبر المتهمين في قضايا الفساد، رغم أنه لم يقبض عليه ولم يعرض للمحاكمة حتى الآن.

بحسب موقع دايلي بيست الأمريكي، فإن المالكي ومسئولين عراقيين في حكومته متورطون في قضايا فساد مع جنرالات أمريكيين تصل لـ 2 مليار دولار. المالكي كان قد أعلن أن حكومته اشترت طائرات روسية للجيش العراقي بملايين الدولارات، تبين لاحقًا أن تلك الطائرات هي طائرات عراقية لم تستطع العودة للعراق أثناء الغزو الأمريكي في 2003، واضطرت للهبوط في روسيا آنذاك، فأعادت حكومة المالكي تلك الطائرات على أنها تم شراؤها. في أثناء حكم المالكي، هرب قرابة 60 وزيرًا ومسؤولاً خارج البلاد بعد اكتشاف فسادهم، تتجاوز ملفات الفساد الخاصة بالمالكي أكثر من 100 ملف بحسب هيئة النزاهة العراقية، ويعتقد أن العراق تكبد ما يقرب من 280 مليار دولار كتكلفة للفساد في عصر المالكي.

لا يعد الفساد حكرًا فقط على الأحزاب الشيعية الكبرى فحسب، فالأحزاب السنية أيضًا غارقة في الفساد حتى أذنيها؛ أما في كردستان العراق فالفساد يتم توزيعه بالتساوي بين الأحزاب الكردية. أنتج هذا الوضع ضعفًا شديدًا في جسد الدولة العراقية، وتعثرًا في مسيرة التحول نحو الديمقراطية. ابتلع الفساد عائدات النفط العراقي والتي تقدر شهريًا بـ 7 مليارات دولار، أي ما يقرب من 84 مليار دولار سنويًا، فربع سكان العراق ما زال يعاني تحت خط الفقر. 
يمكن القول إن الاحتجاجات المتجددة في العراق هي فرصة لأن ينتزع الشعب العراقي زمام المبادرة من النخب السياسية الفاسدة، لكن الطريق صعب وطويل في دولة معقدة ولها حساباتها الخاصة كالعراق. [https://www.ida2at.com]

7 – 250 مليار دولار خسارة العراق من الفساد وصفقات سرية

عقد سري للتسلح

كذلك أشارت تقارير بخصوص تفاوض الحكومة العراقية سرا حول عقد للتسلح مع صربيا بقيمة 833 مليون دولار لتجنب بنود مكافحة الفساد الواردة في حالة توقيع عقد مع الولايات المتحدة. بحسب صحيفة “نيويورك تايمز” وقد ابرم وفد يضم 22 مسؤولا عراقيا كبيرا هذا العقد بين العراق وصربيا في أيلول/سبتمبر 2007 من دون علم المسؤولين العسكريين الاميركيين في العراق والاتفاق
الذي تفاوض وزير الدفاع العراقي عبد القادر جاسم العبيدي ووزير التخطيط علي بابان حول القسم الاكبر منه يتناول عددا كبيرا من قطع الغيار للمروحيات والطائرات وقطع غيار لمدافع الهاون والرشاشات إضافة الى تجهيزات اخرى
وقالت “نيويورك تايمز” ان هذا الاتفاق اثار انتقادات من جانب مسؤولين عراقيين الى حد ان قيمته الاصلية حددت اخيراً بـ 236 مليون دولار من جهة اخرى قال مسؤولون عسكريون اميركيون انه تبين ان التجهيزات المباعة ذات نوعية سيئة او  انها لا تتناسب مع مهمات الجيش العراقي وقالت الصحيفة ايضًا ان هذا الاتفاق الذي وقع مع صربيا شدد على مشاكل التجهيز لدى الجيش العراقي الذي تميز بالفساد وعدم الفعالية لمدة طويلة   وقد الغت الحكومة العراقية بدفع من وزير الدفاع عبد القادر جاسم العبيدي اللجنة الوطنية للعقود وهي هيئة مكلفة دراسة كل مشتريات الحكومة التي تفوق قيمتها 50 مليون دولار وفقاً للصحيفة وصرف رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي النظر عن ذلك بعد ان عبرت اللجنة الاقتصادية العليا عن مخاوفها حيال نقص الضمانات في العقد الصربي ونقلت نيويورك تايمز عن مسؤول غربي لم تكشف هويته قوله ان توقيع هذا العقد يمكن تفسيره بطريقتين فقط هما الرغبة في تفادي المراقبة والرغبة في تشجيع الرشاوى والفساد.

من جانب آخر أكدت هيئة النزاهة في العراق، أن خسائر العراق خلال السنوات الخمس الأخيرة التي أعقبت سقوط النظام السابق، نتيجة الفساد الإداري والمالي بلغت 250 بليون دولار، ووصفت هذه النتيجة بـ الكارثية بين بلدان العالم، واعتبرت الهيئة الأمانة العامة لمجلس الوزراء البؤرة الأخطر للفساد، فيما احتلت وزارة الدفاع مرتبة متقدمة بين الوزارات في هذا المجال. بحسب جريدة الشرق الوسط وتعتبر مشكلة الفساد المالي والاداري الذي تعاني منه مؤسسات عديدة في الدولة العراقية الجديدة عائقا كبيرا وتحديا صعبا يقف امام ازدهار وتقدم البلاد،
بعد خمس سنوات على الغزو الذي قادته الولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا في مارس (آذار) عام 2003 ومما يعزز هذا الاعتقاد تواتر التقارير والأبحاث الدولية  مؤخرا التي تضع العراق في مرتبة دنيا في سلم الدول المبتلية بهذه الآفة الخطيرة، ففي جداول الفساد في العالم التي تصدرها منظمة الشفافية العالمية يظهر العراق في المرتبة ما قبل الأخيرة للدول، كما أنه يقف في المرتبة الثانية في سلم الدول الفاشلة، بعد السودان، والمتضمن تقييم الأوضاع في 177 دولة وفق معايير ومؤشرات اقتصادية واجتماعية وأمنية وغيرها ويقول القاضي موسى فرج نائب رئيس هيئة النزاهة، إن خسارة العراق خلال السنوات التي أعقبت سقوط النظام بـ 250 بليون دولار. وأوضح فرج أنه يتم تهريب النفط في العراق بمعدل 300 الى 500 الف برميل يوميا، محتسبا سعر البرميل الواحد بالحد الادنى لتبلغ خسائر العراق بالحد الادنى 7.2 بليون دولار سنويا، وقال لقد خسر العراق خلال الخمس سنوات الماضية 45 بليون دولار من تهريب النفط الخام كحد أدنى، و45 بليون دولار أخرى من المشتقات النفطية، بالإضافة الى حرق 600 مليون متر مكعب من الغاز سنوياً من دون الاستفادة منها، واستغلال 441 بئراً نفطية من أصل 1041 بئراً منتجة، وطاقة تصديرية تقدر بـ4.2 مليون برميل لم يستغل منها أقل من النصف وكشف فرج الأمانة العامة لمجلس الوزراء تحولت الى أخطر بؤرة للفساد في العراق، بعد إلغاء لجنة الشؤون الاقتصادية التي كان يرأسها نائب رئيس الوزراء، وتم تحويل صلاحياتها الى الأمانة العامة، فمعظم العقود الضخمة تبرم من خلالها، مثل شراء طائرات ببلايين الدولارات، او التعاقد لمشاريع اخرى، وعدم السماح لهيئة النزاهة، بالاطلاع او التحقيق، معتبراً تشكيل مجلس لمكافحة الفساد سرقة لمهمات هيئة النزاهة وصلاحياتها واشار فرج الى ان الكونغرس الاميركي تحدث عن هدر 50 مليار دولار سنويا في العراق، واذا ما عرفنا ان الميزانية هي 48 فنقول لكل من يسأل ان ايرادات العراق ليست كلها في الموازنة المعلنة لأن باقي ايرادات العراق تسرق من دون رقيب.

وقال فرج إن وزارة الدفاع احتلت المرتبة المتقدمة في الفساد المالي والإداري، خصوصاً في عقود التسليح بما فيها شراء طائرات عمودية قديمة غير صالحة للعمل وبنادق قديمة مصبوغة رفضتها اللجنة العراقية وفرضتها الشركة الأميركية المصنعة، واستيراد آليات من دول أوروبا الشرقية بنوعيات رديئة. وأضاف أن المشكلة الأكبر هي سعي الوزارة الى الاحتماء وفرض السرية على ملفاتها والامتناع عن تسليمها الى هيئة النزاهة، وقد تم منع محققي الهيئة من الحصول على نسخ الملفات ذات العلاقة بالفساد او تصوير اي وثائق تخص الوزارة رغم وجود أوامر قضائية بالاطلاع عليها وأكد فرج ان قطاع الكهرباء يشهد فسادا خاصا، ايضا حيث كان انتاج العراق من الكهرباء 4 آلاف ميغاواط، وقدرت الحاجة الاضافية بـ 2800 ميغاواط أخرى، وأضاف أنه تم انفاق 17 بليون دولار على هذا القطاع خلال السنوات الخمس الماضية، منها 10 بلايين من موازنات السنوات الاربع الماضية و4 بلايين من أموال العراق المجمدة في الخارج و3 بلايين منحة أميركية. واضاف فرج ان في وزارة الداخلية تم اكتشاف 50 ألف راتب وهمي كلفت الحكومة 5 بلايين دولار سنوياً، اضافة الى عمليات فساد اخرى عدا الأسلحة والأعتدة. كما فقدت الوزارة 19 ألف قطعة سلاح  من جهته، أكد رئيس لجنة النزاهة في البرلمان العراقي الشيخ صباح الساعدي، ان الفساد المالي والاداري يتغذى عن طريق الفساد السياسي الذي يعتبر من اخطر انواع الفساد وهو القائم في العراق حاليا ويتم التستر عليه من قبل جهات سياسية عدة وقال الساعدي إن هناك ممارسات تقوم بها بعض القوى السياسية تساهم بدرجة كبيرة بتفشي الفساد في مفاصل عدة، كالدفاع عن المفسدين الموجودين في وزارات ومنع محاسبتهم ومساءلتهم وتقديم الاشخاص غير الاكفاء لتسلم مناصب في الدولة مما يؤدي الى افساد المؤسسة الحكومية، وهذا كله نابع من السياسة التي انتهجها الاحتلال في بداية الامر غير ان عددا من المسؤولين العراقيين المختصين اجمعوا على أن سياسة الاحتلال كانت وراء تفشي تلك الظاهرة بما هي عليه الان، لاسيما وان بعض رموز هذا الاحتلال متورط بعمليات الفساد تلك مثل قادة عسكريين في الجيش الاميركي وبعض المستشارين الأجانب الذين عملوا في الوزارات العراقية  وأكد عبد الباسط تركي رئيس ديوان الرقابة المالية، على ان احتلال العراق وتخريب بناه التحتية ساعد على تفشي مشكلة الفساد بصورة اكبر مما كان عليه الوضع في مطلع تسعينيات القرن الماضي بعد فرض الحصار الاقتصادي على العراق الذي أدى الى ظهور بواكير الفساد المالي والاداري في البلاد وقال تركي إن هناك تبديد أموال بنسبة 8.8 مليار دولار خلال فترة سلطة الائتلاف التي ترأسها الحاكم المدني للعراق بول بريمر الذي عطل الدور التحقيقي للديوان بسبب ما فرضه من إجراءات، وهو ما شجع وفتح الباب واسعا امام المفسدين سواء كانوا عراقيين أم أجانب متعاقدين مع الولايات المتحدة الاميركية، مؤكدا ان سلطة الائتلاف مسؤولة عن جزء كبير من الفساد المالي والاداري الذي حصل في البلاد خلال الخمس سنوات الماضية، واضاف ان بريمر عمد الى تعطيل عمل ديوان الرقابة المالية لكي يجعل الاحتلال الغطاء المباشر لتدمير مؤسسات الدولة وقواعد العمل فيها، كما انه
استولى على الاموال العراقية المخصصة لإعادة الاعمار والبناء وقام بصرفها من دون اي استراتيجية واضحة ولفت المسؤول العراقي الى ان بلاده تحتاج الى كشف دقيق للأموال التي تم صرفها بمختلف القطاعات خلال الخمس سنوات الماضية، ومحاسبة المفسدين الذين تجاوزوا على المال العام بغض النظر عن الجهات والدول التي ينتمون اليها من جهته، أكد مهدي الحافظ، وزير التخطيط السابق ورئيس المعهد العراقي للتنمية، ان اكبر دليل على تورط بعض رموز الاحتلال بقضايا فساد ما تكشف من قضايا في إطار المناقشة الساخنة بالكونغرس الأميركي بشأن سوء الإدارة المالية للموارد العراقية، وذلك في أعقاب التقرير الذي قدمه مكتب المحاسبة الأميركي والذي أشار فيه إلى تنامي الفائض في موازنة الدولة العراقية وتخلفها عن الاستخدام الفعال والرشيد لمواردها وقال الحافظ وفقا للتقرير الثالث للهيئة الدولية للرقابة والمشورة(أي أم بي)حول العراق، فان إدارة العقود مع الوكالات الأميركية تشوبها بعض الاشكالات بعد ان اورد التقرير انتقادات من شركة(ايرنست & يونج) المكلفة بالتدقيق المالي بشأن إدارة العقود مع الوكالات الأميركية، مما دعاها للطلب بضرورة مراجعة تلك العقود من قبل ديوان الرقابة المالية.

ورجح الحافظ أن يكون الصراع السياسي على السلطة في العراق سببا آخر لتفشي الفساد في مفاصل ومؤسسات الدولة، قائلا ان احتدام الصراع السياسي على صعيد السلطة ترتب عليه ظهور مراكز حكومية عديدة ومتناقضة المصالح ومدعومة بفصائل مسلحة، لا تتورع عن حماية بعض المتورطين بالفساد العام. وأضاف ان هذا الصراع أوجد المناخ الملائم لاتساع ظاهرة الفساد في ظروف عدم الاستقرار السياسي والاحتراب الطائفي وتدهور الحالة الأمنية وغياب الحماية المطلوبة للأجهزة والهيئات والمسؤولين المكلفين بمكافحة الفساد، مؤكدا أن مكافحة الفساد لا يمكن بلوغها ما لم يجر العمل جديا باحترام وفرض آليات فعالة ومدعومة من الدولة والرأي العام.

وأوضح الحافظ ان الأجواء في العراق حاليا ساخنة وزاخرة بالتحذيرات من تفاقم ظاهرة الفساد بجميع أشكاله (المالي والإداري والسياسي)، حتى بات القول مقبولا بأن الحرب على الفساد لا تقل أهمية عن الحرب على الإرهاب في البلاد وكان نائب رئيس الوزراء برهم صالح قد أكد أن حكومته تسعى جاهدة ووضعت في أولوياتها مسألة معالجة هذه الظاهرة الخطيرة بعد ان تمكنت من تشخيص مسببات الفساد والتي تتمثل بعدم رسوخ دولة المؤسسات وسلطة القانون وغياب الشفافية والتحدي الامني وكذلك المحاصصة والمحسوبية الحزبية، ولا بد من الاقرار بوجود المشكلة من اجل معالجتها وان تجاهلها أمر خطير، موضحا أن الفساد والارهاب يتغذى احدهما على الآخر وأضاف صالح ان مشكلة الفساد ليست مشكلة عراقية خاصة، وانما هي مشكلة عالمية تعاني منها العديد من دول العالم، وهي في طور التحول من نظام استبدادي الى نظام ديمقراطي حر، مشيرا الى ان العراق ابتلى من الفساد المتأتي من الخارج على حد تعبيره.

وأوضح نائب رئيس الحكومة أنه رغم الجهود التي تبذل في سياق مكافحة الفساد من قبل حكومته من خلال دعمها للهيئات الرقابية ومبادرتها في تشكيل المجلس المشترك لمكافحة الفساد، إلا ان عمليات الفساد لاتزال مستمرة في الكثير من مفاصل الدولة، مؤكدا أنه لا يمكن مكافحة الفساد واستئصاله إلا عبر مبادرة وطنية وإرادة عراقية، فضلا عن دعم المجتمع الدولي الذي لا بد ان يكون بعيدا عن التدخل والتجاوز على السيادة العراقية. وكشف صالح عن مقترح حكومي لإقرار قانون وطني خاص لمكافحة الفساد ومحاربة تبييض الاموال والإسراع بإنجاز القوانين الجديدة الخاصة بتحجيم الفساد والقضاء عليه من قبل هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية وتأمين الوظيفة العامة للمواطنين وإنجاز قانون الخدمة العام وترسيخ مبدأ الشفافية في عمل الوزارات والبدء بتطبيق مشروع الحكومة الالكترونية وتشجيع المواطنين للمشاركة في مكافحة الفساد وتخصيص مكافأة للمخبرين وإعادة النظر في عقود التجهيز كإجراءات وقائية من هذه الظاهرة وبحسب بعثة الامم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي)، فقد خطت الحكومة العراقية خطواتها الأولى نحو المصادقة على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، كما ستتولى الحكومة العراقية، بوصفها إحدى الدول المتوقع مصادقتها على الاتفاقية في المستقبل، اتخاذ مبادرات تنسجم والمبادئ والالتزامات المنصوص عليها بموجب الاتفاقية وستكون قادرة على السعي للحصول على مساعدات الأمم المتحدة لبرامجها ونشاطاتها المعنية بمكافحة الفساد.

وزارة الدفاع العراقية تنفي عقد الصفقة

من جانب آخر فندت وزارة الدفاع العراقية ، تقريراً صحفياً بشأن عقد صفقة أسلحة سرية تبلغ قيمتها 833 مليون دولار مع صربيا وجاء النفي رداً على تقرير صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية عن مخالفات في الصفقة التي عقدتها الحكومة العراقية مع صربيا في سبتمبر/ أيلول دون طرح مناقصة تنافسية وتخطي شروط مكافحة الفساد، التي تتطلب مصادقة ضباط كبار في الجيش العراقي ولجنة إجازة العقود العراقية وقال الناطق باسم وزارة الدفاع العراقية، محمد العسكري، في بيان، إن الصفقة واحدة من أفضل وأكثر الصفقات شفافية من حيث الالتزام بشروط ومعايير وزارتي المالية والتخطيط واللجنة الاقتصادية، التي أجازتها إلا أن الصحفية نشرت أن الصفقة “نوقشت من قبل وفد مكون من 22 مسؤولاً عراقياً بارزاً، دون علم القيادات الأمريكية أو العديد من كبار القيادات العراقية البارزة وبحسب نيويورك تايمز بلغت القيمة الإجمالية لصفقة شراء الأسلحة 833 مليون دولار، إلا أن الانتقادات أجبرت المسؤولين العراقيين لخفضها إلى 236 مليون دولار وبرر العسكري رسو المناقصة على صربيا، وليس رومانيا أو كوريا، نظراً لسرعتها في تسليم الأسلحة ومطابقتها مواصفات حلف شمال الأطلسي ناتو. وأردف قائلاً “هذه الصفقة وفرت مبالغ طائلة” وأدان المسؤول العراقي تقرير الصحيفة الأمريكية قائلاً إن” أهدافه سيئة قد تقف في سبيل تجهيز الجيش العراقي” وأورد التقرير أن الجيش العراقي “مازال غير مكتمل التجهيزات ويعتمد على الولايات المتحدة في توفير الأساسيات كمعدات الاتصال، والأسلحة والذخيرة، الأمر الذي يثير المزيد من التساؤلات بشأن قدرات الجيش العراقي على الاستقلال بذاته” وعلى الجانب الأمريكي، يعتزم الديمقراطيون الدفع نحو استصدار قانون جديد لإجبار الحكومة العراقية على تمويل عمليات إعادة بناء العراق من فائض عائدات النفط، عوضاً عن الاعتماد على الأموال الأمريكية. ويأتي الإعلان عن التشريع في أعقاب توصية قائد القوات الأمريكية في العراق الجنرال ديفيد بتريوس بوقف سحب القوات الأمريكية من هناك في يوليو/تموز وفند رئيس لجنة الخدمات المسلحة بمجلس الشيوخ، السيناتور كارل ليفن التوصية مشيراً إلى أن تعليق خفض القوات الأمريكية قد يرسل إشارات إلى العراقيين بالتزام أمريكي نحو الحرب هناك إلى أجل غير مسمى. وأضاف قائلاً: “نحن بحاجة لوضع ضغوط متزايدة ومتواصلة على العراقيين لتسوية خلافاتهم السياسية، ولدفع عمليات إعادة الأعمار من أرباح النفط، وأن يتولوا قيادة عملياتهم العسكرية وأوضح السيناتور الديمقراطي عن ولاية ميتشغان أن للعراق قرابة 30 مليار دولار من الأموال الفائضة مودعة في مصارف أمريكية.

ويتوقع ليفن اقتراح القانون في إطار فاتورة نفقات الحرب لهذا العام، أو عند المصادقة على الموازنة الدفاعية للعام المقبل ويتوقع العراق أن تنتعش عائداته من النفط، الذي ارتفعت أسعاره بحدة مؤخراً، إلى ما قد يصل إلى 100 مليار دولار هذا العام، في الوقت الذي يشتري فيه الجيش الأمريكي وقوده من السوق المفتوحة.

من يتعين عليه أن ينفق على الحرب

من جانبه ردّ وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري ، على السيناتور الديمقراطي كارل ليفين، رئيس لجنة القوات المسلحة في الكونغرس، الذي اشتكى من أنّه، رغم مرور خمس سنوات على بداية الحرب في العراق، إلا أنّ دافعي الضرائب الأمريكيين هم الذين يتحملون العبء الاقتصادي في العراق وأدلى ليفين بتصريحاته أثناء سلسلة جلسات الاستماع التي عقدها مجلسا النواب والشيوخ حول الحرب، الأسبوع الماضي وقال زيباري نحن نقدر جيدا ما تقوم به الولايات المتحدة لمساعدة العراق، ولكننا نحن من نتحمل العبء الأوفر… في مشاريع إعادة الإعمار في مختلف أنحاء البلاد. بحسب ومع وصول تكلفة الحرب خلال السنوات الخمس أكثر من 600 مليار دولار، من أموال دافعي الضرائب، أثار تردي الوضع في العراق حفيظة عدد من النواب الأمريكيين الذين وجّهوا سيلا من الأسئلة إلى قائد القوات الأمريكية في العراق الجنرال ديفيد بيتريوس والسفير هناك رايان كروكر وقال الرئيس الديمقراطي للجنة القوات المسلحة في مجلس النواب إيكي سكلتون، الأربعاء، إنّه في الوقت الذي تواجه فيه البلاد عجزا غير مسبوق، حوّل العراقيون أرباحهم من النفط إلى مخزون زائد في موازنتهم بدلا من تحويلها إلى خدمات ذات فاعلية وأنفقت الولايات المتحدة نحو 45 مليار دولار في مشاريع إعادة الإعمار في العراق منذ مارس/آذار 2003، وفق تقرير صدر الشهر الماضي عن مكتب المحاسبة الأمريكي وقال المكتب الذي يعدّ ذراع التفتيش والتحقيق في الكونغرس، إنّ أرباح العراق من النفط ستلامس 100 مليار دولار خلال 2007 و2008.

الفساد والاستثمارات والبطالة

ويتلقى اليوم 85% من مجموع الشعب العراقي البالغ عدده 27 مليوناً الطاقة الكهربائية بشكل متقطع وان 83 % ليس لها مصدر موثوق للمياه النقية، 37 % فقط ترتبط بشبكة الصرف الصحي (المجاري) …. في الوقت الذي بلغ به معدل دخل الأسرة 144 دولاراً عام 2004 قياساً ب 255 دولار لعام 2003 . ان 75% من الدور يسكنها مالكوها لكن 25 % تعرضت للدمار في العامين الاخيرين فقط ، لا سيما في المناطق الساخنة من البلاد . وبالنسبة لمعدل الوفيات الطبيعية يذكر أن من مجموع 100 ألف مواطن يتوفى اليوم 193 في حين تبلغ النسبة 23 حالة وفاة طبيعية مقارنة مع السعودية… ويعاني نحو 25 % من أطفال العراق من حالة النقص الغذائي طويلة الأمد. أن 84 % من مؤسسات التعليم العالي في العراق تعرضت (للتدمير والتخريب والنهب) منذ بدء الاحتلال الاميركي عام 2003، إضافة إلى اغتيال حوالى 50 أستاذا جامعياً والتهديدات الموجهة إلى الآخرين في هذا القطاع. أن عملية إعادة الإعمار الجارية تشمل 40 % فقط من مؤسسات التعليم العالي. وتتواصل هجرة الأساتذة المتفوقين إلى المناطق الأخرى بحيث غادر حوالى 40 % منهم منذ عام 1990 ، والعزلة الطويلة التي يعاني منها الجسم التعليمي غير المؤهل أصلاً. ولازالت نسبة الدوام الدراسي للطلبة المسجلين يبلغ 55 % حيث كان النظام الدراسي من أفضل الأنظمة التعليمية والأكاديمية في الشرق الأوسط في عقد الثمانينات ، وان 74 % فقط من الذين تتراوح أعمارهم بين 15– 24 قادرون على القراءة والكتابة.

يؤكد الدكتور إبراهيم قويدر المدير العام لمنظمة العمل العربية أن إجمالي حجم الأموال المتداولة في عمليات الفساد في العالم العربي تتراوح بين 300 إلى 400 مليار دولار سنوياً طبقاً لتقديرات البنك الدولي الذي صنف العالم العربي وحالات الاستثمار والتجارة فيه بأنه من أكثر مناطق الفساد المالي والإداري في العالم الأمر الذي يفسر عدم عودة الأموال العربية المهاجرة بل وزيادة حجم هجرتها للخارج وإصرارها على عدم العودة رغم المخاطر الكبيرة التي تتعرض لها في الخارج خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا.

وأعتمد الدكتور قويدر في معلوماته على تقارير البنك الدولي التي تؤكد أن حجم الفساد المالي الذي يؤثر في الاقتصاد في العالم يصل إلى تريليون دولار سنوياً منها حوالي 30 % إلى 40% بالعالم العربي فقط وهو ما يعني أن حجم أموال الفساد التي تنخر الاقتصاد في البلدان العربية استناداً إلى هذا التقرير تتراوح من 300 الى 400  مليار دولار سنوياً . وهذا المبلغ الضخم بغض النظر عن الآثار السلبية الذي يسببها للاستثمارات وما ينعكس على الصحة العامة إلا أنه يكفي لتوفير أكثر من 20 مليون فرصة عمل في العام الواحد . وهو ما يعني أيضاً أن تخصيص هذا المبلغ لمدة عام واحد فقط كفيل بالقضاء نهائياً على ظاهرة البطالة علماً ان الدول العربية بحاجة إلى توفير 4.3 مليون فرصة عمل جديدة سنوياً للحفاظ على معدلات البطالة الحالية حيث يساوي هذا العدد حجم الداخلين إلى سوق العمل سنوياً في الدول العربية. مما يزيد الأمر صعوبة أن نسبة العجز في توفير هذه الفرص تصل إلى 50% أي أن هناك عجزا سنوياً يبلغ مليوناً و 700 ألف فرصة عمل في عدد الوظائف المطلوب توفيرها وأن الفساد سبب رئيسي لهذا العجز من جانبها ذكرت شبكة تلفزيون (سي بي اس) نيوز ان اكثر من نصف مليار دولار من الأموال المخصصة لمكافحة التمرد في العراق اختلسها مسؤولون كانوا يديرون وزارة الدفاع العراقية قبل انتخابات عام 2005 وقال التلفزيون نقلا عن محققين عراقيين ان الولايات المتحدة وبريطانيا لا تبذلان الكثير من الجهد للمساعدة في استعادة تلك الاموال او القبض على المشتبه باختلاسها والذين فر معظمهم من البلاد وكشف التلفزيون في برنامج “60 دقيقة” كذلك عن تسجيلات صوتية لاحد المشتبه بهم وهو يناقش على ما يبدو تحويل 45 مليون دولار الى حساب احد المستشارين السياسيين البارزين في وزارة الدفاع في الحكومة العراقية المؤقتة السابقة.

المرتبة الثالثة في قائمة الدول الأكثر فسادا!

كما قالت مفوضية النزاهة في العراق الشهر الفائت انها تحقق في اختفاء اكثر من سبعة مليارات دولار من اموال الدولة يشار الى أن مكتب مراجعة حسابات إعادة البناء في العراق بدأ عمله في مارس 2004 وأحال منذ تلك الفترة 25 قضية جنائية الى وزارة العدل الامريكية، منهن أربع تم توجيه اتهامات فيها ومن ضمن ما وجده المكتب فقدان 14 ألف قطعة سلاح كانت مخصصة لاستعمال الجيش العراقي ويعتقد أن هذه القطع قد وجدت طريقها الى أياد الجماعات المسلحة في العراق بعد أن فقد البنتاجون قدرته على تعقبهم.

الفساد يعرقل جهود إعمار العراق

كما قال أعلى مسؤول في الوكالة الأمريكية، التي تشرف على جهود إعادة الإعمار في العراق، في تصريح لبي بي سي إن سوء الإدارة الاقتصادية والفساد في العراق هما بمثابة تمرد ثان في هذا البلد.

وقال رئيس المدققين المعين من قبل الكونجرس الأمريكي، ستيوارت بووين، إن الحكومة العراقية فشلت في تحمل مسؤولية إنجاز مشروعات بقيمة مليارات الدولارات، مضيفا إن الوكالة بصدد التحقيق في أكثر من 50 قضية احتيال على صعيد آخر، قال تقرير نشرته منظمة أوكسفام الخيرية البريطانية ومنظمة غير حكومية عراقية إن نحو ثلث سكان العراق يحتاجون إلى مساعدات عاجلة ويضيف التقرير أن الحكومة العراقية فشلت في تقديم الخدمات الأساسية مثل الماء والطعام والصرف الصحي والسكن لثمانية ملايين عراقي وحذر التقرير من أن استمرار العنف في العراق يغطي على أزمة إنسانية تفاقمت منذ غزو العراق بقيادة الولايات المتحدة عام 2003 وكان ستة اشخاص قتلوا واصيب 12 على الاقل بجراح يوم الاثنين جراء انفجار سيارة مفخخة في العاصمة بغداد، كما اعلن الجيش الامريكي عن مقتل ثلاثة من جنوده في محافظة الانبار غربي العراق وقد تم تعيين المفتش العام الأمريكي المكلف بتدقيق المشروعات المتعلقة بجهود إعادة الإعمار في العراق، ستيوارت بووين، لمراجعة أوجه صرف مبلغ 44 مليار دولار أمريكي خصصت للعراق منذ 2003 بعد ورود تقارير عن تفشي الاحتيال وإهدار المال العام وتنشر الوكالة تقارير دورية حول الوضع في العراق إذ اشتكت معظمها من نقص خطير في تحقيق أي تقدم باتجاه مكافحة الفساد (عدو الديمقراطية) وفي مقابلة مع بي بي سي، قال بووين إن الفساد متوطن في العراق ووصفه بأنه (عدو للديمقراطية). وأضاف: “قمنا بـ 95 عملية تدقيق ورصدنا حالات ضعف ممنهجة وتبديدا للمال العام. ونحن الآن بصدد تدقيق 57 حالة احتيال” وقال بووين إن نقل إدارة المشروعات إلى مسؤولية الحكومة العراقية كان
“مزعجا” وأعرب عن قلقه بشأن التأخير الحاصل في إنجاز المشروعات وتجاوز سقف النفقات المحدد واورد بوين مثال محطة الدورة لتوليد الطاقة الكهربائية ببغداد، التي رممت بتكلفة ناهزت عشرات الملايين من الدولارات الا ان العطب أصابها ثانية بعد نقلها الى السيطرة العراقية. وأضاف أن الوزارات العراقية كانت تحاول جاهدة من أجل إدارة الموارد المالية المخصصة لها.[http://furatnews.com]

8 – مافيات تقودها أحزاب وكتل وشخصيات سياسية

  ستفحل الفساد الإداري والمالي في الدولة العراقية التي تأسست خلال العام 2003 بعد سقوط النظام السابق على يد قوات الغزو الأمريكي، التي تحولت إلى قوة احتلال، حيث سرق المال العام بشكل واضح جداً وأمام أنظار الجميع. وتعود أسباب انتشار الفساد بشكل كبير إلى غياب الأمن، وانتشار المجاميع المسلحة، وضعف السلطة الرقابية، وتعدد جهات القرار السياسي، وتزوير العقود والوثائق الرسمية، وضعف الشعور بالمواطنة لدى موظفي الدولة، والصراع الطبقي في المجتمع. حيث يوجد فرق شاسع بين رواتب صغار الموظفين وكبارهم، إضافة إلى انتشار الفقر والجهل بالحقوق المدنية. وأدى الفساد إلى نهش كل مفاصل الدولة العراقية وهروب المستثمرين ورؤوس الأموال من البلد، واختلال توزيع الثروات بشكل عادل بين أبناء البلد، وانتشار الفقر واللامبالاة وسط المجتمع، وعدم احترام حقوق المواطنين وابتزازهم في المعاملات، بل تهديدهم بالقتل في حال كشفهم لملفات فساد هذا المسؤول أو ذاك الموظف. أما من الناحية السياسية، فقد كان الفساد وسيلة غير نزيهة لكسب الولاءات السياسية لهذا الحزب أو ذاك، أو لهذه الكتلة أو تلك، وكذلك انتشار مبدأ المحاصصة السياسية والتمسك بالوزارات التي فيها فائدة مادية كبيرة. وتنوعت آليات الفساد في العراق بأشكال مختلفة، منها اختفاء أموال المشروعات قبل الشروع بتنفيذ العمل، أو عن طريق مستمسكات مزورة، حيث فقد في زمن الحاكم المدني للاحتلال الأمريكي بول بريمر 17 مليار دولار أمريكي من صندوق تنمية العراق، إضافة إلى تلاعب بالعقود أو شراء مواد غير صالحة.

احتل العراق في السنوات السابقة وفق تقارير منظمة الشفافية الدولية مرتبة متقدمة بين البلدان الأكثر فساداً، بسبب غياب الحسابات الختامية لجميع الحكومات التي تشكلت بعد عام 2003.

أَسس العراق في عام 2004، هيئة النزاهة وهي هيئة مستقلة، تخضع لرقابة مجلس النواب، وجاء في قانونها أن لها شخصية اعتبارية واستقلالاً مالياً وإدارياً، ويمثلها رئيسها أو من يخوله، وتعمل على المساهمة في منع الفساد ومكافحته، واعتماد الشفافية في إدارة شؤون الحكم على جميع المستويات، عن طريق التحقيق في قضايا الفساد، بواسطة محققين، تحت إشراف قاضي التحقيق المختص، وفقاً لأحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية، ومتابعة قضايا الفساد التي لا يقوم محققو الهيئة بالتحقيق فيها، عن طريق ممثل قانوني عن الهيئة بوكالة رسمية تصدر عن رئيسها، وتنمية ثقافة في القطاعين العام والخاص تقدر الاستقامة والنزاهة الشخصية واحترام أخلاقيات الخدمة العامة، واعتماد الشفافية والخضوع للمساءلة والاستجواب، عبر البرامج العامة للتوعية والتثقيف، وإعداد مشروعات قوانين تسهم في منع الفساد أو مكافحته ورفعها إلى السلطة التشريعية المختصة عن طريق رئيس الجمهورية أو مجلس الوزراء أو عن طريق اللجنة البرلمانية المختصة بموضوع التشريع المقترح، وتعزيز ثقة الشعب العراقي بالحكومة عبر إلزام المسؤولين فيها بالكشف عن ذممهم المالية، وما لهم من أنشطة خارجية واستثمارات وموجودات وهبات أو منافع كبيرة قد تؤدي إلى تضارب المصالح، بإصدار تعليمات تنظيمية لها قوة القانون بما لا يتعارض معه، وغير ذلك من البرامج.
مع كل ذلك فقد شهد العراق أكبر حالات الفساد في العالم على يد مافيا الأحزاب السياسية التي جاءت مع الاحتلال أو التي تأسست تحت يافطته، وكذلك على يد وزراء مفسدين عملوا لأحزابهم وكتلهم السياسية ولمصالحهم الخاصة، الأمر الذي جعل البلد يتراجع في كل المجالات حتى إن عاصمته بغداد التي كانت تسمى دار السلام أصبحت من أسوأ المدن في العالم، حسب تقارير منظمات دولية مختصة.

الأخطر من كل هذا أن الفساد الإداري والمالي في العراق تحول إلى ما يشبه الثقافة عند الكثير من المسؤولين والموظفين الكبار وحتى الصغار منهم. بل الأدهى من ذلك أن الجيل الجديد في المدارس الابتدائية والمتوسطة تعرّف إلى الفساد الإداري والمالي عبر طريقين، طريق يتمثل بالهدايا على شكل رشى إلى المدرّسين لمساعدة الطلاب في الامتحانات، والطريق الثاني وهو قليل ولم يستشرِ بشكل واسع جداً ويتمثل بحصول الطالب الذي يسجل أسماء الغيّاب والمشاغبين في داخل الصف على مبلغ مالي صغير جداً لا يتجاوز الألف دينار عراقي (أقل من دولار أمريكي)، من قبل كل طالب جراء تعهده بتجاهل الطالب الغائب أو المشاغب عند تسجيل الغيّاب والمشاغبين!. ما يعني أن الجيل الناشئ اكتسب ثقافة الرشى من جيل الكبار، وبالتالي فإن محاربة آفة الفساد التي تجذرت في البلد ستكون صعبة للغاية.

إن الحكومات العراقية المتعاقبة بعد عام2003 شهدت حقائبها الوزارية سرقات مالية كبيرة جداً تحت عناوين مختلفة، رغم أن جميع الكتل التي شاركت في الانتخابات رفعت شعار محاربة الفساد الإداري والمالي في حملاتها الدعائية، إلا أن أغلبيتها كانت فاسدة إلى حد النخاع. وبما أن أغلبية الكتل والأحزاب والشخصيات اشتركت في الفساد الإداري والمالي، فإنها منعت محاسبة المفسدين والفاسدين وسرّاق المال العام تحت شعار “غض النظر عن الفساد الذي قام به الوزير المحسوب على كتلتي وأغض النظر عن وزيرك”. بحيث أصبحت عملية محاسبة المسؤولين الفاسدين عسيرة جداً على القضاء العراقي، الذي هو الآخر متهم بالضلوع في الفساد، وكذلك على هيئة النزاهة. بل الأدهى من هذا أن ثلاثة من رؤساء هيئة النزاهة السابقين متهمون بعمليات فساد إداري ومالي وهم مطاردون من قبل القضاء العراقي.

جذور الفساد

إن الفساد المالي والإداري في العراق لم يكن جديداً أو بدأ بعد عام 2003 ، إنما نشأ تدريجياً خلال الحرب العراقية الإيرانية، حيث بدأت بعض مفاصل الدولة ونتيجة لغياب الرقابة وانشغال الجميع بالحرب بأخذ الرشى من المواطنين لغرض تمشية معاملاتهم، أو غض النظر عن المخالفات القانونية التي يرتكبونها، ما أدى إلى تأسيس بيئة حاضنة للرشى وللعلاقات والمحسوبيات والمنسوبيات. فيما كانت مدة الحصار الاقتصادي الطويل الذي فرض على الشعب العراقي بسبب تداعيات أحداث الثاني من أغسطس/ آب 1990 قاسية جداً على الشعب العراقي برمته وشريحة الموظفين على وجه الخصوص، إذ أن راتب الأستاذ الجامعي كان لا يكفي لمعيشة يوم واحد لعائلة صغيرة لا تتجاوز الخمسة أشخاص. لذلك وأمام ضغوط الحصار والمعيشة وضعف الدولة العراقية بشكل عام انتشر الفساد الإداري والمالي في البلد، وأصبح المجتمع بيئة قابلة لتقبل الفساد المالي والإداري والتعايش معه. وهنا لابد من الإشارة إلى احتمالات وجود دور كبير للولايات المتحدة في تهيئة تلك البيئة من خلال حصارها على العراق لسنوات طوال وتجويعه وإجباره على توفير لقمة العيش بأي ثمن كان، لغرض الاستفادة من هذه البيئة بعد إسقاط النظام السابق في تخريب البلد.

بداية الفساد

إن بداية استشراء الفساد الإداري والمالي في العراق بعد تعرضه للاحتلال الأمريكي في عام 2003، حدثت على يد سلطة الائتلاف المؤقتة بقيادة الولايات المتحدة وبإشراف الحاكم المدني الأمريكي للاحتلال بول بريمر. إذ تم صرف مليارات الدولارات لتصريف أمور الدولة العراقية التي انهارت جميع مؤسساتها السابقة، وكذلك ما سمّي حينها بمشروع إعادة الإعمار في العراق. الأمر الذي دعا الكونغرس الأمريكي إلى أن يقوم بتأسيس دائرة للمفتش العام الأمريكي لسلطة الائتلاف المؤقتة. لكن كل هذا لم يمنع الفاسدين من تبذير وهدر الأموال العراقية والأمريكية الكبيرة على حد سواء.

أسباب الفساد

هناك الكثير من الأسباب التي أدت إلى تفشي الفساد الإداري والمالي في العراق بعد عام 2003 لعل في المقدمة منها عدم تأسيس قانون الأحزاب في العراق، رغم أن البرلمان العراقي الحالي هو الثالث في عمر النظام العراقي الجديد، إلا أنه لم يستطع إقرار هذا القانون، لأن الأحزاب السياسية ترفض تمرير هذا القانون حتى لا تخضع للحساب عند مساءلتها عن الأموال التي تمتلكها. كذلك عدم وجود محاسبة شديدة لا من قبل الحكومات ولا من قبل القضاء ولا من قبل المجتمع، لأن المجتمع يخشى التصادم مع المسؤول، لأنه مسنود من قبل كتلة سياسية أو حزب أو ميليشيا. أيضاً لابد من الإشارة إلى أن معظم الموظفين في مختلف دوائر الدولة العراقية كانوا أناساً بسطاء لا يمتلكون دوراً سكنية، لذلك استغلوا ضعف الرقابة في عموم البلد ومارسوا الفساد المالي والإداري بأبشع الصور حتى إن بعضهم أصبح يمتلك المنازل الفخمة في المناطق الراقية والبساتين والسيارات الفارهة. فضلاً عن غياب الوازع الديني والأخلاقي عند البعض، وفوق كل هذا هناك ثقافة مجتمعية بدأت تفرض نفسها تشيد بالفاسدين، لأنهم قاموا بتوفير السكن والعيش الرغيد لأنفسهم وعائلاتهم، بدلاً من تفريعهم والابتعاد عنهم.

شهدت الحكومة العراقية المؤقتة التي جاءت بعد بول بريمر قيام وزيرين فيها بسرقة مبالغ مالية كبيرة جداً، وهما وزير الدفاع حازم الشعلان ووزير الكهرباء أيهم السامرائي. إذ رفعت قضية اختلاس بمقدار مليار دولار على وزير الدفاع حازم الشعلان و27 مسؤولاً في تلك الحكومة. وكان أغلب المتهمين بالفساد في تلك الحكومة يحملون جنسية أخرى غير الجنسية العراقية، ما صعب مهمة محاسبتهم داخل العراق. بل إن وزير الكهرباء الأسبق أيهم السامرائي تم اعتقاله داخل العراق وأودع السجن داخل المنطقة الخضراء، لكن شركة حماية أمريكية قامت بتهريبه إلى خارج العراق في زمن حكومة نوري المالكي الأولى. فيما تم تهريب وزير التجارة في حكومة المالكي الأولى فلاح السوداني المتهم بقضايا فساد كبيرة جداً بشكل رسمي مستفيداً من جنسيته البريطانية.

استشراء الفساد

لقد استشرى الفساد في العراق بشكل كبير جداً خلال حكومتي المالكي الأولى والثانية بسبب غياب الحسابات الختامية وكذلك بسبب الصراعات السياسية المتلاحقة، إذ ما إن تهدأ أزمة حتى تنفجر أخرى، الأمر الذي جعل الجميع منشغلين في تلك الأزمات والسرّاق ينعمون بسرقاتهم من دون رقابة أو حساب من قبل السلطة. أضف إلى ذلك كان اعتماد المحاصصة الطائفية والحزبية في تشكيل حكومتي المالكي السابقتين سبباً رئيسياً في استشراء الفساد في عموم مؤسسات البلد.

من أهم المؤسسات الحكومية في العراق كانت متهمة بالفساد هي وزارات الدفاع، الكهرباء، الداخلية، الصناعة، التجارة، التربية، وربما وزارات أخرى، فضلاً عن أمانة بغداد. كما أن مجالس المحافظات متهمة هي الأخرى بوباء الفساد المالي والإداري. إذ أدى هذا الفساد إلى تعثر الكثير من المشاريع الخدمية والاستثمارية. ليدفع المواطن العراقي الثمن الكبير بسبب حرمانه من الخدمات المتعددة التي يحتاجها ولاسيما في مجالات الكهرباء والصحة والخدمات والتعليم.
كيفية المحاسبة؟

بشأن الإجراءات التي اتخذتها هيئة النزاهة بحق عمليات الفساد في العراق والمعوقات التي تعترض عملها قال رئيس هيئة النزاهة، حسن الياسري، إن أوامر القبض الصادرة بحق شاغلي الدرجات الخاصة ومديري العموم أو من هم بدرجتهم بلغت 14 أمراً، فيما بلغت أوامر الاستقدام القضائية الصادرة 2591 أمراً، نفذ منها 1393 أمراً فيما بلغ عدد الأوامر التي لم تنفذ من الجهات المعنية 875 أمراً.
وأوضح الياسري أن عدد الوزراء ومن بدرجتهم الذين صدرت بحقهم أوامر بالاستقدام 7 صدرت بحقهم 10 أوامر، فيما بلغ عدد الذين صدرت بحقهم أوامر استقدام من الدرجات الخاصة ومديري العموم أو من هم بدرجتهم 46 صدر بحقهم 52 أمراً. موضحاً أن هناك أكثر من قضية ضد الشخص نفسه، فيما تم إصدار 327 أمر توقيف قضائياً عن قضايا فساد، منها 4 أوامر صدرت بحق 3 من الدرجات الخاصة ومديري العموم ومن هم بدرجتهم.

وأشار إلى أن العديد من المختصين يؤكدون ضعف لجنة النزاهة في فتح ملفات فساد الشخصيات الكبيرة في الدولة، إضافة إلى ضعف الأجهزة الأمنية في تنفيذ الأوامر القضائية الصادرة بحق المتهمين، حيث استطاع وزير الكهرباء الأسبق أيهم السامرائي ووزير التجارة عبد الفلاح السوداني الهرب من العراق بعد إصدار أوامر ألقاء قبض بحقهما بتهم تتعلق بفساد مالي كبير جداً يصل إلى مليارات الدولارات خلال توليهما المنصب.

آراء للمعالجات

بشأن كيفية معالجة حالات الفساد المستشري في البلد شددت عضو لجنة النزاهة في البرلمان العراقي، عالية نصيف، على أن الاحتلال الأمريكي وبعد سقوط النظام العراقي السابق (شرعَّنَ) الفساد الإداري والمالي في البلد عندما أفسح المجال للسراق للحصول على مشاريع إعمار البلاد، إضافة إلى إعطاء مبالغ من أموال العراق المجمدة لتأهيل المحافظات من دون توافر أي شروط للشركات التي تعاقدت لبناء العراق.

وأكدت أن سرقة المال العام بعد عام 2003 توسعت بشكل كبير، وجرى توزيع الموازنة المالية بين القوى السياسية، إضافة إلى أن السياسيين أعطُوا شرعية بالسيطرة على المال العام وعقارات الدولة. وتضيف أن الشخصيات السياسية متورطة بشكل كبير في الفساد المالي بالرغم أنها تطرح نفسها كشخصيات إسلامية، إضافة إلى أن هناك فساداً مالياً في وزارة الدفاع، ونستعد لاستجواب وزير الدفاع خالد العبيدي خلال الأسابيع المقبلة تحت قبة البرلمان العراقي لمعرفة أسباب الفساد المستشري في عقود وزارة الدفاع. فيما كشف وزير الدفاع العراقي خالد متعب العبيدي، عن فسخ عقد 37 ألف منتسب في وزارة الدفاع لا وجود لهم على أرض الواقع في وحداتها العسكرية والذين يطلق عليهم مصطلح (فضائي).
وقال العبيدي، استطعنا خلال المدة الماضية فسخ عقد 37 ألف منتسب (فضائي) في الوزارة، متوقعاً أن الرقم سيصل خلال الأيام القليلة المقبلة إلى 45 ألف.
بينما يرى النائب عن كتلة الفضيلة جمال المحمداوي، أن الإخفاق الواضح والفساد المستشري وتردي الخدمات نتائج لمقدمات خاطئة أبرزها النظام الانتخابي غير العادل.
وقال المحمداوي إن ما تشهده الساحة السياسية من إخفاق واضح وانتشار للفساد في مفاصل الدولة وتردي للخدمات هي نتائج لمقدمات عقيمة وخاطئة وابرز تلك المقدمات هو النظام الانتخابي غير العادل وعدم حيادية واستقلالية الهيئة المسؤولة عن إجراء الانتخابات، وغياب قانون الأحزاب الذي ينظم سلوكيات وممارسات النشاط السياسي ويحدده بضوابط تحول دون استغلال إمكانات الدولة وهدرها لمصلحة حزبية. ورأى أن محاربة الفساد المستشري في البلد تدعونا الى نقترح تعديل قانون الانتخابات بما يضمن فرصاً متكافئة للتنافس ويحافظ بأقصى درجة ممكنة على أصوات الناخبين من دون هدرها وتحويلها لقوائم لم يؤيدوها واعتماد الدوائر المتعددة داخل المحافظة الواحدة لتوفير تمثيل حقيقي للناخبين. كما نقترح تعديل قانون المفوضية المستقلة للانتخابات وحصر اختيار أعضائها بلجنة قضائية مستقلة. فضلاً عن إجراءات مكافحة الفساد المالي والإداري من خلال تأسيس هيئة مستقلة للتفتيش العام يكون لها رئيس يرتبط به المفتشون العموميون في الوزارات ويُعيّن بمصادقة البرلمان، وكذلك أن يكون المسؤولون في الأجهزة الرقابية مستقلين حقاً عن السلطة التنفيذية ويكون ترشيحهم من قبل منظمات المجتمع المدني والجمعيات السياسية غير المشاركة في الحكومة، وبذلك نضمن استقلال تلك الأجهزة الرقابية في أداء دورها في محاسبة المسؤولين وتدقيق عملهم ومكافحة الفساد.
ويقول الخبير الاقتصادي، سلام زيدان الكناني، إن العراق شهد فسادا كبيراً من قبل الطبقة الحاكمة منذ عام 2003 وحتى الآن، حيث قامت تلك الطبقة بإهدار أكثر من 250 مليار دولار على تسعة آلاف مشروع وهمي مسجلة لدى وزارة التخطيط، إضافة إلى أن الطبقة السياسية قامت بزيادة الوزارات والهيئات وموظفي الدولة مما يصنف ضمن الفساد المالي. ويضيف أن الفساد المالي والإداري أدى إلى تعطل القطاعات الإنتاجية المهمة مثل الصناعة والزراعة، حيث يستورد العراق سنوياً بضائع استهلاكية من مواد غذائية وحاجة صناعية بأكثر من 70 مليار دولار، بالرغم من الإنفاق المتواصل على هذه القطاعات، مشيراً إلى أن قطاع الكهرباء من أكثر القطاعات فساداً حيث أنفق عليها أكثر من 47 مليار دولار كاستثمار منذ عام 2003 وحتى الآن ولكن لم تصل إلى ما هو مطلوب حيث يحتاج العراق إلى 30 ألف ميغاواط بينما ما ينتج حالياً11 ألف ميغاواط منها أربعة آلاف ضائعة بسبب ضعف شبكة النقل والتوزيع، بالرغم أن 47 مليار دولار يمكنها أن تنتج للعراق أكثر من 40 ألف ميغاواط. ويوضح أن الفساد المالي أدى إلى توقف الخطط الخمسية التي خصصت لها مبالغ طائلة لإعمار البلاد، مبيناً أن هيمنة الأحزاب السياسية على الدولة أدت إلى توزيع المشاريع الاقتصادية وفق نظام المحاصصة الذي جعل بيع المشاريع إلى مقاولين غير متخصصين بالإضافة إلى أن وزارة التجارة قامت بتسجيل الشركات التجارية من دون شروط تذكر.

وبيّن الكناني أن الاحتلال الأمريكي متهم بسرقة 200 مليار دولار أمريكي خلال مدة تولي الحاكم المدني بول بريمر لأن هذه الأموال فقدت وفق التقارير الدولية. لافتاً إلى أن الترهل الوظيفي في الدولة العراقية حالياً هو جزء من الفساد حيث يبلغ عدد موظفيها قبل عام 2003 نحو 850 ألف موظفاً بينما حالياً يوجد ستة ملايين ونصف تصرف عليهم 70% من الميزانية المالية التي بلغت في السنوات الأخيرة أكثر من 100 مليار دولار.

إصلاحات العبادي

    بعد أن طفح الكيل بالشعب العراقي جراء غياب الخدمات ولاسيما التيار الكهربائي وعدم مبالاة الحكومة العراقية تظاهر العراقيون في بغداد وبعض المحافظات الأخرى للمطالبة بتحسين التيار الكهربائي ومحاربة الفاسدين والمفسدين وقد حظيت تظاهراتهم بدعم المرجعية الدينية التي أعطت رئيس الحكومة العراقية جرعة كبيرة للقيام بإصلاحات غير مسبوقة في النظام السياسي العراقي الحالي. حيث أصدر العبادي مجموعة قرارات وتعليمات لمحاربة الفساد الإداري والمالي وحصره وقد أدت هذه القرارات إلى انصياع جميع الكتل السياسية لها، لأن هذه الكتل تخشى من ثورة شعبية تطيح رؤوسها. ويبدو أن العبادي بدأ يسير بحكومته في الاتجاه الصحيح رغم صعوبة مهمته. فإذا نجح في تطويق الفساد والفاسدين والإطاحة برموزه من السياسيين فإن الفساد سيقل بنسبة كبيرة، لكن إذا تعرض العبادي في الأشهر المقبلة إلى مناكفات وأزمات سياسية من قبل خصومه السياسيين الذين فضلوا السكوت في الوقت الراهن خشية من غضب الجماهير عليهم، فإن الفساد سيتغلب عليه، لكن هذا الأمر قد يكون مستبعداً، لأن أغلب القادة السياسيين لم يعودوا يمتلكون ذلك التأثير الكبير الذي كانوا يمتلكونه في السنوات السابقة عند أبناء الشعب العراقي.

اللجنة المالية النيابية: الفساد يهدّد بانهيار اقتصاد البلد

    أكدت اللجنة المالية في البرلمان العراقي، أن الفساد المستشري، وهدر المال العام في المؤسسات الحكومية، يهدد بانهيار اقتصاد البلد.

وكانت اللجنة المالية كشفت، في أبريل/نيسان، 2015 عن خسارة العراق نحو 360 مليار دولار، بسبب عمليات الفساد وغسل الأموال، منذ عام 2003، وأشارت إلى أن إيرادات العراق من بيع النفط منذ 2006 وحتى 2014، بلغت نحو 550 مليار دولار، وأن 60% من ذلك المبلغ (أي نحو 360 مليار دولار) تم بيعها في مزاد العملة ببغداد الذي ينظمه البنك المركزي العراقي، وجرى تحويلها إلى خارج البلاد عن طريق شركات أهلية ومكاتب صرافة في ظروف غامضة.

كما أن العراق خسر هذه الأموال، بسبب الفساد وغسل الأموال، حيث تقوم مصارف أهلية بشراء العملة وتحويلها إلى الخارج بحجة شراء سلع وبضائع، لا يصل منها إلى العراق سوى القليل.

مافيا الفساد يقودها ساسة وحكوميون كبار

أكد رئيس هيئة النزاهة العراقية السابق موسى فرج، أنه واجه الكثير من المصاعب في عمله لمواجهة مافيا الفساد. وأكد أن قادة الفساد هم الساسة والمسؤولون الحكوميون الكبار. ورأى أن هذا الفساد كان في مقدمة الأسباب التي أفضت إلى سقوط ثلث العراق بيد تنظيم (داعش).

وقال موسى فرج إن الساسة اختزلوا الشعب العراقي بالمكونات والمكوّن بالأحزاب والحزب بالمقربين والمقربين بالبطانة.

إياد جمال الدين: إيران تدير منظومة الفساد في العراق

رأى الكاتب العراقي إياد جمال الدين أن الفساد في العراق منظومة كاملة تدار من إيران وليس من شخص واحد. وقال الكاتب الشيعي في تغريدة عبر حسابه الشخصي على موقع (تويتر): “الفساد في العراق ليس بضعة أشخاص فاسدين، الفساد في العراق منظومة متكاملة تشمل ميليشيات وأحزاباً ومؤسسات دينية).

وتابع: “كلما سقط فاسد من تلك المنظومة أو مات نصّبوا غيره، منظومة الفساد في العراق تدار من إيران لمصلحة إيران وضد مصالح العراق”. وأضاف: “إيران لا تريد عراقاً مستقراً وغنياً ومتطوراً، إيران تريد عراقاً ضعيفاً منهاراً لئلاّ يكون منافساً لها على أي صعيد”. [https://www.facebook.com]

9 – صقور شبكات تهريب النفط الى سوريا وأفغانستان

  أثبتت الاستهدافات المتكررة للمعبر الحدودي القائم – البوكمال على الحدود العراقية السورية، أن الإدارة الأميركية أدركت الأهمية اللوجستية لهذا الممر لناحية نقل الإرهابيين والأسلحة “وشبكات تهريب النفط” من إيران عبر العراق وصولاً إلى سوريا ولبنان.

وإذا كان الأميركيون قد وضعوا نصب أعينهم محاصرة هذه الشبكة البترولية “العنكبوتية”، فقد أوجدت طهران بدائل عديدة تقود عمليات تهريب واسعة النطاق، عبر شبكات نقل سرية “براً” والبنوك السوداء والتجارة السرية.

وقد خلص تحقيق عملت عليه “العربية.نت” لفترة، إلى أن منطقة إقليم كردستان (شمال العراق) هي المنفذ الأكبر في التحايل على العقوبات الأميركية وتهريب النفط الخام ومشتقاته، والذي يباع بواسطة شبكة الحرس الثوري الإيراني بقيادة قوات فيلق القدس، وبغطاء من الميليشيات الشيعية العراقية وفصائل الحشد الشعبي.

 1500  دولار “عمولة” عن كل صهريج

يكشف مصدر مطلع في المنافذ الحدودية الإيرانية العراقية، أن النفط الإيراني يُنقل يومياً بواسطة صهاريج النفط، تنطلق من كرمانشاه الإيرانية وتمر عبر 3 منافذ حدودية تربط إيران بإقليم كردستان وهي (الحاج عمران، برويزخان، وباشماخ)، باتجاه السليمانية وصلاح الدين، ومنها إلى أربيل ثم أطراف الموصل وصولاً إلى الحدود العراقية السورية، مقابل دفع عمولة تقدر بـ 1500 دولار عن كل صهريج نفط لحكومة إقليم كردستان لتأمين “الغطاء” لمسار هذه الشاحنات من تعرضها لأي استهداف.

وبحسب المعلومات، فإن كميات التهريب تقدر بنحو ألفي صهريج يومياً (كل قافلة تضم 400 شاحنة)، تمر عبر المناطق المتنازع عليها بين حكومة بغداد وإقليم كردستان، ليتم بيع النفط الإيراني عبر العراق بما يسمى بمزاد العملة بسعر أقل من السوق، بإشراف من المصارف الشيعية الأهلية حصراً التي تخضع لسيطرة الميليشيات المسلحة في العراق، وتحصل فيما بعد طهران على أموالها من إيرادات النفط نقداً.

تهريب النفط العراقي

في الحقيقة، فإن الصفقات المشبوهة وعمليات السمسرة والفساد بين “البلدين الجارين”، قد شملت أيضاً النفط العراقي الذي يهرب بواسطة الصهاريج، عبر إيران ليباع في أذربيجان وأفغانستان، في حين يذهب القسم الأكبر إلى سوريا بغطاء من الميليشيات والفصائل المسلحة العراقية، وهي منظمة “بدر” و”كتائب حزب الله” و”عصائب أهل الحق” و”قوات وعد الله”.

وقد حصلت “العربية.نت” على فيديو حصري يظهر قافلة ضخمة تضم عدداً هائلاً من شاحنات النفط المهربة من آبار النفط في كركوك متجهة إلى محافظة ديالى في طريقها إلى الحدود العراقية الإيرانية، وذلك على أعين المارة والمواطنين، وبعلم من الحكومة المركزية.

هذا الاعتراف جاء على لسان عضو مجلس محافظة كركوك إسماعيل الحديد في مقابلة مع “العربية”، الذي أكد على أن الجميع تواطأ في ملف تهريب النفط العراقي، “وقد وصل إلى دول الجوار وحتى أفغانستان، وقد وقعت صفقات ضخمة في سبيل عبور هذا النفط خارج كركوك وذلك بعلم الحكومة”.

     ولعل فشل المفاوضات بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وحركة طالبان في أفغانستان قد يعود بشكل رئيسي إلى علم الإدارة الأميركية بتورط أفغانستان في شبكات التهريب عبر الحدود، على حد تحليل مصادر مطلعة من واشنطن.

توضح مصادر مقربة من الميليشيات العراقية والفصائل المتطرفة في حديث لـ”العربية.نت” أن الميليشيات المسلحة تقوم بسرقة النفط من 3 حقول نفطية، ليتم نقله بصهاريج نفطية مرورا بالسليمانية ومنها إلى إيران:

1 – نفط خانة التابعة لمدينة خانقين في محافظة ديالى (ثاني أكبر منطقة نفطية في إقليم كردستان بعد كركوك).

2 – حقل علاس شرقي تكريت.

3 – وحقل عجيل النفطي بمحافظة صلاح الدين شمال العاصمة بغداد.

وهذه الكميات “المهربة” تقدر بنحو 40 ألف برميل يومياً بعدما تم تقليصها من 60 ألف برميل يومياً، بصفقة تمت بين نائب رئيس إقليم كردستان العراق قوباد طالباني، بالشراكة مع هادي العامري أمين عام منظمة بدر التابعة لإيران، وفق ما كشفت المصادر.

أما ما يهرب إلى سوريا، فيقدر ما بين 72 إلى 80 ألف برميل يومياً، وهي كميات منهوبة من مدينة “القيارة” (في محافظة نينوى طغى الاسم لكثرة وجود النفط)، ومن تلعفر (مدينة عراقية تقع شمال غرب العراق، وتتبع إدارياً إلى محافظة نينوى).

تمر هذه الشاحنات النفطية، التي تعود ملكيتها إلى شركة “النقل” المملوكة لهادي العامري، عبر معبر “فيشخابور” الحدودي العراقي مع سوريا، لتدخل إلى الحسكة ثم إلى دمشق، في حين أن “المصافي السورية” تمثل وجهتها الأخيرة التي تستلم النفط وتقوم بمعالجته واستخدام مشتقاته في إدامة العمليات العسكرية.

ثروات “مليونيه” تكسبها الميليشيات

المفارقة هنا، أن أذرع الحرس الثوري الإيراني، بما فيها حزب الله اللبناني، حققت مكاسب مالية ضخمة من خلال نقل النفط والمنتجات البترولية إلى سوريا، إذ إن عمليات تهريب النفط براً تدر أموالاً على هذه الفصائل ما بين 1.8 و1.9 مليون دولار يومياً، حصة الأسد فيها تعود لإقليم كردستان بمليون دولار، بينما داعش وحده يستفيد بـ100 ألف دولار يومياً مقابل تعهده بعدم استهداف هذه الصهاريج، وذلك بحسب اعترافات رسمية من قيادي مهم في تنظيم “داعش”.

في حين أن النظام السوري هو المستفيد الأكبر، إذ يتم بيع النفط له بسعر 12 دولاراً للبرميل، بفارق كبير عن السعر الفعلي للسوق.

4 صقور لشبكات تهريب النفط

ولكن من الذي يؤمن الغطاء لهذه الشبكة المتشعبة؟ كشفت مصادر مطلعة لـ “العربية.نت” أن هذه الشبكة متنامية الأطراف، يحكمها 4 صقور يأتمرون بأوامر قائد قوات فيلق القدس قاسم سليماني وهم:

1 – الأمين العام المساعد لمنظمة بدر الحاج عبد الكريم يونس الأنصاري، ويعرف بـ “أبو مريم الأنصاري”، وهو نائب هادي العامري. أبو مريم الأنصاري شمالا

2 – ليث العذاري، عضو المكتب السياسي لحركة عصائب أهل الحق، وهو نائب الحاج قيس الخزعلي. يشار إلى أن عصائب أهل الحق، لها جناح عسكري فعال حالياً شُكِل عند تكوينها من شيعة عراقيين، إحدى أشهر الميليشيات العراقية المدعومة من إيران.

3 – الحاج أبوعلي الكروي، اللواء 40 في الحشد الشعبي/كتائب الإمام علي.

4 – مهند العقابي، المسؤول عن شؤون الإعلام، وهو قيادي في “حزب الله العراقي”، ونائب أبو مهدي المهندس. [https://www.alarabiya.net]

10 – مليشيات تجني مليارات عبر تهريب النفط الى الامارات وإيران

  تفقد الخزينة العامة العراقية، التي تعتمد بنسبة 90% في ميزانيتها على النفط الخام، مليارات الدولارات، بفعل تهريبه من قِبل متنفذين في الوزارات الحكومية والأحزاب، إلى دول أخرى باستخدام قوارب صيد، وشاحنات.

وطرح رئيس الحكومة العراقية، عادل عبد المهدي، ملف تهريب النفط، الذي تسبب في إهدار الموارد وتراجع الخدمات، وهو ما أثار سلسلة احتجاجات شعبية كادت تطيح بالنظام خلال الصيف الماضي.

ومن أبرز الوثائق الرسمية التي تحدثت عن هذه القضية، تقرير الشفافية الصادر في 2006 عن مكتب المفتش العام بوزارة النفط العراقية، وحمل عنوان “تهريب النفط الخام والمنتجات النفطية”.

ولم يستمر عمر الملف طويلاً، إذ أُتلفت الوثائق المرتبطة به في حريق شب بالوزارة مباشرة بعد نشره للرأي العام، ولم يصدر تقرير بعده إلى يومنا هذا.

التقرير تحدث بالأرقام عن عمليات التهريب التي تمت في 2005 وتداعياتها الاقتصادية، مقدِّراً الأموال التي تم الاستيلاء عليها بما قيمته مليار دولار، مشيراً إلى أن التهريب يجري عن طريق الموانئ الجنوبية في البصرة باتجاه الإمارات، ودول أخرى.

وبحسب التقرير، فإن عمليات التهريب تتم باشتراك من بعض الدول المجاورة وبمشاركة مسؤولين في الدولة ومشرفين على القطاع النفطي، وبتواطؤ من عناصر بالشرطة والجمارك العراقية.

تمويل مليشيات

ورغم عدم إصدار مكتب المفتش العام العراقي التقرير الذي أتى عليه الحريق، بعد أن خلصت التحقيقات الحكومية إلى أن الحريق قضاء وقدر، فإن المخابرات الأمريكية قدمت للجانب العراقي، نهاية مارس الماضي، تقارير عن تهريب النفط.

ووصلت المخابرات الأمريكية إلى أن 56 جهة عراقية تشارك في عمليات التهريب، والأموال المحصّلة تُقدَّر بنحو 4 مليارات دولار سنوياً، بحسب مصدر في وزارة الداخلية العراقية.

المصدر قال لـ “الخليج أونلاين”، مفضِّلاً عدم ذكر اسمه: إن “الجانب الأمريكي وفَّر معلومات تفصيلية لحكومة رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، ورئيس الوزراء الحالي عادل عبد المهدي، عن حجم عمليات التهريب، والجهات المستفيدة من هذه العمليات”.

وأضاف: “المعلومات تشير إلى أن 10 أحزاب سياسية مشاركة في الحكومة الحالية متورطة بعمليات التهريب، عن طريق موظفين في الدرجات العليا، هي من عيَّنتهم، ويدينون لها بالولاء في وزارات النفط والداخلية والجمارك، ويُهرِّب هؤلاء النفط من خلال المنافذ بالتعاون مع موظفِين فاسدِين”.

وتابع المصدر: “وبحسب المعلومات، فإن 40 فصيلاً مسلحاً تسهم في عمليات التهريب، من خلال مناطق نفوذها باستخدام أساليب مختلفة، وتمول هذه المليشيات أنشطتها من خلال ملايين الدولارات من العائدات اليومية”.

واستدرك المصدر بالقول: إن “الأحزاب والفصائل المسلحة آنفة الذكر تستخدم المنافذ الجنوبية والغربية لتهريب النفط باتجاه الإمارات. أما المنافذ الشمالية فتستخدمها 6 جهات كردية في تهريب النفط من آبار الشمال بكركوك وفي إقليم كردستان باتجاه إيران”.

المصدر أشار إلى أن “المخابرات العراقية توصلت إلى أن معظم النفط المهرَّب عبر الجنوب يذهب إلى الإمارات، ومن جهة الشمال يذهب إلى إيران وتركيا، حيث يباع برميل النفط بأقل من 36 دولاراً للبرميل”.

     وبيَّن المصدر أن عمليات التحري أوصلت المحققين العراقيين إلى وثائق تظهر عليها أختام موانئ وشركات إماراتية على النفط العراقي المهرب.

وكشف أن “معظم الأموال المحصَّلة من التهريب تودع في بنوك بإمارة دبي، وحكومة عبد المهدي بدأت بالتواصل مع الجانب الإماراتي بهذا الخصوص دون إعلان ذلك، لعدم إثارة الجهات السياسية والمليشيات التي يمكن أن تضغط لوقف جهود التحقيق كما فعلت في السنوات الماضية”.

صراع دامٍ على الموارد

     وتشهد مدينة البصرة صراعاً دامياً بين الأحزاب والمليشيات المتنفذة بين الفينة والأخرى، في إطار سعيها للحصول على حصةٍ أكبر من موارد التهريب، بحسب هادي الفريجي الأكاديمي والباحث البصري.

الفريجي قال لـ “الخليج أونلاين”: إن “تهريب النفط في المدينة أدى إلى نشوء مافيات تضم المهربين والوسطاء والمتعاونين ضمن وزارة النفط والجمارك. كما تؤدي بعض العشائر دوراً محورياً في الوساطة بين مختلف الأطراف، بحكم مناطق نفوذها التي تمر منها الخامات المستخرجة من الآبار”.

وأضاف الفريجي: “بات معروفاً لدى أهالي المنطقة ما هي الجهات المتورطة في عمليات التهريب، فبموجب المحاصصة في الوظائف والمناصب، يسيطر حزب الفضيلة على قوة حماية النفط، وحزب الله العراقي على شرطة الجمارك”.

وتابع: “وتوجد للمجلس الأعلى الإسلامي هيمنة على المخابرات، أما التيار الصدري فيسيطر على الشرطة المحلية وعلى قوات حماية المنشآت”.

وأشار الفريجي إلى أن “الموانئ يتنافس عليها الجميع، حيث يسيطر الصدريون على ميناء أبو فلوس الذي يعد مركزاً رئيساً للتهريب، في حين يسيطر الفضيلة على ميناء أبو الخصيب العميق الذي ترسو فيه السفن الكبيرة”.

وشهدت البصرة في السنوات الماضية اشتباكات أكثر من مرة بين هذه القوى، إثر خلافات تتعلق بمناطق النفوذ والسيطرة.

طرق تهريب النفط

وعن الكيفية التي يتم من خلالها تهريب النفط، كشف الفريجي الناشط المدني المهتم بمكافحة الفساد، أن عمليات التهريب تتم في الغالب باستخدام زوارق خشبية لصيد الأسماك توجد في مياه شط العرب.

وأوضح أن وِجهتها تكون المياه الدولية في الخليج العربي، ومن هناك تتجه الشحنات إلى موانئ الإمارات العربية، التي تتغاضى عن عمليات التهريب.

ويستطرد بالقول: “هناك طريقة أخرى يعتمد عليها المهربون في الحصول على الخام، من خلال تتبُّع الشبكات الناقلة للنفط، حيث يحصلون على خرائطها التفصيلية من موظفين من داخل وزارة النفط، وفي الأماكن النائية تُثقب الأنابيب ويُحصر الخام في أحواض من الرمل على شكل آبار اصطناعية، ومنها تأتي السيارات الحوضية لنقل الخام”.

الفريجي كشف أن عمليات التهريب الكبرى ينفذها حيتان التهريب المرتبطون بالمليشيات والأحزاب المتنفذة، حيث يتم التحايل على العدّادات التابعة لوزارة النفط بالتعاون مع كبار الموظفين.

وأشار إلى أنه تتم تعبئة زوارق محلية، حمولتها لا تتجاوز 20 طناً، وهذه بدورها تذهب بالنفط إلى باخرة إماراتية خارج المياه الإقليمية العراقية، حيث يباع الخام لها، ويتم تسلُّم المال إما مباشرة وإما بإيداعه في حسابات بإمارة دبي.

يشار إلى أن البواخر التي  تنقل النفط المهرَّب لا تملك أوراقاً رسمية بحمولتها، وتحمل نفطاً غير شرعي بحسب القانون الدولي، لذلك يعد استقبال الموانئ الرسمية إياها مخالفة قانونية، وشكلاً من أشكال القرصنة. [https://alkhaleejonline.net]

11 – فساد العراق… المهمة المستحيلة

  هل سيمرّ يوم على العراق ولا يكون فيه شحاذ أو حرامٍ محتال من النوع الذي يُضجّ بهم الآن من كل صنف في السنين الأخيرة؟ هذا السؤال له ما يبرّر طرحه، فالعراق من أكثر الدول العربية فساداً، ويبدو ضرباً من الأوهام البعيدة والتمنيات العزيزة للغاية ألا نرى وزيراً أو وكيلاً أو مديراً فاسداً، فالعراق يتربّع الآن على رأس الدول الأكثر فساداً في العالم، في الميادين المختلفة. وفي العراق لا فرق بين فاسد بعمامة وآخر من دونها… الكل مشارك في لعبة المسافات الطويلة من أجل المال والامتيازات! وسيحتاج العراق إلى وقت طويل ليكون بين الدول الأقل فساداً. الحكومة العراقية الحالية تبدي اهتماماً بالموضوع أكثر من غيرها، لكنها لم تتجاوز بعد الكلام. والمفترض، بحسب تصريحات المسؤولين، أنه بدءاً من الأسبوع المقبل ستبدأ خطة لمكافحة الفساد لا يثق بها إلا القليلون. ومن الصعب جداً تصوّر العراق بلا فساد إداري ومالي… أي ألا يكون فيه وزير يأمر مديره بترتيب (الأمور)، أو مدير عام يتفاوض على حصته وحصة غيره من المال الحرام المقتطع من صفقة مليونيه مثلاً، أو ألا تكون هناك جماعة سياسية قد تفاوضت مع غيرها من أجل منصب حكومي واشترته بكذا مليون من الدولارات ليسدد الثمن من الرواتب والمغانم، فهذه كلها مما يحسب في العراق الذي لم يزل القهر وخيبة الأمل فيه يقتلان أصحابهما، وعملياً فإن أغلب الوظائف والمناصب العليا موزعة على أساس الحصص الطائفية والقومية. وقال عبد المهدي في مؤتمره الصحافي الأسبوع الماضي إنه (في الأسبوع المقبل أو الذي سيليه سنطرح مشروع مكافحة الفساد، وهذا المشروع سيضع النقاط على الحروف). المعني هنا على الأرجح أن الحملة ضد الفساد لن تتوقف عند أحد مهما كان موقعه ومنصبه، وهذا مما تثار الشكوك حوله، وهو ما يجعل الأمر غير قابل للتحقق، المشكلة في العراق لا تتمثل في عدم وجود فاسدين، إنما في وجودهم بكثرة، وكبار الفاسدين هم في العادة كبار المسؤولين في الدولة من وزراء ووكلاء ومديرين، وسواهم، وزعماء أحزاب وائتلافات وكتل، وهؤلاء لا يعملون ضد أنفسهم.

   حساب الفاسدين في العراق غير معتاد، هم يسرقون على هواهم المليارات ومئات الملايين من الدولارات، لكنهم لا يرغبون في الإفصاح عن شخصياتهم وفضح أمورهم، أي واحد يكشف أمره فسيفكر بكشف آخر فاسد مقابله، فالجميع متوفرة لديه الوثائق الصحيحة والمزورة اللازمة للإدانة! والقاعدة الذهبية هنا: اسكت عني أسكت عنك. هذه كانت القاعدة لنهب ما يزيد على 6000 مليار دولار من أموال النفط العراقي منذ 2003 حتى الآن، كلها تقريباً راحت إلى حسابات مسؤولين حزبيين بدعوى أنهم ناضلوا ضد ديكتاتورية صدام حسين. والواقع أن بعضهم لم يناضل دقيقة واحدة في حياته، بل كان مع صدام حتى النهاية.

ليس عبد المهدي الرجل المناسب لهذه المهمة الصعبة، بل المستحيلة، كما تبدو، فهو ليس الأقوى بين أقرانه قادة الكتل والأحزاب الذين يمكن لهم في أي لحظة الاتفاق ضده. ربما احتاج عبد المهدي إلى أن يفعل ما فعله غيره في البلدان الأخرى بأن يتفاهم مع الفاسدين ليعيدوا بعض الأموال المسروقة في مقابل إعفائهم من المسؤولية عنها، أو أن تجري جدولة الأموال المسروقة في صيغة ديون يحدَّد موعد لإعادتها، ويبدو أن هذه الفكرة قد طرحت بالفعل لكن لم يعرف بعد رد فعل المعنيين بها، وبعضهم سيقبل بها بالتأكيد لأنها توفر له فرصة نجاة.
   أظن أن أفضل شيء أن يجري التوافق مع هؤلاء على إعادة الأموال التي نهبوها مقابل العفو عنهم كلياً أو جزئياً، على أن يرتبط أمر التسوية بحرمان الفاسدين من تولي مناصب حكومية وبرلمانية واقتصادية وتنفيذه لمدة عشر سنوات على الأقل. هذا لضمان ألا يخرج الحرامي من الباب ليدخل من الشباك. العقبة الكبرى الأخرى هي قانون العفو العام، وهذا مما يلزم إعادة النظر فيه من أجل عدم السماح للقتلة والفاسدين بالإفلات من العقاب. [https://aawsat.com]

12 – غسيل الأموال في العراق مفاهيم واسرار

  ما زال موضوع غسيل الأموال  (Money laundering) من المواضيع الساخنة على الساحة العالمية ، والتي تستحوذ على اهتمام الحكومات والجهات الأمنية بشكل عام، والمؤسسات المالية، والمصرفية بشكل خاص، وتتناقله وسائل الإعلام يومياً؛ لما يشكله من تهديد جدي للسلام والأمن العالمي ، ووفقا لإحصائيات صندوق النقد الدولي فإن حجم تجارة غسيل الأموال يبلغ بين 950 مليار دولار و1.5 تريليون دولار، وهذا الرقم كفيل بحد ذاته بأن يضع الاقتصاد العالمي في مكان حرج. ولمكافحة غسيل الأموال، شكلت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية لجنة مالية دولية ، من (26) دولة عضواً من بينها مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى ، إضافة إلى المفوضية الأوروبية ، وعملت على جدولة الدول التي تجري فيها عمليات غسيل الاموال المشبوهة .وتُعرف عملية غسيل الاموال(تبييض الأموال) اقتصاديا بانها: “تحويل الأموال الناتجة عن ممارسة أنشطة غير شرعية إلى أموال تتمتع بمظهر قانوني سليم خصوصاً من حيث مصادرها”.
وتعرف قانونيا، بانها:” قبول الودائع أو الأموال المُستمدة من عمل غير مشروع أو إجرامي، وإخفاء مصدرها، أو التستر عليها، أو مساعدة أي شخص يُعد فاعلاً أصليا أو شريكاً في ذلك العمل على الإفلات من النتائج القانونية لفعله”.

أهم مصادر الأموال المغسولة :تشير الدراسات الى ان 70% من حجم الاموال المغســـولة يأتي من تجارة المخدرات، والباقي من انشطة اخرى مثل تجارة الســلاح والزئبق الابيض وتزييف العملات، والاختلاس والسرقة، والابتزاز، والرشاوى الحكومية، والجريمة المنظمة والتهرب الضريبي .وتعد نيويورك اكبر مركز عالمي لغسيل الاموال الا ان لندن تعد منافســــا قويا لها، وترجع زيادة الاقــــبال على لندن بسبب عدم تعقيد النظام فيها و قــــدرته على اجراء التعاملات الضخمة المرتبطة بغسيل الاموال .وقد اشارت تقديرات الامـــم المتحدة الى ان حجم الاموال القذرة التي تتعرض لعملية الغســـــــل في العالم اصبحت ضخمة جدا، بحيث يتجاوز حجم التجارة الدولية للبترول، ويأتي في المرتبة الثانية لحجم التجارة الدولية للأسلحة. وتمر عمليات غسيل الأموال من الناحية العملية بعدة مراحل، وهي:

1 – مرحلة الإحلال: أي تجميع كميات كبيرة من النقود السائلة (Cash Money) ويتحاشى غاسلو الاموال في هذه المرحلة استخدام الصكوك أو بطاقات الائتمان ووسائل الدفع الأخرى عن طريق المستندات، وتعد هذه المرحلة الاصعب في المراحل الاخرى وذلك لاحتمال انكشاف امر الاموال الا انه بمجرد قبول هذه الاموال في النظام المصرف كإيداعات نقدية او شـيكات فانه يصبح من السهل اتمام المراحل الأخرى.

2 – مرحلة التغطية  :Layering  وهي اقل خطورة من المرحلة الاولى ، وفيها يتم ادخال الأموال الوسخة في النظام المصرفي والمؤسسات العاملة أو المرتبطة به، حيث يتم إخفاء علاقة هذه الأموال بمصادرها غير المشروعة، أي مصادرها الأصلية .
3 – مرحلة الدمج :Integration  وهذه هي المرحلة الأخيرة، التي يتم فيها دمج الأموال غير المشروعة في مختلف العمليات المالية والاقتصادية ، وتنقل الأموال من بنك إلى آخر أو نقلها خارج الدولة. وهناك عدة عوامل أخرى تعمل على تشجيع مثل هذه العمليات غير المشروعة في الوطن العربي، اذ يوفر النظام المصرفي العربي ـ الذي يعتمد السرية المصرفية التامة ـ أرضية خصبة تحاول المافيا استغلال تلك السرية لتنفيذ عمليات غسيل الأموال ، حيث تشكل عائقاً أمام مراقبة تلك الاموال، والتعامل الكثيف بالعملات الأجنبية بدلا من العملة الوطنية في الحسابات المصرفية وعمليات البيع والشراء، والتحويل بين العملات كافة من والى داخل تلك الدول دون قيد أو شرط ، وكثرة التحويلات من المقيمين في الخارج فمثلا في لبنان يتم تحويل مبلغ يزيد على (6) مليارات دولار سنوياً حسب البيانات والاحصائيات، وتجيير الصكوك اكثر من مرة بحيث يصعب معها الرجوع إلى نقطة البدء.

عملية غسيل الاموال في العراق: بعد الاحتلال عام 2003 وما شهده العراق من غياب الرقابة الحكومية بكل مؤسساتها، وما خلفه من تدمير للبنى التحتية وانكشاف السوق العراقية، اصبح العراق بيئة ملائمة لوقوع الجرائم من جهة وغسيل الاموال من جهة اخرى .وهيأت البيئة الداخلية الاجواء بعد عام 2003 وغياب الدولة بكامل اجهزتها ومؤسساتها الى ولادة هذه الظاهرة بشكل واضح؛ ولغياب دولة القانون والاجهزة الرقابية وسياسة الاغراق، والسوق السوداء ،واعتماد سياسة السوق المفتوح امام الاسواق العالمية بما فيها من سلع جديدة ورديئة، فضلا عن فتح الحدود مع العالم دون قيد او شرط ويدعم ذلك سهولة تداول الاموال وتحويلها الى الخارج وضعف القطاعات الانتاجية على توفير السلع والخدمات.
وتوقف العديد من الانشطة الاقتصادية اما بسبب التخريب او التدمير أو المواد الأولية او انقطاع لتيار الكهربائي. وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، والانفلات الامني وعدم وجود سياسات اقتصادية مستقرة وواضحة المعالم للعمل بها، وشيوع تجاره الممنوعات والسلع غير الخاضعة للرقابة وتزايد معدلات الجريمة بكل انواعها.

وتفاعلت مكونات البيئة الداخلية مع مكونات البيئة الخارجية لخلق بيئة ملائمة، تشجيع ونمو ظاهرة غسيل الاموال في العراق حيث ان عملية سياسات الانفتاح على الاقتصاد العالمي بعد انكشاف السوق العراقية ادى الى تكوين الارض الخصبة .
واصبح العراق الملاذ الامن للقيام بجريمة غسل الاموال من قبل المافيات، فضلا عن الاسواق الجديدة التي انشئت في العالم بظل العولمة وليس لها موقع جغرافي يمكن السيطرة علية وتزايد حجم الجريمة الاقتصادية في العالم، واعلان بعض الدول قبولها الاموال غير المشروعة وتقديم التسهيلات لها مقابل فوائد عالية تمكنها من الحصول على ربحية عالية دون رقابة ومساءلة قانونية.

ويعد غسيل الاموال من اخطر الجرائم المالية بسبب انعكاساته المباشرة على الجوانب والاقتصادية والسياسية والأخلاقية والفكرية على مستوى الافراد والمجتمع والمؤسسـات ،وهي من المشكلات الاقتصادية الاكثر تعقيدا، لا نها تخلق حالــــة اختلال التوازن والاستقرار الاقتصادي الذي يعد الركيزة الأساسية لتحقيق مجتمـــــــع الرفاهية والتنمية والتطور .وعملية غسيل الاموال بالعراق غير معقدة من حيث المراحل حيث تدخل الاموال بسهول عالية دون المرور بالمراحل ، نتيجة تردي الوضع الأمني في العراق وعدم كفاءة الأجهزة الرقابية الحكومية ؛ الأمر الذي يجعل الاقتصاد العراقي عرضة للتخريب. وقد سُجلت الاف الحالات لدى بعض الأجهزة الرقابية وبخاصةً في المحافظات العراقية الوسطى والجنوبية حيث يمارس الأشخاص نشاطات غسيل الأموال بسهولة، ومما يساعدهم على ذلك التطور الحاصل في القطاع المالي والمصرفي الذي سرّعَ من عمليات التحايل، بالإضافة الى النظام الآلي لتحويل الأموال، الذي سهل إتمام عمليات مشبوهة لغسيل الأموال، كما أن استخدام شبكة الانترنت أدت هي الأخرى إلى توسع عمليات التحايل من خلال استخدامها من قبل عصابات غسيل الأموال للاستفادة من السرعة الخاطفة للتحويلات النقدية عبر العالم، أو بين الحسابات في الدولة الواحدة، وتبين أن (25%) من الرسائل الالكترونية المرسلة بين البنوك والأشخاص لا تتضمن المعلومات التفصيلية الخاصة بهذه التحويلات، وساعد الظرف الاستثنائي الذي يمر به العراق في تصاعد العمليات الإرهابية بدعم من دول أخرى.
مصادر الاموال غير المشروعة في العراق

   هناك العديد من المصادر التي تصب في وعاء الاموال غير المشروعة ومن أهمها: –

1 – سرقات المصارف والبنوك بعد احتلال العراق والتي تمثل نسبة عالية في تكوين وعاء غسيل الاموال في العراق.

2 – الأموال المتأتية من سرقة الاثار الثمينة وتهريبها، وبيعها في الاسواق العالمية.
3 – تهريب النفط ومشتقاته، وتهريب المكائن والآلات والمعدات والمصانع الى الخارج، الغش الصناعي والتجاري بعد انكشاف السوق العراقية وغياب دور الدولة ومؤسساتها، وعصابات السرقات والخطف ، و الاموال المخصصة لا عادة الاعمار التي تتجه نحو اقامة مشاريع وتقديم خدمات وهمية .
4 – المتاجرة بالمخدرات و الرشوة والفساد الاداري، والتربح من الوظائف العامة، والاموال التي كانت بذمة مسؤولي المالية في بعض مؤسسات الدولة خلال الحرب الاخيرة، .والشركات الوهمية.

أبرز الآثار المترتبة على هذه الظاهرة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً :
1 – اضعاف الدخل القومي من خلال استنزاف رؤوس الاموال (العملات الصعبة) التي تمت سرقتها من المصارف، وتحويلها للاستثمار في خارج القطر، وتهريب المكائن والآلات والمعدات والمصانع الى خارج العراق، وبيعها بأسعار منخفضة وهي تمثل رأسمالا ثابتا، مما ادت الى تعطيل المشاريع الصناعية مما افقد البلد طاقته الانتاجية التي هي اصلاً منخفضة، وضعف القطاعات الانتاجية بسبب ضعف الادخار والاستثمار.

2 – هروب رؤوس الاموال الى الخارج مما ادى الى اختلال التوازن بين الادخار والاستهلاك مما جعل الدولة ملزمة بالتحويل الخارجي اذ زادت المديونية.
3 – عدم الاستقرار النقدي (سعر الصرف) والخوف من تقلبات مستقبلية مما يعني قيام الافراد بشراء العملات الاجنبية وادخارها داخل العراق و خارجه .

4 – سوء توزيع الدخل وتركزه بيد فئة قليلة اثر سلبا المجتمع.

5 – ادخال السلع المغشوشة الى السوق العراقية ادى الى القضاء على الصناعة الوطنية وفقا لمبدا ابن خلدون: (السلعة الرديئة تطرد السلعة الجيدة (وساهمت في الفوضى السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

6 – استنزاف الاقتصاد الوطني لصالح الاقتصاديات الخارجية و استقطاعات من الدخل القومي، مما ادى الى تغلغل الجريمة الاقتصادية المنظمة بشكل واسع وسريع في الأعمال التجارية المشروعة، وصعوبة كشف الأموال المغسولة وتتبعها نتيجة التطور التكنولوجي.

7 – السيطرة على السوق المحلي اصبحت بيد فئة قليلة من أصحاب المشروعات الوهمية، مما أثر سلباً على ميزان المدفوعات والميزان التجاري في الدولة وانتشار البطالة واختلال توازن الهيكل الاجتماعي وتزايد حدة مشكله الفقر وتدني مستويات المعيشية للغالبية العظمى من ابناء الشعب العراقي.

8 – ساهمت عمليات غسل الاموال في انتشار الفساد والجرائم الاجتماعية والفساد الاداري والرشوة وغير ذلك، وانخفاض المستوى المعاشي المواطنين من خلال توفير السلع والخدمات المغشوشة.

     واصدرت اللجنة المالية في البرلمان العراقي تقريرا اكدت فيه ما صرحت به منظمة الشفافية العالمية بان العراق يحتل مركزا متقدما من بين أكثر البلدان الستة فسادا في العالم. كما اكدت اللجنة في تقريرها وجود فساد مالي كبير في فترة تولي نوري المالكي رئاسة الوزراء، ورموز هذا الفساد، هي بنوك، ومصارف، وشركات، وشخصيات زورت وثائق لتهرب مبالغ مالية ضخمة نحو عدة بلدان.
وفسرت اللجنة الاسباب التي جعلت العراق ضمن الدول الست الأكثر فساداً في العالم، اذ نشرت وثائق رسمية عن عمليات تهريب منظمة لمليارات الدولارات، جرت عبر مزاد بيع العملة الصعبة لعدد من المصارف والشركات المالية بين 2006 و2014 حينما كان نوري المالكي رئيسا للوزراء.

رئيس هيئة النزاهة الأسبق القاضي رحيم العكيلي يقول في 9/8/2015 : هناك تقارير للرقابة المالية في 2010 عن فساد غسيل الاموال في العراق ، ولكن النفوذ السياسي السلطوي للفاسدين لا يسمح بملاحقة وكشف الحقائق للذين يعبثون بأموال الدولة، وهذا يفسر رغبة المالكي بإزاحة الدكتور سنان الشبيبي عن إدارة البنك المركزي العراقي والاستيلاء على الثروة أو الكنز الهائل داخل هذه المؤسسة؛ للتحكم بالنقد العراقي وهذا ما حصل لاحقا، بعد إزاحة الشبيبي عن البنك المركزي العراقي اذ زاد التلاعب بسعر الصرف واكد هذا الكلام رئيس اللجنة المالية النيابية في البرلمان العراقي في عام 2013 الدكتور أحمد الجلبي، اذ كان يتحدث عن أن التلاعب بأسعار الصرف في البنك المركزي العراقي وعن أزمة تتعلق بانخفاض مستوى الدينار العراقي وصعود سعر الدولار، نتيجة تحكم جهة سياسية بالبنك المركزي العراقي بالفرق بسعر الصرف، مما حقق لها ربح مليارات الدولارات.
واوضح العكيلي، انه قام بجمع معلومات حول شخص حول إلى الاردن مبلغ 1.5 مليون دولار لشراء عقار وتبين أن هذا الشخص قريب من رئيس الوزراء، و كان البنك المركزي الأردني شك في تحويل المبلغ، اذ تعد الأردن من الدول المتقدمة لمكافحة غسل الأموال. ومما يساعد في عمليات غسيل الاموال في العراق انعدام الشفافية في عمل البنك المركزي العراقي وشحة المعلومات التي تخص التحويلات الخارجية للأموال العراقية عنها داخل المؤسسات الرسمية البنك المركزي العراقي، الذي ما زال مصرا على اعتماد السرية المصرفية، التي في الحقيقة لا تساعد في مواجهة جرائم غسيل الأموال.

    وأضاف العكيلي انه منذ العام 2004 لم يقدم مكتب مكافحة غسل الأموال جريمة واحدة للتحقيق فيها، علما بأن 551 مليار دولار من عائدات النفط لم تدخل خزينة الدولة ، بل هربت إلى الخارج، لكن تهريب الأموال لم تكن تضطلع به المصارف فقط. ويؤكد المصدر ذاته أن حقائب كانت تملأ بمليارات الدولارات وهي اموال عراقية مسروقة وتحمل في الطائرات او عن طريق البر ايضا إلى سوريا و لبنان وتخرج إلى إيران وتستخدم في أغراض كثيرة ، وكثير من الأموال العراقية في الحقيقة ساعدت ايران من أجل تخطي أزمتها الاقتصادية.
الجدول التالي يوضح الاموال المهدورة والمهربة خارج العراق(بـمليارات الدولارات).

وهذا يعني ان البنك المركزي العراقي متورط وربما يخضع لضغوط وتعليمات من جهات سياسية، ويتحدث العكيلي عن فساد بعضهم في القضاء العراقي، فيقول إن 2500 قضية غسل أموال أقفلها قاض عراقي، فكوفئ على ذلك بالمال وبإجازة ستة أشهر قضاها في لبنان، حسب المصدر.

و قال الخبير الاقتصادي همام الشماع إن الأموال المهربة كانت تلجأ إلى أماكن آمنة خارج العراق وتدخل الشبكة المصرفية لتصبح نظيفة بعد أن كانت قذرة، لافتا إلى أن البنك المركزي العراقي هو الذي كان يشرعن غسل الأموال القذرة.
ومن طرق غسيل الاموال، شراء بعض المصارف من المزاد اليومي للبنك المركزي عبر تقديم وثائق مزورة تثبت أن الجهة التي تشتري الدولار قامت باستيراد سلع أو خدمات أو دفعت للخارج مبالغ لقاء أمور معينة، المصارف تقوم بعمليات تهريب أموال واسعة النطاق، منها مصرف الهدى وبلغت ارباح مصرف الهدى من مزاد العملة 18 مليار دينار خلال 4 اشهر فقط في عام 2015، لقاء تحويلات خارجية قدرت بـ 1.8 مليار دولار.

وكشفت الوثائق، التي نشرها مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية، والمدى، ضمن ملفات فساد المصارف والشركات الوهمية، قيام مصرف الهدى بـ 163 عملية تحويل للدولار الى الخارج لحساب عشرات الشركات المحلية. وبحسب الوثائق، التي تضمنتها مخاطبات البنك المركزي، فان 85 من هذه العمليات جرت بدون كشوفات لا رصدة هذه الشركات. وابدى البنك المركزي شكوكه بسلامة هذه التحويلات لضخامة المبالغ وحجم السلع التي تستوردها الشركات المتعاملة مع مصرف الهدى 163 عملية تحويل أجراها مصرف الهدى خلال 6 أشهر 85 منها دون كشوفات وراجت في العراق تجارة الحوالات يعني هنالك من لديه حوالة لا يستورد بقيمتها سلعا وإنما يتم بيعها بسعر أعلى وهنالك جهات أو وسطاء تتمثل بمصارف تشتري هذه الحوالات بأسعار خيالية تحقق لبائع الحوالة ربحاً وتحقق أرباحا أكبر للمصارف التي تشتري الحوالات. وبين الشماع ان بين العامين 2009 و2011 بقي الفائض المالي في العراق ثابتا، رغم وجود 83 مليار دولار، هو يمثل الفائض في الميزان التجاري الفرق بين الاستيرادات وصادرات العراق لم يضف إلى الاحتياط الدولي للعراق وبقي الاحتياط الدولي للعراق ثابتاً حتى عام 2013، مما يدل على أن هذا الفائض تم تحويله إلى الخارج تحت مختلف الذرائع وتحت مختلف الطرق وتحت عين ومراقبة البنك المركزي الذي يشرف عليه مباشرةً مجلس الوزراء آنذاك.

وبعد وقت وجيز من نشر وثائق رسمية من اللجنة المالية في البرلمان تبين عملية تهريب منظمة لمليارات الدولارات خارج البلد، اتخذ البنك المركزي إجراءات جاءت على خلفية رائحة الفساد التي أزكمت الأنوف في العراق قيل إنها جرت عبر مزادات مخالفة للوائح لعدد من المصارف والشركات المالية في الفترة منذ عام 2006 وحتى عام 2014. وشرع البنك المركزي العراقي باتخاذ سلسلة إجراءات قانونية بحق بنوك وعملاء وصفهم بالمخالفين للتعليمات الخاصة بمزادات بيع العملة الصعبة خلال الأعوام السابقة ومن بين تلك الإجراءات الملاحقة القضائية وفرض غرامات مالية كبيرة، وذكر أن فرق تدقيق من البنك تعمل حالياً على تطبيق ذلك بالتنسيق مع المؤسسات القضائية المختصة،
وأشار مباشرة إلى أن الحكومة هي المسؤول الأول، وأن السرّاق يحولون الأموال تحت حماية مسؤولية الحكومة العراقية إلى الدول الاخرى ، أي ملاذ آمن لكي تدخل الشبكة المصرفية وتصبح بعد ذلك أموالا تسمى أموالا نظيفة، ويدفعون عليها عمولات عالية، دون تردد لأنهم حصلوا على المال بثمن بخس بعد أن كانت أموالا قذرة جاءت من مصادر غير مشروعة، العالم لا يقبل أموالا قذرة ولذلك يتم تحويلها عبر البنك المركزي الذي كان يقوم بوظيفة شرعنة السرقات وغسيل الأموال لصالح السراق والذين نهبوا أموال العراق وثرواته.

وكشفت اللجنة المالية عن قيمة الفساد من غسيل العملة ، الذي كبد البلاد خسارة قيمتها 360 مليار دولار خلال الفترة بين عامي 2006 و2014 أي حوالي 4 مليار شهريا ، وذلك ما أكدته بشكل أو بآخر منظمة الشفافية الدولية بإدراجها العراق ضمن الدول الست الأكثر فسادا في العالم، وهناك الحديث المتداول على اصعد مختلفة بأن رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، لا يزال يتحكم في الأحداث من وراء الستار رغم مغادرته المنصب قبل أعوام.

    وختاماً فان النفوذ السياسي القوي للجهات الفاسدة في العراق يصعب ملاحقة الفاسدين ، ولا توجد نية لاستعادة اموال العراق المسروقة، ولا القدرة الفعلية على ذلك لأن العراق يعيش مرحلة ضعف من الناحية السياسية على المستوى الداخلي والخارجي وعلاقاته الدولية ضعيفة دولياً وليس له القدرة على محاكاة الرأي العام الدولي لكي تكون هنالك ضغوطات من الدول التي ذهبت إليها الأموال. اضافة الى ان علاقته مع دول الجوار ليست ودية ولا قائمة على الشفافية بشكل كامل، وهنالك معلومات دقيقة للمصادر التي ذهبت إليها الأموال، حيث ان السراق عندما يحولون أموالا إلى بلد ما سرعان ما يحولونها إلى بلدان اخرى رغم أن ذلك يكلفهم عمولات قد تكون طائلة ولكنها أموال حصلوا عليها بسعر بخس بسعر.

وهذا ينعكس على الاقتصاد العراقي والمواطن، الذي لا يزال يعاني الجوع والحرمان حيث أصبحت المظلومية تشمل كل مكونات الشعب، والعراق اليوم يعيش ازمة مالية حقيقة ، الأموال شحيحة الصناعة والتنمية متوقفة الرواتب أصبحت قلقة أو الخوف من المستقبل ، سعر النفط المنخفض الذي يبعث على القلق، والازمة الحقيقة للنظام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في العراق الذي بني على اساس المحاصصة الطائفية والتقسيم الطائفي وهذا يؤدي الى تهديم الدولة وتهديم الديمقراطية و التجربة و حتى البنية التحتية للبلاد والمواطن العراقي.

ومازال البنك المركزي مستمرا بمزاد العملة الذي هو اساس فساد غسيل الاموال والتهريب بالبلد ، مضاف الى ضعف الاجراءات القانونية وملاحقة الفاسدين الذي افرغوا خزينة الدولة. حسب موقع البنك المركزي ان الكمية المباعة للمصارف من تاريخ 2017/1/2 لغاية تاريخ 2017/2/2 (3,910,845,189) مليار دولار، وبسعر البيع النقدي (1190) دينار لكل دولار لما الهدر المخيف بأموال الدول والكل يعلم هذه الاموال لم تذهب للاستيراد ولا للتنمية الاقتصادية، ونصل الى نتيجة ان غسيل الاموال هو جريمة مركبة من عدة جرائم ، قد أسس العراق (صندوق استرداد أموال العراق). وبموجب القانون رقم 9 لعام 2012، فان هذا الصندوق ينظم عمل دائرة الملاحقات الاقتصادية والمالية واسترداد الأموال والودائع.

ولم يعقد صندوق الاسترداد، الذي تأسس عام 2012 سوى 9 اجتماعات على الرغم من وجود تخصيصات مالية له في الموازنة الاتحادية تصل إلى 20 مليار دينار سنويا. وعجز الصندوق عن استرجاع أية مبالغ تذكر.

وعلى الجهات المسؤولة من اللجنة المالية والنزاهة والقضاء العراقي والصندوق لاسترداد اموال العراق المنهوبة، والمحافظة على سيادة الدولة العراقية بالمحافظة على خزينة الدولة وضرورة العمل على إصدار قانون خاص بمكافحة ظاهرة غسيل الأموال في العراق .وتشديد الإجراءات الخاصة بفتح الحسابات وتسهيل مهمة التحريات الخاصة بالتحقق في جريمة غسيل الاموال لتمكين جهات التحقيق من تتبع الاموال الناتجة عن النشاطات غير المشروعة ، مع توجيه عناية خاصة بجميع العمليات المصرفية المعقدة او الضخمة غير العادية خصوصا تلك العمليات المتعلقة بمبالغ كبيرة من الايداعات او السحوبات، وتطبيق القوانين الصارمة والتعليمات المتعلقة بالعمل المصرفي والتعاون الفعال بين المصارف مع سلطات تنفيذ القانون ، ويتوجب على المصارف انشاء ووضع إجراءات رقابية داخلية، بهدف احباط العمليات المرتبطة بغسيل الاموال ومنعها، وذلك مثل تعيين منسق على مستوى الادارة، مع ايجاد وظيفة رقابية لفحص جميع الاجراءات المتعلقة لمكافحة عمليات غسيل الاموال. [https://rawabetcenter.com]

13 – 20 قصة فساد كيف ضاعت 500 مليار دولار في العراق

   يُعادل ما تنفقه دول الخليج مجتمعة في عام واحد، ويشيدُ 600 ناطحة سحاب بحجم وكلفة برج التجارة العالمي WTC  في مدينة نيويورك؛ أكثر من 500 مليار دولار هو حجم الأموال التي خسرها العراق جراء الفساد، منذ سقوط النظام الأسبق في 9 نيسان/ أبريل 2003 حتى عام 2019، وفقا لإحصائيات وخبراء في الاقتصاد وبيانات رسمية.

للكثير من العراقيين يبدو الحديث عن حجم الفساد الحكومي وأرقامه “المهولة” غير مجد، يؤمنون بالمطلق أنهم يعيشون في أكثر دول العالم فسادًا، فهم يرونه في الإعلام والشارع والمؤسسات، وفي تصريحات المسؤولين وخطابتهم، حيث بات المسؤولون يقرّون علنًا بالتورط فيه دون خجل.

لكن العراقيين يشككون في تلك الأرقام ويعدونها قاصرة عن إحصاء ما ضيعته الحكومات المتعاقبة من أموال وثروات كفيلة بوضع العراق في مصاف الدول العظمى.

يقول النائب السابق ورئيس حزب الأمة العراقي مثال الألوسي، إن “الفساد المالي والإداري في العراق ليس مسألة ارقام، فما خسره العراق يفوق بأضعاف ما تتحدث عنه هيئة النزاهة والجهات المختصة”، مؤكدًا أن “الموازنات الفلكية ذهبت في جيوب الأحزاب عبر تقسيمها، حيث كل همهم كان، كيف يسرقون أكثر”.

يؤكد الألوسي لـ “الترا عراق”، أن “الفساد لم يترك بابًا إلا وطرقه في كل القطاعات والمؤسسات والملفات، وخلف لنا كمًا هائلًا من المشاريع الوهمية ومليارات الدولارات كديون خارجية، فضلًا عن تحطيم الاستثمار والبنى التحتية وتدمير كل إمكانات الدولة”.

تتجاوز الواردات المالية للعراق منذ الغزو الأميركي وسقوط النظام السابق، في نيسان/ إبريل 2003، 1000 مليار دولار، ذهب نصفها إلى الموازنة الاستثمارية الوهمية، رمز “الفساد الأعظم”، وفق لجنة النزاهة النيابية. خسر العراق، كما تقول اللجنة، أكثر من 350 مليار دولار من خلال تهريب العملة ومزاد البنك المركزي، والعقود والمشاريع الوهمية والمتلكئة منذ العام 2003 حتى اللحظة.

وفي تصريح سابق لرئيس الوزراء عادل عبد المهدي، قال ان “الفساد أفقد البلاد 450 مليار دولار مع وجود ناتح محلي للموظفين الحكوميين بمقدار 6%، أي بمقدار 20 دقيقة عمل في اليوم”، مؤكدًا أن “موازنات العراق منذ العام 2003 وحتى العام الجاري بلغت 850 مليار دولار”.

كان عبد المهدي قد أعلن، نهاية الشهر الماضي، تشكيل مجلس أعلى لـ “مكافحة الفساد”، يتولى فتح جميع الملفات ومحاسبة المسؤولين عنها، لكن ذلك المجلس “لن ينجح” وفق مختصين، شأنه شأن هيئة النزاهة ومكاتب المفتشين العموميين، فيما اقترح بعض المسؤولين إشراك جهاز مكافحة الإرهاب في مهمة محاربة الفساد. 

كيف سرقت المليارت؟

ولأن المال السائب يعلم السرقة، كما يقول المثل العربي، لم يتورع من وقعت بأيدهم أموال العراق أن يتفننوا ويبتكروا في أساليب التزوير والاحتيال والابتزاز، وكل ما من شأنه أن يتيح السرقة، إذ لا رقيب ولا حسيب، واليد الطولى لمن يسرق أكثر.

“الترا عراق” أعد لكم قصة أبرز 20 “فضيحة فساد”، والتي قد تجيب على جزء من الأسئلة عن ضياع مئات مليارات العراق في حقبته السياسية الجديدة بعد عام  2003
أ – أجهزة كشف المتفجرات

استورد العراق في 2007 نحو 6 آلاف من أجهزة كشف المتفجرات (السونار) بكلفة بلغت مئتي مليون دولار، ليتبين بعدها أن مسؤولين عقدوا صفقة، جنوا منها الملايين من الدولارات، عبر شراء أجهزة مزيفة تسببت بمقتل الآلاف من العراقيين.

ب – مزاد العملة!

 تتحدث بيانات رسمية، عن قيام البنك المركزي العراقي ببيع قرابة 312 مليار دولار عبر مزاده لبيع العملة منذ استحداثه، حيث كان مصير 80  بالمئة من تلك المبالغ التسرب الى خارج العراق.

ت – 50 ألف “فضائي”

في 30 أيلول/ نوفمبر 2014، كشف رئيس الوزراء حيدر العبادي آنذاك، عن وجود 50 ألف موظف فضائي في وزارة الدفاع، يستلمون رواتب بأسماء وهمية.

ث – صفقة الطائرات الكندية المدنية

اشترى العراق في أيار/ مايو 2008، 6 طائرات كدنية من طرازCS300″ ” بأسعار مضاعفة تفوق قيمتها الحقيقية بـ 277 مليون دولار. وعزمت بعدها الحكومة العراقية بيعها الى شركة كندية بقيمة تقل عن سعرها بـ 70%، حيث كانت الطائرات غير ملائمة للأجواء العراقية وضيقة لا تتسع سوى لـ 70 شخصًا.
 ج – صفقات الأسلحة

خسر العراق مليارات الدولارات جراء صفقات تسليح مع روسيا وأمريكا بلغت قيمتها 150 مليار دولار، ذهبت نسبة كبيرة من هذه الأموال الى جيوب القائمين على الصفقات، مقابل رداءة نوعية تلك الصفقات وتفضيل جهة على أخرى.

ح – وزير.. 9 قضايا فساد

كشفت هيئة النزاهة المرتبطة بالبرلمان العراقي، أن وزير التجارة الأسبق عبد الفلاح السوداني مطلوب قضائيًا في ما لا يقل عن 9 قضايا فساد، وصدرت بحقه 8 أحكام غيابية بالسجن في قضايا إضرار بالمال العام تتعلق بمخالفات في استيراد مواد غذائية. وتسلمت السلطات الأمنية، في 25 كانون الثاني/ يناير، السوداني من الانتربول الدولي، ليفرج عنه بعد ذلك، بعفو عام.

خ – هياكل المدارس

منح وزير التربية الأسبق خضير الخزاعي في حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي، شركة إيرانية عام 2008 مشروع إنشاء 200 مدرسة من هياكل حديدية، بتكلفة تبلغ 280 مليار دينار (232.7 مليون دولار)، إلا أنه لم يتم تنفيذ المشروع حتى الآن، بسبب خلافاتها على الأموال مع المقاولين العراقيين، الذين وصل عددهم إلى 18 مقاولاً، هرب غالبيتهم الى خارج البلاد.

د – الكهرباء: 29 مليار دولار

يقدر حجم ما تم إنفاقه على قطاع الكهرباء في العراق، منذ عام 2006 حتى عام 2018، بـ 28 مليار دولار، وفق تقرير رسمي لهيئة النزاهة العراقية، في حين يعاني العراقيون حتى الصيف الماضي من ساعات انقطاع تصل أحيانًا إلى 18 ساعة يوميًا. وكان انقطاع الكهرباء، واحدة من الأزمات التي أثارت الاحتجاجات الأخيرة في البصرة والجنوب.

ذ – البسكويت الفاسد

 بدأت القصة حين نشرت الصحافية، حنان الكسواني، في صحيفة “الغد” الأردنية، تحقيقًا معزز بالصور، عن شحنة فاسدة منتهية الصلاحية في أيلول/ سبتمبر 2013، وتم تمديده إلى عامين اضافيين لغاية 2015، لتصدر إلى العراق حيث يوزع على المدارس، على رغم كونه غير صالح للاستهلاك البشري.

ر – 100 مليار دولار في نار داعش 

قدر رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، في 11 أيلول/ نوفمبر، كلفة  الخسائر الاقتصادية خلال 3 سنوات من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” على مساحات شاسعة في العراق بأكثر من 100 مليار دولار، في حين ما زالت السلطات، تعطّل ملف التحقيق بسقوط الموصل، على الرغم من صدور تقرير نهائي عن لجنة كلّفها البرلمان في التحقيق، أدانت كلًا من رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، ومحافظ الموصل السابق أثيل النجيفي، وقيادات عسكرية وأمنية، فضلًا عن ضباط في شرطة الموصل المحلية.

ز – نهب 121 مصرفًا

استولى “داعش” أيضًا، على 121 فرعًا مصرفيًا حكوميًا وآخر خاصًا في محافظات نينوى، كركوك، صلاح الدين، والأنبار، إبان سيطرته على تلك المحافظات في 2014، استحوذ خلالها نحو مليار دولار. كما تقدر الأموال التي حصل عليها التنظيم جراء بيعه النفط بنحو ملياري دولار سنويًا.

س – غرق سبعة مليارات دينار 

أثار أحدث تصريح لمحافظ البنكِ المركزي علي العلاق خلالَ استضافتِهِ في البرلمان، في 13 أيلول/نوفمبر 2018، عن تلفِ سبعة ِملياراتِ دينارٍ جراءَ تَعرُضِ خزائنِ مصرف ِالرافدين لتسربِ مياهِ الأمطار، موجة من السخرية على مواقع التواصل الاجتماعي في العراق.

ش – “الضباط الدمج”.. بيع الرتب العسكرية

“الضابط الدمج”: مصطلح أشيع في العراق في مرحلة ما بعد عام 2003، حيث يطلق على الضباط الذين تم تعيينهم ودمجهم مع القوات الامنية، دون أن يتدرجوا عبر الكلية العسكرية، أو نيلهم شهادة دراسية، إذ حصل الآلاف على رتب عسكرية عالية في عهد رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي.

ص – فضيحة “اونا اويل”

تحقيق استقصائي أجراه موقعا “فبرفاكس ميديا” و”هافنتغون بوست”، كشف عن “تورط” وزير التعليم العالي والبحث العلمي السابق، ووزير النفط الأسبق حسين الشهرستاني ومسؤولين عراقيين آخرين، بفضيحة فساد تتعلق بعقود نفطية، فيما عرف إعلاميًا بـ “فضيحة اونا اويل“. ويتحدث التحقيق عن عشرات المليارات من الدولارات ذهبت في جيوب القائمين على الصفقات.

ض – الاستيلاء على عقارات الدولة

بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، استولت شخصيات سياسية ومسؤولون وأحزاب، على أراض ومقار وبنايات تعود ملكيتها إلى الدولة، في أغلب مناطق العاصمة، يقدر ثمن البناية الواحد بأكثر من مليون دولار، في حين لم تستطع الجهات المسؤولة عن هذه العقارات، الانتفاع منها أو انتزاعها من المسيطرين عليها.

ط – تهريب الانترنت

يكلف تهريب الإنترنت في العراق، الدولة مبالغ ضخمة، تقدر بمليون دولار شهريًا، وفق آخر بيان لهيئة النزاهة، فضلًا عن سيطرة أحزاب على هذا القطاع الحيوي عبر شركات ومكاتب، إذ تثبت تورطهم في أكثر من مناسبة بهذه العمليات.

ظ – المناهج الدراسية

تكلف طباعة المناهج الدراسية التي تغيرت لمرات عدة خلال الأعوام الماضية، وفق أمزجة الوزراء الذين تولوا مسؤولية الوزارة، ملايين الدولارات، إذ تطبع هذه المناهج خارج العراق، فيما تورط في هذه الصفقات عشرات المسؤولين الحاليين والسابقين، فضلًا عن التأثير السلبي الكبير لتلك التغييرات على محتوى المناهج.

ع – موارد الوزارات.. ضيعة الأحزاب

اعتمدت أغلب أحزاب الدولة في تمويلها مشاريعها، على موارد الوزارات التي يسيطر عليها مسؤولون ينتمون إلى تلك الأحزاب، اذ تخصص غالبية موارد الوزارات ومخصصاتها لتمويل تلك المشاريع والحملات الانتخابية، ودفع رواتب العاملين في مؤسسات الحزب، خاصة المؤسسات الإعلامية.

غ – رواتب المسؤولين.. الحمايات والمستشارين

تفوق رواتب ومخصصات المسؤولين في العراق، بشكل كبير مستوى رواتب المسؤولين في دول المنطقة، حيث كلفت تلك الرواتب، ملايين الدولارات واثقلت كاهل الدولة العراقية، طيلة السنوات السابقة، فيما بلغ عدد حمايات المسؤولين الكبار في الدولة 25 ألف عنصر، يتقاضى الواحد منهم نحو 1500 دولار.

ف – تهريب النفط

حصة الفساد الكبرى كانت من نصيب عمليات تهريب النفط، التي كلفت العراق اكثر من 90  مليار دولار في 5 أعوام، تورطت فيها أحزاب وشخصيات نافذة في الحكومة المركزية وحكومة إقليم كردستان.

ويعد ملف الفساد الاداري والمالي في العراق، أحد كبرى الأزمات التي تواجهها حكومة عبد المهدي، حيث قالت منظمة الشفافية العالمية في تقرير لها نشر، الثلاثاء 29 كانون الثاني/ يناير، إن العراق يقبع في المرتبة السادسة عربيًا والـ 13 عالميًا بـ 168 نقطة في أكثر دول العالم فسادًا متقدمًا على فنزويلا وبورندي، في حين جاءت الصومال وسوريا وجنوب السودان واليمن وكوريا الشمالية والسودان بالمراتب الأعلى بالفساد. [https://ultrairaq.ultrasawt.com]

14 – وجوه سياسية فاسدة

  احتل العراق ضمن تقرير منظمة “الشفافية الدولية” الذي العام الماضي المرتبة الرابعة بأكثر البلدان العربية فساداً بعد الصومال والسودان وليبيا.

فمنذ أن سقط النظام السابق الذي حكم العراق لأكثر من 3 عقود عام 2003، يشارك في العملية السياسية العراقية وجوه ظلت في العملية السياسية حتى يومنا هذا. وجوه النسبة الاكبر منها بقيت فعالة بالعملية السياسية حتى يومنا هذا، ومنها من تقاعد، والقلة القليلة من هذه الوجوه رحلت إلى مثواها الأخير لتلاقي الرب بما فعلت في دنياها!

نستذكر من هذه الوجوه اسماء لاحقتها تهم الفساد ولم تتم محاكمتهم حتى الآن، منهم من هرب ومنهم ما يزال داخل العراق.

10 – ماجد النصراوي – محافظ البصرة السابق

غادر العراق مع ابنه إلى إيران، وذلك عبر منفذ الشلامجة الحدودي، بعد أن صدرت أوامر قضائية بمنعه من السفر والتحقيق معه بشأن ملفات فساد متورط فيها مع نجله، وفق ما أفاد مصدر في مجلس المحافظة. وقال رئيس تيار الحكمة عمار الحكيم وقتها إن “ملف محافظ البصرة أمام هيئة النزاهة، وسندافع عنه إذا ثبتت براءته، ولا أحد فوق القانون، ولا غطاء سياسيًا لأي شخص تثبت إدانته”.

في عام 2013 صار محافظاً للبصرة، أستقال من منصبه في (10 آب 2017)، وحدث ذلك بطريقة “درامية” خلال كلمة ألقاها بمناسبة افتتاح جسر جديد على شط العرب. الجدير بالذكر فإن النصراوي يحمل الجنسية الأسترالية، وينتمي لتيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم.

9 – ملاس محمد عبد الكريم – وزير التجارة العراقي السابق 

في اكتوبر من عام 2015 اصدر القضاء العراقي مذكرة قبض بحق وزير التجارة ملاس محمد واخوه غاندي محمد عبدالكريم، بتهم تتعلق بملفات فساد مالي وأداري، وتمكنوا من الهروب إلى العاصمة الأردنية عمّان. وكانت هذه أول مذكرة اعتقال بحق وزير في الحكومة منذ بدء حملة الاصلاحات التي أطلقها رئيس الوزراء حيدر العبادي عام 2015 ومحاسبة الفاسدين وبحسب السومرية فإن مجلس القضاء الأعلى أعلن، في (20 تشرين الأول 2015)، أن محكمة تحقيق نزاهة الرصافة أصدرت أوامر استقدام ومنع سفر بحق عدد من كبار المسؤولين في وزارة التجارة في مقدمتهم الوزير ملاس محمد عبد الكريم، فيما أعلنت هيئة النزاهة عن صدور أمري قبض آخرين بحق عبد الكريم وعدد من المدراء العامين بالوزارة، بناء على قضايا فساد أخرى. وأعلنت هيئة النزاهة، في (24 كانون الأول 2015)، عن صدور أمر قبض جديد بحق عبد الكريم وأحد المدراء العامين في الوزارة.

8 – حازم الشعلان

تمثل قضية وزير الدفاع الاسبق، حازم الشعلان في الحكومة الانتقالية التي تشكلت بعد عام 2003 وتولى رئيس الوزراء، اياد علاوي رئاستها، الأولى من نوعها التي عرفها الشعب العراقي وتعلقت باختفاء اكثر من 800 مليون دولار من اموال ميزانية الوزارة خلال فترة تولي الشعلان للمنصب الحكومي. فقد غادر الشعلان العراق بعد انتهاء فترة الـ 10 أشهر التي شغل فيها منصب وزارة الدفاع في الحكومة الانتقالية الأولى التي امتدت ما بين العام 2004 و 2005، قبل أن تكتشف الحكومة التي تشكلت برئاسة ابراهيم الجعفري، اختفاء مليارات الدولارات عبر صفقات وهمية لاستيراد الأسلحة والطائرات للبلاد. وقد وصف احد كبار المحققين المطلعين عملية اختفاء اموال الدفاع العراقية بانها واحدة من اكبر عمليات السرقة بالتاريخ. ورغم صدور مذكرات الاعتقال بحق الشعلان ووجوب مثوله امام القضاء، الا أن السلطات العراقية لم تتمكن الى الآن من محاكمة الشعلان او استعادة الأموال التي يتهم باختفائها خلال فترة توليه منصب وزارة الدفاع.

7 – ايهم  السامرائي

كما مثلت قضية هروب وزير الدفاع الاسبق، حازم الشعلان، خارج البلاد، قبل ان تصل يد السلطات العراقية إليه، الثانية من نوعها في الحكومة الانتقالية التي ترأسها اياد علاوي خلال عامي 2004 – 2005. فبعد مرور عدة اشهر على حادثة اختفاء مليارات الدولارات من ميزانية الدفاع العراقية، تلقى العراقيون خبر هروب وزير الكهرباء الأسبق، ايهم السامرائي من أحد السجون داخل المنطقة الخضراء قبل مثوله أمام القضاء. ويعد السامرائي، أوّل وزير عراقي تمّت إدانته رسميا بالفساد، حيث اصدر بحقه قرار بالسجن لمدة عامين لإدانته بإهدار 155 مليون دولار بين عامي 2004 و2005، عندما كان وزيرا لحقيبة الكهرباء، ضمن حكومة اياد علاوي، بدعوى تجهيز 16 وحدة توليدية بطاقة 400 ميكا واط.

6 – عبد الفلاح السوداني

عد تشكيل اول حكومة عراقية، جاءت عبر الانتخابات النيابية عام 2006، وتولى نوري المالكي رأستها، تولى عبد الفلاح السوداني، منصب وزير التجارة في حزيران من العام نفسه. ولم يمض سوى عام من تولي السوداني حقيبة التجارة، حتى بدأت تهم الفساد تتوجه للوزير، خاصة ما يتعلق باستيراد مفردات البطاقة التموينية التالفة وبأعلى الاسعار، والتي كانت تخص المواطن العراقي بالدرجة الاولى لأنه تعلم منذ ايام الحصار، ان سيتلم عدد من المواد الغذائية والتموينية. وفي أيار من العام 2009 مثل وزير الجارة عبد الفلاح السوداني أمام البرلمان، إثر اتهامه من قبل لجنة النزاهة النيابية بالتورط بشكل مباشر في قضايا الفساد الإداري والمالي. واستقال الوزير في حزيران من العام نفسه بعد اعتقاله في مطار بغداد أثناء محاولته الخروج من البلاد. كما اعتقل أخوي السوداني بسبب اتهامات تشير إلى أنهم ضالعون في القضايا التي اتهم بها أخوهم الوزير. ولا يزال السوداني طليقا خارج العراق بالرغم من وجود مذكرات قبض صادرة من القضاء بحقه.

5 – عبد القادر الربيعي – وزير دفاع سابق

هرب عبد القادر العبيدي، بعد اتهامه بملفات تتعلق بالفساد المالي والاثراء على حساب المال العام، وشغل العبيدي منصب وزارة الدفاع في الدورة الثانية لحكومة رئيس الوزراء نوري المالكي، عام 2010. وكانت عضو لجنة النزاهة البرلمانية في الدورة الثانية لمجلس النواب، عالية نصيف، كشفت في (24 من نيسان عام 2012)، عن هروب وزير الدفاع العراق السابق “عبد القادر العبيدي” على خلفية ملفات فساد مالي. وبحسب النائبة نصيف، فأن التهم الموجهة للعبيدي تتضمن مؤشرات فساد قوية وعقود لشراء اسلحة من صربيا تضم هاونات ومدفعية غير صالحة للاستعمال، وفساد في صفقة ناقلات الجنود الاوكرانية لصالح وزارة الدفاع العراقية.

4 – اشتي هورامي

وزير الثروات الطبيعية اشتي هورامي في اقليم كردستان، هرب في نوفمبر 2017 خارج البلاد، وتحديداً إلى العاصمة البريطانية لندن بحسب ما اعلن عنه عضو برلمان كردستان عن حركة التغيير علي حمه صالح. وقال صالح في صفحته على الفيسبوك، إنه “قبل يوم من اغلاق مطار اربيل والسليمانية غادر كردستان وزير الثروات الطبيعية اشتي هورامي”، مبينا أنه (حاليا في لندن). وتابع صالح “طالبنا بصوت عالي عدة مرات سابقا بأن هذا الشخص سيعرضنا للكوارث وسيهرب”، مؤكدا أنه “مطمئن بأنه سيأتي يوما يتم القاء القبض عليه”.

3 – لؤي حاتم العرس

وزير النقل العراقي السابق ابان ولاية نوري المالكي، اصدرت بحقه مذكرة اعتقال عام 2011 على خلفية ملفات فساد، وتمكن لاحقاً من الهروب إلى خارج العراق. وقال المتحدث باسم لجنة النزاهة النائب جعفر الموسوي “إن محكمة تحقيق النزاهة أصدرت، مذكرة قبض بحق وزير النقل الأسبق لؤي العرس على خلفية ملفات فساد”. وشغل لؤي العرس منصب وزير النقل والمواصلات في الحكومة الموقتة برئاسة إياد علاوي بعد حل مجلس الحكم. وفي اغسطس من عام 2015 أعلنت رئاسة محكمة الاستئناف الاتحادية في البصرة عن اصدارها حكماً غيابياً بالسجن لمدة سبع سنوات على وزير النقل السابق بسبب تعاقده مع شركة أهلية بشكل مخالف للقانون. وقالت الرئاسة وقتها بإنه “محكمة الجنايات في البصرة أصدرت حكماً غيابياً بالسجن لمدة سبع سنوات بحق الوزير المدان وفقاً لأحكام المادة 340 من قانون العقوبات”، مضيفة أن “المدان قام بتاريخ (26 أيلول 2004) باستخدام سلطته كوزير للنقل وأدخل إحدى الشركات في مناقصة تتعلق بتصليح ساحبات بحرية بالرغم من انتهاء اجراءات فتح العطاءات، ومن ثم وافق على التعاقد معها”.

2 – صالح المطلق – رئيس ائتلاف العربية

في عام 2014 كان صالح المطلق يشغل منصب نائب رئيس الوزراء، ورئيس لجنة إغاثة اللاجئين العراقيين، اللجنة التي خُصِصَ لها 500 مليون دولار امريكي لمساعدة حوالي مليوني نازح في قضية يتبادل سياسيون حولها اتهامات ومحاولات للتسقيط السياسي. لاحقاً جُمِعت تواقيع عشرات النواب ومن كتل مختلفة وتقدم الى هيئة رئاسة مجلس النواب بطلب لاستجواب صالح المطلق نائب رئيس الوزراء، على خلفية اتهامه بتبديد الاموال التي خصصت للنازحين جراء العمليات العسكرية التي شنها تنظيم (داعش) الإرهابي على عدد من المدن العراقية. إلا إن رئاسة مجلس النواب قررت سحب الطلب المقدم اليها لاستجواب صالح المطلق المكلف برئاسة اللجنة الحكومية التي تعنى بمتابعة اوضاع النازحين وتقديم المساعدات لهم.

1 – نوري المالكي

تعد ملفات الفساد في عهد رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي واحدة من أسوأ المراحل التي تمر على دولة العراق في التاريخ الحديث، بعد أن أظهرت وثائق ولجنة النزاهة ملفات كثيرة ومشينة تدين المالكي أبان حكمه، وأهم ملفات الفساد في عهد رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي هي:

أ – ملف التسليح في حكومة المالكي

   ب – ملف فساد لمستشفى عسكري وهمي

ت – فضيحة هروب 6 وزراء و53 مسؤولا حكوميا من ذوي الرتب الخاصة في الحكومة العراقية السابقة من البلاد.

ث – ملف الطائرات التي قال المالكي إنه اشتراها من روسيا.

ج – فضائح (بيع البشر) في القواعد العسكرية في الحكومة العراقية آنذاك.

    ح  – شراء أجهزة الكشف عن المتفجرات (السونار) بملايين الدولارات.

    د – ملف الفساد في أجهزة كشف المتفجرات اليدوي وراح ضحيته آلاف المدنيين العراقيين.

ذ – اكتشاف 16 مصرفا أهليا كانت تسحب الأموال من البنك المركزي العراقي بوصولات مزيفة.

ر – التحايل على العقوبات الدولية واستخدام الأجواء العراقية والمطارات العراقية لإيصال أسلحة إلى الخارج.

ز – نقل أحمد نوري المالكي ملياراً و500 مليون دولار من الأموال العراقية إلى لبنان خلال فترة حكم والده.

    س – ملف الجنود الفضائيين (الوهميين) بوزارة الدفاع

    ش – ملف (سقوط الموصل) بيد داعش أو تسليم المدينة للتنظيم من قبل قيادات عسكرية مرتبطة بهِ. [https://iraq24news.com]

15 – الحكومة الفاسدة لا تحارب الفاسدين والمفسدين

      يرى كاظم حبيب أن من يتصور أن حكومة فاسدة ستحارب الفساد فهو كالتائه في البيداء يرى السراب وكأنه ماء قد يرويه فيركض نحوه ولا يجد غير السراب، فيموت عطشا! ويقترح طريقة لمكافحة الفساد.

سؤال عادل ومشروع يدور على بال كل إنسان في العراق: هل يمكن لسلطات دولة فاسدة كالعراق، حيث تحتل المرتبة 169 في الفساد من بين 180 دولة في العالم في العام 2017 ولم يتحسن الوضع في العام 2018 بل تفاقم، أن تحارب الفساد وتكافح الفاسدين، وتُطهر العراق من رجسهم وشرورهم وعواقب الرجس والشرور؟ 

وسبب عدالة ومشروعية هذا السؤال يكمن في حقيقة أن الفساد لم يعد ظواهر متفرقة يمارسها هذا الموظف الكبير، أو هذا المصرفي أو التاجر أو القاضي أو ذاك، بل أصبح الفساد المالي والإداري، ومنذ أن تم احتلال العراق في العام 2003 بواسطة الولايات المتحدة الأمريكية والحاكم المستبد بأمره باول بريمر وبأوامر من إدارة جورج دبليو بوش أولاً، ومنذ أن سَلَّمت سلطة الاحتلال الدولة العراقية بسلطاتها الثلاث بيد الأحزاب الإسلامية السياسية العراقية ومن تعاون معها ثانياً، نظاماً متكاملاً وفاعلاً وحاكماً في سلطات الدولة الثلاث وأجهزتها المدنية والعسكرية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفي المجتمع. 

حاضرٌ وماضٍ فاسدان

إن هذا الواقع الفاسد لا يعني إن النظام البعثي قبل ذاك لم يكن فاسداً، بل كان الفساد يمارس من قبل قيادة البعث الحزبية ومجلس قيادة الثورة مع حفنة من الأعوان ومن يرغب النظام مشاركتهم في الفساد، ولكنه كان يعاقب من يمارس الفساد دون علمه أو خارج إرادته. وكان العقاب يمس الغالبية العظمى من الشعب، إلا في سنوات الحصار الاقتصادي الذي أجبر الكثير من البشر على ذلك بسبب العوز. 

ولكن ما حصل في العراق يختلف تماماً. فالاحتلال أفسد الحكام الجدد بالرواتب والمخصصات ووضع ميزانية الدولة بيد الفاسدين والمفسدين، ونشأت فئة اجتماعية رثة فاسدة من حيث السلوك السياسي والمالي والاجتماعي. مثل هذا الواقع الفاسد لا يعني أيضاً عدم وجود مجموعة من الأفراد تتميز بنظافة اليد والعفة، ولكن هذه المجموعة لا تشكل سوى قلة قليلة، إذ من طبيعة النظام الفاسد أن يدفع بأفراد المجتمع بكل السبل المتوفرة إلى ممارسة الفساد، إذ بذلك فقط يمكنهم مواصلة فسادهم واستمرار قهرهم للمجتمع، وإلا لما كان لأبطال هذا النظام الفاسدين مكانٌ لهم في العراق.

لا يمكن أن يعيش الفاسد طويلاً في بلد تسود فيه الحريات العامة والحياة الديمقراطية، إذ سرعان ما يُكتشف الفاسد وتنشر فضيحته ويحاكم. ولكن الفساد ينمو كالفطريات ويتعاظم عدد الفاسدين في ظل الجهل والأمية وانتشار الخرافة ودور شيوخ الدين المسلمين المزيفين منهم، أو الساكتين عن الفساد، أو الذين يعيشون على صدقات كفارة الفاسدين التي يدفعونها لغسل فسادهم، أو كما يعترف الفاسد أمام الكاهن خلف ستار في الكنيسة مثلاً. 

ففي الدول المتقدمة تحصل حوادث فساد غير قليلة، ولكن سرعان ما تفضح عبر وسائل الإعلام وعبر صحفيين نزيهين لا يخشون القتل على أيدي الفاسدين الذين تم فضحهم، كما يحصل في بلد كالعراق، حيث جرى اغتيال الكثير من الناس الأوفياء لوطنهم وشعبهم بسبب فضحهم للفاسدين في مقالات أو تقارير نشرت لهم، كما حصل للمغدور الدكتور علاء المشذوب وغيره، أو كما يقال عن تسميم الدكتور أحمد الجلبي الذي قام بنشر تقارير عن فساد هائل لمئات المليارات حصلت في فترة حكم المستبد بأمره نوري المالكي على سبيل المثال لا الحصر، رغم أن الرجل كان جزءاً من النظام السياسي الطائفي القائم.

انتعاش الفساد 

لقد ادعى وتعهد حيدر العبادي على مكافحة الفساد، ثم صرح بأن مكافحة الفساد أخطر من محاربة الإرهاب، وجَبُنَ أمام الفاسدين من قادة حزبه والأحزاب الإسلامية الأخرى أو من المشاركين معه في الحكم. وحين جاء نوري المالكي إلى رئاسة الوزراء عام 2006 ادعى بصوت عال إنه مصمم على محاربة الفساد والإرهاب. ولكن كلتا الظاهرتين انتعشتا في فترة حكمه وبجهوده الخاصة في رعاية الفاسدين وحمايتهم وأصبحتا سائدتين وتحول الفساد إلى نظام فاسد بالكامل واشتمل على مئات المليارات من الدولارات الأمريكية. [https://ar.qantara.de]

16 – فساد ضارب اطنابه حتى اتسع الخرق على الرائق

سؤال عادل ومشروع يدور على بال كل إنسان في العراق: هل يمكن لسلطات دولة فاسدةكالعراق، حيث تحتل المرتبة 169 في الفساد من بين 180 دولة في العالم في العام 2017 ولم يتحسن الوضع في العام 2018 بل تفاقم، أن تحارب الفساد وتكافح الفاسدين، وتُطهر العراق من رجسهم وشرورهم وعواقب الرجس والشرور؟ 

وسبب عدالة ومشروعية هذا السؤال يكمن في حقيقة أن الفساد لم يعد ظواهر متفرقة يمارسها هذا الموظف الكبير، أو هذا المصرفي أو التاجر أو القاضي أو ذاك، بل أصبح الفساد المالي والإداري، ومنذ أن تم احتلال العراق في العام 2003 بواسطة الولايات المتحدة الأمريكية والحاكم المستبد بأمره باول بريمر وبأوامر من إدارة جورج دبليو بوش أولاً، ومنذ أن سَلَّمت سلطة الاحتلال الدولة العراقية بسلطاتها الثلاث بيد الأحزاب الإسلامية السياسية العراقية ومن تعاون معها ثانياً، نظاماً متكاملاً وفاعلاً وحاكماً في سلطات الدولة الثلاث وأجهزتها المدنية والعسكرية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفي المجتمع. 

حاضرٌ وماضٍ فاسدان

إن هذا الواقع الفاسد لا يعني إن النظام البعثي قبل ذاك لم يكن فاسداً، بل كان الفساد يمارس من قبل قيادة البعث الحزبية ومجلس قيادة الثورة مع حفنة من الأعوان ومن يرغب النظام مشاركتهم في الفساد، ولكنه كان يعاقب من يمارس الفساد دون علمه أو خارج إرادته. وكان العقاب يمس الغالبية العظمى من الشعب، إلا في سنوات الحصار الاقتصادي الذي أجبر الكثير من البشر على ذلك بسبب العوز. 

ولكن ما حصل في العراق يختلف تماماً. فالاحتلال أفسد الحكام الجدد بالرواتب والمخصصات ووضع ميزانية الدولة بيد الفاسدين والمفسدين، ونشأت فئة اجتماعية رثة فاسدة من حيث السلوك السياسي والمالي والاجتماعي. مثل هذا الواقع الفاسد لا يعني أيضاً عدم وجود مجموعة من الأفراد تتميز بنظافة اليد والعفة، ولكن هذه المجموعة لا تشكل سوى قلة قليلة، إذ من طبيعة النظام الفاسد أن يدفع بأفراد المجتمع بكل السبل المتوفرة إلى ممارسة الفساد، إذ بذلك فقط يمكنهم مواصلة فسادهم واستمرار قهرهم للمجتمع، وإلا لما كان لأبطال هذا النظام الفاسدين مكانٌ لهم في العراق.

لا يمكن أن يعيش الفاسد طويلاً في بلد تسود فيه الحريات العامة والحياة الديمقراطية، إذ سرعان ما يُكتشف الفاسد وتنشر فضيحته ويحاكم. ولكن الفساد ينمو كالفطريات ويتعاظم عدد الفاسدين في ظل الجهل والأمية وانتشار الخرافة ودور شيوخ الدين المسلمين المزيفين منهم، أو الساكتين عن الفساد، أو الذين يعيشون على صدقات كفارة الفاسدين التي يدفعونها لغسل فسادهم، أو كما يعترف الفاسد أمام الكاهن خلف ستار في الكنيسة مثلاً. 

ففي الدول المتقدمة تحصل حوادث فساد غير قليلة، ولكن سرعان ما تفضح عبر وسائل الإعلام وعبر صحفيين نزيهين لا يخشون القتل على أيدي الفاسدين الذين تم فضحهم، كما يحصل في بلد كالعراق، حيث جرى اغتيال الكثير من الناس الأوفياء لوطنهم وشعبهم بسبب فضحهم للفاسدين في مقالات أو تقارير نشرت لهم، كما حصل للمغدور الدكتور علاء المشذوب وغيره، أو كما يقال عن تسميم الدكتور أحمد الجلبي الذي قام بنشر تقارير عن فساد هائل لمئات المليارات حصلت في فترة حكم المستبد بأمره نوري المالكي على سبيل المثال لا الحصر، رغم أن الرجل كان جزءاً من النظام السياسي الطائفي القائم.

انتعاش الفساد 

لقد ادعى وتعهد حيدر العبادي على مكافحة الفساد، ثم صرح بأن مكافحة الفساد أخطر من محاربة الإرهاب، وجَبُنَ أمام الفاسدين من قادة حزبه والأحزاب الإسلامية الأخرى أو من المشاركين معه في الحكم. وحين جاء نوري المالكي إلى رئاسة الوزراء عام 2006 ادعى بصوت عال إنه مصمم على محاربة الفساد والإرهاب. ولكن كلتا الظاهرتين انتعشتا في فترة حكمه وبجهوده الخاصة في رعاية الفاسدين وحمايتهم وأصبحتا سائدتين وتحول الفساد إلى نظام فاسد بالكامل واشتمل على مئات المليارات من الدولارات الأمريكية. [https://ar.qantara.de]

17 – لا ينتهي الفساد في العراق إلا برحيل الطبقة السياسية

   ليس من المتوقع أن يستسلم النظام الطائفي القائم في العراق بمجرد ارتكاب مجازر في حق متظاهرين عزل خرجوا إلى الشارع احتجاجا على ما انتهوا إليه من أوضاع معيشية مزرية بسبب سياسات ذلك النظام القائمة على تغليب الفساد على المصلحة الوطنية.

مَن سبق له وأن تعرف على بنية ذلك النظام الهزيلة يدرك جيدا أن عناصره مطمئنة إلى استمرارها في الحكم إلى ما لا نهاية بفعل حماية أميركية ــ إيرانية مباشرة وغير مباشرة سبق لها أن أفرغت العراق من محتواه الوطني ووضعته على طريق الانزلاق إلى مستنقع الطائفية التي هي من وجهة نظر الطرفين لم تعد سياسية بل اخترقت تاريخ العيش المشترك لتتحكم في قدرة المجتمع العراقي على تسوية أحواله.

غير أن الشعارات التي رقعها المحتجون أكدت أن جزءا من الخيال الأجنبي “الإيراني ــ الأميركي” وما لحق به من خيال محلي لم يكن قد أقيم على أسس صحيحة وأن العراقيين الشيعة الذين أُوهموا بأن الحكم صار بيدهم يشكلون الجزء الأكبر من الفئة المحرومة التي تزداد فقرا بسبب غياب المشروع الوطني الجامع.

لقد كشف نظام المحاصصة عن حقيقته كونه نظاما لتقاسم الثروات بين الأحزاب والميليشيات التي نزحت بالعراق إلى مواقع طائفية، هي واجهات يتستر خلفها الفاسدون من اللصوص وقطاع الطرق والمزورون وأرباب السوابق وخدم الأجنبي من التابعين والموالين والعملاء.

دفعت تلك الحقيقة بالشباب الذين لم يعرفوا نظاما سياسيا سوى نظام المحاصصة الطائفية بحكم أعمارهم إلى رفض العيش في ظل ذلك النظام الذي لا يقيم اعتبارا لإنسانيتهم، كونهم مواطنين يجب أن تسود بينهم قيم العدالة الاجتماعية بما فيها التوزيع العادل للثروات.

رفض الشباب القبول باستمرار نظام يقوم على التمييز. لقد اكتشفوا أن الصبر الذي مارسه آبائهم في مواجهة الفساد في انتظار لحظة فرج تأتي من عالم الغيب ليس له معنى ولا يمكن أن يقود إلى نتيجة يمكن التعويل عليها. فالفاسدون أقاموا دولتهم المحصنة داخل الدولة العراقية المهلهلة والمهترئة والرثة وهو ما ساعدهم على الاستيلاء على ثروات الشعب العراقي وتحيلها إلى حساباتهم الشخصية خارج العراق تاركين أغلبية الشعب العراقي تعيش في حالة من الفقر والفاقة والعوز والجهل والمرض جعلت العراق يبدو كما لو أنه واحدا من أكثر البلدان فقراً.

ما من جهة يمكنها أن تدلك إلى الصورة الرثة التي انتهى إليها العراق مثلما يفعل الشباب الثائر. فهم الضحية المباشرة لذلك النظام القائم على التمييز بين عراقي وآخر حسب انتمائه الحزبي وولائه وموقفه الوطني حيث يتمتع الموالون لإيران والولي الفقيه بالامتيازات التي يُحرم منها المؤمنون بالعراق وطنا حرا ومستقلا.

وما تعرض له الشباب من عمليات قتل مقصود هو جزء من مخطط النظام لإحكام سيطرة دولة الفاسدين على الدولة العراقية. والدليل على ذلك أن كل وعود الإصلاح التي قدمها رئيس الوزراء الذي تمت اقالته لم تكن سوى كلام فارغ من المحتوى. فالرجل كان يكذب، لأن الدستور لا يسمح له بإجراء التغييرات التي يطالب بها المحتجون. ذلك ما دفع المحتجون إلى رفع سقف مطالبهم فصاروا يطالبون برحيل النظام الطائفي كله، كونه يشكل العقبة التي تقف دون قيام دولة حقيقية. وهو مطلب لن تنصت إليه الأحزاب التي ترعى ذلك النظام تستفيد من بقائه.

لذلك أغمضت الأحزاب عيونها عما يجري على أرض الواقع بالرغم من أنها اضطرت إلى اخلاء مقراتها في المحافظات المنتفضة وصارت تطلق الشائعات عن شخصيات مقترحة لتحل محل عادل عبد المهدي الذي يجب أن يغادر منصبه بعد أن ارتكب مجزرتين في الناصرية والنجف.

من وجهة نظر تلك الأحزاب فإن عار القتل سيرحل مع رحيل عبد المهدي إلى فرنسا، وطنه البديل. تلك وجهة نظر وضيعة لا يمكن أن تتسق مع مستوى الوعي السياسي الذي عبر عنه المحتجون في شعاراتهم وسلوكهم.

لقد صار رحيل الطبقة السياسية هو المطلب الرئيس بالنسبة للمحتجين. لن ينتهي الفساد من وجهة نظرهم إلا بإسقاط النظام كله ونهاية زمن الأحزاب.

[https://middle-east-online.com]

18 – مجرمون يحكمون ويفسدون باسم الدين

  كيف يحكم مجرمون مجتمعًا حجم سكانه أكثر من 30 مليون نسمة يضم عدة قوميات وأديان وأحزاب سياسية؟ يمتد حكمهم لأكثر من سبعة عشر عامًا؟ وهم

لا يمثلون الأغلبية الوطنية

ولا النخبة السياسية

ولا عقلاء المجتمع ومثقفيه

ولا قادته العسكرين

ولا شيوخ عشائره وقبائله

ولا احزابه الوطنية

ولا شبابه الواعي والمتنور

إذن من هم؟ وكيف وصلوا للسلطة؟ وما هي مؤهلاتهم؟ ومن الذي مكنهم في البقاء على حكم مجتمع فسيفسائي معروف بمناهضة للظلم والاستبداد والجور والفساد؟

   أذهب الان الى مدار الإجابات على الأسئلة التي طرحتها: أنهم من الخارجين عن القانون ومن المطاردين من قبل السلطة الحاكمة قبل 2003، مشردين لا يحملون مؤهلات علمية أو مهنية أو خبرات مؤسساتية باعوا أنفسهم الى قوى أجنبية (أمريكا، إيران، إسرائيل، بريطانيا وتركيا) ينتقمون من النظام الحاكم في العراق، لم يكتسبوا أي معرفة أو خبرة مهنية من تلك الدول لأنهم لا يملكون الأسس المهنية. وصلوا الى حكم العراق عن طريق الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 ولإيران فيما بعد، ليس لديهم كفاءات غير الارتماء بحضن العمالة الأجنبية ليكونوا مطايا له.

إذن هم ليسوا من الأغلبية الوطنية ولا النخبة السياسية ولا من مثقفي المجتمع ولا من وجهاء العشائر العراقية وليسوا ممثلين للأحزاب الوطنية يعني أنهم غير متنورين وواعين.

أما كيف تمكنوا من البقاء في حكم العراق المتصف بتعدد وتنوع القوميات والأديان والأحزاب؟ كان ذلك عبر تحصنهم بالدعائم والمساند والمعززات التالية: –

1 – الحكومة الأمريكية التي نصبتهم وجعلتهم وكلائها في العراق دعمتهم سياسياً وعسكرياً وأمنياً.

2 – الحكومة الإيرانية التي جعلتهم عملائها تدعمهم بأذرع عسكرية وأمنية متألفة من الشباب الشيعي العاطل عن العمل والأمي والجاهل بأمور المذهب الجعفري ومن اللاجئين اليها من الشيعة.

3 – تأليف أحزاب شيعية مثل، حزب الدعوة الإسلامية وحزب الله والذراع السياسي لجيش المهدي ومجلس الشيعي الأعلى ممن كانوا معارضين لحزب البعث ونظام صدام حسين جميعهم يحصلوا على تمويل مالي من الحكومة العراقية بشكل رسمي ولكل حزب ميليشياته المسلحة.

4 – تشكيل ميليشيات مسلحة بأحدث الأسلحة (أكثر حداثة من أسلحة الجيش العراقي) جميعهم من الشباب الشيعي العاطل عن العمل ومن كانوا لاجئين في إيران وهي: –

أ – عصائب أهل الحق.

ب – سرايا طليعة الخراساني.

ت – كتائب سيد الشهداء.

ث – حركة حزب الله النجباء.

ج – سرايا السلام.

ح – فيلق بدر.

خ – فيلق الوعد الصادق.

د – جيش المهدي.

ذ – جيش المختار.

ر – لواء أبو الفضل العباسي.

تم تسليحها عسكرياً من قبل الحكومة وكذلك رواتبها الشهرية

5 – جماعة رفحا الذين هم من مخيم رفحا الذي انشأ للاجئين العراقيين بعد حرب الخليج وقمع الانتفاضة الشعبانية التي حصلت عام 1991 ضم أكثر من 40 ألف فرد منهم جنود عراقيين ومدنيين من المحافظات المحاذية للسعودية فروا عند قمع الانتفاضة حصلوا على امتيازات مالية وعينية سخية من الحكومة العراقية.

6 – الحشد الشعبي المسلح الذي يضم المُسرحين من الجيش والهاربين منه أبان حكم صدام يستلموا رواتبهم من الحكومة.

هذه هي دعائم ومحصنات حكومة المجرمين المفسدين باسم الدين. لكن هذا الدعم الخارجي والتحصن الداخلي الهجين والغير طبيعي كان يحمل في لبه أو بذرته الداخلية بذور تفككه وفنائه وهي: –

1 – عدم تحمل أو تضمن الأحزاب الشيعية فلسفة الحكم ولا الاستراتيجية الوطنية بل ربطت مشاريعها بالممارسات الشيعية والزيارات والمسيرات للأضرحة الدينية فقط ولم تربطها بالإصلاحات والبناء وخدمة الوطن والمواطنين.

2 – اشعال فتيل الفتنة الطائفية بين الشيعة والسُنّه التي أدت الى حدوث حرب أهلية في كل محافظة وتهجير السُنّه من مناطق سكناهم ومحاربة عقيدتهم فمزقوا نسيج المجتمع العراقي.

3 – دأبت باستمرار على سرقة المال العام وتبديد ثرواته وتجويع المجتمع.

4 – قتل وأبعاد الكفاءات العراقية عن مواقع المسؤولية واستبدالها بعناصر موالية لها لا تعرف سوى عمليات السرقة والتهريب والتخريب  وفق أجندة يشرف عليها نظام الملالي في إيران.

5 – تسلط المرجعية الشيعية التي شرعنت وجود الفاسدين.

6 – بسط حكام العراق نفوذهم بفتاوى مرجعيات طائفية تابعة لإيران التي شرعنت وجود الفاسدين وتسلطهم.

7 – طمس الهوية الوطنية في مستنقع الحزبية الطائفية.

8 – أثبتوا بشكل علني عمالتهم لإيران وأمريكيا بدون حياء لأنهم ساقطي الروح الوطنية وفاقدي المعايير الاجتماعية القويمة ومحترفي الانحراف في العقيدة الجعفرية ومن المدمنين على أكل مال الحرام.

   هذه هي بذور فنائهم التي جلبوها معهم فلم يكونوا نخبة سياسية ولا قادة مجتمع ولا رموز دينية ولا أهل للثقة والأمانة والنزاهة. انهم مجموعة اعتمدت على تشكيلات إجرامية مسلحة أغرقتها بالمال الحكومي مستغلة بطالتهم ولجوئهم وهجرتهم وجهلهم بالعقيدة الجعفرية ليس لها قاعدة شعبية ممثلة لها بل جندت مرتزقة مأجورين مثلهم عملاء وخونة أفسدوا حياة العراقيين المسالمة حولوها الى حياة مرعوبة ومتخلفة صوروا لها بإن رجال الدين هم الذين يحكموهم وهم لا يعرفوا بأن حكم رجال الدين في عصر الانترنت والقنوات الفضائية وثورة المعلومات لا يجدي بسبب كونهم لا يمثلوا الفكر الحر والاستقلال الشخصي والعيش بعيداً عن المعتقدات الخرافية وأرث الأموات الموروث منذ قرون من الزمن حيث أردوا أن يحكموا العراقيين في الجيل الالفي الثالث بعقلية خرافية وانماط سلوكية بائدة لا يتقبلها الجيل المعاصر المتفتح على المستقبل والمتنافي مع الماضي البائد. بمعنى أحدثوا تنافر ثقافي ومعرفي وعلمي الذي سيسحقهم بالكامل لأن سُنّة الحياة العيش في الحاضر والتوق للمستقبل وليس النكوص للوراء والى الماضي السحيق.

ب – مخرجات ثقافة الفساد

   لقد ذكرنا بإن الفساد لا يصدر من شخص واحد عادي بل من عدة جماعات وتكتلات وأحزاب سياسية متنفذة تحتل مواقع سياسية واقتصادية متميزة وأصحاب قرارات عليا. بمعنى أن الفساد يصدر من القمة ليصل الى القاعدة وليس العكس عبر مؤسسات رسمية مدعومة حكومياً ومن بعد تم تلويث عامة الناس.

   ديدني من هذا القول ان ممارسات وافعال الفساد وتبريراته تفرز مخرجات تطرحها ثقافته الفرعية لا تمثل سوى العلل والتقرحات الاجتماعية لتجعل الجسد الاجتماعي معلولاً يعاني من اضطرابات وأزمات حادة تضعف قوة مناعته (ضوابطه الاجتماعية) نستطيع تحديد هذه المخرجات كالاتي: –

1 – تفاقم الجرائم كماً ونوعاً 

   تناول هذا الأثر د. أكرم المشهداني بشكل مفصل حيث قال:

أحوال المجتمع العراقي المعيشية وبخاصة الأمنية منها تشكو من جملة أزمات، فقد أدى احتلال العراق في 9 أبريل 2003 الى إحداث حالة (فراغ أمني) كاملة نتيجة غياب أجهزة حفظ الأمن، وفشل سلطة الاحتلال (سواء عن عمد أم خطأ في الحسابات! فكلاهما سيء ومرٌّ) عن ضبط الحالة الأمنية في البلاد، فانتشرت الفوضى وأعمال النهب والسلب والتخريب وجرائم القتل والاغتيال، ومع تأخر وتقصير سلطة الاحتلال عن تحمل مسئولياتها كقوة احتلال بموجب اتفاقات جنيف في اتخاذ إجراءات جادة حقيقية لحفظ الأمن فقد تنامت الجرائم، وشاعت الفوضى، وحين اضطرت قوات الاحتلال تحت الضغط إلى أن تدعو الشرطة العراقية لممارسة أعمالها من مبانيها المدمرة وسياراتها المحطمة، كانت الحالة أكبر من قدرة أي جهاز أمن على حفظ الأمن والنظام في البلاد التي مزقها الاحتلال، ودخول ميليشيات متنوعة من خلف الحدود المستباحة، وانفلات الأمور عن السيطرة، فاختلطت الجريمة العادية بالجريمة الإرهابية واتسع الانفلات الأمني جغرافيا ليشمل معظم مدن العراق، وأتى على الممتلكات العامة والخاصة وحصد أرواح كثير من الناس، ولم تسلم حتى الآثار من السرقة والتدمير تحت بصر قوات الاحتلال التي انشغلت بحماية وزارة النفط، وتأمين مواقعها الجديدة، فتغافلت عن حماية المرافق العامة أو بسط الأمن في الشارع العراقي وتركته نهبا للصوص، وللعصابات المنظمة التي تم تشكيلها وسط هذه الظروف وتمتلك أسلحة تهاجم بها من يعترض طريقها. فأخذت السرقات والجرائم طابعا منظما. بينما اهتمت قوات الاحتلال بحماية منشآت النفط ووزارتها التي تكاد تكون المنشأة الرسمية الكبرى الناجية من التخريب. وشهدت الأشهر التالية للاحتلال تصاعدا مضطردا في الجرائم حتى اضطر الحاكم الأمريكي بول بريمر في 17 أكتوبر 2003 الى توجيه رسالة متلفزة الى العراقيين أقر فيها بتصاعد الجرائم في العراق وتدهور الأمن العام في العراق وعزا انتشار الجريمة الى ما قام به النظام السابق بإطلاق سراح مائة الف مجرم محكوم، لكن هذا الإقرار لم يقترن بإجراءات جدية للحد من تنامي الجرائم. وبالرغم من أن الأجهزة الحكومية العراقية (من شرطة وقضاء) تبذل جهودا مضنية في سبيل تحجيم الجريمة والانحرافات السلوكية في المجتمع العراقي إلا أن الخلل الكبير الذي أحدثه الغزو الأمريكي لا يمكن أن يزال إلا برحيل الاحتلال وممارسة السلطات العراقية مهامها في حفظ الأمن دون تدخل أو عرقلة من الاحتلال أو الجهات الغريبة الأخرى التي تلعب وتنفذ أجنداتها في الساحة العراقية.
ويمكننا أن نحصر أهم أسباب انتشار الجريمة في ظل الاحتلال بالآتي:
1 – حالة الانفلات الأمني المقصود وعدم ممارسة قوات الاحتلال لمسئولياتها القانونية الدولية كقوة احتلال في اتخاذ إجراءات جدية لضبط الأمن في المدن العراقية، بل إنها منعت الشرطة من مزاولة عملها، وحتى حين اضطرت لإعادتها فبإمكانات ضئيلة ومنعتها من حمل السلاح وعدم توفير مستلزمات عملها وصار المجرم أكبر إمكانية من رجل الشرطة, إضافة الى خشية الشرطة من سطوة المجرمين وعدم وجود غطاء جدي حقيقي لحماية رجل الشرطة في الشارع. وضعف فاعلية الجهاز القضائي نتيجة أعمال الاغتيال والتصفيات الجسدية مما أدى إلى تردد القضاة عن إصدار القرارات الرادعة بحق المجرمين وقيام سلطات الاحتلال بالتدخل في إدارة المعتقلات العراقية وتقصدها إطلاق سراح أعداد كبيرة من المجرمين أو الموقوفين عن قضايا جنائية وبخاصة بعد فضيحة سجن أبي غريب وهذا ما اشتكى منه رئيس محكمة جنايات الكرخ صراحة.
2 – انفلات الحدود واستباحتها من كل الجهات دخولا وخروجا وسهولة إدخال العناصر الإجرامية أو معدات الجريمة وسهولة تعبير متحصلاتها الى الخارج وكانت القوات الامريكية تتفرج.

 3 – بالتأكيد إن قيام النظام السابق بإطلاق سراح ألوف المجرمين من السجون قبيل قيام الحرب على العراق وبينهم محترفين للإجرام ومحكومين عن قضايا كثيرة… أدى الى تنامي معدلات الإجرام. ومن الجدير بالإشارة هنا أن الوزراء الثلاثة الذين تعاقبوا على وزارة الداخلية العراقية أقروا صراحة بدخول عناصر إجرامية ومن المحترفين إلى جهاز الشرطة نتيجة التسرع في قبول أعداد كبيرة من الشرطة بدون التدقيق عن ماضيهم الإجرامي مما كان له أثر سلبي وخطير على الأمن.

4 – اختلاط أعمال الميليشيات الإرهابية (الاغتيالات والتصفيات) مع الجريمة العادية (الخطف والسرقة المقترنة بالقتل) بل أن بعض الميليشيات الحزبية جندت عناصر من المجرمين المحترفين للقيام بالأعمال التي تكلفها بها مقابل المال.
5 – شيوع البطالة والفقر في المجتمع نتيجة توقف الأشغال بسبب الفوضى الأمنية وانقطاع الكهرباء وتسريح مئات الألوف من العاملين في الدولة، وخرجت تظاهرات في عدد من المحافظات تصدت لها قوات الاحتلال بحيث سقط في شهر واحد أكثر من 20 قتيلا في مظاهرات جرت في العمارة والكوت والحلة والنجف.
6 – مما زاد الطين بلة انتشار الأسلحة بمختلف أنواعها بين أيدي العراقيين جميعا قبل الحرب وازدادت أضعافا بعدها سواء من مقتنيات العراقيين قبل الحرب أم من مخلفات المعسكرات والمقرات الحزبية.

 تحوّل نوعي وكمي في الجريمة في العراق المحتل

شهد المجتمع العراقي في ظل الاحتلال الأمريكي تحولا (كمياً) و(نوعياً) في الأجرام، فمن الناحية الكمية ازدادت معدلات الجرائم الواقعة ومن كل الأصناف عما كان مسجلا قبل الاحتلال، فقد ازدادت السرقات بنسبة 250%، وجرائم القتل اختلطت بحوادث الانتقام والثأر والتصفيات، والقتل المقترن بالسرقة والخطف، وفي تصريح لمسئول الطب العدلي (الشرعي) ببغداد “أن مشرحة بغداد تستقبل يوميا معدل (50) جثة للتشريح من مختلف الإصابات ومعظمها بطلقات نارية، في حين كانت تستقبل معدل 4 – 5 جثث في اليوم الواحد قبل الحرب” أي أن جرائم القتل ارتفعت عشرة أضعاف ما كانت عليه. أما من الناحية النوعية فقد دخلت الى القاموس الجنائي العراقي أنماط جديدة من الجرائم وبأساليب جديدة لم يألفها من قبل، فالجريمة باتت أقرب الى التنظيم (جريمة منظمة) والعصابات الإجرامية تسرح وتمرح في ظل غياب للأجهزة الأمنية، أو عدم فاعليتها إن وجدت لأنها تخشى سطوة المجرمين ونفوذهم وإمكاناتهم التي تفوق إمكانات الشرطة الجديدة، وتفشي الفساد الإداري.

أبرز الأنماط الإجرامية المستحدثة في المجتمع العراقي في ظل الاحتلال

أ – تشكّل العصابات المسلحة أي نزوع الجريمة نحو التنظيم والعنف المسلح واستخدام التخطيط الإجرامي والإعداد والتسليح.

ب – جرائم خطف الأشخاص وبخاصة الأطفال والفتيات من العوائل الثرية بهدف الابتزاز والمساومة والتهديد بقتل المخطوف وحصل فعلا قتل العديد من المختطفين لتأخر تسليم الفدية المالية المطلوبة أو لإبلاغ الشرطة بالأمر.

ت – جرائم السطو المسلح على الممتلكات العامة والخاصة، ومنها حوادث السطو المسلح على المصارف ومحلات الصياغة والمتاجر، وآخرها ما نشرته الصحف العراقية عن قيام عصابة مسلحة بالسطو المسلح على محلات تجارية في شارع النهر وسط بغداد يوم 28/2/2005 مما أدى إلى مقتل 4 من أصحاب المحال.

ث – انتشار جرائم الإتجار والتهريب والتعاطي للمخدرات والمؤثرات العقلية واتخاذ الأراضي العراقية معبرا للمخدرات من إيران وتركيا باتجاه دول أخرى وتوريط الشباب في عملية الإتجار والتهريب كما تم استغلال دخول عشرات الألوف من الإيرانيين للزيارات للمراقد المقدسة في إدخال المخدرات وتصريفها داخل العراق، واعترفت وزارة الصحة بزيادة أعداد مدمني المخدرات بعد الاحتلال.
ج – انتشار جرائم تزوير المستمسكات والوثائق والعملات سواء لاستخدامها من قبل أفراد العصابات للتمويه أو لبيعها لطالبيها من الناس، ومن بينها جوازات سفر ووثائق ثبوتية وهويات.

خ – بروز جرائم الآداب الدعارة والبغاء وظاهرة التداول العلني للأشرطة والمطبوعات المخلة بالأخلاق والآداب وسط تراخ بل غياب للأجهزة الأمنية.
د – ظاهرة خطف النساء واغتصابهن، فقد أكدت منظمة (هيومن رايتس ووتش) منتصف يوليو 2003 أن انعدام الأمن في بغداد والمدن العراقية شجع على اغتصاب النساء وخطفهن، مشيرة إلى حدوث 25 حالة خلال شهر واحد. وتزايد جرائم العنف ضد المرأة وقد ذكرت منظمة تُدعى “رابطة المرأة العراقية” أن ما يزيد عن 400 امرأة وفتاة “اختُطفن، واغتُصبن، بل وتم بيعهن أحياناً” منذ انتهاء الحرب، خلال الفترة من إبريل إلى أغسطس 2003. مما أدى إلى مطالبة وزير العدل بإيقاع اقسى العقوبات بمرتكبي جرائم اختطاف الفتيات واغتصابهن وقال: ان قضية اختطاف الفتيات واغتصابهن تعد جريمة بشعة تهدد امن واستقرار المجتمع العراقي ومخالفة للقوانين والاعراف السماوية.

ذ – بروز ظاهرة تشغيل الأطفال والأحداث وظاهرة أطفال الشوارع فمع الظروف القاسية التي خلفها الاحتلال الأميركي وفصل عشرات الآلاف من الموظفين، اضطر هؤلاء لإجبار أطفالهم على ترك الدراسة والعمل لمعاونتهم في توفير مستلزمات حياتهم بسبب البطالة التي أصابت آثارها كل مفاصل الحياة وبالذات التابعة للقطاع الخاص بعد أن توقفت المصانع الصغيرة التي كانت تضم مئات الآلاف من العاملين، وهذا أدى الى تورط أطفال في أعمال إجرامية.
ر – ظاهرة اختطاف واغتيال العلماء والاكاديميين لتفريغ العراق منهم وإجبار الآخرين على الهجرة وتتحدث الأخبار عن اغتيال مئات من الكوادر العلمية العراقية وقيدت تلك الجرائم ضد مجهولين، ويشير العراقيون إلى دور لمخابرات أجنبية (الصهيونية تحديدا) في تنفيذ تلك الاغتيالات. [https://www.alwatanvoice.com]

2 – انتهاك حقوق الإنسان العراقي

  حقوق الانسان بعد 16 سنة تقريباً من بدء غزو العراق بقيادة الولايات غزو عام 2003 وما تلاه من فوضى عارمة كانت له تكلفة باهظة على المواطنين العراقيين. على مدار السنوات الثماني السابقة، حصد العنف أرواح عشرات الآلاف من العراقيين وما زال الملايين يعانون من آثار انعدام الأمان. وأحرز العراق بعض التحسن مؤخراً إذ نأى بنفسه عن أعمال العنف في أوساط المدنيين التي ضيقت الخناق على البلاد، لا سيما في عام 2006 وعام 2007. لكن الهجمات الإرهابية تزايدت في الفترة السابقة لانتخابات مارس/آذار النيابية ولم تهدأ في الشهور التالية للانتخابات. في نوفمبر/تشرين الثاني، فقط بعد ثمانية أشهر من الانتخابات ، اتفقت الأحزاب العراقية أخيراً على تشكيل ائتلاف حاكم – مما وضع نهاية لأزمة سياسية شلت التقدم على صعيد الأمن وغير ذلك من الأصعدة، ومنها حقوق الإنسان.
    أجرت هيومن رايتس ووتش جولة من البحوث الميدانية في العراق في أبريل/نيسان 2010، إذ زارت سبع مدن في شتى أنحاء العراق وقابلت 178 ناشطاً ومحامياً وصحفياً وقيادياً دينياً ومحتجزاً (سابقين وحاليين)، بالإضافة إلى مسئولي أمن وضحايا عنف وعراقيين عاديين. وانتهت إلى أن، انتهاك حقوق الإنسان هو من الأمور الشائعة زيادةً على العنف المستمر والجرائم الموازية له. هذا التقرير يعرض النتائج الخاصة بانتهاك الحقوق الخاصة بالنساء والجماعات المستضعفة الأخرى من السكان، وانتهاك الحق في حرية التعبير، والحق في عدم التعرض للتعذيب والمعاملة السيئة، في فترة 2009 و2010.

حقوق النساء والفتيات: عزز تدهور الأمن من تزايد النفوذ القبلي والتطرف السياسي المتأثر بالآراء الدينية، والأحزاب السياسية المحافظة المتشددة، مما أدى بالمجتمع إلى التأثير سلبا على حقوق المرأة، سواء داخل البيت أو خارجه. بالنسبة للنساء العراقيات، اللاتي تمتعن بمعدّلٍ عالٍ من الحقوق والمشاركة الاجتماعية –يُعدّ من أعلى المعدلات في المنطقة قبيل عام 1991، فما حدث كان ضربة قاصمة لهنّ.
   استهدفت الميليشيات التي تروج لأفكار متشددة النساء والفتيات بأعمال الاغتيال، وأرهبتهن كي يبتعدن عن الحياة العامة. وبشكل متزايد أصبحت النساء والفتيات ضحية داخل البيوت. فأحياناً كنّ يتعرضن للقتل على أيدي الآباء والأخوة والأزواج بذريعة جملة متنوعة من التعديات الأخلاقية التي تصوّروا أنها تجلب العار للأسرة أو القبيلة. و إذا هنّ لجأنَ من العنف المنزلي إلى الحماية الحكومية ، فهنّ يتعرضن للمضايقات والإساءات من هيئات الشرطة والهيئات الأمنية العراقية الأخرى المُكوّنة بشكل شبه تام من الرجال. ويحمي القانون العراقي مرتكبي أعمال العنف ضد المرأة: قانون العقوبات العراقي يعتبر “الدوافع الشرفية” عاملاً مخففاً في العقاب على الجرائم، ومنها القتل. كما يمنح القانون الأزواج حقاً في تأديب الزوجات.
  الإتجار بالنساء والفتيات إلى داخل العراق وخارجه لأغراض الاستغلال الجنسي ظاهرة منتشرة. ولم تتم إدانة متهمي الإتجار بالبشر في المحاكم بعد، كما أن قانون الإتجار بالبشر الذي طال انتظاره لا يزال رهن البرلمان في انتظار المراجعة. أما خارج منطقة كردستان العراق، فلا توجد أي ملاجئ للنساء تديرها الحكومة.
النساء الأكثر عرضةً للإساءات هن الكثيرات اللاتي فررن من العنف الطائفي وغيره من أشكال العنف، وأولئك اللاتي أصبحن من الأرامل، وأولئك المسئولات عن أسرٍ وبيوت و أصبحن معتمدات على مساعدات الدولة لسببٍ أو لآخر. في بعض الأحيان تتواطأ المؤسسات الدينية والحكومية في استغلال أولئك النساء – مقابل تقديم الصدقات أو غير ذلك من المساعدات. فأحياناً يُطلب من الأرامل الدخول في “زواج المتعة”، وهي ممارسة تقليدية كانت محظورة ويقول منتقدوها أنها أقرب ما تكون إلى الدعارة. تتعرض النساء المُكرهات على هذه الممارسة للوصم بالعار ولا ملجأ لهن للحصول على أي إنصاف أو التعويض.
   تدعو هيومن رايتس ووتش العراق إلى إلغاء أحكام قانون العقوبات التي تسمح بتخفيف العقوبات بناء على دوافع “الشرف” في جرائم العنف ضد النساء وتجميدها تجميداُ فوريًا

حرية التعبير: ازدهر الإعلام في العراق خلال الشهور التالية لغزو عام 2003 مع ظهور المئات من المطبوعات والقنوات التلفزيونية والإذاعات الجديدة في البلاد، وأصبح العراقيون قادرين على الاطلاع على القنوات الفضائية والإنترنت. لكن حرية الإعلام هذه كانت قصيرة العمر بسبب ظهور تشريعات تقييدية ومعوقات أخرى واتساع دائرة العنف التي جعلت العراق أحد أخطر الدول في العالم لممارسة العمل الإعلامي والصحافي. بينما قللت التحسينات التي طرأت على الحالة الأمنية منذ عام 2008 من معدلات قتل العاملين في الإعلام، إلا أن الصحافة ما زالت مهنة خطيرة في العراق. المتطرفون وبعض المعتدين المجهولين مستمرين في قتل العاملين بالإعلام وفي تفجير مكاتبهم. فضلاً عن ذلك فإن الصحفيين الآن يقفون في وجه قوات الأمن العراقية والكردية التي طالت أيديهم ، وفي وجه القيادات السياسية المركزية والإقليمية على السواء. ويتزايد تعرض الصحفيين للمضايقات والترهيب والتهديد والاعتقال والاعتداءات البدنية من قبل قوات الأمن التابعة للهيئات الحكومية والأحزاب السياسية. كما يسارع كبار رجال السياسة بمقاضاة الصحفيين ومطبوعاتهم في حال تناولها موضوعات صحفية تنتقدهم.
على الحكومة أن تعدّل التشريعات المبهمة والفضفاضة الخاصة بالإعلام، وأن ترفع القيود عن حرية التعبير، وأن تأمر قوات الأمن بالامتناع عن مضايقة الصحفيين وترهيبهم والإساءة إليهم.

الجماعات المُهمشة: في العراق حالياً مجتمعات سكانية مختلفة جعلها التهميش فريسةً للعديد من المشاكل.رغم أن الحكومة أصدرت قوانين (منها ضمانات دستورية) لحماية بعض هذه الجماعات المختلفة، و بدأت في تنفيذ برامج مساعدة جيدة في بعض الحالات ، إلا أنها ما زالت تخفق في حماية طوائف المواطنين الأكثر استضعافاً، مثل النازحين داخلياً والأقليات والأشخاص ذوي الإعاقات. فالعديد من برامج المساعدة والحماية الحكومية لا تعمل، أو تعمل بمعدل أقل من المقبول كما أنها غير كافية للوفاء باحتياجات السكان المستهدفين بالمساعدة، رغم التزامات العراق الدولية والتعهدات التي تم قطعها داخلياً. أسفرت سنوات النزاع المسلح عن تعرض الآلاف لبتر الأطراف بالإضافة إلى غيرهم من الأشخاص ذوي الإعاقات. إن ذوي الإعاقات في العراق يجدون أنفسهم ضمن دائرة المُهمشين في المجتمع بعد أن يُوصَموا بالعار ويُصبحوا غير قادرين على العثور على وظائف أو الحصول على رعاية طبية ملائمة أو حتى الحصول على أطراف صناعية أو مقاعد متحركة. من الواجب على الحكومة أن تضمن لهم فرص تتُيح لهم التعلم والعمل، وأن تعزز من الخدمات الصحية الممنوحة لهم، وأن تنشئ مراكز إعادة تأهيل ومراكز دعم نفسي واجتماعي لصالحهم. [http://www.ahewar.org]

3 – صراع السلطة والنفوذ في البيت الشيعي

   هذا البيت يضم القوى السياسية الشيعية. إن الواقع الراهن في العراق، يؤشر لصراع بين النخب الصاعدة والنخب الخاسرة داخل ما اصطلح عليه المراقبون بـ”البيت الشيعي”، ومعنى الخسارة هنا ليس الخروج من اللعبة السياسية، وإنما هو خسارة لصدارة المشهد السياسي، والسيطرة على مؤسسات الدولة.

 بمعنى آخر، أصبحت المعادلة السياسية بعد الانتخابات على النحو الآتي: من حصد النسبة الأكبر من أصوات الناخبين تأهل للحصول على نسبة عالية من المقاعد داخل قبة البرلمان القادم، وهي القوى السياسية الشيعية التي تملك الحضور الفاعل والمؤثر في الشارع، وتوصف بأنها القوى الموازية لسلطة الدولة بسبب ما تمتلكه من نفوذ عسكري بعناوين مختلفة، والمقصود هنا تحديدا “سرايا السلام” التابعة للسيد مقتدى الصدر، وقوات “منظمة بدر” بزعامة هادي العامري، و”عصائب أهل الحق” بزعامة قيس الخزعلي.

في موازاة ذلك، لا يزال حزب الدعوة (بشقيه تحالف “النصر” بزعامة حيدر العبادي رئيس مجلس الوزراء، ودولة “القانون” بزعامة نوري المالكي) يسيطر على النسبة الأكبر من مؤسسات الدولة والمناصب العليا فيها. بالإضافة إلى تغيير في معادلة الأوزان السياسية، فتيار “الحكمة” الذي يترأسه السيد عمار الحكيم، لم يعد نفوذه السياسي يوازي حضوره الإعلامي والدعائي كزعيم سياسي شيعي مؤثر في الأحداث السياسية، فالعشرون مقعدا التي حصل عليها في الانتخابات لا تؤهله إلى أن يتحكم في توجيه وإدارة التحالفات القادمة لتشكيل الحكومة، بقدر ما تعطيه فرصة للعب دور بيضة القبان في التحالفات السياسية.

إذا، معالم الصراع بين القوى السياسية الشيعية، والتي ستبرز ملامحها في مباحثات تشكيل الحكومة المقبلة، ستكون بين من يسيطر على مقاليد السلطة وإدارة مؤسسات الدولة، وقوى تتمتع بالنفوذ السياسي والعسكري. فالقوى التي حصلت على المقاعد الأكثر في الانتخابات، على الرغم من مشاركتها في الحكومة السابقة، إلا أنها تعتقد بأن الزعامات الحزبية الشيعية التي هيمنت على مقاليد السلطة في العراق طوال خمسة عشر عاما، لم تعد قادرة على تقديم أي منجز سياسي أو خدمي أو أمني، إذ كان إدراكها السياسي ـ ولا يزال ـ يدور في فلك ديمومة مصالحها التي ترسخت من خلال بقائها في السلطة، حتى لو كان على حساب الفشل في إدارة مؤسسات الدولة. وتركز الزعامات السياسية الشيعية الصاعدة في تبرير ذلك على صدارتها نتائج الانتخابات، وعلى عناوينها الصريحة التي دخلت في الانتخابات من دون أن تكون تابعة لتحالفات زعامات الأحزاب السياسية الشيعية المهيمنة على السلطة.

من وجهة نظر دارسي العلوم السياسية، يعد الصراع بين النخب السياسية الصاعدة والخاسرة من أبرز مؤشرات التحول الديمقراطي، ومن دلالاته السلبية قد ينتج العنف السياسي في أقصى حالاتها، أو قد تؤدي إلى عدم الاستقرار السياسي. لكن دلالتها الإيجابية الأبرز في كونها محطة ممارسة واختبار حقيقي لالتزام المتنافسين السياسيين بمبدأ التداول السلمي للسلطة.

ومن ثم، لم يأت تصريح السيد نوري المالكي نائب رئيس الجمهورية قبل أيام من بدء الانتخابات بالتحذير من حرب أهلية بعد الانتخابات من فراغ؛ لأنه يؤشر إلى إدراكه أن الانتخابات ستؤدي إلى خسارته الشخصية والحزبية لمواقع السلطة والنفوذ في مؤسسات الدولة. ولا سيما أن النخب السياسية في العراق لا تزال تتعاطى مع الديمقراطية بنمط تفكير براغماتي، فهي تعلن التزامها بالديمقراطية على مستوى الخطاب السياسي، أما على مستوى العمل فتتصرف بنمط التفكير الشمولي والسلطوي.

وهذا ما يمكن تشخصيه في الخطاب السياسي للقوى الخاسرة في انتخابات 2018، فالتقرير الحكومي عن وجود تلاعب وتزوير بنتائج الانتخابات، والذي اعتمده التعديل الثالث على قانون انتخابات مجلس النواب رقم 45 لسنة 2013 المقر من قبل البرلمان، يؤشر في أحد أهم جوانبه إلى مسألة عدم قبول نتائج الانتخابات، ومحاولة القوى الخاسرة خلط الأوراق والإبقاء على دوامة الجدالات السياسية للبحث عن صفقات سياسية قد تضمن لها البقاء ضمن دائرة السلطة.

وعلى عكس القراءات والمواقف المسبقة على صدارة القوى السياسية الشيعية التي يضمها تحالف “سائرون” و”الفتح”، فإن صعود هذه القوى قد يكون فرصة لإنهاء وجود القوى الموازية لنفوذ الدولة. فتحول هذه القوى من النفوذ إلى السلطة يجعلها أمام تحدي الحفاظ على الأمن والاستقرار والعمل ضمن مؤسسات النظام السياسي، وليس بعناوين قوى لا دولتية. فالعمل السياسي سيكون ضمن إطار الدولة ومؤسساتها، ومن ثم التنافس سيكون داخل النظام السياسي، وليس بين مؤسسات هذا النظام، وقوى سياسية ـ عسكرية تنافسه على احتكار العنف المنظم في إدارة المجال العام.

ومن جانب آخر، يمكن أن يساهم صعود هذه القوى إلى دوائر السلطة في وضع حد لتغول نفوذ القوى والشخصيات الحزبية التي سيطرت على مؤسسات الدولة وتديرها بالوكالة منذ 12 عاما.

قد يعترض البعض على تلك الفرضية، انطلاقا من ضعف المؤسسات السياسية، ومن ثم ستكون النتيجة محسومة مسبقا لهيمنة قوى سياسية لا تؤمن بالعمل المؤسساتي، وسوف تكون محتكرة لمجالات النفوذ داخل السلطة والمجتمع. ربما يعد هذا الافتراض موضوعيا في ظل الفوضى التي يشهدها العراق. لكن من وجهة نظر أخرى، يمكن المراهنة على صعوبة العودة بالنظام السياسي العراقي إلى الهيمنة الشمولية رغم سيطرة هذه الأيديولوجيا على نمط تفكير الكثير من القوى الحزبية في العراق، وقدرة الانتخابات على كسر دوائر احتكار الأحزاب السياسية التقليدية قد تكون الخطوة الأولى في كسب الرهان بالتقدم نحو دولة المؤسسات.

[https://www.alhurra.com]

وفي الصراع بين الزعامات الشيعة السياسية خرجت أسماء وبرزت وجوه انتهازية. وهذا هو العنوان الأنسب لتصاعد صراع الزعامات السياسية الشيعية في العراق، وهو الصراع الذي لم ينقطع ولم يتوقف طوال 17 عامًا عجافًا دفع الشعب العراقي بما فيهم الشيعة أثمان وأكلاف هذا الصراع حول الكراسي والمراسي والكعكة العراقية التي ما عادت كذلك، فقد جف ضرع العراق، عندما اعتبره القادمون على ظهر الدبابة الأمريكية (بقرة حلوب) فاستنزفوا الثروات القومية ليكدسوا الثروات الشخصية ولسان حالهم كما يقول تعبيرنا الشعبي السائد (حوش لا تحوش)!.

جمعوا وكدسوا الأموال خارج العراق، وطوفان الفساد والإفساد شاهد على ذلك الذي أنهك وأفقر وجوّع الشعب العراقي حتى الجنوب الذي مازالوا يتاجرون ويسمسرون سياسيًا بانتفاضته في التسعينات، (كفر) بهم وخرج في تظاهراته يهتف بسقوطهم (باكونا الحرامية).

   هل هناك شعار أكثر ملامسةً للجرح العراقي النازف شعبيًا من الجميع في العراق بسنتهم وشيعتهم وأكرادهم وغيرهم من المكونات والأطياف.

والزعامات السياسية تحاول أن تُغطي نفسها بغطاء المرجعية فمجملها تدعي وتزعم أنها تمثل المرجعية وهو ادعاء تحاول من خلاله فرض نفسها والتمكن من الإمساك بالسلطة والنفوذ بإيحاءٍ ديني ترضخ له الطائفة الشيعية حين تظهر أمامها بزعم (تمثيل المرجعية) وتمرره على البسطاء وعلى العامة منهم، حتى أخذ الادعاء في الفترة الأخيرة يتزايد ويتضاعف أضعافًا مضاعفة عما سبق.

فبعض الكتل السياسية الشيعية تقاسمت زعم تمثيل المرجعية إلى درجة التناقض وأحيانًا إلى درجة من الحرب غير المعلنة بينهم، فكل كتلةٍ وكل فصيل شيعي سياسي يكذب الآخر في مسألة تمثيل المرجعية ويريد أن يحتكرها لكتلته فقط.

وأمام استشراء حالة الصراع السياسي في زعم تمثيل المرجعية تدخّل مجلس القضاء الأعلى العراقي، وأصدر تعليماتٍ إلى جميع محاكم العراق باتخاذ الإجراءات القانونية بحق من يدّعي تمثيل المرجعية الدينية العليا في النجف).

ولا يعتقد المراقبون أن تعليمات مجلس القضاء الأعلى العراقي ستضع حدًا للصراع ومزاعم تمثيل المرجعية العليا في النجف، فهذه ظاهرة قديمة نستطيع أن نؤكد تيارات الإسلام السياسي الشيعي من حزب الدعوة مرورًا ووصولاً إلى جميع تلك التيارات استخدمت واستثمرت هذا الادعاء منذ نشأتها وتأسيسها مما جعله مترسخًا وشائعًا ومعتادًا.

والتوسل بالدين، المرجعية للوصول إلى إقناع الجماهير بمثل هذه الأحزاب والقوى والتيارات برهان على ضعف برنامجها وأطروحاتها في كسب الشارع العراقي لذا تلجأ إلى غطاء المرجعية وتتوسل به لفرض نفسها على الجماهير ومن ثم على السلطة وصولاً إلى النفوذ السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

ومرجعية النجف لم يكن لها موقف حاسم تجاه هذه المزاعم والادعاءات فهي تقف في المنطقة الوسطى، مما سهّل للكتل الشيعية السياسية طرح خطاباتها باستمرار بشعار تمثيل المرجعية العليا في النجف.

والصراع بين الزعامات السياسية الشيعية أخذ منحىً علنيًا حتى داخل التيار الواحد والحزب الواحد، فحزب الدعوة كما يقول القيادي فيه غالب الشبندر قد تفتت وانتهى حين تقاسم وتنازع قميصه أكثر من زعيم سياسي شيعي حتى استولى على الدعوة نوري المالكي وتراجعت الزعامات الشيعية الدعوية إلى الظل أو اختارت تأسيس منظماتها الخاصة ليأخذ الصراع بين الزعامات طابعًا صارخًا ومحتدمًا.

وفي النهاية لقد دفع شيعة العراق كما أشرنا ثمن ذلك فيما وحّدوا أنفسهم وفودًا لهذا الصراع بين الزعامات حتى فاض بهم الكيل فصرخوا بوجع في الشارع بسقوط هذه الزعامات بالأسماء تحديدًا.

وفي الصراع بين الزعامات الشيعية السياسية خرجت أسماء وبرزت وجوه انتهازية بشكل صارخ وجاهلة سياسيًا بشكل واضح، وهو ما ضاعف من حجم أزماتها واختناقاتها من جهة وفي فقد الجماهير والشارع العراقي الثقة فيها بوصفها زعامات سياسية. [https://www.alayam.com]

4 – مليشيات شيعية مسلحة

 عادت المليشيات الشيعية إلى دائرة الضوء في العراق لتكون واحدة من أبرز نقاط الجدل في المشهد السياسي الداخلي، بعدما تصاعد دورها في محاولات التصدي لهجوم كاسح من قبل تنظيم الدولة الإسلامية ومتحالفين معه للسيطرة على نحو نصف مساحة العراق من الشمال والغرب. ويعود تاريخ ولادة بعض المليشيات إلى ما قبل الغزو الأميركي للعراق في 2003، بينما ساهمت الأوضاع المضطربة والتعقيدات التي رافقت إسقاط نظام الرئيس الراحل صدام حسين في ولادة بعضها الآخر، وجميعها تتمتع بقدرات مالية وبشرية كبيرة، ومعظمها تتلقى الدعم من إيران.

وتعد مليشيات “فيلق بدر” و”جيش المهدي” و”عصائب أهل الحق” و”جيش المختار” و”لواء أبو الفضل العباس” أبرز المليشيات الشيعية المسلحة.

فيلق بدر: تأسس في طهران عام 1981 من قبل المجلس الأعلى الإسلامي  العراقي الذي كان يسمى في ذلك الوقت “المجلس الأعلى للثورة الإسلامية”، على يد عالم الدين الشيعي محمد باقر الحكيم الذي اغتيل في العام 2003 بعد أشهر من الاحتلال الأميركي للبلاد. وكان الفيلق يتلقى الدعم والتدريب من إيران، ويشن عمليات عسكرية ضد نظام صدام حسين.

ويتزعم فيلق بدر حالياً وزير النقل في حكومة نوري المالكي المنتهية ولايتها هادي العامري، ويضم نحو 12 ألف مقاتل، غالبيتهم انخرطوا في صفوف الأجهزة الأمنية العراقية ويتولون مناصب قيادية في وزارة الدفاع وجهاز الاستخبارات.
وانشق العامري – الذي يقود فيلق بدر منذ العام 2002 – عن المجلس الإسلامي الأعلى بعد انتخابات 2010، ويقود العمليات العسكرية حاليا في محافظة ديالى (مسقط رأسه).

ويعتقد البعض أن مقاتلي الفيلق انقسموا بين المجلس الأعلى الذي يقوده حاليا عمار الحكيم، ومنظمة بدر بقيادة العامري، إلا أن المؤشرات تدل على أن غالبيتهم ما زالوا يدينون بالولاء للعامري المتحالف مع المالكي.

ويُتهم فيلق بدر بالوقوف وراء مقتل العديد من قادة الجيش العراقي السابق، ولا سيما ضباط القوات الجوية والطيارين، وكذلك أعضاء حزب البعث المحظور في أعقاب إسقاط النظام السابق. وبعد الهجوم الذي شنه مقاتلو “الدولة الإسلامية” في يونيو/ حزيران الماضي وسيطروا خلاله على نحو نصف مساحة العراق، كلف المالكي القيادي العامري بالإشراف المباشر على العمليات العسكرية في محافظة ديالى ضد تنظيم الدولة.

جيش المهدي: الجناح المسلح للتيار الصدري الذي يقوده القيادي الديني الشيعي مقتدى الصدر، تأسس في سبتمبر/ أيلول 2003 لقتال القوات الأميركية في العراق.

ويتكون من شباب يُقلدون عالم الدين محمد صادق الصدر الذي اغتاله حزب البعث العراقي عام 1999، وتشير التقديرات إلى أن عدد أفراده يصل إلى نحو ستين ألفا.

وقبل فترة العنف الطائفي عام 2006، خاض جيش المهدي معارك عدة ضد القوات الأميركية التي احتلت العراق، وانتهت معاركه مع الأميركيين بخسارته معركتين للسيطرة على النجف والبصرة، وتسليم أسلحته إلى لجنة عراقية أميركية مشتركة.

وإبان حكومة إياد علاوي عام 2004، خمدت نشاطاته ليعود في العام 2006 عقب أحداث تفجير مرقدي الإمامين العسكريين في سامراء بمحافظة صلاح الدين، وأقر الصدر بوجود “عناصر مجرمة وفاسدة” في جيش المهدي، وأعلن تبرأه من كل عنصر يتورط في قتل عراقي.

وخاض في عام 2008 معارك طويلة ضد القوات الحكومية في إطار ما عُرفت باسم “صولة الفرسان”، وفي عام 2009 أعلن الصدر تجميد المليشيا بشكل كامل، وطرد المتورطين في عمليات “تطهير طائفي” وقتلٍ على الهوية، وذلك قبل أن ينخرط في العملية السياسية.

وفاجأ الصدر الجميع بإمكانات عسكرية غير متوقعة عندما عاد جيش المهدي من جديد في يونيو/ حزيران الماضي باسم “سرايا السلام” في استعراض عسكري ببغداد، حيث حمل مقاتلوه أسلحة ثقيلة وصواريخ “مقتدى واحد”، يُعتقد أنه تلقاها من طهران.

ويقول الصدر إن “سرايا السلام” تتولى مهمة حماية المراقد المقدسة وأنها لا تشارك في القتال في الموصل وتكريت التي تسيطر عليهما الدولة الإسلامية.

عصائب أهل الحق: تشكلت بشكل رسمي بعد انشقاق القيادي في التيار الصدري قيس الخزعلي، ولحق به آلاف المقاتلين في عام 2007، وتقول تقارير غربية إنها تعمل تحت رعاية قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني. وظهرت عصائب أهل الحق عام 2004 كأحد الفصائل التابعة لجيش المهدي تحت اسم “المجاميع الخاصة”، وتولى قيادة المجموعة منذ تأسيسها قيس الخزعلي، أحد المقربين من مقتدى الصدر، مع عبد الهادي الدراجي وأكرم الكعبي.

ومع بداية 2006 كانت الحركة تعمل بشكل أكثر استقلالية عن بقية سرايا جيش المهدي في حين بدأت بالعمل بشكل مستقل تماماً بعد إعلان تجميد جيش المهدي، ويقدر البعض عدد أفرادها بثلاثة آلاف مقاتل عند الإعلان عن تأسيسها الرسمي في 2007.

وتحولت العلاقة بين الصدر والخزعلي إلى ما يشبه العداء، واتهم الصدر العصائب عام 2007 بـ”ارتكاب جرائم طائفية”، وطالب “إيران بوقف التمويل عنها”.

وكان الخزعلي اعتقل في مارس/آذار 2007 على خلفية اختطاف وقتل خمسة أميركيين بمدينة كربلاء(جنوب)، وأطلقت الحكومة العراقية سراحه عام 2010 في إطار صفقة مبادلة مع “العصائب” تمخضت عن الإفراج عن رهينة بريطاني.

ويُعرف عن مليشيا عصائب أهل الحق أنها من أشد الفصائل الشيعية تشددا، وكانت ضالعة بصورة واسعة في أعمال العنف الطائفي بين عامي 2006 و2007.

وأعلنت العصائب مسؤوليتها عن ما يقارب ستة آلاف هجوم على القوات الأميركية وحلفائها والقوات العراقية، وذاع صيتها عندما اختطفت مهندسي نفط بريطانيين وجنديا أميركيا عامي 2008 و2009، وتمتاز بنوعية التسليح العالي والإمكانات المادية المتفوقة.

وبعد رحيل القوات الأميركية أواخر 2011، أعلنت تخليها عن السلاح والانضمام للعملية السياسية، وبات الخزعلي مقربا من المالكي.

      ويُقدر عدد أفرادها بنحو عشرة آلاف مقاتل، ويشارك الآلاف منهم في القتال إلى جانب قوات النظام السوري. واعتمد المالكي على مقاتلي عصائب أهل الحق منذ مطلع العام الحالي بشكل سري عندما سيطر تنظيم الدولة الإسلامية على الفلوجة وبلدات أخرى في محافظة الأنبار غربي البلاد.

وتحدثت تقارير عن قتالها إلى جانب قوات الأمن العراقية، كما اتهمها السكان السنة بارتكاب انتهاكات بحقهم في ديالى ومناطق حزام بغداد، وبإعدام العديد منهم دون محاكمة، وبمهاجمة دور عبادتهم.

وينشطون حاليا في محافظة ديالى وفي مناطق حول سامراء بصلاح الدين وعلى المشارف الغربية والجنوبية لبغداد. ووجه البعض أصابع الاتهام إليها في إعدام مواطنين سنة مؤخرا في مدينة بعقوبة مركز ديالى، وتعليق جثثهم بأعمدة الكهرباء لترهيب الناس.

جيش المختار:  مليشيا شيعية تابعة لحزب الله فرع العراق، يتزعمه القيادي الديني واثق البطاط الذي يقول إن تنظيمه امتداد لحزب الله اللبناني، ويرفع مثله رايات صفراء لكن بشعارات مختلفة.

ويدعو الحزب منذ تأسيسه في مطلع يونيو/حزيران 2010 لقتل أعضاء حزب البعث المحظور ومن يصفهم بـ”النواصب والوهابيين”.

ويجاهر البطاط بالولاء المطلق للمرشد الإيراني علي خامنئي ويقول إنه سيقاتل إلى جانب إيران إذا ما دخلت في حرب مع العراق على اعتبار أن خامنئي “معصوم من الخطأ”.

وتبنى “جيش المختار” في نوفمبر/ تشرين الثاني 2013 قصفاً صاروخياً استهدف مخافر حدودية سعودية انطلاقاً من صحراء السماوة جنوبي غربي العراق، ردا على “تدخلات المملكة في شؤون العراق”، حسب قول البطاط.

وعلى خلفية الحادث اعتقلت قوة أمنية عراقية البطاط مطلع العام الحالي في العاصمة بغداد ولا يزال محتجزا حتى اليوم.

وتشير التقديرات إلى أن مليشيا جيش المختار تضم نحو أربعين ألف مقاتل، ويرجح أنها انخرطت في المعارك الأخيرة مع تنظيم “الدولة الإسلامية”، لكن لم تتضح المناطق التي انتشرت فيها.

لواء أبو الفضل العباس: فصيل مسلح حديث التأسيس أُعلن عنه من قبل المرجع الشيعي العراقي قاسم الطائي إبان اندلاع الثورة السورية ضد نظام بشار الأسد في 2011 لمساعدة قوات النظام السوري.

ويضم الفصيل، الذي يقوده الشيخ علاء الكعبي، مقاتلين عراقيين ينتمي أغلبهم إلى عصائب أهل الحق وحزب الله العراقي والتيار الصدري.

يعتبر اللواء من أوائل الفصائل الشيعية التي تدخلت عسكريا في سوريا ووقفت لجانب النظام السوري منذ العام 2012 بدافع عقائدي وهو الدفاع عن مرقد السيدة زينب بدمشق وحمايته.

وسحب مسؤولو لواء أبو الفضل العباس معظم مسلحيه من سوريا لمواجهة زحف تنظيم الدولة.

ويقول الكعبي إن هناك عاملين ساهما في تشكيل اللواء، الأول عقائدي للدفاع عن المراقد المقدسة، والآخر وطني يتمثل في الدفاع عن البلاد من “خطر” تنظيم الدولة الإسلامية.

ويؤكد مشاركة مقاتليه في عدة معارك بمناطق مختلفة إلى جانب الجيش العراقي ضد تنظيم الدولة. [https://www.aljazeera.net]

5 – جرائم حرب

   قالت منظمة العفو الدولية إن الميليشيات الشيعة التي تسلحها الحكومة العراقية، وتحظى بدعم منها، قد قامت باختطاف وقتل العشرات من المدنيين السنة، خلال الأشهر الأخيرة، مع إفلاتها التام من العقاب على جرائم الحرب هذه.

 ويورد التقرير المعنون (إفلات تام من العقاب: حكم الميليشيات في العراق) تفاصيل مروعة للهجمات الطائفية التي تشنها الميليشيات الشيعة في بغداد وسامراء وكركوك، وهي التي ما انفكت تكتسب المزيد من القوة، وذلك ضمن ما يظهر أنه انتقام من الهجمات التي تشنها الجماعة المسلحة التي تطلق على نفسها اسم “الدولة الإسلامية”.  وتم العثور على عشرات الجثث مجهولة الهوية في مختلف مناطق البلاد، وقد قُيدت أيادي اصحابها خلف ظهورهم ما يشير إلى وجود نمط من عمليات قتل على شاكلة الإعدامات الميدانية.

وفي معرض تعليقها على الموضوع، قالت كبيرة مستشاري شؤون موجهة أزمات بمنظمة العفو الدولية، دوناتيلا روفيرا: “من خلال منح مباركتها للميليشيات التي ترتكب بشكل منتظم انتهاكات مروعة من هذا القبيل، يظهر أن الحكومة العراقية تجيز ارتكاب جرائم الحرب وتؤجج دوامة العنف الطائفي الخطرة التي تعمل على تمزيق أوصال البلاد.  ويجب أن تتوقف الحكومة العراقية فورا عن دعم حكم الميليشيات في العراق”.

ولا زال مصير الكثير من الذين اختطفتهم الميليشيات الشيعة قبل أسابيع وأشهر غير معلوم إلى الآن.  ولقد قُتل بعض الأسرى حتى بعد قيام عائلاتهم بدفع مبالغ الفدية التي قد تصل إلى حوالي 80.000 دولار وأكثر من أجل الإفراج عنهم.

 وتعرض سالم، وهو أحد رجال الأعمال من بغداد، للاختطاف في يوليو/ تموز الماضي.  ويبلغ من العمر 40 عاماً ولديه تسعة أطفال.  وبعد أسبوعين على قيام عائلته بدفع فدية قوامها 60.000 دولار لخاطفيه، عُثر على جثته في مشرحة بغداد وقد تهشم رأسه و قُيدت يداه.

ولقد ساهم تنامي سطوة الميليشيات الشيعة في تدهور الأوضاع الأمنية عموما وخلْق مناخ من انعدام سيادة القانون.  وأخبر أحد أقارب ضحية من كركوك منظمة العفو الدولية بما يلي: ” لقد فقدت ابنا ولا أريد أن أفقد المزيد من ابنائي.  فلا شيء يمكن أن يعيده إلى الحياة، ولا أريد تعريض باقي أطفالي للخطر.  فالله أعلم بما سوف يحصل بعد ذلك؟  فلا سيادة للقانون هنا، ولا حماية. ويُعتقد أن قائمة الميليشيات الشيعة المسؤولة عن سلسلة عمليات الاختطاف والقتل تتضمن ميليشيا عصائب أهل الحق وفيلق بدر وجيش المهدي وكتائب حزب الله.

    ولقد تنامى حجم سطوة هذه الميليشيات وقوتها منذ يونيو/ حزيران الماضي، أي عقب تقهقر الجيش العراقي وتنازله عن ثلث مساحة البلاد تقريبا لمقاتلي الدولة الإسلامية.  ويرتدي عناصر الميليشيات الذين يصل تعدادهم إلى عشرات الآلاف أزياء عسكرية، ولكنهم يعملون خارج نطاق أي إطار قانوني، وفي ظل غياب أي شكل من أشكال الرقابة الرسمية عليهم.

وقالت دوناتيلا روفيرا: “من خلال تقاعسها عن محاسبة الميليشيات عما ترتكبه من جرائم حرب وغير ذلك من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، فلقد أطلقت السلطات العراقية فعليا العنان لتلك الميليشيات كي توجه عنفها تجاه السنّة وتنكل بهم.  ويتعين على الحكومة العراقية الجديدة برئاسة حيدر العِبادي أن تتصرف الآن كي تلجم الميليشيات وترسي قواعد سيادة القانون”.

وأضافت روفيرا القول إن “الميليشيات الشيعة تستهدف بوحشية المدنيين السنّة على أساس طائفي تحت مسمى مكافحة الإرهاب، وذلك في محاولة واضحة لمعاقبة السنّة على ظهور تنظيم الدولة الإسلامية وما يرتكبه من جرائم بشعة”.

فعند إحدى نقاط التفتيش المقامة في بغداد على سبيل المثال، سمع مندوبو منظمة العفو الدولية أحد عناصر ميليشيا عصائب أهل الحق وهو يقول ما يلي: “إذا أمسكنا بأحد هؤلاء الكلاب (يعني السنة) قادما من تكريت فسوف نقوم بإعدامه.  فجميع سكان هذه المنطقة يعملون مع داعش.  ويأتون إلى بغداد لارتكاب جرائم إرهابية، ما يُحتم علينا إيقافهم”.

   وفي الأثناء، ما انفكت القوات الحكومية العراقية بدورها ترتكب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان. وكشفت منظمة العفو الدولية النقاب عن أدلة تثبت ارتكاب التعذيب وغير ذلك من ضروب سوء المعاملة بحق المحتجزين.

بالإضافة إلى حدوث وفيات في الحجز بين السنة المحتجزين وفق أحكام قانون عام 2005 لمكافحة الإرهاب. 

 وتوفي محامي يبلغ من العمر 33 عاماً في الحجز، وظهرت على جثة الرجل الذي خلف وراءه طفلين آثار كدمات وجروح غائرة وحروق تتسق وتعرضه للصعق بالكهرباء. وثمة رجل آخر احتُجز مدة خمسة أشهر تعرض خلالها للتعذيب بالصعق بالكهرباء والتهديد باغتصابه بوساطة عصا قبل أن يُتم إخلاء سبيله دون تهمة لاحقا.

     واختتمت دوناتيلا روفيرا تعليقها قائلة: “لقد أظهرت الحكومات العراقية المتعاقبة استخفافها المشين بالمبادئ الأساسية لحقوق الإنسان.  ويتعين على الحكومة الجديدة أن تغير المسار الآن وتنشئ آليات فعالة تكفل التحقيق في الانتهاكات التي ترتكبها الميليشيات الشيعة والقوات العراقية، ومحاسبة المسؤولين عنها”. [https://www.amnesty.org]

    وقال المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب إن النظام في بغداد بمكوناته والميليشيات المرافقة لقواته عملوا على التصعيد والمواجهة المسلحة بالرصاص الحيّ والغاز المحظور دوليّاً وغيرها من مشاهد التعذيب والتصفية والتغييب والاختطاف بما يتنافى مع الفصل الثاني للدستور في المادة 37 / أ و ج اللتان تقرران الحرية وتجريم التعذيب.

ووثق المركز – وفق تقرير له نشره أمس الخميس – عمليات قتل متعددة وفقا لروايات شهود عيان كان آخرها في يوم الأربعاء الموافق 13 تشرين الثاني قامت القوّات الحكوميّة نتيجة استخدام مظاهر القوّة والعنف المفرط بقتل (3) متظاهرين وإصابة أكثر من (120) آخرين إضافة إلى حالات الاختناق المتعددة، وذلك أيضاً بحسب المعلومات الواردة من ساحة الخلاني.

وبحسب الشهادات الواردة أيضاً من ساحة الخلاني في وقت سابق، تمّت تصفية الشاب (عبدالرحمن) أحد المحتجّين السلميين، جسدياً، فكان مثالا مؤلماً للممارسات القمعيّة التي تتّبعها القوّات الأمنيّة الحكوميّة في استهداف وتصفية المحتجين ودليل إدانة سافر للممارسات الحكوميّة الميدانيّة.

     وقال المركز، أن هذا جاء نتيجة استخدام العنف من قبل الأجهزة الحكوميّة وإطلاق القنابل الصوتيّة على المحتجين مما أدى بالتسبب في إصابة (عبد الرحمن) في ساقه فسقط على الارض ولم يتمكن من الركض والهروب، وكانت الفرصة مواتية لاستعراض الوجه الوحشي للقوّات الحكوميّة و تمثل الحدث بقيام مقنّع يحمل على كتفه شارة قوّات مكافحة الشغب – مما يؤكد أنّه أحد أفراد القوات الأمنية الحكومية – بإطلاق النار عن قرب على رقبة (عبد الرحمن) وخرجت الرصاصة من صدره ما أدّى لمقتله على الفور ، وهذه الجريمة تعد في القانون الدّوليّ جريمة ضدّ الإنسانية، وقد نصّ على ذلك النظام الأساسيّ للمحكمة الجنائيّة الدوليّة في المادة السابعة، وهذا ما يفسر الواقع العراقي برمته فإنّ هناك سلوكاً ممنهجاً لدى أفراد القوّات الحكوميّة و المليشيات يهدف الى التصفية المباشرة في الميدان ومن مسافة صفر و يتم ذلك إمّا بالرصاص الحي أو إلقاء قنابل الغاز بشكل أفقي و من دون وجود مسافة أمان باتجاه منطقتي الرأس و الصدر للهدف البشري .

وأضاف، أنّه تم التأكيد على أنّ عائلة عبد الرحمن لم تعطى شهادة وفاة لإثبات الواقعة، ولم تتسلم جثته إلا بعد كتابتهم تعهدا خطيّا بعدم المطالبة بحقوقه، وعدم توثيق القتل بالرصاص الحي وإنّما كتبوا أنّ موت (عبد الرحمن) كان بسبب شظايا متفجرة حسب التعليمات الحكومية التي تم فرضها، وبحسب المصادر ووفقا للشهادات الميدانيّة ومن أرض الواقع فإنّ هناك 12 حالة أخرى حدثت في المكان نفسه والتوقيت نفسه في ساحة الخلاني.

    وأكد على أنه وإلى الآن القوّات الحكوميّة تستمر باستخدام الرصاص الحيّ والقنابل الصوتيّة وبصورة مباشرة على المحتجين السلميين، كما إنّ القوّات الحكومية تقوم بإعدام الجرحى والمحتجين الذين يحاولون الفرار من القوّات الأمنية، ويبدو أنّ القوّات الأمنيّة تستخدم القنابل الصوتيّة لإصابة المحتجين ومن ثم تقوم بإطلاق الرصاص الحيّ وقتلهم على الفور، إضافة إلى ذلك فإنّ السلطات العراقيّة قامت بإصدار أوامر إلى وزارة الصحّة بالامتناع عن إصدار شهادات وفاة للمتظاهرين من أجل التكتم على أعداد القتلى من المتظاهرين من جهة ومن جهة أخرى حرمان عائلات القتلى من المطالبة بحقوقهم.

ويشير المركز إلى أنّ وزارة الصحة الحكومية لم تُعطِ الأرقام الحقيقيّة للقتلى من المحتجين، وأنّ الأعداد التي تعلن عنها غير حقيقة.

ونوه إلى أنّ إعدام المدنيين خارج القانون جريمة يعاقب عليها القانون الوطنيّ والقانون الدوليّ الإنسانيّ فهي جريمة ضدّ الإنسانية، وهي انتهاك لبنود العهد الدوليّ للحقّ في الحياة والحقوق المدنيّة والاقتصاديّة وعلى وجه التحديد بند النظام الأساسيّ للمحكمة الجنائيّة الدوليّة في المادة 7 بشقيقها (أ) و (ب) والتي تحرم القتل العمد وتعتبره جريمة ضد الإنسانية، وتقع على عاتق الحكومة العراقية المسؤوليّة الكاملة عن هذه الجريمة، كما تتحمل مسؤوليّة هذه الجريمة جميع الدول الداعمة للحكومة بغداد وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكيّة وإيران.

وطالب المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب بضرورة تشكيل لجنة دوليّة تابعة للأمم المتحدة للقيام بتحقيق بالجرائم المرتكبة ومعاقبة مرتكبيها وملاحقتهم وذلك استناداً على اتفاقيّة عدم تقادم جرائم الحرب و الجرائم المرتكبة ضدّ الإنسانيّة .

كما دعا حقوقيون بضرورة إظهار البيانات التفصيليّة الحقيقيّة من دون تواطؤ أو تدليس، وإبراز حالات القتل بين صفوف المحتجين.

ووجه المركز دعوة للاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية إيقاف الدعم الذي تقدمه لحكومة بغداد. وبحسب القوانين الدولية فعلى المجتمع الدولي مسؤولية وقف الانتهاكات وتقديم المجرمين إلى المسائلة والعدالة وتقديم التعويض عن الضرر الذي لحق بالمتظاهرين من ضحايا الغازات السامة والجرحى الذين سقطوا برصاص القوات وتحسين حالة حقوق الإنسان في العراق. [https://albasaernewspaper.com]

  اتهمت أطراف سنية عراقية ومنظمات حقوقية وهيئات دولية على رأسها الأمم المتحدة الحشد الشعبي بارتكاب جرائم عدة على خلفية طائفية ضد المدنيين السنة خلال الفترة ما بين 2014 و2016، تنوعت بين التعذيب والإخفاء القسري وقتل مدنيين وأسرى تحت التعذيب ونهب مدن وبلدات قبل حرق ونسف آلاف المنازل والمحال بها.

ولم تسلم حتى مساجد السنة من التدمير والحرق على أيدي الحشد الشعبي، إضافة إلى تدمير قرى بالكامل، ومنع النازحين من العودة إلى مدنهم وقراهم بهدف تغيير التركيبة السكانية لتلك المدن.

وفيما يلي أبرز الانتهاكات في بعض المدن العراقية استنادا إلى تقارير من الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية غربية ولشيوخ عشائر سنية وتقارير إعلامية.

الفلوجة
اتهمت منظمات حقوقية بينها “هيومن رايتس ووتش” مليشيا الحشد الشعبي بارتكاب جرائم عدة في مدينة الفلوجة (50 كلم غرب بغداد) عام 2016، بعد انسحاب تنظيم الدولة منها، تراوحت بين التعذيب والاختطاف والقتل خارج القانون وتدمير المنازل.

وأجرت المنظمة سلسلة من اللقاءات تثبت ادعاءات قيام عناصر من الشرطة الاتحادية والحشد الشعبي بإعدام نحو17 شخصا من الفارين من منطقة السجر (شمال شرق الفلوجة).

وفي منطقة الصقلاوية (شمال غرب الفلوجة) أرفقت المنظمة تقارير تشير إلى أن بعض المدنيين تعرضوا للطعن حتى الموت وآخرين سحلوا بعد ربطهم بالسيارات في منطقة.

وفي مطلع يونيو/حزيران 2016 دعت المنظمة الحقوقية الحكومة العراقية إلى التحقيق في التقارير التي تؤكد وقوع انتهاكات من قبل قواتها ضد المدنيين خلال عملية استعادة السيطرة على المدينة.

وأكدت الأمم المتحدة تعرض مدنيين عراقيين لانتهاكات تشمل القتل على أيدي مليشيات عراقية في محيط الفلوجة، وقال مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان زيد بن رعد في بيان له يوم 7 يونيو/حزيران 2016 إن “لدى المنظمة تقارير محزنة للغاية وذات مصداقية عن تعرض رجال وصبية عراقيين لانتهاكات على أيدي جماعات تعمل مع قوات الأمن العراقية بعد الفرار من الفلوجة.

كما أصدر تحالف القوى العراقية (الكتلة السنية في العراق) يوم 9 يونيو/ حزيران 2016 بيانا أكد فيه تورط مليشيا الحشد الشعبي في ارتكاب “مجزرة المحامدة” التي لقي فيها عشرات الأشخاص حتفهم، واختطاف أكثر من ستمئة شخص وإخفائهم قسرا. ومن جهتهم، ذكر شهود عيان وأسرى حرروا من قبضة الحشد الشعبي أن أكثر من 2500 مدني من نازحي الفلوجة سجنوا في معتقلات مجهولة “إخفاء قسري”، وقتل العشرات منهم تحت وطأة التعذيب.

ولم تسلم المساجد من الانتهاكات، حيث قالت مصادر في الدفاع المدني بمحافظة الأنبار في يوليو/ تموز 2016 إن مليشيا الحشد فجرت خمسة مساجد ونهبت مئات المنازل ثم أحرقتها في الفلوجة.

الأمر نفسه أكده الشرطي قصي عبد العزيز الذي تحدث في يونيو/حزيران 2016 على قناة الجزيرة وقال إن مليشيا بدر التي تنتمي إلى الحشد الشعبي نفذت بعد دخولها الفلوجة عمليات حرق ونهب للعديد من منازل المدنيين في الأحياء التي كانت القوات العراقية قد استعادتها من تنظيم الدولة، مضيفا أن المليشيات سرقت الأدوية من مستشفى الفلوجة. وعلى خلفية تصريحاته، أمر قائد شرطة الأنبار هادي ارزيج بحبس الشرطي قصي.

الكرمة (محافظة الأنبار)

 شجبت هيئة علماء المسلمين في العراق في مايو/أيار 2016 بشدة إحراق المليشيا لمسجدين في بلدة الكرمة، وقالت الهيئة في بيان إن هذه العملية “جاءت تنفيذا لتوجيهات طائفية بأمر مباشر من إيران“.

وكانت مصادر في الحشد العشائري وشهود عيان قد ذكروا أن مليشيات الحشد الشعبي فجرت جامع الكرمة الكبير، وأحرقت دائرة الجنسية والأحوال المدنية وسط الكرمة، كما أحرقت جامع إبراهيم الحسون في منطقة الرشاد شرقي البلدة.

وقالت مصادر للجزيرة في يونيو/حزيران 2016 إن مختطفين من أهالي الكرمة والصقلاوية في محيط الفلوجة تعرضوا إلى تعذيب وانتهاكات على يد الشرطة الاتحادية ومليشيا الحشد الشعبي.

تكريت
أكد المركز الوطني للعدالة (غير حكومي) عام 2015 أنه يملك دلائل موثقة على أن ثمانية آلاف منزل داخل تكريت (160 كلم شمالي بغداد) تعرضت للنهب والسلب ثم التدمير بالعبوات الناسفة.

واتهم الشيخ فلاح حسن الندى أحد شيوخ قبيلة البوناصر في تكريت مليشيا الحشد الشعبي بمنع أهالي تكريت من العودة إلى منازلهم.

وقالت مصادر أمنية عراقية بمحافظة صلاح الدين (شمال العاصمة بغداد) في يوليو/تموز 2016 إن عناصر من مليشيا حزب الله التابعة للحشد الشعبي اختطفت ستين نازحا من أهالي الشرقاط (شمال تكريت).

وأضافت المصادر أن قوة من مليشيا حزب الله داهمت مركزا للتحقيق مع النازحين من أهالي الشرقاط واقتادت ستين نازحا إلى جهة مجهولة، مبينة أن هذه الحادثة ليست الأولى.

كما أظهر تسجيل مسرب حصلت عليه الجزيرة تفجير قوات أمنية ومليشيات طائفية جامع “حجي إبراهيم الحسن” في ناحية العوجة التابعة لقضاء تكريت في العراق.

بعقوبة (محافظة ديالى)

 أوضح شهود عيان عام 2014 أن ميليشيات محسوبة على الحشد الشعبي ارتكبت جرائم كبيرة بإحراق منازل وإتلاف الحقول الزراعية ومنع أبناء الطائفة السنية من العودة إلى منازلهم.واتهم مؤتمر عشائر محافظة ديالى (شمال شرق بغداد) عناصر الحشد الشعبي بتدمير مئة مسجد في المحافظة عام 2014.

وفي أغسطس/ آب 2014، قتلت مليشيات الحشد الشعبي نحو سبعين مصلياً وأصابت عشرات آخرين بجروح أثناء أدائهم صلاة الجمعة بمسجد مصعب بن عمير بمحافظة ديالى، وقبل ذلك جرت عمليات عنف عديدة لا سيما في بعقوبة والمقدادية.

   وفي نهاية فبراير/ شباط 2016 اتهمت منظمة هيومن رايتس ووتش هذه المليشيا بقتل عشرات العراقيين السُّنّة في قضاء المقدادية بديالى، عقب تفجير مزدوج تبناه تنظيم الدولة، كما اتهم سكان في سامراء بمحافظة صلاح الدين المليشيات بخطف مدنيين.

وقال محافظ ديالى السابق عمر الحميري في أكتوبر/ تشرين الأول 2016 إن أكثر من 250 من مساجد أهل السنة دُمرت كليا أو جزئيا في محافظة ديالى.

واتهم الحميري -الذي فرّ من المحافظة في وقت سابق بعد أن أرغم على الاستقالة من منصبه من قبل قوى سياسية لديها أجنحة مسلحة- قوى وصفها بالمتطرفة بالوقوف وراء عمليات التدمير، وقال إنها تمثل سياسة الطائفيين الذين يسعون إلى تمزيق النسيج الاجتماعي في المحافظة، حسب وصفه.

ومنذ 2003 تتهم أطراف سنية في العراق المليشيات الشيعية بممارسة حملات تطهير طائفي ومحاولة تغيير سكاني لحساب المكون الشيعي في محافظة ديالى.

آمرلي (محافظة صلاح الدين)

    لم تسلم الممتلكات المدنية من انتهاكات الحشد الشعبي في بلدة آمرلي التابعة لمدينة طوزخورماتو في محافظة صلاح الدين وفق منظمة هيومن رايتس ووتش التي دعت الحكومة إلى كبح جماح المليشيات.

وقالت المنظمة في تقرير لها، إن لديها ما يثبت أن مليشيا الحشد الشعبي نهبت ممتلكات المدنيين السُنة الذين فروا بسبب القتال، وأحرقت منازلهم ومحالهم، ودمرت على الأقل قريتين تدميرا شاملا.

وأشارت إلى أن المليشيا التي أمكن التعرف إليها عن طريق المركبات والشارات تضم “فيلق بدر”، و”عصائب أهل الحق”، و”كتائب حزب الله العراقي”، و”سرايا طلائع الخراساني”، وكلها منضوية تحت لواء الحشد الشعبي.

كما كشفت مصادر أمنية وعشائرية في آمرلي يوم 18 يونيو/ حزيران 2016، أن مليشيا شيعية اقتحمت سجنا في المنطقة وأعدمت 12 سجينا جميعهم من العرب السُّنّة. [https://www.aljazeera.net]

    قالت منظّمة “هيومن رايتس ووتش” في تقرير أصدرته اليوم الخميس بأنّ الحكومة العراقيّة تتكتّم على نتائج تحقيقات حول الانتهاكات التي ارتكبتها مليشيات “الحشد الشعبي” والشرطة الاتحادية، بحق أهالي مدينة الفلوجة، خلال محاولة اقتحام المدينة وانتزاعها من قبضة تنظيم الدولة. وأكدت المنظمة تقريرها إنّ “تحقيقا للحكومة العراقية في انتهاكات ضد المدنيين خلال العمليات العسكرية على الفلوجة محفوظٌ طيّ الكتمان”، مضيفة أنّها “وثّقت التقارير الجديدة حول انتهاكات خطيرة ارتكبها الحشد الشعبي، وقوات الشرطة الاتحادية، تضاف إلى عمليّات القتل والاختفاء القسرّي والتعذيب التي أبلغ عنها منذ بداية العملية”.
التصوير مع الجثث: وأشارت بأن رئيس الوزراء حيدر العبادي فتح تحقيقا في مزاعم سوء المعاملة وأعلن بعد 3 أيام عن اعتقالات غير محددة و”إحالة المتهمين بارتكاب تجاوزات إلى القضاء لينالوا جزاءهم وفق القانون”، لكن المسؤولين الحكوميين لم يقدموا المعلومات ردا على استفسارات هيومن رايتس ووتش منذ منتصف حزيران بشأن وضع التحقيق، من يُجريه، أو الخطوات المُتخذة حتى الآن

و أضافت هيومن رايتس ووتش إن الانتهاكات التي ترتكبها قوات الأمن الحكومية في الفلوجة استمرت منذ هزيمة قوات داعش، حيث زود شاهد هيومن رايتس ووتش بصورة قال إنه التقطها في 27 حزيران على المشارف الشمالية لمدينة الفلوجة لجثة مقطوعة الرأس مع حبل حول الساق اليسرى. وأضاف أنه رأى مقاتلي الحشد الشعبي – قوة قتالية مساندة تحت قيادة رئيس الوزراء وتضم العديد من الميليشيات الشيعية – يتصورون مع الجثة قبل لحظات من التقاطه للصورة. عبّروا عن فخرهم بقتل عضو في داعش، رغم أن وضع القتيل بصفته مقاتلا أو مدنيا وسبب الوفاة لا يمكن تحديدهما.

انتهاكات مستمرة: وفي السياق ذاته نقل التقرير عن نائب مدير قسم الشرق الأوسط، جو ستورك، قوله إن “الإخفاق في مساءلة المقاتلين والقادة عن الانتهاكات الجسيمة يُنذر بأخطار في معركة الموصل، وأنّ التحقيقات والملاحقات القضائية الجادّة ضرورية لتوفير العدالة للضحايا وأُسَرهم، وردع القوات الحكومية عن ارتكاب الفظائع.” وتابع  ستورك: “يجب أن تُدرك الحكومة الأميركية وتعالج الانتهاكات المستمرة على نطاق واسع من قبل القوات الحكومية العراقيّة، والغياب شبه التام للتحقيقات الشفافة أو أية تحقيقات على الإطلاق، ويجب ألّا تشيد الولايات المتحدة بالتزام الحكومة شفهيا بالمساءلة، بينما تغيب المعلومات التي تشير إلى حدوث أي شيء من هذا القبيل”.

   كما دعا التقرير سلطات العدالة الجنائية  العراقية إلى “التحقيق في جميع الجرائم، بما فيها القتل والتعذيب وغيرها من الانتهاكات، من قبل أي طرف خلال الصراع، بسرعة وشفافية وفعالية، وصولا إلى أعلى المستويات المسؤولة، وأنّ أولئك الذين تثبت مسؤوليتهم الجنائية تجب محاكمتهم بشكل مناسب”، مشدداً على ضرورة أن “يكون من يجرون مثل هذه التحقيقات الجنائية ويتخذون القرارات حول الملاحقات القضائية، مستقلين عمّن يُحقَّق معهم. يجب أن يكونوا من خارج السلسلة العسكرية النظامية ولا يخضعون للتدخل السياسي”، داعيا السلطات لضمان سلامة جميع الشهود. وشدّد في الوقت نفسه على “إنشاء لجنة تحقيق، أو ما يعادلها، لدراسة المخاوف الأكبر حول ما إذا كانت الانتهاكات تُرتكب بكثرة أو بشكل منهجي”. [https://www.orient-news.net]

     رداً على التظاهرات التي عمّت بغداد ومختلف المدن الجنوبية بين 1 و6 أكتوبر، اتخذت الحكومة العراقية إجراءات قمعية شديدة لم يسبق لها مثيل ضد المحتجين. وقد تعاونت مجموعة من الميليشيات المدعومة من إيران ومسؤولي الأمن مع مستشارين إيرانيين لتصميم هذه المقاربة الأكثر صرامة، والتي تضمنت اغتيالات ونيران قناصة وهجمات بطائرات بدون طيار وترهيب واعتقالات غير قانونية وانقطاع الإنترنت.

وعندما نشرت بغداد نتائج التحقيقات التي توصلت إليها فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان في 22 أكتوبر، حددت فقط صغار الضباط، وتجنبت الانتهاكات الرئيسية مثل هجمات القناصة والاعتداءات على محطات التلفزيون، وامتنعت عن تسمية أي من القادة المتورطين من الميليشيات المدعومة من إيران.

وفي ظل غياب تحقيق شفاف وصادق من قبل الحكومة العراقية، على الولايات المتحدة فضح أولئك المسؤولين ووضعهم على لوائح العقوبات – لمهاجمتهم  المدنيين ـ ليس فقط لمعاقبتهم على جرائم الماضي، ولكن أيضا لمنع حدوث المزيد من الانتهاكات في الوقت الذي تلوح في الأفق احتجاجات جديدة بعد الفعاليات الدينية لإحياء الأربعين.

انتهاكات الميليشيات ضد المدنيين

خلال احتجاجات مختلفة في وقت سابق من هذا الشهر، نفذت السلطات العراقية عمليات إطلاق نار جماعية ضد مدنيين مسلمين شيعة. ووفقا للروايات الرسمية، قُتل 165 مدنيا وجُرح 6100 آخرون، رغم أن التقديرات المسربة من الحكومة تشير إلى مقتل ما يصل إلى 400 شخص، و”اختفاء” 257، وجرح 6200 آخرون. ونظرا إلى موقع الأحداث، كانت نسبة عالية للغاية من تلك الإصابات دون شك من الشيعة. وقد شملت عملية القمع الإجراءات التالية:

انقطاع الانترنت: بعد قطع كافة خدمات الإنترنت بالكامل في الفترة بين 2 و6 أكتوبر، قامت الحكومة بتعليق تلك الخدمات لفترات مختلفة منذ ذلك الحين، مع وجود قيود مستمرة على الـ “فيسبوك” و “تويتر” و “واتساب” و “انستغرام” وتطبيقات مماثلة.

الاعتقالات غير القانونية: تمّ اعتقال 923 شخصا على الأقل، بمن فيهم 35 على الأقل نُقلوا من المستشفيات؛ وقد أُرغم الكثيرون على توقيع تعهدات بعدم المشاركة في احتجاجات مستقبلية تحت طائلة الملاحقة القضائية. وفي 10 أكتوبر ذكرت “المفوضية العراقية العليا لحقوق الإنسان” أن 257 شخصا ما زالوا في عداد المفقودين بعد أن أطلقت الحكومة سراح المحتجزين. ويُعتقد أن العديد من المفقودين في جرف الصخر وغيرها من السجون السرية التي تديرها ميليشيات تدعمها إيران تعمل ضمن “قوات الحشد الشعبي”.

الترهيب: تحدّث المراسلون الصحفيون ونشطاء المجتمع المدني عن جمع معلومات لتشكيل ملفات عن المنشقين وإدراج أسمائهم في لوائح وترهيبهم جسديا، مما تسبب في فرار الكثيرين إلى “إقليم كردستان” شمالا أو مغادرة البلاد تماما. وقد تمّ وصف المحتجين على نحو غير دقيق بأنهم محرِّضون مدعومون من الخارج، حيث اتُهم البعض إما بأنهم “الجيش الرقمي للسفارة الأميركية” أو يسعون لإقامة علاقات دبلوماسية طبيعية مع إسرائيل.

هجمات القناصة: استخدمت قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية وعناصر ميليشيات مقنّعين النار الحي ضد المحتجين. ومنذ 4 أكتوبر، استُهدف زعماء الاحتجاج بشكل فردي بنيران القناصة. ووفقا لتقارير وسائل الإعلام العراقية، تم نشر هؤلاء القناصة من قبل ميليشيات “قوات الحشد الشعبي” المدعومة من إيران. وجرى اعتقال أحد قناصة “كتائب سيد الشهداء” (اللواء 14 في “قوات الحشد الشعبي”). وفي 17 أكتوبر، أفادت وكالة “رويترز” أن عمليات القناصة كانت بالتنسيق مع أبو زينب اللامي، رئيس “مديرية الأمن المركزي” في “قوات الحشد الشعبي” وعضو في جماعة “كتائب حزب الله” التي صنفتها الولايات المتحدة جماعة إرهابية (الألوية 45 و 46 و 47 في “قوات الحشد الشعبي”).

هجمات على محطات التلفزيون: تعرّضت ست محطات هي ـ “العربية” و”دجلة” و”الغد” و “أن أر تي” و”الحدث” و “تي أر تي” ـ للنهب وقُطع بثها من قبل رجال ميليشيا من “سرايا طليعة الخراساني” (اللواء 18 في “قوات الحشد الشعبي”) و “حركة حزب الله النجباء” (“قوات الحشد الشعبي” اللواء 12) بسبب استمرارها في نقل مشاهد من الاحتجاجات. وذكرت “هيومن رايتس ووتش” أن الهجمات وقعت بعد فترة قصيرة على قيام “هيئة الإعلام والاتصالات” التابعة للحكومة المركزية بتوجيه تحذير للمحطات بوقف بثها. وجرى اقتحام محطة “أن أر تي” بعد أن بثت مقابلة مع أحد المتظاهرين الذي اتهم ميليشيات “قوات الحشد الشعبي” بتنفيذ هجمات القناصة. وعندما بدا أن محطة سابعة هي “الفرات” محصّنة جيدا بحيث يصعب اقتحامها، قامت “عصائب أهل الحق” (الألوية 41 و 42 و 43 من “قوات الحشد الشعبي”) بقصف المبنى في 6 أكتوبر إما بواسطة متفجرات وُضعت يدويا أو بطائرة بدون طيار، مما أدى إلى إتلاف سيارات ومباني أخرى في المنطقة.

قادة الميليشيات الخاضعين للعقوبات

  وفقاً لوكالة “رويترز” ووكالات إعلامية أخرى، انضمت مجموعة من الميليشيات العراقية وقادة الأمن العراقيين إلى ضباط في “الحرس الثوري الإسلامي” الإيراني لتشكيل خلية أزمة في بغداد في 3 أكتوبر. وانطلاقا من غرفتي عمليات ـ منزل آمن سري في الجادرية ومبنى لهيئة تابعة لـ “قوات الحشد الشعبي” بالقرب من مستشفى ابن سينا ـ قدم ضباط اتصال إيرانيون المشورة بناء على خبرتهم في محاربة النشطاء في إيران، بالإضافة إلى توفيرهم مواد استخبارية عن النشطاء والاتصالات الآمنة للقناصة. وأبرزت “رويترز” أدلة على أن القناصة تلقوا الأوامر مباشرة من قادة ميلشياتهم “وليس من القائد الأعلى للقوات المسلحة… إنهم ينتمون إلى فصيل مقرب جدا من إيران”.

ومن بين الأفراد الذين تمّ تحديدهم على أنهم يعملون في خلية الأزمة، نأتي على ذكر:

قاسم سليماني: قائد “فيلق القدس” التابع لـ “الحرس الثوري الإسلامي” المصنف إرهابي من قبل الولايات المتحدة، وصل إلى بغداد في 4 أكتوبر لضبط أنشطة الحكومة المناهضة للاحتجاجات.

أبو مهدي المهندس (اسمه الحقيقي جمال جعفر ابراهييم): قائد عمليات “قوات الحشد الشعبي”، صنفته الحكومة الأميركية إرهابيا في عام 2009.

فالح الفياض. مستشار الأمن القومي العراقي ورئيس “هيئة الحشد الشعبي”، عاد الفياض إلى بلاده في 4 أكتوبر بعد اجتماعه مع مسؤولين أميركيين في واشنطن. وبعدها، عمل مباشرة مع الخلية الإيرانية في وقت وفر فيه مساعده الإداري حميد الشطري الدعم.

أبو جهاد (اسمه الحقيقي محمد الهاشمي): مدير مكتب رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، بدأ العمل مع الخلية بعد عودته من زيارة لبريطانيا في 5 أكتوبر.

قيس الخزعلي: الأمين العام لـ “عصائب أهل الحق”، كان قد دعم بشكل كامل حملة القمع والتشهير بالمتظاهرين بمساعدة “الحرس الثوري الإسلامي” بوصفهم محرِّضين مدعومين من الخارج.

أبو زينب اللامي (اسمه الحقيقي حسين فالح اللامي): كما ذُكر سابقا، قام بتنسيق عمليات القناصة ضد المتظاهرين، في وقت ساهم فيه اثنان من مساعديه، هما أبو بكر (مدير “مديرية الأمن المركزي” لمنطقة الرصافة ببغداد) وحجي غالب (رئيس قسم التحقيقات في “مديرية الأمن المركزي”) في إدارة عمليات القمع.

أبو منتظر الحسيني (اسمه الحقيقي تحسين عبد مطر العبودي): رئيس العمليات السابق في “قوات الحشد الشعبي” والمستشار الحالي لرئيس الوزراء عبد المهدي لشؤون “الحشد الشعبي”. وكان أبو منتظر شخصية رئيسية في جمع كافة الجهات الفاعلة معا في خلية الأزمة.

أبو تراب (اسمه الحقيقي ثامر محمد إسماعيل): يرأس حاليا اللواء الحقوقي اسماعيل، الذي هو عضو منذ وقت طويل في “منظمة بدر” المدعومة من إيران، “فرقة الرد السريع” التابعة لوزارة الداخلية (التي تعرف أيضا باسم “قسم الاستجابة لحالات الطوارئ”). وخلال المظاهرات، نشر قناصين لاستهداف المدنيين.

حميد الجزائري: قائد “سرايا طليعة الخراساني” (اللواء 18 في “قوات الحشد الشعبي”)، ساعد في تنسيق الهجمات على محطات التلفزيون.

أبو آلاء الولائي (اسمه الحقيقي هاشم بنيان السراجي): قائد ميليشيا “كتائب سيد الشهداء” المدعومة من إيران (اللواء 14 في “قوات الحشد الشعبي”)، عمل مع خلية الأزمة وقدّم قناصين لعملية القمع.

أبو إيمان الباهلي: رئيس مديرية الاستخبارات في “قوات الحشد الشعبي”، الذي هو مسؤول الارتباط مع مسؤولي الاستخبارات السيبرانية في “الحرس الثوري الإسلامي”؛ وقد أعدّ قوائم أهداف من نشطاء المجتمع المدني والصحفيين.

توصيات في مجال السياسة العامة

لمنع إيران من الإمعان في تعريض الحكومة العراقية للخطر أو إثارة العنف في جميع أنحاء البلاد، على واشنطن أن تُظهر أنها تقف إلى جانب الجيل القادم من العراقيين وتدعمهم، وخاصة الإصلاحيين ومؤيدي حرية التعبير الذين خرجوا إلى الشوارع على الرغم من مواجهتهم تهديد حقيقي بالموت.

وفي 18 يوليو، ساهمت الجولة الأولى من العقوبات المفروضة بموجب “قانون ماغنيتسكي الدولي” الأميركي ضد النخب العراقية في بث الخوف ضمن قيادة البلاد إلى حد كبير، مما أدّى إلى قيام الكثير من أفرادها بإرسال أموالهم ومحافظهم العقارية وعائلاتهم إلى سلطات قانونية أجنبية لا تطالها العقوبات الأميركية. يجب تكرار هذه التجربة من خلال جولات متعددة من العقوبات الجديدة وكشف الجرائم المرتكبة بحق الشعب العراقي:

فرض عقوبات على مسؤولين بارزين بجرائم انتهاك حقوق الإنسان

    توفر القائمة أعلاه عددا من الأهداف للعقوبات المفروضة بموجب “قانون ماغنيتسكي الدولي”. وحتى في الحالات التي يخضع فيها الأفراد أساسا لعقوبات من جراء ارتكابهم جرائم إرهابية، سيكون من المفيد إدراجهم أيضا بسبب انتهاكهم حقوق الإنسان، وهي تهمة قد يكون لها صدى أكبر مع الشعب العراقي.

ويجب كذلك إدراج أسماء كبار القادة ومن ذوي المستويات المتوسطة في القائمة، مع توجيه رسالة واضحة مفادها أنه يمكن رفع العقوبات بسرعة إذا غيّر هؤلاء المسؤولون سلوكهم خلال الاحتجاجات المستقبلية.

وفي غضون ذلك، ينبغي تشجيع بريطانيا على فرض عقوبات موازية لانتهاك حقوق الإنسان نظرا إلى الانكشاف الكبير لمسؤولين مثل أبو جهاد في ذلك الاختصاص القضائي.

مراقبة انتهاكات حقوق الإنسان عن كثب بعد إحياء الأربعين

 من المحتمل أن تندلع احتجاجات جديدة في 25 أكتوبر، وهو يوم الجمعة الأول بعد الفعاليات الدينية المهمة للشيعة. ومن المرجح بشكل بارز تنظيم تظاهرات كبيرة الآن خاصة أن الحكومة قد سلكت المسار المتوقّع المتمثل بتغطية تواطئها ومشاركتها في عمليات القمع بمساعدة “الحرس الثوري الإسلامي”.

يتعين على الولايات المتحدة التركيز باهتمام على تصرفات المسؤولين العراقيين وأقوالهم واتصالاتهم خلال الموجة التالية من الاحتجاجات، وتوليدها أدلة إضافية على حدوث انتهاكات لحقوق الإنسان في حالة حدوثها.

تسليط الضوء على دور القوات الإيرانية

   يجب الكشف عن تفاصيل الإجراءات الإيرانية المناهضة للاحتجاجات في العراق، حتى لو كان ذلك على حساب الكشف عن بعض فرص جمع المعلومات. يجب تسليط الضوء أيضا على أوجه الشبه بين تكتيكات مناهضة الاحتجاجات السابقة في إيران والتكتيكات الحالية للميليشيات في العراق، خاصة في مجالات الإنترنت والساحات الإلكترونية.

إعادة التركيز على عمليات الاعتقال التي تنفذها “كتائب حزب الله”: على واشنطن أن تحث منظمات حقوق الإنسان والجهات الفاعلة الدولية الأخرى على إيلاء المزيد من الاهتمام لعمليات الاعتقال غير القانوني التي تنفذها هذه الجماعة بحق مئات المدنيين في سجونها السرية وأهمها جرف الصخر. [https://www.alhurra.com]

كما  اصدر مركز جرائم الحرب في بغداد، بيانا دعا فيه الحكومة ومنظمات حقوق الإنسان  والمجتمع الدولي للتدخل  الفوري لإطلاق سراح السجناء في معتقلات الميليشيات والحكومية لحمايتهم من الإصابة بفيروس كورونا ، وأكد البيان ،إن آلاف المعتقلين براء من التهم الموجه اليهم من قبل ميليشيات الحشد ، كما أكد البيان على ضرورة معالجة ملف المختطفين قسرا منذ 2014 وبقائهم في السجون السرية  خرقا واضحا لإعلان حقوق الإنسان العالمي وأدناه نص البيان…

[http://aliraqnews.com]

   في الاسابيع الاخيرة تصاعد الاستنكار العالمي لمسلسل القتل والمجازر التي تنفذها المليشيات العميلة لجهة اجنبية معروفة وقد استنكرت دول ومنظمات عالمية لانتهاكات حقوق الانسان ضد شعب خرج يطالب بأبسط حقوقه بتظاهرة سلمية وحسب ما نص عليه دستور البلد وقد بلغت ذروة الاستنكار العالمي بعد مجزرة السنك وساحة الخلاني اللتان حركت الضمير العالمي بعد مجازر النجف و كربلاء والناصرية اضافة الى عمليات القتل في بغداد. ولا ادري كيف تسمح المنظمة الدولية الامم المتحدة بدولة عصابات ان تكون عضوة فيها في حين ان كل منظماتها التابعة لها استنكرت واستهجنت عمليات القتل الجماعية التي تجري في هذا البلد الذي لا يحق لاحد ان يسميه دولة ..لكون مجرمي المليشيات وقادتها العملاء يتحكمون فيها.

  هل يصدق عاقل ان السلطة بأجهزتها الامنية ووزارة داخليتها ومخابراتها لا تعرف الجهة التي تقيم المجازات و تقتل المتظاهرين العراقيين وتصفها بطرف ثالث دون ان تقول من هم الطرف الثالث.

     في اية دولة من دول العالم عندما ترتكب جريمة قتل فردية فان اجهزتها الامنية تستنفر وتكشف الجريمة وتلقي القبض على المجرم ..وفي العراق ترتكب مجازر جماعية ضد تظاهرة وطنية يقتل خلالها 400 متظاهر ويجرح 8000 اخرين يقود مرتكبيها سيارات ذات دفع رباعي ويفتحون النار على جموع المتظاهرين امام انظار الاجهزة الامنية والحكومة ويلوذون بالفرار دون ان تلحقهم جهة امنية او حكومية ..لان الحكومة جردت الاجهزة الامنية من اسلحتها ليسهل على المليشيات ارتكاب جرائمهم بسهولة دون ان يردعهم احد. 

والمضحك ان البرلمان دعي اعضائه لعقد جلسة للتباحث حول مجزرة السنك والخلاني ونسبة لا باس بها من اعضاء البرلمان الذين سيجتمعون من احزاب لها صلة بالمليشيات التي تقتل المتظاهرين تصوروا حجم المهزلة

والعراقيين اصبحوا يسخرون من لجان التحقيق واجتماعات البرلمان التي تعقد للتحقيق في في كل ازمة وعشرات محاضر هذه الجلسات والاجتماعات مرمية على الرفوف ..دون اتخاذ اي اجراء

ويبدو ان شخوص البيت الابيض والكونكرس الامريكي رغم الانتقادات الكثيرة الموجهة ضدهم وتوصيفهم بشتى الصفات السلبية اصبحوا اكثر عراقية من الساسة العراقيين حينما شخصوا واعلنوا اسماء المليشيات الاجرامية وقادتهم الذين يقيمون المجازر ضد المتظاهرين العراقيين في حين ان الاصنام في السلطة العراقية يتهربون من ذكر المليشيات التي ترتكب هذه الجرائم ضد ثوار تشرين رغم معرفتهم بهم لكون احزاب هذه المليشيات العميلة في الحكومة والبرلمان. وقد ذكرت مصادر الحكومة الامريكية والمتحدثين باسم البيض اسماء قادة المليشيات التي تصدر الاوامر بقتل العراقيين وذكرت اسماؤهم وهم قيس الخزعلي قائد مليشيات عصائب اهل الحق وشقيقه ليث الخزعلي وحسين فالح مدير امن الحشد الشعبي ..وهؤلاء الثلاثة الذين اصدروا اوامر لمليشياتهم بقتل المتظاهرين اضافة الى خميس الخنجر الذي تعاطى الرشوة والفساد ونفذ اجندات تضر بالمصلحة الوطنية واقتصاد العراق. واصدرت الخزانة الامريكية عقوبات اقتصادية ضد هؤلاء الاربعة .

انها اكثر من سخرية ..ان تعاقب جهة اجنبية جرائم قتل يرتكبها عراقيون ضد وطنيين عراقيين فين حين ان السلطة والقضاء الاعلى تقف مكتوفة الايدي وتتفرج رغم معرفتهم هويات المجرمين.

     والحقائق التي اعلنتها الجهات الامريكية عن هوية الجهات التي تقتل العراقيين ليست جزافا بل استندت الى مصادر مخابراتها والتي تعمل في كل مناطق الشرق الاوسط ولها اذرع في كل هذه المناطق ..تتابع تحركات وانشطة ايران في العراق وسوريا ولبنان للوقوف ضد تخريبهم وامتدادهم وتراقب تحركات قاسم سليماني وتنسيقه مع قادة المليشيات العراقية العميلة لإيران وشمل هذا التنسيق مخططا لمواجهة وقتل شباب الانتفاضة العراقية المجيدة.

   انا اقولها بملء الفم عندما تعرف الحكومة والداخلية واجهزتها الامنية هذه الجهات التي ترتكب جرائم القتل ضد المتظاهرين تسكت وتغض النظر عنها فإنها شريكة لهذه المليشيات الاجرامية في قتل العراقيين

اخر شيء احب ذكره اقوله والالم يعصر قلبي كل هذه الاحداث المأسوية تجري في العراق بمخطط ايراني… وقاسم سليماني يصول ويجول في بغداد ويلتقي بقادة السلطة والمليشيات العميلة التي تقتل العراقيين بالتنسيق معه. وكأن شيئا لم يكن وكان الدم العراقي ارخص ما يكون اليس هذا تحديا لمشاعر العراقيين؟؟ [https://www.sotaliraq.com

 فيما اكدت الامم المتحدة ان العنف في العراق تنفذه عصابات مسلحة ذات ولاءات خارجية يبدو القادة العراقيون والقوات الامنية عاجزين عن وقف جرائمها، ويكتفون بوعود لمواجهتها وحماية المتظاهرين، الذين وصفت الامم المتحدة وحقوق الانسان العراقية والعفو الدولية قتلهم الجمعة بأنه جريمة ارهابية.

فرغم مرور 36 ساعة على ارتكاب المليشيات العراقية المسلحة الموالية لايران لجريمتها بمهاجمة المتظاهرين السلميين بمنطقة السنك وسط بغداد، فلم تتخذ السلطات اي اجراءات عملية لملاحقتها او مداهمة مقراتها المعروفة لديها او حتى تسمية المليشيات التي ارتكبت تلك الجريمة التي ادانتها عواصم العالم، اضافة الى الاتحاد الاوروبي والامم المتحدة، وحثت المسؤولين العراقيين على ملاحقة الجناة واعتقالهم ومعاقبتهم.

وعود لا تتعدى الكلمات

وازاء ذلك، اكتفت الرئاسة العراقية بالقول إن الرئيس برهم صالح يتابع باهتمام شديد وبألم عميق مع الجهات الحكومية المختصة ما حصل الجمعة من اعتداء إجرامي مسلح قامت به عصابات مجرمة وخارجون على القانون.. مؤكدا مسؤولية أجهزة الدولة الأمنية، بالإضافة إلى حماية المتظاهرين السلميين والممتلكات العامة والخاصة والحفاظ على أرواح العراقيين هي ملاحقة المجرمين الخارجين على القانون والقبض عليهم وإحالتهم إلى القضاء العادل لينالوا العقاب الرادع الذي يستحقونه.

لكن في مقابل ذلك، فإن القوات الامنية لاتزال ترفض العودة الى ساحات الاحتجاج لحماية المتظاهرين، الذين اصبحوا مكشوفين امام المليشيات المسلحة التي يمكن ان تهاجمهم في اي لحظة وفي اي ساحة يوجدون فيها، وبذلك تكون هذه القوات قد تخلت عن واجباتها التي ينص عليها الدستور في حماية المواطنين.

وفي تصريح اثار استغراب العراقيين، فقد طالب قائد عمليات بغداد الفريق قيس المحمدواي المتظاهرين بأن يسمحوا للجيش العراقي للدخول الى مواقع التظاهر، وكأن المحتجين هم وراء انسحاب القوات من ساحات التظاهر وليس هو تواطؤ بعض قياداتها مع المليشيات، كما يؤكد الناشطون.

ولذلك قال المحمداوي “أتعهد للمتظاهرين بعدم التعرض إلى المتظاهرين شرط تحديد أماكن التظاهر”، بحسب قوله وكأنه يجهل وجود هذه الاماكن.

فحتى مجلس النواب العراقي فلن يعقد جلسته الاستثنائية لبحث جريمة قتل المتظاهرين في السنك الا غدا الاثنين بعد ثلاثة ايام من ارتكابها، وكأن الامر لا يحمل اهمية بالنسبة له. اما وزارة الداخلية فقالت انها فتحت تحقيقا في حادثة إطلاق النار بمنطقة السنك وسط شكوك بقدرتها عن اعلان الجهات المنفذة لها بمسمياتها او معاقبة عناصرها التي ارتكبتها، وذلك على غرار جرائم اغتيال وخطف سابقة ارتكبتها تلك المليشيات من دون ردع او احالة الى القضاء لمحاكمتها.

ولذلك فقد علق الخبير هاشم الهاشمي في تغريدة على تصريحات المسؤولين العراقيين قائلا “وصف رئيس الجمهورية الدكتور برهم صالح، ما حصل يوم الجمعة السادس من ديسمبر في ساحتي الوثبة والخلاني وكراج السنك: بـ “اعتداء إجرامي مسلح قامت به عصابات مجرمة و خارجون على القانون”. هذا الانتهاك ينبغي ان يحاسب عليه القانون الجهات الامنية والعسكرية المكلفة بحماية المتظاهرين”.

‏وأضاف “رفعت اليوم البالوعة غطاءها عن قاذوراتها في ساحة الخلاني بعملية قتلٍ عمدٍ لطلاب الحياة الكريمة، وبالأخصِّ الشباب اليافع. ‏وحتّى إنّهم صاروا يرمون النار في كل اتجاه بلا ورع ولا رادع. ‏وهؤلاء الملاعين استمروا بإطلاق الرصاص الحي دون كلّلٍ لأكثر من ساعة لإفناء التظاهرات السلمية”.

القوات الامنية تخلت عن واجبها بحماية المتظاهرين

وعلى الرغم من قتل مسلحي المليشيات حوالي 50 متظاهرا واصابوا 180 اخرين بحسب مقررة اللجنة الامنية في البرلمان العراقي وحدة الجميلي بعد مهاجمتهم من قبل مسلحي اربع مليشيات هي عصائب اهل الحق والنجباء وحزب الله العراقي اثر سيطرتهم لفترة وجيزة على مبنى يحتله المحتجون منذ أسابيع قرب جسر السنك وسط، فلم تبدِ القوات الأمنية القريبة من المكان اي رد فعل بحسب شهود.

منظمو مظاهرات التحرير يروون ما جرى ليل الجمعة

ومن جهتها، قالت “اللجنة المنظمة لمظاهرات ثورة تشرين” ان التخطيط لمجزرة الجمعة الماضي تم بتنسيق من قبل قادة الميليشيات والحكومة وأحزابها الفاسدة وبإشراف قاسم سليماني.

واضافت اللجنة في بيان حصلت “إيلاف” على نصه أن ما جرى مساء يوم الجمعة قرب جسر السنك وساحة الخلاني هو مجزرة حقيقية ضد المعتصمين السلميين، الذين خرجوا لاسترجاع وطنهم من فاسدي المنطقة الخضراء.

واضافت “قامت ميليشيات، مرتبطة بإيران، وهي: (بدر والخرساني والعصائب وحزب الله والنجباء)، وبتواطؤ من الأجهزة الأمنية الحكومية بهجوم غادر على المعتصمين في بناية مرآب السنك، حيث قاموا بإطلاق الرصاص الحي على المعتصمين العزل مما أدى الى قتل عشرات الشهداء وهم بازدياد بسبب الاعداد التي تجاوزت 180 جريحا اغلبهم حالاتهم حرجة بسبب الإصابات المباشرة وتعمد حكومي بعدم توفير العلاج والعمليات الجراحية لهم كما قامت عناصر تلك المليشيات المجرمة بعمليات إعدام مباشرة في محاولة فاشلة للسيطرة على بناية المرأب”.

واضافت “تصدى أبناؤكم وإخوانكم المعتصمون بصدور عارية لهذا الهجوم الدنيء المدبر بهتافات تتغنى بحب العراق جعلتهم يفرون أمام صمود هؤلاء الأبطال، الذين أدخلوا الرعب في قلوب المجرمين ونفوسهم المريضة، وعندما عجزت تلك الميليشيات عن السيطرة على البناية قاموا بإحراقها قبل أن يفروا خائبين، وفي محاولة يائسة ومفضوحة من الناطق باسم القوات الحكومية اتهم في بيان له المتظاهرين بحرق المرأب للتغطية على جريمة الميليشيات ليبرهن على تواطؤهم معها “.

واشارت اللجنة الى “ان التخطيط لهذه المجزرة تم بعناية وبتنسيق من قبل قادة الميليشيات المذكورة والحكومة وأحزابها الفاسدة، وبإشراف المجرم قاسم سليماني، فجرى الاتفاق على تقاسم الأدوار بينهم لوأد المظاهرات بأبشع الوسائل الإجرامية مثلما فعلت حكومة طهران بمواطنيها، وبعد ان فشلت خطتهم الخبيثة وصلت مجموعات من أنصار التيار الصدري وهي تحمل صور السيد محمد الصدر بادعاء حماية الثوار ليضيفوا دليلًا آخر على اشتراك كافة أحزاب السلطة في تنفيذ هذه المؤامرة القذرة”.

وأكدت “أن محاولات نقل تجارب الآخرين الوحشية هو ضرب من الجنون أصاب رؤوس المتسلطين وفاسدي السلطة الطائفية بعد أن شعروا بأن أيامهم معدودة، وأن الثوار عازمون على إزالتهم وتقديمهم للمحاكمة على كل الجرائم التي ارتكبوها ضد الشعب العراقي منذ أن تسلطوا على رقاب العراقيين ورهنوا سيادة بلادهم لإيران”.

وفي بيان آخر للجنة حول قرار الحكومة الأميركية بفرض عقوبات على عدد من قادة المليشيات، فقد اشارت الى ان العراقيين كانوا ينتظرون ان تقوم الحكومة الاميركية بشمول العديد من فاسدي حكومة المحاصصة الطائفية ورؤساء الاحزاب الطائفية الذين سرقوا أموال الشعب العراقي، اضافة الى باقي قادة المليشيات الايرانية المجرمة التي تقتل المتظاهرين وتختطفهم وتروعهم يوميا بعقوباتها.
العفو الدولية: اكثر الهجمات دموية

واكدت منظمة العفو الدولية انها حصلت على إفادات مفصلة من شهود العيان عن الهجوم المنسق الذي نفذه مسلحون مجهولون في بغداد مساء الجمعة لا تترك مجالًا للشك بأن هذا الهجوم كان منسقًا بشكل واضح، ما يطرح تساؤلات جدية حول كيفية تمكن المسلحين المدججين بالسلاح في موكب من المركبات من المرور عبر نقاط التفتيش في بغداد وتنفيذ مثل هذا الهجوم الدموي ضد المتظاهرين.

وقالت المنظمة في بيان الليلة الماضية تابعته “إيلاف” إن الهجمات التي وقعت ليل الجمعة الماضية في بغداد تعد واحدة من أكثر الهجمات دموية منذ بداية الاحتجاجات، وتأتي في إطار حملة التخويف المستمرة ضد المتظاهرين.

وطالبت المنظمة السلطات العراقية بالتحقيق بشكل عاجل في تلك الهجمات وتقديم الجناة إلى العدالة وضمان حماية المحتجين.

الحقوق العراقية: استهداف المتظاهرين في السنك جريمة إرهابية

وعلى الصعيد نفسه، فقد اعتبرت المفوضية العراقية العليا لحقوق الانسان استهداف المتظاهرين السلميين في السنك والخلاني عملا يرقى الى مستوى الجرائم الارهابية.

وقالت المفوضية في بيان الليلة الماضية تابعته “إيلاف” انها تابعت بقلق بالغ وبأسف شديد احداث الجمعة في جسر السنك وساحة الخلاني والانتهاكات التي تعرض لها المتظاهرون السلميون وتطالب قيادة عمليات بغداد والقوات الأمنية المكلفة بتوفير الحماية لساحات التظاهر في بغداد بإلقاء القبض على المجرمين الذين تسببوا في هذا العمل الاجرامي الشنيع الذي يرقى الى مستوى الجرائم الارهابية وفقاً لقانون مكافحة الارهاب العراقي رقم (13) لسنة (2005) والكشف عن هوية الفاعلين واحالتهم للقضاء لينالوا جزاءهم العادل.

ودعت المفوضية القوات الامنية الى تفعيل العمل بمفارز التفتيش المشتركة والتنسيق مع المتظاهرين لإبعاد المخربين الذين يعرضون المتظاهرين والقوات الامنية والممتلكات العامة والخاصة للخطر والضرر .

الامم المتحدة: العنف تنفذه عصابات مسلحة بولاء خارجي

اما بعثة الامم المتحدة في العراق فقد حذرت من ان أعمال العنف التي تُحرّكها العصابات الناجمة عن ولاءاتٍ خارجيةٍ أو ذات دوافعَ سياسيةٍ أو موجّهةٍ لتسوية الحسابات تُخاطر بوضع العراق في مسارٍ خطير.

ودانت الممثلةُ الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق جينين هينيس-بلاسخارت في بيان صحافي تسلمت “إيلاف” نصه اليوم “بأشدّ العبارات إطلاقَ النار على متظاهرين عُزّل وسط بغداد مساء يوم الجمعة، ما أسفر عن سقوط عددٍ كبيرٍ من القتلى والجرحى بين المواطنين الأبرياء،”.. وقالت “إن القتل المتعمد للمتظاهرين العُزّل على يد عناصر مسلحةٍ ليس أقلّ من أن يُوصف بالعمل الوحشيّ ضدّ الشعب العراقي ويجب تحديدُ هوية الجناة وتقديمهم إلى العدالة دون تأخير”.

وحثت بلاسخارت القواتِ المسلحةَ العراقيةَ على ألّا تدّخرَ جُهداً لحماية المتظاهرين السلميين من العنف الذي تمارسه عناصرُ مسلحةٌ تعمل خارج سيطرة الدولة. ودعت المتظاهرين السلميين إلى التعاون بشكلٍ بنّاءٍ لضمان حماية الاحتجاجات السلمية على النحو الواجب.

وحذرت من “أن أعمال العنف التي تُحرّكها العصابات الناجمة عن ولاءاتٍ خارجيةٍ أو ذات دوافعَ سياسيةٍ أو موجّهةٍ لتسوية الحسابات تُخاطر بوضع العراق في مسارٍ خطير ومن الضروريّ التكاتف دفاعا عن الحقوق الأساسية، مثل الحق في التجمع السلميّ وحرية التعبير”.

يشار الى انه منذ انطلاق الاحتجاجات الشعبية في بغداد و9 محافظات جنوبية في الأول من أكتوبر، فقد قتل 440 متظاهرا وأصيب حوالى 20 ألفاً بجروح استناداً إلى مصادر طبية وأخرى من الشرطة. [https://elaph.com]

6 – الاتجار بالمخدرات

  بعد أن كان العراق “ممراً رئيسياً لتهريب المخدّرات الإيرانية والأفغانية والباكستانية إلى دول الخليج العربي”، أصبح البلد الذي يعاني من ويلات وتداعيات الحرب من بين الدول المتعاطية للمواد المخدرة.

إذ أقرّ عضو مفوضية حقوق الإنسان، فاضل الغراوي، بأن العراق أصبح “سوقاً رائجاً لبيع وتعاطي المخدرات”، بعد أن كان طريقاً لمرورها فقط.

الأمر الذي أكّده ضابط في مديرية مكافحة المخدرات، رفض الكشف عن هويته، لـ”الخليج أونلاين” قائلاً: “إن مناطق جنوب العراق شهدت في السنوات الأربع الماضية رواجاً كبيراً لبيع وتعاطي المخدرات بكافة أصنافها”.

وقال الغراوي في بيان حصل “الخليج أونلاين” على نسخة منه: إن “عامي 2017 و2018 شهدا ارتفاعاً ملحوظاً في نسبة تعاطي المخدرات وترويجها وبيعها، وخصوصاً بين فئة الشباب لكلا الجنسين”، عازياً ذلك إلى “الأسباب الاقتصادية والأمنية والاجتماعية التي كانت لها تأثيرات مباشرة في ارتفاع تلك النسب”.

ويؤثر تداول المخدرات على مدخولات الأسر العراقية، ويؤدّي إلى استنزافها اقتصادياً، خاصةً بعد التنوّع الكبير في أنواع المواد المخدّرة، بعد أن كانت مقتصرة على “الأفيون والحشيش” وبأسعار متفاوتة، كما ذكر الغراوي.

وأشار الغراوي إلى أنه “من أجل ديمومة وجود المخدرات في أيدي المتعاطين بدأوا يقومون بأعمال إجرامية تنافي السلوك المجتمعي؛ ومنها الاعتداء على ذويهم، وكذلك قيامهم بسرقة الأموال بغية الشراء”.

وبالنسبة للحلول التي تسهم في الحد من هذه الظاهرة قال عضو المفوضية: “إن إيداع المتعاطين للمخدرات في السجون ومراكز الاحتجاز ليس هو الحل الأمثل؛ لكونهم مرضى، كما أن انعدام وجود مصحّات متخصصة بالتأهيل والدمج قد تكون سبباً في تفاقم التعاطي بعد خروجهم من المراكز”.

ولفت الضابط في مديرية مكافحة المخدرات إلى أن “مراكز مكافحة المخدرات أحالت مئات القضايا إلى المحاكم بتهمة ترويج وتعاطي المخدّرات، فضلاً عن توقيف أكثر من 700 شخص متعاطٍ، منذ بداية 2018 ولغاية اللحظة”.

وحول أسباب رواج بيع وتعاطي المخدرات في العراق ذكر الضابط في حديثه لمراسل “الخليج أونلاين” أن السبب الرئيسي خلف انتشار تعاطي المخدرات في العراق هو سيطرة المليشيات المسلّحة والمتنفّذة على مزارع المخدرات، وفتح الأبواب على مصراعيها لدخول المخدّرات وتهريبها”.

وعزا القاضي المختص بمكافحة المخدرات، رياض العكيدي، سبب تنامي ظاهرة تجارة المخدرات إلى “الانفلات الأمني الذي تشهده البلاد، وانتشار البطالة،  بالإضافة إلى عدم وجود عقوبات رادعة كالتي كانت قبل الغزو الأمريكي للعراق، حيث كانت تصل عقوبة التجارة والتعاطي إلى الإعدام للحد منها.

ودعا العكيدي، في حديثه لـ”الخليج أونلاين”، “الهيئة الوطنية لمكافحة المخدرات إلى إعداد مسودة قانون مكافحة المخدرات الخاص بالعراق لأجل السيطرة على هذه الظاهرة، ومنع شباب البلاد من الوقوع بهذه الآفة التي باتت تهدّد المجتمع العراقي”.

وينتمي غالبية مروّجي المخدّرات لفصائل مسلّحة بعضها تابع لمليشيا الحشد الشعبي، ويمارسون عملهم بحرّية مطلقة، كما ذكر الضابط في مركز المكافحة، وأوضح أن “القوات الأمنية تتجنّب الصدام معهم”.

في حين أشار المسؤول الأمني إلى أن” عصابات المليشيات والجماعات المسلّحة في العراق التي تتاجر بالمخدرات تستخدم ممرات رسمية وغير رسمية على الحدود الشرقية التي تربط العراق مع إيران”.

وأوضح القاضي العكيدي في حديثه لـ”الخليج أونلاين”: “إن بعض الفلاحين في العراق، وخصوصاً في المناطق النائية، ممن كانوا يزرعون الطماطم وغيرها من الخضراوات، توجّهوا الآن إلى زراعة أنواع من المواد المخدّرة؛ لأن الربح فيها سريع ومغرٍ”.

وكان العراق قبل عام 2003 يُعدّ من البلدان النظيفة من التعاطي أو الترويج للمواد المخدّرة، لكن إبان الغزو الأمريكي للبلاد، ومع تراجع الوضع الأمني وانتشار الجماعات المسلّحة وعدم السيطرة على السلاح، بدأت تجارة المخدرات تلقى رواجاً كبيراً”. [https://alkhaleejonline.net]

     لم يكن يعرف العراق المخدرات قبل العام 2003، فيما بينت إحصائية لمستشفى ابن رشد للأمراض النفسية في بغداد وجود 3 مدمنين على المخدرات من بين كل 10 افراد في العراق، حيث أكدت احصائية لمكتب المخدرات ومتابعة الجريمة التابع للأمم المتحدة عن عدد تقريبي لنسبة المدمنين بين الشباب العراقي بعد 2003حسب تقاريرها وكانت احصائيات المكتب لم تسجل غير حالتين كتجارة مخدرات فقط ما بين 1970 و1990 لكن بعد دخول القوات الامريكية الى البلاد تغيرت المجريات الامنية بشكل ملفت وسجلت ارقام خيالية.

وذكر تقرير الامم المتحدة ان من بين كل عشرة اشخاص تتراوح اعمارهم بين 18 – 30 سنة يدمن ثلاثة وتابع التقرير كما ان من بين كل ثلاثة منتسبين في القوات الامنية يتعاطى واحد مادة مخدرة ويعزو التقرير انتشار هذه الظاهرة الى قلة المتابعة والتوعية ومراكز العلاج في العراق فضلا عن اخفاض نسبة العقوبة اما في الوقت الحالي فعقوبة تجار المواد المخدرة تصل الى 6 أشهر تقريبا فضلا عن كون اغلب التجار مدعومين من قبل جهات متمكنة في الدولة.

ويعتبر العراق بعد 2003 معبرا ومستهلكا للمواد المخدرة فيما كان في السنوات التي تسبقها يشكل معبرا لها فقط ورجحت الاحصائية الصادرة عن الامم المتحدة ان 10 سنوات القادمة ستفتك بالشاب العراقي في حال بقي الوضع على ما هو عليه.

10% من المخدرات المهربة تستخدم في العراق ويكشف أن إحصائيات العيادات الخارجية في المستشفيات الحكومية في العام 2009 تشير إلى أن عدد المدمنين على الكحول والحبوب الطبية المؤثرة عقليا وصلت إلى 2017 مصابا، يرقد منهم في المستشفيات نحو 320 شخصا.

ويطالب الاختصاصي بالأمراض النفسية والعصبية أحمد حسن حسين في تصريحات لوسائل الإعلام بإنشاء مستشفيات خاصة بمدمني المخدرات في المحافظات الجنوبية نتيجة زيادة حالات الإدمان هناك، مشيرا إلى أن تلك الحالات لا يمكن علاجها بالمستشفيات العادية، وتتطلب معالجتها الكثير من المراحل.

ويقول إن عدد المراجعين من مدمني المخدرات والحبوب في مستشفى الحسين التعليمي بمدينة الناصرية جنوب بغداد يصل أسبوعيا إلى 25 شخصا، ويلفت إلى أن الكثير من المرضى لا يراجعون المستشفيات، لأن تعاطي المخدرات يمثل عارا في المجتمع العراقي غير أن مديرة قسم الإعلام في وزارة الصحة العراقية، حوراء عبد الله تقول للجزيرة نت إنه ليس هناك زيادة في أعداد المدمنين على المخدرات في العراق “كما لم تسجل لدينا أي حالة إدمان على الأنواع الخطيرة، والمسجل لدينا هم فقط المصابون بالهلوسة نتيجة استخدامهم للحبوب المخدرة أو نتيجة الإدمان على الكحول”.

16  مليون حبة من المخدرات تدخل الى العراق

تم ضبط 16 مليون حبة من حبوب المخدرات تم ادخالها الى العراق عن طريق ميناء البصرة الدولي وفي وقت سابق ادى تسريب معلومة استخباراتية الى قيادة قوات العمليات الخاصة بمدينة البصرة الى ايقاف شحنة حقائب مدرسية تم حشوها بحبوب مخدرة من نوع (الكبتاجون) وحسب التقديرات الاولية يصل سعرها الى 500 مليون دينار عراقي اي ما يقارب 60 مليون دولار وحسب مصادر الاخبار لم يتم معرفة صاحب الشحنة.

ضبط هذه الكمية الضخمة من المخدرات كشفت الستار عن سبب الدفاع المستميت من بعض النواب في البرلمان العراقي لمنع بيع الكحول في الاسواق العراقية لان الشخص المتعاطي للكحول غالبا لا يفكر في تعاطي المخدرات لكن مع منع الكحول عنه يضطر الى تناول المواد المخدرة وبهذا يصبح سوق المخدرات رائجا ويربح اربابه والمسؤولين العراقيين الداعمين لهم ثروات ضخمة على حساب تدمير صحة المجتمع العراقي البائس.

من الممكن تورط بعض الدول المعروفة بتدخلاتها بالشأن العراقي في هذه الفضيحة لعدة اسباب منها:

–  سهولة ادخال المخدرات للعراق بسبب الفلتان الذي تشهده معابره الحدودية البرية والمائية والجوية.

–  توريط المسؤولين العراقيين عن طريق اشراكهم واعطائهم نسبة من الارباح من ناحية واستعبادهم لتنفيذ مآرب هذه الدول مقابل عدم فضح اشتراكهم بهكذا اعمال قذرة عقوبتها الاعدام.

–  اختبار كافة انواع المخدرات على افراد المجتمع العراقي باعتبارهم فئران تجارب قبل ارسالها الى الدول الاخرى.

–  تحطيم القوة البشرية في العراق عن طريق اغراق شبابه ببراثن التخدير والهلوسة.

مادة الكبتاجون التي ضبطت تعتبر من أخطر المواد المخدرة التي تدمر الجهاز العصبي للإنسان ببطيء ويدمن عليها الانسان بسرعه ويتم الترويج لهذا المخدر الخطير على انه مقوي جنسي يزيد قوة المعاشرة لدى الرجل وهذا ما يسارع في انتشاره وبيعه بسرعة وحسب تقارير طبية ادمان تعاطي الكبتاجون يؤدي الى الجلطات القلبية و ابطاء عمل الاعصاب والتهاب قشرة المخ و تدمير عمل الغدة الكظرية و تسارع نمو الخلايا السرطانية و تقرح المعدة الى جانب ان مدمن الكبتاجون يعاني من الهلوسات السمعية والبصرية، حيث يرى مجموعة من المشاهد التي ليس لها أساس من الصحة و بعد انتهاء فتره تأثير الجرعة الواحدة التي تمتد الى ستة ساعات، فان المتعاطي يشعر بضعف النشاط الذهني الأمر الذي يترتب عليه ضمور في خلايا المخيخ.

الحشيشة والحبوب المخدرة

ربما تكون الأرقام التي أعلنتها إحدى الدوائر الطبية والنفسية الخاصة بعدد المدمنين على المخدرات في البصرة مبالغ فيها بعض الشيء لكن الأكيد أن انتشار ظاهرة تهريب وتعاطي المخدرات بأشكالها المختلفة لم تعد خافية على أحد في المدينة المبتلاة بانفتاح حدودها على الشرق والغرب.

1000   مدمن في البصرة

     كان أحد المراكز البحثية الخاصة بالطب النفسي في المدينة أعلن عن تسجيل أكثر من 1000 حالة إدمان بالمخدرات في البصرة في السنوات الأخيرة، مؤكدا أن الأرقام هذه هي لشباب ومراهقين لم تتجاوز أعمارهم العشرين، وربما يكون عددهم أكثر من هذا حاليا في ضوء غياب الإحصائيات الحقيقية عن نسبة المتعاطين بالمخدرات لدينا.

ويؤكد المصدر الطبي أن موقع المدينة المجاور لدول مستهلكة ومنتجة جعل الأزمة تتفاقم، في ظل غياب المعالجات الواقعية من لدن السلطة المركزية، القضية التي دعت دائرة صحة البصرة لإطلاق حملة توعية ضد المخدرات، ضمن جهودها للقضاء على ظاهرة انتشار وتعاطي الحبوب والمواد المخدرة.

وقال مصدر في إعلام دائرة صحة البصرة إن “وزارة الصحة أطلقت حملات التوعية والتثقيف في الجامعات والمنتديات الشبابية هي الأولى من نوعها في المدينة، وانها تتعاون مع منظمة الصحة العالمية لتوفير ملصقات دعائية تظهر مضار المخدرات والحبوب المخدرة، وتعليقها في الشوارع الرئيسة والمستشفيات والمراكز الصحية”.

وبحسب آخر إحصائية للهيئة الوطنية العليا لمكافحة المخدرات، هناك أكثر من 7000 حالة إدمان في العراق، منها حالات إدمان على الحبوب المخدرة وبذلك يقول الدكتور عقيل الصباغ، مدير الصحة النفسية في دائرة الصحة بالبصرة إن “الحبوب المخدرة أُسيء استخدامها من قبل بعض الشباب فتعاطوها كمواد مخدرة رخيصة الثمن يسهل الحصول عليها”.

ويضيف الصباغ “المدمنون يستخدمون الحبوب المخدرة بدلاً عن المشروبات الكحولية، التي منعت في العراق مؤخرا، وذلك لسهولة الحصول عليها، حيث يأتي بها المهربون وتجار المخدرات عبر الحدود وتباع على الأرصفة والبسطات الشعبية”.

وتشير تقارير الشرطة إلى أن رجال عصابات تسليب السيارات التي عاودت أنشطتها في الآونة هم الأكثر في تعاطي الحبوب هذه، فهم يستخدمونها في تخدير ضحاياهم من سائقي السيارات الحديثة داخل المدينة وعلى الطرقات الخارجية فيما تؤكد السلطات الأمنية في المدينة إنها ضبطت أخيرا 58 كلغم من المخدرات في المنطقة الحدودية بالقرب من سفوان 60 لكم جنوب غرب البصرة.

ويؤكد تجار ومهربون، على حد سواء بين العراق وإيران، تفاقم ظاهرة تهريب العرق والخمور المستوردة من العراق إلى إيران مقابل تهريب الحشيشة والحبوب المخدرة من إيران للعراق، فيما تعمل الميليشيات المسلحة وبعض منتسبي الشرطة وقوات الحدود على تسهيل هذا النوع من التجارة مقابل رشى وأتاوات.

وفيما يلمس المواطن العادي يوميا أضرار الحبوب هذه بين سكان الأحياء الشعبية خاصة، تعتقد الحكومة المحلية بان ما تقوم به كاف لمنع الظاهرة هذه، وبذلك يقول رئيس اللجنة الأمنية في مجلس المحافظة علي لازم المالكي إن “القوات الأمنية والاستخبارية العراقية تتابع بصورة مستمرة موضوع انتشار ظاهرة الإدمان وتحاول التنسيق مع قوات الحدود لمنع تهريب المواد المخدرة إلى داخل الأراضي العراقية”.

وكانت الفترة التي فرضت المليشيات المسلحة سيطرتها على البصرة بين عامي 2006 – 2008 من أسوأ ما عانت منه وتعاني اليوم، بعد أن فرضت المجاميع المسلحة سيطرتها على المنافذ الحدودية البرية والبحرية وكانت لها سلطة مطلقة على الموانئ العراقية من خلال الاستفادة من الرسوم الجمركية على المواد الداخلة، ولم تفلح السيطرة الوهمية التي فرضتها السلطات الأمنية بعد صولة الفرسان قبل نحو عامين، بغلق المنافذ أو تحجيم دور المهربين، فالمدينة بحكم (السوق المزدهرة) للمخدرات اليوم بحسب العديد من التقارير.

بغداد والمحافظات الجنوبية

أعلنت مديرية شرطة محافظة النجف القاء القبض على متهمين بحوزتهم حبوب ومؤثرات عقلية وقالت المديرية في بيان لها، ان قسم شرطة مكافحة المخدرات يتابع متعاطي الحبوب المخدرة والمتاجرين بها ويتخذ اجراءات لمنع تعاطيها وتداولها والتجارة بها من اجل حماية المجتمع من اضرارها موضحة انه وبعد المتابعة والتحري القي القبض على متهم بحوزته كمية من الحبوب وعلى اثنين من متعاطي الحبوب والمؤثرات العقلية في اماكن مختلفة.

في السياق ذاته تمكنت مفارز قسم مكافحة المخدرات في الديوانية من إلقاء القبض على متهم مطلوب على وفق أحكام القرار 39 مخدرات.

وكذلك تمكنت مفارز مكتب مكافحة مخدرات الشطرة من إلقاء القبض على متهم وضبط بحوزته (177) قرصا مخدرا بمختلف الأنواع بعد نصب كمين محكم للمتهم والقبض عليه بالجرم المشهود أثناء قيامة بعملية فيما اصدرت محكمة جنايات ذي قار حكما بالسجن عشر سنوات بحق مدان ومصادرة أمواله المنقولة وغير المنقولة وذلك لارتكابه جريمة حيازة مادة الأفيون المخدرة بقصد المتاجرة.

يشار الى انه وبحسب إحصائية الهيئة الوطنية لمكافحة المخدرات فإن عدد المدمنين المسجلين هو 16 الفا بينهم أكثر من ألف طفل تتراوح أعمارهم بين (10-14) في محافظة بغداد لوحدها، في حين أكد التقرير الصادر عن الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة والمخدرات أن العراق أصبح ممرًا رئيسًا لتجارة المخدرات كونه يقع وسطًا بين الدول المنتجة والمستهلكة ومعلوم أن الدول التي تصبح معبرًا للمخدرات يتعاطى 10% من أبنائها تلكم الآفات المهلكة ويدمنون عليها.

متعاطو المخدّرات يتضاعفون

يكثر الحديث بين الناس عن ارتفاع عدد متعاطي المواد المخدرة يوما بعد يوم أعلن العميد جلال امين بك مدير مكافحة المخدرات في مديرية الاسايش في السليمانية في مؤتمر صحافي بداية شهر كانون الثاني (يناير) الماضي اعتقال (310) شخصا عام 2016 بتهمة تعاطي المواد المخدرة والاتجار بها مقابل اعتقال (150) شخصا عام 2015.

وأفاد العميد جلال بانه حتى انعقاد المؤتمر الصحافي صدر الحكم النهائي بحق (61) شخصا من الذين اعتقلوا في عام 2016، وحول عقوبتهم أكد العميد جلال انه صدرت بحقهم أحكام بالسجن تصل الى (15) عاما وتم إرسال (38) شخصا منهم الى المحاكم لفرض العقوبة عليهم.

وبالإضافة الى ارتفاع نسبة تعاطي المواد المخدرة والاتجار بها كشف جلال امين بك أيضاً عن انه بخلاف الاعوام السابقة فقد شهد عام 2016 انخراط النساء في العملية وكانت من بين المعتقلين عشر نساء وذكر انه على الرغم من ان تعاطي المواد المخدرة في اقليم كردستان لم يتحول الى ظاهرة، الا انه اذا استمرت النسبة في الارتفاع بهذا الشكل فان التعاطي سيتحول من حالة الى ظاهرة.

وعن اسباب ازدياد تعاطي المواد المخدرة واتساع الاتجار بها عزا جلال امين بك السبب الى توتر الاوضاع السياسية والاقتصادية في المنطقة وكردستان المعلومات التي اشار اليها المسؤول الأمني مثبتة عند المختصين وهي توحي بأن سوء الاوضاع السياسية والاقتصادية وتفشي البطالة من الأسباب التي تؤدي بالشباب الى الكآبة والتورط في تعاطي او الاتجار بالمواد المخدرة.

وكشف يادكار حاجي الباحث الاجتماعي في سجن اصلاح الكبار في السليمانية الذي يضم محكومي المواد المخدرة ومتهمين آخرين كشف ان قرب الحدود الإيرانية وسهولة تنقل الأجانب الى أراضي الإقليم سبب رئيس لاستمرار ارتفاع عدد متعاطي تلك المواد ويقدر عدد متعاطي المواد المخدرة في ايران باكثر من مليوني شخص الأمر الذي اعطى رواجا للتجارة في هذا المجال ونظرا لان إقليم كردستان لديه حدود شاسعة مع إيران فان المواد المخدرة تنقل اليه بسهولة عبر طرق التهريب.

وقال د. خالص قادر المتحدث باسم وزارة الصحة في إقليم كردستان لـ”نقاش” حول المعلومات التي اعلنتها الآسايش “لا علم لنا بالأرقام والنسب التي أعلنتها الآسايش في السليمانية حول تعاطي المواد المخدرة والاتجار بها ولكن الوزارات جميعها تحاول وضع خارطة طريق”.

النسب والارقام التي أعلنتها الآسايش في السليمانية تشمل تعاطي المواد المخدرة والاتجار بها داخل مركز المدينة فقط، اما إدارتا كرميان ورابرين والمناطق الاخرى ضمن حدود المحافظة فلديها ارقام ومعلومات خاصة بها هذا فضلا عن محافظات أربيل ودهوك وحلبجة التي يجري الحديث فيها عن ارتفاع عدد المتعاطين دون تأكيد ذلك بإحصاءات رسمية.

المسؤول الأمني في السليمانية تحدث ايضا عن تفشي تلك الحالات في محافظات كردستان الأخرى وقال: “لقد تم الاستيلاء على حقل للمواد المخدرة في حدود محافظة اربيل كما تم إلقاء القبض على شخصين تركيين كانا يزرعان الحقل”.

وحول أنواع وأساليب تعاطي تلك المواد قال جلال امين بك ان “التعاطي والاتجار بمادة الحشيش هو اكثر الانواع تفشيا لأنها مادة رخيصة وبالإمكان الحصول عليها بسرعة كما ان تعاطيها يتم بطريقة سهلة وهي اخطر المواد في الوقت نفسه اذ يسبب متعاطيها إزعاجا لمن حوله”.

فئات التعاطي وأوضاعهم الاجتماعية

يشكّل الشباب الغالبية العظمى من المتعاطين للمخدرات والمؤثرات العقلية في المحافظات الثلاث، إذ بلغت نسبتهم (91.2%) من الموقوفين. وينتمي قرابة 38% من هؤلاء الشباب إلى أسر فقيرة، فيما يتوزع المتبقون منهم على أسر فوق خط الفقر بقليل 57%، مع الأخذ بالحسبان أن معظم أسر المتعاطين ذات كثافة عددية إذ يرتفع عدد أفراد الأسرة على (5) أفراد.

وأظهرت المشاهدات الميدانية أيضاً أن المتعاطين في الغالب هم من منخفضي التعليم، إذ يكون 87.1% منهم ذوي تعليم ابتدائي فما دون، في حين كانت المستويات التعليمية للآباء والأمهات أقل من مستوى تعليم الأبناء، أي إن المتعاطين هم في الغالب من أسر تعاني الجهل والأميّة.

ويسكن أغلب المتعاطين في مناطق فقيرة ضمن مراكز المدن والأقضية، وإن ثلثي المتعاطين الموقوفين على ذمة التحقيق وبنسبة 67% يعملون بأعمال حرة، فيما شكّل 23% منهم من العاطلين عن العمل.

أضف على ذلك كله أن أكثرية أسر المبحوثين لا تمتلك منزلاً خاصّاً بها وبنسبة بلغت 65.4%.

وأظهرت نتائج الحوارات والمشاهدات مع هؤلاء المتعاطين أن الكثير منهم يعاني شعوراً متزايداً بالضياع والخوف من المستقبل، وعدم جدوى حياتهم، وغيرها من المشكلات النفسية التي قد تجعلهم يهربون إلى المخدرات مرة أخرى فيما لو سنحت لهم الفرصة لذلك.

ومن الملاحظ عدم وجود أي مركز صحي متخصّص في محافظتي ميسان وذي قار لمعالجة المتعاطين. أما في البصرة ففي مستشفاها المركزي هناك ردهة واحده ذات (22) سريراً، بدت غير فاعلة أو كافية لعلاج المدمنين.

وفي الوقت نفسه فإن المحافظات الثلاث تشهد انعداماً شبه كلي للمختصين الفاعلين في علاج هذه الحالات (في العمارة متخصص واحد فقط وفي البصرة لا يتجاوزون 10 أشخاص)؛ وبذلك فإن هناك حاجة حقيقية للتدخل لحل مشكلة المخدرات تشترك به مجموعة من الجهات ولعل أهمها (الحكومية الاتحادية، والحكومات المحلية، والأجهزة الأمنية، والقضائية، والدينية، والإعلامية، ومنظمات المجتمع المدني، والعشائر، والمجتمعات المحلية، والمختصين في مجال علم الاجتماع، وعلم النفس، والتربية، والتنمية، وغيرها من التخصصات). [https://m.annabaa.org]

7 – الاتجار بالبشر (البضاعة الناعمة)

   مرة أخرى تُكشف معلومات صادمة، تتعلق باستغلال فئات من المواطنين من قِبل شبكات إجرامية واسعة النفوذ والانتشار في العراق.

هذا البلد يعاني باطراد، منذ سقوط نظام الحكم السابق في 2003، مشاكل عديدة؛ جعلته يقف بين صدارة البلدان التي تعيش شعوبها حياة سيئة؛ بحسب تقارير عالمية متخصصة.

من بين أبرز المشاكل التي تزداد سعتها في العراق، ظهور شبكات تمتهن استغلال الأطفال في التسول، وتجارة الأعضاء البشرية، واستدراج النساء للعمل ضمن شبكات الدعارة.

المرصد العراقي لضحايا الاتجار بالبشر، وهو مرصد حقوقي مستقل، قال بتقرير له صدر في 28 يوليو الماضي، إنه وثَّق في الفترة المحصورة بين (1 فبراير 2019–1 يوليو 2019)، وجود 27 شبكة اتجار بالبشر و6 انتهاكات تتعلق بالاتجار أيضاً في بغداد ومحافظات عراقية أخرى.

وأوضح التقرير أنه بحسب المعلومات التي حصل عليها المرصد عبر موثِّقيه المنتشرين في مختلف المحافظات العراقية، فإن معظم شبكات الاتجار بالأعضاء البشرية تتخذ من إقليم كردستان ملاذاً آمناً في ممارسة جرائمها؛ من خلال استدراج الضحايا وسرقة أعضائهم.

وقال إن سبع شبكات تتخذ من محافظة السليمانية (شمالي البلاد) مقراً لها، وتستدرج الضحايا بواسطة سماسرة ينتشرون في محافظات عراقية مختلفة ويديرون حسابات وصفحات وهمية على موقع فيسبوك.

وأضاف أن تسع شبكات أخرى مرتبطة بعضها ببعض، تعمل على استدراج المراهقين والمشردين داخل محافظات أربيل ودهوك وكركوك (شمال)، لكي تنتزع منهم الأعضاء البشرية المطلوبة، وتبيع الأعضاء بمبالغ طائلة.

المرصد أشار في تقريره إلى أنه وثق خمس شبكات جريمة منظَّمة تمتهن الاتجار بالنساء، لا سيما الفتيات القاصرات في بغداد وإرغامهن على ممارسة البغاء.

وبحسب التقرير، تعمل تلك الشبكات على استخدام أنماط حديثة على شبكة الإنترنت للإيقاع بالفتيات، من خلال الاتصال بهن وتقديم وعود وهمية لهن بالزواج، بهدف توريطهن في سلوكيات جنسية.

المرصد أظهر أنه وثَّق ثلاث شبكات تدير مجموعات من الأطفال والنساء، وتستخدمهم للتسول في أزقة محافظة كركوك وشوارعها، بالإضافة إلى شبكتين أخريَين تعملان في المجال ذاته، إحداهما بمحافظة الديوانية (جنوب)، والأخرى في بابل (وسط).

تورط جهات سياسية نافذة

ضابط كبير عمل في وزارة الداخلية العراقية على مدار ثلاثين عاماً، كشف أن سر انتشار شبكات الاتجار بالبشر يكمن في حماية أحزاب سياسية نافذة لها، وتحقيق فوائد مادية من وراء هذا الأمر.

الضابط الذي عمل مديراً لإحدى مديريات مكافحة الإجرام في العاصمة العراقية قال لـ”الخليج أونلاين”، طالباً عدم الكشف عن هويته: إن “المشكلة بدأت عام 2005، عندما تمكن جيش المهدي من إحكام السيطرة على بغداد، وأغلق أتباعه الملاهي والبارات وبيوت الدعارة، وتم تحويل العاصمة إلى صورة تقترب من صورة المدن التي أحكم داعش سيطرته عليها”.

وجيش المهدي يُعتبر أول مليشيا ظهرت بالعراق عقب غزوه في 2003، وأسسه الزعيم الشيعي مقتدى الصدر.

وأضاف المسؤول الأمني السابق: إن “الملاهي والنوادي الليلية التي كانت تعمل في ظل القانون وبشكل منظم وتحت أعين الدولة، اضطرت إلى البحث عن سبل للقيام بأنشطتها والعودة إلى سوق العمل”.

وأوضح أنها “لم تجد من سبيل إلى ذلك سوى الحصول على حماية مليشيا موازية لجيش المهدي، وفي ظل الفساد الذي ضرب البلد طولاً وعرضاً، لم تجد صعوبة في العثور على مبتغاها”.

وأكد المصدر في حديثه لـ “الخليج أونلاين”، أن مليشيا معروفة بسطوتها في البلاد وتتبع حزباً دينياً واسع النفوذ، هي التي توفر الحماية للنوادي والملاهي الليلية منذ سنوات.

المسؤول الأمني ذكر أنه أُحيل إلى التقاعد رغم عدم بلوغه السن القانونية، وتهديده بأن تلفَّق له تهمة المشاركة في الإرهاب، بسبب سعيه إلى أن يوصل معلومات حول ارتباط تلك المليشيات بتلك الأماكن، واستغلالها في تجارة البشر.

وتابع يقول: إن “المليشيا التي وفَّرت الحماية للملاهي والنوادي وتجار الخمور، اكتشفت أنها وقعت على مصدر استثماري يدرُّ أموالاً أكثر من تلك التي تدرها آبار النفط التي تسيطر عليها الأحزاب، لذلك وسعت هذه المليشيا عملها في الأعوام التالية من الحماية إلى المشاركة المباشرة في هذه الصناعة”.

وأشار إلى أن “شبكة الأعمال الإجرامية هذه بدأت بالتوسع خارج العاصمة بعد عام 2011، وشهدت المحافظات العراقية عملاً منظماً على غرار ما جرى في بغداد”

واشنطن توثق وساسة يفضحون

     كانت الولايات المتحدة الأمريكية وما تزال لاعباً بارزاً في الساحة العراقية، وهي على دراية تامة بما يجري في ملف الاتجار بالبشر، بحسب المصدر.

ولفت الضابط السابق الذي كان يدير إحدى مديريات مكافحة الإجرام في العاصمة العراقية، النظر إلى أن “قوات الاحتلال الأمريكي كانت على دراية واسعة بعمل الشبكات الإجرامية، والحزب السياسي الذي يحميها”.

وأضاف لـ”الخليج أونلاين”: “لذلك طالب تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية بمحاسبة ومحاكمة عدد من المسؤولين العراقيين المتورطين في الاتجار بالبشر، بعد أن وضع العراق في المستوى الثاني للمراقبة”.

وكانت وزارة الخارجية الأمريكية أصدرت تقريراً بشأن الاتجار بالبشر، في يوليو 2018، قالت فيه: إن “العراق لا يلتزم بالحد الأدنى من معايير مكافحة الاتجار بالشر”. وأوضحت أنها “قامت بمساعٍ مهمة لمحاكمة ومعاقبة عدد من المسؤولين المتورطين في الاتجار بالبشر”.

وبحسب التقرير فإن “العراق ما زال في المستوى الثاني للمراقبة للسنة الثانية على التوالي، على الرغم من أن الحكومة العراقية حددت ضحايا الاتجار بالبشر، لكن هناك قصوراً في الإجراءات الحكومية بهذا المجال”.

في السياق ذاته يمكن الإشارة إلى الأزمة التي أثارها نواب عراقيون العام الماضي، عارضوا قرار منع بيع واستيراد الخمور، الذي أصدره مجلس النواب في أكتوبر 2016، حيث كشفوا في مؤتمر صحفي أن القرار تقف وراءه أحزاب شيعية ترعى عدداً من الملاهي الليلية.

وقال النائب فائق الشيخ علي، في المؤتمر: إن “أحزاباً شيعية تقوم بحماية الملاهي والبارات وصالات لعب القمار مقابل مبالغ من المال”.

ولفت الشيخ علي الانتباه إلى أن “سبب حظر بيع الخمور يأتي لأن الخشخاش يزرع بالعراق وتحديداً في المحافظات الجنوبية، التي يتم استيرادها من إيران، وأن عمليات زرع نبتة الخشخاش المخدرة في مناطق الجنوب يعد أحد أسباب منع الخمور”.

إجرام عابر للحدود

    النقيب آزاد جندياني، الذي يعمل في إعلام وزارة البيشمركة، في إقليم كردستان العراق، نفى بشدة صحة ما ورد في تقرير “المرصد العراقي”، الذي ذكر فيه أن معظم شبكات الاتجار بالبشر الـ27 التي وثقها تتخذ من الإقليم ملاذاً آمناً لها.

وأشار إلى أن الأجهزة الأمنية في الإقليم نبهت الحكومة المركزية في مخاطبات رسمية إلى وجود هذه الشبكات في بغداد؛ وأنها لا تقتصر في فعلها الإجرامي على العراق بل تتعداه إلى التعاون مع شبكات في المحيط الإقليمي.

وقال جندياني في حديثه لـ”الخليج أونلاين”: إن “استتباب الأمن من أهم العناصر التي تميز الحياة في إقليم كردستان، وهذا الأمر شكل عنصر جذبٍ للأخوة من كافة أنحاء العراق؛ لذلك نجد رجال الأعمال والأطباء والوزراء والبرلمانيين السابقين وغيرهم، يتخذون من أربيل والسليمانية ودهوك ملاذاً آمناً لهم ولعوائلهم”.

واستدرك بالقول: إن “الإجراءات الأمنية الشديدة حصنت الإقليم من كل أشكال الإجرام والإرهاب، وقد شهد العالم كله كيف كشفت أجهزة الأمن ملابسات اغتيال القنصلي التركي الشهر الماضي، وخلال أسبوع واحد تم القبض على الجناة”.

جندياني أشار إلى أن “مثل هذه الشبكات لن تكون قادرة على ممارسة أعمالها في حدود الإقليم؛ لأنهم ببساطة يعلمون تماماً قدرات الأجهزة الأمنية”، مبيناً أن “ذلك لا يعني أن مثل هذا النوع من الجرائم غير موجود، لكن ليس بهذه الضخامة التي صورها التقرير”.

وأكد أن “الاتجار بالأعضاء البشرية هو من أكثر الأمور التي ترصدها سلطات الإقليم؛ بسبب وجود عدد كبير من المشافي والمراكز الصحية المتطورة التي يقصدها مواطنون من كل أنحاء العراق؛ لذلك سعينا لوضع ضوابط صارمة في إجراءات التبرع بالأعضاء البشرية، لا سيما الكلى التي تعد من أكثر الأعضاء طلباً في عموم العراق”.

وختم جندياني حديثه بتأكيد أن شبكات الاتجار بالأعضاء البشرية هي الأكثر توسعاً في عملها الإجرامي بالعراق.

وقال بهذا الخصوص: إن “أعمال هذه الشبكات تجاوزت العراق، ووصلت إلى دول الجوار، حيث بدأ السماسرة يغطون الطلب في إيران وتركيا”، مستطردً أن “هناك تعاوناً وثيقاً بين شبكات عراقية وأردنية لتغطية الطلب في “إسرائيل”، حيث يتم ذلك عبر إجراءات معقدة على جانبي الحدود، وبكلف كبيرة لا يصل منها للمتبرع سوى القليل”.

البضاعة الناعمة

وكان “الخليج أونلاين” كشف في تقرير نشر في 14 يناير 2018، أن قطاعاً من العراقيين يضطرون إلى بيع أعضائهم البشرية لشبكات الاتجار بالأعضاء بسبب الفقر والعوز.

ومن خلال مقابلات مع مواطنين، ومصادر طبية وأمنية، تبين أن “الكلى” تباع عن طريق الأطباء والسماسرة الذين يتعهدون للمرضى المصابين بالفشل بإحضار من يرغبون في بيع كلاهم، وأن هذه العملية أصبحت تجارة مربحة لسماسرة بيع الأعضاء البشرية داخل بعض المستشفيات.

من الجدير ذكره أن اتساع ظاهر الاتجار بالبشر في العراق بعد عام 2003 دفع مجلس النواب العراقي إلى تشريع قانون مكافحة الاتّجار بالبشر رقم 28 لعام 2012.

وبحسب القانون، فإن الاتجار بالبشر هو كل عمل يقصد به تجنيد أشخاص أو نقلهم أو إيواؤهم أو استقبالهم بوساطة التهديد بالقوة، أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو استغلال السلطة، أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سلطة أو ولاية على شخص آخر؛ بهدف بيعهم أو استغلالهم في أعمال الدعارة أو الاستغلال الجنسي أو السخرة أو العمل القسري أو الاسترقاق أو التسول أو المتاجرة بأعضائهم البشرية، أو لأغراض التجارب الطبية.

وعلى الرغم من إقرار هذا القانون ووضع آليات مراقبة ومحاسبة له، فإن الواقع يشير إلى استمرار انتشار وازدهار هذه التجارة، التي تسمى بـ”البضاعة الناعمة” في العراق. [https://alkhaleejonline.net]

عناوين شتى وتسميات كثيرة للاتجار بالبشر في العراق، نساء وأطفال يستعبدون ويستغلون ويباعون ويشترون، وكأن الزمان يعود بالإنسان إلى العصر السحيق للاستعباد والرق، كما يقول مراقبون.

وقد أصدر المرصد العراقي لضحايا الاتجار بالبشر تقريره الخاص لشهر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، يوثق فيه 13 جريمة اتجار بالبشر في بغداد والمحافظات، ما بين استغلال للأطفال في ظاهرة التسول في التقاطعات والأسواق، وتجارة الأعضاء البشرية، واستدراج النساء للعمل ضمن “شبكات الدعارة”.

المرصد أكد أن الأطفال ممن دون السادسة عشرة والنساء، يمثلون ثلثي ضحايا نوفمبر/تشرين الثاني.

وأشار المرصد إلى أن سماسرة وتجارا وشخصيات نافذة في الحكومة متورطة في إيقاع الضحايا في شباك الاتجار، مستغلة بذلك نفوذها في مؤسسات أمنية.

ووثق المرصد ثلاث شبكات للاتجار بالبشر في بغداد، تعمل على استدراج الضحايا من خلال صفحات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، يديرها سماسرة يقتنصون ضحاياهم بأساليب تنطوي على نصب واحتيال، لانتزاع أعضائهم مقابل مبلغ مالي يصل إلى 7-10 ملايين دينار عراقي (حوالي 6-8 آلاف دولار)، لا يحصل الضحية منها سوى على 10%.

ويتعهد من يسمي نفسه “المعتمد الطبي” بتوفير أوراق ثبوتية مزورة وولي أمر غير حقيقي، لضمان عبور اللجنة الخاصة بنقل وزرع الأعضاء، التي تأخذ في الغالب رشى مالية تبلغ 3-5 ملايين دينار عراقي، أما ما يخص استغلال النساء في الدعارة فيكون ذلك بمبالغ مالية كبيرة.

إجراءات وقائية

ونتيجة اتساع ظاهر الاتجار بالبشر في العراق بعد عام 2003، سارعت السلطات الحكومية إلى إصدار قانون مكافحة الاتّجار بالبشر رقم 28 لعام 2012 الذي أقرّه البرلمان العراقي. وعلى الرغم من إقرار هذه القانون ووضع آليات مراقبة ومحاسبة له، فإن الواقع يشير إلى انتشار هذه التجارة التي تسمى بالبضاعة الناعمة في العراق.

فقد أكد الناطق باسم وزارة الداخلية اللواء سعد معن، إلقاء القبض على خمس متهمات ومتهم واحد يتاجرون بالبشر، بالجرم المشهود داخل أحد المنازل وسط بغداد هذا العام.

ووفقاً لإحصائية أوردها مجلس القضاء العراقي، فقد جاءت العاصمة بغداد في المرتبة الأولى في جرائم الاتجار بالبشر، تليها محافظات أخرى مثل أربيل والسليمانية والديوانية وبابل.

وكانت السلطات العراقية كشفت في نهاية عام 2017 عن إجراء تحقيقات في 266 حالة اتجار بالبشر، مؤكدة أنها أقل مما كانت عليه عام 2016 حيث بلغت 314 حالة.

أسباب الانتشار

وثمة أسباب كثيرة لانتشار الاتجار بالبشر، منها الإفلات من العقاب، ووجود سماسرة يمتهنون هذه التجارة، وأسباب أخرى اقتصادية ضاغطة.

كل هذا يعقد المسألة بحسبما صرحت منظمة هيومن رايتس ووتش المعنية بحقوق الإنسان، والتي ربطت الانفلات الأمنيّ والفساد المستشريّ في البلاد بالاتجار بالبشر.

وحذرت التقارير الدولية والأممية من تنامي ظاهرة الاتجار بالبشر، وكان أخر التحذيرات وضع العراق في المستوى الثاني للمراقبة للسنة الثانية على التوالي، بحسب تقرير وزارة الخارجية الأميركية في يونيو/حزيران 2018.

تقرير الخارجية الأميركية وعد بمحاسبة ومحاكمة عدد من المسؤولين العراقيين المتورطين في الاتجار بالبشر، فضلا عن عقوبات سياسية واقتصادية وعسكرية من المزمع أن تفرضها الولايات المتحدة على العراق في حال عدم وضع معالجات لهذه التجارة.

ومعظم الحالات – سواء في العالم الافتراضي أو الواقعي – تشير إلى أن أماكن هذه التّجارة تتركز في المناطق الفقيرة، من دور التجاوز والمستشفيات وبيوت الدعارة ومناطق الغجر.

المعالجة
وعن آلية المعالجة، يرى عضو المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق فاضل الغراوي أن الاتجار بالبشر استشرى في عامي 2017 و2018، محذرا من تداعيات ذلك على المجتمع العراقي.

وتحدث الغراوي عن تفعيل الجهات الأمنية والجهد الاستخباري ومكافحة هذه الظاهرة عبر متابعة منظمات الجريمة والتفاعل الإيجابي بين العراق وجيرانه، بالإضافة إلى الاستعانة بجهود وكالات الأمم المتحدة التي تعاملت مع ظاهرة الاتجار بالبشر.

كما شدد على ضرورة وجود حملة إعلامية تثقيفية لمنظمات المتجمع المدني، مع أهمية إنفاذ القانون على الجميع وفرض عقوبات مالية.

وبحسب مراقبين، لم يكن تشريع قانون مكافحة الاتجار بالبشر من قبل البرلمان العراقي كافيا، ولا سيما أنّه لم يلزم وزارة الداخلية بدعم كبير لهذا القانون، كما لا يوفر أرضية مناسبة تكافح أسباب الجريمة اقتصاديا، بل اكتفى بوضع تعريفات وعقوبات غير كافية. [https://www.aljazeera.net]

8 – المحاصصة السياسية (مقبرة للكفاءات) و (التخادم الحزبي)

   تتبدل أحوال الشعوب والدول عبر الزمن تبدلا قد تكون السياسة سببه الرئيسي، كما حصل للعراق بعد الغزو الأميركي عام 2003، إذ لعبت السياسة دورها بتدهور الأوضاع في مشهد تعمه الفوضى، بحسب عضو البرلمان العراقي طالب المعماري.

 وفي حديث للجزيرة نت، عزا النائب ذلك إلى ولادة المحاصصة التي غابت عن النظام السابق لتظهر بدخول مفاجئ أساءت به لعموم مؤسسات البلاد، مستشهدا بالرئاسات الثلاث التي باتت عرفا سياسيا يتسلم به الكرد رئاسة الجمهورية، والعرب الشيعة رئاسة الوزراء، وتذهب رئاسة مجلس النواب للعرب السنة.

 واعتبر المعماري المحاصصة ذات انعكاسات سلبية ضاعفت مأساة الوضع العراقي كثيرا عن سابقه، فأفقدته صفة الاستقرار.

المخالفة الدستورية

ولم يذهب نائب المدعي العام في محكمة جنايات أربيل (شمالي العراق) القاضي عبد الستار رمضان بعيدا، بتأكيده عرفية المحاصصة سياسيا.

وتحدث رمضان عن عدم وجود أي سند دستوري أو قانوني لنظام المحاصصة في العراق، وبهذا فهو خرق دستوري ولّد ما أسماه بمقبرة للكفاءات، بسبب تقديم غير الأكفاء بل ربما الجهلة لقيادة المناصب السيادية.

وبين أن المادة 14 من الدستور العراقي لعام 2005 نصت على المساواة بين العراقيين دون التمييز لدين أو مذهب أو عرق أو قومية.

وعاب رمضان النظام السياسي في العراق الذي يقوم على محاصصة الرئاسات الثلاث والمناصب الوزارية وعضوية مجلس النواب وأعضاء الهيئات المستقلة، كهيئة الانتخابات والنزاهة والرقابة المالية، مشيرا إلى أن ذلك يعد مخالفة واضحة للمواد 49 و68 و77 و102 من الدستور، والتي خلت من أي نص عن المحاصصة.

وأضاف أن النظام القانوني في العراق يشترط لتعيين الموظف أن يكون عراقيا كامل الأهلية، ولم يشترط المحاصصة فيه.

ويواصل رمضان حديثه قائلا إن المحاصصة فرضت على العراق وأساءت له، كما أنها تطبيق مشوه للديمقراطية والاستحقاق الانتخابي الذي يجب أن يكون عبر صناديق الاقتراع لا المحاصصة والتوافقات، فمنعت المحاصصة الكتل والأحزاب السياسية من تقديم الأفضل والأنزه من الشخصيات للمناصب القيادية.

ويختم قوله مشددا على ألا وجود للمحاصصة قانونيا سوى ما أشارت إليه المادة 9 (أ)، والتي جاء في نصها: “تكون القوات المسلحة العراقية والأجهزة الأمنية من مكونات الشعب العراقي، بما يراعي توازنها وتماثلها دون تمييز أو إقصاء، وتخضع لقيادة السلطة المدنية وتدافع عن العراق، ولا تكون أداة لقمع الشعب العراقي ولا تتدخل في الشؤون السياسية ولا دور لها في تداول السلطة”.

التخادم الحزبي

   ويعزو الكثير من المطلعين على المشهد السياسي العراقي تدهور الأوضاع عموما إلى المحاصصة التي أضعفت أداء مؤسسات الدولة، كونها ابتعدت عن المعايير الصحيحة في إسناد الوظائف المهمة بالدولة إلى مستحقيها كما أشار رمضان، وهو ما أكده المحلل السياسي العراقي هشام الهاشمي في حديثه للجزيرة نت. واعتبر الهاشمي أن المحاصصة شجعت الأحزاب على اسـتغلال تخصيصات موازنة الدولة ليغرق الكثيرون في الفساد من خلال تصرفات لجان المشتريات ولجان التعاقد في العقود الخارجية والداخلية، إضافة إلى استغلال طابع التخادم الحزبي لبعض المؤسسات مما جعلها في منأى عن الرقابة، لتتفاقم بها حالات فسـاد جعلت البرلمان العراقي الأسوأ عبر التاريخ. وأشار إلى وجود علاقة بين المحاصصة والفساد المالي والإداري وهدر الأموال التي ترصد في الموازنات الحكومية العامة، وأن هذه العلاقة طاردة للاستثمار، ومتسببة في توسيع الفجوة بين فئات المجتمع. [https://www.aljazeera.net]

      كتب عن هذا الأثر الدكتور هاشم الهاشمي الذي قال: بعد أكثر من ستة عشر عامـاً مـن التنافس المتواصـل بين الفرقـاء العراقيين، جـاءت انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) 2019 لــتعلن بداية فــترة الوعي الشعبي من أجل العدالة والكرامة والديمقراطية، والسعي بالعراق لمرحلـة بنـاء المؤسسـات الوطنية الدائمــة التي مــن المفــترض أن تعيــد بنــاء الدولة المنهارة. ورغم أهمية هذه الانتفاضة التاريخيـة، فإن إزاحة المحاصصة لا تزال تمثـل تحـدياً حقيقيـاً أمـام أي برامج حكومية جديدة، بالإضافة إلى إصرار قادة الكتل والأحزاب وأمراء الفصائل على تنفيذ المحاصصة السياسية والطائفية والقومية. وتواجه الدولة العراقية اليــوم، بالإضافة إلى مشكلة المحاصصة وما نجم عنها من تهميش وإقصاء للكفاءات وتهجير للعقول وحروب داخلية بـين شركـاء الـوطن واللغـة والدين، موجات التشدد الديني التي تطورت وتعقدت بسبب المحاصصة التي قام بسببها نظام فاشل، وتمظهـرت في بعـض جوانبها على هيئة بروز جماعات عنف أفقدت الـبلاد الأمن والاستقرار، وهو ما يمثل تحـدياً يواجـه كل حكومة، فالنضــال مــن أجــل العدالة الاجتماعية والتنميــة في العراق اليــوم يأخذ مســارين: مســار القضــاء عــلى المحاصصة السياسية وآثارها، وبناء دولـة القـانون التـي تقـوم عـلى المساواة بين المـواطنين وتحقيـق العدالـة الاجتماعيـة. ومسار احتكار السلاح بيد الدولة. وينتشر السلاح في محافظات العراق كافة؛ سواء على أسـاس مزاعم دينـية كالفصائل المسلحة، أو على أساس مزاعم عشائرية كسلاح العشائر التي أصبحت في المحافظات الجنوبية دولة داخل دولة.

تطــور دور المحاصصة إلــى المشــاركة فــي كل تفاصيل العمليــة السياســية، وحتــى لو كان ذلك لمصلحــة سلمية الــدولة، فقــد قامــت الأحزاب المسيطرة المنتفعة من المحاصصة، باستثناءات خاصة لها، أصبحت تشكل تهديـداً للهويــة الوطنية، وتقدم مصلحة الهويات الفرعية وتحالفــاتها العصبيــة أو الطائفيــة أو القومية على المصلحة العامة. وظلــت التوازنــات مــع المحاصصة مكونــاً أساسياً فــي النظام السياسي بعد 2003. وليــس ســراً تزوير الانتخابــات بسبب المحاصصة والسلاح السائب الحارس لها لــدى بعــض الفصائل والعشائر العراقية لفرض مرشــحيها فــي الانتخابــات البرلمانية والمحلية، بحيــث يلتــزم المنتمــون إلــى العشيرة والقرية بتأييــد مرشــحهم. ويحــدث ذلــك بغــض النظــر عــن برنامــج المرشــح السياســي؛ كمــا يتجلــى دور المحاصصة فــي حــالات الاستقطاب السياســي أو الطائفي أو القومي. وعــلى المســتوى الاقتصادي باتت ثروات العراق غنيمة تطمع فيها القوى الإقليمية والدولية. وبــات للمحاصصة السياسية رعاة من خارج العراق لهم دور محوري منذ إسقاط نظام صدام حسين عام 2003. وبعد انهيار الدولـة، تـدخلت دول الجـوار في الشــأن العراقي بشــكل مبــاشر وغــير مبــاشر، فتدخل إيران وسوريا في الشـأن العراقي أمنياً وسياسياً واقتصادياً كــان لــه تــأثيره الســلبي خلال السنوات الماضية. ولم تسعَ أحزاب المحاصصة السياسية في العراق التي تسلمت السلطة بعد الاحتلال الأميركي إلى إعادة بناء الاقتصاد العراقي، رغم توفر موارد مالية كبيرة، وبدلاً من ذلك تحول الاقتصاد إلى ريعي، نتج عنه نهب ثروات العراق من قبل قيادات النخب الحاكمـة، وانتشار الفساد المالي والإداري وتفاقم البطالة والفقر وتردي مستوى الخدمات.

أما وجود إدارات تنصبت بالمحاصصة في مجال إدارة الدولة وفي جميـع المجـالات، فقد أثر سـلباً عـلى سير العملية السياسية والأمنية والاقتصادية؛ سواء كان موقفاً أو قراراً أو تشريعاً، لأن الاختيار لشغل منصب ما للأسف يتم حسب الانتماء السياسي، أو النسب، بغض النظر عن المؤهلات العلمية، أو العملية، ففي هذه الحالة لن يخدم محيطـه ولـن يفكر في الولاء للعراق. إن احترام مبدأ سيادة القانون والعدالة الاجتماعية يحتاج لتوافر الخـبرات والمهـارات الجيـدة لإعـداد دراسـات تحليليـة لتحديـد إيجابيات وعيوب كل بديل من أجل اتخاذ القرار الذي يساعد في تقليل الفساد وتعطيل المحاصصة بتغليب المصلحة الوطنية على الشخصـية.
   المحاصصة السياسية أضعفت قانون الدولة، وتمددت في إضعاف مؤسساتها بمساعدة عوامل أخرى، فكثير من الوزارات والمؤسسات تقع حالياً تحت سلطة الأحزاب السياسية وفصائلها المسلحة، وأيضاً هناك مناطق كبيرة في شمال وغرب العراق تقع تحت سلطة الفصائل غير النظامية وتطلق عليها مناطق محررة، أو تحت سيطرة المكاتب الاقتصادية صاحبة السلاح التي تفرض سلطتها عند تقاسم المشاريع والمقاولات والموازنات. بسبب تعرض الدولة للمحاصصة أصبحت الإدارات غير قادرة على العمل وفق القانون أو تقويم الاعوجاج أو الانحراف كما كان في الماضي. وأصبحت تقف عاجزة أمام إقناع الفصائل المسلحة واستمرار الحكومة في دفع الأموال والاستثمارات من أجل كسب هدوء تلك الفصائل، الأمر الذي شجع على استمرار الجرائم وأعمال العنف.

ومن الملاحظ أن تقاسم الثروات والسلطات وفق المحاصصة أصبح يدار من داخل مكاتب الأحزاب المسيطرة ومن قبل نافذين في الدولة، لا مانع لديهم في الوصول إلى السلطة على حساب مصالح أهلهم. إن أحد أكثر أسباب الفساد هو التطلع للسلطة عن طريق المحاصصة. لقد أصبحت المحاصصة الحزبية والطائفية صاحبة الصوت الأعلى في توزيع فرص العمل. وهذا رغم أن المجتمــع العراقي فــي معظــم مدنه أصبــح أقــرب إلــى المجتمعــات المدنية، إلا إن بعــض أريافه ما زال تحكمه الأعــراف والعشيرة التي تتشبث بقوة بعُرْف المحاصصة.

عُرْف المحاصصة في تقاسم السلطة والثروة أنتج طبقة مستثمرة في الفساد من أجل الاستدامة، لذلك تسعى لاستمرار الأزمات والنزاعات الداخلية باصطناع الفتن وبغيرها من الوسائل. ان كثيراً من الباحثين والمراقبين كانت لهم مقترحات لتجاوز عقدة المحاصصة، منها:

أ – إعمال الحوكمة الحقيقية مع الديمقراطية.

ب – إعادة النظر في قانون مفوضية الانتخابات ونزاهتها.

ت – تفعيل قانون العمل وتسنّم المناصب الخاصة حسب المهنية والضوابط القانونية، وإعادة الأهلية لمؤسسات الدولة وإلى سابق عهدها بسلطاتها وهيبتها وحيادها.

ث – أن تترك الأحزاب السياسية المسيطرة للشعب سيرورته الوطنية بحيث تنحسر المحاصصة ثم تنتهي تدريجياً بزحف وسائل وظروف الديمقراطية الوطنية.
ج  – أن تكف الحكومة عن تسييس المناصب الخاصة دون الوزارة.

ح – احتكار سلاح الفصائل بيد الدولة ونزع سلاح العشائر وتقوية القوات النظامية وتكثيف نشرها في مناطق التوتر والنـزاع.

خ – أن ترتفع الأحزاب السياسية إلى مستوى المسؤولية الوطنية وتضع في أولوية برنامجها السياسي بناء مؤسسات الدولة وتقويتها؛ بأن تركز في برامجها على المشاريع والتنمية وليس على المناصب، وذلك من أجل تحقيق تغيير اجتماعي حقيقي وصناعة وعي وطني شامل يقضي على المحاصصة والفساد. [https://aawsat.com]

9 – منع تطبيق المبادئ الديمقراطية

   يعني جوهر الديمقراطية ان المواطنين المتساوين في الحقوق هم مصدر شرعية الحكم حيث تحكم الأغلبية من خلال ممثلين وصلوا الى سدة الحكم عبر انتخابات عامة حرة وسرية تجري بصورة دورية ويضعون قوانين نابعة من رؤيتهم للتطبيق في المجتمع ومتى ما بدا للمجتمع ان هذه القوانين تحتاج الى تغيير غُيرت بطرق متعارف عليها. وتقوم الديمقراطية على مبدأ فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وعلى دستور فوق السلطة ان يقر بتساوي المواطنين في الحقوق والواجبات وقدسية القضاء ويحضر الغاء النظام الديمقراطي نفسه والديمقراطية تكفل حرية التعبير وحقوق الانسان وكرامته وحرية التنظيم وتكوين الأحزاب والنقابات والجمعيات وحقها في المنافسة من أجل الوصول الى السلطة.

    هذا مجرد تعريف اولي أدلف الى ما حصل في العراق بعد عام 2003 وما أفرزته ثقافة الفساد. حيث أدعى الاحتلال الأمريكي بإنه سيحل النظام الديمقراطي محل النظام الشمولي البعثي وقد كتب الاحتلال دستوراً قائماً على المحاصصة الطائفية والعرقية وقاموا بتطبيقه على أساس الحجم السكاني المزيف والمغلوط في العراق لتبرير فرض الطائفة الشيعية على الطائفة السُنيّه وفصل الاكراد عن العرب وأقاموا انتخابات برلمانية مزيفة ايضاً باعتبارها أحد أوجه الممارسات الديمقراطية وأطلقوا العنان للصحف والاعلام المرئي بشكل مفتوح بعدها سمحوا للحكومة الإيرانية ان تستعمر العراق بعد انسحابهم منه فكان مغيباً لعناصر الثقافة الديمقراطية في المجتمع فلم يتذوق الممارسات الديمقراطية طيلة حياته لا في اسرته ولا في مدرسته ولا في احزابه ولا في حكومته إذ ان معظمهم أميون وجهلة مما يسهل فرض الثقافة الشيعية الطائفية عليهم فكان هذا مقبولاً من قبل الشيعة ومرفوضاً من قبل السُنّه ، فتم حرمان العراقيين من احترام مواطنتهم وتحقيق المساواة فيما بينهم والتعامل المتسامح وعدم نشر العدالة الاجتماعية وعدم التمثيل النيابي الصادق وعدم احترام الرأي الأخر مع اهدار حقوق الانسان وعدم اتصاف المجتمع العراقي بالمجتمع المدني فلم يكن هناك عقد اجتماعي ولا بيانات إحصائية وغابت الليبرالية فلم تنشئ أو تؤسس الأقلية القامعة عناصر الثقافة الديمقراطية في المجتمع العراقي طيلة سنين حكمها.

أوضح إشكالية الديمقراطية في العراق اسعد عبد الله عبد علي الذي قال:

لماذا فشلت الديمقراطية في العراق في أنتاج نظام حكم ينتصر للشعب؟ ويحقق أماله وتطلعاته، مع ان الشعب هو من يختار الحكام عبر لعبة الصناديق أنه التساؤل الأكبر الذي يثار في الشارع العراقي بعد خيبة أمل مريرة بفعل طبقة سياسية فاسدة سيطرت على الكرسي، وحسب آليات ديمقراطية! نعم يمكننا القول اليوم ان النظام الديمقراطي أنتج لنا نظام حكم فاسد، أنها أزمة حضارة تؤثر سلبا بالمجتمع وفي الدولة.

لو نعود للوراء قليلا نجد ان أحزاب السلطة في العراق حالياً كانت على الضد من أمريكا وتعتبرها الشيطان الأكبر وترفض التعاون معها وكانت تنتقد الديمقراطية الأمريكية وتعتبرها الأعور الدجال في العصر الحالي لكن عندما أزاحت أمريكا نظام صدام العفلقي ودعتهم لتطبيق الديمقراطية الأمريكية في العراق فلبوا نداء أمريكا مسرعين وارتضوا كل الطلبات الأمريكية ونهجوا بمنهج ديمقراطي هجين  برعاية أمريكية فتخلوا عن ثوابتهم مقابل المشاركة في حكم العراق وتحول الشيطان الأكبر الى صديق حميم جدا! فكانت هذه أول علامات الخسران وهو ما حصل لاحقا في إنتاج نظام حكم فاسد.

يمكن ان نطلق على الديمقراطية العراقية كلمة “الفضيحة”! لا تتفاجأ من هذا الطرح, نقول هذا لأنها أصبحت تنتج شيء لا يمثل وعي الأمة بل نتاج الأكاذيب التي تمارس بشكل ممنهج ومدروس من قبل أحزاب السلطة عبر ماكيناتها الإعلامية وقنواتها الفضائية وجيوشها الالكترونية لتنتج قناعات عند الإفراد تصل الى حد اليقين مع أنها مجرد أكاذيب منمقة ومدروسة بعناية فائقة وهنا عند هذه النقطة نحدد موقع المكر بالمواطن من قبل الأحزاب مستغلين اللعبة الديمقراطية لتشكيل طبقة فاسدة تتمسك بالكرسي بكل ما تملك من قوة.

الإشكالية تنطلق من ثلاث محاور مهمة:

 ● المحور الأول: أحزاب السلطة

من أهم أسباب انتكاس الديمقراطية في العراق هو أحزاب السلطة وسلوكها الأناني بعيد عن مصالح الوطن والشعب العراقي حيث أسست منهج المحاصصة بالحكم, فجعلت من الدولة غنيمة تتقاسمها الأحزاب كلا حسب وزنه النيابي وهكذا تشكل حلف من الأحزاب النتنة التي لا هم لها الا الاستمرار في النهش بلحم الدولة غير مبالين باستمرار تخلف الدولة وتعاظم الأزمات التي لها ارتباط وثيق بالجماهير مثل أزمة السكن والصحة والبطالة والتعليم فألاهم عند أحزاب السلطة هو السيطرة على تخصيصات موازنة الدولة وتبديدها.

فأصبحت العملية الانتخابية منح صك المرور للصوص والسفلة للاستمرار في تدمير الدولة أي ان الديمقراطية أصبحت مشوهه ولا تنتج الخير للأمة ولا تجعل من الشعب هو الحاكم, بل هو المجني عليه.

●المحور الثاني: وعي المجتمع

المصيبة الكبرى هي غياب الوعي الجماهيري فهناك جهل مقدس يقود الناس لفعل الخطأ دوماً لذا نجد الناس وخصوصا محدودي الدخل والفقراء مع حياتهم البائسة لكنهم يتجهون في كل انتخابات الى تكريس تواجد حلف الأحزاب سيء الصيت مع علمهم بفساد من ينتخبوهم لكن يعتبرون فعلهم واجب مقدس يجب القيام به وإلا اعتبروا عاصين لله ان لم ينتخبوهم من جديد فانظر لحجم التناقضات فيفكر الناخب غير الواعي والأدهى ان يلتزم ويصر على خطيئته ويرفض أي نقد لفعلته بل يعتبرها انتصارا للسماء على الكافرين.

لو تواجد وعي جماهيري لتم إقصاء كل الأحزاب الفاسدة عبر العملية الانتخابية بالإرادة الحرة الواعية لذلك ندرك ألان سبب اهتمام الأحزاب في دوام الخراب كي لا يتشكل وعي جماهيري يقصيهم.

● المحور الثالث: إرادة خارجية

احد أهم أسباب تحول الديمقراطية في العراق الى نظام فاسد هو الإرادة الخارجية والتي تسعى لجعل العراق حسب أهوائهم مكان للفوضى كي يكون دكان لتجارتهم, وساحة لصراعاتهم بعيدا عن بلدانهم والذي سمح للخارج بالعبث في العراق هي الطبقة السياسية الفاسدة والأحزاب القذرة فعندها تم مسخ الديمقراطية العراقية الى نموذج سيء جداً وألان صار لنظام الحكم في العراق سنوات مع إرادة سياسية لإدامته, أي يصعب تحرير العراق منه حاليا أو العمل على إصلاحه فالمتوقع ان تستمر الديمقراطية المشوهة في تثبيت حكم الطواغيت في العراق وأدامت الفساد وتستمر الإرادة الخارجية في تشويه الديمقراطية العراقية. [https://www.non14.net]

10 – الفوضى الاجتماعية social chaos

   لكي نجول طرداً مع ثقافة الفساد ولا نجول عكساً معها علينا أن نوضح كل ما قام به (سياسي الصدفة) عملاء إيران وخونة العراق من تلويث المجتمع العراقي عبر ثقافتهم الفاسدة وما أنتجته من جرائم مستجدة لم يكن يعرفها العراقيين قبل حكمهم العابث والدامي الذي مزق النسيج الاجتماعي وأزالوا هيبة الدولة وجردوا العراقيين من حقوقهم الوطنية أدى ذلك الى “اعتلال وظيفي Dysfunction” الذي يعني نشاطاً اجتماعياً أو مؤسسة قد اعتلَّ عملها عندما أعاق أو عطل أحد آثارها أو تبعياتها في أعمال أنشطة اجتماعية أخرى أو مؤسسة ثانية أو نشاطاً معيناً قد يكون لديه اعتلالاً وظيفياً من نشاط اخر.

    لتوظيف هذا المفهوم السوسيولوجي نقول ان ما قام به سياسي الصدفة من تكوين ثقافة فاسدة في مجتمع أصابه الاحتلال وما حلَّ به من اسقاط النظام السياسي واجتثاث الحزب الحاكم وحل أجهزته الأمنية والعسكرية والإعلامية أدى الى اضطراب حاد ومزمن داخل المؤسسات الرسمية والحياة الاجتماعية والنسيج الاجتماعي والمغرضين الى الولوج الى مدارات الحياة الاجتماعية بكل اصنافها وانواعها للتكسب والانتفاع من هذه الفوضى العارمة وزوال القوى الأمنية والعسكرية والمهنية فقاموا بسلب ونهب وتخريب وتعطيل وتسويه جوانب المجتمع فكانت الحزبية الطائفية تمثل المصعد الكهربائي السريع في الحراك الاجتماعي العمودي في العراق أبان حكمهم ولم تكن الكفاءة والتخصص والمهارة والخبرة اساساً في ذلك فحولوا العراق الى عصر مظلم ودموي وصراعي بعدما كان مستقراً وأمناً وحشدوا الرأي العام ضد الديمقراطية والتمسك بالمحاصصة الحزبية الطائفية عبر زمر إجرامية المسماة بالمليشيات الحزبية المدعومة من قبل الحكومة العراقية والإيرانية معاً مكرسين بذلك عزل العراق عن التطورات العلمية والفكرية والعلمانية الدائرة في العالم الغربي مما أدى الى انكفاء العراقيين على الثقافة الطائفية والتعصب الديني واقاموا قواسم مشتركة مع النظام الإيراني لأنهم عملاء ومأجورين وأذلاء غير محترمين من قبل الإيرانيين وحكامهم وهذا ما أدى الى تلويث الثقافة العراقية بمفاهيم فارسية مع استخدام اللغة الفارسية في الاجتماعية الرسمية بين أعضاء الحكومة معززين بذلك كرههم للعمل المنتج والمبدع من خلال إفساد المؤسسات الحكومية واستخدام المخدرات بشكل علني مع استخدام القتل والخطف والسجن لكل من لا يقبل بفسادهم الرسمي لكنهم ركزوا على التخزين المعرفي الطائفي مشوهين بذلك تأويلاته وتحليلاته بشكل خبيث ومخطط بمعنى كانت الشخصية الطائفية شخصية مخربة للوطنية والوحدة المجتمعية. فلم يكونوا سياسي الصدفة حاملين الحداثة والعلوم المتقدمة التي تمثل قوة نابضة بالحياة العصرية بل كانوا يمارسوا التماهي مع الأفكار المظلومية والضلالية مضلله تخدم تطلعاتهم وهذا ما أدى الى الاعتلال الوظيفي داخل الانساق البنائية مصورين الماضي الشيعي ممثلاً للعصر الذهبي، كل ذلك أدى الى تراجع حركة المجتمع نحو التقدم والازدهار الاجتماعي ففعلوا فوضى اجتماعية غير مسبوقة اجتاحت المجتمع العراقي تجلت بشكل واضح في كثير من جوانب الحياة انعكست على السوك اليومي للأفراد على شكل مجموعة من التعديات على القانون والعرف الاجتماعي الذي يسير افراد المجتمع. هذا التعدي والتجاوز لم يقابله رادع قانوني مما أدى الى تجرد الكثير من العراقيين على القانون وبالتالي قلل من هيبة القائمين على القانون بحيث أدى ذلك الى وجود سلوك يومي لدى البعض أن يقوم على مخالفة الأنظمة المعمول بها يتراوح ما بين الاحتيال والمكر والكذب والخداع والتزوير والغش وهذا بدوره أدى الى نشوء حالات من الشعور بعدم الاطمئنان ولجوئهم الى محاولة الدفاع عن أنفسهم بعيداً عن الاستعانة بالقوانين المعمول بها فأدى ذلك انهيار المنظمة الأخلاقية التي أدت الى الفوضى الاجتماعية المتخلية عن كل ارتباط عرفي أو مؤسسي افي الواقع هذا الانهيار في عدم احترام الأفراد والجماعات عندما تم التعرف عليه شجع العديد من الناس على تجاوزهم للمنظومة الأخلاقية مما جعلهم عدم التماهي مع أنماط وانساق البناء الاجتماعي.

العراق على شفير الفوضى

كتبت عن هذه الازمة المجتمعية Maria Fantppie التي قالت فيها:

أظهر اقتحام متظاهرين يقودهم رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر للمنطقة الخضراء المحصنة في بغداد إلى السطح مأزقاً قديماً يتمثل في أن النظام السياسي الذي حكم البلاد منذ عام 2003 بحاجة إلى إصلاحات جذرية. لكن ولأن الطبقة السياسية الحاكمة باتت هي نفسها تجسّد النظام، بالعديد من الأشكال، فإنها تقاوم بقوة إحداث تغييرات حقيقية. لقد شكّل المتظاهرون في الشوارع والسياسيون المتصلّبون مزيجاً انفجارياً، ما أدى إلى شلل مؤسسات الدولة وهدد بانهيارها. في هذه الأثناء، فإن الوضع الأمني سيء للغاية، بدليل سلسلة الهجمات التي حدثت في بغداد هذا الأسبوع وأعلن تنظيم الدولة الإسلامية مسؤوليته عنها.

ثمة ثلاث ديناميكيات تؤثر في الأحداث. تتمثل الديناميكية الأولى في تعطّل النظام السياسي بعد عام 2003. النظام المصمم ظاهرياً لضمان التمثيل الإثني – الطائفي العادل في مؤسسات الدولة، يسمح عملياً للأحزاب السياسية ذات الهوية الإثنية – الطائفية بالسيطرة على هذه المؤسسات. ثانياً، هناك الفقدان المتزايد للثقة الشعبية بهذه الأحزاب والغضب حيال أدائها السيء. ثالثاً، تشرذم القيادة السياسية، خصوصاً بين وداخل أكبر القوى السياسية الشيعية – حزب الدعوة الإسلامية، والمجلس الأعلى الإسلامي العراقي، وحركة الأحرار التي يقودها الصدر نفسه – والذي تسارع بسبب الاستياء الشعبي ونواقص النظام.

نشأت الأزمة الأخيرة عندما تولى الصدر، الزعيم ورجل الدين الشيعي الذي يتمتع بموقع مناسب للادعاء بأنه بعيد عن المؤسسة الحاكمة، قيادة الاحتجاجات الشعبية في شباط/ فبراير. نقل الصدر الغضب الشعبي إلى المشهد السياسي، ما أدى فعلياً إلى نشوء مواجهة مزدوجة: بين الشارع والنخبة السياسية من جهة، وبين كتلة الأحرار التي يقودها – والتي جعل منها رأس حربة في الحركة الإصلاحية – والأحزاب السياسية الشيعية الأخرى، من جهة ثانية.

باتت مؤسسات البلاد الآن مشلولة، فهي تتعرض للضغوط من تحركات الشارع المطالبة بالإصلاح لكنها تُمنع من القيام بذلك بسبب انقسام الأحزاب السياسية الشيعية. وكان البرلمان أول ضحايا المواجهة. في 26 نيسان/ أبريل عقد رئيس الوزراء حيدر العبادي اتفاقاً لاستبدال خمسة وزراء، في تحرك كان من شأنه أن يستوعب مطالب كتلة الأحرار، وبتعيينه لوزراء تكنوقراط، يتجنب إلحاق الضرر بمصالح الأحزاب الأخرى. أحدثت هذه التسوية المؤقتة أثراً عكسياً عندما رفعت كتلة الأحرار الرهانات بالمطالبة باستبدال أعضاء الحكومة كافة وما يسمى بالرئاسات الثلاث: رئيس الوزراء، ورئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب. (بالطبع، وبالنظر إلى أن رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان زعيمان منتخبان لا يمكن استبدالهما ببساطة، إلاّ أن دعوة الصدريين هذه لها قوة بلاغية بوصفها إدانة للنظام السياسي برمّته.)

الأحزاب التي كانت قد صوتت لإجراء تعديلات أكثر تواضعاً اقترحها العبادي رفضت الآن الموافقة على استبدال وزرائها وأعاقت تحقيق النصاب اللازم لانعقاد مجلس النواب. ومع تأجيل التصويت، انتقلت الأزمة مرة أخرى إلى الشارع عندما دخل المحتجون، تلبية لدعوة الصدر، المنطقة الخضراء، التي توجد فيها مقرات العديد من المؤسسات الحكومية، واقتحموا مبنى مجلس النواب في 30 نيسان/ أبريل. مع تصاعد الصراع بين نشطاء الشارع والزعماء السياسيين ووصول الصراعات بين الأحزاب السياسية وداخلها إلى ذروتها، فإن البرلمان دخل في حالة من الموات.

الشارع: متغير جديد وديناميكي في السياسة

لقد اتخذ الاستياء من النخبة السياسية أشكالاً جديدة في التعبير في أوقات مختلفة. وقد كانت أحدث تجلياته المظاهرات التي خرجت إلى الشوارع.

لأكثر من عقد من الزمن، كانت العلاقات مع الشخصيات الحزبية المقيمة في المنطقة الخضراء تحدد من يصل إلى التعليم، والتوظيف، وفرص الأعمال وحتى مناطق معينة من البلاد. غير أن شبكات المحسوبية هذه لم تكن سوى قمة جبل الجليد، تُديم وتُفاقم الفساد والمحسوبية اللذان طالما كانا مستفحلين في سائر مفاصل القطاع العام. أدى هذا إلى فقدان الشباب لأي آفاق مستقبلية ما لم يلعبوا طبقاً للقواعد التي تفرضها نخبة المنطقة الخضراء. لقد كان الجيل الجديد مدفوعاً برغبة بتحدي الوضع الراهن وليس بأي أجندة سياسية محددة.

ثمة لاعبين عديدين، يقودهم الصدر الآن، يوجّهون هذه المشاعر المعادية للمؤسسة لتنفيذ أجنداتهم الخاصة. حالة غضب مماثلة دفعت إلى خروج مظاهرات في المحافظات السنية عام 2013 استهدفت أيضاً المؤسسة السياسية في المنطقة الخضراء. ونظراً لتقاطع الإجراءات القمعية العنيفة التي اتخذتها الحكومة مع مظالم الطائفة السنية، فإن ذلك حوّل الاحتجاجات إلى مواجهة سنية – شيعية، ما مهد الطريق أولاً للمجموعات المسلحة السنية ومن ثم للمجموعات الجهادية للتأثير في اتجاهها. حضّر هذا المشهد للحشد الذي قام به تنظيم الدولة الإسلامية في حزيران/ يونيو 2014، عندما استولى على أجزاء كبيرة من المحافظات السنية في البلاد. بعد سنة من ذلك، في آب/ أغسطس 2015، خرج الشباب الشيعة إلى شوارع البصرة والمدن الأخرى ذات الأغلبية الشيعية بسبب حالات استياء مماثلة وضد فشل سياسيي المنطقة الخضراء.

استغل الصدر نفس هذه العواطف، وقاد أنصاره إلى مركز المؤسسة السياسية في البلاد، المنطقة الخضراء، ما أدى إلى مواجهة مباشرة بين الشارع والنخب، وحوّل احتجاجات الشارع إلى متغيّر رئيسي في السياسة العراقية.

العوائق أمام الإصلاح

تواجه الإصلاحات الحقيقية في النظام السياسي الذي أنشئ بعد عام 2003 عقبات بنيوية خطيرة، حيث إن الأحزاب السياسية ومؤسسات الدولة أصبحت معتمدة على بعضها بعضاً وتساعد بعضها بعضاً من أجل البقاء. لا يستطيع النظام السياسي تجديد الطبقة السياسية – سواء من خلال الانتخابات أو التغييرات التشريعية – كما أن الطبقة السياسية لن تحاول إصلاح النظام السياسي بشكل حقيقي.

الأحزاب السياسية التي انتظمت في حكومات تتقاسم السلطة كانت الوسيلة التي حاولت الولايات المتحدة من خلالها ضمان التمثيل الإثني والطائفي الواسع داخل مؤسسات الدولة خلال فترة الاحتلال العسكري (2003-2011). أعطى هذا الشخصيات الحزبية التي عُيِّنت في مناصب وزراية سلطة تعيين أزلامهم في المناصب العليا واستقدام الأعضاء الآخرين في أحزابهم لملء وظائف أخرى في وزاراتهم. لم يؤدِّ هذا إلى إعطاء الكوادر الحزبية أدواراً رئيسية في مراكز صنع القرار في جميع مؤسسات الدولة وحسب، بل إنه سمح لهم بالتغلب على افتقارهم للدعم الشعبي من خلال استخدام الرواتب الحكومية لشراء ولاء الناس. ولذلك فإنه من غير المفاجئ أن الشخصيات الحزبية الرئيسية تقاوم الإصلاحات التي من شأنها أن تعرّض للخطر نظام المحسوبية الذي يمنحها القوة.

لقد أدت الطريقة التي رسخت فيها الأحزاب السياسية جذورها في مؤسسات الدولة إلى تجميد الحياة السياسية العراقية حول نفس الشخصيات المألوفة وعقّدت الجهود الرامية إلى تجديد الطبقة السياسية. السياسيون الشباب يتصرفون في كثير من الأحيان بنفس الطريقة التي يتصرف بها السياسيون الأكبر سناً. حتى عندما يريدون تحدّي الحرس القديم، فإنهم يظلون معتمدين على شبكات الوصاية والمحسوبية التي بناها أسلافهم لتحقيق النفوذ أو يجبَرون بموجب منطق المنظومة على بناء شبكاتهم الخاصة بهم داخل مؤسسات الدولة.

في حين أن فصل الشخصيات الحزبية هذه عن مؤسسات الدولة هو من حيث المبدأ الشيء الصواب الذي ينبغي فعله، فإن ذلك سيؤدي من الناحية العملية إلى شلّ تلك المؤسسات وقد يشجع الشخصيات السياسية على إعادة استثمار قوتها في تحدّيها. على سبيل المثال، بعد استبدال المالكي كرئيس للوزراء عام 2014، سحب شبكته المالية والأمنية من الحكومة، وأعاد استثمارها جزئياً في تحدّي وإضعاف العبادي.

ما يزيد من تعقيد المسائل هو أن مطالب الإصلاح تخفي صراعاً على السلطة داخل الكتلة السياسية الشيعية، التحالف الوطني. يرغب كل من مكونات هذه الكتلة بإضعاف العبادي من أجل التوصل إلى اتفاق يمنحها التأثير على اختيار أعضاء الحكومة أو تأمين مصالحها الخاصة. باللجوء إلى المشاعر السائدة في الشارع والمعادية للمؤسسة، يأمل الصدر بتعزيز موقعه داخل المؤسسة بالتحديد. في هذه الأثناء، فإن كتلته، الأحرار، رفعت الرهانات بالتحوّل من الدعوة لإصلاح النظام السياسي إلى المطالبة بتفكيكه. وقد نجحت الاستراتيجية بالسماح للكتلة بالمحافظة على الشارع في صفها وأعطاها النفوذ للتوصل إلى اتفاق مع العبادي في أول تعديل لحكومته. لكن ذلك خلق عقبات أكبر في وجه التوصل إلى اتفاق داخل الأحزاب الشيعية.

في مواجهة الزيادة المفاجئة في قوة الأحرار، فإن الفصائل السياسية الشيعية الأخرى قد لا ترغب بتحقيق أية إصلاحات بسرعة، لأن من شأن ذلك أن يزيد من قوة الصدريين على حسابها. لقد عقدت هذه الفصائل شراكات مع فصائل سنية ومع الكتلة الكردية – التي قد لا ترغب أيضاً بالمخاطرة بفقدان حصتها من الوزراء داخل الحكومة – لمنع تحقيق أي نصاب برلماني.

تغيرات في ميزان القوى في القمة

يمكن للإصلاحات أن تنشأ عن التغيّرات في ميزان القوى داخل قيادات الأحزاب أكثر من نشوئها عن الآليات الديمقراطية مثل التغييرات التشريعية أو الانتخابات. يمكن أن يحدث تجديد القيادة بشكل تدريجي مع مناورة الأحزاب السياسية في محاولتها للبقاء وتجنب ضغوط الشارع، أو عن طريق التدخلات السياسية من قبل الولايات المتحدة أو إيران، التي يمكن أن تفضل بعض الشخصيات وتنزع إلى إضعاف شخصيات أخرى.

رغم أن التعديل الحكومي لن يقوّض سيطرة الأحزاب على الدولة، فإنه قد يكون الخطوة الأولى في تغيير توازن القوى بين وداخل الأحزاب الشيعية. خلال التعديل الأخير للحكومة، استبدل الصدريون وزراءهم الثلاثة بتكنوقراط سيعززون على الأرجح قوة القاعدة الشعبية للأحرار من خلال التعيينات التي يمكنهم أن يحدثوها داخل وزاراتهم. علاوة على ذلك، فإن تغيير الوزير ليس مهماً بقدر أهمية ما سيحدث للموظفين الآخرين في كل وزارة، الذين يشكلون خزّان قوة الأحزاب. باسم الإصلاحات، يمكن للأحرار إجراء عملية تطهير في أوساط كبار المسؤولين والموظفين العاديين الأعضاء في أحزاب أخرى، أو الاحتفاظ بهذه السلطة كورقة تستخدمها في المفاوضات مع الأحزاب الأخرى.

كما أن ثمة صراعاً متصاعداً على السلطة داخل حزب الدعوة الذي ينتمي إليه العبادي. لقد حاول العبادي استخدام التعديل الوزاري لعقد شراكات مع مجموعات أخرى – كما في الاتفاق مع الأحرار على استبدال 5 وزراء – وتقليص القوة المتبقية لرئيس الوزراء السابق نوري المالكي وحلفائه. كلما نجح العبادي في استبدال الوزراء، كلما كان من المرجح أن يؤدي ذلك إلى تقليص قاعدة قوة المالكي. المالكي، الذي يشغل الآن منصب الأمين العام لحزب الدعوة، يتواصل الآن مع أحزاب تعارض إجراء تعديل ثانٍ على الحكومة لمنع إجراء تصويت في البرلمان، وبذلك يزيد من إضعاف رئيس الوزراء والاحتفاظ بالوقت نفسه بالحزب تحت نفوذه. إذا أظهر العبادي مهارة في إدارة الأزمة، سيكون بوسعه حشد الدعم الدولي والإقليمي لعقد سلسلة من الاتفاقيات المؤقتة مع الفصائل الكردية والسنية، كما فعل مع الصدريين. من غير المرجح أن يؤدي ذلك إلى إصلاح نظام الحصص على المدى القصير لكنه سيعزز من موقعه مقابل الأحزاب الشيعية الأخرى، والأكثر أهمية داخل حزبه هو.

ستلعب الضغوط الخارجية دوراً محورياً في تحديد تحوّلات القوة داخل قيادات الأحزاب. وسيشكل انهيار النظام الذي نشأ بعد عام 2003 تحدّياً للإيرانيين كما للأمريكيين. بعد الأزمة الأخيرة، تحركت الولايات المتحدة وإيران أصلاً بنفس الاتجاه لأن لكليهما مصلحة في منع حدوث انهيار كامل في البلاد. على مدى العقد الماضي، تنافست الولايات المتحدة مع الحرس الثوري الإيراني في العراق في إطار مشترك من الأحزاب والمؤسسات. أما الآن وقد بدأ هذا النظام بالانهيار، فإن التحدي بالنسبة لكلتا القوتين يتمثل في العثور على الشركاء المناسبين للمساعدة في حماية نفوذهم وفرضه. هذا هو الضغط الخارجي الذي من شأنه أن يقنع الأطراف بالتوصل إلى اتفاقيات محلية وإحداث تغييرات في موازين القوة بين قيادات الأحزاب، وبذلك ربما تتم إعادة صياغة النظام السياسي لما بعد عام 2003.

تشنجات أو حلول

داخلياً، يتمثل التحدي في كيفية إدارة توقعات الشارع. لقد أثار الصدر توقعات المتظاهرين وترك الآخرين للتوصل إلى اتفاق يرضيهم. إذا استمرت كتلة الأحرار برفع الرهانات من أجل الحصول على المزيد من النفوذ، لن تتاح الفرصة لمجلس النواب بالتمكن من تحقيق النصاب والانعقاد للتصويت على تغيير الحكومة. من المرجح أن يعزز الصدريون موقعهم كقادة للشارع في المنطقة الخضراء، وستردّ الأحزاب السياسية بإعاقة التغيير من داخل المنطقة الخضراء، خصوصاً من خلال نزع قوة الإطار المؤسسي في البلاد. إن اقتحام مجلس النواب والدعوات إلى إقالة الرئاسات الثلاث يخاطر بدفع البلاد إلى فراغ وإلى تمترس الأحزاب والميليشيات المرتبطة بها ضد بعضها بعضاً.

كما أن مسار العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران سيكون عاملاً في هذه المعادلة. في هذه المرحلة، وحده الضغط من واشنطن أو طهران على الأحزاب السياسية يمكن أن يفرض القيود اللازمة للمحافظة على وحدة البلاد. لكلا الطرفين مصلحة بالمحافظة على حياة الإطار الراهن، إلاّ أن هذا يتطلب الدخول في عمليات مساومة يومية لتغيير ميزان القوى داخل الأحزاب السياسية العراقية. قد يترتب على الولايات المتحدة وإيران على حد سواء تغيير مقاربتهما والابتعاد عن دعم أحزاب محددة تقف في وجه بعضها بعضاً، والتوجه بدلاً من ذلك إلى إدارة الأزمة من خلال تقسيم العمل، حيث يستخدم كل طرف قوته الاقتصادية والعسكرية لوضع قيود على مختلف اللاعبين العراقيين. في مناخ إقليمي متقلب، ثمة مخاطرة في أن تدفع إيران العراق إلى حافة الهاوية كوسيلة لممارسة الضغط على الولايات المتحدة لتقديم تنازلات هناك أو على جبهات إقليمية أخرى. يمكن لمثل هذه اللعبة السياسية الخطيرة أن تفرض ضغوطاً أكبر على الإطار المؤسسي للبلاد.

قد يكون نظام ما بعد عام 2003 قد توقف عن العمل، لكنه سيكون صعباً للغاية إصلاح هذا النظام السياسي . إن أي محاولة للتغيير من شأنها أن تحدث مزيداً من عدم الاستقرار بسبب إما إضعاف القيادات التي يتم إقصاؤها أو إضعاف مؤسسات الدولة. لا نستطيع توقّع أن يتمكن العبادي من كسر نمط الاعتماد المتبادل بين الأحزاب السياسية ومؤسسات الدولة. في أفضل الحالات، فإن الولايات المتحدة وإيران ستنسقان لإدارة الأزمة وسيستخدم رئيس الوزراء علاقاتهما لاتخاذ إجراءات مؤقتة ستحتوي الشارع وتمنع من تحوّل توازن القوى – سواء داخل الكتلة الشيعية أو داخل حزب الدعوة نفسه – ضده. بعبارة أخرى، سيترتب عليه السير على خط رفيع بين إدارة الشارع، والمحافظة على التوازن الحالي للقوة، ومنع انهيار الإطار القانوني والمؤسسي برمّته. [https://www.crisisgroup.org]

11 – افراز ظواهر اجتماعية معكوسة

مثل: حكومة حرامية وقتلة وفاقدي الوطنية تحكم ضحايا أبرياء. المعروف دولياً وتاريخياً وقانونياً تحّمل الحكومة مسؤولية تطبيق القانون وحماية ورعاية المواطنين وتحقيق العدالة والمساواة بينهم ومعاقبة المجرمين والخارجين عن القانون. إلا ان الحكومات العراقية التي حكمت العراق بعد عام 2003 قامت بقتل وتهجير المواطنين واشعال نار الفتنة الطائفية وسرقة المال العام ونهب ثرواته الطبيعية (النفط والغاز) وتدمير معالمه الحضارية وتهريب أثاره التاريخية وتفكيك معامله ومصانعه واحلال الفوضى عبر استخدام المليشيات المسلحة وتحنيط الأجهزة العسكرية والأمنية. بمعنى انها مارست جميع الأنماط السلوكية الإجرامية من سرقة ونهب وتخريب وتزوير وتهريب وترهيب العراقيين من أجل ارهابهم وانصياعهم لها. فأمسى العراقيين ضحية حكومات مجرمة بامتياز لا يحاسبها قانون لأنه معطل عمداً ولا توجد قوة رادعة لها استمرت لعقدين من الزمن حولت الديمقراطية الى تعصب قبلي وطائفي بدلاً من أن تكون العكس.

وحولت الطائفية الدينية الى تحزب سياسي مغلق عليها فقط، وحولت المؤسسة العسكرية الى حشد شعبي طائفي، وحولت الأجهزة الأمنية الى أجهزة معادية للوطن  والمواطن، وحولت الثروة الوطنية والطبيعية العراقية لإغناء الأجنبي، وحولت الأسرة العراقية الموحدة الى أسرة مفككة ومحطمة، وحولت الصعاليك الى اثرياء فضائيين. وحولت هيبة العراق الدولية الى بلد غير موقر وغير مُهاب أي منهك وهزيل. وحولت وزاراتها ومحافظاتها الى مكاتب للإجرام المنظم، وحولت الشعب الى ضحية متعدد الإصابات. وإزاء كل ذلك قام الشعب العراقي بمظاهرات يطالب فيها محاسبة ومعاقبة الحرامية والمجرمين الذين حكموا أو تحكموا باسم الدين وطالبوا بإرجاع المبالغ المالية التي سرقوها ورفضوا دمج الدين بالسياسة فأصبحت الحكومة هي المجرمة والشعب هو الذي يحاسبها ويحاكمها.

   هذه الظاهرة المعكوسة برزت في القرن الحادي والعشرين، انها حالة مرضية (باثولوجيه) عانى منها العراقيين دفعوا ثمنها بشرياً واقتصادياً وسياسياً وثقافيًا ودينيًا (هؤلاء المجرمين هم من أسفل سفلة العراقيين وأحطهم هوية وأكثرهم نذالة وخسه وأبرزهم حقارة ودناءه وأحطهم هويه وأكثرهم وضاعه لا يعرفوا الحياء ولا الخجل ولا العار لأنهم أبناء تلك المستويات التي ترعرعوا فيها) لأن الحكومة الوطنية النزيهة يكون أعضائها من أشراف المجتمع ومحبي الوطن ومن ذوي اليد البيضاء ليس لهم سوابق إجرامية ولا فساد أخلاقي يحترموا المواطن والوطن والقانون ويعاقبوا الفاسدين والمفسدين والمجرمين والمعادين للوطن والمواطنين.

  لم نجد في الحكومات العراقية بعد عام 2003 احدًا يحمل هذه الخصائل بل نقيضها وهذا هو جوهر الظاهرة المعكوسة في العراق أبان حكم المد الشيعي – الفارسي التي بات فيها المجرم يحكم البلد باسم الطائفة الشيعية والمواطن العراقي ضحيته.

 

الفصل الرابع

بانوراما المثلث العراقي

 

استهلال

1 – الارتماء بالأحضان من أجل الاستقواء بها

2 – مجتمع بدون وطن

3 – كسوف الشمس العراقية

4 – الثقافة الميلشياوية

5 – تنظير كسوف العراق المجتمعي

6 – الشبيبة الالفية…. تسونامي عراقي

7 – الخلاصة

الفصل الرابع

بانوراما المثلث العراقي

 

استهلال

  نعرض تحت هذا العنوان سلسلة حلقات مترابطة سادت المجتمع العراقي في العقدين الأول والثاني من هذا القرن وهي مجموعة من العراقيين الذين عارضوا سياسة نظام الحكم العراقي الصدامي فالتجأوا الى الأجنبي الأمريكي والإيراني فاستخدمهم كجنود وعملاء له في حكمه للعراق بعد الاحتلال وهم من الطائفة الشيعية والأكراد وكان هذا هو الركن الأول في المثلث العراقي الذي حكم العراق تحت رعاية الأمريكان والإيرانيين لمدة تزيد عن ستة عشر عاماً حكماً انتقامياً ودموياً فتكوا بالعناصر والكوادر العراقية الكفؤة وهجروا الأخرين وأفسدوا المؤسسات الرسمية وسرقوا خيرات البلد فكانوا مشاركين للاحتلال الأجنبي مكونين احزاباً طائفية وعرقية مدعومة من مليشيات إجرامية مسلحة لا تعرف سوى القتل والتفجيرات والخطف والاغتيالات لكل من كان مع النظام السابق وكل من لا يخضع لأحزابهم الطائفية والعرقية مستقوين بالأجنبي في غيبهم وطغيانهم جردوا العراقيين في مشاعرهم الوطنية من خلال الثقافة الميليشاوية وحجبوا نور الشمس العراقية على العراقيين من غير جماعتهم وهذا هو الركن الثاني في المثلث الذي يمثل القاعدة الكبرى وهم من الدهماء والمظلومين والمبعدين والمهمشين واللامنتمين للأحزاب الطائفية والعرقية.

   لكن طبيعة المجتمع العراقي لا تستطيع أن ترضخ وتقبل بذلك لأنه ضد نواميسها في التفكير الرشيد والسلوك السوي والمنطق السليم عندها برز الركن الثالث على يد شبيبة العراق الالفية التي طالبت بإزالة الركن الأول من العراق الذي لا يمثل العراقيين لأنهم مستقوين بسلميتهم وإرادتهم واصرارهم الوطني وقرارهم المخلص للعراق والعراقيين رافضين المذلة والمهانة والخنوع الذي يقوم به ويمارسه الاستعمار الإيراني على مطاياه الذين نصبهم على العراق واستغلهم كذراع له في العراق لخدمة اغراضه وسياسته ودفاعاً عنه ضد أمريكا فسمحوا للعراق أن يكون ساحة مفتوحة لصراعها مع أمريكا وجعل العراق يدفع ثمن صراعه معها.

    هذه الأركان الثلاثة في المثلث العراقي الجديد سوف يتحول الى هرم عملاق جديد في اضلاعه وبناءه يشيده شباب العراق الالفية بسواعدهم وتفكيرهم النقي والصافي غير ملوث بالأفكار الغيبية والمصالح الذاتية والكرامة المهدورة والخنوع المذل للأجنبي رافضاً الاستقواء به (بالأجنبي) معتمداً على الاستقواء بكفاءاته ومهاراته ووطنيته وقوته الذاتية مزيلاً مطايا المستعمر الفارسي وطارداً المناداة الطائفية والعرقية والتغني بها لكي يزيل كسوف الشمس العراقية ليعيش في ظل شروقها الساطع والمشمس.

1 – الارتماء بالأحضان من أجل الاستقواء بها

    عندما يتم إخضاع المجتمع قسراً من قبل حاكم دكتاتور أو نظام شمولي عندها لا يجد المضطهدين ملاذاً من تسلطه إلا بالاستقواء الأجنبي (بطلب النجدة) لكي يتخلصوا من ظلم حاكم والعيش بدون حكمه. ويحصل ايضاً عندما يستولي حاكم على سدة الحكم بالاستحواذ أو الانقلاب العسكري أو الحزبي. معنى ذلك تكون هناك جماهير واسعة ومضطهدة ومقهورة من قبل الحاكم الطاغية والمتجبر. حصل هذا في العراق منذ استقلاله عام 1922م ولغاية الان على الرغم من تبدل الحاكم عليه (من عسكري الى حزبي وعشائري وعائلي وأجنبي – امريكي وطائفي – إيراني). لكن بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003 جاء التسلط الإيراني وحكم العراق بدوافع عديدة منها: –

أ – الانتقام من العراقيين الذين حاربوه لمدة ثمانية سنوات.

ب – تصدير سياسة ولاية الفقيه التي تتعارض مع المرجعية الشيعية العراقية – العربية.

ت – استغلال موارد العراق النفطية والمائية والزراعية.

ث – تصريف المنتجات الإيرانية في العراق بسبب الحصار الاقتصادي العالمي عليه.

ج – استرجاع هيمنة الإمبراطورية الفارسية على العراق وسوريا ولبنان واليمن.

   إذن هناك قوتان جاذبة وطاردة حصلت بين النظام الإيراني – الأمريكي (قوة جاذبة) والمضطهدين والمعارضين للنظام الحاكم العراقي (نظام صدام حسين) (كقوة طاردة)، فحصل تزاوج مصلحي بينهما. باع الجانب العراق نفسه وبلده وتاريخه لحاجته لقوة تسنده وتدعم وجوده الداخلي مقابل تنفيذ طلبات واحتياجات القوة الجاذبة ذات المصلحة الثأرية والتاريخية والاقتصادية. استمر هذا الزواج المصلحي لمدة ستة عشر عاماً (من عام 2003 ولغاية 1/10/ 2019).

   إذن نقول عن هذه الزيجة المصلحية – على الرغم من كونها غير شرعية – لديها أسباب موضوعية علينا الأخذ بها وعدم تكرارها ثانية في المجتمع العراقي لأنه سيدفع ثمنها غالياً – أغلى من الأولى – لكن بنفس الوقت هناك جماعات وشرائح اجتماعية وطنية ومستقلة مقموعة من القوتين هما (المستقوية والمستوقية بها) لا تبقى مستمرة تحت هذا القمع والاستغلال وبالذات عندما تكون هناك متغيرات غير بشرية تثير وعي وإدراك وطموح الجماعات المضطهدة مثل ثورة المعلومات والتواصل الاجتماعي والنت والقنوات الفضائية والابتكارات التقنية والاقمار الصناعية في تغذية معنوية وروحية الشريحة الشبابية التواقة للتغير والتحرر والعيش بحرية لا تعرف الخوف والهلع والعنف والإرهاب مثل الشبيبة الالفية العراقية التي قدمت نفسها قرابين بشرية لنيل حريتها من هيمنة القوتين الحضن الأجنبي المستوى به من قبل المستضعفين العراقيين الذين يمثلون الأقلية الحاكمة والمدعية بالطائفية الشيعية لا ايماناً بها بل تزلفاً وتملقاً لولاية الفقيه في إيران المستقوى به فلم تكن حكومة عراقية وطنية بل وكالة ومطية للمرشد الأعلى الإيراني في العراق.

     لا جرم من القول إذن في هذا السياق الى بروز نوعين من القوى في المجتمع العراقي أبان العقد الأول والثاني من القرن الحادي والعشرين وهما: –

أ – جماعة الحكومة الإيرانية الفاعلة والمستقوية بالحكومة الإيرانية. جماعة منزوعة الوطنية ونكره اجتماعية مدعيّه بالطائفية الشيعية والسُنيّه والكردية.

ب – جيل الشباب الالفي الذي يطالب بوطنه ووطنيته فقدم أكثر من خمسمائة شهيد قرباناً للوطن والعديد العديد من الجرحى والمصابين والاف المعتقلين في سبيل مطالبه.

   هذا هو الفرق الجوهري بينهم وبين وكلاء النظام الإيراني في الحكومة العراقية فحصل الصراع بينهما: الأول مسلح ولديه المال والنفوذ والسلطة والثاني ليس لديه سلاح ولا مال بل لديه شعبية جماهيرية واسعة ومتنامية. فضلاً عن وجود فوارق ذهنية بينهما. فالشباب يمتلك ذهنية بنتها ثورة المعلومات والتواصل الاجتماعي والابتكارات العلمية الحديثة ففتقت عندهم الكثير من الطموحات الحديثة التي لم تتعرف عليها الطبقة الحاكمة الجاهلة بهذه العلوم المتطورة ثم ان الطبقة الحاكمة منحدرة من مستوى جاهل وأمي وبيئة طائفية ذات أفق فكري ضيق وغيبي –ماورائي متأصلة فيه السلطة البطريقية المتسلطة التي لا تقبل الحوار والنقاش والتفكير الحر. بمعنى هناك اختلافات في العقلية الذهنية (المتخلفة مقابل المتفتحة) والخلفية التراثية (المحافظة مقابل الحره) والطموح (الماورائي مقابل الاستشراقي).

   انتقل بعد ذلك الى تشريح الشخصية العراقية إذ ان المعروف عن العراقي انه متحيز ومتعصب للعلاقات القرابية والدموية والصداقية والزمالية والجيرية والقروية مكتسباً هذه الميزة من تنشئته الأسرية والمدرسية والرفاقية والحزبية والطائفية والدينية لأن المجتمع العراقي تقليدي بالدرجة الأساس الذي يقيم وزناً للعلاقات الإنسانية (العائلية والقروية والجيرية والمهنية) ويتعامل مع الاخرين بدرجات متفاوتة. أقصد بالأخر، الغريب والطارئ عليه يرتاب منه لا ينفتح عليه بل يتعامل معه بشك وريبه وعدم الاطمئنان فلا ينفتح عليه في بادئ الأمر. لكن هذا لا يعني بإنه مغلق بل متحفظ يخضع للمثل الشعبي القائل (انا وأخي على ابن عمي وانا وابن عمي على الغريب) معنى ذلك تعبر هذه الميزة على المعيار القيمي المتوارث وليس ابن الساعة واليوم.

    كذلك من ميز الشخصية العراقية أنها تفتخر وتتباهى بماضيها المجيد الذي خدم المدنية الإنسانية والعلوم المعرفية عبر تاريخه وبالغ فيه لذلك يكون الارتماء بأحضان الأجنبي المعادي له والذي تصارع معه في حروب مدمرة غير وارد وإذا حصل ذلك فإنه يصدر من افراد نكرة وليس لهم ماضي مجيد في تاريخ المجتمع العراقي.

    ثم هناك قيمة الرجولة والشهامة والنخوة التي توارثها العراقي من اسلافه عن طريق دراسته لتاريخ امجاده في المدرسة ووسائل الاعلام التي مازالت دامغة في وعيه وشعوره وتفكيره التي تعني انه متعلق بأرضه وزراعتها لا يستغني عنها حتى لو استوطن في الحواضر لأنه مرتبط بها وببيئتها.

   بعد تقديم السمات الاجتماعية للشخصية العراقية انتقل الى طرح بعض الأسئلة التي تتعارض مع هذه الصفات في الوقت الراهن باحثاً عن اجابتها فيما بعد وهي ما يلي: لماذا أصبح العراقي مندفعاً نحو الانتقام من الذي ظلمه حتى بعد إزالته من الوجود؟ ولماذا يجنح للاستيلاء على ممتلكات الحاكم وانصاره واتباعه بدون حق شرعي؟ ولماذا يشعر تجاه الدولة بإنها ليست ممثلة له؟ ولماذا يقدم على التعصب الطائفي تجاه الطوائف الدينية الأخرى (الإسلامية والغير إسلامية) ولماذا تنصل عن معايير قيمه السابقة في تعاونه ومساعدته لأبناء جلدته ضد الغريب وتعامل  به وساعد الغريب الأجنبي ويستقوي به على أبناء ملته؟ ولماذا خضع للمؤثرات المادية والمناصب الحكومية وفضلها على علاقاته القرابية والملليّه؟ ولماذا هجر أرضه ولجأ الى الدول الأجنبية؟.

    للإجابة عن هذه الأسئلة يكون كالاتي: ليس جميع العراقيين كانوا هكذا بل فقط الذين تم اضطهادهم من قبل الحاكم المستبد الذي سلب حريتهم واملاكهم وأخرجهم من العراق فلجأوا الى اعدائه مثل إيران وامريكا وإسرائيل فاستخدمتهم حكومات هذه الدول كورقة ضاغطة على الحكومة العراقية ودربوهم على محاربة حاكم العراق فوجدوا في هذه الدول الملاذ والحضن الذي سمح لهم بالعيش فيه إلا أنهم لم يكونوا فيه محترمين من قبل الحكومات الأجنبية لأنهم محتاجين لمساعدتهم لذلك أصبحوا عملاء للأجنبي لا برغبتهم بل مضطرين على ذلك وعندما تم اسقاط حاكم العراق نصبتهم الدول التي كانت حاضنة لهم والمستقوين بها بمناصب عالية في الأجهزة الحكومية العراقية ليكونوا وكلاء ومطايا لهم وقد حصل ذلك فلم تبقى مساحة للوطنية في مشاعرهم وتفكيرهم فمارسوا الفساد في الأجهزة الرسمية والأخلاقية بين صفوف الناي فتعاملوا مع سياسة حكمهم على انها مكسب وليس مسؤولية فلم ينزلوا للشارع العراقي ويتفاعلوا مع الفقراء والمحتاجين والعاطلين والايتام بل كانوا منتقمين لهم وكل من لا يخضع لأوامرهم يقمعوه، فجندوا المليشيات المسلحة ضد الشعب فقتلوا وسرقوا واختلسوا وشردوا بكل اندفاع. أنها حالة مرضية (عليّه) ترجع جذورها الى الاستبداد السياسي والاجتماعي والاستبعاد والتهميش عليهم من الحاكم الجلاد والمستبد مما اضطروا ان يكونوا عبيداً اذلاء عند الأجنبي المستقوي به (مثل إيران وأمريكا وإسرائيل). أقول انها احدى اثار الاستبداد السياسي على العراقيين فحوَّل معارضيه الى عملاء للأجنبي ضده وضد العراق والعراقيين بمعنى ان استبداده تمدد الى ما بعد اسقاطه فدفع العراقيين حتى بعد زوال حكمه اثمناً عالية وغالية، لأن الاستبداد سلخ منهم الوطنية والشعور بها مما جعلتهم لا يخطر ببالهم خدمة العراق والعراقيين وهذا يقول لنا ان الوطن لا يعني العيش على بقعة ارض فقط بل هو الإطار الشامل والكامل لكل من يتفاعل مع اهله وله ذكريات معاشية تغذي خبراته وذوقه وتفكيره ويطرب على فنه ويتماهى مع عشه الذي عاش فيه واحتضنه ونسج علائقه مع جيرانه وأبناء حيّه وله ذكريات رعرعته فيها. فالاستبداد يستولد الاقتلاع، الاقتلاع يبلور الانتقام والثأر من القوى التي استبدت باقي حقوقه واملاكه وصلاته الاجتماعية. لأن الوطن مأوى الانسان وملاذه فإذا تم سلب المأوى منه بات بدون وطن عندها لا يسكت على سلبه لمأواه فيذهب للبحث عن أحد يستقوي به وينتقم من الذي سلب مأواه وبتر رعرعته ووجوده الاجتماعي.

2 – مجتمع بدون وطن

  لا نعني بالوطن الهوية والأرض بل الانتماء الى ثقافة اجتماعية وتاريخ حديث ومحيط بيئي وتضامن اجتماعي ميكانيكي وليس عضوي. أي ارتباط محكم وليس سائب. والفرد بدون هذه الانتماءات يضحى مخلوقاً عائماً اجتماعياً ليس له ارث ثقافي بل مهاجراً من بلد لأخر مبتور الجذور ليس لديه مأوى ثقافي وبيئي بل عديم التماهي. لذا يكون الوطن والمجتمع وجهان لحياة الفرد الطبيعي، بمعنى إذا كان الفرد فاقداً لوطنه فإن ذلك يعني الأبن الضال لمجتمعه، وإذا كان ابن وطنه فإن ذلك يعني بإنه الأبن الشرعي لمجتمعه.

   لكن ما الذي يجعل المجتمع بدون وطن؟ الجواب هو، حكم العملاء للأجنبي، الحرب الاهلية، الأحزاب الطائفية، المليشيات المسلحة، الفساد والإجرام، العنف والإرهاب. إذن لا يوجد سبب واحد يسلخ الفرد من وطنه بل عدة أسباب مجتمعه. وهذا ما حصل للعراقيين بعد عام 2003 وما قامت به الأحزاب الشيعية والسُنيّه والكردية في العراق منذ عام 2003 ولغاية الان.

    فعاش المجتمع العراقي في مرحلة تبدلات سياسية وطائفية متطرفة وشاذة فحصل تفكيك البناء الاجتماعي على يد البعض من أبنائه المستقوين بالأجنبي (الأمريكي والإيراني والسعودي والاماراتي والتركي والإسرائيلي) فبات مسرحاً مفتوحاً ومباحاً لهم فلم يحكموا بلدهم ولا مجتمعهم منذ عام 2003 ولغاية 1/10/2019 حيث حكمته أحزاب شيعية – طائفية وكردية – قبلية لم يسقطوا النظام الشمولي بأنفسهم بل بالقوة الامريكية قدمته هديه لهما.

     معنى ذلك انهم لا يملكوا الذهنية التطورية والتخطيطية لبلدهم ولا لمجتمعهم بل يحملوا مواقف عدوانية متكلسة في ذهنهم تجاه الدولة ولم يغيروها فكان تصرفهم معها بعد استلامهم للحكم تصرفاً انتقامياً من أبناء الحكم السابق وجيشه وأمنه وعلمائه ومفكريه وأكاديميه (لم يقم بها أعداء العراق) فكان حكمهم مخزياً ومفككاً للأنساق البنائية العراقية ليس لديهم خبرة سياسية ولا نفوذ شعبي ووطني، بل معارضين للحكم الاستبدادي وليس لعقيدته أو فلسفته لأنهم لا يملكون عقيدة فكرية ولا فلسفة إنسانية الأمر الذي منعهم من بناء الوطن وحياكة النسيج الاجتماعي والنهوض السياسي والانفتاح على العالم الحرّ بل انشغلوا بالتكالب على مناصب المؤسسات الحكومية واستثمار نفوذها لصالحهم الخاص مبتزين سياسة المحاصصة السياسية والإدارية والاقتصادية دون الالتفات الى المثقفين والمختصين وأصحاب الخبرة والعلم:

أ – لأنهم ينظروا الى الحكم كمكسب لا كمسئولية.

ب – ولم يتعلموا اساسيات فنون إدارة المؤسسات الرسمية عندما كانوا في الخارج.

ت – لا يعرفوا غير المعارضة للدولة.

ث – ذو عقلية صراعية ونرجسية.

ج – تربت في أحضان النظام الإيراني المعادي للعراق والعراقيين والطامعين في ثرواته.

ح – انتمائهم للأحزاب الطائفية لا بدافع الايمان الديني بل لتكوين تنظيم ضد الحكم الشمولي الذي حكم الشمولي الذي حكم العراق.

خ – ليس لديهم أرضية شعبية ووطنية في العراق.

د – ولائهم للأجنبي الذي حولَّهم الى أذناب ووكلاء لهم في العراق.

ذ – استخدموا تنظيماتهم الحزبية لتجهيل الرعاع والطبقة الفقيرة الشيعة والسُنّه والكرد.

ر – غذت الطائفية والمذهبية المقيتة.

ز – شوهت ثقة الناس بالحياة الديمقراطية.

س – لم تبادر في بناء عراق جديد على أساس المواطنة والشراكة الحقيقية.

     فحولوا حياة العراقيين الى احزان ومآتم طوال أيام السنة فما أن ينتهوا من مأتم قتل الحسين حتى تبدأ اربعينية الحسين وما أن يتم الانتهاء منها حتى يبدأ مأتم الزهراء ثم مأتم العباس يليه مأتم زينب ثم مأتم الكاظم ثم الشعبانيه ثم السجاد وثم مأتم الموسوي وهكذا طوال السنة، وفي شهر محرم تحت مسمى احزان عاشوراء وجعل الشيعة يهرولون من النجف الى كربلاء والى سامراء حيث السرداب ومن قبر الى قبر ومن مأتم لأخر.

   ولما كانت الأحزاب الشيعية هي حاكمة العراق فقد استخدموا نظام (المحاصصة) قاعدةً للحصول على المناصب العليا والمتنفذة في البلد وكان هذا سبب الفساد في العراق لأن بموجبه جعلت الفساد أمراً عادياً فرسخته في النسق السياسي لأنها تسمح لهم بسهولة الوصول الى المناصب المتنفذة الى جانب تخصيص وظائف لأشخاص من مناصري الأحزاب الطائفية وبسبب هذا النظام (المحاصصة) يعمل أعضاء الحزب في الحكومة لصالح الحزب بدلاً من الحكومة أو الشعب الذي يمثلونه وخلال المحاصصة تكتسب المجموعات السياسية من خلال الوصول الى المال العام واحتكار الأنشطة الاقتصادية في السوق. وقد صنفت منظمة الشفافية الدولية العراق في المرتبة 117 من أصل 133 دولة عام 2003 وقد تخطى الفساد في العراق 800 مليار دولار على مدار 16 سنة من الغزو الأمريكي.

    ومن نافلة القول الإشارة في هذا السياق الى تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن أموال السياسيين العراقيين المودعة في المصارف الأمريكية كما نُشر في موقع الخزانة الامريكية: –

1 – نوري المالكي رصيده 66 مليار دولار.

2 – عدنان الأسدي رصيده 25 مليار.

3 – صالح المطلك 28 مليار دولار.

4 – باق الزبيدي 30 مليار دولار.

5 – بهاء الاعرجي 37 مليار دولار.

6 – محمد الدراجي 19 مليار دولار.

7 – هوشيار زيباري 21 مليار دولار.

8 – مسعود البرزاني 59 مليار دولار.

9 – سليم الجبوري 15 مليار دولار.

10 – سعدون الدليمي 18 مليار دولار.

11 – فروق الاعرجي 16 مليار دولار.

12 – عادل عبد المهدي 31 مليار دولار.

13 – أسامة النجيفي 28 مليار دولار.

14 – حيدر العبادي 17 مليار دولار.

15 – محمد الكربولي 29 مليار دولار.

16 – أحمد نوري المالكي 14 مليار دولار.

17 – طارق نجم 7 مليار دولار.

18 – على العلاق 19 مليار دولار.

19 – علي اليساري 12 مليار دولار.

20 – حسن الانباري 7 مليار دولار.

21 – جلال الطلباني 35 مليار دولار.

22 – رافع العيساوي 29 مليار دولار.

   لاحظ هنا إن الفساد شمل الشيعة والسُنّه والاكراد حيث تم توزيع الفساد بين الأحزاب الكردية وابتلع الفساد عائدات النفط التي تقدر شهرياً بـ (7) مليار دولار أي ما يقارب من (84) مليار دولار سنوياً وربع سكان العراق ما يزال يعاني تحت خط الفقر.

3 – كسوف الشمس العراقية

   أحاول هنا استخدام التشبيه المجازي – الاستعاري في تصوير إعاقة حيوية المجتمع العراقي في تقرير مصيره وتحديد استشرافه للمستقبل لكي يواجه العالم المتقدم بطاقاته الخلاقة والمبدعة وهو مصطلح (كسوف الشمس) الذي أقصده فيه حجب أشعة الشمس (ثورة الشباب العراقي) من قبل القمر (الأحزاب الطائفية والعرقية) على الأرض (المجتمع العراقي). إنها حالة غير طبيعية ولا سوية لأن أشعة الشمس على الأرض دائمة لا يحجبها القمر ولا النجوم. بمعنى ان وقود الشمس الحيوي (الشباب الألفي العراقي) دائم الاشعاع على الأرض (المجتمع العراقي) لا يحجبه حاجب.

   أدلف الان الى عرض تفاصيل هذا التشبيه المجازي، تسلمت الأحزاب الشيعية الحكم في العراق بعد عام 2003 وكانت نظرتها للحكم كمسكب وليس كمسئولية مما جعلها تندفع نحو الحكم كما تندفع عصابة من الحرامية المحترفين نحو أحد البنوك للسطو على خزائنه وسرقة كل ما فيه من أموال. علماً بإن رموز هذه الأحزاب الدينية عاشت خارج العراق قبل عام 2003 إلا انهم لم يتعلموا أساسيات فنون إدارة المؤسسات الرسمية وقيادتها واكتساب تجارب الدول التي لجأوا اليها لأنهم من الصعاليك المشردين. فتركز جلَّ اهتمامهم على معاداة الدولة في ظل النظام العراقي السابق دون تغير عقليتهم المعارضة للدولة فدخلوا في عمليات التفكيك والتدمير للمؤسسات الحكومية وتهدير العراقيين. فكانت سيرتهم السياسية والإدارية خالية من الإنجاز والمسؤولية الوطنية والإصلاح والبناء لأنها تسلمت حكم العراق من الأمريكان على طبق من ذهب دون جهد وكفاح لذلك لم يبذلوا جهداً في تطوير العراق ولا تقديم مشاريع تنموية لأنهم لم يصلوا للحكم بصوت الشعب فلم يخدموه بل خدموا أسيادهم الذي نصبوهم ودعموهم في الحكم. فكان حكمهم منصباً على نشر الجهل والتخلف لكي ينجحوا في تغذية الطائفية والمذهبية ويوقدوا نيران الصراعات والحروب الاهلية حتى لا يواجهوا معارضة لحكمهم لأنهم يدركوا بإن إبقاء افراد المجتمع العراقي جهلة ورعاع يعني زيادة فرصة بقائهم بالسلطة. فحولوا مدن العراق الى مرتعاً للمليشيات المسلحة وصور الخميني وخامئني فشوهوا معالمها. أقول عملت هذه الأحزاب على انهيار الدولة وتشريد شعبها بالكامل وطمس وعيّه في مستنقع الخرافات والمعتقدات الوهمية لا تساعده على التفكير الرشيد.

    لقد كانت هذه الأحزاب عميلة لإيران ومتاجرة بالمقدسات الدينية من أجل الوصول الى أهداف لا تخدم العراق ولا العراقيين إلا ان هذه الأحزاب الدينية لم تنتبه الى ان ممارستهم الجاهلية هذه أدت الى زيادة الطبقية الزائفة والظلم المجتمعي والإرهاب ونشر الطائفية مما اوقد وعي الشباب – الجيل الصاعد – وأبرزت خطورة الأحزاب الدينية على جيلهم فتبلورت عندهم خبرة وقناعة بإن هذه الأحزاب لا تطور العراق ولا تعاقب المجرمين ولا الفاسدين بل تزيد من الاحتقان الطائفي والحقد والكراهية بين العراقيين وتزيد من ممارسة اللامعيارية والفساد الأخلاقي فتركوا ارثاً كبيراً من الفشل والتمزيق المجتمعي والفساد السياسي والمالي والاداري فكانت هذه الأحزاب (الشيعية والسُنيّه والكردية) عبارة عن عصابات لا تستطيع ان تحكم أو تدير قرية في الريف العراقي إلا عن طريق القتل والفساد فلم يؤسسوا دولة مستقلة وحرة ونزيهة لأن العصابة الإجرامية لا تصلح للإدارة وللحكم الوطني النزيه والعادل.

   لا جرم بعد ذلك من تناول مليشيات هذه الأحزاب الطائفية التي لم تكن وطنية تدافع عن العراق والعراقيين بل هي فصائل مسلحة أغلبهم من حزب الله فرع العراق وحزب الدعوة وعصائب أهل الحق دافعهم طائفي ضيق معادي للروح الوطنية، ولائهم لإيران وليس للعراق وإن ولائهم للمرشد الإيراني علي خامئني بشكل مطلق وليس الى تاريخ العراق وسيادته، يمارسوا العنف والإرهاب لترهيب العراقيين وليس لتأمين أمنهم وحياتهم وممتلكاتهم لذا فإن إيران تمول هذه المليشيات مالياً وعسكرياً ومعلوماتياً تستلم تعليماتها من الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني.

    استخدمت هذه المليشيات التطهير الطائفي والقتل على الهوية وقتل قادة الجيش العراقي السابق وبالذات ضباط القوات الجوية والطيران وأعضاء حزب البعث الذي حكم العراق قبل عام 2003. جميع هذه المليشيات تتمتع بقدرات مالية وبشرية كبيرة فمعظمها تتلقى الدعم من إيران.

   لكي نتوسع بتوضيح هذا التنظيم الإجرامي الذي أجرم بحق العراقيين نطرح اسمائها وهي ما يلي: –

       تعد مليشيات “فيلق بدر” و”جيش المهدي” و”عصائب أهل الحق” و”جيش المختار” و”لواء أبو الفضل العباس” أبرز المليشيات الشيعية المسلحة.

فيلق بدر: تأسس في طهران عام 1981 من قبل المجلس الأعلى الإسلامي العراقي الذي كان يسمى في ذلك الوقت “المجلس الأعلى للثورة الإسلامية”، على يد عالم الدين الشيعي محمد باقر الحكيم الذي اغتيل في العام 2003 بعد أشهر من الاحتلال الأميركي للبلاد. وكان الفيلق يتلقى الدعم والتدريب من إيران، ويشن عمليات عسكرية ضد نظام صدام حسين.

ويتزعم فيلق بدر حالياً وزير النقل في حكومة نوري المالكي المنتهية ولايتها هادي العامري، ويضم نحو 12 ألف مقاتل، غالبيتهم انخرطوا في صفوف الأجهزة الأمنية العراقية ويتولون مناصب قيادية في وزارة الدفاع وجهاز الاستخبارات.
وانشق العامري – الذي يقود فيلق بدر منذ العام 2002 – عن المجلس الإسلامي

الأعلى بعد انتخابات 2010، ويقود العمليات العسكرية حاليا في محافظة ديالى (مسقط رأسه).

ويعتقد البعض أن مقاتلي الفيلق انقسموا بين المجلس الأعلى الذي يقوده حاليا عمار الحكيم، ومنظمة بدر بقيادة العامري، إلا أن المؤشرات تدل على أن غالبيتهم ما زالوا يدينون بالولاء للعامري المتحالف مع المالكي.

ويُتهم فيلق بدر بالوقوف وراء مقتل العديد من قادة الجيش العراقي السابق، ولا سيما ضباط القوات الجوية والطيارين، وكذلك أعضاء حزب البعث المحظور في أعقاب إسقاط النظام السابق.

وبعد الهجوم الذي شنه مقاتلو “الدولة الإسلامية” في يونيو/حزيران الماضي وسيطروا خلاله على نحو نصف مساحة العراق، كلف المالكي القيادي العامري بالإشراف المباشر على العمليات العسكرية في محافظة ديالى ضد تنظيم الدولة.

جيش المهدي: الجناح المسلح للتيار الصدري الذي يقوده القيادي الديني الشيعي مقتدى الصدر، تأسس في سبتمبر/أيلول 2003 لقتال القوات الأميركية في العراق.

ويتكون من شباب يُقلدون عالم الدين محمد صادق الصدر الذي اغتاله حزب البعث العراقي عام 1999، وتشير التقديرات إلى أن عدد أفراده يصل إلى نحو ستين ألفا.

وقبل فترة العنف الطائفي عام 2006، خاض جيش المهدي معارك عدة ضد القوات الأميركية التي احتلت العراق، وانتهت معاركه مع الأميركيين بخسارته معركتين للسيطرة على النجف والبصرة، وتسليم أسلحته إلى لجنة عراقية أميركية مشتركة.

وإبان حكومة إياد علاوي عام 2004، خمدت نشاطاته ليعود في العام 2006 عقب أحداث تفجير مرقدي الإمامين العسكريين في سامراء بمحافظة صلاح الدين، وأقر الصدر بوجود “عناصر مجرمة وفاسدة” في جيش المهدي، وأعلن تبرأه من كل عنصر يتورط في قتل عراقي.

وخاض في عام 2008 معارك طويلة ضد القوات الحكومية في إطار ما عُرفت باسم “صولة الفرسان”، وفي عام 2009 أعلن الصدر تجميد المليشيا بشكل كامل، وطرد المتورطين في عمليات “تطهير طائفي” وقتلٍ على الهوية، وذلك قبل أن ينخرط في العملية السياسية.

وفاجأ الصدر الجميع بإمكانات عسكرية غير متوقعة عندما عاد جيش المهدي من جديد في يونيو/حزيران الماضي باسم “سرايا السلام” في استعراض عسكري ببغداد، حيث حمل مقاتلوه أسلحة ثقيلة وصواريخ “مقتدى واحد”، يُعتقد أنه تلقاها من طهران.

ويقول الصدر إن “سرايا السلام” تتولى مهمة حماية المراقد المقدسة وأنها لا تشارك في القتال في الموصل وتكريت التي تسيطر عليهما الدولة الإسلامية.

عصائب أهل الحق: تشكلت بشكل رسمي بعد انشقاق القيادي في التيار الصدري قيس الخزعلي، ولحق به آلاف المقاتلين في عام 2007، وتقول تقارير غربية إنها تعمل تحت رعاية قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني.

وظهرت عصائب أهل الحق عام 2004 كأحد الفصائل التابعة لجيش المهدي تحت اسم “المجاميع الخاصة”، وتولى قيادة المجموعة منذ تأسيسها قيس الخزعلي، أحد المقربين من مقتدى الصدر، مع عبد الهادي الدراجي وأكرم الكعبي.

ومع بداية 2006 كانت الحركة تعمل بشكل أكثر استقلالية عن بقية سرايا جيش المهدي في حين بدأت بالعمل بشكل مستقل تماماً بعد إعلان تجميد جيش المهدي، ويقدر البعض عدد أفرادها بثلاثة آلاف مقاتل عند الإعلان عن تأسيسها الرسمي في 2007.

وتحولت العلاقة بين الصدر والخزعلي إلى ما يشبه العداء، واتهم الصدر العصائب عام 2007 بـ “ارتكاب جرائم طائفية”، وطالب “إيران بوقف التمويل عنها”.

وكان الخزعلي اعتقل في مارس/آذار 2007 على خلفية اختطاف وقتل خمسة أميركيين بمدينة كربلاء(جنوب)، وأطلقت الحكومة العراقية سراحه عام 2010 في إطار صفقة مبادلة مع “العصائب” تمخضت عن الإفراج عن رهينة بريطاني.

ويُعرف عن مليشيا عصائب أهل الحق أنها من أشد الفصائل الشيعية تشددا، وكانت ضالعة بصورة واسعة في أعمال العنف الطائفي بين عامي 2006 و2007.

وأعلنت العصائب مسؤوليتها عن ما يقارب ستة آلاف هجوم على القوات الأميركية وحلفائها والقوات العراقية، وذاع صيتها عندما اختطفت مهندسي نفط بريطانيين وجنديا أميركيا عامي 2008 و2009، وتمتاز بنوعية التسليح العالي والإمكانات المادية المتفوقة.

وبعد رحيل القوات الأميركية أواخر 2011، أعلنت تخليها عن السلاح والانضمام للعملية السياسية، وبات الخزعلي مقربا من المالكي. ويُقدر عدد أفرادها بنحو عشرة آلاف مقاتل، ويشارك الآلاف منهم في القتال إلى جانب قوات النظام السوري.

واعتمد المالكي على مقاتلي عصائب أهل الحق منذ مطلع العام الحالي بشكل سري عندما سيطر تنظيم الدولة الإسلامية على الفلوجة وبلدات أخرى في محافظة الأنبار غربي البلاد.

وتحدثت تقارير عن قتالها إلى جانب قوات الأمن العراقية، كما اتهمها السكان السنة بارتكاب انتهاكات بحقهم في ديالى ومناطق حزام بغداد، وبإعدام العديد منهم دون محاكمة، وبمهاجمة دور عبادتهم.

وينشطون حاليا في محافظة ديالى وفي مناطق حول سامراء بصلاح الدين وعلى المشارف الغربية والجنوبية لبغداد.

ووجه البعض أصابع الاتهام إليها في إعدام مواطنين سنة مؤخرا في مدينة بعقوبة مركز ديالى، وتعليق جثثهم بأعمدة الكهرباء لترهيب الناس.

جيش المختار: مليشيا شيعية تابعة لحزب الله فرع العراق، يتزعمه القيادي الديني واثق البطاط الذي يقول إن تنظيمه امتداد لحزب الله اللبناني، ويرفع مثله رايات صفراء لكن بشعارات مختلفة.

ويدعو الحزب منذ تأسيسه في مطلع يونيو/حزيران 2010 لقتل أعضاء حزب البعث المحظور ومن يصفهم بـ”النواصب والوهابيين”.

ويجاهر البطاط بالولاء المطلق للمرشد الإيراني علي خامنئي ويقول إنه سيقاتل إلى جانب إيران إذا ما دخلت في حرب مع العراق على اعتبار أن خامنئي “معصوم من الخطأ”.

وتبنى “جيش المختار” في نوفمبر/تشرين الثاني 2013 قصفاً صاروخياً استهدف مخافر حدودية سعودية انطلاقاً من صحراء السماوة جنوبي غربي العراق، ردا على “تدخلات المملكة في شؤون العراق”، حسب قول البطاط.

وعلى خلفية الحادث اعتقلت قوة أمنية عراقية البطاط مطلع العام الحالي في العاصمة بغداد ولا يزال محتجزا حتى اليوم.

وتشير التقديرات إلى أن مليشيا جيش المختار تضم نحو أربعين ألف مقاتل، ويرجح أنها انخرطت في المعارك الأخيرة مع تنظيم “الدولة الإسلامية”، لكن لم تتضح المناطق التي انتشرت فيها.

لواء أبو الفضل العباس: فصيل مسلح حديث التأسيس أُعلن عنه من قبل المرجع الشيعي العراقي قاسم الطائي إبان اندلاع الثورة السورية ضد نظام بشار الأسد في 2011 لمساعدة قوات النظام السوري.

ويضم الفصيل، الذي يقوده الشيخ علاء الكعبي، مقاتلين عراقيين ينتمي أغلبهم إلى عصائب أهل الحق وحزب الله العراقي والتيار الصدري.

يعتبر اللواء من أوائل الفصائل الشيعية التي تدخلت عسكريا في سوريا ووقفت لجانب النظام السوري منذ العام 2012 بدافع عقائدي وهو الدفاع عن مرقد السيدة زينب بدمشق وحمايته.

وسحب مسؤولو لواء أبو الفضل العباس معظم مسلحيه من سوريا لمواجهة زحف تنظيم الدولة.

ويقول الكعبي إن هناك عاملين ساهما في تشكيل اللواء، الأول عقائدي للدفاع عن المراقد المقدسة، والآخر وطني يتمثل في الدفاع عن البلاد من “خطر” تنظيم الدولة الإسلامية.

ويؤكد مشاركة مقاتليه في عدة معارك بمناطق مختلفة إلى جانب الجيش العراقي ضد تنظيم الدولة. [https://www.aljazeera.net]

  بعدها ننتقل الى استعراض بعض الأحزاب الطائفية والعرقية التي سادت الساحة العراقية بعد الغزو الأمريكي وهي: –

قائمة بعض الأحزاب الطائفية والعرقية:

أ – حزب الدعوة الإسلامية.

ب – المجلس الأعلى الإسلامي.

ت – الحزب الديمقراطي الكردستاني.

ث – الحزب الإسلامي العراقي.

ج – الاتحاد الإسلامي الكردستاني.

ح – حزب الفضيلة.

خ – حزب العمل الإسلامي.

د – هيئة علماء المسلمين.

ذ – حزب الله.

ر – حركة التغيير – كوران.

ز – الحزب الشيوعي.

س – الاتحاد الوطني الكردستاني.

ش – الجبهة التركمانية العراقية.

   نأتي الان الى تقديم حالة الاكراد وموقفهم من العراق بعد الغزو الأمريكي حيث الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي يختلف إذ لم تكن هناك أحزاب طائفية بل قومية – عشائرية مثل الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني وحركة التغير – كوران حزب معارض لكن جميعها همشت التكنوقراطيين بل نصبوا المقربين والجميع يخضع الى عائلة البرزاني هدفهم السيطرة على إدارة النفط والغاز ومشاركة العائدات الأرض كل ذلك عرقل وحدة العراق وسيادته مع تدخل نفوذ إيران في الأقاليم وبالذات في عام 2017. ولكل حزب لديه مليشيات مسلحة غير منضبطة لأنها خاضعة لأوامر الأحزاب السياسية.

      في العاشر من تموز/يونيو، صوّت برلمان إقليم كردستان على منح ثقته لحكومةً جديدة برئاسة مسرور بارزاني، الابن الأكبر لرئيس الإقليم السابق مسعود بارزاني. ويخلف مسرور ابن عمه نيجيرفان بارزاني الذي شغل منصب رئيس وزراء إقليم كردستان لفترة طويلة وأدى اليمين الدستورية كرئيس الإقليم في الشهر الماضي. وتضم الحكومة حالياً 21 وزيراً، من بينهم ثلاثة وزراء بدون حقيبة وزارية. وتم تخصيص مَقعديْن لممثلي المسيحيين والتركمان، وفازت ثلاث نساء بمقاعد وزارية وهو أعلى معدل للتمثيل النسائي في الحكومة حتى الآن.

لقد استغرق تشكيل الحكومة الجديدة تسعة أشهر في أعقاب الانتخابات البرلمانية في أيلول/سبتمبر الماضي. ويعود سبب التأخير إلى الانقسامات الحادة بين الأحزاب السياسية الرئيسية في إقليم كردستان وداخلها. فلم يستطع الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي فاز بـ 45 مقعداً من أصل 111 مقعداً في البرلمان، تشكيل حكومة بدون الاتحاد الوطني الكردستاني (21 مقعداً)، ولطالما تأرجح هذان الحزبان ما بين الشراكة والتنافس تبعاً للظروف السياسية. أما حزب غوران (حركة التغيير) الذي يُعتبر أكبر حزب معارض في إقليم كردستان فقد حلّ في المرتبة الثالثة بحصوله على 12 مقعداً. ومن الناحية الجغرافية، يتنافس حزب غوران مع الاتحاد الوطني الكردستاني على محافظة السليمانية، بينما يمسك الحزب الديمقراطي الكردستاني زمام الأمور في محافظتَي أربيل ودهوك. وقبل الحملة الانتخابية وخلالها وبعدها، تبادلت الأحزاب الثلاثة إلقاء اللوم على بعضها البعض حول استفتاء الاستقلال الفاشل لعام 2017، الذي كلّف إقليم كردستان غالياً من النواحي السياسية والاقتصادية والإقليمية. لذا فإن تشكيل الحكومة الجديدة منح هذه الأحزاب على ما يبدو أرضية مشتركة للمصالحة.

وقد عانى الاتحاد الوطني الكردستاني و حركة التغيير أيضاً من انقسامات داخلية منذ وفاة رئيسيْهما (جلال طالباني ونوشيروان مصطفى، على التوالي) في عام 2017. ويتّسم الحزب الديمقراطي الكردستاني بوحدة أكبر بفضل زعيمه مسعود بارزاني الذي قاد حملة الضغط لاختيار نيجيرفان رئيساً للإقليم ومسرور رئيساً للوزراء، مستهلاً بذلك عملية انتقال الحكم إلى جيل القادة القادم في العائلة.

وفي الواقع، أحسن مسرور حتى الآن اختيار أولوياته. فقد تعهّد بأن تركز حكومته على تبسيط علاقات حكومة إقليم كردستان مع بغداد حول قضايا الإيرادات والأراضي، والعمل في الوقت نفسه على محاربة الفساد والارتقاء بمستوى الحوكمة والتنوع الاقتصادي داخل الإقليم. لكنه يواجه تحدييْن رئيسييْن.

يكمن التحدي الأول في الطبيعة الحزبية لحكومته. فبعد عملية اختيار مشحونة سياسياً، تم عموماً تهميش التكنوقراطيين لصالح الموالين لمختلف الأحزاب المنافسة، الأمر الذي قد يؤخّر تنفيذ جدول أعماله أو يحرّفه عن مساره.

أما التحدي الثاني فهو أن جميع المناصب السابقة التي شغلها مسرور كانت في القطاع الأمني، ولم يشغل يوماً أي منصب وزاري. وفي منصبه السابق، كان رئيس مجلس أمن إقليم كردستان، وهو دور مهم أشرف بموجبه على جهاز الأمن في الإقليم وأثبت مؤهلاته العسكرية القوية. ولكنه كان محاطاً في ذلك المنصب بالمقرّبين وكان يرفع تقاريره لوالده فقط. من هنا، فإن قيادة حكومة متعددة الأحزاب على مرأى من الرأي العام، لا سيما وأن معظم وزرائها يتبوؤون مناصبهم للمرة الأولى، لن تكون مماثلة لتجاربه السابقة. ولعل إرشادات نيجيرفان المتمرس ونائب رئيس الوزراء قباد طالباني من الاتحاد الوطني الكردستاني قد يساعدان مسرور في تسهيل انتقاله إلى منصبه الجديد.

     ومع ذلك، يسير مسرور حالياً على درب التغيير بدلاً من مواصلة المسار القائم، حيث صرّح في تغريدة بتاريخ 10 تموز/يوليو أن حكومته تمثل حقبة جديدة لكردستان. وقد يؤشّر ذلك على منافسة ناشئة بين أبناء العم. فأحد المقربين من نيجيرفان الذي شغل منصب وزير الموارد الطبيعية وصاحب النفوذ آشتي هورامي غائبٌ عن الحكومة. أضف إلى ذلك أن الموقع الإلكتروني لحكومة إقليم كردستان أصبح الآن يحمل اسم نطاق جديد ولا يتضمن أي روابط إلكترونية إلى الحكومات السابقة. وفي ضوء هذه التطورات، أصبح الدور الذي ستلعبه ديناميات عائلة بارزاني في العملية الانتقالية موضوع نقاش كثير في الصحافة ومنصات التواصل الاجتماعي الكردية.

وتدعم واشنطن وجود حكومة قوية لإقليم كردستان داخل دولة عراقية موحّدة. وهناك عدد من الخطوات التي من شأنها أن تساعد في تسهيل الوصول إلى هذا الهدف، هي:

تحسين العلاقات بين حكومة إقليم كردستان وبغداد: من أجل تعزيز هذه الأولوية التي سبق الإعلان عنها، سيحتاج رئيس الوزراء بارزاني إلى بناء علاقات بين الحكومتين الفيدرالية والإقليمية على أُسس قانونية ورسمية متينة وليس على مصافحات سياسية محدودة الأجل. فهناك خلافات طويلة الأمد بين بغداد وأربيل حول حقوق إدارة النفط والغاز، ومشاركة العائدات والميزانية، والأراضي، متسببة في انعدام الاستقرار وعدم اليقين، مما أعاق الهدف الأمريكي والعراقي المتمثل في تعزيز دولة ذات سيادة، موحدة ومزدهرة. وشهدت العلاقات بين حكومة إقليم كردستان والحكومة الاتحادية في بغداد فترة ودٍّ وتقارب في عام 2019، ولكن هذا الانفراج غير ثابت. لذلك سترحّب واشنطن بأي التزامات جوهرية يتعهد بها بارزاني لإقامة علاقة منصفة وقائمة على القانون ومفيدة للطرفين مع بغداد.

إبقاء إيران بعيدة عن التدخل في الشأن العراقي: إن طبيعة التعامل السياسي بين حكومة إقليم كردستان والحكومة الاتحادية غالباً ما تدعو طهران إلى التدخل كوسيط ومنفّذ. غير أن خطر هذا النفوذ الإيراني قد ازداد منذ عام 2017، عندما عارضت واشنطن استفتاء الاستقلال الذي أجرته حكومة إقليم كردستان، مما أدّى إلى حدوث تعكر في العلاقات الأمريكية -الكردية على أثر ذلك. وفي ذلك الوقت، كان مسرور بارزاني المناصر الأكبر للاستفتاء (في مساعي الأكراد) في واشنطن. وبعد أن خاب أمل الحزب الديمقراطي الكردستاني من القرار الأمريكي، عمل – من جملة خطوات أخرى – على إصلاح علاقاته مع إيران. وفي المرحلة القادمة، تستطيع حكومة إقليم كردستان أن تنال حظوة في واشنطن إذا تبنّت سياساتٍ تسهم في عدم تبعيّة العراق للتلاعب الإيراني غير المبرّر.

توحيد البيشمركة: إنّ إضفاء الطابع المؤسسي على قوات الأمن الكردية وتوحيدها لن يساهما في حماية كردستان من فلول تنظيم الدولة الإسلامية فحسب، بل سيعززان أيضاً المكانة السياسية لحكومة إقليم كردستان داخل الإقليم وخارجه. فعلى غرار ما حدث في مناطق عراقية أخرى، تسبّبت التنظيمات المسلحة غير المنضبطة والخاضعة مباشرةً لإمرة الأحزاب السياسية بتقويض شرعية حكومة إقليم كردستان. لكن بفضل الخلفية الأمنية لبارزاني ومنظوره الجديد، يتمتع رئيس الوزراء بفرصة لضمان أن تكون البيشمركة مسؤولة أمام حكومته وليس أمام الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني. كما أن وحدة البيشمركة هي مَطْلب شعبي قديم، خاصة وأن الانقسامات داخل قوات الأمن قد زادت من الخسائر التي أعقبت الاستفتاء. ويحظى بارزاني بدعم أجنبي في هذه القضية أيضاً، نظراً للضغوط الدولية المتزايدة التي تمارَس على العراق لضبط ميليشياته. [https://www.washingtoninstitute.org]

   أما موقف الاكراد من العراق وثرواته فإنه لم يختلف عن موقف الأحزاب الشيعية التي حكمت العراق من حيث عدم بروز روح الانتماء للعراق عند الكرد بل كانوا يمارسوا الإيذاء والتمزيق والسرقة وكأنهم يريدوا الانتقام منه كبلد وكمجتمع من خلال خلق الاضطرابات وأضعاف حكومته ونهب خياراته فلم يساهموا في بناءه أو استتاب أمنه كما فعل أذناب الحكومة الإيرانية في العراق الذين استلموا مواقع مؤسساتية قيادية متعاونين مع الأكراد في إفساد نظمه المؤسسية ونهب بدون رقيب لثرواته المادية والطبيعية وكأنهم في بلد غير بلدهم وهذا يؤكد على الان الاثنين لم يفكروا في بناء العراق بعد ان هدمه الغزو الأمريكي ونهب خيراته، كلاهما عمدا على اسقاط العراق بتقسيمه الى ثلاث دول (كردية وشيعية وسُنيّه).

   حيث ان الفوج الرئاسي التابع الى وزارة البيشمركة هم الذين كانوا يقنصون المتظاهرين منذ الأول من أكتوبر 2019 وكان الاكراد يعرقلون مشروع قانون الانتخابات وبنسبة 100%. أي التحالف الكردستاني وهم الذين فرضوا في الدستور الغاء أي تعديل عليه إذا لم توافق على التعديلات الدستورية ثلاث محافظات أي محافظات إقليم كردستان وهم الذين أدخلوا القوات التركية لاحتلال بعض الاقضية في شمال العراق وأدخلوا تنظيم داعش الى الموصل وسنجار وكركوك، وهم الذين سرقوا النفط وتصديره الى إسرائيل ويأخذوا حصتهم من نفط الجنوب دون تسليم قطرة واحدة من نفط الشمال، وعرقلوا تسليح الجيش العراقي بالأسلحة الحديثة والمتطورة فضلاً عن كون اقليم كردستان فيه أهم وكر للمخابرات الصهيونية وأكثر مكاناً لأمن القتلة والسراق والخونة الذين تلطخت أيديهم بدماء الشعب العراقي وسرقوا قوت شعبه وساعدوا الامريكان على غزو العراق وسرقة النفط علناً.

    أنهم ضد وحدة العراق واعداء شعبه ولصوص ثروته علناً وسراً لم يختلفوا عن أعداء النظام الإيراني للعراق وطمعهم بثرواته والانتقام منه ومن أهله.

4 – الثقافة الميلشياوية

     هي ثقافة فرعية subculture متفرعة من الثقافة العامة والشاملة – العراقية لكنها مختلفة عنها في معايرها وتنظيمها وأعرافها وعضويتها لا ترغب بالتماهي مع الثقافة العراقية العامة وذلك راجع لمواقفها المعارضة لمعايير وقيم الثقافة العراقية الموحدة لأنها مقتصرة فقط على طائفة دينية معينة أو اقلية عرقية خاصة. يظهر هذا النوع من الثقافات في الانساق الاجتماعية الهجينية crossbred system التي تجمع بين عدة أديان وطوائف واعراق مثل المجتمع العراقي.

    ولما كانت فترة ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 فترة تمثل العصر الطائفي الشيعي برزت الثقافة الطائفية الشيعية بشكل صارخ مدعومة من قبل إيران الفارسية وهنا أصبحت العلاقة بين أبناء الثقافة الفرعية والعامة غير متكافئة أي أصبحت الطائفية هي المتسلطة على الأخرى مارست الاستغلال والابتزاز فكونت الطائفة الشيعية جماعات مليشية مسلحة متعددة احزابها الدينية أي مليشيات ذات غطاء طائفي سلطته تتفوق على سلطة القانون وعلى سلطة الدولة ثم تحولت الى فرق الموت تطارد السُنّه في مدنهم وقراهم ومخيماتهم، تُحصل على تمويلهم وتسليحهم من الحكومة العراقية والإيرانية والأمريكية. حيث قد لهم نوري المالكي رئيس الوزراء آنذاك غطاءً حكومياً ورواتب ومعانات تقاعدية من ميزانية الدولة وملابس عسكرية واسلحة وسيارات تحمل ارقاماً حكومية ولديهم معتقلات خاصة بهم. تقوم بالتطهير العرقي والتغيير الديموغرافي ومصادرة الممتلكات الخاصة بالطوائف الدينية والعرقية كالمسيحيين والصابئة وعرب السُنّه واليزيدين وتساعد على الاستيطان الإيراني في العراق وتجمع بين الدين والسياسة حيث هناك أكثر من (50) مليشية في العراق شيعية وسُنيّه وكردية وجودها هذا يعني إهانة للجيش العراقي وللأجهزة الأمنية فأصبحت دولة العراق دولة مليشيات ألغت سلطة القانون فذهبت الى سلطة الطائفة الشيعية.

    دعنا نوضح مفهوم مصطلح المليشيات قبل ان ندخل في تفاصيلها، فهي جماعة مسلحة غير نظامية تجند افراد من ذوي خلفيات اجتماعية خاصة بالعمل فيها بأسلوب حر بالعصابات هدفها مناصرة الجهة المستأجرة لها في شن هجوم مسلح على المعارضين للسلطة أو الحزب المستأجر لهم. ففي مصر يطلق عليهم بـ (البلطجية) وفي سوريا (الشبيحة) أو الزعران في العراق (الشلايتيه أو الشقاوات) جميع افرادها من العاطلين عن العمل يتم تأجيرهم من قبل أصحاب النفوذ أو الساسة أو الحكومة أو الحزب او الطائفة الدينية ممن يحسنون استخدام القوة العضلية والمهارة في استخدام السلاح الأبيض والناري وبالذات القنص في استخدام البندقية أو المسدس الكاتم للصوت لترويع المعارضين للحكم أو لإشعال الفتنة الطائفية أو العرقية او الإقليمية أو لابتزاز أموال بعض الافراد المنشقين عن الفئة الحاكمة أو عن الطائفة المتحكمة.

   أنهم مخربين ومارقين يتم تجنيدهم عند الطلب وحسب المال المدفوع لهم. لا علاقة لهم بالوطن أو الدين أو العراقيين لأنهم من أصحاب السوابق والخارجين عن القانون تستخدمهم الحكومات الدكتاتورية التي لا تحكم شعبها بمسئولية وطنية بل مفروضة على الشعب بالقوة لا تؤمن بالمعارضة الشعبية ولا الحزبية ولا الطائفية لكي توهم العالم بإن رجال الامن والسلطة لا تقوم بقمع شعبها. تلبسهم ملابس مدنية وتزودهم بالسلاح القاتل وتدسهم بين صفوف المعارضين او مداهمة منازلهم أو مقرات تجمعاتهم. الحكومة بعملها هذا تثير الشغب والاضطراب والرعب بين صفوف شعبها بدلاً من اشعارهم بالأمن والاستقرار، فضلاً عن اشعال الفتنة الطائفية بين الأديان والطوائف عبر حرق الجوامع أو الكنائس.

    هذا الاستخدام المليشياوي – البلطجي ما هو سوى اعتراف بضعف الحكومة في التعامل مع الرأي الاخر وعدم احترام حقوق المواطنين بل تمسكها بحكمها الجائر ومدركة بإن الشعب لا يريدها بل يريد تغيرها لذلك فإنها تمارس أبشع الوسائل القمعية للقضاء قسراً عليها سواء بالقتل أو الاعتقال أو السجن أو التهجير. بمعنى انها ليست حكومة وطنية ولا شعبية ولا مدنية.

   هذا النوع من المارقين لا يجدون وجدودهم إلا في ظل الحكم المستبد والظالم لأنه يعتمد عليهم في تطبيق استبداهم ولا تنتعش مناشطهم إلا في بيئات قمعية ودموية وإجرامية وعادةً ما يكونوا محميين من قبل السلطة التي تدفع لهم أجور على أعمالهم الدموية والقمعية بمعنى أنهم ضد الوطنية والوطن مع الحاكم الجائر والظالم واللاوطني.

   جدير بذكره في هذا المقام والسياق الى ان مليشيات الأحزاب الطائفية والعرقية ان هذا في العراق قد ابتلعت الأجهزة الأمنية والعسكرية لدرجة ان هذا الابتلاع جمّدَ وأخرس الحكومة العراقية وأجهزتها الأمنية والعسكرية فباتت هي الحاكم والآمر العقلي. علاوة على ذلك افتعلت العديد من الأزمات للحكومة العراقية مثل الهجوم على السفارة الأمريكية في بغداد والاعتصام في ساحتها وتخريب وحرق سورها وبرجها واطلاق الصواريخ على المعسكرات الأمريكية في الأنبار وكركوك وبغداد وقتل المحتجين والمعتصمين في ساحة التحرير والمحافظات الوسطى والجنوبية متحدين القضاء والأجهزة الأمنية والعسكرية العراقية كل هذا الاستهتار والاستقواء التي قامت به مليشيات الأحزاب الطائفية والعرقية صادر من دعم وتوجيه الحكومة الإيرانية لها لدرجة انها جعلتها تهدد الحكومة العراقية بالإقامة الاجبارية إذا لم تستجيب الى اوامرها!!!

   أنهم مأجورين للقتل وسفك الدماء واشعال الفتن والحروب الأهلية لا يكونوا سعداء في أوقات السلم والحرية والوحدة الوطنية بل يسعدوا في الاضطرابات والنزعات والمعارضات ضد نظام الحكم من قبل الواعين والمثقفين والوطنيين.

    بعد هذا الاستهلال عن مفهوم المليشيات الحزبية الطائفية اتحول بعد ذلك الى مقارنتها مع الجماعات الإجرامية مثل العصابات الإجرامية المنظمة organized crime  والإرهابيين Terrorists.

 ففي الجماعة الإجرامية الأولى (العصابة المنظمة) هناك قواسم مشتركة بينها وبين الإرهابين مثل: –

أ – علاقة حميمة بين الأعضاء والود المتبادل بينهم.

ب – هدفهم الأبعد وحدة الجماعة أو العصابة.

ت – استخفافهما واستهتارهما واحتقارهما لحقوق الإنسان الأسوياء.

ث – التخطيط المسبق لأنشطتهم الإجرامية.

ج – لديهم تدرج موقعي متسلسل (قائد ومساعدين واتباع).

ح – عدم اقتصار نشاطهم الإجرامي على منطقة جغرافية واحدة بل عدة مناطق حسب ظروف الاضطراب واعمال الشغب.

   أما تشابههم في الإجرام باختراق القانون: –

أ – يكون الإرهابي مدفوعاً بدافع عقيدة معينة، بينما المليشياوي لا يحمل فكرة أو عقيدة بل مأجور مالي في إثارة الفتن أو قتل المواطنين.

ب – يقدم الإرهابي على قتل مجهولين أبرياء بينما المليشاوي يقدم على قتل بقصد متعمد ومخطط له.

ت – الإرهابي متعصب دينياً وسياسياً بينما المليشاوي لا يعرف التعصب بل يقتل بدافع المال المقدم له من قبل السلطة أو الحزب لكي يدافع عنه.

ث – كلاهما من الذكور الذي تتراوح أعمارهم ما بين 22 – 28.

ج – كلاهما منحدرين من الطبقة الدنيا والعاطلين عن العمل.

ح – كلاهما لا يملكا الشعور بالرحمة والشفقة والندم.

خ – كلاهما يذعنان للمطاوعة لقائد الجماعة التي ينتمون اليها.

د – كلاهما من المفلسين مالياً.

ذ – كلاهما يمارسا العنف.

ر – كلاهما لا يفهما الأمور السياسية والدينية.

   في الواقع تتأسس هذه المليشيات عندما يكون الحاكم مستحوذاً على السلطة قسراً ومستبد في حكمه ويخشى من انقلاب المؤسسة العسكرية عليه وعندها يعتمد على مليشيات يؤسسها هو من أنصاره وطائفته أو حزبه وكان مصيرها جميعاً الزوال وعدم احترام المجتمع العراقي لها بل ادانها ووصمها بالمجرمة لأنها مارست القتل والفساد فلم تكن عراقية في تعاملها بل فئوية طائفية أو حزبية في مجتمع متنوع الأعراق والديانات مثل المجتمع العراقي الذي يضم كياناً هجيناً يجمع بين عدة طوائف وشرائح وأطياف في بيئة واحدة وثقافة عامة وشاملة.

   لا جرم من القول بإن الأحزاب الطائفية والعرقية عملت على تكوين مليشيات خاصة بها لتحصين حكمها الفئوي وهذا أكبر خطأ تقوم به لأنها تعمل على تمزيق النسيج الاجتماعي وتباعد الفجوة بينهما ينتهي بصدامات وحروب أهلية لا سيما وانها مدعومة من قبل السلطة فتكون خارقة للقانون المرعي والسلطة ومهيمنة للأجهزة العسكرية والأمنية انها صفة سيئة اتصف بها المجتمع العراقي، لم يتعلم دروسها من الذين سبقوه في حكم العراق وكيف انتهوا فضلاً عن كونها تسيء للوطن الذي يجمع هذا الهجين المتنوع والمتحضر فالجماعات المليشاوية اساءت وتسيء للعراق كوطن وللعراقيين في ثقافتهم الشاملة وللدين كمسلمين. أنها تعبر عن عدم وطنية الحكام العراقيين القدامى والحاليين في حكمهم للعراق والعراقيين مما يواجهوا صدامات وصراعات من قبل الجماهير العراقية الوطنية فأزالتهم من سدة الحكم وستزيل الحالين من حكمهم ايضاً وهكذا يعيد التاريخ نفسه مع حكام العراق الطاغين والغير وطنيين. أنها احدى صور ثقافة العنف الجماعي غير الرسمي المدعوم من الحكم الجائر ومن أعداء العراق في الخارج أمثال أمريكا وإيران وتركيا وإسرائيل قام بها صعاليك – بلطيجة – شلايتيه – زعران في مساعدة الحكومة المفروضة على العراقيين في بقائها على سدة الحكم.

    أنها أسوء مرحلة تاريخية يعيشها العراقيين مشحونة بالاضطرابات والإرهاب والعنف والفتنة الطائفية والعرقية والقتل العلني والتفجيرات ونهب الممتلكات العامة والثروة الوطنية، غابت فيها الضوابط العرفية والوضعية فسببت اللامعيارية فاختل الأمن والأمان.

  وللمزيد من المعلومات عن الجماعات المليشاوية في العراق الحديث. تجري في العراق اليوم عملية تشكيل الميليشيات المسلّحة بسرعة تُثير قلق قادة التيار المدني في البلاد، وأوساط حكومية وبرلمانية عراقية، في الوقت الذي تحظى فيه بتأييد من الأحزاب الراديكالية الموالية لإيران.

حالة مشابهة لما كان يجري من تشكيل الأحزاب والكتل السياسية في العراق، عقب الاحتلال الأمريكي للبلاد عام 2003، حين كانت الولايات المتحدة تُموّل أي حزب وحركة سياسية تتشكّل حديثًا، مهما كان توجّه الحزب دينيًّا أو علمانيًّا، شرط أن يكون مؤمنًا بما تسميه واشنطن (التجربة الديمقراطية)، حتى وصلت إلى 711 حزبًا وحركة سياسية.

ولعل أخطر تطور شهده العراق منذ الغزو الأمريكي حتى اليوم، هو القرار الذي اتخذه البرلمان العراقي، باعتبار قوات الحشد الشعبي، قوة عسكرية رسمية، مثله مثل الجيش الرسمي.

لكن الغريب أن قادة الحشد الشعبي، الذي يفترض أنه تكون من متطوعين لبّوا نداء الواجب الوطني، وتطوعوا للدفاع عن بلدهم ضد الجماعات الإرهابية، في منتصف 2014، يرفضون العودة إلى الأوضاع الطبيعية، التي سادت قبل ذلك التاريخ، والتي يفترض أنهم حاربوا من أجل إعادتها، فهم اليوم يصرون على البقاء مسلحين، رغم انتفاء الحاجة لسلاحهم، بل يريدون أن يلعبوا دورًا سياسيًّا أيضًا! وهذا ما تحقق بالفعل.

ففي ثمانينيات القرن الماضي، بدأ في العراق ولأول مرة، كيان هجين عُرف بالميليشيات، بعدما نفذت جماعة مسلّحة، تُطلق على نفسها فيلق بدر، أولى العمليات الإرهابية في العراق، بواسطة سيارات مفخخة وعبوات ناسفة، ضربت بغداد مع الأيام الأولى للحرب العراقية الإيرانية.

    عملية كانت بمثابة إعلان هذه الجماعة عراقية الجنسية، ولاءها الكامل لإيران، وخدمتها لمصالحها على حساب وطنهم، واعتقل أغلب قادتها، وحُكِم عليهم بالإعدام، فيما فر الباقون إلى إيران، وشاركوا مع جيشها في هجماته على العراق، ونفذوا عمليات إعدام لجنود عراقيين، ويُعد هادي العامري وأبو مهدي المهندس، آخر قادتها على قيد الحياة اليوم، ومازالوا يعلنون ولاءهم لإيران.

بعد الغزو الأمريكي، تأسست ميليشيات المهدي منتصف 2003، تلتها ميليشيا العصائب التي انشقت عنها، لتتوالى بعدها عملية تأسيس الميليشيات، وترتفع إلى سبعة تشكيلات، استمر نشاطها في الشقين السياسي والأمني بشكل واسع، وتورّطت في عمليات اغتيال وتفجير واسعة في البلاد، فضلًا عن جرائم التطهير العرقي والتغيير الديموغرافي، ومصادرة ممتلكات طوائف وألوان دينية عراقية مختلفة، كالمسيحيين والصابئة والعرب السنّة.

   ومع سيطرة داعش على مساحات واسعة من العراق، وتهديده العاصمة بغداد والمحافظات الجنوبية، أطلق علي السيستاني «فتوى الجهاد»، منتصف يونيو، بعد خمسة أيام من سقوط الموصل، بموجب هذه الفتوى تَشكَّل ما سمي الحشد الشعبي،

وهو في الحقيقة غطاء ديني للميليشيات القائمة ذات الولاءات الخارجية.

ومنذ تصويت البرلمان العراقي، على قانون الحشد الشعبي، دخل العراق رسميًّا في دولة الميليشيات، التي تلغي سلطة القانون، وتذهب إلى سلطة الطائفة، وتفردها في الحكم، فشرعنة فصائل الحشد الشعبي، الذي جل متطوعيه من ميليشيات طائفية، أسستها وسلحتها ومولتها إيران، وتأتمر بأوامرها الآن، كما يصرح ويعلن قادتها بأنفسهم، وهنا أجزم أن الحشد الشعبي بوجوده (الميليشاوي) ثم دخوله في العملية السياسية وترشح قياداته في الانتخابات القادمة، هو المسمار الأخير في نعش العملية السياسية برمتها، ونسف كامل للتسوية ومساعي المصالحة بين أبناء العراق.

    وجودها القانوني وسيطرتها على مفاصل الدولة عسكريًّا، بدأت المرحلة الجديدة، وهي أن تشارك في الانتخابات، وتحصل على معظم الأصوات، وتدخل إلى البرلمان، وهو أشبه بانقلاب الميليشيا المسلحة للسيطرة على السلطة التشريعية.

ومع وجود تلك القوى المسلحة في البرلمان، فالعراق برلمانياً، سيكون قوة إيرانية جديدة في المنطقة، مع وجود رئيس وزراء لا يمتلك القدرة التشريعية، كما أن القوة العسكرية للميليشيات ستُمثل تهديدًا للمنطقة، وتعمل كأداة إيرانية على توجيه البرلمان، نحو سياسات عدائية للعرب. 

     بقاء ميليشيا الحشد الشعبي هو انطلاق لعصر طائفي جديد، مهد له وأسسه واستقتل من أجله نوري المالكي، الذي يُدير الدولة العميقة، من خلف الستار، لاسيما وقد اعترف بأنه هو من أسس الحشد الشعبي في العراق، تمهيدًا لإعلانه حرسًا ثوريًّا، على غرار الحرس الثوري الإيراني، والذي سيرتبط دينيًّا وعسكريًّا، بالولي الفقيه المرشد الإيراني علي خامنئي، وهذا ليس سرًّا، وإنما يتباهى به جميع قادة الحشد الشعبي، والمالكي نفسه. 

      العراق اليوم بعد حكومة المالكي وصولًا إلى رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي هو دولة شرعنت وجود ميليشيات حقيقية وقانونية، يهمش فيها الجيش العراقي، لا بل هي إهانة وطعنة واضحة للجيش وقادته، وهذا ما أعلنه هادي العامري، قائد فيلق بدر بنفسه عندما قال: إن الحشد الشعبي أصبح أقوى من الجيش، وصدق في هذا تمامًا؛ لأن تسليح الحشد الشعبي والميليشيات بكل فصائلها، بأحدث الاسلحة والدبابات والصواريخ والأجهزة الإيرانية، هو ما جعل الحشد أقوى من الجيش وأهم منه.

وتحت مسمى الحشد، نشطت الميليشيات، التي كانت قد تحولت رسمياً إلى أحزاب أو منظمات سياسية، وأعادت تشكيل نفسها عسكريًّا، وأخذت تعمل علنًا، وتضع لافتاتها وصور قادتها وقتلاها، في شوارع العاصمة وبقية المدن، وبعضها يرفع صور الزعيم الإيراني علي خامنئي، بلا خجل من إعلان تبعيته لدولة أجنبية.

    وبعدما أصبح الحشد مؤسسة رسمية، وصدر له قانون، أصبح عمل هذه الميليشيات علنيًّا، إذ أخذت تسيِّر الدوريات رافعة لافتة رئاسة الوزراء، وإلى جانبها أحيانًا صورة خامنئي، وبلغ عدد الميليشيات التي شكلت باسم الحشد ومن أجل محاربة داعش، 50 ميليشيا، وفق دراسة لكلية الحرب الأمريكية، صدرت في يونيو 2015، لكن العدد اليوم تجاوز هذا الرقم، لأن معظم الجماعات السياسية، استغلت حجة خطر داعش لتشكل ميليشيات مسلحة. 

لكن عندما يكون المنطق أعرج تظهر الحقائق على السطح

    الأول: منطق رسمي مكشوف، تعلنه الحكومة ويصرح به المسؤولون في السلطة، وعلى رأسهم حيدر العبادي، في كل مناسبة في الداخل والخارج، يقول: “إن الحشد الشعبي هو قوة عسكرية رسمية مؤسسة بقانون وهو جزء من القوات المسلحة العراقية، يلتزم بالتعليمات والتوجيهات وبقرارات القائد العام للقوات المسلحة الذي هو حيدر العبادي”.

الثاني: منطق الحشد الشعبي ذاته، يقول: إن أغلب فصائله المسلحة من بين عدد من الفصائل، لم تشكله الحكومة العراقية، إنما شكلته إيران بأمر من الولي الفقيه المرشد الأعلى علي خامنئي.. وجل هذه الميليشيات لا تلتزم بتعليمات ولا بتوجيهات الحكومة، إنما تتحرك في ضوء الأوامر التي تتلقاها مباشرة عبر الجنرال قاسم سليماني من خامنئي، وحركتها ترتبط بمقتضيات واقع السياسة الإيرانية.

     إن المرحلة الحرجة الحالية في العراق، تشير إلى تنفيذ مخطط استيطاني إيراني، يوظف المذهبية السياسية، وعناصر الطائفية غطاءً للتضليل ومستعملًا ميليشياته للترهيب، وفرض إجراء تطهير قومي وطائفي ديموغرافي، لصالح القومية الفارسية ودولتها الإيرانية، فالميليشيات العراقية بثوبها القانوني المشبوه، وبأجندتها نحو الهيمنة على السلطة التشريعية لخدمة الأجندات الإيرانية تؤكد يومًا بعد يوم أن العراق سائر إلى إنشاء دولة للميليشيات بغطاء قانوني.

    ولعل ما يسعى إليه الجنرال الإيراني سليماني والذي صرح به، بأن كل المساعي هي استنساخ تجربة حزب الله اللبناني في العراق، وهي التجربة السياسية، وكذا تجربة الحرس الثوري في إيران، وهي تحصين عسكري ميليشياوي لنظام الحكم المحاصصي الطائفي. [https://www.almarjie-paris.com]

5 – تنظير كسوف العراق المجتمعي

   بادئ ذي بدء نقول لما تم اسقاط النظام الشمولي عام 2003 وتم اجتثاث البعثين من السلطة وتأسيس حكماً جديداً، لماذا استمر النظام الحاكم الجديد بمحاربة العراقيين وقتلهم وسرقة أموال الدولة ونهب ممتلكاتها؟ دون أن ينبي عراقاً جديداً ديمقراطياً غير فردياً؟ ألم يكن من الضروري ان يفتح عهداً جديداً للعراقيين مليء بالحرية والرخاء والأمان والزهو والبناء والانفتاح على العالم الحر؟

    نعم تخلص الحكم الجديد من الدكتاتورية والحروب الإقليمية والاضطهاد وسلب الحرية الفردية، لكن لماذا لم يمارس نهجاً وسياسة ليبرالية ويشجع على اكتساب العلم والمعرفة والفلسفة الحديثة؟

   في الواقع وجدنا عكس ذلك لأن تفكيره ونهجه لا يعرف سوى الانتقام من السلطة ونهب خيرات العراق والاستحواذ على المناصب الحكومية، اما بعد ذلك فليس لديه دراية ومعرفة، عند ذلك أدرك تورطه بهذا المأزق مما دعاه الاستقواء بالأجنبي لينقذ ورطته بالحكم وقد استغلهم – المستقوى به – (إيران، أمريكا، تركيا، إسرائيل، السعودية) جميعهم لم يرحموا العراقيين فكان حكام العراق الجدد (الأحزاب الطائفية والعرقية) مطايا للمستقوى به وأضحى العراقيين ضحايا المتورطين بالحكم.

   جدير بذكره وغني عن البيان ان العراق ليس مجرد بلد عادي بل هو غني بموارده الطبيعية يطمع به الغني والفقير القوي والضعيف القريب والبعيد كذلك يتضمن تنوع ديني وعرقي وقبلي يتعسر على الحاكم الموازنة في حكمه عليهم عندها واجهه المطايا وأسيادهم الأجانب تحديات داخلية وخارجية فقدوا قوتهم الطاغية لكنهم كسبوا ثروات العراق.

   لا جرم من القول في هذا السياق الى انه ليس كل شخص يستطيع ان يحكم العراق بنجاح ويسر إذ يجب ان يكون وطنياً في تفكيره وسلوكه وحكمه مع شعبه قبل ان يكون قائداً عسكرياً أو زعيماً روحياً أو رئيساً حزبياً أو حِرَفياً في اختصاصه (تكنوقراطياً) هذه مناصب غير كافية لحكم العراقيين لأنه متنوع التكوين (عرقياً ودينياً وقبلياً وفكرياً) ومنفتح الذهن ومتماهي مع أرضه ومائه ومتناغم مع احزانه وظلمه وصريح في تعبيره. لذلك وجدنا تاريخه الاجتماعي هائج بموجات تغيراته السياسية وتحدياته واستجاباته، بمعنى انه يتميز بالحركة الدائبة والسكون الزائف.

    ديدني مما عرضته انفاً القول بإن الأحزاب الطائفية (الشيعية والسُنيَّه) والعرقية – العشائرية (الكردية) ليس لديها انتماء تاريخي وثقافي للعراق ولا تماهي مع تركيبته السكانية (لا أنكر ان الأنظمة السياسية التي سبقت عام 2003 قد ساهمت في التعصب ضدهم) إلا ان ذلك لا يجعلهم ان ينتقموا من العراق بعد منحهم السلطة من قبل الامريكان وتحصينهم من قبل الحكومة الإيرانية وهذا يقول لنا بإن عقليتهم بقت متطبعة بالمعارضة وعدم المسؤولية بل الحصول على مكاسب مادية ومعنوية لأن تنظيماتهم الحزبية لم تكن وطنية في عراقيتها بل فئوية تشعر بالدونية التدرجية في الهرم الاجتماعي العراقي ويدركوا جيداً بإنهم ضعفاء شعبياً ليس لديهم قاعدة جماهيرية الأمر الذي دفعهم لتأسيس مليشيات مسلحة للدفاع عنهم ومحاربة التسلط الحزبي لذلك انها لا تثق في المؤسسات العسكرية والأمنية الحكومية وهذا دليل واضح على انهم غير مقدمين وعازمين على إرساء مؤسسات عراقية رصينة لأنهم لا يملكوا تلك العقلية والبرامج الاستراتيجية وإزاء هذا الشعور الواهن دلفوا نحو الاستقواء بالأجنبي (إيران، أمريكا، تركيا، السعودية، إسرائيل) للتحصن بحصنهم السياسية والعسكرية والأمنية هذا على الصعيد الخارجي، اما على الصعيد الداخلي فقد اختاروا سياسة المحاصصة لكي يكرسوا نهج الفساد ونشر التعامل اللاأخلاقي واللاموضوعي واللانزيه بين الناس لكي يستمروا في حكمهم اللاوطني فحولوا حياة المجتمع الى هدف الحصول على مكاسب مادية غير مشروعة فأزالوا قيمة الحياء والخجل والاستقامة والنزاهة فزوروا الوثائق والشهادات واستغلوا صلاحيات المناصب وتجاوزها واخترقوا القوانين فانشغلوا بالكسب غير المشروع واهملوا الإصلاح والبناء والتقويم والتنمية والتخطيط في كل شأن من شؤون الحياة العراقية فأصبح العراق من البلدان المشهورة عالمياً بالفساد لا تثق فيه أية دولة أو منظمة دولية. وهذه الأحزاب الطائفية والعرقية لا تعير أهمية لهذا الازدراء العالمي والوصمة الدولية للعراق لأنهم لا يحملوا اسمه بل يحملوا سام حزبهم فيخلصوا له لكي يحصلوا على منافع مادية من خلال دعمهم له. بمعنى ان المشكلة تكمن في الحزب قبل العضو وهذه الأحزاب ذاتها غير وطنية ولا يهمها مصلحة العراق بل مصلحة حزبه في سرقة ونهب واختراق قوانينه. ولما كان أعضاء الحزب أغلبهم ممن عاشوا خارج العراق كصعاليك مشردين لم يتعلموا الحياة الحضرية المتمدنة سلوكاً وفكراً ونظاماً. ولما لم يكونوا منشئين تنشئة ديمقراطية في أسرهم ولا احزابهم فهم لا يستطيعوا ممارستها في حكمهم للعراق. بمعنى ان شخصيتهم أمية حضرياً وجاهلة معرفياً وصعلوكه مؤسسياً ومحتالة علائقياً ليس لديها اطاراً عقائدياً، كل ذلك يدفعها نحو العنف والعدوان مع كل من يختلف معها أو يتصدى لها فبقوا محدودي الذكاء يهرولوا وراء المال الحرام في الاختلاس وتهريب المخدرات وتبيض العملة والخيانة فكان هذا ديدنهم في الحياة استمر لغاية 1/10/2019

    بات واضحاً إذن في ظل حكم الحرامية وسياسي الصدفة ومطايا الأجنبي المستقوين به أصبح العراق مباحاً له يسرح ويمرح فيه ويفرض أوامره وتوجيهاته ونشر الفساد الرسمي واللامعيارية الأخلاقية وينهب ثرواته الطبيعية والمالية علناً دون أخذ إذن من مطاياه.

    بمعنى يكون للمجتمع وطناً عندما يحميه أبنائه ويدافعوا عنه ولا يسمحوا للأجنبي الدخول فيه إلا بإذن منهم ولا يقبلوا لأي قوة السطو على قيادته لأن له قوانينه وسيادته يلتزم بها أبناء مجتمعه ويرفض تطاول الأجنبي إذا تطاول عليه.

   وما كانت حالة المجتمع العراقي منذ عام 2003 ولغاية 1/10/2019 سوى حالة معبرة عن “مجتمع بدون وطن” مخترق ارضه ومياهه وسمائه من قبل المستقوى به والمسموح له من قبل اذنابه ووكلائه في الداخل.

    فهل هذه الحالة طبيعية في العراق؟ وهو المتنوع في اعراقه وأديانه وقبائله؟ ولديه ثروات طبيعية غزيرة، وله تاريخ حافل بالنضال والكفاح من أجل. الجواب كلا مهما طالت فإنها لا تبقى الى الأبد لأن فيه وعي تاريخي وطموح عصري محب للحرية والسيادة.

    لا أريد ان اترك هذا الباب مالم أشير الى كيفية اصلاح الخراب الكلي (وليس الجزئي) الذي خربته الأحزاب الطائفية والعرقية العميلة المستقوية بالأجنبي في حكمها للعراق ما يلي: –

أ – إلغاء الأحزاب الدينية وعدم تدويرها في العمل السياسي لأنها فاسدة ومفسدة للسياسة والدين والمجتمع على السواء.

ب – إلغاء ومحاسبة ومعاقبة المليشيات المسلحة التابعة للأحزاب والجماعات الطائفية والعشائرية.

ت – تسليم الأسلحة بكافة اصنافها للسلطة وعدم ابقائها بيد الأحزاب والمليشيات.

ث – الغاء نظام المحاصصة السياسية والطائفية والعشائرية والإقليمية.

ج – منح الحقوق الوطنية للأفراد ومساواتها بواجباتهم الوطنية مع الاعتماد على الأداء المهني وليس الولاء الشخصي أو الفئوي.

   وقبل أن ننصرف عن هذا الموضوع يتطلب حكم المجتمع العراقي ان تكون ادارته من قبل أبنائه الذين تدربوا على خدمته وتفاعلوا مع احتياجاته وتتلمذوا على اخلاقه واكتسبوا وجدانه وكرامته ومنحوه طاقتهم وابداعاتهم المتشربة بمعاييره وقيمه دون الاستقواء بالأجنبي أو تشويه ثقافته بثقافة اعجمية ودون التفريق بين طوائفه واعراقه عند المشاركة في اتخاذ القرارات الوطنية عندئذٍ يعتبر العراقيين بإن حاكمهم عادل ومنقذ وصالح وأبنهم البار.

 6 – الشبيبة الالفية… تسونامي عراقي

     قبل الولوج الى مقصدنا في هذا التشبيه المجازي نوضح مفهومه جيولوجياً، Tsunami: انه زلزال عظيم يظهر على سطح المياه من تحتها أو انه انفجار بركاني ثائر تحت سطح الماء يسبب أمواج عاتية تكون اثاره مدمرة.

     بتاريخ 1/10/2019 انتفضت الشبيبة العراقية في المحافظات الجنوبية وبغداد ممن هم منحدرين من الطبقة الاقتصادية الفقيرة والطائفة الدينية الشيعية، انتفضوا على شكل بركان بشري ثائر من تحت سطح الطبقة الفقيرة والطائفة الشيعية فسبب أمواجاً بشرية من خارج شريحته العمرية (من الشيوخ وربات المنازل والأطباء والمهندسين والمحامين والكسبة والطلبة والمعلمين) من شعروا بالضيم والحيف والضنك وكأنهم يعيشوا في مجتمع البور تحكمهم مجاميع جاءت من خارج العراق لا تملك المال ولا العلم ولا المواطنة وبعد فترة وجيزة أصبحوا من أصحاب الملايين والمليارات من الدولار دون أن يقدموا أي منجز تنموي للعراق وهم يلبسوا العباءة الطائفية كغطاء لممارساتهم الفاسدة والمقوضة والممزقة للنسيج الاجتماعي والمفككة للمؤسسات الحكومية، بعملهم هذا مسنودين من قبل مليشيات إجرامية تتحدى القانون والدولة والمؤسسات الأمنية والعسكرية.

  بذات الوقت اطلعت هذه الشبيبة على مجريات العالم الحر من خلال شاشات النت وشبكات الاتصالات الالكترونية وثورة المعلومات وهم مهمشين ومستبعدين من ممارسة ادوارهم المهنية ويعانوا من الضنك المالي والبطالة والحرمان مما فتق عندهم نزعة التعبير الحر من أجل اكتساب موقعه في مجتمعه ويساهم في الحياة الاجتماعية. لم يكن مؤدلجاً بعقيدة سياسية أو طائفية وليس لديه مرجعية فكرية بل لديه جماعة عمرية رفاقية Peer group تتمتع بدرجة عالية من التضامن والتماسك الاجتماعي. يتبادل أعضائها خبراتهم ومعاناتهم ومعارضاتهم مع الكبار. هذه الجماعة تمنحهم حرية كبيرة وثقة عالية بالنفس لذا تعتبر عندهم مصدراً مهماً للاقتداء واستقاء الآراء والأفكار، لديهم معايير وقيم خاصة بجماعتهم ولهم أهداف مشتركة يسعون لتحقيقها مؤكدين من خلالها على هويتهم المشتركة. كل ذلك جعلهم متحررين من خرافات المعممين والدجالين وتجار الدين والسياسة فلم تتبلور عندهم مشاعر الخوف والهلع بل منحتهم الجسارة والجرأة والصرامة والتعلق بالوطن وعدم التعصب والتحيز العرقي أو الطائفي.

    وفي ظل هذه التنشئة الجديدة في مؤثراتها الحديثة دفعته للانتفاضة ضد الثقافة الماضوية – الغيبية المارورائية لكي يعيش في عصر التمدن والمحبة والسلام.

   أما أسباب انتفاضته فترجع الى: –

أ – معاناته وحرمانه من أبسط شروط العيش الكريم، الكهرباء والماء والتعليم والعلاج الطبي والعمل.

ب – بطالته عن العمل وعدم وجود مصدر رزق لعيشه.

ت – تمتع الطبقة الحاكمة وابنائها بثروة مالية ونفوذ سلطوي لا حدود لهم مستأثرين بها ومستغلين مواقعهم المتنفذة (الطائفية والحزبية) في الاثراء غير المشروع.

ث – اكتشافه زيف وادعاءات المسؤولين ورجال الدين بالمظلومية والتعاليم والمناسبات الطائفية مقابل بذخهم المترف وفسادهم الصارخ وقتلهم الجماعي للأبرياء من المواطنين.

ج – مشاهداته للاحتراب الطائفي والتهجير القسري لأبناء بلده.

ح – استغلاله كوقود بشري في المناسبات